← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.

стр. 5391

إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذفُ المحصنات المؤمنات الغافلات] (١). وقوده تعالى: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾. أي: لا يحضّ نفسه ولا يأمر أهله ولا غيرهم بإطعام المسكين، بخلًا منه بالمال، وتكذيبًا بالحساب والجزاء. وفي التنزيل: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٧ - ١٨]. والمسكين هو الفقير الذي لا يجد ما يكفيه، ولا يقوم فيسأل ما يغنيه. يروي الطبراني وابن عساكر بسند حسن من حديث أبي بردة بن أبي موسى الأشعري مرفوعًا: [ملعونٌ من سألَ بوجهِ اللَّه، وملعونٌ مَنْ يُسأل بوجْهِ اللَّه ثم مَنَعَ سائِلهُ ما لم يسألْهُ هُجْرًا] (٢). وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾. قال ابن جرير: (﴿سَاهُونَ﴾: لاهون يتغافلون عنها، وفي اللهو عنها والتشاغل بغيرها، تضييعها أحيانًا، وتضييع وقتها أخرى). ومن أقوال أئمة التفسير في تفصيل ذلك: ١ - قال ابن عباس: (هم المنافقون يتركون الصلاة في السرّ، ويصلون في العلانية). ٢ - وقال مجاهد: (﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ قال: الترك لها). ٣ - وقال قتادة: (﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾: غافلون. قال: ساهٍ عنها، لا يبالي صلى أم لم يصلّ). وقال مجاهد أيضًا: (يتهاونون). ٤ - وعن عاصم، عن مصعب بن سعد: (السهو: الترك عن الوقت). وقال مصعب بن سعد: (قلت لسعد: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾: أهو ما يحدث به أحدنا نفسه في صلاته؟ قال: لا، ولكن السهو أن يؤخرها عن وقتها). وقال عطاء بن دينار: (الحمد للَّه الذي قال: ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، ولم يقل: في صلاتهم ساهون).

стр. 5392

قلت: فالوعيد يشمل أهل الصلاة الذين أهملوها بالكلية، أو تهاونوا في فِعلها في وقتها المقدّر لها فعُرفوا بتأخيرها، كما يشمل المتهاونين بأدائها بأركانها وشروطها الشرعية، وكذلك المنشغلين عن التدبر والخشوع فيها، وعن أدائها في الجماعة من غير عذر. ومن صحيح السنة في آفاق هذا المعنى أحاديث: الحديث الأول: أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: [أثقلُ الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حَبْوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاةِ فتُقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال، ومعهم حُزَم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرّق عليهم بيوتهم بالنار] (١). الحديث الثاني: أخرج مسلم ومالك وأحمد وابن حبان والبيهقي عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يجلس يَرْقب الشمس حتى إذا كانت بين قَرْني الشيطان، قام فنقر أربعًا لا يذكر اللَّه فيها إلا قليلًا] (٢). الحديث الثالث: أخرج الطبراني وأبو يعلى بإسناد حسن عن أبي عبد اللَّه الأشعري: [أنَّ رسول اللَّه ﷺ رأى رجلًا لا يتِمُّ ركوعَه، وينقرُ في سجوده، وهو يصلي، فقال رسول اللَّه ﷺ : لو مات هذا على حاله هذه مات على غيرِ مِلّة محمد ﷺ . ثم قال رسول اللَّه ﷺ : مثل الذي لا يتم ركوعه، ويَنْقرُ في سجوده مثلُ الجائع، يأكُلُ التمرةَ والتمرتين، لا يغنيان عنه شيئًا] (٣). الحديث الرابع: أخرج الأصبهاني في "الترغيب" بسند حسن عن أبي هريرة مرفوعًا: [إنَّ الرجل لَيُصَلِّي ستّين سنةً، وما تُقْبَلُ له صلاةٌ، ولعلّه يُتِمُّ الركوع ولا يُتِمُّ

стр. 5393

السجود، ويُتِمُّ السجودَ ولا يُتِمُّ الركوعَ] (١). وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾. قال الضحاك: (يعني المنافقين). وقال ابن عباس: (هم المنافقون، كانوا يراؤون الناس بصلاتهم إذا حضروا، ويتركونها إذا غابوا). وقال ابن زيد: (يصلون، وليس الصلاة من شأنهم، رياءً). والمقصود: إنما هم يراؤون الناس بصلاتهم إذا صلوا، وكذلك في جمع أعمالهم التي ظاهرها البِرّ، ليثنوا عليهم. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]. وفي صحيح الإمام مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: [قال اللَّه تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركتُه وشركه] (٢). وفي مسند الإمام أحمد بإسناد حسن عن أبي سعيد مرفوعًا: [ألا أخبركم بما هو أخوفُ عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى يا رسول اللَّه. قال: الشرك الخفي: يقوم الرجل فيصلي فيُزين صلاته، لما يرى من نظر الرجل] (٣). وقوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. الماعون: اسم لما يتعاوره الناس بينهم، من الدلو والفأس والقِدْر، وما لا يمنع، كالماء والملح. وقيل الماعون هو الزكاة: أي يمنعون زكاة أموالهم. قال ابن كثير: (أي: لا أحسنُوا عبادةَ ربهم، ولا أحسنُوا إلى خلقه حتى ولا بإعارة ما يُنْتَفَعُ به ويُستعان به، مع بقاء عينه ورجوعه إليهم، فهؤلاء لمنع الزكاة وأنواع القربات أولى وأولى). وأصل الماعون في لغة العرب من المَعْن وهو القليل -حكاه الطبري-. أو من المعونة، والألف عوض من الهاء -حكاه الجوهري-. قال قطرب: (أصل الماعون من القلة، والمَعْنُ: الشيء القليل، تقول العرب: ماله سَعْنَة (٤) ولا معنة، أي شيء

стр. 5394

قليل). فيكون الماعون هو المستغل من منافع الأموال، ومن ثمَّ فتكون الزكاة والصدقة ونحوهما من المعروف -على هذا المعنى- ماعونًا. وقال ابن العربي: (الماعون: مفعول من أعان يعين، والعَوْن: هو الإمداد بالقوة والآلات والأسباب الميسرة للأمر). وقال الرازي: (والماعون: اسم جامع لمنافع البيت كالقدر والفأس ونحوهما. والماعون أيضًا الماء. والماعون أيضًا الطاعة. وقوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. قال أبو عبيدة: الماعون في الجاهلية كُلُّ مَنْفَعَةٍ وعَطِيَّة، وفي الإسلام الطاعة والزكاة). ومن أقوال أئمة التفسير في ذلك: ١ - قال مجاهد: قال علي: (الماعونُ الزكاة). وروي ذلك عن ابن عمر، وسعيد بن جبير. وقال الحسن البصري: (إن صلى راءى، وإن فاتته لم يَأسَ عليها، ويمنع زكاة ماله. وفي لفظ: صدقة ماله). وقال زيد بن أسلم: (هم المنافقون، ظهرت الصلاة فصلوها، وخفيت الزكاة فمنعوها). ٢ - وقال المسعودي، عن سلمةَ بن كُهَيل، عن أبي العُبَيدين: أنه سأل ابن مسعود عن الماعون فقال: (هو ما يتعاطاه الناس بينهم، من الفاس والقدر والدّلو، وأشباه ذلك). وفي لفظ: (ما يتعاور الناس بينهم: الفأس والدلو وشبهُه). وعن ابن عباس: (أنه العارية). ٣ - وعن محمد بن كعب: (﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ قال: المعروف). وقال البخاري: (و ﴿الْمَاعُونَ﴾: المعروف كله). ٤ - وقال الزهري: (﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾: قال: بلسان قريش المالُ). ٥ - وقال الفراء: (سمعت بعض العرب يقول: الماعون: الماء). قلت: والجامع لهذه الأقوال المتقاربة أن الماعون يشمل أنواع المعاونة بالمال والمنافع، والآية ذمٌّ في حق مانع العارية والمنفعة، والصدقة والزكاة من باب أولى.

стр. 5395

أخرج أبو داود بسند حسن عن عبد اللَّه قال: [كنا نَعُدُّ الماعون على عهد رسول اللَّه ﷺ عارية، الدَّلو، والقدر] (١). قال عكرمة: (رأسُ الماعون زكاةُ المال، وأدناه المُنْخُلُ والدَّلْوُ والإبرةُ) - رواه ابن أبي حاتم (٢). وهو قول حسن جامع منسجم مع الحديث قبله، ومع الأقوال المتكاملة التي سبقت ذلك، واللَّه تعالى أعلم. تم تفسير سورة الماعون بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه ظهر يوم عرفة يوم الاثنين ٩ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٩/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م دروس ونتائج وأحكام ١ - ملعونٌ من سأل بوجه اللَّه، وملعونٌ مَنْ يُسأل بوجه اللَّه ثم مَنَعَ سائله ما لم يسألْهُ هُجْرًا. ٢ - أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حَبْوًا. ٣ - قال اللَّه تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه. ٤ - الماعون: هو المعونة والمعاونة بالمال وبذل المنفعة. * * *

стр. 5396

١٠٨ - سورة الكوثر وهي سورة مدنية، وعدد آياتها (٣). فضائلها وما ورد في ذكرها: لقد ورد ذكر هذه السورة الكريمة في أحاديث من السنة الصحيحة: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال: [بَيْنا رسول اللَّه ﷺ ذاتَ يومٍ بينَ أَظْهُرنا، إذْ أغْفَى إغْفَاءَةً (١)، ثم رَفَعَ رأسَهُ مُتَبَسِّمًا، فَقُلنا: ما أَضْحكَكَ يا رسولَ اللَّه؟ قال: "أُنْزِلَتْ عليَّ آنِفًا سورةٌ"، فقرأ بسم اللَّه الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ثم قال: "أتدرون ما الكَوْثَرُ؟ " فقلنا: اللَّهُ ورسوُلهُ أَعْلَمُ، قال: "فإنه نَهْرٌ وَعَدَنيه ربي ، عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثيرٌ، وهُوَ حَوْضٌ تَرِدُ عليه أمتي يوم القيامة، آنِيَتُهُ عددُ النُّجوم، فَيُخْتَلجُ العبدُ مِنْهم، فأقولُ: رَبِّ، إنَّهُ مِنْ أُمَّتي، فيقول: ما تَدْرِي ما أحْدَثوا بَعدَك"] (٢). قلت: وفي الحديث دلالة أن السورة مدنية، وأن البسملة تقرأ قبل كل سورة، واللَّه تعالى أعلم. الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند ثلاثي صحيح قال: حدثنا محمد بن فُضَيل، عن المختار بن فُلفُل، عن أنس بن مالك قال: [أغفى رسول اللَّه ﷺ إغفاءةً،

стр. 5397

فرفع رأسه مُتَبَسِّمًا، إما قال لهم وإما قالوا له: لِمَ ضَحِكْتَ؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنه أنزِلت عَليَّ آنِفًا سورةٌ". فقرأ: بسم اللَّه الرحمن الرحيم: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، حتى خَتَمها قال: "هَلْ تدرون ما الكوثَرُ؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلَمُ. قال: "هو نهر أعطانيه ربِّي في الجنة، عليه خَيْرٌ كثير، تَرِدُ عليه أمتي يوم القيامة، آنيتُهُ عددُ الكواكب، يُخْتَلجُ العبدُ منهم فأقول: يا رب! إنه من أُمتي. فيُقال: إنك لا تَدْري ما أحدثوا بَعْدَك! "] (١). الحديث الثالث: أخرج النسائي بسند صحيح عن زيد بن ثابت: [أنه قال لمروان: يا أبا عبد الملك، أتقرأ في المغرب بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾؟ قال: نعم! قال: فمحلوفة (٢)، لقد رأيت رسول اللَّه ﷺ يقرأ فيها بأطول الطوليين ﴿المص﴾] (٣). ورواه أبو داود بسند صحيح عن مروان بن الحكم قال: [قال لي زيد بن ثابت: مالك تقرأ في المغرب بقصار المفصل، وقد رأيت رسول اللَّه ﷺ يقرأ في المغرب بطُولَى الطُّولَيَيْن؟ قال: قلت: ما طُولى الطولَيَيْنِ؟ قال: الأعراف والأخرى الأنعام]. موضوع السورة تكريم اللَّه رسوله بالكوثر وتهديد المخالف له بالبتر - منهاج السورة - ١ - امتنان اللَّه تعالى على رسوله ﷺ بنهر في الجنة هو الكوثر. ٢ - أمْرُه تعالى نبيه ﷺ إخلاص الصلاة له والنحر. ٣ - القضاء من اللَّه تعالى أن مبغض هذا النبي هو الأبتر.

стр. 5398

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٣. قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾. في هذه الآيات: تكريم اللَّه تعالى رسوله ﷺ في الجنة بنهر الكوثر، وأَمْرُهُ تعالى له إخلاص الصلاة له والنحر، وقضاء اللَّه الذي لا يُرَدُّ أنّ مبغض هذا النبي هو الأقطع الأبتر. فقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾. الكوثر: فَوْعَل من الكثرة، مثل النوفل من النفل، والجوهر من الجهر. قال ابن عباس: (هو الخير الكثير). فقيل له: إن ناسًا يقولون هو نهر في الجنة! فقال: (هو من الخير الكثير). وقال سفيان: (قيل لعجوز رجع ابنها من السفر: بم آبَ ابنك؟ قالت: بكوثر، أي بمال كثير). وقيل الكوثر من الرجال: السيد الكثير الكثير الخير. والكوثر: العدد الكثير من الأصحاب والأشياع. وقد تكوثر: إذا كثر. قال القرطبي: (والعرب تسمي كل شيء كثير في العدد والقدر والخطر كوثرًا). وقال النسفي: (الكوثر: فوعل من الكثرة، وهو المفرط الكثرة). قلت: والمقصود بالكوثر في الآية ذلك النهر في الجنة الذي جعله اللَّه كرامة لرسول اللَّه ﷺ ولأمته، والذي يحمل من ألوان الخير الكثير الكثير، فحافتاه من الذهب، ومجراه على الدّر والياقوت، وتربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج، وأوانيه من فضة. وقد جاءت نصوص السنة الصحيحة بذلك في أحاديث: الحديث الأول: أخرِج الإمام أحمد في المسند بإسناد صحيح عن ثابت، عن أنس: [أنّه قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أُعطِيتُ الكوثَرَ فإذا هو نهر يجري، ولم يُشَق شَقًّا، وإذا حافَتاه قِبابُ اللؤلؤ، فضربت بِيَدي في

стр. 5399

تربته، فإذا مِسْكَةٌ ذَفِرَةٌ، وإذا حَصَاهُ اللؤلؤ"] (١). قال أنس: (أظنكم تظنون أن أنهار الجنة أخدود في الأرض، واللَّه إنها لسائحة على وجه الأرض إحدى حافتيها اللؤلؤ والأخرى الياقوت، وطينها المسك الأذفر الذي لا خلط له) - ذكره ابن أبي الدنيا. الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك قال: [لَمّا عُرجَ بالنبي ﷺ إلى السماء قال: "أتيتُ على نهر حافَتاه قِبابُ اللؤلؤ المجوَّفة، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ ! قال: هذا الكوثر] (٢). وله شاهد عند الإمام أحمد عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [دخلت الجنة فإذا أنا بنهر، حافَّتاه اللؤلؤ، فَضَربتُ بيدي إلى ما يجري فيه الماء، فإذا مسكٌ أذفَرُ، قلت ما هذا يا جبريل؟ ! قال: هذا الكوثر أعطاكَهُ اللَّه ]- وإسناده على شرط البخاري ومسلم. الحديث الثالث: أخرج أبو داود وأحمد وابن حبان بسند صحيح في الشواهد من حديث أبي برزة مرفوعًا -في صفة الحوض يوم القيامة-: [أنه يَشْخَبُ فيه ميزابان من السماء من نهر الكوثر، وأن عليه آنية عدد نجوم السماء] (٣). الحديث الرابع: أخرج أبو داود والترمذي بإسناد صحيح عن أنس بن مالك، قال: [لما عُرِجَ بنبي اللَّه ﷺ في الجنة، أو كما قال: عرض له نهر حافتاه الياقوتُ المُجَيَّبُ، أو قال المُجَّوفُ، فضربَ الملك الذي معه يده، فاستخرج مسكًا، فقال محمد ﷺ للملك الذي معه: "ما هذا"؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك اللَّه ] (٤). زاد الترمذي: (ثم رُفِعتْ لي سِدرةُ المنتهى، فرأيت عندها نورًا عظيمًا). الحديث الخامس: أخرج الترمذي وابن ماجة بسند صحيح عن عبد اللَّه بن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [الكَوْثَرُ نَهْرٌ في الجنة، حافَّتاه مِنْ ذهَبٍ ومَجْراهُ على الدُّر والياقوت، تُرْبَتُهُ أطيبُ مِنَ المِسْكِ، وماؤه أحلى من العسل وأبيضُ من الثَّلج] (٥).

стр. 5400

الحديث السادس: أخرج البخاري في الصحيح، والنسائي في التفسير، عن أبي إسحاق، عن أبي عُبيدة، عن عائشة قال: سألتُها عن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ قالت: [نَهْرٌ أُعْطِيَهُ نبيُّكم ﷺ ، شاطِئَاه عليه دُرٌّ مَجَوَّفٌ، آنيتُه كعدَدِ النجوم] (١). الحديث السابع: أخرج أحمد والطبري بسند جيد عن أنس: [أنَّ رجلًا قال: يا رسول اللَّه! ما الكوثر؟ قال: نهرٌ في الجنة أعطانيه ربي، لهو أشَدُّ بياضًا من اللَّبن، وأحْلى من العَسَل، فيه طيورٌ أعناقُها كأعناق الجُزُرِ. قال عمر: يا رسول اللَّه! إنها لناعِمةٌ؟ قال: آكِلُها أَنْعَمُ منها يا عُمر] (٢). وروى نحوه ابن جرير وفي آخره: ["تردُه طير أعناقها مثلُ أعناق الجُزُر". فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه! إنها لناعمة؟ قال: آكِلُها أنعمُ منها]. وقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. أي: فأخلص لربك الصلاة والذبح على ما أولاك من الكرامة، فصل له الصلاة المكتوبة والنافلة، وانحر على اسمه النسك خالصًا له. قال ابن عباس: (﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ قال: الصلاة المكتوبة، والنّحر: النُّسُك والذبح يوم الأضحى). وقال عكرمة: (الصلاة ونحر النُّسك). وقال الربيع: (إذا صليت يوم الأضحى فانحر). وقال ابن زيد: (نحر البدن). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. أي: إن مبغضك يا محمد وما جئت به من الوحي العظيم والشرع القويم هو الأذل الأقل المنقطع عن كل خير. أخرج البزار بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: [قدم كعب بن الأشرف مكة، فقالت له قريش: أنت سيدهم، ألا ترى إلى هذا الصنبور المنبتر من قومه يزعم أنه خيرٌ منا ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة وأهل السقاية! فقال: أنتم خير منه. قال: فنزلت: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾] (٣). ورواه ابن جرير وزاد فيه: (وأنزلت عليه ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى

стр. 5401

الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥١ - ٥٢]). والصنبور: الرجل الضعيف الذليل بلا أهل ولا عقب ولا ناصر (١). وقد كان أهل الجاهلية يرون في موت أولاد النبي ﷺ انقطاعًا لأثره وذكره، فأخزاهم اللَّه تعالى بهذه الآية، بأن محمدًا ﷺ سيبقى أثره وذكره العطر في الأرض، وأن مبغضه هو المنقطع الذكر المقطوع من خير الدنيا والآخرة. تم تفسير سورة الكوثر بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه مساء يوم عيد الأضحى ١٠ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ١٠/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م دروس ونتائج وأحكام ١ - الكوثر نهر في الجنة أعطاه اللَّه رسوله ﷺ ، آنيتُه عددُ الكواكب. ٢ - نهر الكوثر حافتاه من الذهب، ومجراه على الدّر والياقوت، وتربته أطيب من المسك. ٣ - الكوثر ماؤه أحلى من العسل، وأبيض من الثلج، وأوانيه من فضة. ٤ - ترد على نهر الكوثر طير أعناقها مثل أعناق الجُزُر. ٥ - الصلاة أو الذبح لا تكون إلا للَّه، ولا تكون إلا بنص شرعي صحيح. ٦ - مبغض هذا النبي الكريم، أو ما جاء به من الوحي العظيم، هو الأذل الأقطع المنقطع المحروم. * * *

стр. 5402

١٠٩ - سورة الكافرون وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٦). فضائلها وما ورد في ذكرها: لقد ورد ذكر هذه السورة الكريمة في أحاديث من السنة الصحيحة العطرة: الحديث الأول: يروي الترمذي بإسناد حسن عن أنس عن النبي ﷺ قال: [مَنْ قرأ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ عُدِلَتْ له بِرُبْع القرآن، ومن قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ عُدِلَت له بِثُلُثِ القرآن] (١). الحديث الثاني: يروي الطبراني بإسناد حسن عن عبد اللَّه بن عمر أن النبي ﷺ قال: [﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلثَ القرآن، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ تعدِلُ ربعَ القرآن] (٢). ورواه الحاكم بلفظ: [قل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن]. وسنده حسن. الحديث الثالث: أخرج الطبراني في "المعجم الصغير" بسند صحيح عن علي قال: [لدغت النبي ﷺ عقرب وهو يصلي، فلما فرغ قال: لعن اللَّه العقرب لا تدع مصليًا

стр. 5403

ولا غيره، ثم دعا بماء وملح، وجعلِ يمسح عليها ويقرأ: بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾] (١). الحديث الرابع: روى مسلم عن جابر: [أن رسول اللَّه ﷺ قرأ بهذه السورة، وبقل هو اللَّه أحد في ركعتي الطواف] (٢). الحديث الخامس: روى مسلم عن أبي هريرة: [أنّ رسول اللَّه ﷺ قرأ بهما في ركعتي الفجر] (٣). الحديث السادس: روى أحمد بسند صحيح عن ابن عمر: [أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب، بضعًا وعشرين مرة، ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾] (٤). وفي رواية، قال: [رمقت النبي ﷺ أربعًا وعشرين أو خمسًا وعشرين مرة، يقرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب، بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾]. وفي رواية: [رمقت النبي ﷺ شهرًا، وكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾] (٥). الحديث السابع: أخرج أبو داود بسند صحيح عن فروة بن نوفل، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال لنوفل: ["اقرأ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ثم نمْ على خاتمتها، فإنها براءةٌ من الشرك] (٦).

стр. 5404

موضوع السورة الولاء للمؤمنين، والبراء من الكافرين - منهاج السورة - ١ - أمر اللَّه تعالى رسوله الكريم، البراءة من دين المشركين، ومن أوثانهم وأصنامهم وما يعبدون. ٢ - التأكيد للكافرين أنهم في ضلال في منهاج عبادتهم، وأنه ﷺ في منهاج مختلف في العبادة بريء من شركهم وأوثانهم. ٣ - إعلان النبي ﷺ لقومه صراحة بأنّه ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٦. قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾. في هذه الآيات: نَعْتُ اللَّه تعالى منهاج الولاء والبراء، الذي هو سبيل المؤمنين تجاه الكفرة الأعداء. فقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك، لا أعبد الأوثان والأنداد والأصنام التي تعبدون. والخطاب وإن كان موجهًا إلى كفار قريش، إلا أنه ينسحب ليشمل كل كافر إلى يوم القيامة. فعن ابن عباس: (إن قريشًا وعدوا رسول اللَّه ﷺ أن يعطوه مالًا، فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوجوه ما أراد من النساء، ويطئوا عَقِبه، فقالوا له: هل لك عندنا يا محمد، وكفّ عن شتم آلهتنا، فلا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل، فإنا نعرض عليك

стр. 5405

خصلة واحدة، فهي لك ولنا فيها صلاح، قال: ما هي؟ قالوا: تعبد آلهتنا سنة: اللات والعزّى، ونعبد إلهك سنة، قال: حتى أنظر ما يأتي من عند ربي، فجاء الوحي من اللوح المحفوظ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ السورة، وأنزل اللَّه: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ذكره ابن جرير في التفسير. وقال محمد بن إسحاق: (حدثني سعيد بن مينا مولى البختري قال: لقي الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، وأميه بن خلف، رسولَ اللَّه ﷺ ، فقالوا: يا محمد، هلمّ فلنَعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، ونشركك في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيرًا مما بأيدينا كنا قد شَرِكناك فيه، وأخذنا بحظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيرًا مما في يديك، كنت قد شَرِكتنا في أمرك، وأخذت منه بحظك، فأنزل اللَّه: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ حتى انقضت السورة). وقوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. أي: ولا أنتم عابدون اللَّه وحده لا شريك له وهو ما أعبد، ولا أنا أعبد عبادتكم ولا أسلك طريقتكم، وإنما أعبد اللَّه على الوجه الذي يحب، ثم أنتم لا تقتدون بأوامر اللَّه وشرعه، بل قد اخترعتم عبادة من تلقاء أنفسكم فيها من الظن والهوى والابتداع الكثير، فلكم دينكم ولي دين. قال البختري: (يقال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ الكفر، ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ الإسلام). ورأى بعض أهل العربية أن تكرار ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ وما بعده على وجه التوكيد. وقال الحافظ ابن كثير: (وقد استدل الإمام أبو عبد اللَّه الشافعي وغيره بهذه الآية الكريمة ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ على أن الكفر كله ملة واحدة). تم تفسير سورة "الكافرون" بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه ثاني أيام التشريق - ١٢ ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ١٢/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م.

стр. 5406

دروس ونتائج وأحكام ١ - ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ تعدل رُبُعَ القرآن. ٢ - كان رسول اللَّه ﷺ يقرأ بهذه السورة وبقل هو اللَّه أحد في ركعتي الفجر والطواف وفي الركعتين بعد المغرب. ٣ - ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ براءة من الشرك، وهي منهاج كامل للمسلم في الولاء والبراء. ٤ - استدل الشافعي ﵀ من قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ أن الكفر كله ملة واحدة. * * *

стр. 5407

١١٠ - سورة النصر وهي سورة مدنية، وعدد آياتها (٣). وتسمى كذلك "سورة التوديع". فضائلها وما ورد في ذكرها: لقد ورد ذكر هذه السورة الكريمة في أحاديث من السنة الصحيحة: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عُبَيْد اللَّه بن عبد اللَّه بن عُتبةَ قال: [قال لي ابن عباس ﵄: تعلم -وفي رواية: تَدْري- آخِرَ سورة نزَلَت من القرآنِ، نزَلَتْ جميعًا؟ قلتُ: نَعَمْ، ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، قال: صَدَقت] (١). الحديث الثاني: أخرج عبد الرزاق في "تفسيره"، وأحمد في "مسنده"، بإسناد صحيح على شرط الشيخين عن أبي هريرة قال: [لما نزلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ قال: أتاكم أهلُ اليمن، هُمْ أرق قلوبًا، الإيمانُ يمانٍ، الفقهُ يمانٍ، الحكمة يمانية] (٢). الحديث الثالث: أخرج النسائي والطبراني بسند حسن لغيره عن عكرمة عن ابن عباس قال: [لما نزلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. . . إلى آخر السورة، قال:

стр. 5408

نُعِيت لرسول اللَّه ﷺ نفسه حين أنزلت، فأخذ في أشد ما كان قط اجتهادًا في أمر الآخرة، وقال رسول اللَّه ﷺ بعد ذلك: "جاء الفتح، وجاء نصر اللَّه، وجاء أهل اليمن". فقال رجل: يا رسول اللَّه! وما أهل اليمن؟ قال: "قوم رقيقة قلوبهم، لينة قلوبهم، الإيمان يمانٍ، والحكمة يمانية، والفقه يمانٍ"] (١). موضوع السورة النصر المبين والتمكين، ودخول الناس في هذا الدين - منهاج السورة - ١ - التبشير بمجيء نصر اللَّه والفتح المبين، ودخول الناس أفواجًا في دين اللَّه العظيم. ٢ - أمره تعالى نبيه ﷺ بالتسبيح والشكر والاستغفار له فهو المنعم المتفضل الكريم، الذي جاء بالفتح والنصر على الأعداء والطغاة المجرمين. ٣ - تأكيد اللَّه تعالى قبوله توبة التائبين، والعفو والصفح عن المذنبين المستغفرين. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٣. قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾. في هذه الآيات: يخاطب الباري نبيَّه ﷺ يقول: إذا حصل الفتح، وتحقق النصر، بعد طول عناء وصبر وجهاد، وأقبل الناس على الدين الحق يدخلون فيه جماعات كثيرة، وقبائل كبيرة، بعد أن كانوا يدخلون فيه أفرادًا وآحادًا، فقد ارتفع

стр. 5409

الخوف وزال موجب القلق والحزن، ولم يبق إلا تسبيح اللَّه وشكره على ما أنعم عليه من الظهور والظفر والشوكة في الأرض وعزّ الدين فوق المناهج كلها، والاستغفار مما كان من خواطر النفس وقلقها وحزنها وضعفها، إنه سبحانه كان للمستغفرين توابًا. ثم الاستعداد عقب ذلك للرحيل عن الدنيا، فقد تمّ الأمر -يا محمد- وكمل الدين وحان وقت اللحاق بالرفيق الأعلى. فقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. أي: إذا جاءك يا محمد نصر اللَّه على من عاداك، وهم قريش والعرب، وفتح عليك مكة. والنصر هو التأييد الذي يكون به قهر الأعداء وغلبهم والاستعلاء عليهم، والفتح هو فتح مساكن الأعداء ودخول منازلهم. وقيل: فتح قلوبهم -أيضًا- لقبول الحق. قال النسفي: (﴿إِذَا﴾ منصوب بِسَبِّح، وهو لما يستقبل، والإعلام بذلك قبل كونه من أعلام النبوة. قال: ﴿جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ النصر الإغاثة والإظهار على العدو، والفتح فتح البلاد، والمعنى نصر رسول اللَّه ﷺ على العرب أو على قريش وفتح مكة، أو جنس نصر اللَّه المؤمنين وفتح بلاد الشرك عليهم). يروي البزار والبيهقي عن ابن عمر قال: (نزلت هذه السورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ في أوسط أيام التشريق، فعرف رسول اللَّه ﷺ أنه الوداع) (١). وقال عمر بن الخطاب وابن عباس: (هو أجل رسول اللَّه نُعي إليه). ذكره الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" ثم قال: (وقال ابن عمر نزلت أوسط أيام التشريق في حجة الوداع، فعرف رسول اللَّه أنه الوداع فخطب الناس خطبة أمرهم فيها ونهاهم). قلت: ولا شك أن رسول اللَّه ﷺ قد فهم من نزول هذه السورة أنه الوداع، وأنه لا بد مفارق الدنيا قريبًا إلى الرفيق الأعلى. يروي البخاري عن ابن عباس قال: [كان عمرُ يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لمَ يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن قد علمتم، فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليريهم، فقال: ما تقولون في قول اللَّه : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد اللَّه ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجل

стр. 5410

رسول اللَّه ﷺ أعلمه له، قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فذلك علامة أجلك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. فقال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما تقول] (١). فكان رسول اللَّه ﷺ يكثر بعد ذلك من التسبيح والاستغفار. وأخرج البخاري كذلك في الباب عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: [أنَّ عمر ﵁ سألهم عَنْ قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ قالوا: فَتْحُ المدائنِ والقُصور. قال: ما تقول يا ابنَ عباس؟ قال: أَجَلٌ أو مَثَلٌ ضُرِبَ لمحمد ﷺ ، نُعِيَتْ له نفسُهُ] (٢). وقوله تعالى: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾. أي: جماعات كثيرة، فوجًا بعد فوج، بعد أن كانوا يدخلون فيه واحدًا واحدًا، واثنين اثنين، فصارت القبيلة تدخل بأسرها في الإسلام. وفي صحيح البخاري من حديث عمرو بن سلمة قال: [لمّا كان الفتح بادرَ كُلُّ قوم بإسلامهم إلى رسول اللَّه ﷺ ، وكانت الأحياء تَتَلَوَّمُ بإسلامها فتحَ مكة، يقولون: دعوه وقومَه، فإن ظهر عليهم فهو نبيّ. .] الحديث (٣). وفي رواية: [وكانت العرب تَلَوَّمُ بإسلامهم الفَتْحَ فيقولون: اتركوه وقَوْمَه فإنَّهُ إنْ ظَهَر عليهم فهو نبيٌّ صادق، فلما كانت وقعة أَهْلِ الفتح بادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بإسلامهم]. وقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. فيه الجمع بين تسبيح اللَّه، المؤذن بالتعجب مما يسَّره اللَّه له مما لم يكن يخطر بباله ولا بال أحد من الناس، وبين الحمد له على جميل صنعه له وعظيم منته عليه بالنصر والفتح لأم القرى ودخول الناس في الإسلام أفواجًا. ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ أي: اطلب منه المغفرة لذنبك تواضعًا للَّه، واستقصارًا لعملك ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ أي: إنه تعالى من شأنه التوبة على المستغفرين له، فهو يتوب على التائبين ويرحمهم بقبول توبتهم.

стр. 5411

وقال القرطبي: (﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي: حامدًا له على ما آتاك من الظفر والفتح). وقال القاسمي: (﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ أي: ورأيت الناس من صنوف العرب وقبائلها عند ذلك يدخلون في دين اللَّه، وهو دينك الذي جئتهم به لزوال ذلك الغطاء الذي كان يحول بينهم وبينه، وهو غطاء قوة الباطل فيقبلون عليه أفواجًا طوائف وجماعات لا آحادًا، كما كان في بدء الأمر أيام الشدة. إذا حصل ذلك كله وهو لا ريب حاصل ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي: فنزه ربك عن أن يهمل الحق ويدعه للباطل يأكله. وعن أن يخلف وعده في تأييده. وليكن هذا التنزيه بواسطة حمده والثناء عليه بأنه القادر الذي لا يغلبه غالب، والحكيم الذي إذا أمهل الكافرين ليمتحن قلوب المؤمنين، فلن يضيع أجر العاملين ولا يصلح عمل المفسدين. والبصير بما في قلوب المخلصين والمنافقين، فلا يذهب عليه رياء المرائين ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ أي: اسأله أن يغفر لك ولأصحابك ما كان من القلق والضجر والحزن، لتأخر زمن النصر والفتح. والاستغفار إنما يكون بالتوبة الخالصة. والتوبة من القلق إنما تكون بتكميل الثقة بوعد اللَّه، وتغليب هذه الثقة على خواطر النفس التي تحدثها الشدائد، وهو وإن كان مما يشق على نفوس البشر، ولكن اللَّه علم أن نفس نبيّه ﷺ قد تبلغ ذلك الكمال فلذلك أمره به، وكذلك تقاربه قلوب الكمل من أصحابه وأتباعه ﵇. واللَّه يتقبل منهم ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ أي: إنه سبحانه لا يزال يوصف بأنه كثير القبول للتوبة، لأنه ربٌّ يربي النفوس بالمحن. فإذا وجدت الضعف أنهضها إلى طلب القوة، وشدد همها بحسن الوعد. ولا يزال بها حتى تبلغ الكمال. وهي في كل منزلة تتوب عن التي قبلها. وهو سبحانه يقبل توبتها فهو التواب الرحيم). قلت: وهذا كلام بديع، وتفسير رائع، وتؤيده السنة الصحيحة في روائع من الأحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري في كتاب التفسير من صحيحه عن مَسْروق، عن عائشة ﵂ قالت: [ما صَلّى النبي ﷺ صلاةَ بعد أنْ نزلت عليه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلا يقول فيها: "سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفِر لي"] (١). الحديث الثاني: وأخرج البخاري في كتاب التفسير من صحيحه -كذلك- عند هذه الآية، عن عائشة ﵂ قالت: [كان رسول اللَّه ﷺ يُكْثِرُ أنْ يقولَ في ركوعه

стр. 5412

وسُجوده: "سُبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغْفر لي"، يتأوَّلُ القرآن] (١). الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن عبد اللَّه قال: [لما أنزل على رسول اللَّه ﷺ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ كان يكثر إذا قرأها وركع أن يقول: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي إنك أنت التواب الرحيم (ثلاثًا)] (٢). تم تفسير سورة النصر بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر ثاني أيام التشريق ١٢ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ١٢/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م. دروس ونتائج وأحكام ١ - سورة النصر هي آخر سورة نزلت من القرآن الكريم. ٢ - سورة النصر فيها الإخبار بدنو أجل رسول اللَّه ﷺ وعلامة ذلك، ففيها نُعيت له نفسُه ﵊. ٣ - كانت العرب تَلَوَّمُ بإسلامهم الفتح، فلما وقع الفتح بادر كُلُّ قوم بإسلامهم. ٤ - كان رسول اللَّه ﷺ يكثر بعد نزول هذه السورة أن يقول في صلاته: سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي. * * *

стр. 5413

١١١ - سورة المسد وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٥). أسباب النزول: لقد ورد في أسباب نزول هذه السورة الأحاديث الآتية: الحديث الأول: أخرج البخاري في كتاب الجنائز من صحيحه -بابُ ذِكْرِ شِرَار الموتى- عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس ﵄ قال: [قَال أبو لَهَبٍ -لَعَنَهُ اللُّهُ- للنبي ﷺ : تَبًّا لكَ سائِرَ اليومِ، فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾] (١). وفي رواية: [قال أبو لهب: تَبًّا لكَ، ألهذا جَمَعْتَنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾]. الحديث الثاني: أخرج البخاري في كتاب التفسير من صحيحه عن الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة، عنِ سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: [لمّا نزَلَت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (ورهْطَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصينَ)، خرجَ رسول اللَّه ﷺ حتى صَعِدَ الصَّفا فهتف: "يا صَبَاحاهُ"، فقالوا: مَنْ هذا؟ فاجتمعوا إليه فقال: "أرأيتُمْ إنْ أَخْبَرْتُكُم أنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ من سَفْحِ هذا الجبل أكنتم مُصَدِّقي؟ " قالوا: ما جَرَّبْنَا عليكَ كَذِبًا. قال: "فإني نذيرٌ لكم بين يَدَيْ عذابٍ شديدٍ". قال أبو لهب: تَبًّا لك، ما جمعتنا

стр. 5414

إلا لهذا؟ ثم قامَ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (وقد تبَّ)، هكذا قرأها الأعمش يومئذ] (١). الحديث الثالث: أخرج البخاري عن ابن عباس: [أنَّ النبي ﷺ خَرَج إلى البطحاء فَصَعِدَ إلى الجبل فنادى: "يا صَبَاحاهْ"، فاجتمعت إليه قُرَيْشٌ، فقال: "أرأيتم إنْ حَدَّثتكم أنَّ العَدُوَّ مُصَبِّحُكُمْ أوْ مُمَسِّيكُمْ، أَكُنْتُم تُصَدِّقوني؟ " قالوا: نَعَمْ، قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد". فقال أبو لهب: ألِهذا جمعتنا؟ تبًّا لكَ، فأنزل اللَّه : ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ إلى آخِرها] (٢). الحديث الرابع: أخرج البخاري ومسلم والنسائي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: [لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صعِدَ النبي ﷺ على الصفا فجعل ينادي: يا بني عدي! لبطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: "أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ " قالوا: نعم، ما جَرَّبنا عليك إلا صِدْقًا. قال: "إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد". فقال أبو لهب: تبًا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا، فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾] (٣). وهذا الحديث هو آخر حديث مما صَحّ في أسباب النزول في القرآن بأسانيد صحيحة مما كنت جمعته أثناء رحلة تخصصي في الولايات المتحدة الأمريكية، كنواة لهذا التفسير الجامع على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة. وقد كتبته في مدينة سان فرانسيسكو بتاريخ ٢٠/ ١٠/ ١٩٨٩ أثناء رحلتي إلى ولاية كاليفورنيا في إجازة بعد أدائي امتحاناتي الجامعية.

стр. 5415

موضوع السورة شقاء أبي لهب وزوجته في نار الجحيم - منهاج السورة - ١ - الدعوة بالهلاك والخيبة ليدي أبي لهب والخسران. ٢ - تأكيد خسارة الطاغية أبي لهب، وعدم انتفاعه بماله وما كسب. ٣ - تأكيد اشتراكه وزوجته حمالة الحطب، في عذاب جهنم وفي جيد امرأته حبل من مسد. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٥. قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾. في هذه الآيات: قضاء اللَّه تعالى بالهلاك والخسران، على أبي لهب وزوجته بإيذائهما خير الأنام، محمد رسول اللَّه ﵊. فقوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾. أي: هلكت يداه وخسرت وخابت. ﴿وَتَبَّ﴾ أي: وهلك هو، أي: قد وقع ما دعا به عليه وتحقّق. وأصله -في كلام العرب- من التَّباب: وهو الخسران والهلاك. يقال: "تبت يداه" و"تَبًّا له" بالنصب على المصدر، بإضمار فعل، والتقدير: أَلْزَمَهُ اللَّه هَلاكًا وخُسْرانًا. وعن قتادة: (﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾: أي خسرت). وقال ابن زيد: (التَّبّ: الخسران).

стр. 5416

وأبو لهب هو أحد أعمام رسول اللَّه ﷺ ، واسمه: عبد العُزّى بن عبد المطلب، وكنيته أبو عُتبة، وإنما سُمِي "أبا لهب" لإشراقِ وَجْهه، وكان كثيرَ الأذِيَّةِ لرسول اللَّه ﷺ والبِغْضَةِ له، والازدراء به، والتنقّص له ولدينه. فقد أخرج إلإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك، والترمذي بسند حسن عن ربيعة بن عَبّاد (١) ﵁ قال: [رأيت النبي ﷺ في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: يا أيها الناس! قولوا: لا إله إلا اللَّه، تُفلحوا. (وفي رواية الترمذي: تفلحوا وتملكوا بها العرب وتدين لكم بها العجم، فإذا متم كنتم ملوكًا في الجنة، وأبو لهب وراءه يقول: لا تطيعوه فإنه صابئ كاذب). وفي رواية أحمد: (والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجلٌ وضِيءُ الوجه أحولُ ذو غَدِيرتَيْن، يقول: إنه صابِىٌ كاذبٌ يَتْبَعُه حيث ذَهب، فسألت عنه فقالوا: هذا عَمُّه أبو لهب)] (٢). وروى أحمد والطبراني بسند حسن عن حسين بن عبد اللَّه بن عُبَيد اللَّه بن عباس قال: سمعت ربيعة بن عَبَّاد الدِّيليَّ يقولُ: [إني لَمَعَ أبي رجلٌ شابٌ أَنظرُ إلى رسول اللَّه ﷺ يَتَّبع القبائل - ووراءه رَجُلٌ أحوَلُ وضيءٌ، ذو جُمَّةٍ - يَقِفُ رسول اللَّه ﷺ على القبيلة فيقول: "يا بني فُلان! إني رسول اللَّه إليكم، أمركم أن تعبدوا اللَّه لا تُشرِكوا به شيئًا، وأن تُصدِّقوني وتمنعُوني حتى أُنَفِّذَ عن اللَّه ما بعثني به". وإذا فَرَغَ من مقالته قال الآخرُ من خَلْفِه: يا بني فُلان! هذا يريدُ منكم أن تَسلَخُوا اللاتَ والعُزَّى، وحُلفاءكم من الجنِّ من بني مالك بن أُقَيش، إلى ما جاء به من البِدْعَةِ والضَّلالة، فلا تَسْمعوا له ولا تَتَّبعوه. فقلت لأبي: مَنْ هذا؟ قَال: عَمُّهُ أبو لَهَب] (٣). وكان أبناء أبي لهب متزوجين ببنات محمد ﷺ فأمرهم بفراقهن، فطلق عتبة وعتيبة رُقَيَّة وأمَ كلثوم. ولربما تأثر أبو لهب بزوجته الشّرسة أم جميل بنت حرب، وهي أخت

стр. 5417

أبي سفيان، كانت امرأة سليطة تؤزها على كراهية محمد ودينه علل شتى، ولذلك لم تأل جهدًا بالنيل منه ومن الإسلام، فبسطت فيه لسانها أيما بسط وتطاولت وتمادت. يروي أبو يعلى في مسنده، والحاكم في مستدركه، بسند حسن لغيره، عن أسماء قالت: [لما نزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ أقبلت أم جميل بنتُ حرب امرأةُ أبي لهب وهي تنشد: مُذَمَّمٌ أبَيْنا، ودينه قَلَيْنا، وأمره عَصَيْنا، ورسول اللَّه ﷺ جالس في المسجد ومعه أبو بكر ﵁، فسألت أبا بكر إن كان النبي قد هجاها فنفى ذلك] (١). فيبدو أنها سمعت ما نزل فيها وفي زوجها من القرآن فأتت رسول اللَّه ﷺ وهو جالس في المسجد عند الكعبة، ومعه أبو بكر وفي يدها حجارة -كما يروي ابن هشام-: [فأعماها اللَّه عن رؤية رسول اللَّه ﷺ فقالت: يا أبا بكر! أين صاحبك؟ قد بلغني أنه يهجوني، واللَّه لو وجدته لضربت بِهذا الفِهر (٢) فاه، أما واللَّه إني لشاعرة: مُذَمَّمًا عَصَيْنا. . . وأمْرَهُ أَبَيْنا. . . ودينَه قَلَيْنا ثم انصرفت. فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه، أما تراها رأتك؟ قال: "ما رأتني، لقد أخذ اللَّه بصرها عني"] (٣). وفي رواية عند البزار: (قالت: يا أبا بكر هجانا صاحبك، فقال أبو بكر: لا ورب هذه البنية، ما ينطق بالشعر ولا يتفوه به، فقالت: إنك لمصدق). وكان يفرح ﵊ حين يحرفون اسمه لضده ويشتمون (وهو قولُهم مذمَّمٌ بدل محمد)، لأن اسمه مدح كله، فلا يقع الشتم بذلك عليه. أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [ألا تعجبون

стр. 5418

كيف يصرف اللَّه عني شتم قريش ولعنَهم، يشتمون مذممًا، ويلعنون مذممًا، وأنا محمد] (١). ومع أن أبا لهب عم رسول اللَّه ﷺ وجاره، وكان بيته ملصقًا ببيته، لكنه شَقِيٌّ تَنَكَّرَ للرّحم والجوار من أجل شهوة الكبر والظهور والعلو في الأرض بغير الحق، شأن جيرانه الآخرين من المشركين الذين كانوا يؤذونه. وقوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾.قال ابن عباس: (﴿وَمَا كَسَبَ﴾ يعني: وَلَدَه). والمقصود: لم يدفع عنه ما جمع من المال، ولا ما كسب من الأرباح والجاه والولد، ما حَلّ به من التباب، وما نزل به من عذاب اللَّه. وقوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾. أي: سوف يعذب في النار الملتهبة، تحرق جلده، وهي ذات اشتعال وتوقد، وهي نار جهنم. وقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾. - فيه أكثر مِن تأويل: التأويل الأول: كانت تجيء بالشوك فتطرحه في طريق رسول اللَّه ﷺ . فعن ابن عباس: (﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ قال: كانت تحمل الشوك، فتطرحه على طريق النبي ﷺ ليعقره وأصحابه). وعن عطية الجدلي قال: (كانت تضع العضاه على طريق رسول اللَّه ﷺ ، فكأنما يطأ به كثيبًا). وقال ابن زيد: (كانت تأتي بأغصان الشوك، فتطرحها بالليل في طريق رسول اللَّه ﷺ ). - واختاره ابن جرير. التأويل الثاني: قيل لها حمالة الحطب لأنها كانت تحطب الكلام، وتمشي بالنميمة، وتعيّر رسول اللَّه ﷺ بالفقر. فعن عكرمة: (قال: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾: كانت تمشي بالنميمة). وقال قتادة: (كانت تنقل الأحاديث من بعض الناس إلى بعض). وقال أيضًا: (كانت تحطب الكلام، وتمشي بالنميمة. وقال بعضهم: كانت تعير رسول اللَّه ﷺ بالفقر وكانت تَحْطُب فَعُيِّرت بأنها كانت تحطب). التأويل الثالث: قيل بل تحمل الحطب فتلقيه على زوجها في نار جهنم.

стр. 5419

قال ابن كثير: (﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾، وكانت زوجتُه من سادات نساء قريش، وهي أمُّ جَميل، واسمها أرْوَى بنتُ حَرْب بن أُمَيّة، وهي أخت أبي سفيان. وكانت عونًا لزوجها على كُفْرِه وجُحودِه وعِناده، فلهذا تكونُ يوم القيامة عَونًا عليه في عذابه في نار جَهنم. ولهذا قال تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾، يعني: تحملُ الحطب فتلقي على زَوْجها، ليزدادَ في ما هو فيه، وهي مُهَيَّأةٌ لذلك مستعدة له). قلت: والتأويل الأول أظهر وأنسب لعبارة الآية، وأما التأويل الثاني والثالث فيحتمله البيان والإعجاز، واللَّه تعالى أعلم. ونصب عاصم ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ على الشتم، ويسوغ الوقف على ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ لأنها عطفت على الضمير في سيصلى، والتقدير: سيصلى هو وامرأته، أعني حمالة الحطب. ورفع غيره ﴿حَمَّالَةَ﴾ على أنها خبر، وامرأته مبتدأ. وقوله تعالى: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾. الجِيد: العنق. قال ابن زيد: (﴿فِي جِيدِهَا﴾ قال: في رقبتها). والمسد: الليف. وقال الرازي: (المَسَدُ أيضًا حَبْلِ من لِيف أو خُوصٍ وقد يكون من جلود الإبل أو أوبارِها. و"مَسَدَ" الحَبْلَ أجادَ فَتْلهُ). قال الضحاك: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ قال: حبل من شجر، وهو الحبل الذي كانت تحتطب به). وقال ابن زيد: (﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾: حبال من شجر تنبت في اليمن لها مسد، وكانت تفتل، وقال: ﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾: حبل من نار في رقبتها). وقال قتادة: (قلادة من ودع). وقال عروة: (سلسلة من حديد، ذرعها سبعون ذراعًا). وقال سعيد بن المسيب: (كانت لها قِلادة فاخرة من جوهر، فقالت: واللاتِ والعزى لأنفقنها في عداوة محمد. ويكون ذلك عذابًا في جيدها يوم القيامة). قلت: والراجح من المعنى مما يناسب السياق: في عنقها حبل مما مسد من الحبال -والمسد الذي فتل من الحبال فتلًا شديدًا من ليف كان أو جلد أو غيرها- فهي تحمل حزم الشوك وتربطها بذلك الحبل في جيدها في النار جزاء من جنس العمل، واللَّه تعالى أعلم. وهذه السورة العظيمة تحدّى اللَّه تعالى فيها أبا لهب وزوجته، اللذين أصَرّا على معاداة النبي ﷺ وتكذيب الوحي والنبوة، فتحدّاهما تعالى بأنهما لن يؤمنا، لا ظاهرًا

стр. 5420

ولا باطنًا، لا سرًّا ولا علنًا، وأنهما سيخرجان من هذه الحياة الدنيا كافرين، ولم يجبرهما تعالى على الكفر والعمى عن طريق الصواب، وإنما اختارا طريق الجحد واللؤم ففارقا الحياة وقد استحقا العقاب، والخزي في قرآن يتلى على ألسنة الأجيال إلى يوم الحساب، ثم يكون تحقيق الوعيد يومئذ بِرَدِّهما إلى أَشدِّ أنواع الإهانة والعذاب، فكان في ذلك أقوى الأدلة على إثبات النبوة. تم تفسير سورة المسد بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه ظهر يوم السبت ١٤ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ١٤/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م دروس ونتائج وأحكام ١ - علم اللَّه المسبق بِصِلِيِّ أبي لهب نار الجحيم، وخروجه من هذه الدنيا ليضاف إلى الكافرين. ٢ - نزول هذه السورة في حياة أبي لهب اللعين، وتأكد علم اللَّه بعدم اختياره منهاج المؤمنين. ٣ - التَّب من التَّباب، وهو الهلاك والخسران. ٤ - الزوجة المعينة لزوجها على الكفر تشترك مع زوجها الكافر في عذاب الجحيم. * * *

стр. 5421

١١٢ - سورة الإخلاص وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٤). فضائلها وما ورد في ذكرها: لقد ورد ذكر هذه السورة العظيمة وفضلها في أحاديث من السنة الصحيحة العطرة: الحديث الأول: يروي البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂: [أنَّ النبي ﷺ بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك. فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي ﷺ : أخبروه أن اللَّه تعالى يحبه] (١). الحديث الثاني: يروي البخاري في كتاب الصلاة عن أنس ﵁ قال: [كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، فكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، حتى يفرغ منها، ثم كان يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنَع ذلك في كل ركعة: فكلمه أصحابه فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بالأخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى، فَقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي ﷺ أخبروه

стр. 5422

الخبر، فقال: يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك وما حملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ قال: إني أحبها، قال: حبك إياها أدخلك الجنة] (١). الحديث الثالث: يروي الإمام أحمد في المسند عن أنس ﵁ قال: [جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: إني أحب هذه السورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. فقال رسول اللَّه ﷺ : حبك إياها أدخلك الجنة] (٢). الحديث الرابع: يروي البخاري عن أبي سعيد: [أن رجلًا سمع رجلًا يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي ﷺ فذكر له ذلك، وكأن الرجل يتقالها، فقال النبي ﷺ : والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن] (٣). الحديث الخامس: يروي البخاري عن أبي سعيد ﵁ قال: [قال رسول اللَّه ﷺ لأصحابه: أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ فشق ذلك عليهم وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول اللَّه؟ فقال: اللَّه الواحد الصمد ثلث القرآن] (٤). الحديث السادس: يروي الإمام أحمد عن أبي أيوب عن النبي ﷺ قال: [من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فكأنما قرأ ثُلُثَ القُرآن] (٥). الحديث السابع: يروي الإمام أحمد بن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [قل هو اللَّه أحد تعدل ثلث القرآن] (٦). الحديث الثامن: يروي الإمام أحمد عن معاذ بن عبد اللَّه بن خُبَيب عن أبيه قال: [أصابنا عطش وظلمة، فانتظرنا رسول اللَّه ﷺ يصلي بنا، فخرج فأخذ بيدي، فقال: قل، فسكت؟ قال: قل. قلت: ما أقول؟ قال: قل هو اللَّه أحد والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاثًا، تكفيك كل يوم مرتين]. وفي رواية: [تكفك كل شيء].

стр. 5423

وفي لفظ عند الترمذي وأبي داود والنسائي: [﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين حيت تُمْسي، وحين تُصْبحُ، ثَلَاث مرات، تكفيك من كل شيء] (١). الحديث التاسع: يروي الإمام أحمد بسند حسن عن معاذ بن أنس الجهني صاحب رسول اللَّه ﷺ عن النبي ﷺ قال: [من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتى يختمها عشر مرات بنى اللَّه له قصرًا في الجنة]. وفي رواية: [من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ عشر مرات بنى اللَّه له بيتًا في الجنة] (٢). وفي رواية: [فقال عمر: إذن نستكثر قصورًا يا رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه ﷺ : اللَّه أكثر وأطيب]. ورواه الدارمي عن سعيد بن المسيب قال: إن نبي اللَّه ﷺ قال: [من قرأ قل هو اللَّه أحد عشر مرات بنى اللَّه له قصرًا في الجنة، ومن قرأها عشرين مرة بنى اللَّه له قصرين في الجنة، ومن قرأها ثلاثين مرة بنى اللَّه له ثلاثة قصور في الجنة، فقال عمر بن الخطاب: إذن نكثر قصورنا، فقال رسول اللَّه ﷺ : اللَّه أوسع من ذلك]. قال الحافظ ابن كثير: (وهذا مرسل جيد). الحديث العاشر: في أثر الدعاء بما اشتملت عليه هذه الألفاظ الكريمة من أسماء اللَّه وصفاته. يروي أهل السنن واللفظ للنسائي عن عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه: [أنه دخل مع رسول اللَّه ﷺ إلى المسجد، فإذا رجل يصلي يدعو يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد. قال: والذي نفسي بيده لقد سأله باسمه الأعظم الذي سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب] (٣). الحديث الحادي عشر: في الرقية بها والاستشفاء بكلماتها. يروي البخاري عن عائشة: [أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما، وقرأ فيهما قل هو اللَّه أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من

стр. 5424

جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات] (١). ورواه أصحاب السنن. موضوع السورة توحيد اللَّه - منهاج السورة - ١ - أمر اللَّه تعالى نبيّه ﷺ بإفراده بالتوحيد فهو اللَّه الواحد الأحد. ٢ - وصف اللَّه تعالى نفسه بأنه الصمد، فهو الذي يُصمد إليه أمر جميع خلقه. ٣ - وصف اللَّه تعالى نفسه بأنه لم يلد ولم يولد، ولم يكافئه من خلقه أحد. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٤. قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾. في هذه الآيات: توحيدُ اللَّه تعالى في جوامع من الكلم العظيم، فهو اللَّه الواحد لا نظير له ولا شبيه السيد الحي القيوم، الذي إليه يصمد أمر جميع العباد وحاجاتهم، وأرزاقهم ومصابهم، والذي لم يلد ولم يولد، ولم يكافئه من خلقه أحد. قال ابن جرير ﵀: (ذكر أن المشركين سألوا رسول اللَّه ﷺ عن نسب رب العزة، فأنزل اللَّه هذه السورة جوابًا لهم. وقال بعضهم: بل نزلت من أجل اليهود سألوه، فقالوا له: هذا اللَّه خلق الخلق، فمن خلق اللَّه؟ فأنزلت جوابًا لهم). ثم ذكر أثرًا عن أبي بن كعب قال: (قال المشركون للنبي ﷺ : انسب لنا ربك، فأنزل اللَّه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾.

стр. 5425

وكذلك عن عكرمة قال: (إن المشركين قالوا: يا رسول اللَّه أخبرنا عن ربك، صف لنا ربك ما هو، ومن أي شيء هو! فأنزل اللَّه ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إلى آخر السورة). وعن قتادة قال: (جاء ناس من اليهود إلى النبي ﷺ فقالوا: انسب لنا ربك فنزلت: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتى ختم السورة). وبنحوه من طريق ابن إسحاق عن محمد عن سعيد قال: (أتى رهط من اليهود إلى النبي ﷺ فقالوا: يا محمد هذا اللَّه خلق الخَلْقَ، فمن خلقه؟ فغضب النبي ﷺ حتى انتُقِعَ لونه، ثم ساوَرَهم غضبًا لربه، فجاءه جبريل ﵇ فَسَكَّنَهُ، وقال: اخفض عليك جناحك يا محمد! وجاءه من اللَّه جواب ما سألوه عنه. قال: يقول اللَّه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. قال الحافظ ابن كثير: (وقال عكرمة: ولما قالت اليهود نحن نعبد عزير بن اللَّه، وقالت النصارى: نحن نعبد المسيح ابن اللَّه، وقالت المجوس: نحن نعبد الشمس والقمر، وقال المشركون: نحن نعبد الأوثان، أنزل اللَّه على رسوله ﷺ : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾). قلت: والصحيح المسند من ذلك ما رواه الترمذي بسند حسن عن أبي بن كعب: [أن المشركين قالوا لرسول اللَّه ﷺ انسُب لنا ربك؟ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾] (١). والمعنى أنه اللَّه الواحد الذي لا نظير له ولا وزير ولا شبيه ولا عديل، فهو وحده الكامل في صفاته وأفعاله. وأما قوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ففيه معان جليلة ذكرها المفسرون: الأول: السيد. قال ابن عباس: (هو السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو اللَّه سبحانه هذه صفته لا تنبغي إلا له، ليس له كفء وليس كمثله شيء، سبحان اللَّه الواحد القهار). وعن الأعمش عن شقيق قال: (الصمد: هو السيد الذي قد انتهى سؤدده).

стр. 5426

الثاني: الباقي. قال قتادة: (هو الباقي بعد خلقه). وفي رواية قال: (الصمد الدائم). الثالث: الحي القيوم. قال الحسن: (الصمد: الحي القيوم الذي لا زوال له). الرابع: الذي لا يأكل ولا يشرب. قال الشعبي: (الصمد: الذي لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب). الخامس: ليس بأجوف. قال الضحاك: (الصمد: الذي لا جوف له). وقال مجاهد: (المصمت الذي لا جوف له). السادس: لم يلد ولم يولد. قال أبو رجاء: سمعت عكرمة قال في قوله الصمد: (الذي لم يخرج منه شيء، ولم يلد ولم يولد). وقال أبو العالية: (الصمد: الذي لم يلد ولم يولد، لأنه ليس شيء يلد إلا سيورث، ولا شيء يولد إلا سيموت، فأخبرهم تعالى ذكره أنه لا يورث ولا يموت). السابع: نور يتلألأ. ذكره عبد اللَّه بن بريدة. قلت: وباستقراء هذه التفاسير المختلفة ظاهرًا المتحدة تأويلًا في معنى الصمد، يتبيّن أن هذا اللفظ في صفة الباري ، هو لفظ جامع لكل صفات الجمال والكمال التي لا تليق إلا باللَّه ، فإليه يصمد الأمر كله، فهو الكامل في صفاته وأسمائه، الذي يجيب حوائج عباده، ويعينهم ويدبر أمورهُم ويرزقهم ويكشف مصابهم، ويرحمهم ويجعل لمضطرهم من كربه فرجًا ومخرجًا، فهو الأحد الصمد تباركت أسماؤه وصفاته. وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾. قال أبو جعفر: (ليس بفان، لأنه لا شيء يلد إلا وهو فان بائد، وليس بِمُحْدث لم يكن فكان، لأن كل مولود فإنما وجد بعد أن لم يكن، وحدث بعد أن كان غير موجود، ولكنه تعالى قديم لم يزل، ودائم لم يبد، ولا يزول ولا يفنى). وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ - فيه أكثر من تأويل: الأول: لا شبيه له ولا مثل. قال أبو العالية: (لم يكن له شَبيه ولا عدل وليس كمثله شيء). وقال قتادة فيما يرويه عن عمرو بن غيلان عن كعب: (إن اللَّه تعالى ذكره أسس

стр. 5427

السماوات السبع، والأرضين السبع، على هذه السورة ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ وإن اللَّه لم يكافئه أحد من خلقه). وقال ابن عباس: (ليس كمثله شيء، فسبحان اللَّه الواحد القهار). الثاني: يعني لا صاحبة له. قال مجاهد: (﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾: يعني لا صاحبة له). وفي ﴿كُفُوًا﴾ قراءتان بتسكين الفاء وضمها، فقد قرأها قراء البصرة بالضم ﴿كُفُوًا﴾ وقرأها بعضُ قراء الكوفة بالتسكين ﴿كُفْوًا﴾ وهما قراءتان مشهورتان. وكلا المعنيين حق، كما قال سبحانه في سورة (مريم): ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾. وكذلك روى البخاري في صحيحه في هذا المعنى من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: [قال اللَّه تعالى: كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إيايَ فزعم أني لا أقدر أن أعيدَه كما كان، وأما شتمهُ إيايَ فقوله: لي ولَدٌ، فسبحاني أن أتخذ صاحبَةً أو ولدًا] (١). تم تفسير سورة الإخلاص بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر يوم السبت ١٤ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ١٤/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م

стр. 5428

دروس ونتائج وأحكام ١ - سورة الإخلاص فيها صفة الرحمان . ٢ - ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن، ومن قرأها عشر مرات حتى يختمها بنى اللَّه له بيتًا في الجنة. ٣ - سورة الإخلاص يُرقى بها ويستشفى بكلماتها. وكان رسول اللَّه ﷺ إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما، وقرأ فيهما قل هو اللَّه أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده. * * *

стр. 5429

١١٣ - سورة الفلق وهي سورة مدنية، وعدد آياتها (٥). فضائل المعوذتين وما ورد في ذكرهما: لقد جاء ذكر فضائل هاتين السورتين العظيمتين في أحاديث من السنة الصحيحة: الحديث الأول: يروي البخاري عن زرِّ بن حُبَيش ﵁ قال: سألت أُبَيَّ بن كعب عن المعوذتين فقال: سألت رسول اللَّه ﷺ فقال: [قيل لي، فقلتُ]. فنحن نقول كما قال رسول اللَّه ﷺ (١). الحديث الثاني: يروي الإمام مسلم في صحيحه عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [ألم ترَ آيات أُنزلت الليلة لم يُرَ مثلهن قط: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾] (٢). الحديث الثالث: يروي الإمام أحمد عن عقبة بن عامر قال: [بينا أنا أقود برسول اللَّه ﷺ في نقب من تلك النقاب إذ قال لي: يا عقبة ألا تركب. قال: فأشفقت أن تكون معصية، قال: فنزل رسول اللَّه ﷺ وركبت هنية ثم ركب ثم قال: يا عقب ألا أعلمك

стр. 5430

سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس. قلت: بلى يا رسول اللَّه، فأقرأني: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثم أقيمت الصلاة فتقدم رسول اللَّه ﷺ فقرأ بهما ثم مرَّ بي فقال: كيف رأيت يا عقب اقرأ بهما كلما نمت وكلما قمت] (١). وفي رواية قال: [أمرني رسول اللَّه ﷺ أن أقرأ بالمعوذات في دبر كل صلاة]. الحديث الرابع: يروي الإمام النسائي بإسناد صحيح عن عقبة بن عامر قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : [لن نقرأ شيئًا أبلغ عند اللَّه من ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾]. ورواه أحمد بلفظ: [اقرأ بالمعوذتين فإنك لن تقرأ بمِثلهما]. وفصّل في رواية أخرى، قال عقبة: [إن رسول اللَّه ﷺ أهديت له بغلة شَهباء فركبها فأخذ عقبة يقودها له، فقال رسول اللَّه ﷺ : اقرأ قل أعوذ برب الفلق. فأعادها له حتى قرأها، فعرف أني لم أفرح بها جدًا فقال: لعلك تَهَاوَنتَ بها؟ فما قمت تصلي بشيء مثلها] (٢). الحديث الخامس: يروي الإمام أحمد بإسناد صحيح عن فروة بن مجاهد اللخمي قال: [لقيت رسول اللَّه ﷺ فقال لي: يا عقبة بن عامر! صِل من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عمن ظلمك. قال: ثم أتيت رسول اللَّه ﷺ ، فقال لي: يا عقبة بن عامر: أملك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك. قال: ثم لقيت رسول اللَّه ﷺ فقال لي: يا عقبة بن عامر! ألا أعلمك سورًا ما أنزلت في التوراة ولا في الزبور، ولا في الإنجيل، ولا في الفرقان مثلهن، لا يأتين عليك ليلة إلا قرأتهن فيها؟ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾] (٣). قال عقبة: فما أتت عليّ ليلة إلا قرأتهن فيها، وحق لي أن لا أدعهن، وقد أمرني بهن رسول اللَّه ﷺ . وكان فروة بن مجاهد إذا حدث بهذا الحديث يقول: (ألا فرب من لا يملك لسانه، أو لا يبكي على خطيئته، ولا يسعه بيته). الحديث السادس: يروي الإمام النسائي عن عقبة بن عامر أن رسول اللَّه ﷺ قال: [إن الناس لم يتعوذوا بمثل هذين ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾].
следующие страницы →