← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 5426–5446 · переход к 5431.

стр. 5426

الثاني: الباقي. قال قتادة: (هو الباقي بعد خلقه). وفي رواية قال: (الصمد الدائم). الثالث: الحي القيوم. قال الحسن: (الصمد: الحي القيوم الذي لا زوال له). الرابع: الذي لا يأكل ولا يشرب. قال الشعبي: (الصمد: الذي لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب). الخامس: ليس بأجوف. قال الضحاك: (الصمد: الذي لا جوف له). وقال مجاهد: (المصمت الذي لا جوف له). السادس: لم يلد ولم يولد. قال أبو رجاء: سمعت عكرمة قال في قوله الصمد: (الذي لم يخرج منه شيء، ولم يلد ولم يولد). وقال أبو العالية: (الصمد: الذي لم يلد ولم يولد، لأنه ليس شيء يلد إلا سيورث، ولا شيء يولد إلا سيموت، فأخبرهم تعالى ذكره أنه لا يورث ولا يموت). السابع: نور يتلألأ. ذكره عبد اللَّه بن بريدة. قلت: وباستقراء هذه التفاسير المختلفة ظاهرًا المتحدة تأويلًا في معنى الصمد، يتبيّن أن هذا اللفظ في صفة الباري ، هو لفظ جامع لكل صفات الجمال والكمال التي لا تليق إلا باللَّه ، فإليه يصمد الأمر كله، فهو الكامل في صفاته وأسمائه، الذي يجيب حوائج عباده، ويعينهم ويدبر أمورهُم ويرزقهم ويكشف مصابهم، ويرحمهم ويجعل لمضطرهم من كربه فرجًا ومخرجًا، فهو الأحد الصمد تباركت أسماؤه وصفاته. وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾. قال أبو جعفر: (ليس بفان، لأنه لا شيء يلد إلا وهو فان بائد، وليس بِمُحْدث لم يكن فكان، لأن كل مولود فإنما وجد بعد أن لم يكن، وحدث بعد أن كان غير موجود، ولكنه تعالى قديم لم يزل، ودائم لم يبد، ولا يزول ولا يفنى). وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ - فيه أكثر من تأويل: الأول: لا شبيه له ولا مثل. قال أبو العالية: (لم يكن له شَبيه ولا عدل وليس كمثله شيء). وقال قتادة فيما يرويه عن عمرو بن غيلان عن كعب: (إن اللَّه تعالى ذكره أسس

стр. 5427

السماوات السبع، والأرضين السبع، على هذه السورة ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ وإن اللَّه لم يكافئه أحد من خلقه). وقال ابن عباس: (ليس كمثله شيء، فسبحان اللَّه الواحد القهار). الثاني: يعني لا صاحبة له. قال مجاهد: (﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾: يعني لا صاحبة له). وفي ﴿كُفُوًا﴾ قراءتان بتسكين الفاء وضمها، فقد قرأها قراء البصرة بالضم ﴿كُفُوًا﴾ وقرأها بعضُ قراء الكوفة بالتسكين ﴿كُفْوًا﴾ وهما قراءتان مشهورتان. وكلا المعنيين حق، كما قال سبحانه في سورة (مريم): ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾. وكذلك روى البخاري في صحيحه في هذا المعنى من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: [قال اللَّه تعالى: كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إيايَ فزعم أني لا أقدر أن أعيدَه كما كان، وأما شتمهُ إيايَ فقوله: لي ولَدٌ، فسبحاني أن أتخذ صاحبَةً أو ولدًا] (١). تم تفسير سورة الإخلاص بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر يوم السبت ١٤ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ١٤/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م

стр. 5428

دروس ونتائج وأحكام ١ - سورة الإخلاص فيها صفة الرحمان . ٢ - ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن، ومن قرأها عشر مرات حتى يختمها بنى اللَّه له بيتًا في الجنة. ٣ - سورة الإخلاص يُرقى بها ويستشفى بكلماتها. وكان رسول اللَّه ﷺ إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما، وقرأ فيهما قل هو اللَّه أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده. * * *

стр. 5429

١١٣ - سورة الفلق وهي سورة مدنية، وعدد آياتها (٥). فضائل المعوذتين وما ورد في ذكرهما: لقد جاء ذكر فضائل هاتين السورتين العظيمتين في أحاديث من السنة الصحيحة: الحديث الأول: يروي البخاري عن زرِّ بن حُبَيش ﵁ قال: سألت أُبَيَّ بن كعب عن المعوذتين فقال: سألت رسول اللَّه ﷺ فقال: [قيل لي، فقلتُ]. فنحن نقول كما قال رسول اللَّه ﷺ (١). الحديث الثاني: يروي الإمام مسلم في صحيحه عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [ألم ترَ آيات أُنزلت الليلة لم يُرَ مثلهن قط: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾] (٢). الحديث الثالث: يروي الإمام أحمد عن عقبة بن عامر قال: [بينا أنا أقود برسول اللَّه ﷺ في نقب من تلك النقاب إذ قال لي: يا عقبة ألا تركب. قال: فأشفقت أن تكون معصية، قال: فنزل رسول اللَّه ﷺ وركبت هنية ثم ركب ثم قال: يا عقب ألا أعلمك

стр. 5430

سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس. قلت: بلى يا رسول اللَّه، فأقرأني: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثم أقيمت الصلاة فتقدم رسول اللَّه ﷺ فقرأ بهما ثم مرَّ بي فقال: كيف رأيت يا عقب اقرأ بهما كلما نمت وكلما قمت] (١). وفي رواية قال: [أمرني رسول اللَّه ﷺ أن أقرأ بالمعوذات في دبر كل صلاة]. الحديث الرابع: يروي الإمام النسائي بإسناد صحيح عن عقبة بن عامر قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : [لن نقرأ شيئًا أبلغ عند اللَّه من ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾]. ورواه أحمد بلفظ: [اقرأ بالمعوذتين فإنك لن تقرأ بمِثلهما]. وفصّل في رواية أخرى، قال عقبة: [إن رسول اللَّه ﷺ أهديت له بغلة شَهباء فركبها فأخذ عقبة يقودها له، فقال رسول اللَّه ﷺ : اقرأ قل أعوذ برب الفلق. فأعادها له حتى قرأها، فعرف أني لم أفرح بها جدًا فقال: لعلك تَهَاوَنتَ بها؟ فما قمت تصلي بشيء مثلها] (٢). الحديث الخامس: يروي الإمام أحمد بإسناد صحيح عن فروة بن مجاهد اللخمي قال: [لقيت رسول اللَّه ﷺ فقال لي: يا عقبة بن عامر! صِل من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عمن ظلمك. قال: ثم أتيت رسول اللَّه ﷺ ، فقال لي: يا عقبة بن عامر: أملك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك. قال: ثم لقيت رسول اللَّه ﷺ فقال لي: يا عقبة بن عامر! ألا أعلمك سورًا ما أنزلت في التوراة ولا في الزبور، ولا في الإنجيل، ولا في الفرقان مثلهن، لا يأتين عليك ليلة إلا قرأتهن فيها؟ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾] (٣). قال عقبة: فما أتت عليّ ليلة إلا قرأتهن فيها، وحق لي أن لا أدعهن، وقد أمرني بهن رسول اللَّه ﷺ . وكان فروة بن مجاهد إذا حدث بهذا الحديث يقول: (ألا فرب من لا يملك لسانه، أو لا يبكي على خطيئته، ولا يسعه بيته). الحديث السادس: يروي الإمام النسائي عن عقبة بن عامر أن رسول اللَّه ﷺ قال: [إن الناس لم يتعوذوا بمثل هذين ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾].

стр. 5431

وفي رواية، قال له: [يا ابن عباس ألا أدلك -أو ألا أخبرك- بأفضل ما يتعوذ به المتعوذون. قال: بلى يا رسول اللَّه. قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ هاتين السورتين] (١). الحديث السابع: يروي الإمام النسائي عن عقبة بن عامر قال: [كنت أمشي مع رسول اللَّه ﷺ فقال: يا عقبة قل! قلت: ماذا أقول؟ فسكت عني، ثم قال: قل. قلت: ماذا أقول يا رسول اللَّه؟ قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾. فقرأتها حتى أتيت على آخرها، ثم قال: قل، فقلت: ماذا أقول يا رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. فقرأتها ثم أتيت على آخرها ثم قال رسول اللَّه ﷺ عند ذلك: ما سأل سائل بمثلهما ولا استعاذ مستعيذ بمثلهما]. ورواه الإمام أحمد من حديث أبي العلاء قال: قال رجل: [كنا مع رسول اللَّه ﷺ في سفر والناس يعتقبون، وفي الظهر قلة، فحانت نزلة رسول اللَّه ﷺ ونزلتي، فلحقني فضرب منكبي، فقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾. فقرأها رسول اللَّه ﷺ فقرأتها معه ثم قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. فقرأها رسول اللَّه ﷺ فقرأتها معه فقال: إذا صليت فاقرأ بهما] (٢). وذكره الحافظ ابن كثير في التفسير وقال: (الظاهر أن هذا الرجل هو عقبة بن عامر واللَّه أعلم. وقال: فهذه طرق عن عقبة كالمتواترة عنه تفيد القطع عند كثير من المحققين في الحديث). الحديث الثامن: يروي الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: [كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات ومسح عنه بيده]. ورواه الإمام مالك بلفظ: [كان إذا اشتكى يقرأ على نَفْسِه بالمعوذتين وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه بالمعوذات وأمسح بيده عليه رجاء بركتها] (٣). الحديث التاسع: يروي ابن ماجة والترمذي بسند حسن عن أبي سعيد الخدري قال:

стр. 5432

[كان رسول اللَّه ﷺ يتعوذ من أعين الجان وأعين الإنس، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سوى ذلك] (١). الحديث العاشر: يروي النسائي بسند صحيِح عن عبد اللَّه بن خبيب عن النبي ﷺ قال: [﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ما تعوذ الناس بأفضلَ منهما] (٢). موضوع السورة الاستعاذة باللَّه رب الفلق من الشياطين والسحرة والحساد وشر ما خلق - منهاج السورة - ١ - أمر اللَّه رسوله بالاستعاذة به -تعالى- رب الفلق، من شر ما خلق. ٢ - الأمر بالاستعاذة باللَّه تعالى من شر الغاسق إذا وقب. ٣ - الأمر بالاستعاذة باللَّه تعالى من شر السحرة والسواحر الذين ينفثون ويعقدون في العقد. ٤ - الأمر بالاستعاذة باللَّه تعالى من شر كل حاسد وما حسد.

стр. 5433

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٥. قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾. في هذه الآيات: أمْرُ اللَّه تعالى نبيّه -وهو أمر لأمته- بالاستعاذة به من شر ما خلق، ومن شر ما يكون من انتشار للفواحش والآثام إذا دخل الليل ووقب، ومن شر السواحر والسحرة الذين يعقدون العقد، ومن شر كل حاسد إذا أصاب بعينه أو حسد. فقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾. أي: قل يا محمد أستجير وأستعيذ برب الفلق من شر ما خلق. وفي تفسير الفلق أكثر من قول: الأول: الفلق هو الصبح. قال ابن عباس: (الفلق: الصُّبح). وعن القرظي: (أنه كان يقول في هذه الآية: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾، قال: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾). وقال قتادة: (الفلق: فلق النهار)، وفي رواية عنه: (فلق الصبح). وقيل لابن زيد: فلق الصبح؟ قال: نعم، وقرأ: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾. الثاني: الفلق هو الخلق. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (الفلق: الخلق). وقال الضحاك: (أمر اللَّه نبيه أن يتعوذ من الخلق كله). الثالث: الفلق سجن في جهنم. فعن ابن إسحاق بن عبد اللَّه قال: (الفلق: سجن في جهنم). وقال سفيان: (سمعت السدي يقول: (الفلق جب في جهنم). وعن العوّام بن عبد الجبار الجولاني قال: (قدم رجل من أصحاب رسول اللَّه الشام، فنظر إلى دور أهل الذمة، وما هم فيه من العيش والنضارة، وما وسَّع عليهم في دنياهم، قال: فقال: لا أبا لك، أليس من ورائهم الفلق؟ قال: قيل: وما الفلق؟ قال: بيت في جهنم، إذا فتحَ هَرَّ أهل النار).

стр. 5434

وعن كعب: (أنه دخل كنيسة فأعجبه حسنها، فقال: أحسن عمل وأضل قوم، رضيت لكم الفلق، قيل وما الفلق؟ قال: بيت في جهنم إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدة حرّه). ذكره والأثر الذي قبله ابن جرير. الرابع: الفلق اسم من أسماء جهنم. فعن ابن وهب قال: سمعت خيثم بن عبد اللَّه يقول: (سألت أبا عبد الرحمن الحيلي عن الفلق، قال: (هي جهنم). ورجح ابن جرير أن المراد فلق الصبح. قال: (والفلق في كلام العرب: فلق الصبح، تقول العرب: هو أبين من فلق الصبح، ومن فَرَق الصبح). وقال الحافظ ابن كثير: (والصواب القول الأول إنه فلق الصبح وهذا هو الصحيح، وهو اختيار البخاري في صحيحه رحمه اللَّه تعالى). فيكون المعنى: قل يا محمد أستجير وأستعيذ برب الفلق من شر ما خلق من الخلق. وقوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾. أمر بالاستعاذة باللَّه من شر كل شيء خلقه في هذا الكون. قال الحسن البصري: (جهنم وإبليس وذريته مما خلق). فيكون المعنى: تعوذ باللَّه يا محمد من شر كل المخلوقات فإنه لا يصرف شرها عنك إلا اللَّه. ثم قال جل ذكره: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾. وفي تفسيرها أقوال متقاربة: الأول: الغاسق هو الليل إذا أظلم. قال ابن عباس: (﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ قال: الليل). وقال الحسن: (أول الليل إذا أظلم). وقال القرطبي: (النهار إذا دخل في الليل). وقال مجاهد: (قوله: ﴿غَاسِقٍ﴾ قال: الليل، ﴿إِذَا وَقَبَ﴾ قال: إذا دخل). قال قتادة والحسن: (إنه الليل إذا أقبل بظلامه). الثاني: الغاسق هو غروب الشمس. فعن محمد بن كعب قال: (هو غروب الشمس إذا جاء الليل، إذا وقب).

стр. 5435

وقال الزهري: (الشمس إذا غربت). وقال مجاهد: (غاسق الليل إذا وقب غروب الشمس). الثالث: الغاسق هو كوكب الثريا. قال ابن زيد: (كانت العرب تقول: الغاسق: سقوط الثريا، وكانت الأسقام والطواعين تكثر عند وقوعها، وترتفع عند طلوعها). وقال أبو المهزم عن أبي هريرة: (ومن شر غاسق إذا وقب: الكوكب). الرابع: قيل بل الغاسق هو القمر. فقد أخرج الإمام أحمد والترمذي والحاكم بسند صحيح عن عائشة ﵂: [أن رسول اللَّه ﷺ أخذ بيدها فأشار بها إلى القمر فقال: يا عائشة! استعيذي باللَّه من شرِّ هذا، فإن هذا هو الغاسِقُ إذا وقبَ. يعني القمر] (١). وفي لفظ للترمذي: [استعيذي باللَّه من هذا (يعني القمر)، فإنه الغاسق إذا وقب]. قال الألباني: (وفي الحديث دلالة على جواز الإشارة باليد إلى القمر خلافًا لما نقل عن بعض المشايخ من كراهة ذلك، والحديث يرد عليه). ولفظ أحمد عنها قالت: [أخذ رسول اللَّه ﷺ بيدي فأراني القمر حين طلع وقال: تعوذي باللَّه من شر هذا الغاسق إذا وقب]. ولفظ النسائي: [تعوذي باللَّه من شر هذا، هذا الغاسق إذا وقب]. قلت: ويمكن الجمع بين هذه التفاسير وجعل عمدتها حديث رسول اللَّه ﷺ ، فإن القمر أكبر آية من آيات الليل، وتليه الكواكب والنجوم التي تظهر بعد غروب الشمس، فإذا دخل الليل وذهب النهار تعاقبت هذه الآيات بالظهور، فجاء الأمر من اللَّه بالاستعاذة من هذا الغاسق إذا دخل وأقبل وما يصاحب ذلك من حركة شياطين الإنس والجن بالمعاصي والفواحش. ثم قال سبحانه: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَد﴾. وفيه أقوال متكاملة: الأول: المراد الرقى من طريق السحر. قال ابن عباس: (﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي

стр. 5436

الْعُقَدِ﴾ قال: ما خالط السحر من الرقى). وقال قتادة: (إياكم وما خالط السِّحر من هذه الرقى). الثاني: قيل بل المراد السحرة والسواحر. قال الضحاك: (يعني السواحر). وقال الحسن: (السواحر والسّحرة). وقال ابن زيد: (السواحر في العقد). الثالث: قيل بل المراد النفث في العقد. قال مجاهد: (إذا رقين ونفثن في العقد). وفي رواية عنه قال: (الرقى في عقد الخيط). وقال عكرمة: (الأخذ في عقد الخيط). الرابع: قيل بل المراد رقية الحية والمجانين. يروي ابن جرير بسنده إلى طاووس قال: (ما من شيء أقرب من الشرك من رقية الحية والمجانين). وقد ثبت في صحيح الإمام البخاري وصحيح الإمام مسلم ومسند الإمام أحمد كيف سحر اليهود النبي ﷺ حتى رقاه جبريل ﵊. فقد أخرج البخاري في كتاب الطِّب من صحيحه عن عائشة قالت: [كان رسول اللَّه ﷺ سُحِرَ حتى كان يرى أنه يأتي النساءَ ولا يأتيهنَّ، فقال يا عائشةُ! أَعَلِمْتِ أن اللَّه قد أفتاني فيما استَفْتَيْتُه فيه؟ أتاني رجلان فقَعدَ أحدُهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال الذي عندَ رأسي للآخر: ما بالُ الرجُل؟ قال: مطبوبٌ. قال: ومَنْ طَبَّهُ؟ قال: لبيد بن أَعْصَمَ -رجلٌ من بني زُريق حليف ليهود، كان منافقًا- قال: وفيم؟ قال: في مُشْط ومُشاطةٍ، قال: وأيْنَ؟ قال: في جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ تَحْتَ رَعُوفَةٍ في بئْرِ ذَرْوانَ. قالت: فأتى النبي ﷺ البِئْرَ حتى استَخْرَجَهُ، فقال: هذهِ البِئْرُ التي أُريتُها وكأنَّ ماءَها نُقاعَةُ الحِنَّاء، وكأنَّ نَخْلَها رؤوس الشَياطين. قال: فاستُخْرِجَ، قالت: فقلتُ: أفلا؟ -أيْ تنَشَّرْتَ- فقال: أمَا واللَّه فَقَدْ شَفانِي وأكْرَهُ أنْ أُثِيرَ على أحدِ من الناس شرًا] (١). وجاء في رواية أخرى: [حتى كانَ يُخَيَّلُ إليه أنه فَعَل الشيء ولم يَفْعَلْهُ]. وفي رواية: [فأمر بالبئر فَدُفِنت] (٢). قلت: وإنما كان سحره ﷺ كالمرض، ولم يؤثر على عصمة النبوة وتبليغ الرسالة، وكُلُّ ما كان يُخَيّل إليه أنه أتى أهله أو فعل الشيء من أمور الدنيا ولم يَفْعَلْهُ.

стр. 5437

يروي الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت قال: [دخلت على رسول اللَّه ﷺ أعودُه وبه من الوجَعِ ما يعلم اللَّه ﵎ بشدة، ثم دخلت عليه من العشي وقد برئ أحسن بُرْءٍ فقلت له: دخلت عليك غدوةً وبك من الوجع ما يعلم اللَّه بشدة، ودخلت عليك العشية وقد برئت فقال: يا ابن الصامت إن جبريل ﵇ رقاني برُقية برئتُ ألا أُعَلّمكَهَا؟ قلت: بلى. قال: بِاسْمِ اللَّه أَرْقيكَ، من كل شيء يؤذيكَ، من حَسد كل حاسدٍ وعينٍ، باسم اللَّه يشفيك]. وله شاهدٌ في المسند عن عبادة يحدث عن رسول اللَّه ﷺ : [أن جبريل أتاه وهو يُرْعِدُ فقال: باسم اللَّه أرقيك من كل شيء يؤذيك، من حَسَدِ حاسدٍ، وكُلِّ عين، واسْمُ اللَّه يشفيك]. وشاهد آخر فيه أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري: [أن جبريل ﵇ أتى النبي ﷺ فقال: اشتكيت يا مُحمد؟ ! قال: نعم قال: باسم اللَّه أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس وعين يشفيك، باسم اللَّه أرقيك]. وفي رواية: [باسم اللَّه أرقيك، من كل شيء يُؤذيك، من كل عَيْن وحاسد، يشفيك، أو قال: اللَّه يَشْفيك]. وهو من حديث عائشة عنده بلفظ: [كان النبي ﷺ إذا اشتكى رقاه جبريل ﵇ فقال: باسم اللَّه أرقيك، من كل داء يشفيك، من شر حاسدٍ إذا حسد، ومن شر كل ذي عين] (١). ثم قال سبحانه: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾. قال قتادة: (من شر عينه ونفسه). وقال ابن زيد: (يهود لم يمنعهم أن يؤمنوا به إلا حسدهم). فأمر اللَّه نبيه أن يستعيذ به من شر كل حاسد إذا حسد، فعابه أو سحره، أو نظر إليه نظرة بغي وسوء، وهذا ما رقاه به جبريل ﵊. يروي ابن ماجة بإسناد صحيح عن عائشة عن النبي ﷺ قال: [استعيذوا باللَّه تعالى

стр. 5438

من العين، فإن العين حق] (١). ورواه الحاكم. تم تفسير سورة الفلق بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منه وكرمه مساء يوم السبت ١٤ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ١٤/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م دروس ونتائج وأحكام ١ - لن نَقْرأَ شيئًا أبلغَ عنْدَ اللَّه من ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾. ٢ - كان رسول اللَّه ﷺ إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات ومسح عنه بيده. ٣ - استعيذوا باللَّه من شرِّ هذا -يعني القمر-، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب. ٤ - استعيذوا باللَّه تعالى من العين، فإن العين حق. * * *

стр. 5439

١١٤ - سورة الناس وهي سورة مدنية، وعدد آياتها (٦). موضوع السورة الاستعاذة برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الشيطان اللعين الرجيم الوسواس الخناس - منهاج السورة - ١ - أَمْرُ اللَّه تعالى رسوله ﷺ بالاستعاذة به وهو رب الناس، ملك الناس، إله الناس، من شر الوسواس الخناس. ٢ - الوسواس هو الشيطان الرجيم، يوسوس في صدور العالمين. ٣ - الوسواس اللعين الخناس، يحاول بوسوسته إضلال ما استطاع من الجنة والناس. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٦. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾. في هذه الآيات: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : قل يا محمد أستعيذ وأستجير

стр. 5440

برب جميع الخلق من الإنس والجن وغير ذلك، فله الكبرياء وحده في السماوات والأرض وهو يجير ولا يجار عليه، وهو الملك لا يشاركه في ملكه أحد، وهو الإله الحق فلا يستحق غيره العبادة ولا يجوز صرفها من دونه لأحد. فقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾.- التجاء إلى اللَّه الرب الملك الإله العظيم، من شر الوسواس الرجيم. قال الحافظ ابن كثير: (هذه ثلاث صفات من صفات الرب : الربوبية والملك والإلهية: فَهو رب كل شيء ومليكه وإلهه، فجميع الأشياء مخلوقة له مملوكة عبيد له، فأمر المستعيذ أن يتعوذ بالمتصف بهذه الصفات من شر الوسواس الخناس، وهو الشيطان الموكل بالإنسان، فإنه ما من أحد من بني آدم إلا وله قرين يزين له الفواحش ولا يألوه جهدًا في الخبال، والمعصوم من عصمه اللَّه). قلت: وقد أمر اللَّه بالاستعاذة من شر هذا الوسواس وهو الشيطان، ولم يأمر سبحانه بلعنه وسبّه وشتمه، فإنما هو ابتلاء من اللَّه يسلطه على من اتبع هواه وأعرض عن دينه، فالخلاص منه يكون بالاستعاذة باللَّه منه والالتجاء إليه بتعظيم دينه وشرعه. يروي الديلمي بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [لا تسبوا الشيطان، وتعوذوا باللَّه من شره] (١). فالشيطان موكل ببني آدم، وما من أحد إلا ومعه قرينه من الجن، كما معه قرينه من الملك، فهو في حالة توازن ما لم يُؤْثِر الهوى، ويرغب أن يطغى. روى مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده، عن عبد اللَّه بن مسعود عن النبي ﷺ قال: [ما منكم من أحد، إلا وقد وُكِّل به قرينُه من الجِنِّ وقرينُه من الملائكة. قالوا: وإياك؟ قال: وإيايَّ، إلا أن اللَّه أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير] (٢). قال ابن عباس: (ما من مولود إلا على قلبه الوسواس، فإذا عقل فذكر اللَّه خنس، وإذا غفل وسوس، قال: فذلك قوله: ﴿الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾).

стр. 5441

وفي رواية عنه: (الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، وإذا ذكر اللَّه خنس). وقال مجاهد: (ينبسط، فإذا ذكر اللَّه خنس وانقبض، فإذا غفل انبسط). وقال قتادة: (هو الشيطان، وهو الخناس أيضًا، إذا ذكر العبد ربه خنس، وهو يوسوس ويخنس). وقال ابن زيد: (الخنّاس: الذي يوسوس مرة ويخنس مرة، من الجن والإنس، وكان يقال: شيطان الإنس أشد على الناس من شيطان الجن، وشيطان الجن يوسوس ولا تراه، وهذا يُعاينك معاينة). وقيل بل هو الشيطان لا يزال يوسوس حتى يطاع، فإن أطيع خنس. فعن ابن عباس قال: (هو الشيطان يأمره، فإذا أطيع خنس). وعن المعتمر بن سليمان عن أبيه قال: (ذكر لي أن الشيطان الوسواس ينفث في قلب ابن آدم عند الحزن والفرح، فإذا ذكر اللَّه خنس). قلت: ومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق هذا المعنى أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بسند جيد عن عاصم قال: سمعت أبا تَميمَة يحدِّث عن رَديف رسول اللَّه ﷺ قال: عَثَرَ بالنبي ﷺ حِمارُه، فقلت: تَعِسَ الشيطان! فقال النبي ﷺ : [لا تَقُلْ: تَعِس الشيطانُ، فإنك إذا قلتَ: تَعِسَ الشيطانُ، تعاظَمَ، وقال: بِقُوَّتي صَرَعْتُهُ، وإذا قلت: باسم اللَّه، تصاغَرَ حتى يصيرَ مثل الذباب] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن سعيد المَقْبُرِّيِّ، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إنَّ أحَدَكمُ إذا كان في المسجد جاءه الشيطان فأَبَسَّ به كما يَبُسُّ الرجُلُ بدابته، فإذا سَكَن له زَنَقَه -أو: أَلْجَمَه] (٢). قال أبو هريرة: (وأنتم تَروْنَ ذلك، أما المزنوق فتراه ماثلًا -كذا- لا يذكر اللَّه، وأما المُلْجَمُ ففاتِحٌ فاه، لا يذكُرُ اللَّه .

стр. 5442

الحديث الثالث: أخرج أحمد والطيالسي وأبو داود بسند صحيح عن ابن عباس قال: [جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه! إني أُحَدِّثُ نفسي بالشيء لأَنْ أَخِرَّ من السماء أحبّ إليَّ مِنْ أَنْ أتَكَلَّمَ به. قال: فقال النبي ﷺ : اللَّه أكبر اللَّه أكبر، الحمدُ للَّه الذي رَدَّ كيدَه إلى الوسوسة] (١). وفي لفظ أبي داود: [إن أحدنا يجد في نفسه، يعرض بالشيء، لأن يكون حُمَمَة -أي يصير فحمًا- أحب إليه من أن يتكلم به، فقال: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، الحمد للَّه الذي ردّ كيده إلى الوسوسة]. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾. المرادُ الشيطان الوسواس. قال ابن جرير: (يعني بذلك الشيطان الوسواس، الذي يوسوس في صدور الناس: جِنَّهم وإنْسهم). وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾. فجعل الجن في هذه الآية ناسًا، كما جعلهم في الآية الأخرى رجالًا فقال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ فالجن سماهم مرة ناسًا ومرة رجالًا. قلت: ومن وساوسه أن يعرض للمسلم في أوقات أحوج ما يحتاج فيها إلى الخشوع والتدبر واستحضار القلب فيجهد ليفسد على المؤمن طمأنينته وخشوعه. وتفصيل ذلك: أولًا - يعرض له في الصلاة إذا وقف بين يدي اللَّه سبحانه: روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: [إن الشيطان إذا سمع النداء أحالَ له ضُراطٌ حتى لا يسمع صوته، فإذا سكت رجع فوسوس، فإذا سمع الإقامة ذهب حتى لا يسمع صوته، فإذا سكت رجعَ فوسوس] (٢).

стр. 5443

وكذلك في صحيح الإمام مسلم من حديث عثمان بن أبي العاص ﵁ قال: قلت: يا رسول اللَّه إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي، فقال رسول اللَّه ﷺ : [ذلكَ شيطانٌ يقال له خِنْزَب، فإذا أحسسته فتعوذ باللَّه منه، واتفل عن يسارك ثلاثًا] (١). قال: ففعلت ذلك فأذهبه اللَّه تعالى عني. ولذلك قال اللَّه في سورة "فصلت": ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وهذا نبينا ﷺ عرض له الشيطان أثناء صلاته فاستعاذ باللَّه منه فأمكنه اللَّه منه. روى مسلم عن أبي الدرداء ﵁ قال: [قام رسول اللَّه ﷺ يصلي فسمعناه يقول: أعوذ باللَّه منك، ثم قال: ألعنُك بلعنة اللَّه ثلاثًا، وبسط يده كأنه يتناول شَيئًا، فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول اللَّه، سمعناك تقول في الصلاة شيئًا لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك، قال: إن عَدُوَّ اللَّه إبليس جاء بشهابٍ من نار ليجعله في وجهي، فقلت: أعوذُ باللَّه منك ثلاث مرات، ثم قلت: ألعنُك بلعنة اللَّه التامة، فاستأخر ثلاثَ مرات، ثم أردت أن آخذه، واللَّه لولا دعوةُ أخي سليمان لأصبح مُوثقًا تلعب به ولدان أهل المدينة] (٢). ورواه البخاري بلفظ آخر من حديث أبي هريرة وفيه: [إن الشيطان عَرَض لي فَشَدَّ علي ليقطع الصلاة على، فأمكنني اللَّه تعالى منه فَذَعْتُهُ -أي خنقته- ولقد هممت أن أوثِقَهُ إلى سارية حتى تُصبحُوا فتنظروا إليه فذكرتُ قولَ سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فرده اللَّه خاسئًا] (٣). ثانيًا - يعرض له بطريق الإسلام والهجرة والجهاد لتخور عزائمه بوساوسه فيركن إلى الدنيا. يروي الإمام أحمد في المسند بإسناد صحيح عن سبرة بن أبي فاكه عن النبي ﷺ

стр. 5444

قال: [إنَّ الشيطان قَعَدَ لابن آدمَ بأطرقهِ، فقعد له بطريق الإسلام فقال: تُسلِم وتذرُ دينكَ ودينَ آبائِكَ وآباءَ آبائك؟ ! فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة: فقال: تهاجِرُ وتدعُ أرضك وسماءَك وإنما مثل المهاجر كمثل الفرسِ في الطِّولِ -حبل طويل يشد به الفرس بيده ويربط لوتد فيدور ويرعى دونما يذهب-! فعصاه فهاجرَ، ثم قعد له بطريق الجهاد فقال: تجاهِدُ فهو جهدُ النفس والمال، فتقاتلُ فتقتلُ فتنكحُ المرأةُ ويقسم المالُ؟ ! فعصاه فجاهد، فمن فعل ذلك كان حقًا على اللَّه أن يدخِلَهُ الجنة، ومن قتل كان حقًا على اللَّه أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقًا على اللَّه أن يدخله الجنة، وإن وقَصَتْهُ دابَّتُه كان حقًا على اللَّه أن يدخله الجنة] (١). ثالثًا - يعرض له فيوسوس له بالشبهات ليفسد عليه دينه: يروي الطبراني بسند صحيح عن ابن عمرو عن النبي ﷺ قال: [إن الشيطان يأتي أحدكُمْ فيقول: مَنْ خلق السماء؟ فيقول: اللَّه، فيقول: من خلق الأرض؟ فيقول: اللَّه، فيقولُ: من خلق اللَّه؟ ! فإذا وجد ذلك أحدكم فليقل آمنت باللَّه ورسوله] (٢). ورواه أحمد من حديث عائشة بلفظ: [إنّ الشيطان يأتي أحدَكم فيقول: مَنْ خَلَقَكَ؟ فيقول اللَّه، فيقولُ: فمن خلقَ اللَّه؟ ! فإذا وجدَ أحدكم ذلك فليقل: آمنت باللَّه ورسله، فإن ذلك يذهبُ عنهُ]. رابعًا - يعرض له عند طعامه وشرابه ليشاركه فيه: روى مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده عن حذيفة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إنّ الشيطان ليستحل الطعامَ الذي لم يُذْكرِ اسمُ اللَّهِ عليه، وإنه لمّا جاء بهذا الأعرابي ليستحِلَّ به فأخذت بيده، وجاء بهذه الجاريةِ ليستحلَّ بها فأخذت بيدها، فوالذي نفسي بيده إن يده في يدي مع أيديهما] (٣).

стр. 5445

وكذلك في صحيح الإمام مسلم عن جابر، عن النبي ﷺ قال: [إن الشيطان يحضُرُ أحدَكم عند كل شيء مِنْ شأنِه، حتى يحضرَه عندَ طعامه، فإذا سقطت من أحدكم اللقمةُ فليُمِط ما كان بها من أذى، ثم ليأكلْها ولا يدعها للشيطان، فإذا فرغ فليلعق أصابِعَهُ، فإنه لا يدري في أي طعامه تكون البركة] (١). خامسًا - يعرض له ليحرش بينه وبين إخوانه: روى أحمد ومسلم عن جابر عن النبي ﷺ قال: [إن الشيطان قد أيِسَ أن يعبده المصلون (٢) ولكن في التحريش بينهم] (٣). سادسًا - يعرض له ليزين له الفواحش والمنكر: روى أحمد عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: [إن الشيطان قال: وعِزتك يا رب لا أبرحُ أُغوي عبادكَ ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الرب: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني] (٤). والمؤمن مطالب إزاء هذا الزحف الشيطاني، والهجوم المتتابع الإبليسي، بالالتجاء إلى اللَّه ليكف عنه شر المردة، فإنه لا يكفهم عن بني آدم إلا اللَّه، وقد جعلهم فتنة للبشر ليختبر بذلك دينهم وصدقهم، ومطالب أيضًا بكف الشبهة عن نفسه أمام الناس لئلا يصطاد عليها الشيطان فيأكل عليها ويشرب، ويشيع الفاحشة والضغينة في الأرض. وقد صنَّف الإمام مسلم في صحيحه بابًا سماه: "باب إذا مرّ برجل ومعه امرأة فليقل إنها فلانة" وذكر تحته حديث أم المؤمنين صفية بنت حُيي ﵂ قالت: [كان النبي ﷺ معتكفًا، فأتيتُه أزوره ليلًا، فحدثته، ثم قصت لأنقلب فقام معي لِيقلبني،

стр. 5446

وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد ﵄، فَمرَّ رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا، فقال النبي ﷺ : على رسْلِكما إنها صفية بنتُ حيي، فقالا: سبحان اللَّه يا رسول اللَّه! قال: إنّ الشَيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًا، أو قال: شيئًا] (١). تم تفسير سورة الناس بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه مساء يوم السبت ١٤ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ١٤/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م دروس ونتائج وأحكام ١ - ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ما سأل سائل بمثلهما، ولا استعاذ مستعيذ بمثلهما. ٢ - لا تسبوا الشيطان وتعوذوا باللَّه من شره. ٣ - الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإن ذكر اللَّه خنس، وإن غفل وسوس. ٤ - إن الشيطان قد أيِسَ أن يعبده المصلون ولكن رضي في التحريش بينهم. ٥ - إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرحُ أُغوي عبادَكَ ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الرب: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني. * * *