← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.

стр. 4796

وبالفعل، فما إن بلغ النبي ﷺ جواب حيي بن أخطب إلا كَبَّرَ وَكبَّرَ أصحابهُ، ثم نهض لمناجزة القوم، وأعطى اللواء إلى علي بن أبي طالب. قال ابن هشام: (واستعمل على المدينة ابن أمِّ مكتوم). وقال ابن إسحاق: (ثم سار بالناسِ حتى نزل بهم). ولما انتهى رسول اللَّه ﷺ إلى بني النضير، وجدهم قد لجؤوا إلى حصونهم وتحصَّنوا بها، فما إن أبصروا الجيش إلا بدؤوا يرمون المسلمين من داخل حصونهم بالنّبل والحجارة، تعينهم في ذلك وتغطيهم بساتينهم ونخيلهم، وهنا أصدر النبي ﷺ أوامرهُ إلى جنده بقطع النخيل وتحريقها. قال ابن إسحاق: (فنادوه: أن يا محمد، قد كنتَ تنهى عن الفساد، وتعيبه على من صَنَعهُ، فما بالُ قطع النخيل وتحريقها). إلا أن النبي ﷺ لم يأبه لهذه الحركات الشيطانية، والدعايات الصبيانية من يهود، بل مضى في إصدار أوامره لأصحابهِ، فهو يعلم أن اليهود قوم غدر مكرة، لا ينفع معهم إلا السيف والحسم. يروي أبو داود بسند صحيح عن عبد الرحمن بن كعب، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: [فلما كانَ الغد، غدا عليهم رسول اللَّه ﷺ بالكتائب فحصرهم، فقال لهم: إنكم واللَّهِ لا تأمنون عِندي إلا بعهد تُعاهدوني عليه، فأبوا أن يعطوهُ عهدًا، فقاتلهم يومهم ذلك. ثم غدا على بني قريظةَ بالكتائب، وتركَ بني النضير، ودعاهم إلى أن يعاهدوه، فعاهدوه. فانصرف عنهم، وغدا على بني النضير بالكتائب فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، فجلت بنو النضير، واحتملوا ما أقلت الإبل من أمتعتهم، وأبواب بيوتهم وخشبها، فكان نخل بني النضير لرسول اللَّه ﷺ خاصة، أعطاه اللَّه إياها، وخصّه بها، فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ يقول: بغير قتال، فأعطى النبي ﷺ أكثرها للمهاجرين، وقسمها بينهم، وقسم منها لرجلين من الأنصار، وكانا ذوي حاجة، لم يقسم لأحد من الأنصار غيرهما، وبقي منها صدقة رسول اللَّه ﷺ ، التي في أيدي بني فاطمة] (١). فأذاقهم اللَّه الخزي في الدنيا، قبل ما ينتظرهم من خزي الآخرة، وخذلهم

стр. 4797

المنافقون وتخلوا عنهم، وخضعوا لأمر النبي ﷺ واستسلموا له، ورجوه أن يُجْليهم ويكف عن دمائهم، على أن يحملوا على الإبل ما استطاعوا من أموالهم إلا السلاح، فأجازهم، فجعلوا يخربون بيوتهم بأيديهم، ويخلعون أبوابها وما وافقهم من أخشابها وشبابيكها. وأنزل اللَّهُ فيهم سورة كاملة من القرآن، وهي سورة الحشر. قال ابن إسحاق: (ونزل في بني النضير سورةُ الحشر بأسرها، يذكر فيها ما أصابهم اللَّه به من نقمتهِ، وما سلط عليهم به رسوله ﷺ وما عمل به فيهم). أخرج الحاكم والبيهقي بسند صحيح عن عائشة ﵂ قالت: [فحاصرهم رسول اللَّه ﷺ حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من الأمتعة والأموال إلا الحلقة -يعني السلاح- فأنزل اللَّه فيهم: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ فقاتلهم النبي ﷺ حتى صالحهم على الجلاء فأجلاهم إلى الشام، وكانوا من سبطِ لم يصبهم جلاء فيما خلا، وكان اللَّه قد كتب عليهم ذلك، ولولا ذلكَ لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي، وأما قوله: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْر﴾ فكانَ ذلكَ أول حشر في الدنيا إلى الشام] (١). قال ابن عباس: (من شكَ في أن أرضَ المحشر هاهنا يعني الشام فليقرأ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ قال لهم رسول اللَّه ﷺ : "اخرجوا". قالوا: إلى أين؟ قال: "إلى أرض المحشر"). وفي المسند للإمام أحمد، وكذلكَ في سنن ابن ماجة بإسناد صحيح من حديث ميمونة بنت سعد، عن النبي ﷺ قال: [الشام أرض المحشر والمَنْشَر] (٢). وعن قتادة: (قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ قيل: الشام، وهم بنو النضير حي من اليهود، فأجلاهم نبي اللَّه ﷺ من المدينة إلى خيبر، مرجعه من أحد). ثم قال سبحانهُ مخاطبًا المؤمنين: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ وينزل بهم الخزي فيغادروا مساكنهم ومنازلهم ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ وذلكَ لما أرسل إليهم رأس المنافقين وجماعته أن اثبتوا في حصونكم ووعدوهم النصر، ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ

стр. 4798

يَحْتَسِبُوا﴾ أن يأتيهم، وقذف بهم الرعب فزلزل قلوبهم، فأخذوا ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ﴾ من داخلها، والمسلمون يخربونها من ظاهرها، وهو قوله: ﴿وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال الزهري: (لما صالحوا النبي ﷺ كانوا لا يعجبهم خشبة إلا أخذوها، فكان ذلكَ خرابها). وقال قتادة: (كان المسلمون يخربون ما يليهم من ظاهرها، وتخربها اليهود من داخلها). وقال ابن زيد: (هؤلاء النضير، صالحهم النبي ﷺ على ما حملت الإبل، فجعلوا يقلعون الأوتاد يخربون بيوتهم). وقوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾. فيه مشروعية القياس في الإسلام، كدليل من أدلةِ الاستنباط في الشريعة. والمعنئ: أي فقيسوا أنفسكم وأعمالكم واتعظوا يا ذوي الأفهام أن ينزل بكم ما نزل بيهود إن قلدتم مسلكهم. قال ابن جرير: (وإنما عُني بالأبصار في هذا الموضع أبصار القلوب، وذلك أن الاعتبار بها يكون دون الإبصار بالعيون). وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾. قال البخاري: (الجلاء الإخراج من أرض إلى أرض). والمقصود: لولا أن قضى اللَّه جلاء يهود بني النضير من أرضهم وديارهم، لعذبهم في الدنيا بالقتل والسَّبي، ولكنه رفع العذاب عنهم في الدنيا بالقتل، وجعل عذابهم في الدنيا الجلاء. وقوله: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾. حَتْمٌ لازم لهم في الآخرة صلي النار، بعد أن أخزاهم -تعالى- في الدنيا بالرحيل من ديارهم صاغرين، ليجمع لهم سبحانه بذلك بين الخزيين. لقد خرجوا يحملون أبواب بيوتهم وشبابيكها بعد أن خربوا ديارهم بأيديهم، حتى حمل بعضهم الأوتاد وجذوع السقف ثم حملوا النساء والصبيان، وتحملوا على ست مئة بعير. قال ابن إسحاق: (فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام، فكان أشرافهم مَنْ سار منهم إلى خيبر: سلّام بن أبي الحُقيق، وكنانة بن الربيع بن أبي الحُقَيق، وحُيَيّ بن أخطب). قال: (وخلوا الأموال لرسول اللَّه ﷺ ، فكانت لرسول اللَّه ﷺ خاصة، يضعها حيث يشاء، فقسّمها رسول اللَّه ﷺ على المهاجرين الأولين دون الأنصار. إلا أن سَهْلَ بن حُنيف وأبا دجانة سِماكُ بن خرشة ذكرا فَقْرًا، فأعطاهما رسول اللَّه ﷺ .

стр. 4799

قال: ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان: يامينُ بن عُمير، وأبو سعد بن وهب، أسلما على أموالهما فأحْرزاها). وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. قال القرطبي: (﴿ذَلِكَ﴾ أي ذلك الجلاء ﴿بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ﴾ أي عادوه وخالفوا أمره). وقال القاسمي: ﴿ذَلِكَ﴾ أي الجلاء والعذاب ﴿بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا﴾ أي خالفوا ﴿اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي فيما نهاهم عنه من الفساد، ونقض الميثاق). وقوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. أي له في الدنيا والآخرة. وقوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾. قال مجاهد: (نهى بعض المهاجرين بعضًا عن قطع النخل، وقالوا: إنما هي مغانم المسلمين، ونزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعه، وتحليل من قطعه من الإثم، وإنما قطعه وتركه بإذنه). وفي الصحيحين عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: [حرق رسول اللَّه ﷺ نخل بني النضير وقطع، وهي البُوَيْرَة (١) فنزلت: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾] (٢). وفي جامع الترمذي وسنن النسائي بسند حسن عن ابن عباس: [في قول اللَّه : ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ قال: اللينة (٣): النخلة، ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ قال: استنزلوهم من حصونهم. قال: وأُمِروا بقطع النخل فحكّ في صدروهم، فقالوا: قد قطعنا بعضًا وتركنا بعضًا، ولنسألن رسول اللَّه ﷺ هل لنا فيما قطعنا من أجر، وهل علينا فيما تركنا من وزر، فأنزل اللَّه: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾] (٤).

стр. 4800

٦ - ٧. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾. في هذه الآيات: ذِكُرُ اللَّه سبحانه الأموال التي أغدقها على رسوله من جرّاء تشريد بني النضير وإخراجهم، وجعلها خالصة لنبيّه ﷺ يقسمها كيف يشاء بينهم. وتنبيهُ اللَّه المؤمنين لتعظيم هديه ﵊، فإن أمره ونهيه وقَسْمه يعني الامتثال والرضا من الأتباع الكوام. فقوله: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾. الفيء لغة من فاء يفيء إذا رجع وهو المال الذي أخذه المسلمون من أعدائهم دون قتال. والإيجاف سرعة السير، وهو كناية عن القتال والجهاد، والركاب ما يركب عليه من الإبل. أخرج البخاري في صحيحه عن عمرَ ﵁ قال: [كانت أموال بني النضير مما أفاء اللَّه على رسوله ﷺ مما لم يوجِف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول اللَّه ﷺ خاصة، وكان ينفق على أهله نفقة سنتهِ، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكُراعِ (١) عُدَّةً في سبيل اللَّه] (٢). وقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال النسفي: (يعني أن ما خوّل اللَّه رسوله من أموال بني النضير شيء لم تحصلوه بالقتال والغلبة، ولكن سلطه اللَّه عليهم وعلى ما في أيديهم كما كان يسلط رسله على أعدائهم، فالأمر فيه مفوض إليه يضعه حيث يشاء ولا يقسمه قسمة الغنائم التي قوتل عليها وأخذت عنوة وقهرًا).

стр. 4801

وقوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. أي: ما أفاء اللَّه على رسوله من جميع البلدان التي تُفتح هكذا، فحكمها حكم أموال بني النضير في التقسيم، فاللَّه سبحانه لم يقسم هذا الفيء أخماسًا ولا أثلاثًا، وإنما ذكر في الآية من ذكر على وجه التنبيه عليهم لأنهم أهم من يدفع إليه. قال الإمام مالك: (هو موكول إلى نظر الإمام واجتهاده، فيأخذ منه من غير تقدير، ويعطي منه القرابة باجتهاد، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين). وقوله: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾. قال القرطبي: (ومعنى الآية: فَعَلْنا ذلك في هذا الفيء، كي لا تقسمه الرؤساء والأغنياء والأقوياء بينهم دون الفقراء والضعفاء، لأن أهل الجاهلية كانوا إذا غنموا أخذ الرئيس رُبْعها لنفسه، وهو المِرْباع. ثم يصطفي منها أيضًا بعد المِرْباع ما شاء. يقول: كي لا يعمل فيه كما كان في الجاهلية. فجعل اللَّه هذا لرسوله ﷺ ، يقسمه في المواضع التي أمر بها ليس فيها خمس، فإذا جاء خمس وقع بين المسلمين جميعًا). وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. أصل عظيم من أصول هذه الشريعة العظيمة، ومنهاج قويم لبناء أمة قوية كريمة. قال الحسن: (﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ قال: يؤتيهم الغنائم ويمنعهم الغلول). وقال السدي: (ما أعطاكم من مال الفيء فاقبلوه، وما منعكم منه فلا تطلبوه). وقال ابن جُريج: (ما آتاكم من طاعتي فافعلوه، وما نهاكم عنه من معصيتي فاجتنبوه). وقال الماوردي: (وقيل إنه محمول على العموم في جميع أوامره ونواهيه، لا يأمر إلا بصلاح ولا ينهى إلا عن فساد). أخرج البخاري ومسلم وأحمد وأصحاب السنن في عَلْقَمةَ: [عن عبد اللَّه قال: لَعَنَ اللَّهُ الواشِمات والموتَشِماتِ، والمُتَنَمِّصاتِ والمُتَفَلِّجاتِ للحُسْنِ، المُغَيِّراتِ خَلْقَ اللَّه، فبلغ ذلك امرأةً من بني أسَدٍ يُقال لها: أُمُّ يعقوبَ، فجاءت فقالت: إنه بَلَغَني أنّكَ لَعَنْتَ كَيْتَ وكَيْتَ، فقال: ومالي لا ألْعَنُ مَنْ لعَنَ رسولُ اللَّه ﷺ ومَنْ هو في كتابِ اللَّهِ؟ فقالت: لقد قَرَأْتُ ما بين اللّوْحَيْن فمَا وجدتُ فيه ما تقولُ، فقال: لئِنْ كُنْتِ قَرأتِيه لقد وَجَدْتيه، أما قرأت: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ قالت: بلى، قال: فإنه قد نهى عنه، قالت: فإني أرى أهلكَ يَفْعَلونه، قال: فاذهبي

стр. 4802

فانظري، فذهبَت فنظرتْ فلم تَر مِنْ حاجتها شيئًا، فقال: لو كانت كذلك ما جامَعْتُها] (١). وأخرج النسائي بسند صحيح عن ابن عمر وابن عباس: [أنهما شهدا على رسول اللَّه ﷺ أنه نهى عن الدباء والحنتم والمزفت والنقير، ثم تلا رسول اللَّه ﷺ هذه الآية: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾] (٢). وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. أي: خافوا عذاب اللَّه، بتعظيم أوامره وترك معصيته، فإنه تعالى شديد العقاب لمن عصاه، وخالف أمره أو أمر رسوله فأباه. ٨ - ١٠. قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾. في هذه الآيات: ثناءُ اللَّه تعالى على المهاجرين والأنصار أهل السبق إلى الإيمان، وبيان حال الذين جاؤوا من بعدهم أهل الفضل والإحسان. فقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾. بيان من اللَّه تعالى لحال الفقراء المهاجرين المستحقين للفيء. فقد أخرجهم كفار مكة، أي أحوجوهم إلى الخروج.

стр. 4803

وقوله: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾. قال القرطبي: (أي غنيمة في الدنيا ﴿وَرِضْوَانًا﴾ في الآخرة، أي مرضاة ربهم). وقوله: ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: هؤلاء الذين صَدَّقوا قولَهم بفعلِهم، وهؤلاء هُم ساداتُ المهاجِرين). وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. مدحٌ للأنصار وثناء عطر عليهم، وبيان لشرفهم وفضلهم وكرمهم. فهم الذين ﴿تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ أي: سكنوا المدينة. واستوطنوها قبل قدوم المهاجرين إليهم، وآمنوا قبل كثير منهم. أخرج البخاري في صحيحه عن عَمْرو بن مَيمون قال: قال عمر ﵁: [أُوصي الخليفة بالمهاجرين الأوَّلين أنْ يَعْرِف لهم حَقَّهم، وأوصي الخليفة بالأنصار الذين تبوؤوا الدارَ والإيمان مِنْ قَبْل أن يُهاجِرَ النبي ﷺ : أن يَقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهم ويَعْفُوَ عن مسيئِهم] (١). وقوله: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾. قال ابن زيد: (هؤلاء الأنصار يحبون من هاجر إليهم من المهاجرين). والمقصود: لقد أظهر الأنصار تألق نفوسهم وما انطوت عليه من الشرف والكرم حتى شاطروا إخوانهم المهاجريات أموالهم، وأنزلوهم منازلهم، ونزل من كان عنده زوجتان عن إحداهما لأخيه من المهاجرين يتزوجها. ومن كنوز السنة العطرة في آفاق ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن سفيان عن يحيى بن سعيد: [سمع أنسَ بن مالك ﵁ حين خرج معه إلى الوليد قال: دعا النبي ﷺ الأنصار إلى أن يُقْطِعَ لهم البحرين، فقالوا: لا إلّا أن تُقْطِعَ لإخواننا من المهاجرين مِثْلَها. قال: إمَّا لا فاصبروا حتى تَلْقَوني، فإنه سيصيبُكم بَعْدي أَثَرَةٌ] (٢). الحديث الثاني: أخرج الإمام البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: [قالت الأنصار للنبي ﷺ : اقسِم بَيْننا وبَيْن إخوانِنَا النخيل، قال: لا، فقالوا: تكفونا المؤونة

стр. 4804

ونُشركُكُم في الثَّمرَة، قالوا: سمعنا وأطعنا] (١). الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أنس قال: [قال المهاجرون: يا رسول اللَّه! ما رأينا مثلَ قوم قدمنا عليهم أحسنَ مواساةً في قليل ولا أحسنَ بذلًا في كثيرٍ، لقد كَفونا المُؤْنَة، وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله! قال: "لا، ما أثنيتم عليهم ودعوتم اللَّه لهم"] (٢). وقوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾. قال الحسن: (يعني الحسد). وقال قتادة: (﴿مِمَّا أُوتُوا﴾ يعني مما أُعطي إخوانهم). والمعنى: ومن كرم هؤلاء الأنصار وسمو أخلاقهم وتألق خصالهم أنهم لا يجدون في أنفسهم حسدًا لإخوانهم المهاجرين فيما فَضَّلهم اللَّه به من المنزلة والشرف، والتقديم في الذكر والرتبة، والسَّبْق في بعض الخصال ورفيع الأعمال. أخرج الإمام أحمد في المسند، والإمام النسائي في "السنن الكبرى" بسند على شرط الشيخين عَنْ أنس قال: [كُنّا جُلوسًا مع رسول اللَّه ﷺ فقال: "يَطْلُعُ عليكم الآنَ رجلٌ من أهل الجنة". فَطَلَع رجلٌ من الأنصار تَنْطُفُ لحيتُه من وضوئِه، قد تَعَلَّقَ نعليه بيده الشمال، فلما كان الغدُ قال رسول اللَّه ﷺ مثلَ ذلك، فطلعَ ذلك الرجل مثل المَرَّة الأولى، فلما كان اليوم الثالث قال رسول اللَّه ﷺ مثلَ مَقالتِه أيضًا، فطلعَ ذلك الرجل على مِثل حالهِ الأولى، فلما قام رسولُ اللَّه ﷺ تَبِعه عبدُ اللَّه بن عمرو بن العاص، فقال: إني لاحيتُ أبي، فأقسمتُ ألا أدخُلَ عليه ثلاثًا، فإن رأيت أن تُؤويني إليك حتى تمضي فَعَلْتُ. قال: نعم. قال أنس: فكان عبد اللَّه يُحدِّث أنه باتَ معه تلكَ اللياليَ الثلاثَ فلم يَرَه يقوم من الليل شيئًا، غير أنَّه إذا تعارَّ تَقَلَّبَ على فراشه ذَكَر اللَّه وكبَّر حتى يقوم من الليل شيئًا، غير أنَّه إذا تعارَّ تَقَلَّبَ على فراشه ذَكَر اللَّه وكبَّر حتى يقوم لصلاةِ الفَجْر. قال عبد اللَّه: غير أني لم أسمَعْه يقول إلا خيرًا، فلما مَضَتِ الثلاثُ ليالٍ وكِدْتُ أن أحتقِرَ عملَه قلت: يا عبد اللَّه! لم يكنْ بيني وبين أبي غَضَب ولا هَجْر، ولكن سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول لك ثلاث مَرَّات: "يطلع عليكم الآن رجلٌ من أهل الجنة". فطَلَعت أنت الثلاث المرّات، فأردت أن آوِي إليك لأنظُرَ ما عَملُك فأقتدِيَ به، فلم أرَكَ تعمل كثيرَ عملٍ، فما الذي بلغَ بكَ ما قال رسولُ اللَّه ﷺ ؟ قال: ما هو إلا

стр. 4805

ما رأيتَ. فلما وَلَّيتُ دعاني فقال: ما هُو إلا ما رأيت، غير أني لا أجِدُ في نفسي لأحد من المسلمين غِشًّا، ولا أحسُد أحدًا على خيرٍ أعطاهُ اللَّه إياه. قال عبد اللَّه: "هذه التي بَلَغَت بكَ، وهي التي لا نُطيق"] (١). وقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. يعني: حاجَة. وأصل الخصاصة من الاختصاص، وهو الانفراد في الأمر. قال القرطبي: (فالخصاصة الانفراد بالحاجة، أي ولو كان بهم فاقة وحاجة). وأما الإيثار فهو تقديم الآخرين على النفس وحظوظها الدنيوية، رغبة في الحظوظ الدينية. وينشأ ذلك عن قوة اليقين، وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة. فهذه الخصلة الرفيعة قد وصف اللَّه تعالى بها الأنصار، فهم يقذمون المحاويج على حاجة أنفسهم. أخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ﵁: [أنَّ رجلًا أتى النبي ﷺ فبعث إلى نسائه فقلن ما معنا إلا الماء. (وفي لفظ: أتى رجلٌ رسولَ اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه! أصابني الجَهْدُ. فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئًا). فقال رسول اللَّه ﷺ : من يضمّ أو يضيف هذا؟ فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني. فقال: هيئي طعامك وأصبحي سراجك ونوّمي صبيانك إذا أرادوا عشاء. فهيأت طعامها، وأصبحت سراجها، ونوّمت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته فجعلا يُريانه كأنهما يأكلان، فباتا طاويين. فلما أصبح غدا إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: ضحك اللَّه الليلة أو عجب من فعالكما، فأنزل اللَّه: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾] (٢). وقوله: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. أي: مَنْ سَلِمَ مِنَ الشّح فقد أَفْلَح وأَنْجحَ. والشّح: البخل، ومنع الفضل من المال. والشحيح: البخيل. قال ابن زيد: (من وقي شحّ نفسه فلم يأخذ من الحرام شيئًا، ولم يقربه، ولم يدعه الشّح أن يحبس من الحلال شيئًا، فهو من المفلحين، كما قال اللَّه . وفي رواية عنه: (من لم يأخذ شيئًا لشيء نهاه اللَّه عنه، ولم يدعه الشحّ على أن يمنع شيئًا من

стр. 4806

شيء أمره اللَّه به، فقد وقاه اللَّه شحّ نفسه، فهو من المفلحين). وفي صحيح مسلم عن جابر أن رسول اللَّه ﷺ قال: [اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشّح فإن الشّح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم] (١). وقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. هذا هو القسم الثالث ممن يستحق فقراؤهم من مال الفيء. قال النسفي: (﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ عطف أيضًا على المهاجرين وهم الذين هاجروا من بعد. وقيل التابعون بإحسان، وقيل: من بعدهم إلى يوم القيامة). وعن مجاهد: (﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ قال: الذين أسلموا نعتوا أيضًا). فالمهاجرون ثم الأنصار ثم التابعون لهم بإحسان داخلون في استحقاق الفيء لفقرائهم، وقد ورد هذا العطف في آية براءة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ﵃﴾ [التوبة: ١٠٠]. قال ابن كثير: (فالتابعون لهم بإحسان المتبعون لآثارهم الحَسنة وأوصافهم الجميلة، الدَّاعون لهم في السِّر والعلانية. ولهذا قال في هذه الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ﴾، أي: قائلين: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا﴾، أي: بُغْضًا وحَسَدًا ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. وما أحسن ما استنبط الإمام مالك من هذه الآية الكريمة: أن الرافضيَّ الذي يسبُّ الصحابةَ ليس له في مال الفيء نصيبٌ لعدم اتصافه بما مَدَحَ اللَّه به هؤلاء في قولهم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾). قلت: وقد ثبت في صحيح السنة بيان مفهوم هذه الآية في أحاديث: الحديث الأول: أخرج البيهقي بسند صحيح عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر بن الخطاب ﵁ في قصة ذكرها قال: [ثم تلا: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ إلى آخر الآية، فقال: هذه لهؤلاء، ثم تلا: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ إلى آخر الآية، ثمّ قال: هذا لهؤلاء، ثم تلا: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ

стр. 4807

عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ إلى آخر الآية، ثم قرأ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ إلى آخر الآية، ثم قال: هؤلاء المهاجرون، ثم تلا: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ إلى آخر الآية، فقال: هؤلاء الأنصار، قال: وقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ إلى آخر الآية، قال: فهذه استوعبت الناس، ولم يبق أحدٌ من المسلمين، إلا وله في هذا المال حق، إلا ما تملكون من رقيقكم، فإن أعش إن شاء اللَّه، لم يبق أحد من المسلمين، إلا سيأتيه حقه حتى الراعي بـ "سرو حمير" يأتيه حقه، ولم يعرق فيه جبينه] (١). وفي لفظ: (واللَّه ما من أحد من المسلمين إلا وله حق في هذا المال، أعطي منه أو منع حتى راع بـ "عدن"). الحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عمر قال: [﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦]، هزه لرسول اللَّه ﷺ خاصة، قُرى عرينة فدك وكذا وكذا، ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧]، و ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨]، و ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ٩]، و ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠]، فاستوعبت هذه الآية الناس، فلم يبق أحد من المسلمين إلا له فيها حق]. قال أيوب: (أو قال: حظ، إلا بعض من تملكون من أرقائكم) (٢). الحديث الثالث: أخرج الشافعي والبيهقي بسند صحيح عن الزهري عن مالك بن أوس أن عمر ﵁ قال: [ما من أحد إلا وله فى هذا المال حق، أعطيه أو منعه، إلا ما ملكت أيمانكم] (٣). ١١ - ١٧. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ

стр. 4808

كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٣) لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٥) كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (١٧)﴾. في هذه الآيات: إخبار اللَّه تعالى عن المنافقين كعبد اللَّه بن أبي بن سلول ورافعة بن تابوت ووديعة ومالك ابني نوفل وسُويد وداعس وغيرهم حين بعثوا إلى يهود بني النضير يعدونهم النصر وبذل الغالي والنفيس لنصرتهم على محمد ﷺ وأصحابه، وهم في ذلك كاذبون، بل هم عند البأس جبناء أذلاء صاغرون، يفرون إذا حمي الوطيس فشأنهم في تحريضهم شأن الوسواس من الشيطان الرجيم. فعن ابن عباس: (قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ يعني عبد اللَّه بن أبي بن سلول وأصحابه، ومن كان منهم على مثل أمرهم. ﴿يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني: بني النضير). وقوله: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾. أي يقولون لهم: لئن أخرجتم من دياركم ومنازلكم، وأجليتم عنها لنخرجنّ معكم، فنجلي عن منازلنا وديارنا معكم. وقوله: ﴿وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا﴾. قال ابن جرير: (يقول: ولا نطيع أحدًا سألنا خذلانكم، وترك نصرتكم، ولكنا نكون معكم). وقوله: ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾. أي: وإن قاتلكم محمد ﷺ وأصحابه لنكونن لكم بالعون والنصر والتأييد.

стр. 4809

وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. أي: واللَّه يشهد كذب هؤلاء المنافقين في زعمهم ووعدهم لبني النضير بالنصر والتأييد. وقوله: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾. تأكيد لِنَعْتهم بالكذب. وقوله: ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾. أي: منهزمين. وقيل: معنى: ﴿لَا يُنْصَرُونَ﴾ طائعين. ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ مكرهين ﴿لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾. وقيل: معنى ﴿لَا يُنْصَرُونَ﴾ لا يدومون على نصرهم. قال القرطبي: (وقيل: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ أي علم اللَّه منهم أنهم لا يخرجون إن خرجوا. ﴿وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ أي علم اللَّه منهم ذلك. ثم قال: ﴿لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾ فأخبر عما قد أخبر أنه لا يكون كيف كان يكون لو كان؟ وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾). وقوله: ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾. قال القاسمي: (أي بنوعٍ مّا من أنواع النصر. والضمير للمنافقين أو اليهود). وقوله: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾. أي لأنتم أشد مرهوبية في صدور بني النضير أو المنافقين من اللَّه، فهم يخافونكم معشر المؤمنين أكثر مما يخافون من ربهم. وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾. قال النسفي: (لا يعلمون اللَّه وعظمته حتى يخشوه حق خشيته). وقوله: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُر﴾. أي: لا يقدر هؤلاء اليهود أو المنافقون على مقاتلتكم مجتمعين إلا حالة تحصّنهم بالخنادق والدروب أو من وراء حيطان يستترون بها لجبنهم ورَهْبَتِهم. وقوله: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾. أي عداوتهم بينهم شديدة. وقال مجاهد: (﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ أي بالكلام والوعيد لنفعلن كذا). وقيل: إذا لم يلقوا عدوًا نسبوا أنفسهم إلى الشدة والبأس، فإذا لقوا العدو انهزموا. وقوله: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾. قال مجاهد: (يعني اليهود والمنافقين). وعنه أيضًا: (يعني المنافقين). وقال قتادة: (﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا﴾ أي مجتمعين على أمر ورأي ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ متفرقة). وعن مجاهد أيضًا: (أراد أن دين المنافقين مخالف لدين اليهود، وهذا ليقوّي أنفس المؤمنين عليهم). وقال قتادة: (تجد أهل

стр. 4810

الباطل مختلفة شهادتهم، مختلفة أهواؤهم، مختلفة أعمالهم، وهم مجتمون في عداوة أهل الحق). وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾. أي ذلك التشتيت والكفر لكونهم لا يعقلون أمر اللَّه ولا يتدبرون آياته، بل هم منقادون وراء أهوائهم وشهواتهم. وقوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾. قال ابن عباس: (يعني بني قَيُنُقاع، أمكن اللَّه منهم قبل بني النضير). ومعنى: ﴿ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ أي جزاء غَدرهم وكفرهم ومكرهم، فأجلاهم رسول اللَّه ﷺ وشرَّدهم. وقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. أي: في الآخرة. وقوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾. قال مجاهد: (المراد بالإنسان هاهنا جميع الناس في غرور الشيطان إياهم). ومعنى قوله: ﴿إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾ أي أغواه حتى نطق بالكفر. قال ابن عباس: (فضرب اللَّه هذا مثلًا للمنافقين مع اليهود). وقوله: ﴿فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾. تشبيه لتخاذل المنافقين عن اليهود وعدم الوفاء في نصرتهم. قال القاسمي: (﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾ أي إذ غرّ إنسانًا ووعدهُ على اتباعهِ وكفره باللَّه، النصرة عند الحاجة إليه ﴿فَلَمَّا كَفَرَ﴾ أي باللَّه، واتبعه وأطاعه ﴿قَالَ﴾ أي مخافة أن يشركه في عذابه، مسلمًا له وخاذلًا ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ أي فلا أعينك ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ أي في نصرتك، فلم ينفعهُ التبرؤ، كما لم ينفع الأول وعده بالإعانة). وقوله: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾. أي: فكان عاقبة الشيطان وذلكَ الإنسان المصدق له المتّبع لأمره أنهما خالدان في النار ماكثان فيها أبدًا. وقوله: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: وذلكَ ثواب اليهود من النضير والمنافقين الذين وعدوهم النصرة، وكُلُّ كافر باللَّه ظالم لنفسه على كفره بهِ أنهم في النار مخلَّدون). ١٨ - ٢٠. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ

стр. 4811

أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩) لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾. في هذه الآيات: وصيةُ اللَّه تعالى عباده المؤمنين أن يَصْدُقُوه التقوى والاستعداد ليوم الدين، ولا يكونوا كالذين نسوا اللَّه فنسيهم وكانوا من الفاسقين. إنه لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة فأصحاب الجنة هم أهل الفوز والنعيم. فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾. أمر من اللَّه تعالى بتقواه، وليحاسب كل نفسه قبل أن يحاسبه سبحانه، وليجهد بادخار وسعه من العمل الصالح. قال قتادة: (﴿مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ يعني يوم القيامة. ما زال ربكم يقرب الساعة حتى جعلها كغد، وغدٌ يوم القيامة). أخرج الإمام مسلم في صحيحه عند المنذر بن جرير، عن أبيهِ قال: [كنا عند رسول اللَّه ﷺ في صَدْرِ النهار، فجاءَهُ قومٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتابي (١) النِّمار أو العَباءِ، متقلِّدي السُّيوف، عامَّتُهم مِنْ مُضَرَ، بل كُلُّهم مِنْ مُضَر، فتَمَعَّرَ وَجْهُ رسول اللَّه ﷺ لِمَا رأى بِهم من الفاقَةِ، فدخلَ ثم خَرَجَ، فأمَرَ بلالًا فأذَّنَ وأقامَ، فصلّى ثم خطبَ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١] إلى آخر الآية. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ والآية التي في الحَشر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨] تَصَدَّقَ رجُلٌ من ديناره، مِنْ دِرْهَمِه، مِنْ ثوبِه، من صاعِ بُرِّهِ، مِنْ صاعِ تَمرهِ -حتى قال- ولو بشِقِّ تمرةٍ. قال: فجاءَ رجلٌ من الأنصار بِصُرَّةٍ كادت كَفُّهُ تَعْجِزُ عنها، بل قد عَجَزَتْ، قال: ثم تتابعَ النَّاسُ، حتى رأيتُ كومين مِنْ طعامٍ وثياب، حتى رأيتُ وجهَ رسول اللَّه ﷺ يَتَهَلَّلُ، كأنَّهُ مُذْهَبَةٌ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسنةً، فلهُ أجرُها، وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها بعدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجورهم شيءٌ، وَمَنْ سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً سيئةً، كانَ عليهِ وزْرُها وَوزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوزارهم شيءٌ"] (٢).

стр. 4812

وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. تأكيد للأمر الأول، فإنَّ السعادةَ في الدارين منوطةٌ بالتقوى. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. أي: إن اللَّه مطلع على جميع أعمالكم ولا يخفى عليهِ شيء. وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾. قال سفيان: (نَسُوا حقَّ اللَّه، فأنساهم أنفسهم، قال: حَظَّ أنفسهم). وقال النسفي: (تركوا ذكر اللَّه وما أمرهم به: ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ فتركهم من ذكره بالرحمة والتوفيق). وقال مقاتل بن حيان: (تركوا أمره ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ أن يعملوا لها خيرًا). وقال سهل بن عبد اللَّه: (﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ عند الذنوب ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ عند التوبة). والمقصود: تحذير اللَّه تعالى المؤمنين أن يكونوا كالذين ركبوا المعصية والذنوب وأصروا حتى خذلهم اللَّه عن التوبةِ والتوفيق وأرداهم المهالك وبلوغ الشقاء. وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. قال سعيد بن جبير: (العاصون. وقال ابن زيد: (الكاذبون). وأصل الفسق الخروج، والمقصود: هؤلاء الذين خذلهم اللَّه هم الخارجون عن طاعته، المستكبرون عن الإخبات لأمره. وقوله: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾. أي: لا يعتدل أهل النار وأهل الجنة في الرتبةِ والفضل والمنزلةِ. ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ أي: هم المقربون المدركون ما طلبوا وأرادوا، الناجون مما حذروا، السالمون من عذاب اللَّه . وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨]. ٢ - وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨]. ٣ - وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]. وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: [أما أهل النار الذين هم

стр. 4813

أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون] (١). وفي صحيح مسلم -أيضًا- عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ قال: [ينادي مُنَادٍ: إنَّ لكم أن تصِحُّوا فلا تسقَمُوا أبدًا، وإن لكم أن تَحْيَوا فلا تموتوا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَشِبُّوا فلا تهرموا أبدًا، وإنَّ لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا] (٢). ٢١ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾. في هذه الآيات: تَصَدُّعُ الجبال خشية للَّه من كلامهِ العظيم، فاللَّهُ تعالى هو الملكُ القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، وهو سبحانهُ الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى العزيز الحكيم. فقوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: (يقول: لو أني أنزلت هذا القرآن على جبلٍ حملته إياه تصدّع وخشعَ مِنْ ثقلهِ، ومن خشيةِ اللَّه، فأمر اللَّه الناس إذا أنزل عليهم القرآن، أن يأخذوه بالخشيةِ الشديدةِ والتخشّع). وقال قتادة: (يعذر اللَّه الجبل الأصمّ، ولم يعذر شقيّ ابن آدم، هل رأيتم أحدًا قط تصدّعت جوانحهُ من خشية اللَّه). والمقصود: إذا كان الجبلُ في قسوتهِ وصلابتهِ يتصدعُ لو فهم القرآن، خشية من عظمة الرحمان، فكيفَ لا تلينُ قلوب البشر الذين فهموا مراد اللَّه ووعده ووعيده.

стр. 4814

قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد: ٣١]. أي: لكانَ هذا القرآن. وقوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. قال الزمخشري: (والغرض توبيخ الإنسان على قسوة قلبه، وقلةِ تخشعه، عند تدبر القرآن، وتدبّر قوارعه وزواجره). وقال القاسمي: (﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا﴾ أي وتلك الأمور، وإن كانت وهمية، مفروضة، فلا بد من اعتبارها وضربها للناسِ الذين نسوا صغر مقدارهم فتكبروا، ولينَهم فقست قلوبهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي ليعلموا أنهم أولى بذلكَ الخشوع والتصدّع). وفي التنزيل: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]. أخرج البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد اللَّه ﵄: [أنَّ النبي ﷺ كان يقومُ يومَ الجمعةِ إلى شجرة، أو نَخْلَةٍ، فقالت امرأة من الأنصار، أو رَجُلٌ، يا رسول اللَّه، ألا نَجْعَلُ لكَ مِنْبَرًا؟ قال: "إِنْ شئتم"، فجعلوا لهُ مِنْبرًا، فلما كانَ يومُ الجُمعةِ دَفَعَ إلى المنْبر، فصَاحَتْ النخلةُ صِياحَ الصبي، ثم نزل النبي ﷺ فَضَمَّهُ إليهِ، يَئِنُّ أنِينَ الصَّبي الذي يُسَكَّنُ، قال: "كانت تبكي على ما كانت تَسْمَعُ من الذِّكر عندها"] (١). وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: الذي يتصَدَّعُ من خشيتهِ الجبل أيها الناس، هو المعبود الذي لا تنبغي العبادة والألوهية إلا له، عالم غيب السماوات والأرض، وشاهد ما فيهما مما يرى ويحسّ ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ يقول: هو رحمان الدنيا والآخرة، رحيم بأهلِ الإيمان به). وقوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾. ﴿الْمَلِكُ﴾: أي المالك لكل شيء المتصرف فيه. و ﴿الْقُدُّوسُ﴾: الطاهر من العيوب المُتنزِّهُ عنها. وعن قتادة: (﴿الْقُدُّوسُ﴾ أي: المبارك). وفي الصحيحين عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [يقبض اللَّه

стр. 4815

الأرض يوم القيامةِ ويطوي السماء بيمينهِ ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض] (١). وفي صحيح أبي داود عن عائشة: [أن النبي ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: [سُبُّوح قدُّوس ربُّ الملائكة والروح] (٢). وقوله: ﴿السَّلَامُ﴾. أي: ذو السَّلام، الذي سَلِمَ من كل عيب وبرئ من كل آفة. أخرج البخاري في "الأدب المفرد" بسند حسن عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إن السلام اسم من أسماء اللَّه تعالى وضعهُ اللَّه في الأرض، فأفشوا السلام بينكم] (٣). وقوله: ﴿الْمُؤْمِنُ﴾. أي: الذي يصدق عبادَه وعدَه، فهو من الإيمان: التصديق، أو يؤمنهم في القيامة من عذابه، فهو من الأمان، ضدُّ الخوف (٤). قال ابن عباس: (أي: آمن خلقه من أن يظلمهم). وقال ابن زيد: (صدق عباده المؤمنين في إيمانهم به). وقوله: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾. أي: الشهيد. وقيل: الأمين. وقيل: الرقيب الحافظ. قال ابن عباس: (أي: الشاهد على خلقه بأعمالهم، بمعنى هو رقيب عليهم، كقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩]، وقوله: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦]، وقوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]). وقوله: ﴿الْعَزِيزُ﴾. أي الغالب القاهر، والعِزَّة: الغَلَبة. قال الحافظ ابن كثير: (العزيز: أي: الذي قد عزَّ كل شيء فقهره وغلب الأشياء، فلا ينال جنابه لعزته وعظمته وبروته وكبريائه). وقوله: ﴿الْجَبَّارُ﴾. هو الذي أجْبَرَ الخلق وقهرهم على ما أراد من أمرٍ أو نهي. وقيل: هو العالي فوق خلقه. قال قتادة: (الجبار الذي جبر خلقه على ما يشاء). وقال ابن جرير: (الجبار: المصلح أمور خلقه المتصرف فيهم بما فيه صلاحهم). وفي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن عمر قال: [رأيتُ رسول اللَّه ﷺ على المِنْبر وهو

стр. 4816

يقول: يأخذ الجَبَّارُ سماواته وأرضيه بِيَدَيْهِ، ثم يقول: أنا الجبار، أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون] (١). وقوله: ﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾. أي المتعالي عن صفات الخلق. وقيل: الذي يَتَكَبَّرُ على عُتاة خلقه إذا نازعوه العظمة فَيقصِمَهم. وقيل: إن المتكبِّرَ من الكبرياء الذي هو عظمة اللَّه تعالى، لا مِنَ الكِبْر الذي هو مذموم (٢). وعن قتادة: (المتكبر: يعني عن كل سوء). أو قال: (تكبَّر عن كلّ شرٍّ). أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي هريرة قال: إن رسول اللَّه ﷺ قال: [قال اللَّه : الكبرياء ردائي، والعزةُ إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما ألقيه في النار] (٣). وفي لفظ: "والعظمة إزاري". وفي صحيح مسلم عنه بلفظ: [قال اللَّه تعالى: الكبرياء ردائي، والعِزّ إزاري، فمن نازعني في شيء منهما عَذَّبته] (٤). وقوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. أي: تنزه اللَّه وتعالى عن شرك المشركين به. وقوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ﴾. الخلق: التقدير، والخالق هو الذي يقدر وينفذ كما شاء، ولا يوصف بذلكَ إلا اللَّه ، فهو الذي إذا أراد شيئًا قال لهُ كن فيكون على الصفة التي يريد. أخرج الطيالسي والبيهقي بسند صحيح عن أسامة، عن النبي ﷺ قال: [قاتل اللَّه قومًا يُصَوِّرون ما لا يخلقون] (٥). وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [قال اللَّه تعالى: ومن أظلم ممن

стр. 4817

ذهب يخلق خلقًا كخلقي، فليخلقوا حبة، أو ليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا شعيرة] (١). وفي المسند عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إن اللَّه تعالى هو الخالق القابض الباسط الرازق] (٢). وقوله: ﴿الْبَارِئُ﴾. هو الذي خلق الخلق لا عن مثال. وفي المسند بإسناد صحيح من حديث عبد الرحمن بن خنبش التميمي عن النبي ﷺ قال: [أتاني جبريل، فقال: يا محمد! قُلْ. قلت: وماذا أقول؟ قال: قل أعوذُ بكلمات اللَّه التامات التي لا يجاوزهن برّ ولا فاجر من شرّ ما خلق، وذرأ، وبرأ. .] (٣). وقوله: ﴿الْمُصَوِّرُ﴾. هو الذي أنشأ خَلْقَهُ على صُوَر مختلفة. ومعنى التصوير: التخطيط والتشكيل. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٦]. وفي سنن النسائي عن علي، أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا سجد يقول: [اللهم لك سجدت، ولك أسلمت، وبك آمنت. سجد وجهي للذي خلقه وصوَّره، فأحسن صورته، وشقَّ سمعه وبصره، تبارك اللَّه أحسن الخالقين] (٤). وقوله: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. أي: كل أسمائه تعالى حسنى، وهي الدالةُ على صفاته العلا. وفي الصحيحين عن أبي هريرةَ، أن رسول اللَّه ﷺ قال: [إنَّ للَّه تِسْعَةً وتسعين اسمًا، مئةً إلا واحِدًا، مَن أحصاها دخلَ الجنة] (٥). وفي لفظ: [للَّه تِسْعةٌ وتِسْعونَ اسمًا -مئة إلا واحِدًا- مَنْ حَفِظَها دخَلَ الجنةَ، وهو وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ].

стр. 4818

وقوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. أي: ينزهه جميع ما في السماوات والأرض، ويسجد له طوعًا وكرهًا، وهو ﴿الْعَزِيزُ﴾، أي الشديد الانتقام من أعدائه، المنيعُ الذي لا يُرامُ جنابُه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبير خلقه وفي شرعه وقدره. تم تفسير سورة الحشر بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر الخميس ١٧ رمضان ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٠/ تشرين الأول/ ٢٠٠٥ م * * *

стр. 4819

دروس ونتائج وأحكام ١ - كل شيء في هذا الكون يسبح اللَّه ويمجده ويعظمه ويقدسه. ٢ - تآمر يهود بني النضير على قتل رسول اللَّه فأجلاهم، وما قطع من نخل بني النضير أو حرق أو ترك فبإذن اللَّه. ٣ - الفيء: كل مال أخذ من الكفار من غير قتال، ومصارفه: للَّه ولرسوله وذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. ٤ - صرف شيء من ذلكَ الفيء لفقراء المهاجرين والذين تبوؤوا الدار. ٥ - التواضع والانقياد لأوامر رسول اللَّه ﷺ ونواهيه واجب على كل مسلم. ٦ - الداعي إلى الحق يجب ألا يخالف ما ينهى عنه، وعليه أن يكون في موضع الأسوة الحسنة. ٧ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ استوعبت المسلمين عامة. ٨ - منافقو المدينة وَرَّطّوا اليهود -يهود بني النضير- ثم تَخَلَّوا عنهم، فمثلهم كمثل الشيطان يغوي ويتبرأ ممن غواه. ٩ - إن الجبال تتصدع من خشية اللَّه، فما لقلوب المشركين لا تتصدع. ١٠ - كل أسماء اللَّه تعالى حسنى، وللَّه سبحانه تسعة وتسعون اسمًا من حَفِظَها دخل الجنة، وهو تعالى وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْر. * * *

стр. 4820

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون تفسير القرآن الكريم على منهاج الأصليين العظيمين - الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة - على فهم الصحابة والتابعين تفسير منهجي فقهي شامل معاصر الجزء الثامن تأليف الأستاذ الدكتور مأمون حموش

стр. 4821

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4822

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

стр. 4823

جميع حقوق الطبع والتصوير محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م موافقة وزارة الإعلام رقم: ٩١٠٩٢ ورقم: ٩١٤٥١ تاريخ: ١٦/ ٧/ ٢٠٠٦ م دمشق - سورية يطلب من المؤلف دمشق هاتف: ٣٢١٨٤٧١ المدقق اللغوي الدكتور أحمد راتب حموش

стр. 4824

٦٠ - سورة الممتحنة وهي سورة مدنية، وعدد آياتها (١٣). قال القرطبي: (الممتحِنة -بكسر الحاء- أي المختبرة، أضيف الفعل إليها مجازًا، كما سُمِّيت سورة "براءة" المبعثرة والفاضحة، لما كشفت عن عيوب المنافقين. ومن قال في هذه السورة: الممتحَنة -بفتح الحاء- فإنه أضافها إلى المرأة التي نزلت فيها، وهي أمُّ كُلْثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيط، قال اللَّه تعالى: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ الآية. وهي امرأة عبد الرحمن بن عَوْف، ولدت له إبراهيم بن عبد الرحمن). موضوع السورة منهج الولاء والبراء، والتفريق بين المسالمين والأعداء - منهاج السورة - ١ - قصة حاطب بن أبي بلتعة ورسالته إلى المشركين ينذرهم الفتح القادم. ٢ - قواعد منهج الولاء والبراء الذي هو جزء من منهاج الإيمان عند المسلمين. ٣ - ذِكْرُ اللَّه تعالى -إبراهيم ﵇ المثل الأعلى للمؤمنين في الولاء للمسلمين والبراء من الكافرين.

стр. 4825

٤ - التفريق بين المحاربين من الأعداء والمسالمين، والنهي عن موالاة المقاتلين منهم والأمر بالإقساط إلى المقسطين. ٥ - الأمْرُ باختبار المؤمنات المهاجرات، والترغيب بنكاحهن والتأكيد على دفع مهورهن. ٦ - الأمر بتعويض الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا، والحث على لزوم التقوى. ٧ - مبايعة النبي ﷺ النساء على الإسلام، وذكر بنود البيعة التي بقيت عبر الزمان. ٨ - تجديدُ النهي عن موالاة الكافرين، وتأكيد قواعد الولاء والبراء عند المؤمنين. * * *

стр. 4826

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٣. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣)﴾. في هذه الآيات: ذكر قصة حاطب بن أبي بلتعة وهو رجل من المهاجرين شهد بدرًا، وكان له بمكة أولاد ومال، ولم يكن من قريش أنفسهم، بل كان حليفًا لعثمان، فلما غدرت قريش ونقضت العهد وأمر رسول اللَّه ﷺ أصحابه بالتجهز عامدًا فتح مكة، حدث أن أرسل حاطب بن أبي بلتعة كتابًا إلى قريش ينذرها المسلمين وجيش الفتح القادم، -يريد بذلك أن يتخذ عندهم يدًا- وحمّلَهُ امرأة عجوزًا لتوصله إلى مكة، إلا أن الوحي الكريم تدخل في اللحظة المناسبة وأفسد الإنذار، وبَيَّنَ قواعد منهج الولاء والبراء الذي يجب أن يكون عليه الأخيار. أخرج البخاري في صحيحه عن علي ﵁ قال: [بعثني رسول اللَّه ﷺ أنا والزبير والمقداد، فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضةَ خاخٍ فإنَّ بها ظعينةً معها كتاب فخذوه منها. قال: فانطلقنا تَعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة. قلنا لها: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب، فقلنا: لَتُخْرِجِنَّ الكتابَ أو لَنُلْقِيَنَّ الثياب. قال: فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول اللَّه ﷺ فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس بمكة من المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول اللَّه ﷺ . فقال رسول اللَّه ﷺ : يا حاطِبُ ما هذا؟ قال: يا رسول اللَّه لا تعجل عليَّ، إني كنتُ امرأً مُلْصَقًا في قريش، يقول: كنت حليفًا ولم أكُنْ من أنْفُسِها وكان من معك من المهاجرين

стр. 4827

من لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالَهم، فاحبَبْتُ إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا يحمون قرابتي ولم أفعله ارتدادًا عن ديني ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول اللَّه ﷺ : أما إنه قد صدقكم. فقال عمر: يا رسول اللَّه دعني أضرب عنق هذا المنافق (وفي رواية: يا رسول اللَّه قد خان اللَّه ورسوله والمؤمنين دعني أضرب عنقه). فقال: إنه قد شهد بدرًا وما يدريك لعل اللَّه اطّلع على من شهد بدرًا قال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، فأنزل اللَّه السورة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ إلى قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾] (١). فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ﴾. أي: من المشركين والكفار الذين يحاربون اللَّه ورسوله ويصدون عن الدين الحق ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ يعني أخلاء وأصدقاء وأنصارًا. والآية فيها تهديد ووعيد لمن يضعف أمام إقامة منهج الولاء والبراء. وقوله: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾. قال القرطبي: (يعني بالظاهر، لأن قلب حاطب كان سليمًا، بدليل أن النبي ﷺ قال لهم: "أما صاحبكم فقد صدق" وهذا نصٌّ في سلامة فؤاده وخلوص اعتقاده). وعن الزجاج: (﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ تخبرونهم بسرائر المسلمين وتنصحون لهم). وقوله: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾. أي: كيف توادوهم أو تتولوهم وهذا حالهم لا يخفى عليكم من محاربة ما جاءكم من الحق. وقوله: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾. استئناف يبيّن بعض النعوت والصفات التي كفر بها طغاة مكة، وهو إخراجهم الرسول والمؤمنين من ديارهم. قال ابن عباس: (﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾: وكان حاطب ممن أخرج مع النبي ﷺ ). وقيل: بل هو حال من ﴿كَفَرُوا﴾. وكلا التأويلين منسجم مع السياق. وقوله: ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾. تعليل لـ ﴿يُخْرِجُونَ﴾. والتقدير: إنما يخرجونكم مع رسولكم من مكة بسبب إيمانكم باللَّه وحده، وإفراده تعالى بالتكبير والتعظيم. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾. قال ابن كثير: (أي: إن كنتم كذلك فلا تتخذوهم أولياء، إن كنتُم خرجتُم مجاهدين في سبيلي باغين لمرضاتي عنكم

стр. 4828

فلا تُوالوا أعدائي وأعداءكم، وقد أخرجوكم من ديارِكم وأموالِكم حَنَقًا عليكم، وسُخْطًا لدينكم). وقوله: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾. قال النسفي: (المعنى: أي طائل لكم في إسراركم، وقد علمتم أن الإخفاء والإعلان سيان في علمي وأنا مطلع رسولي على ما تسرون). وقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. أي: ومن يفعل ذلك الإسرار إلى الكفار أو المكاتبة لإطلاعهم على أسرار المسلمين فقد أخطأ طريق الحق والصواب، وجار عن قصد الطريق. وفي التنزيل نحو ذلك من آيات الولاء والبراء: أ- قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]. ٢ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧]. ٣ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٤٤]. ومن صحيح السنة العطرة في آفاق ذلك: قال عبد اللَّه بن الإمام أحمد: [حدثنا أبي حدثنا وكيع حدثنا إسرائيل عن سماك بن حرب عن عياض الأشعري عن أبي موسى رضي اللَّه تعالى عنه قال: قلت لعمر ﵁: إن لي كاتبًا نصرانيًا. قال: مالك؟ قاتلك اللَّه. أما سمعت اللَّه يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ الآية. ألا اتخذت حنيفيًا؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه. قال: لا أكرمهم إذ أهانهم اللَّه، ولا أعزّهم إذ أذلّهم اللَّه، ولا أدنيهم إذ أقصاهم اللَّه]. ورواه البيهقي ولفظه: [لا تؤمنوهم وقد خونهم اللَّه، ولا تقربوهم وقد أبعدهم اللَّه، ولا تُعِزُّوهم وقد أذلهم اللَّه] (١). وقوله: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ﴾. أي: يلقوكم ويظفروا بكم ويتمكنوا منكم. وفي لغة

стр. 4829

العرب: ثقِف فلان فلانًا: أي صادفه، فهو من المثاقفة. وقوله: ﴿يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً﴾. أي يكونوا لكم حربًا. ﴿وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾. أي بالضرب والقتل وأنواع الأذى. ﴿وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾ أي بالشتم والسبّ وفاحش القول. وقوله: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾. أي: وتمنوا لو ترتدون عن دينكم، فهم يريدون أن يلحق بكم مضار الدنيا والدين من قتل الأنفس وتمزيق الأعراض وردكم كفارًا بمحمد وهذا القرآن. وهذا تهييج لكم على عداوتهم. قال النسفي: (وردكم كفارًا أسبق المضار عندهم وأولها، لعلمهم أن الدين أعز عليكم من أرواحكم لأنكم بذّالون لها دونه، والعدو أهم شيء عنده أن يقصد أهم شيء عند صاحبه). وقوله: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال القرطبي: (لما اعتذر حاطب بأن له أولادًا وأرحامًا فيما بينهم، بَيَّن الربّ أن الأهل والأولاد لا ينفعون شيئًا يوم القيامة إنْ عُصِي من أجل ذلك). وقوله: ﴿يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾. أي يحكم بينكم ويقضي لكل بما يستحقه يوم القيامة، فيدخل المؤمنين الجنة ويدخل الكافرين النار ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. ٤ - ٦. قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦)﴾. في هذه الآيات: ذِكْرُ اللَّه تعالى المثل الأعلى للمؤمنين في الولاء للمسلمين والبراء من الكافرين، إنه إبراهيم ﵇ ومن كان معه على الحق المبين. أخرج الحاكم على شرط الشيخين عن ابن عباس ﵄: [في قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ نزل في مكاتبة حاطب بن أبي بلتعة ومن معه إلى كفار قريش

стр. 4830

يحذرونهم. وقوله: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ نهوا أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه فيستغفروا للمشركين. وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولون: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم] (١). فقوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾. تنبيه اللَّه تعالى المؤمنين إلى التأسي بسيرة إبراهيم في البراء من الكفار. أي: فاقتدوا به معشر المؤمنين وائتموا بمنهاجه. قال ابن زيد: (﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ هم الأنبياء). وقيل: أصحاب إبراهيم من المؤمنين، وهو الأنسب للسياق. فقوله: ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ﴾. أي: الكفار. ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. أي: من الأصنام والطواغيت. وقوله: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾. أي بدينكم وطريقكم. ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾. قال ابن كثير: (يعني: وقد شُرِعت العدواةُ والبغضاء من الآنِ بيننا وبينكم، ما دمتُم على كُفركم، فنحن أبدًا نتبرأ منكم ونبغِضُكُم). وقوله: ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾. أي: حتى تفردوا اللَّه تعالى بالعبادة والتعظيم، وتخلعوا ما تعبدون معه من الأوثان والأنداد والطواغيت. وقوله: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾. قال ابن عباس: (نهوا أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه فيستغفروا للمشركين). والمعنى: لكم فى إبراهيم والمؤمنين معه أسوة صالحة للتأسي بها، إلا في استغفار إبراهيم لأبيه، فإنه إنما كان عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين له أنه عدو للَّه تبرأ منه. وفي التنزيل نحو ذلك، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٣ - ١١٤]. وفي صحيح مسلم عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: [لما حضرتْ أبا طالب الوفاةُ، جاءه رسولُ اللَّه ﷺ ، فوجد عنده أبا جَهْلٍ وعبد اللَّه بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : يا عَمّ قُلْ لا إله إلا اللَّه، كلمة أشهدُ لك بها عند اللَّه. فقال

стр. 4831

أبو جهل وعبدُ اللَّه بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغبُ عن مِلّةِ عبد المطلب؟ فلو يزل رسول اللَّه ﷺ يَعْرِضها عليه ويُعيد له تلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلَّمهم: هو على مِلّةِ عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا اللَّه. فقال رسول اللَّه ﷺ : أما واللَّه لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك. فأنزل اللَّه : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾] (١). وقوله: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير﴾. هو من قيل إبراهيم والمؤمنين معه. أي: توكلنا عليك ربنا وسلمنا أمورنا لك، ورجعنا طائعين مخبتين تائبين راجين عفوك ومغفرتك، فإن مصيرنا إليك، ومرجعنا يوم نبعث من قبورنا إلى موقف العَرْض بين يديك. وقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال ابن عباس: (لا تسلطهم علينا فيفتنونا). وقال مجاهد: الا تعذبنا بأيديهم، ولا بعذاب من عندك، فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا). وقال قتادة: (يقول: لا تُظْهِرهم علينا فَيَفْتَتِنُوا بذلك، يرون أنهم ظهروا علينا لحقّ هم عليه). وقوله: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا﴾. أي: واستر علينا ربنا ذنوبنا بعفوك وكرمك. وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. أي: إنك أنت ﴿الْعَزِيزُ﴾ في انتقامك من أعدائك، والذي لا يُضام من لاذَ بجنابك. ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيرك شؤون خلقك، وفي أقوالك وأفعالك وشرعك وقدرك. وقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِر﴾. تأكيد لما تقدم، وتهييج إلى التأسي الصادق بملة إبراهيم، ملة التوحيد والتعظيم، والولاء والبراء، عليه وعلى نبينا وسائر المرسلين أفضل الصلاة والتسليم، لمن كان يرجو لقاء اللَّه وثوابه والنجاة من عذابه يوم القيامة. وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. قال ابن عباس: (﴿الْغَنِيُّ﴾: الذي قد كمل في غناه، وهو اللَّه، هذه صفته لا تنبغي إلا لَهُ، ليس له كُفء، وليس كمثله شيءٌ، سبحان اللَّه الواحد القهار). وقال ابن كثير: (﴿الْحَمِيدُ﴾: المُستحمِدُ إلى خَلْقه، أي هو المحمود في جميع أفعاله وأقواله، لا إله غيرُه، ولا ربَّ سواه). والمعنى: إنه من يعرض عن أمر اللَّه ويدبر مستكبرًا، ويوالي أعداء اللَّه ويلقي إليهم بالمودة، فإن اللَّه غني

стр. 4832

عن إيمانه وطاعته كما هو غني عن جميع خلقه، وهو ﴿الْحَمِيدُ﴾ أي المحمود عند أهل المعرفة بأياديه وآلائه عندهم. ٧ - ٩. قوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧) لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)﴾. في هذه الآيات: التفريقُ بين المحاربين من الأعداء والمسالمين، والنهي عن موالاة المقاتلين منهم والأمر بالإقساط إلى المقسطين. فقوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾. قال ابن زيد: (هؤلاء المشركون، قد فعل، قد أدخلهم في السلم وجعل بينهم مودّة حين كان الإسلام حين الفتح). والمعنى: إنه تعالى قد يغيّر الأحوال ويقلب القلوب فيؤمن هؤلاء المشركون من قريش الذين أُمِرْتُم بمعاداتهم ومفاصلتهم على الدين الحق، ومن ثمَّ يجعل اللَّه بينكم وبينهم مَحَبَّةً بعد البِغضَة، ومودَّة بعد النَّفرة، وأُلْفَةً بعد الفرقة، ولذلك قال: ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ﴾ قال قتادة: (على ذلك). ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: أي يغفر الذنوب الكثيرة، ويعفو عما سلف أيام الجاهلية، إنه تعالى رحيم بعباده التائبين وبجميع خلقه. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. ٢ - وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٢ - ٦٣]. ومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث، منها: الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح من حديث أبي سعيد

стр. 4833

-في قسمة أموال هوازن وقد وجد الأنصار في أنفسهم- فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : [يا معشر الأنصار! ألم آتكم ضلالًا فهداكم اللَّه، وعالة فأغناكم اللَّه، وأعداء فألف اللَّه بين قلوبكم؟ قالوا: بلى] (١). الحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة مرفوعًا: [أَحْبِبْ حبيبَكَ هَوْنًا ما فعسى أن يكون بغيضكَ يومًا ما. وأَبْغِض بغيضك هونًا ما فعَسى أن يكون حبيبكَ يومًا ما] (٢). وقوله: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾. أي: لا ينهاكم اللَّه -معشر المؤمنين- عن أن تبروا الذين لم يقاتلوكم من الكفرة كالنساء والضعفة فتحسنوا لهم، وتعدلوا وتقضوا إليهم بالقسطِ ولا تظلموهم. قال النسفي: (وإذا نهى عن الظلم في حق المشرك فكيف في حق المسلم). أخرج البخاري ومسلم عن أسماء بنتِ أبي بكر ﵄ قلْتُ: [قَدِمت عليَّ أمي وهي مشركةٌ في عهد رسول اللَّه ﷺ فاستفْتَيْتُ رسولَ اللَّه ﷺ ، قلتُ: إنَّ أمي قَدِمَتْ وهِيَ راغِبَةٌ، أفأصِلُ أُمِّي؟ قال: نَعَمْ. صِلي أُمَّك] (٣). ورواه البخاري في "الأدب المفرد" عنها بلفظ: [أتتني أمي راغبة، في عهد النبي ﷺ ، فسألتُ النبي ﷺ : أفأصلها؟ قال: نعم. قال ابن عيينة: فأنزل اللَّه فيها: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾] (٤). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: إن اللَّه يحب المنصفين الذين ينصفون الناس، ويعطونهم الحق والعدل من أنفسهم، فيبرون من برهم، ويحسنون إلى من أحسن إليهم). وقوله: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾. قال مجاهد: (كفار أهل مكة). والمقصود: إنما ينهاكم اللَّه -معشر

стр. 4834

المؤمنين- عن موالاة الذين جاهدوكم على الدين وناصبوكم العداوة فقاتلوكم وأخرجوكم وعاونوا على إخراجكم أن تولوهم، فتكونوا لهم أولياء ونصراء. وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. أي: ومن يتخذهم أولياء وأنصارًا وأحبابًا ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. ١٠ - ١١. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١)﴾. في هذه الآيات: الأَمْرُ باختبار المؤمنات المهاجرات وعدم إرجاعهن إلى الكفار إن صحّ إيمانهن، والترغيب في نكاحهن بعد دفع مهورهن والإحسان إليهن، والأمر بتعويض الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا وبتقوى اللَّه العليم الحكيم. فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾. استثناء لِما كان قد وقع في عقد صلح الحديبية بين رسول اللَّه ﷺ وكفار قريش من قولهم: [على أن لا يأتيك منا رجل -وإن كان على دينك- إلا رددته إلينا] (١). فنزل الوحي في شأن المسلمات المهاجرات يأمر بعدم ردّهم -أصلًا- إلى المشركين. فتمسك المسلمون بظاهر نصّ العقد: (على أن لا يأتيك منا رجلٌ)، والذي يُفْهم منه أن النساء غير مشمولين في هذا العقد. يروي البخاري في صحيحه عن المسور قال: [. . . ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل اللَّه

стр. 4835

تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ حتى بلغ ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ فطلق عمرُ يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاويةُ بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية] (١). ويبدو أن سبب نزول هذه الآيات قدوم أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط مهاجرة فيمن هاجر، فجاء أهلها يسألون النبي ﷺ أن يرجعها إليهم، فأبى ﵊ لِما نزلَ من القرآن فيهن، فكان يختبرهن فإن كان الإسلام أخرجهن استبقاهن ودفع مهورهن لأزواجهن، في حين كان لا يدفع ذلك قبل الصلح ونزول هذه الآيات. فقد أخرج البخاري وأحمد عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أنه سمع مروان والمسور بن مخرمة ﵄ يخبران عن أصحاب رسول اللَّه ﷺ قال: [لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذ كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي ﷺ أنه لا يأتيك منا أحدٌ وإن كان على دينك إلا رددته إلينا وخَليت بيننا وبينه، فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا منه، وأبى سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي ﷺ على ذلك، فردَّ يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأته أحد من الرجال إلا ردّه في تلك المدّة وإن كان مسلمًا. وجاء المؤمنات مهاجرات، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول اللَّه ﷺ يومئذ وهي عاتق، فجاء أهلها يسألون النبي ﷺ أن يرجعها إليهم فلم يرجعها إليهم لما نزل فيهن: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾] (٢). فإلى فهم الآيات كما جاء في التفاسير: يروي ابن جرير بإسناده إلى أبي نصر الأسديّ، قال: (سُئِل ابن عباس: كيف كان امتحان رسول اللَّه ﷺ النساء؟ قال: كان يمتحنهنّ باللَّه ما خرجت من بغض زوج، وباللَّه ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض، وباللَّه ما خرجت التماس دنيا، وباللَّه ما خرجت إلا حبًا للَّه ورسوله). وفي رواية: قال ابن عباس: (كان امتحانهن أن يشهدن أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا عبده ورسوله). وعن مجاهد: (قوله: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ قال: سلوهن ما جاء بهن؟ فإن كان جاء بهن
следующие страницы →