ورجل مملوك أدى حق اللَّه وحق مواليه، ورجل أدَّب جاريته فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران] (١).
الحديث الثاني: أخرج الروياني في "مسنده"، وأحمد كذلك نحوه، بسند حسن عن أبي أمامة الباهلي قال: [كنت تحت راحلة رسول اللَّه ﷺ في حجة الوداع، فقال قولًا حسنًا، فقال فيما قال: مَنْ أَسْلَم مِنْ أهل الكتاب فله أجره مرتين، وله مثل الذي لنا، وعليه مثل الذي علينا، ومن أسلم من المشركين فله أجره، وله مثل الذي لنا، وعليه مثل الذي علينا] (٢).
التأويل الثاني: الضمير في ﴿يُؤْتِكُمْ﴾ يعم المؤمنين من هذه الأمة.
فإن توجيه الآية لعموم المؤمنين الصادقين في تقواهم وحفظهم هذا الدين -من هذه الأمة- يؤيده ما رواه ابن جرير بسنده عن سعيد بن جبير قال: (لما افتخر أهلُ الكتاب بأنهم يؤتون أجرهم مرَّتين أنزل اللَّه هذه الآية في حق هذه الأمة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾، أي: ضِعْفين، وزادهم: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾، يعني: هُدى يتبَصَّرُ به من العمى والجهالة، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾. ففضلهم بالنور والمغفرة).
وكذلك يؤيده من السنة الصحيحة أحاديث، منها:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: [مثلُ المسلمين واليهود والنصارى كمثلِ رجُلٍ استأجر قومًا يعملون له عملًا يومًا إلى الليل على أجر معلوم، فعملوا إلى نصف النهار فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجْرِك الذي شَرَطْتَ لنا، وما عَمِلْنا باطلٌ. فقال لهم: لا تَفْعَلوا، أكمِلوا بقية عَمَلِكم وخُذُوا أجركم كاملًا، فأَبَوْا وترَكُوا. واستأجر آخرِين بعدهم فقال: أكْمِلوا بقيَّةَ يومِكم هذا، ولكم الذي شرطْتُ لهم من الأجر، فَعَمِلُوا حتى إذا كان حينَ صلاة العَصْرِ قالوا: لَكَ ما عَمِلْنا باطِلٌ ولكَ الأجْرُ الذي جَعَلْتَ لنا فيه، فقال لهم: أكملوا بَقِيَّة عملِكم فإن ما بَقِيَ من النهار شيءٌ يسيرٌ، فأبَوْا، فاستأجَرَ قومًا أن يَعْمَلُوا له بَقِيَّةَ يَوْمِهم فَعَمِلوا بقيَّةَ
стр. 4762
يَوْمِهم حتى غابت الشَّمْسُ واستكمَلُوا أجْرَ الفريقين كِليهما، فذلك مَثَلُهُم ومثلُ ما قَبِلوا من هذا النُّور] (١).
الحديث الثاني: أخرج أحمد والبخاري والترمذي عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [مَثَلُكُم ومثلُ اليهودِ والنصارى كمثلِ رَجُلٍ استعملَ عُمّالًا، فقال: مَنْ يعملُ لي من صلاة الصبح إلى نصف النهار على قيراطٍ قيراطٍ؟ ألا فعملت اليهودُ. ثم قال: مَن يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراطٍ قيراطٍ؟ ألا فعملت النصارى. ثم قال: من يعمَلُ لي من صلاة العصر إلى غروب الشمس على قيراطين قيراطين؟ ألا فأنتم الذين عملتم. فغضبت النصارى واليهودُ، وقالوا: نحن أكثرُ عملًا وأقلُّ عطاءً. قال: هل ظلمتكم من أجركم شيئًا؟ قالوا: لا. قال: فإنما هو فَضْلي أُوتيه من أشاء] (٢).
وقوله: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾. قال ابن عباس: (الفرقان، واتباعهم النبي ﷺ ). وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ قال: القرآن). وعن مجاهد: (﴿تَمْشُونَ بِهِ﴾ قال: هدى). قال القاسمي: ("النور" هو ما يبصر من عمى الجهالة والضلالة، ويكشف الحق لقاصده، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩]).
وقوله: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. أي: ويصفح لكم عن ذنوبكم فيسترها عليكم واللَّه واسع المغفرة والرحمة.
وقوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبمحمد ﷺ من أهل الكتاب: يفعل بكم ربكم هذا لكي يعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء من فضل اللَّه الذي آتاكم وخصّكم به. لأنهم كانوا يرون أن اللَّه قد فضَّلهم على جميع الخلق، فأعلمهم اللَّه جل ثناؤه أنه قد آتى أمة محمد ﷺ من الفضل والكرامة ما لم يؤتهم). وقال القرطبي: (﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ أي: ليعلم، و"أن لا" صلة زائدة مؤكدة، قاله الأخفش.
стр. 4763
وقال الفراء: معناه لأن يعلم و"لا" صلة زائدة في كل كلام دخل عليه جَحْد).
وقد ذكر أن في قراءة عبد اللَّه ﴿لكي يعلم﴾ - ذكره الطبري. قال القاسمي: (ليعلموا أنهم لا يقدرون على شيء من فضل اللَّه، فضلًا عن أن يتصرفوا في أعظمه، وهو النبوة، فيخصوا بها من أرادوا).
وقوله: ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
إعلام اللَّه تعالى أهل الكتاب -الذين زيَّنَ لهم الشيطان أنهم أفضل الخلق- أنه قد آتى أمة محمد ﷺ من الفضل والكرامة ما لم يؤتهم لأن الفضل بيده -سبحانه- دونهم، ودون غيرهم من الخلق، يؤتيه من يشاء من عباده ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
تم تفسير سورة الحديد بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه الاثنين ٧ رمضان ١٤٢٦ هـ الموافق ١٥/ تشرين الأول/ ٢٠٠٥ م
* * *
стр. 4764
دروس ونتائج وأحكام
١ - " سبحان اللَّه وبحمده" صلاة كل شيء، وبها يرزق الخلق.
٢ - اللَّه تعالى هو الأول ليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء.
٣ - أعْجَبُ الخلق إيمانًا قوم يجدون صحفًا فيها كتاب يؤمنون بما فيها من عند اللَّه رب العالمين، ويتابعون صحابة هذا النبي الكريم، أولئك لهم عند اللَّه الأجر العظيم.
٤ - لا يستوي من أنفق وقاتل من قبل الفتح مع من فعل ذلك بعده.
٥ - المؤمن القوي خير وأحبّ إلى اللَّه من المؤمن الضعيف، وفى كل خير.
٦ - يسلب المنافقون نورهم على الصراط ويتم اللَّه النور للمؤمنين.
٧ - يعرف النبي ﷺ أمته بأثر الوضوء، ويعرفهم بسيماهم في وجوههم، ويعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم.
٨ - يا ابن آدم! اعمل كأنك تُرى، وعُدَّ نفسك مع الموتى، وإياك ودعوة المظلوم.
٩ - النار أولى بالمنافقين من كل منزل لقاء كفرهم وخداعهم ومكرهم.
١٠ - أول شيء يُرفَعُ مِنْ هذه الأمة الخشوع، حتى لا ترى فيها خاشعًا.
١١ - إن السَّلف يجري مجرى شطر الصدقة، والسَّلف القرض الحسن.
١٢ - مثل هذه الدنيا كزرع يبس ثم تحطم، والآخرة نعيم لا يبلى.
١٣ - كتب اللَّه مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء.
١٤ - اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم.
стр. 4765
١٥ - أرسل اللَّه الحق بالقرآن والقوة بالحديد لحمايته الحق وإقراره.
١٦ - حدٌّ يُعْمَلُ به في الأرض، خَيْر لأهل الأرض مِنْ أن يُمْطروا أربعين صباحًا.
١٧ - لا يقبل اللَّه عملًا ابتدعه الناس دينًا لهم، بل ما كان على منهاج النبوة.
١٨ - لكل نبي رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل اللَّه.
١٩ - القرآن فرقان يفرق بين الحق والباطل، ونور يُبَصِّرُ من عمى الجهالة والضلالة.
٢٠ - خير الأمم أمة محمد ﷺ ، وفضل اللَّه يؤتيه -تعالى- من يشاء.
* * *
стр. 4766
٥٨ - سورة المجادلة
وهي سورة مدنية، وعدد آياتها (٢٢).
قال المهايميّ: (سميت بها، لأنها لما كانت لطلب الحق والصواب، أشبهت مجادلة الأنبياء والقرآن، ولذلك سمع اللَّه لصاحبها).
موضوع السورة
قصة المجادلة، وآداب النجوى
- منهاج السورة -
١ - سماع اللَّه قصة المجادلة وشكواها من فوق عرشه وهو السميع البصير.
٢ - ذكر مفهوم الظهار، وأحكام الظهار، والكفارة الواجبة في ذلك.
٣ - المكر بالذين يحادون اللَّه ورسوله، وإحصاء اللَّه تعالى أقوالهم وأعمالهم.
٤ - علم اللَّه تعالى بالسر وأخفى، وما يكون في النجوى، واللَّه بكل شيء عليم.
٥ - ذمُّ أهل الكتاب الذين يتغامزون عند رؤية المؤمنين، وتوعد اللَّه لهم عذاب الجحيم.
стр. 4767
٦ - الأمرُ للمؤمنين بالتناجي بالبر والتقوى لا بالإثم والعدوان، فإن النجوى لا تسلم من مكر الشيطان.
٧ - الأمْر بالتفسُّح في المجالس وعدم إيذاء النبي الكريم، واللَّه تعالى يرفع المؤمنين وأهل العلم الصادقين.
٨ - الأمْرُ بتقدم النجوى للرسول بالصدقات، ثم نسخ ذلك والأمر بالطاعات والقربات.
٩ - ذم المنافقين وتوعدهم العذاب المهين، ولن تنفعهم أموالهم ولا أولادهم يوم الدين.
١٠ - كتابة اللَّه النصر للمؤمنين والخزي على الكافرين، والولاء والبراء جزء من منهج الإيمان عند المسلمين، وأهله هم حزب اللَّه الذين يرثون جنات النعيم.
* * *
стр. 4768
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١. قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.
في هذه الآية: سماعُ اللَّه تعالى قصة المجادلة وشكواها إلى النبي ﷺ من فوق سبع سماوات، واللَّه هو السميع البصير.
أخرج الإمام أحمد في المسند، والنسائي في "التفسير"، بسند على شرط مسلم، عن عروة، عن عائشة قالت: [الحمد للَّه الذي وَسِعَ سَمْعُهُ الأصوات، لقد جاءت المجادِلةُ إلى النبي ﷺ تُكَلِّمُه وأنا في ناحيةِ البيتِ، ما أسمع ما تقولُ، فأنزل اللَّه : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا. . .﴾. . . إلى آخر الآية] (١).
واختلف المفسرون في اسم المرأة من الأنصار -المجادِلة رسول اللَّه ﷺ ونسبها. قيل: هي خولة بنت ثعلبة. وقيل: هي خويلة بنت خويلد. وقيل: هي خويلة بنت الصامت. وقيل غير ذلك.
قلت: ولا يهمّ الاسم (٢)، وإنما يهمّ العلم المنبثق عن تلك المجادَلة. قال ابن جرير: (وكانت مجادلتها رسول اللَّه ﷺ في زوجها، وزوجها أوس بن الصامت، مراجعتها إياه في أمره، وما كان من قوله لها: أنت عليّ كظهر أمي، ومحاورتها إياه في ذلك).
стр. 4769
٢ - ٤. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾.
في هذه الآيات: ذكر مفهوم الظهار، وأحكام الظهار، والكفارة الواجبة في ذلك.
أخرج أبو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم بسند صحيح في الشواهد عن سلمة بن صخر الأنصاري قال: [كنت رجلًا قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري، فلما دخل رمضان تظاهرت من امرأتي، حتى ينسلخ رمضان، فرقًا من أن أصيب منها في ليلي فأتتابع في ذلك، إلى أن يدركني النهار، وأنا لا أقدر أن أنزع، فبينما هي تخدمني ذات ليلة، إذ تكشَّف لي منها شيء، فوثبت عليها، فلما أصبحت غدوت على قومي فأخبرتهم فقلت: انطلقوا معي إلى رسول اللَّه ﷺ ، فأخبره بأمري، فقالوا: لا واللَّه لا تفعل، نتخوَّفُ أن ينزل فينا قرآن، أو يقول فينا رسول اللَّه ﷺ مقالة يبقي علينا عارها، ولكن اذهب أنت فاصنع ما بدا لك. قلت: فخرجت فأتيت رسول اللَّه ﷺ ، فأخبرته خبري، فقال: "أنت بذاك"؟ قلت: أنا بذاك، قال: "أَنْتَ بِذَاكَ"؟ قلت: أنا بذاك، قال: "أَنْتَ بِذاكَ"؟ قلت: أنا بذاك، وها أنذا فأمض فيَّ حكم اللَّه، فإني صابر لذلك، قال: "أَعْتِقْ رقبةً". قال: فضربت صفحة عنقي بيدي، فقلت: لا والذي بعثكم بالحق ما أصبحت أملك غيرها. قال: "فَصُمْ شَهْرين"، قلت: يا رسول اللَّه وهل أصابني ما أصابني، إلا في الصيام، قال: "فأطْعِمْ ستِين مِسْكينًا"، قلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه وَحْشَى (١) ما لنا عشاء. قال: "اذهب إلى صاحِبِ صَدَقَةِ بَني زُرَيْقٍ فَقُلْ لهُ فليَدْفَعْها إليك فاطعِمْ عنك منها وَسْقًا سِتّين مسكينًا، ثم استَعِنْ بِسائِره عَليكَ وعلى عيالك".
стр. 4770
قال: فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند رسول اللَّه ﷺ السعة والبركة، أَمَرَ لي بِصَدَقتكم فادفعوها إلي، فدفعوها إليّ] (١).
وأخرج أبو داود بسند حسن عن خويلة بنت مالك بن ثعلبة، قالت: [ظاهرَ مني زوجي أوسُ بن الصامت، فجئت رسول اللَّه ﷺ ، أشكو إليه، ورسول اللَّه ﷺ يجادلني فيه، ويقول: "اتقي اللَّه فإنه ابن عمك"، فما برحت حتى نزل القرآن: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ إلى الفرض فقال: "يعتق رقبة"، قالت: لا يجد، قال: "فيصوم شهرين متتابعين"، قالت: يا رسول اللَّه، إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال: "فليطعم ستين مسكينًا"، قالت: ما عنده من شيء يتصدق به، قالت: فأتِيَ ساعتئذ بِعَرَقٍ (٢) مِنْ تَمْرٍ، قلت: يا رسول اللَّه، فإني أعينه بعَرَق آخر، قال: "قد أحسنت، اذهبي فأطعمي بها عنه ستين مسكينًا، وارجعي إلى ابن عمك"] (٣).
وله شاهد عنده من طريق سليمان بن يسار قال: [فَأُتِيَ رسول اللَّه ﷺ بتمر فأعطاه إياه، وهو قريب من خمسة عشر صاعًا، قال: "تَصَدَّق بهذا" قال: فقال: يا رسول اللَّه، على أفْقَرَ مني ومن أهلي؟ فقال رسول ﷺ : "كله أنت وأهلك"] (٤).
فقه أحكام الظهار:
١ - من قال لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي فهو مظاهر. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾.
٢ - المظاهر تحرم عليه زوجته، فلا يطؤها ولا يستمتع منها بشيء حتى يكفّر.
ففي سنن أبي داود عن عكرمة: [أن رجلًا ظَاهَر من امرأته فرأى بريق ساقها في القمر فوقع عليها. فأتى النبي ﷺ ، فأمره أن يكفر].
وفي لفظ: [أن رجلًا ظَاهَر من امرأته، ثم واقعها قبل أن يُكَفر، فأتى النبي ﷺ
стр. 4771
فأخبره، فقال: "ما حملك على ما صنعت"؟ قال: رأيت بياض ساقها في القمر، قال: "فاعتزلها حتى تكفر عنك"] (١).
٣ - الكفارة: تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا.
أخرج أبو داود عن هشام بن عروة: [أن جميلة كانت تحت أوس بن الصامت، وكان رجلًا به لمَمٌ، فكان إذا اشتدَّ لَمَمُهُ (٢) ظاهرَ من امرأته، فأنزل اللَّه تعالى فيه كفارة الظهار] (٣).
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾.
٤ - الظهار حرام، لأن اللَّه وصفه بأنه منكر من القول وزور، وأنكر على المظاهر. قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾.
قال سعيد بن جبير: (كان الإيلاء والظهارُ من طلاقِ الجاهلية، فوقَّت اللَّه الإيلاء أربعة أشهر، وجعل في الظهار الكفّارة).
وقوله: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ﴾ - الخطاب للمؤمنين. واستدل الإمام مالك بقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ على أن الكافر لا يدخل في هذه الآية.
وقوله: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ - استدل بها الجمهور على أن الأَمَةَ لا ظهار منها، ولا تدخل في هذا الخطاب.
وقوله: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾. قال ابن كثير: (أي: لا تصيرُ المرأة بقولِ الرجُل: أنتِ عليَّ كظهر أُمِّي، أو كأمي أو "مثل أمي"، وما أشبه ذلك، لا تصيرُ أمَّهُ بذلك، إنما أُمُّهُ التي وَلَدَتْهُ. ولهذا قال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾، أي: كاملًا فاحشًا باطلًا، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾، أي: عما كان منكم في حال الجاهلية، وهكذا أيضًا عما خَرَج من سَبْقِ اللسانِ ولم يَقْصِد إليه المتكلم).
стр. 4772
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾. تكرار العبارة لبيان حكم الظهار، بعد بيان أنه منكر وزور.
وقوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾، أي: ثم يعودون لنقض ما قالوا أو لتداركه -على حذف المضاف-. أو: ثم يعودون لتحليل ما حرّموا على أنفسهم. واختلف المفسرون بماذا يحصل النقض على أقوال:
١ - قال أحمد بن حنبل: (هو أن يعود إلى الجماع، أو يعزم عليه، فلا يَحِلُّ له حتى يكفِّرَ بهذه الكفّارة).
٢ - وقال أبو حنيفة: (هو أن يعود إلى الظهار بعد تحريمه، ورُفِعَ ما كان عليه أمر الجاهلية، فمتى ظاهر الرجل من امرأته فقد حرّمها تحريمًا لا يرفعه إلا الكفّارة).
٣ - وقال الشافعي: (هو أن يُمسِكها بعد الظهار زمانًا يمكنه أن يطلِّق فيه فلا يُطَلِّق).
٤ - وحُكي عن مالك: (أنه العزم على الجماع والإمساك)، وعنه: (أنه الجماع).
٥ - وقال سعيد بن جبير: (﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾، يعني: يُريدون أن يعودوا في الجماع الذي حرّموه على أنفسهم). وقال الحسن البصري: (يعني الغِشْيَانَ في الفَرْج). وكان لا يرى بأسًا أن يغشى فيما دون الفرج قبل أن يُكفرِّ.
٦ - قال بُكير بن الأشج: (العودُ هو أن يعود إلى لفظ الظهار فيكرّره).
قلت: أما قول بكير فباطل -كما قال ابن العربي وغيره- ولا دليل عليه في أصل هذا التشريع من السنة الصحيحة في القصص الواردة في الظهار. وقول الشافعي بعيد عن مفهوم السياق، ويبقى مفهوم العَوْدِ يدل عليه ما بعده -وهو إيجاب الكفارة- فيكون المقصود: الذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون فيما ذهبوا إليه، فيعزمون على غشيانهن ووطئهن رغبة في تحليلهن بعد تحريمهن، فلا بد من الكفارة.
ففي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن عكرمة: [أنّ رجلًا ظَاهر من امرأته، ثم واقعها قيل أن يُكَفِّرَ، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: "ما حملك على ما صنعت"؟ قال: رأيت بياض ساقها في القمر، قال: "فاعتزلها حتى تكفّر عنك"] (١).
وقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾. أي: فإعتاق رقبة (٢) كاملة، من قبل
стр. 4773
المسيس بأي شكل من أشكاله - وهو قول مالك وأحد قولي الشافعي.
وعن ابن عباس: (﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، المسّ: النكاح)، وقال الزهري: (ليس له أن يُقَبِّلها ولا يَمَسَّها حتى يُكَفِّر).
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾. أي تُزجرون به. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. أي: واللَّه عليم بأحوالكم، خبير بما يُصلحكم.
وقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾. أي: فمن لم يجد ما يعتق رقبة وجب عليه صيام شهرين متتابعين قبل المسيس.
فإن أفطر في أثنائهما بغير عذر استأنفهما، وإن أفطر لعذر من مرض أو سفر يبني على ما صام منهما. قال مالك: (إذا مرض في صيام كفارة الظهار بنى إذا صحّ).
وقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾. قال القرطبي: (ذكر اللَّه الكفارة هنا مرتبة، فلا سبيل إلى الصيام إلا عند العجز عن الرقبة، وكذلك لا سبيل إلى الإطعام إلا عند عدم الاستطاعة على الصيام، فمن لم يطق الصيام وجب عليه إطعام ستين مسكينًا لكل مسكين مُدّان بمُد النبي ﷺ . قال: ودليلنا قوله تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ وإطلاق الإطعام يتناول الشّبع، وذلك لا يحصل بالعادة بمدّ واحد إلا بزيادة عليه).
وقال النسفي: (لكل مسكين نصف صاع من برّ، أو صاع من غيره).
وقوله: ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. أي: هذا التغليظ في الكفارة لتَصْدُقوا اللَّه تعالى الإيمان به وتعظيم شرعه وهدي نبيه ﷺ ، وتنخلعوا من عادات الجاهلية.
وقوله: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾. أي محارمه فلا تنتهكوها، بَيَّنَ لكم الطاعة بعد المعصية، والمعصية هنا الظهار، والطاعة الكفارة وترك ذلك القول المنكر.
وقوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال ابن كثير: (أي: الذين لم يؤمنوا ولا التزموا بأحكام هذه الشريعة، لا تعتقدوا أنهم ناجُون من البلاء، كلّا، ليس الأمر كما زعموا، بل لهم عذاب أليم، أي: في الدنيا والآخرة).
٥ - ٧. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا
стр. 4774
عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾.
في هذه الآيات: إذلالُ اللَّه الذين يناصبونه ورسوله العداء ومكرهُ تعالى بهم، وإحصاؤه جميع أقوالهم وأعمالهم ليظهرها يوم الحشر لهم، فهو سبحانه يعلم السر وأخفى، ويعلم ما يكون في النجوى، ثم يُنَبِّئ عباده يوم القيامة بما عملوا، وهو بكل شيء عليم.
فقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. قال قتادة: (يقول: يعادون اللَّه ورسوله). وأصل المحادّة الممانعة، ومنه الحديد. قال الزجاج: (المحادّة أن تكون في حدّ يخالف حدّ صاحبك). والمقصود: توعّدٌ من اللَّه للمعاندين شرعه المحادين المخالفين لرسله، الممانعين علوّ دينه في الأرض.
وقوله: ﴿كُبِتُوا﴾. قال أبو عبيدة والأخفش: (أهلكوا). وقال قتادة: (أُخزوا كما أخزي الذين من قبلهم). وقال ابن زيد: (عذبوا). وقال السدي: (لعنوا). قلت: وأصل الكبت الصرف والإذلال. والعرب تقول: كبت اللَّه العدو أي صرفه وأذَلّه. وَكَبَتَه لوجهه: أي صَرَعَه.
وقوله: ﴿كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.
أي: أهينوا وَأُخْزُوا ولعنوا وذلّوا كما فعل بمن أشْبهَهُم من قبلهم.
وقوله: ﴿وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. قال ابن جرير: (يقول: وقد أنزلنا دلالات مفصلات، وعلامات محكمات تدلّ على حقائق حدود اللَّه).
وقوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. أي: وللجاحدين آيات اللَّه البينات التي أنزلها اللَّه على رسوله، والمستكبرين عن طاعته عذاب موجع يوم القيامة في نار جهنم.
وقوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾. أي: يوم يجمع اللَّه الأولين والآخرين في صعيد واحد فينبئهم بما صنعوا من خير أو شر.
стр. 4775
وقوله: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾. أي: أثبته -تعالى- وحافظه وضبطه عليهم ونسيه عاملوه.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. أي: لا يغيب عنه شيء ولا يخفى عليه.
وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ. . .﴾ الآية. إخبار عن إحاطة علمه سبحانه بخلقه، واطلاعه عليهم، وسماعه كلامهم، ورؤية مكانهم ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ أي من سر ثلاثة ﴿إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ أي يسمع سرّهم ونجواهم، ولا يخفى عليه شيء من أسرارهم.
وقوله: ﴿وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾. أي: ولا يكون من نجوى خمسة إلا هو سادسهم، ولا أقل من ثلاثة ولا أكثر من خمسة إلا هو معهم إذا تناجوا في أي موضع كانوا.
قال الضحاك: (﴿هُوَ مَعَهُمْ﴾ قال: هو فوق العرش وعلمه معهم).
وقوله: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. أي: ثم يخبر هؤلاء المتناجين وغيرهم بما كان من أمرهم وما حاولوا كتمه مما يحبّه -تعالى- أو يسخطه - يوم القيامة.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. إثبات أن المعية الوارد في الآية هي معية علم، وكذلك حيثما وردت المعية في القرآن جاء ما يفسّرها ويدل عليها من السياق، وهي تفيد في مجموع مواضعها أنها معية بالصفات لامعية في الذات، فاللَّه تعالى فوق عرشه، بائن من خلقه، يسمع ويبصر ويعلم كل شيء في أرجاء ملكوته، وفي أحوال عباده. قال الإمام أحمد: (افتتح الآية بالعلم، واختتمها بالعلم).
٨ - ١٠. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ
стр. 4776
بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)﴾.
في هذه الآيات: ذمُّ أهل الكتاب الذين يتغامزون عند رؤية المؤمنين، وتوعّد اللَّه لهم عذاب الهون في نار الجحيم. وأمْرُه تعالى المؤمنين التناجي بالبر والتقوى لا بالإثم والعدوان، فإن النجوى من مكر الشيطان، ليفَرِّق بذلك بين المؤمنين، وليس بضارهم شيئًا إلا بإذن اللَّه العظيم.
فقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾. قال مجاهد: (﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾ قال: اليهود). قال النسفي: (كانت اليهود والمنافقون يتناجون فيما بينهم ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين، ويريدون أن يغيظوهم ويوهموهم في نجواهم وتغامزهم أن غزاتهم غلبوا، وأن أقاربهم قتلوا، فنهاهم رسول اللَّه ﷺ فعادوا لمثل فعلهم وكان تناجيهم بما هو إثم وعدوان وتواص بمعصية الرسول ومخالفته).
وقوله: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية.
أخرج الإمام أحمد في المسند، وكذلك البزار، والطبراني في المعجم؛ بإسناد جيد عن عبد اللَّه بن عمرو: [أنّ اليهود كانوا يقولون لرسول اللَّه ﷺ : سامٌ عليك، ثم يقولون في أنفسهم: لولا يعذبنا اللَّه بما نقول فنزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾] (١).
وفي صحيح مسلم عن الأعمش، عن مُسْلم، عن مسروقٍ، عن عائشة قالت: [أتى النبيَّ ﷺ أُناسٌ من اليهود، فقالوا: السَّامُ عليكَ، يا أبا القاسم! قال: "وعليكم". قالت عائشة: قلتُ: بَلْ عَلَيْكُم السَّامُ والذَّامُ. فقال رسول اللَّه ﷺ : يا عائشةُ! لا تكوني فاحِشة. فقالت: ما سَمعْتَ ما قالوا؟ فقال: أوليسَ قد رَدَدْتُ عليهم الذي قالوا؟ قلْتُ: وعَلَيْكمُ] (٢).
وفي رواية: [ففطنت بهم عائشة فَسَبَّتْهُمْ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "مَهْ، يا عائشةُ!
стр. 4777
فإن اللَّه لا يُحِبّ الفُحْشَ والتَفَحُّشَ" - وزاد فأنزل اللَّه : ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ. . .﴾ إلى آخر الآية].
وفي صحيح البخاري ومسلم -واللفظ له- عن جابر قال: [سَلَّمَ ناسٌ من يَهود على رسول اللَّه ﷺ فقالوا: السَّامُ عليكَ، يا أبا القاسم! فقال: "وعليكم". فقالت عائشة، وغضبت: ألَمْ تَسْمَع ما قالوا؟ قال: بلى، قَدْ سَمِعْتُ، فَرَدَدْتُ عليهم، وإنّا نُجَابُ عليهم ولا يُجَابون عَلينا] (١).
قال ابن كثير: (وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾، أي: يفعلون هذا، ويقولون ما يُحرَّفون من الكلام وإيهام السلام، وإنما هو شَتْمٌ في الباطن، ومع هذا يقولون في أنفسهم: لو كان هذا نبيًا لعذَّبنا اللَّه بما نقول له في الباطن، لأن اللَّه يعلم ما نُسِرُّه، فلو كان هذا نبيًا حقًا لأوشك أن يُعَاجلَنا اللَّه بالعقوبة في الدنيا، فقال اللَّه تعالى: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾، أي: جهنم كفايتهم في الدار الآخرة، ﴿يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾).
وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾.
تَأديبٌ من اللَّه تعالى عباده المؤمنين، بمخالفة طريقة الكفرة والمنافقين، فإذا تناجوا فلا يتشبهوا باليهود والمنافقين في تناجيهم بالشر.
وقوله: ﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾. أي: وتناجوا بالطاعة وبالعفاف عما نهى اللَّه عنه.
وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. أي: وخافوا اللَّه الذي إليه تجمعون في الآخرة، فعظموه حق التعظيم بامتثال دينه والتحاكم إليه.
وقوله: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. أي: إنما النجوى -وهي المسارَّة التي يظن المؤمن منها السوء- من تزيين الشيطان وتسويله، لِيُسيءَ إلى المؤمنين ويمزّق الأخوة التي تربطهم.
стр. 4778
وفي الصحيحين والمسند عن عبد اللَّه ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ قال: [إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث] (١).
وفي صحيح البخاري عن عبد اللَّه ﵁ قال: قال النبي ﷺ : [إذا كنْتُم ثلاثة فلا يتناجى رَجُلان دونَ الآخر حتى تختلطوا بالناس، مِنْ أجْلِ أنَّ ذلكَ يُحْزِنُه] (٢).
وقوله: ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: (بأمره).
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وليس التناجي بضارّ المؤمنين شيئًا إلا بإذن اللَّه، يعني بقضاء اللَّه وقَدَره).
وقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. قال القرطبي: (أي يكِلون أمرهم إليه، ويفوّضون جميع شؤونهم إلى عونه، ويستعيذون به من الشيطان ومن كل شر، فهو الذي سلّط الشيطان بالوساوس ابتلاءً للعبد وامتحانًا ولو شاء لصرفه عنه).
١١. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾.
في هذه الآية: الأَمْرُ بالتفسّح في المجالس عند الحاجة لذلك وعدم إيذاء النبي ﷺ في مجلسه الكريم، واللَّه تعالى هو يرفع المؤمنين وأهل العلم في درجات الأولياء الصالحين.
فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾. تعليم منه تعالى للمؤمنين أدب المجالس، وذلك بأن يفسح المرء لأخيه ويتنحَّى توسعة له. وقُرِئَ: ﴿فِي الْمَجَالِسِ﴾. قال الشهاب: (وارتباطه بما قبله ظاهر، لأنه لما نهى عن التناجي والسرار، علم منه الجلوس مع الملأ، فذكر آدابه. ورتب على امتثالهم فسحه لهم فيما يريدون التفسح، من المكان والرزق والصدر).
стр. 4779
قال ابن كثير: (وذلك أن الجزاء من جنس العمل، كما جاء في الحديث الصحيح:
"من بنى للَّه مسجدًا بنى اللَّه له بيتًا في الجنة". وفي الحديث الآخر: "من يَسَّرَ على مُعْسِر يَسَّر اللَّه عليه في الدنيا والآخرة، واللَّه فى عون العبد ما كان العبد في عون أخيه". ولهذا أشباه كثيرة، ولهذا قال: ﴿فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾).
قال قتادة: (نزلَت هذه الآيةُ في مجالس الذكر، وذلك أنهم كانوا إذا رأوا أحدَهم مُقْبِلًا ضَنُّوا بمجالسهم عند رسول اللَّه ﷺ ، فأمرهم اللَّه أن يَفْسَحَ بعضُهم لبعض).
أخرج البخاري في صحيحه عن نافع، عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: [لا يُقيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِه ثم يَجْلِسُ فيه] (١).
ورواه بنحوه في - كتاب الجمعة - من صحيحه عن ابن جُرَيج عن نافع قال: سمعت ابنَ عمر ﵄ يقول: [نهى النبيُّ ﷺ أن يقيم الرجلُ الرجلَ مِنْ مَقْعَدِه ويَجْلِسَ فيه. قلت لنافع: الجمعةَ؟ قال: الجْمُعَةَ وغيرَها] (٢).
وله شاهد عنده في كتاب الاستئذان عن نافع -أيضًا- عن ابن عمر عن النبي ﷺ : [أنه نهى أن يُقامَ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ ويَجْلِسَ فيه آخر، ولكن تَفَسَّحُوا وتوسَّعوا، وكان ابن عمر يكرهُ أن يقومَ الرجلُ من مَجْلِسِه ثم يُجْلسَ مكانَهُ] (٣).
وفي مسند الإمام أحمد بإسناد حسن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [لا يُقمِ الرجلُ الرجلَ من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن افسحوا يفسَحِ اللَّه لكم] (٤).
وفي لفظ: [لا يقوم الرجل للرجل من مجلسه، ولكن افسحوا يَفْسَحِ اللَّه لكم].
وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾.النشز: الارتفاع، وأصله من نشز الأرض وهو ارتفاعها. قال النحاس: (النَّشز هو ما ارتفع من الأرض وتنحى). ونشزَ الرجل إذا انتحى من موضعه، وامرأة ناشز أي منتحية عن زوجها.
فالمعنى: إذا قيل لكم ﴿انْشُزُوا﴾ عن النبي ﷺ ﴿فَانْشُزُوا﴾ -أي انهضوا فإنه له
стр. 4780
حوائج فلا تمكثوا. وقال قتادة: (المعنى أجيبوا إذا دعيتم إلى أمر بمعروف).
قال القاسمي: (﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا﴾ أي انهضوا للتوسعة، أو ارتفعوا في المجالس، أو انهضوا عن مجلس الرسول، إذا أُمِرتم بالنهوض عنه، ولا تملوه بالارتكاز فيه).
وقوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾. أي: يرفع اللَّه المؤمنين بامتثال أوامره، وأوامر رسوله، فإنه ليس في فسح الرجل لأخيه في المجلس انتقاص له، بل رفعة ومزية عند اللَّه، كما هو النهوض لكل أمر بمعروف.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. قال ابن مسعود: (مدح اللَّه العلماء في هذه الآية). والمقصود: يرفع اللَّه المؤمنين والعلماء بالثواب في الآخرة وبالكرامة في الدنيا، فيرفع المؤمن على من ليس بمؤمن، والعالم على من ليس بعالم، وللعلماء مزية.
قال القرطبي: (المعنى أنه يرفع اللَّه الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم ﴿دَرَجَاتٍ﴾ أي درجات في دينهم إذا فعلوا ما أُمِروا به).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩].
٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
ومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عامر بن واثِلةَ: [أن نافعَ بنَ عبد الحارث لقِيَ عُمَرَ بِعُسْفَانَ، وكان عمرُ يَسْتَعملُه على مَكَّةَ فقال: مَنِ اسْتَعْمَلْتَ على أهل الوادي؟ فقال: ابْنَ أَبْزَى؟ قال: وَمَنِ ابْنُ أبزى؟ قال: مَوْلًى مِنْ موالينا. قال: فاسْتَخْلَفْتَ عليهم مَوْلًى! ؟ قال: إنَّهُ قارئٌ لكتاب اللَّه ، وإنَّهُ عالِمٌ بالفرائض. قال عمر: أما إنَّ نبيَّكم ﷺ قَدْ قال: "إنَّ اللَّه يَرْفَعُ بهذا الكتاب أَقْوامًا ويضَعُ به آخرين"] (١).
الحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند صحيح من حديث أبي الدرداء مرفوعًا: [وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب. إنّ العلماء ورثة الأنبياء، إن
стр. 4781
الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما وَرَّثُوا العلم، فَمَنْ أخذَهُ أخذ بِحظٍّ وافر] (١).
الحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند صحيح عن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: [نَضَّرَ اللَّه امرأً سمِعَ منا حديثًا فحفظه حتى يُبَلِّغَه، فرُبَّ حامل فقه إلى مَنْ هو أفْقَهُ منه، وربَّ حامل فِقْهٍ ليس بفقيه] (٢).
وقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير﴾. أي: خبير بمراتب عباده ومنازل أعمالهم، وقد وسع علمه كل شيء.
١٢ - ١٣. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٣)﴾.
في هذه الآيات: الأَمْرُ بتقدم النجوى للرسول بالصدقات، ثم نَسْخُ ذلك والأمر بالتوبة وإقامة الصلوات، وإيتاء الزكاة وطاعة اللَّه ورسوله وفعل الخيرات.
فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾.
أَمْرٌ من اللَّه تعالى عبادَه المؤمنين إذا أراد أحدهم مناجاة رسول اللَّه ﷺ ومساررته بأمر أن يقدّمَ بين يدي ذلك صدقة تطهره وتزكيه وتؤهله لهذا المقام، ثم نسخ ذلك. قال قتادة: (إنها منسوخة). وقال ابن عباس: (كان المسلمون يقدّمون بين يدي النجوى صدقة، فلما نزلت الزكاةُ نُسِخَ هذا).
وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ أي: خير لكم عند اللَّه وأطهر لقلوبكم من المآثم.
وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال قتادة: (سأل الناس رسول اللَّه ﷺ حتى أحفوه بالمسألة، فوعظهم اللَّه بهذه الآية، وكان الرجل تكون له الحاجة إلى نبيّ اللَّه ﷺ ، فلا يستطيع أن يقضيها حتى يقدّم بين يديه صدقة، فاشتد ذلك عليهم، فأنزل اللَّه الرخصة بعد ذلك ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾).
стр. 4782
وقوله: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾.
قال ابن كثير: (أي: أَخِفْتُم من استمرار هذا الحكم عليكم من وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول، ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، فنسخ وجوب ذلك عنهم).
وعن ابن عباس: (قوله: ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾، ذلك أن المسلمين أكثرُوا المسائلَ على رسول اللَّه ﷺ حتى شقّوا عليه، فأراد اللَّه أن يخفف عن نبيِّه ﵊ فلما قال ذلك ضَنَّ كثيرٌ من الناس وكَفُّوا عن المسالة، فأنزل اللَّه بعد هذا: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، فَوَسَّعَ اللَّه عليهم ولم يُضَيِّق).
١٤ - ١٩. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩)﴾.
في هذه الآيات: ذمُّ اللَّه تعالى المنافقين، وتوعدهم العذاب المهين، وما أولادهم ولا أموالهم بالتي تمنع عنهم نار الجحيم، فلقد عظموا أهواءهم حتى استحوذ عليهم الشيطان الرجيم.
فقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ الآية. - إنكار من اللَّه تعالى على المنافقين موالاتهم للكفار في الباطن وهم لا معهم ولا مع المؤمنين.
قال قتادة: (هم المنافقون تولّوا اليهود وناصحوهم. ﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ يقول: ليس المنافقون من اليهود ولا من المسلمين بل هم مذبذبون بين ذلك، وكانوا يحملون أخبار المسلمين إليهم). قال النسفي: (﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ يا مسلمون ﴿وَلَا مِنْهُمْ﴾ ولا من
стр. 4783
اليهود، كقوله: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾).
وقوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. أي ويقولون واللَّه إنا المسلمون لا منافقون، وهم يعلمون في حقيقة الأمر أنهم كاذبون منافقون.
أخرج الإمام أحمد في المسند، والإمام ابن جرير في "التفسير" بسند رجاله رجال الصحيح عن ابن عباس قال: [قال رسول اللَّه ﷺ : يدخل عليكم رجل ينظر بعين شيطان أو بعيني شيطان. قال: فدخل رجل أزرق، فقال: يا محمد، علام سبببتني أو شتمتني أو نحو هذا. قال: وجعل يحلف. قال: ونزلت هذه الآية في المجادلة: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ والآية الأخرى] (١). وفي رواية: أن الرسول ﷺ هو الذي قال له: علام تشتمني أنت وأصحابك.
فقد أخرج أحمد والحاكم بإسناد على شرط مسلم عن سعيد بن جبير، أن ابن عباس حدّثه: [أنّ النبي ﷺ كان في ظل حُجْرَةِ من حُجَرِه، وعنده نَفَرٌ من المسلمين قد كاد يَقْلِصُ عنئهم الظلُّ، قال: "إنه سيأتيكم إنسان ينظُرُ بعيني شيطان، فإذا أتاكَم فلا تكلّموه". فجاء رجلٌ أزرق، فدعاه رسول اللَّه ﷺ فَكَلَّمَهُ، فقال: علام تشتمني أنت وفلان وفلان؟ " -نَفرٌ دعاهم بأسمائهم- قال: فانطلق الرجل فدعاهم، فحلفوا له واعتذروا إليه، قال: فأنزل اللَّه : ﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾] (٢).
وقوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
قال ابن كثير: (أي: أرصَد اللَّه لهم على هذا الصنيع العذاب الأليمَ على أعمالهم السيئة، وهي موالاة الكافرين ونُصْحِهم، ومُعاداةُ المؤمنين وغِشِّهم).
وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. أي: اتقوا بالأيمان الكاذبة، لِيخدعوا بذلك من لا يعرف أبعاد أعمالهمِ، فحصل بذلك صدٌّ عن سبيل اللَّه لبعض الناس. قال القرطبي: (﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ يستجِنُّون بها من القتل. وقرأ الحسن وأبو العالية ﴿أَيْمَانَهُمْ﴾ بكسر الهمزة هنا وفي "المنافقون"، أي إقرارهم اتخذوه جنة، فآمنت إلسنتهم من خوف القتل، وكفرت قلوبهم ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ في الدنيا بالقتل
стр. 4784
وفي الآخرة بالنار. والصدّ المنع ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أى عن الإسلام وقيل: في قتلهم بالكفر لما أظهروه من النفاق. وقيل: أي بإلقاء الأراجيف وتثبيط المسلمين عن الجهاد وتخويفهم).
وقوله: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: لن تغني عن هؤلاء المنافقين يوم القيامة أموالهم، فيفتدوا بها من عذاب اللَّه المهين لهم، ولا أولادهم، فينصرونهم، ويستنقذونهم من اللَّه إذا عاقبهم).
وقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. أي: هؤلاء المنافقون الذين تولوا قومًا غضب اللَّه عليهم، وأظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر هم أهل النار الذين هم فيها ماكثون.
وقوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ قال قتادة: (إنّ المنافق حلف له يوم القيامة كما حلف لأوليائه في الدنيا). وفي رواية قال: (واللَّه حالَفَ المنافقون ربهم يوم القيامة، كما حالفوا أولياءه في الدنيا).
قلت: وهذا أمر عجيب، وهو بعث اللَّه المنافقين من قبورهم أحياء كهيئاتهم قبل مماتهم: في خلقهم وسلوكهم، فيحلفون له مغالطين كاذبين كما كانوا يحلفون للناس في الدنيا.
وقوله: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾. أي: في حلفهم وإنكارهم أمام ربهم . قال ابن زيد: (ظنوا أنهم ينفعهم في الآخرة).
وقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾. تقرير لحالهم الذي كانوا عليه في الدنيا وبعثوا عليه.
وقوله: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾. أي: غلب عليهم الشيطان واستحوذ على قلوبهم حتى غفلوا عن ذكر اللَّه وتركوا طاعته.
قال المفضّل: (﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ﴾ أحاط بهم). وقيل: غلب واستعلى عليهم بوسوسته لهم في الدنيا. وقيل: قوي عليهما. وفي لغة العرب: أحوذ فلان الشيء إذا جمعه وضم بعضه إلى بعض. والمقصود: جمعهم الشيطان فغلبهم وقوي عليهم وأحاط بهم حتى كانت الغفلة وإهمال الطاعة أو الترك بالكلية.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾. أي: جنده وأتباعه وطائفته ورهطه.
стр. 4785
وقوله: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. قال القرطبي: (في بيعهم، لأنهم باعوا الجنة بجهنم، وباعوا الهدى بالضلالة).
أخرج الإمام أحمد في المسند، وأبو داود في السنن، بسند حسن عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: [ما مِنْ ثلاثةٍ في قَرْيةٍ ولا بَدْوٍ، لا تُقامُ فيهم الصلاةُ إلا قد استحوذَ عليهم الشيطانُ، فعليكَ بالجماعة فإنما يأكل الذئبُ القاصيةَ] (١).
٢٠ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾.
في هذه الآيات: كتابةُ اللَّه النصر للمؤمنين والخزي على الكافرين، والولاء والبراء جزء من منهج الإيمان عند المسلمين، وأهله هم حزب اللَّه وأهل رضوانه وقد وعدهم اللَّه جنات النعيم.
فعن قتادة: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يقول: يعادون اللَّه ورسوله). وقال مجاهد: (يعادون، يشاقّون).
فقوله: ﴿يُحَادُّونَ﴾. أي هم في حدٍّ، والشرع في حدٍّ، فهم مجانبون للحق مشاقون له، قد جعلوا أنفسهم في ناحية بعيدة عن ناحية الهدى والرشاد.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾. أي هم في أهل الذلة والصغار والشِّقوة.
وقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾. قال قتادة: (كتب اللَّه كتابًا وأمضاه).
стр. 4786
قال ابن جرير: (يقول: قضى اللَّه وخطَّ في أمّ الكتاب، لأغلبنّ أنا ورسلي من حادّني وشاقَّني).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. قال النسفي: (﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ﴾ لا يمتنع عليه ما يريد ﴿عَزِيزٌ﴾ غالب غير مغلوب).
وقوله: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.
قال قتادة: (لا تجد يا محمد قومًا يؤمنون باللَّه واليوم الآخر، يوادّون من حادّ اللَّه ورسوله: أي من عادى اللَّه ورسوله). قال القرطبي: ﴿يُوَادُّونَ﴾: يحبون ويوالون).
وقوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾.
أي: لا يوادّ المؤمنون المحادّين للَّه ورسوله ولو كانوا أقرب الأقربين كالآباء والأبناء والإخوان وغيرهم من القرابة والأرحام.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨].
٢ - قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤].
ومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث، منها:
الحديث الأول: أخرج الحاكم والطحاوي بسند رجاله ثقات من حديث حبيب بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده قال: [رأيت رسول اللَّه ﷺ ، وهو يريد غزوًا، أنا ورجل من قومي، ولم نسلم، فقلنا: إنا نستحي أن يشهد قومنا مشهدًا لا نشهده معهم، قال: أو أسلمتما؟ قلنا: لا، قال: فلا نستعين بالمشركين على المشركين، قال: فأسلمنا، وشهدنا معه، فقتلت رجلًا، وضربني ضربة، وتزوجت بابنته بعد ذلك، فكانت
стр. 4787
تقول: لا عدمتُ رجلًا وشحك هذا الوشاح! فأقول: لا عدمتُ رجلًا عجل أباك إلى النار] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح عن عمر -في قصة أسارى بدر- قال: [فاستشار رسول اللَّه ﷺ أبا بكر وعمر وعليًا ﵃، فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذَ منهم الفدية، فيكونَ ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم اللَّه فيكونوا لنا عضدًا. فقال رسول اللَّه ﷺ : ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: قلت واللَّه ما أرى ما رأى أبو بكر. ولكن أرى أن تمكنني من فلان -قريب لعمر- فأضرب عنقه، وتمكن عليًا من عقيل بن أبي طالب فيضربَ عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضربَ عنقه، حتى يعلم اللَّه أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم. . .] الحديث (٢) -وقد نزل الوحي بعدها يوافق قول عمر-.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾. أي المؤمنون أصحاب منهج الولاء والبراء.
قال السدي: (﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾: جَعَل في قلوبهم الإيمان).
وقال الربيع بن أنس: (كتَبَ: أثبت). وقيل: ﴿كَتَبَ﴾ - أي جمع.
وقيل: خلق في قلوبهم التصديق، يعني من لم يوال من حاد اللَّه - حكاه القرطبي.
وقوله: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾.قال ابن عباس: (أي: قوّاهم). وقال الحسن: (﴿بِرُوحٍ مِنْهُ﴾: بنصر منه). وقال الربيع بن أنس: (بالقرآن وحججه). وقال ابن جريج: (بنور وإيمان وبرهان وهدى). وقيل برحمة من اللَّه. وقيل: أيدهم بجبريل ﵇. قلت: وهذه المعاني متقاربة متكاملة تغطي آفاق مفهوم هذه الآية.
وقوله: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾.
قال ابن كثير: (وفي قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾: سرٌّ بديعٌ، وهو أنه لما سَخِطُوا على القرَائب والعَشائِر في اللَّه عَوَّضَهم اللَّه بالرضا عنهم، وأرضاهم عنه بما
стр. 4788
أعطاهُم من النعيم المُقيم، والفوز العظيم والفضل العميم).
وقوله: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾. أي: أولئك الذين هذه صفتهم جندُ اللَّه وأولياؤه وأهل كرامته.
وقوله: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. قال النسفي: (الباقون فى النعيم المقيم، الفائزون بكل محبوب، الآمنون من كل مرهوب). وقال القاسمي: (أي الناجحون الفائزون بسعادة الدارين).
قلت: وهذه الآية في وصف المؤمنين بأنهم حزب اللَّه المفلحون، تقابل الآية التي سبقتها في وصف المنافقين الكاذبين بأنهم حزب الشيطان الخاسرون. فهؤلاء أهل النعيم المقيم، وأولئك أهل الشقاء في الجحيم.
تم تفسير سورة المجادلة بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر السبت ١٢ رمضان ١٤٢٦ هـ الموافق ١٥/ تشرين الأول/ ٢٠٠٥ م
* * *
стр. 4789
دروس ونتائج وأحكام
١ - اللَّه تعالى يسمع السر والنجوى مهما خفيت، فسمع المجادلة وهي في بيت عائشة من فوق سبع سماوات، وعائشة لم تسمعها تمامًا ولو أصغت.
٢ - الظِّهار من أمر الجاهلية، ولا تحل امرأة المظاهر له إلا بعد الكفارة، والكفارة عتق أو صيام أو إطعام قبل أن يتماسا.
٣ - اللَّه تعالى يعلم النجوى، ونهى رسول اللَّه ﷺ أن يتسار اثنان دون الثالث فيحزن، واليهود والنصارى كانوا يتناجون في معصية الرسول فكشفهم اللَّه وأرداهم.
٤ - لا يقيم الرجلُ الرجلَ مِنْ مَجْلِسِه ثم يَجْلِسُ فيه، ولكن افسحوا يفسح اللَّه لكم.
٥ - لا يجوز القيام تعظيمًا لأحد من الناس، والصحابة قاموا لإنزال سعد لأنه مصاب جريح لا دخل للتعظيم في ذلك، والقيام لا ينبغي إلا للَّه.
٦ - أمر اللَّه بدفع صدقة إذا ناجى أحد الرسول إشعارًا لهم بقدر نبيهم وهديه، ثم نسخت الآية تخفيفًا عنهم.
٧ - اليمين الغموس أن يحلف الرجل كذبًا وهو يعلم، وهي من أكبر الكبائر.
٨ - ما يستحوذ الشيطان إلا على حزبه المنافقين والكافرين وأمثالهم.
٩ - المؤمن لا يوادّ من حادّ اللَّه ولو كان أباه أو ابنه أو أخاه.
١٠ - حزب اللَّه المفلحون هم الذين لا يوادّون من حادّ اللَّه ورسوله، فأولئك هم الفائزون، وحزب الشيطان هم الخاسرون.
* * *
стр. 4790
٥٩ - سورة الحشر
وهي سورة مدنية، وعدد آياتها (٢٤).
روى البخاري في كتاب التفسير من صحيحه عن سعيد بن جبير قال: [قلت لابن عباس: سورة التوبة؟ قال: التوبة هي الفَاضِحَةُ ما زالت تَنْزِلُ: ومِنْهُمْ ومِنْهُم، حتى ظنوا أنها لم تُبْقِ أحدًا منهم إلا ذُكِرَ فيها. قال: قلت: سورةُ الأنفال؟ قال: نَزَلَتْ في بَدْرٍ. قال: قلت: سورةُ الحشر؟ قال: نزلت في بني النضير] (١).
وروى البخاري في كتاب المغازي من صحيحهِ عن سعيد بن جبير قال: [قلتُ لابن عباس: سورةُ الحشر، قال: قُلْ: سورة النضير] (٢).
وسميت سورة الحشر لأنهُ كان في اجلاءِ بني النضير أول حشر في الدنيا إلى الشام.
موضوع السورة
حشر يهود بني النضير إلى أرض المحشر في الشام وثناء اللَّه تعالى على المهاجرين والأنصار الكرام
- منهاج السورة -
١ - اشتراك الخلائق جميعًا بالتسبيح للَّه العزيز الحكيم، وإخراج يهود بني النضير من ديارهم صاغرين.
стр. 4791
٢ - جعل اللَّه الثواب على قطع نخل هؤلاء الماكرين، أو تركهِ وكل ذلكَ ليخزي الفاسقين.
٣ - ذكر الأموال التي أغدقها سبحانه على رسوله من جرّاءِ تشريد بني النضير وإخراجهم.
٤ - تنبيه المؤمنين لتعظيم هديه ﵊، فأمرهُ وَقَسْمُهُ يقتضي الامتثال من الأتباع الكرام.
٥ - الثناء على المهاجرين والأنصار أهل السبق إلى الإيمان، وبيان فضل من جاء بعدهم من أهل الإحسان.
٦ - الإخبار عن المنافقين ومكرهم وتآمرهم مع اليهود ضد النبي ﵇، وتشبيه سلوكهم في المكر بوسواس الشيطان.
٧ - الوصية للمؤمنين بصدق التقوى والاستعداد ليوم الدين، ولا يكونوا كالذين نسوا اللَّه فنسيهم، وكانوا من الفاسقين.
٨ - لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة، فأصحاب الجنة هم أهل الفوز والنعيم.
٩ - تصدّع الجبال خشية للَّه من كلامهِ العظيم، ليعرف الإنسان تقصيره تجاه ربه الكريم.
١٠ - تفرد اللَّه تعالى بالأسماء الحسنى والصفات العليا، وهو العزيز الحكيم.
* * *
стр. 4792
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ٥. قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤) مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾.
في هذه الآيات: تسبيحُ الخلائق جميعًا للَّه العزيز الحكيم، وإخراجُ يهود بنى النضير من ديارهم صاغرين، وذلكَ جزاءُ الكافرين الماكرين، وعَقْدُ اللَّه الثواب على قطع نخلهم أو تركهِ ليخزي الفاسقين.
فقوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾. أي صلى للَّه، وسجد لهُ وعظّمه ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ من خلقه، كما قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤].
وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾. أي في انتقامهِ من أعدائهِ، مَنيعُ الجنابِ لا يعجزهُ شيء، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبير شؤون خلقه وفي قدره وشرعه.
وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾.
أي: هو الذي أخرج الذين أنكروا نبوة محمد ﷺ وحاولوا قتله ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ وهم يهود بني النضير أذلاء صاغرين من ديارهم إلى الشام فكانَ ذلكَ أول حشر في الدنيا إلى أرض المحشر والمنشر -الشام-. وأما تفصيل ذلكَ من صحيح السيرة:
стр. 4793
فقد كان القراء السبعون الذين غُدِرَ بهم في بئر معونة من خيار المسلمين، يحتطبون بالنهار ويتصدقون من ذلكَ على أهل الصفة، ويقومون بالليل يصلون ويسبحون، ويتدارسون بينهم القرآن. ففقدهم المسلمون في شهر صفر من السنة الرابعة للهجرة.
وقد فرح المنافقون واليهود في المدينة بما حصل، وبدأت حركات المكر والدّس والخداع، وكان اليهود قد أسهموا في تقديم المعلومات إلى قريش عن المسلمين، وشاركوا في تحريضها واستثارتها لتأتي إلى قتال أُحُد.
قال ابن إسحاق: (كانت النضير قد دسّوا إلى قريش وحضوهم على قتال رسول اللَّه ﷺ ودلّوهم على العورة).
وكان اليهود أيضًا قد أعانوا أبا سفيان من قبل في غزو أطراف المدينةِ حيث جاءها ليلًا، والتي أدت لمطاردة المسلمين له في غزوةِ السويق بعد بدر، بعدما فرّ هو وأصحابه متخففين من السويق أثناء الهروب.
أضف إلى ذلكَ تلك الأشعار الخبيثة التي أطلقها كعب بن الأشرف النضري، والتي أفلت بها لسانهُ وبسطه في أعراض النبي ﷺ وأصحابه ونساء المسلمين، والتي كانت سببًا لتصفيته وتخليص الأرض من رجسه.
أضف إلى ذلكَ أيضًا محاولتين جديدتين من يهود بني النضير في هذه الفترة، للغدر وقتل النبي ﷺ ، من خلال طرق شيطانية وأساليب خسيسة، هي جزء من منهج اليهود المكرة والمغضوب عليهم، والذي عُرفوا به على مدار العصور والأزمان.
المحاولة الأولى: محاولة من بني النضير لاغتيال النبي ﷺ بعد غزوة بدر الكبرى.
وكان ذلكَ إثر كتاب بعثت به قريش إليهم، فيه تهديد ووعيد، إن لم يقاتلوا الرسول ﷺ ويجتمعوا على قتله.
فقد أخرج أبو داود بسند صحيح عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: [كتبت كفار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود: إنكم أهل الحَلْقَةِ والحصون، وإنكم لتقَاتِلُنَّ صاحبنا، أو لنَفْعَلَنَّ كذا وكذا، ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم شيء -وهي الخلاخيل- فلما بلغ كتابُهم النبي ﷺ أجمعت بنو النضير بالغدر، فأرسلوا إلى رسول اللَّه ﷺ : اخرج إلينا في ثلاثين رجلًا من أصحابكَ، وليخرج منا ثلاثون حَبْرًا، حتى نَلْتقي بمكان المَنْصَفِ -أي موضع وسط- فيسمعوا منك، فإن
стр. 4794
صدقوكَ وآمنوا بكَ، آمنا بك، فقص خبرهم. .] (١).
ورواه عبد الرزاق في "المصنف" والحاكم في "المستدرك" والحافظ ابن حجر في "الفتح"، وفيهِ أنهم لما اقتربوا اقترح اليهود أن يجتمع النبي ﷺ ومعهُ ثلاثة من أصحابهِ بثلاثةٍ من أحبارهم، فإن أقنعهم آمنت بنو النضير، وقد حمل الثلاثة خناجرهم، إلا أن امرأة منهم قد أفشت خبرهم لأخٍ لها مسلم، فهرع إلى النبي ﷺ وأخبرهُ بما بَيَّتَ القوم، فرجع ﵊ ولم يقابلهم (٢)، ونجّى اللَّه نبيّهُ من قتلةِ الأنبياء يهود.
المحاولة الثانية: محاولة أخرى من بني النضير لقتل النبي ﷺ بإلقاء صخرة عليه. وهذه المحاولة الثانية من يهود، رواها ابن إسحاق وتابعه كتاب السير، ومفادها أن النبي ﷺ ذهب بنفسهِ إلى بني النضير مع نفر من أصحابهِ، وكلمهم في أن يعينوه على دفع دية الرجلين من بني كلاب، اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري، في أعقاب حادثة بئر معونة، وكان ذلكَ يجب عليهم حسب بنود المعاهدة.
قال ابن إسحاق: (ثم خرج رسول اللَّه ﷺ إلى بني النضير، يستعينهم في ديةِ ذَينك القتيلين من بني عامر، اللذين قتل عمرو بن أمية الضمري، للجوار الذي كان رسول اللَّه ﷺ عقد لهما، كما حدثني يزيد بن رومان، وكان بَين بني النضير وبين بني عامر عقدٌ وحِلفٌ، فلما أتاهم رسول اللَّه ﷺ يستعينهم في ديةِ ذَيْنَك القتيلين، قالوا: نَعَمْ يا أبا القاسم، نعينُكَ على ما أحْبَبْتَ، مما استعنت بنا عليه. ثم خلا بعضهم ببعض، فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه -ورسول اللَّه ﷺ إلى جنب جِدار من بيوتهم قاعد- فمَنْ رجلٌ يعلو على هذا البيت، فيُلقي عليه صخرةً، فيريحنا منه؟
فانتدب لذلكَ عمرو بن جِحَاش بن كعب، أحدهم، فقال: أنا لذلكَ، فَصَعِدَ لِيُلْقِي عليه صخرة كما قال، ورسول اللَّه ﷺ في نفر من أصحابهِ، فيهم أبو بكر وعمر وعلي، رضوان اللَّه عليهم. فأتى رسول اللَّه ﷺ الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام وخرجَ راجعًا إلى المدينةِ. فلما اسْتَلْبَثَ النبيَ ﷺ أصحابُه، قاموا في طلبه، فَلَقُوا
стр. 4795
رجلًا مقبلًا من المدينةِ، فسألوهُ عنه، فقال: رأيتهُ داخلًا المدينة. فأقبل أصحابُ رسول اللَّه ﷺ حتى انتهوا إليهِ ﷺ ، فأخبرهم الخبرَ، بما كانت اليهود أرادت من الغَدْرِ به، وأمر رسول اللَّه ﷺ بالتهيؤِ لحربهم، والسير إليهم) (١).
فهذه السلسلة من الأعمال العدوانية التي كانت تشير لسوء العلاقة ونبذ العهد من جانب بني النضير مع المسلمين، والتي ختمت بمحاولتي اغتيال للنبي ﷺ ، كانت سببًا مباشرًا في حصارهم وإجلائهم.
وكانت غزوة بني النضير في ربيع الأول سنة أربع من الهجرة. وذكر ابن سعد والواقدي دون إسنادٍ أن النبي ﷺ بعث محمد بن مسلمة إلى بني النضير يقول لهم: (اخرجوا من المدينةِ ولا تساكنوني بها، وقد أجَّلْتكم عشرًا، فمن وجدت بعد ذلك بها ضربت عنقه).
فاستعدوا للخروج والرحيل إذ لم يجدوا مناصًا منه، وهموا بذلكَ لولا أن عبد اللَّه ابن أبي بن سلول المنافق حرَّضهم مع بعض المنافقين من أصحابه على التمرّد وعدم الخروج، ووعدهم وعودًا كاذبة بالنصر والعون، فأعلنوا تمردهم وتحصنوا بحصونهم.
قال ابن إسحاق: (وقد كان رهط من بني عَوف بن الخزِرج، منهم عدو اللَّه عبد اللَّه ابن أبيّ بن سلول ووديعة ومالك بن أبي قَوقل، وسُوَيد وداعس، قد بعثوا إلى بني النضير: أن اثبتوا، وتمنَّعوا فإنا لن نُسْلِمكم، وإن قُوتِلْتُمْ قاتلنا معكم، وإن أُخرجتم خرجنا معكم).
وهنا شَعَرَ اليهود بالأمن ورجعت إليهم ثِقَتُهم، واختاروا المناوأةَ والتحدي، وأعلق رئيسهم حيي بن أخطب التمرد، إذ بعث إلى رسول اللَّه ﷺ يقول: (إنا لا نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا لك).
فاشتاط المسلمون غضبًا لهذا التحدّي السافر، ونفوسهم ما زالت جريحة من ألم بئر معونة، وقد رأوا تكالب العرب عليهم من كل جانب، وتآمر الأعراب لاغتيالهم أفرادًا وجماعات، وها هي يهود تقدم على محاولة دنيئة لقتل النبي ﷺ ، ثم تعلنُ التمرد والكبر، فما كان أمامهم إلا خوض الملحمة مهما كانت النتائج.
стр. 4796
وبالفعل، فما إن بلغ النبي ﷺ جواب حيي بن أخطب إلا كَبَّرَ وَكبَّرَ أصحابهُ، ثم نهض لمناجزة القوم، وأعطى اللواء إلى علي بن أبي طالب.
قال ابن هشام: (واستعمل على المدينة ابن أمِّ مكتوم). وقال ابن إسحاق: (ثم سار بالناسِ حتى نزل بهم).
ولما انتهى رسول اللَّه ﷺ إلى بني النضير، وجدهم قد لجؤوا إلى حصونهم وتحصَّنوا بها، فما إن أبصروا الجيش إلا بدؤوا يرمون المسلمين من داخل حصونهم بالنّبل والحجارة، تعينهم في ذلك وتغطيهم بساتينهم ونخيلهم، وهنا أصدر النبي ﷺ أوامرهُ إلى جنده بقطع النخيل وتحريقها.
قال ابن إسحاق: (فنادوه: أن يا محمد، قد كنتَ تنهى عن الفساد، وتعيبه على من صَنَعهُ، فما بالُ قطع النخيل وتحريقها).
إلا أن النبي ﷺ لم يأبه لهذه الحركات الشيطانية، والدعايات الصبيانية من يهود، بل مضى في إصدار أوامره لأصحابهِ، فهو يعلم أن اليهود قوم غدر مكرة، لا ينفع معهم إلا السيف والحسم.
يروي أبو داود بسند صحيح عن عبد الرحمن بن كعب، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: [فلما كانَ الغد، غدا عليهم رسول اللَّه ﷺ بالكتائب فحصرهم، فقال لهم: إنكم واللَّهِ لا تأمنون عِندي إلا بعهد تُعاهدوني عليه، فأبوا أن يعطوهُ عهدًا، فقاتلهم يومهم ذلك. ثم غدا على بني قريظةَ بالكتائب، وتركَ بني النضير، ودعاهم إلى أن يعاهدوه، فعاهدوه. فانصرف عنهم، وغدا على بني النضير بالكتائب فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، فجلت بنو النضير، واحتملوا ما أقلت الإبل من أمتعتهم، وأبواب بيوتهم وخشبها، فكان نخل بني النضير لرسول اللَّه ﷺ خاصة، أعطاه اللَّه إياها، وخصّه بها، فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ يقول: بغير قتال، فأعطى النبي ﷺ أكثرها للمهاجرين، وقسمها بينهم، وقسم منها لرجلين من الأنصار، وكانا ذوي حاجة، لم يقسم لأحد من الأنصار غيرهما، وبقي منها صدقة رسول اللَّه ﷺ ، التي في أيدي بني فاطمة] (١).
فأذاقهم اللَّه الخزي في الدنيا، قبل ما ينتظرهم من خزي الآخرة، وخذلهم
стр. 4797
المنافقون وتخلوا عنهم، وخضعوا لأمر النبي ﷺ واستسلموا له، ورجوه أن يُجْليهم ويكف عن دمائهم، على أن يحملوا على الإبل ما استطاعوا من أموالهم إلا السلاح، فأجازهم، فجعلوا يخربون بيوتهم بأيديهم، ويخلعون أبوابها وما وافقهم من أخشابها وشبابيكها. وأنزل اللَّهُ فيهم سورة كاملة من القرآن، وهي سورة الحشر.
قال ابن إسحاق: (ونزل في بني النضير سورةُ الحشر بأسرها، يذكر فيها ما أصابهم اللَّه به من نقمتهِ، وما سلط عليهم به رسوله ﷺ وما عمل به فيهم).
أخرج الحاكم والبيهقي بسند صحيح عن عائشة ﵂ قالت: [فحاصرهم رسول اللَّه ﷺ حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من الأمتعة والأموال إلا الحلقة -يعني السلاح- فأنزل اللَّه فيهم: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ فقاتلهم النبي ﷺ حتى صالحهم على الجلاء فأجلاهم إلى الشام، وكانوا من سبطِ لم يصبهم جلاء فيما خلا، وكان اللَّه قد كتب عليهم ذلك، ولولا ذلكَ لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي، وأما قوله: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْر﴾ فكانَ ذلكَ أول حشر في الدنيا إلى الشام] (١).
قال ابن عباس: (من شكَ في أن أرضَ المحشر هاهنا يعني الشام فليقرأ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ قال لهم رسول اللَّه ﷺ : "اخرجوا". قالوا: إلى أين؟ قال: "إلى أرض المحشر").
وفي المسند للإمام أحمد، وكذلكَ في سنن ابن ماجة بإسناد صحيح من حديث ميمونة بنت سعد، عن النبي ﷺ قال: [الشام أرض المحشر والمَنْشَر] (٢).
وعن قتادة: (قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ قيل: الشام، وهم بنو النضير حي من اليهود، فأجلاهم نبي اللَّه ﷺ من المدينة إلى خيبر، مرجعه من أحد).
ثم قال سبحانهُ مخاطبًا المؤمنين: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ وينزل بهم الخزي فيغادروا مساكنهم ومنازلهم ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ وذلكَ لما أرسل إليهم رأس المنافقين وجماعته أن اثبتوا في حصونكم ووعدوهم النصر، ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ
стр. 4798
يَحْتَسِبُوا﴾ أن يأتيهم، وقذف بهم الرعب فزلزل قلوبهم، فأخذوا ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ﴾ من داخلها، والمسلمون يخربونها من ظاهرها، وهو قوله: ﴿وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال الزهري: (لما صالحوا النبي ﷺ كانوا لا يعجبهم خشبة إلا أخذوها، فكان ذلكَ خرابها). وقال قتادة: (كان المسلمون يخربون ما يليهم من ظاهرها، وتخربها اليهود من داخلها). وقال ابن زيد: (هؤلاء النضير، صالحهم النبي ﷺ على ما حملت الإبل، فجعلوا يقلعون الأوتاد يخربون بيوتهم).
وقوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾. فيه مشروعية القياس في الإسلام، كدليل من أدلةِ الاستنباط في الشريعة. والمعنئ: أي فقيسوا أنفسكم وأعمالكم واتعظوا يا ذوي الأفهام أن ينزل بكم ما نزل بيهود إن قلدتم مسلكهم.
قال ابن جرير: (وإنما عُني بالأبصار في هذا الموضع أبصار القلوب، وذلك أن الاعتبار بها يكون دون الإبصار بالعيون).
وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾. قال البخاري: (الجلاء الإخراج من أرض إلى أرض).
والمقصود: لولا أن قضى اللَّه جلاء يهود بني النضير من أرضهم وديارهم، لعذبهم في الدنيا بالقتل والسَّبي، ولكنه رفع العذاب عنهم في الدنيا بالقتل، وجعل عذابهم في الدنيا الجلاء.
وقوله: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾. حَتْمٌ لازم لهم في الآخرة صلي النار، بعد أن أخزاهم -تعالى- في الدنيا بالرحيل من ديارهم صاغرين، ليجمع لهم سبحانه بذلك بين الخزيين.
لقد خرجوا يحملون أبواب بيوتهم وشبابيكها بعد أن خربوا ديارهم بأيديهم، حتى حمل بعضهم الأوتاد وجذوع السقف ثم حملوا النساء والصبيان، وتحملوا على ست مئة بعير. قال ابن إسحاق: (فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام، فكان أشرافهم مَنْ سار منهم إلى خيبر: سلّام بن أبي الحُقيق، وكنانة بن الربيع بن أبي الحُقَيق، وحُيَيّ بن أخطب).
قال: (وخلوا الأموال لرسول اللَّه ﷺ ، فكانت لرسول اللَّه ﷺ خاصة، يضعها حيث يشاء، فقسّمها رسول اللَّه ﷺ على المهاجرين الأولين دون الأنصار. إلا أن سَهْلَ بن حُنيف وأبا دجانة سِماكُ بن خرشة ذكرا فَقْرًا، فأعطاهما رسول اللَّه ﷺ .
стр. 4799
قال: ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان: يامينُ بن عُمير، وأبو سعد بن وهب، أسلما على أموالهما فأحْرزاها).
وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. قال القرطبي: (﴿ذَلِكَ﴾ أي ذلك الجلاء ﴿بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ﴾ أي عادوه وخالفوا أمره). وقال القاسمي: ﴿ذَلِكَ﴾ أي الجلاء والعذاب ﴿بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا﴾ أي خالفوا ﴿اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي فيما نهاهم عنه من الفساد، ونقض الميثاق).
وقوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. أي له في الدنيا والآخرة.
وقوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾.
قال مجاهد: (نهى بعض المهاجرين بعضًا عن قطع النخل، وقالوا: إنما هي مغانم المسلمين، ونزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعه، وتحليل من قطعه من الإثم، وإنما قطعه وتركه بإذنه).
وفي الصحيحين عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: [حرق رسول اللَّه ﷺ نخل بني النضير وقطع، وهي البُوَيْرَة (١) فنزلت: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾] (٢).
وفي جامع الترمذي وسنن النسائي بسند حسن عن ابن عباس: [في قول اللَّه : ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ قال: اللينة (٣): النخلة، ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ قال: استنزلوهم من حصونهم. قال: وأُمِروا بقطع النخل فحكّ في صدروهم، فقالوا: قد قطعنا بعضًا وتركنا بعضًا، ولنسألن رسول اللَّه ﷺ هل لنا فيما قطعنا من أجر، وهل علينا فيما تركنا من وزر، فأنزل اللَّه: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾] (٤).
стр. 4800
٦ - ٧. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾.
في هذه الآيات: ذِكُرُ اللَّه سبحانه الأموال التي أغدقها على رسوله من جرّاء تشريد بني النضير وإخراجهم، وجعلها خالصة لنبيّه ﷺ يقسمها كيف يشاء بينهم. وتنبيهُ اللَّه المؤمنين لتعظيم هديه ﵊، فإن أمره ونهيه وقَسْمه يعني الامتثال والرضا من الأتباع الكوام.
فقوله: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾.
الفيء لغة من فاء يفيء إذا رجع وهو المال الذي أخذه المسلمون من أعدائهم دون قتال. والإيجاف سرعة السير، وهو كناية عن القتال والجهاد، والركاب ما يركب عليه من الإبل.
أخرج البخاري في صحيحه عن عمرَ ﵁ قال: [كانت أموال بني النضير مما أفاء اللَّه على رسوله ﷺ مما لم يوجِف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول اللَّه ﷺ خاصة، وكان ينفق على أهله نفقة سنتهِ، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكُراعِ (١) عُدَّةً في سبيل اللَّه] (٢).
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
قال النسفي: (يعني أن ما خوّل اللَّه رسوله من أموال بني النضير شيء لم تحصلوه بالقتال والغلبة، ولكن سلطه اللَّه عليهم وعلى ما في أيديهم كما كان يسلط رسله على أعدائهم، فالأمر فيه مفوض إليه يضعه حيث يشاء ولا يقسمه قسمة الغنائم التي قوتل عليها وأخذت عنوة وقهرًا).