التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون
تفسير القرآن الكريم على منهاج الأصلين العظيمين - الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة - على فهم الصحابة والتابعين
تفسير منهجي فقهي شامل معاصر
المؤلف: الأستاذ الدكتور مأمون حموش
المدقق اللغوي: أحمد راتب حموش
الطبعة: الأولى، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
стр. 2
جميع حقوق الطبع والتصوير محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى
١٤٢٨ هـ-٢٠٠٧ م
موافقة وزارة الإعلام
رقم: ٩١٠٩٢
ورقم: ٩١٤٥١
تاريخ: ١٦/ ٧/ ٢٠٠٦ م
دمشق- سورية
يطلب من المؤلف
دمشق هاتف: ٣٢١٨٤٧١
المدقق اللغوي
الدكتور أحمد راتب حموش
стр. 3
لمحة عن المؤلف
الاسم: مأمون حموش
مكان وتاريخ الولادة: دمشق- سورية
الثلاثاء ١٧ - محرم- ١٣٨٢ هـ
١٩ - حزيران- ١٩٦٢ م.
الدرجات العلمية والتخصصية:
١ - إجازة في العلوم- رياضيات فيزياء- الترتيب الأول بامتياز- جامعة دمشق ١٩٨٥.
٢ - إجازة في الهندسة المدنية- جيد جدًّا- جامعة دمشق ١٩٨٥.
٣ - ماجستير في العلوم- جمل المعادلات التفاضلية- جامعة أوكلاهوما- الولايات المتحدة الأمريكية- ١٩٨٨.
٤ - ماجستير في الهندسة الإنشائية- قشريات ثنائية الانعطاف- جامعة أوكلاهوما - الولايات المتحدة الأمريكية- ١٩٨٩.
٥ - دكتوراة دولة في العلوم- رياضيات فيزياء- الجمل الديناميكية- جامعة آركنساس- الولايات المتحدة الأمريكية- ١٩٩٣.
٦ - دكتوراة فلسفة في الهندسة الإنشائية- نظرية المرونة ونظرية العناصر المنتهية والمحيطية في التحليل اللاخطي ومجالات التقارب- جامعة آركنساس- الولايات المتحدة الأمريكية- ١٩٩٣.
٧ - تخصّص في العلوم الشرعية مع حفظ القرآن الكريم وأغلب كتب السنة والسيرة الصحيحة.
المؤلفات العلمية:
١ - السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة (٣ - مجلدات).
٢ - أصل الدين والإيمان- عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان (٢ - مجلد).
стр. 4
٣ - تحصيل السعادتين على منهج الوحيين (أبحاث في علم النفس- مجلد).
٤ - منهج الوحيين في معالجة زلل النفس وتسلط الجن (أبحاث في علم النفس- مجلد).
٥ - الأمراض النفسية وعوامل الشد إلى الخلف (أبحاث في علم النفس- مجلد).
٦ - الحج والعمرة على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة.
٧ - علوم الحديث وتراجم أعلامه وفرسانه.
٨ - السياسة الشرعية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة.
٩ - التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون (٨ - مجلدات).
١٠ - نظرية المرونة- دراسة تحليلية وتطبيقات هندسية- جامعة دمشق.
١١ - الرياضيات المتقدمة للمهندسين- كلية الهندسة المدنية- جامعة دمشق.
إضافة إلى موضوعات وأبحاث علمية متنوعة قيد الإنجاز.
المساجد التي تعاقب على الخطابة والتدريس فيها:
أ- ما بين الأعوام ١٩٨٧ - ١٩٩٣.
١ - مسجد الصديق- ستيل وتر- أوكلاهوما- الولايات المتحدة الأمريكية.
٢ - مسجد حمزة- فيتفل- آركنساس- الولايات المتحدة الأمريكية.
٣ - المراكز الإسلامية في ولاية: نيوجرسي، تكساس، كاليفورنيا، أوكلاهوما، آركنساس، وغيرها في الولايات المتحدة الأمريكية.
ب- ما بين الأعوام ١٩٩٤ - ٢٠٠٦.
١ - مسجد عمار بن ياسر- قرى الأسد- دمشق.
٢ - مسجد البراء بن عازب- باب شرقي- دمشق.
٣ - مسجد الخجا- حيّ المزّة- دمشق،
٤ - مسجد الحسن- أبو رمانة- دمشق.
٥ - مسجد القزاز- حي برزة- دمشق.
٦ - مصلى العيد- جبل قاسيون- دمشق.
إضافة إلى مساجد متفرقة أخرى.
стр. 5
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
المقدمة
إن الحمد لله نحمدهُ ونستعينُه ونستغفره، ونعوذُ باللهِ من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشمهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدهُ ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
أما بعد: فإن خير الكلام كتاب الله، وخير الهدي هديُ محمد ﷺ ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وإنَّ الله سبحانه في كتابه الكريم قد أثنى على القرآن العظيم، فوصفه في أوصاف عالية، هي في منتهى الفخامة:
١ - مبين. قال تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف: ١].
٢ - عظيم. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧].
٣ - مجيد. قال تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١].
٤ - حكيم. قال تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: ١ - ٢].
٥ - ذو ذكر. قال تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١].
٦ - كريم. قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٨].
стр. 6
٧ - مبارك. قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الأنعام: ٩٢].
٨ - روح. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢].
٩ - بشير ونذير. قال تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت: ١ - ٤].
١٠ - عزيز. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: ٤١].
١١ - علي. قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤].
هذا الثناء الرفيع من الله سبحانهُ على كتابهِ قد لفت انتباه المسلم الصحابي فأفردهُ بمكانة خاصة في حياته حفظًا وتلاوة وتدبرًا وعملًا.
وقد أنزل الله تعالى هذا القرآن مُنَجَّمًا مفرقًا على الوقائع ليكون ذلك أثبت في الفهم والحفظ والتدبر، فكان الصحابة لا يتجاوزون عَشْر الآيات منه حتى يتقنوا تلاوتها وحفظها ويقوموا بها ويعملوا بمقتضاها، ثم يغادروا إلى عشر آيات غيرها، وهو أمر حَريّ بالمسلمين اليوم أن ينتبهوا له عند تعليمهم أبناءهم كتاب الله في المساجد أو البيوت أو حلق العلم والذكر، فلا يكون الهدف هو التسابق في الحفظ فحسب لِيُنسى بعد أيام أو سنين إن لم يتعاهده صاحبهُ من التفلت، وكذلكَ لا يكون الجهد كله منصبًا على حراسة الحفظ فحسب دون العناية بالفهم والتفسير والأحكام والواجبات وربط القرآن بالحياة، فهذا أمر غفل عنهُ كثير من المسلمين اليوم، فإذا جاءت الفتن فلا ينفع الحفظ الذي لم يقترن بالتفسير وفهم سنن الله وأحكامهِ في الأمم، ونواميس التغيير في الأحوال والنعم، ومعرفة الله بأسمائه وصفاته ومحامده ووعده ووعيده وما أخَّرَ للمسرفين من العذاب والنِّقم، ولكن إذا اقترن الحفظ وحسن التلاوة بحسن الفهم والعمل ثم الانتقال بعد ذلكَ إلى غيرها من الآيات كان أقرب لطريقة النبي ﷺ مع أصحابه رضوان الله عليهم.
ثمرات علم التفسير:
١ - فهم كتاب الله العظيم، الذي أنزله بلسان عربي مبين.
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢].
стр. 7
٢ - التأمل والتدبر بآيات هذا الكتاب الكريم، فهو الكتاب المعجز والحجّة والذكر الحكيم.
قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالهَا﴾ [محمد: ٢٤].
وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].
قال القرطبي: (فالواجب على من خَصَّهُ الله بحفظ كتابه أن يتلوهُ حق تلاوته، ويتدبّر حقائق عبارته، ويتفَهّمَ عجائبه، ويتبيّن غرائبه).
وفي صحيح مسلم من حديث أبي مالك الأشعري مرفوعًا: [والقرآن حجةٌ لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها] (١).
وفي جامع الترمذي ومستدرك الحاكم بسند صحيح عن جبير بن نفير عن أبي ذر الغفاري مرفوعًا: [إنكم لا ترجعون إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه. يعني القرآن] (٢).
٣ - أخذ الحِكَم والفوائد والدروس من الآيات للاعتبار، ومعرفة علل النواهي والأوامر والأخبار.
قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨].
فالقرآن كتاب الله ﵎، فيه نبا من قبلنا، وخبرُ ما بعدنا، وحكم ما بيننا، وهو الفصل ليس بالهَزْل، مَنْ تركه مِنْ جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهُدْى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعّب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يملّه الأتقياء، ولا يَخْلَقُ على كثرة الرد،
стр. 8
ولا تنقضي عجائبهُ، مَنْ علِمَ علمهُ سبَق، ومَنْ حكم به عدل، ومَنْ عملَ بهِ أُجِرَ، ومن دعا إليهِ هدي إلى صراط مستقيم.
روى مسلم وأهل السنن من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [من سلك طريقًا يلتمس فيه عِلمًا سَهّل اللهُ له طريقًا إلى الجنة، وما اجتمعَ قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم اللهُ فيمن عنده، ومن أبطأ به عملهُ لم يُسرع به نسبه] (١).
٤ - وقوع الخشية والرهبة في القلب، نتيجة التأثر بمعاني كلام الرب.
قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣].
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَال عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦].
ثم إن خشوع قلوب المؤمنين للقرآن العظيم، يُقابل بشفاعة القرآن لهم يوم الدين.
ففي صحيح ابن حبان بإسناد جيد عن جابر، عن النبي ﷺ قال: [القرآنُ شافِعٌ مُشَفَّعٌ، وَمَاحِلٌ مُصَدَّقٌ، من جَعَلَهُ أمامَهُ، قادَهُ إلى الجنة، ومَنْ جَعَلَهُ خلفَ ظَهرهِ، ساقَهُ إلى النار] (٢).
وقوله: "وَمَاحِلٌ مصدق". أي: خصم مجادل مُصَدَّقٌ، والمماحلة في كلام العرب المماكرة، والمكايدة، فالقرآن شافع لأهله أهل الخشية والإيمان، خَصْمٌ مجادِلٌ لمنكريه أهل المكر والطغيان.
٥ - وقوع الطمأنينة على القلوب، نتيجة العلم بآفاق كلام المحبوب.
فالطمأنينةُ تنزل على قلوب أهل الإيمان، الذين هم أهل العلم بالقرآن، أهل الله وخاصتهُ من الإنس والجان.
стр. 9
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].
وفي سنن ابن ماجة والنسائي بإسناد حسن عن أنس بن مالك، قال: [قال رسول الله ﷺ : إنَّ لله أهلينَ من الناس. قالوا: يا رسول الله! مَنْ هُمْ؟ قال: هُمْ أهل القُرآن، أهلُ اللهِ وخاصّتهُ] (١).
وفي الأثر عن عثمان: (لو سلمت قلوبكم ما شبعتم من كتاب الله تعالى).
٦ - معرفة ضوابط وقواعد أصول الدين والسلوك والأحكام، نتيجة التفسير والتحليل المنهجي لآيات هذا القرآن.
ففي علم التفسير علم الأصول والقواعد والأحكام، وفهم ميزان وضوابط الحلال والحرام، وإلا فإن في الجهل والفوضى الهلاك وخراب البنيان.
قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٢ - ٨٣].
وفي مسند الإمام أحمد بسند صحيح من حديث أبي جهيم مرفوعًا: [لا تُماروا في القرآن، فإن مِراءً في القرآن كُفر] (٢).
وفي مسند أحمد -كذلكَ- عن عقبة بن عامر الجهني قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [هلاك أمتي في الكتاب واللّبن. قالوا: يا رسول الله! ما الكتاب واللبن؟ قال: يتعلمون القرآن فيتأولونه على غير ما أنزل الله ، ويحبون اللبن فيدعون الجماعات والجمع ويبدون (٣)] (٤).
٧ - معرفة منهاج الشريعة في تقرير الأحكام، ومعالجة مستجدات الأمور التي طرأت عبر الزمان.
стр. 10
ففي علم التفسير علم الدنيا والآخرة، وتقرير مناهج بناء النفس والأسرة والمجتمع والدولة، وتأصيل القواعد والأصول لدراسة مستجدات الأمور في حياة المسلمين، على منهاج التفسير المستنبط من نور الوحيين.
قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].
قال الإمام أحمد كما يروي عنه أبو الحارث: (لا يجوز الإفتاء إلا لرجل عالمٍ بالكتاب والسنة) - أعلام الموقعين.
أخرج الطبراني في "المعجم الكبير" بسند صحيح عن أبي ذر قال: [تركنا رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكرنا منه علمًا، فقال ﷺ : ما بقي شيءٌ يُقَرِّبُ مِنَ الجنة ويُباعد من النار إلا وقد وبُيِّنَ لكم] (١).
٨ - فوائد علمية أخرى كثيرة، لا يحصيها إلا الله ﵎.
إنَّ هذا الكتاب الذي أقدّمهُ اليوم للأمة هو تفسير الوحي العظيم، على منهج الوحيين وفهم الصحابة والتابعين، وهو منهاج متكامل في فهم كتاب الله ، لا يقتصر على فهم الآيات وذكر معانيها، بل يتعداه إلى ربطها بما صَحَّ من أسباب نزولها، واستنباط الفقه والأحكام الشرعية المتعلقة بها، ووصلها بعلوم من صحيح السنة العطرة تتصل بآفاقها، وبقواعد السياسة الشرعية، وأصول الفقه المستنبطة منها ومن منهاج السيرة النبوية المطهرة.
وقد كنتُ بدأت في مشروع هذا التفسير أيام التخصص في الولايات المتحدة الأمريكية، نتيجة للشعور بضياع المسلمين وجماعاتهم في متاهات الرأي والهوى والحزبية، والتجرؤ على تحريف فهم الآيات والنصوص الشرعية، لتناسب مناهجهم التي وضعها لهم مشايخهم والتي هي في كثير من أحوالها تقليد لمناهج أرضية، وتنحرف في بنائها عن منهاج صحيح السيرة النبوية.
ولما كانت التفاسير الموجودة في تاريخنا وعالمنا الإسلامي تفتقر أحيانًا إلى المنهج، وأحيانًا إلى التأصيل، وأحيانًا إلى علوم الوحي الثاني "السنة الصحيحة
стр. 11
المطهرة"، بل يشكل بعضها -أحيانًا- صورة من الفوضى والضياع لا يخلص طالب العلم معها إلى فهم دقيق واضح لكثير من الآيات المتشابهات، أضف إلى ذلك امتلاء بعضها أو أكثرها بالإسرائيليات والأخبار الواهية والقصص المكذوبة، والأحاديث الضعيفة والموضوعة، والأقوال الكثيرة المتعارضة، وغير ذلكَ من العيوب، فقد دفعني هذا الركام من المشكلات إلى الاستعانة بالله على تفسير أصيل يبث في الأمة معاني القرآن بروح الوحيين وجمال منهاج النبوة، بعيدًا عن الرأي والفلسفة وعلم الكلام والخرافات، والقصص الواهية والإسرائيليات، وفوضى المعاني والأقوال والتناقضات، وهو في الوقت ذاته تفسير عصري يواكب فهم المستجدات، وعصر العلوم والاكتشافات.
وقد أفدت من معظم كتب التفسير في ذلكَ، فإنها تبقى الأصل والمرجع لكل الباحثين -جزى الله المفسرين عن الأمةِ خير الجزاء- كما أفدت من ميراث المحدثين والفقهاء وبحوث السنة والسياسة الشرعية والسيرة النبوية ومعاجم اللغة العربية، وقد اجتهدت وبذلت أقصى الجهد في تنقية هذا التفسير من كل حديث لا يصح عن النبي ﷺ ، وذكرت درجة صحة كل حديث ومصادره التي يُرجع إليه فيها، فأضفته إلى من خَرَّجَهُ من الأئمة الأعلام، والثقات المشاهير من علماء الإسلام، ونسبت كل قول في التفسير إلى قائلهِ، من الصحابة أو التابعين، أو كبار العلماء والمفسرين، فإنه كما يقال: من بركة العلم أن يضاف القول إلى قائله. وقد سعيت إلى تفنيد الأقوال، والجمع بين بعضها إن سمحت الأحوال، وتوجيه المعنى ليخلص من تناقضات آراء الرجال.
وقد سمّيتهُ: "التفسير المأمون، على منهج التنزيل والصحيح المسنون"، ليكون موسوعة في علوم الوحيين: القرآن الكريم والسنة الصحيحة العطرة، فلا يصدر الفهم إلا منهما، ولا يتفرقان حتى يرث الله الأرض ومن عليها. وقد عملته تذكرة لنفسي، وإحياء وإنقاذًا لأمتي، وذخيرة ليوم رَمْسي (١)، وعملًا صالحًا أستأنس بهِ في حياتي وبعد موتي.
فالحمدُ لله الذي جعل صدري وعاء للوحيين، وحرّك قلمي لتصنيف علوم الملة والدين، وتبليغ الأمة ميراث سيد المرسلين، فإن أصبت فإنما هو مَنُّ الله تعالى عليَّ
стр. 12
وتوفيقه وفضله وكرمه، وإن أخطأتُ فإنما ذلكَ من نفسي وتقصيري ومن الشيطان، وأستغفر الله من ذلك.
اللهم إني أسألكَ بحبك لتفسير كلامكَ بوحيك وهدي نبيكَ أن تتقبل مني هذا العمل إنك أنتَ السميع العليم، وأن تجمعني بنبيك محمد ﷺ في جنة الفردوس تحت ظل عرشك العظيم، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن تجعل هذا التفسير يضيء بيوت وحياة المسلمين في أرجاء المعمورة، وأن يكون عمادًا لخلافة راشدة على منهاج النبوة، إنك أنتَ البر الرحيم، والحمدُ لله رب العالمين.
دمشق: ٦/ ربيع الآخر/ ١٤٢٧/ هـ، الموافق ٤/ أيار/ ٢٠٠٦ م.
وكتبه
مأمون أحمد راتب حموش
стр. 13
أئمة التفسير من الصحابة ومدارسهم وتراجمهم
١ - المدرسة المكية: أستاذها الصحابي الجليل عبد الله بن عباس، وعنه أخذ سعيد بن جبير، ومجاهد وعكرمة وطاووس وعطاء وغيرهم.
٢ - المدرسة المدنية: أستاذُها أُبي بن كعب، وعنهُ أخذ زيد بن أسلم وأبو العالية رفيع بن مهران ومحمد بن كعب القرظي وغيرهم.
٣ - المدرسة العراقية: أستاذها عبد الله بن مسعود، أخذ عنه: علقمة ومسروق بن الأجدع والأسود، ثم من بعدهم: الحسن البصري وعامر بن شراحيل الشعبي وقتادة وغيرهم.
أولًا: المدرسة المكية:
١ - عبد الله بن عباس: هو الإمام البحر عالم العصر وحبر الأمة، مات رسول الله ﷺ وله ثلاث عشرة سنة، وقد دعا لهُ النبي ﷺ .
فقد أخرج البخاري عن عكرمة، عن ابن عباس قال: [ضمَّني النبي ﷺ إلى صدره وقال: اللهم علمه الحكمة] (١). وفي رواية: [اللهم علمه الكتاب].
قال البخاري: (والحكمة: الإصابة في غير النبوة).
وفي صحيح مسلم عن أبن عباس: [أن النبي ﷺ أتى الخلاء، فوضعتُ له وَضوءًا، فلما خرج قال: مَنْ وضعَ هذا؟ قلت: ابنُ عباس، قال: اللهم فَقِّههُ في الدين] (٢).
стр. 14
وأخرج ابن ماجة في السنن بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: [ضَمَّني رسول الله ﷺ إليه، وقال: اللهم عَلِّمْهُ الحِكْمَةَ وَتأويلَ الكتاب] (١).
وأخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس قال: [دعا لي رسول الله ﷺ : أن يؤتيني الله الحكم مرتين] (٢).
فابن عباس هو أكثر الصحابة وأشهرهم تفسيرًا للقرآن الكريم، وكان لهُ مدرسة تخرج فيها مجاهد وعكرمة وغيرهما، وروى له الأئمة الستة.
وروى الأعمش عن أبي وائل: (استعمل عليٌّ ابنَ عباس على الحج فخطب يومئذٍ خطبة، لو سمعها الترك والروم لأسلموا، ثم قرأ أعليهم سورة النور فجعل يفسرها).
وكان عبد الله بن مسعود يقول: (نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس).
وقد شهد له بالفضل - وهو شاب في عنفوان الصبا - كبار الصحابة حتى كان ينافسهم وينتزع إعجابهم مع حداثة سنَّه، وكان عمر ﵁ يدخله إلى مجلس الشورى مع كبار الصحابة الأجلاء يستشيرهم، وربما عرض الأمر عليهِ، وكان تقدير عمر لابن عباس مثار جدل عند بعض الصحابة. حتى قال بعضهم: "لم يدخل هذا الشاب معنا وعندنا من الأولاد من هو أكبر منه سنًّا". وله قصة رواها البخاري في صحيحه تدلُّ على غزارة علمهِ، وعلو شأنه في الغوص على دقائق أسرار القرآن، وهي مذكورة عند تفسير سورة النصر.
ومن أهم شيوخ ابن عباس الذين استقى منهم علومه بعد رسول الله ﷺ : (عمر بن الخطاب، وأبي بن كعب، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت).
توفي بالطائف سنة ثمان وستين. (تذكرة الحفاظ ١/ ٤٠).
٢ - سعيد بن جبير: هو الإمام الكوفي المقرئ الفقيه أحد الأعلام، ولد سنة (٤٥) هجرية، وهو من أكابر التابعين علمًا وورعًا، سمع ابن عباس وابن عمر وطائفة، وروى عنه الأعصش وأيوب. وقد اشتهر بتفسير كتاب الله ، وكان طودًا شامخًا، وعلمًا لامعًا، تناقل علمه الرجال، وسرت بذكره الركبان.
قال سفيان الثوري: (خذوا التفسير عن أربعة: عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضحّاك).
стр. 15
وقال قتادة: (كان سعيد بن جبير أعلمهم بالتفسير). (الإتقان ص ١٨٩). وكان آية في الحفظ، يحفظ ما يسمع، وقد شهد له ابن عباس بالحفظ حتى قال له: (انظر كيف تحدّث عني فإنك قد حفظت عني حديثًا كثيرًا).
وكان ابن عباس إذا حجّ أهل الكوفة وسألوهُ يقول: (أليس فيكم سعيد بن جبير؟ ! ). وقد كان عابدًا زاهدًا، وكان لا يدع أحدًا يغتاب عنده.
وجاء في ترجمته في الأعلام: "سعيد بن جبير الأسدي الكوفي، أبو عبد الله تابعي، كان أعلمهم على الإطلاق، وهو حبشي الأصل، أخذ العلم عن ابن عباس وابن عمر، ولما خرجَ عبد الرحمن بن الأشعث على عبد الملك بن مروان، كان سعيد بن جبير معه، فلما قتل عبد الرحمن ذهب سعيد إلى مكة، فقبض عليه واليها (خالد القسري) وأرسله إلى الحجاج فقتله (١)، وكان الحجاج يخاطبه (بشقي بن كسير) بدل سعيد بن جبير.
قال أحمد بن حنبل: قتل الحجّاجُ سعيدًا، وما على وجه الأرض أحد إلا وهو مفتقر إلى علمه".
٣ - مجاهد بن جبر: هو الإمام المخزومي مولاهم المكي المقرئ المفسر الحافظ. ولد سنة (٢١) هجرية، وكنيته (أبو الحجّاج).
وكان من أشهر العلماء في التفسير، وقد سمع سعدًا وعائشة وأبا هريرة وابن عمر وابن عباس ولزمه مدة وقرأ عليه القرآن.
قال عنه الذهبي: (شيخ القراء والمفسرين بلا مراء، أخذ التفسير عن ابن عباس) (٢). وكان من أخص تلامذته، ومن أوثق من روى عَنْهُ، ولهذا يعتمد البخاري كثيرًا على تفسيره كما يعتمد كثير من المفسرين على روايته، تَنَقَّلَ في الأسفار، واستقر في الكوفة. قالت قتادة: (أعلم من بقي بالتفسير مجاهد).
تلقّى مجاهد تفسير كتاب الله عن شيخه الجليل (ابن عباس) وقرأه عليهِ قراءة تَفَهّم وتدبّر، ووقوفٍ عند كل آية من آيات القرآن، يسأله عن معناها، ويستفسره عن أسرارها.
стр. 16
روى الفضيل بن ميمون عن مجاهد أنه قال: (عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات، أقف عند كل آية منه أسألهُ عنها: فيم أنزلت؟ وكيف أنزلت؟ ).
وهذا العرض من مجاهد ﵀ على شيخه الجليل إنما كان طلبًا، لتفسيره ومعرفة أسراره ودقائقه، وتفهم حكمه وأحكامه، ولهذا قال الإمام النووي ﵀: (إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به).
روى عنه الأئمة الستة، وتوفي سنة (١٠٣) هجرية، وقد بلغ ثلاثًا وثمانين سنة. (تذكرة الحفاظ للذهبي ١/ ٩٢).
٤ - عكرمة مولى ابن عباس: هو أبو عبد الله البربري ثم المدني الهاشمي مولى ابن عباس، ولد سنة (٢٥) هجرية، روى عن مولاه وعائشة وأبي هريرة، وحدث عنهُ أيوب والحذاء وخلق، روى له الستة.
تلقى علمه على ابن عباس، وأخذ عنه القرآن والسنة، وكان ﵀ يقول. (لقد فسرت ما بين اللوحين -يعني دفتي المصحف-، وكل شيء أحدثكم في القرآن فهو عن ابن عباس).
وقال أيضًا: (طلبت العلم أربعين سنة، وكان ابن عباس يضع الكبل في رجلي على تعليم القرآن والسنن).
قال الشافعي ﵀: (ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة).
وكان الحسن إذا قدم عكرمة البصرة أمسك عن التفسير والفتيا، ما دام عكرمة بالبصرة، قاله قرة بن خالد.
وجاء في تعريفهِ في كتاب الأعلام: "عكرمة بن عبد الله البربري المدني، أبو عبد الله، مولى عبد الله بن عباس، تابعي، كان من أعلم الناس بالتفسير والمغازي، طاف البلدان، وروى عنه زهاء ثلاث مئة رجل، منهم أكثر من سبعين تابعيًا، وخرج إلى بلاد المغرب، فأخذ عن أهلها ثم عاد إلى المدينة المنورة، فطلبه أميرها فتغيَّبَ عنه حتى مات، وكانت وفاته بالمدينة هو والشاعر المشهور (كثير عزّة) في يوم واحد فقيل: "مات أعلم الناس، وأشعر الناس" (١).
توفي سنة (١٠٧) هجرية بالمدينة. (تذكرة الحفاظ للذهبي ١/ ٩٥).
стр. 17
٥ - طاووس بن كيسان اليماني: ولد سنة (٣٣) هجرية وتوفي سنة (١٠٦) هجرية، واشتهر بتفسير كتاب الله تعالى.
كان آية في الحفظ والنبوغ والذكاء، وآية في الورع والتقشف والصلاح، أدرك من الصحابة نحو خمسين صحابيًا، وتلقى العلم عنه خلق كثير، وقد كان عابدًا زاهدًا، ورد أنّه حجّ بيت الله الحرام أربعين مرة، وكان مستجاب الدعوة، قال فيهِ ابن عباس: (إني لأظن طاووسًا من أهل الجنة).
جاء في تعريفه في كتاب الأعلام: "طاووس بن كيسان الخولاني الهمداني، أبو عبد الرحمن، من أكابر التابعين تفقهًا في الدين، ورواية للحديث، وتقشفًا في العيش، وجرأة على وعظ الخلفاء والملوك، أصله من الفرس، ومولده ومنشؤه باليمن، توفي حاجًّا بالمزدلفة، وكان (هشام بن عبد الملك) حاجًّا تلكَ السنة فصلّى عليهِ، وكان يأبى القرب من الملوك والأمراء. قال ابن عيينة: متجنبو السلطان ثلاثة: أبو ذرّ، وطاووس، والثوري" (١).
٦ - عطاء بن أبي رباح: ولد سنة (٧٧) هجرية، وتوفي سنة (١١٤) هجرية. نشأ بمكة وكان مفتي أهلها ومحدثهم، وهو تابعي من أجلّاء الفقهاء، وكان ثبتًا ثقةً في الرواية عن ابن عباس (٢).
قال عنه الإمام أبو حنيفة النعمان: (ما لقيت أحدًا أفضل من عطاء بن أبي رباح).
وقال قتادة: (أعلم التابعين أربعة: عطاء بن أبي رباح أعلمهم بالمناسك، وسعيد بن جبير أعلمهم بالتفسير ... إلخ).
توفي ﵁ بمكة ودفن فيها عن (٨٧) سبع وثمانين سنة.
ثانيًا: المدرسة المدنية:
١ - أبي بن كعب: هو الصحابي الجليل الأنصاري من الخزرج، شهد العقبة وبدرًا وبقية المشاهد. وكانَ من كتبة الوحي والرسائل ومن حفظةِ القرآن الكريم وعلماء التفسير.
стр. 18
قال السيوطي في "الإتقان": (اشتهر بالتفسير من الصحابة عشرة: الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وأُبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير .. أما الخلفاء فأكثر من رُوي عنه منهم "علي بن أبي طالب" كرم اللهُ وجهه، والرواية عن الثلاثة قليلة جدًّا، وكأن السبب في ذلك تقدّم وفاتهم).
وفي صحيح البخاري عن مسروق قال: ذُكِرَ عبدُ الله بن مسعود عند عبد الله بن عمرو فقال: ذاكَ رجلٌ لا أزال أحِبُّهُ، سَمِعْتُ النبي ﷺ يقول: [خُذوا القرآن من أربعة (وفي رواية: استقرِئوا القرآن من أربعة): من عبد الله بن مسعود -فبدأ به- وسالمٍ مَوْلى أبي حُذيفة، ومعاذِ بنِ جَبَلٍ، وأُبَيّ بنِ كَعْبٍ] (١).
وفي صحيح البخاري -أيضًا- عن أنس بن مالك ﵁: [قال النبي ﷺ لأُبَيّ: إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة: ١] قال: وسمّاني؟ قال: نعم. قال: فبكى] (٢).
وفي سنن ابن ماجة من حديث أنس مرفوعًا: [وأقرؤهم لكتاب الله أُبَيّ بن كعب] (٣).
٢ - زيد بن أسلم: هو زيد بن أسلم العدوي العمري، يكنى (أبا أسامة) وهو فقيه محدّث من أهل المدينة، كان مع عمر بن عبد العزيز أيام خلافته، واستقدمه (الوليد بن يزيد) في جماعة من فقهاء المدينة إلى دمشق مستفتيًا في أمر، وكانَ ثقة كثير الحديث له حلقة كبيرة في المسجد النبوي الشريف، ولهُ كتاب في التفسير رواه عنهُ ولده (عبد الرحمن) وقد كان رجلًا مهيبًا، قال ابن عجلان: (ما هبت أحدًا قطّ هيبتي لزيد بن أسلم).
وكان (علي بن الحسين) يجلس إليه فيستمع له ويترك مجالس قومه، فقيل له في ذلك: تترك مجالس قومكَ إلى عبد عمر بن الخطاب (حيث كان مولى لعمر)! فقال عليّ: (إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه).
стр. 19
توفي ﵀ بالمدينة المنورة سنة (١٣٦) هجرية. (تذكرة الحفاظ للذهبي ١/ ٦٢).
٣ - أبو العالية الرياحي: هو رفيع بن مهران، وكنيتهُ أبو العالية، وهو مولى امرأة من بني رياح، وهو تابعي ثقة من أهل البصرة، اشتهر بالفقه والتفسير، رأى أبا بكر وقرأ القرآن على (أبي بن كعب) وغيره، وسمع من عمر، وابن مسعود، وعلي وعائشة، وغيرهم.
روي عنه أنه قال: (قرأت القرآن بعد وفاة نبيكم بعشر سنين).
وكان منذ حداثة سنِّه راغبًا في العلم، مكبًّا على طلبه، حتى نبغَ فيهِ وفاق الأقران وخاصة في التفسير، وقد كان ابن عباس ﵄ يرفعهُ على سريره وقريش أسفل منه، ويقول: (هكذا العلم يزيد الشريف شرفًا، ويجلسُ المملوك على الأسرّة).
توفي سنة (٩٣) هجرية عن عمر يناهز الثمانين، رحمه الله تعالى.
٤ - محمد بن كعب القرظي: هو محمد بن كعب القرظي، أبو حمزة المدني، من حلفاء الأوس، سكن الكوفة ثم المدينة، روى عن جمع غفير من الصحابة وخاصة عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود.
قال ابن سعد: (كان ثقة عالمًا كثير الحديث، ورعًا صالحًا).
وقال عون بن عبد الله: (ما رأيتُ أحدًا أعلم بتأويل القرآن منه).
ويذكر البخاري في سبب تسميته بـ "القرظي" أن أباه كان ممن لم ينبت يوم قريظة فترك، وذلكَ أن النبي ﷺ قتل الرجال من بني قريظة حينما خانوا العهود وغدروا بالرسول، فأمر بقتل مقاتلتهم وترك الأطفال والصبيان والنساء.
وقد كان من أفاضل أهل المدينة علمًا وفقهًا، وكان يحدّث في المسجد فسقط عليه السقف وعلى أصحابه، فمات تحت الهدم، وكان ذلكَ سنة (١١٧) هجرية، رحمه الله تعالى (١).
ثالثًا: المدرسة العراقية:
١ - عبد الله بن مسعود: هو من أعلام الصحابة الذين اشتهروا بالتفسير، ونقلوا لنا
стр. 20
آثار الرسول ﷺ وأقواله، وكان من السابقين إلى الإسلام.
أخرج الإمام أحمد وابن أبي شيبة بسند حسن عن عبد الله بن مسعود قال: [كنت غلامًا يافعًا أرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيط بمكة، فأتى عليّ رسول الله ﷺ وأبو بكر وقد فرّا من المشركين، فقال: يا غلام! هل عندكَ لبن تسقينا؟ قلت: إني مؤتمن ولستُ بساقيكما. قالا: فهل عندك من جذعة لم ينزُ عليها الفحل بعد؟ قلت: نعم، فأتيتهما بها، فاعتقلها أبو بكر وأخذ رسول الله ﷺ الضرع فدعا، فحفل الضرع، وأتاه أبو بكر بصخرة منقعرة، فحدب ثم شرب هو وأبو بكر ثم سقياني. ثم قال للضرع: اقلُص، فقلص.
فلما كان بعد أتيت رسول الله ﷺ ، قلت: علمني من هدا القول الطيب -يعني القرآن- فقال رسول الله ﷺ : إنك غلامٌ مُعَلَّم. فأخذتُ من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحدٌ] (١).
وفي سنن ابن ماجة بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود، أن أبا بكر وعمر بشراه أن رسول الله ﷺ قال: [مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرأَ القرآن غَضًّا كما أُنزل، فليقرأه على قراءة ابْن أُمِّ عَبْدٍ] (٢).
وكان خادم رسول الله ﷺ يُلبسه نعليه، ويمشي معه وكان صاحب طهوره، وكانَ أقرب الناس سَمْتًا وهَديًا ودلًّا بالنبي ﷺ ، ولهذه الصّلة الوثيقة برسول الله ﷺ فقد عدّوه من أعلم الصحابة بكتاب الله، ومعرفة محكمهِ ومتشابهه، وحلاله وحرامه.
قال السيوطي: (قد روي عن ابن مسعود في التفسير أكثر مما روي عن علي كرّم اللهُ وجهه .. روى الشيخان عنه أنه قال: والذي لا إله غيرهُ ما نزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلمُ أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله تعالى إلا وأنا أعلم فيم أنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه .. ). روى عنه كثير من التابعين.
٢ - مسروق بن الأجدع: هو مسووق بن الأجدع الهمداني، كوفي تابعي ثقة، من أصحاب ابن مسعود الذين نقلوا لنا هدي الرسول ﷺ .
وهو عابد فقيه يكنى (أبا عائشة) وقد اشتهر بالتفسير، ورواية الحديث. كان أبوه
стр. 21
أفرس فارس باليمن، وكان خاله (عمر بن معد يكرب) وقد تولى القضاء، فلم يكن يأخذ على القضاء رزقًا، وكان قانعًا زاهدًا راضيًا بما قسم الله، مع أنه كان صاحب عيال. جاءتهُ امرأتهُ يومًا فقالت: يا أبا عائشة: إنَّهُ ما أصبح اليوم لعيالك رزق، فتبسَّم ثم قال: والله ليأتينّهم الله برزق، فرزقه الله رزقًا واسعًا.
رُوي عنه أنه لقي (عمر بن الخطاب) فسأله ما اسمكَ؟ قال: مسروق بن الأجدع، فقال له عمر: الأجدع شيطان، أنت مسروق بن عبد الرحمن، فكان بعد ذلكَ يقول: أنا مسروق بن عبد الرحمن.
قال علي بن المديني شيخ البخاري: (ما أقدّم على مسروق من أصحاب عبد الله بن مسعود أحدًا، صلى خلف أبي بكر، ولقي عمر وعثمان).
شهد القادسية مع إخوتهِ الثلاثة، فقتلوا يومئذٍ بالقادسية، وجرح مسروق فشلّت يده، وله طريقة لطيفة في النصح والوعظ، خرج يومًا ومعه بعض تلامذته فارتقى بهم على كناسة في الكوفة فقال: (ألا أريكم الدنيا؟ هذه هي الدنيا، أكلوها فأفنوها، لبسوها فأبلوها، ركبوها فأنضوها، سفكوا فيها دماءهم، واستحلوا فيها محارمهم، وقطعوا فيها أرحامهم) (١).
سئل يومًا عن بيت شعر فقال: (أكره أن أرى في صحيفتي شعرًا).
٣ - الحسن البصري: هو الحسن بن يسار البصري، إمامُ أهل البصرة، وحبر الأمة في زمانه، يكنى (أبا سعيد) وهو أحد العلماء، والفصحاء، والشجعان، والنُسّاك، ولد بالمدينة المنوّرة، وشبّ في كنف (علي بن أبي طالب).
واستكتبه الربيع بن زياد والي خراسان في عهد معاوية فسكن البصرة، وعظمت هيبتهُ في القلوب، فكان يدخل على الولاة فيأمرهم وينهاهم، ولا يخاف في الحق لومة لائم، رأى مئة وعشرين صحابيًا، وكان من أفصح أهل البصرة وأعبدهم وأفقههم. حدث عن عثمان والمغيرة وابن عباس، وحدث عنه قتادة وأيوب وابن عون.
قال أيوب: (ما رأت عيناي رجلًا قطّ كان أفقه من الحسن البصري، كان يعي الحكمة وينطق بها، وكان إذا وعظ أبكى الحاضرين، كأنما كان في الآخرةِ ثم جاء منها فهو يخبر عمّا رأى وعاين، ولهذا فقد اشتهر بالوعظ، وكان رقيق القلب، فصيح اللسان).
стр. 22
وكان يحدث بالأحاديث النبوية فإذا حدّث عن (علي بن أبي طالب) لم يذكره خشية من بطش الحجاج.
ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة كتب إليهِ: إني قد ابتليت بهذا الأمر، فانظر لي أعوانًا يعينوني عليه، فأجابه الحسن: (أمَّا أبناءُ الدنيا فلا تريدهم، وأما أبناء الآخرةِ فلا يريدونكَ فاستعن بالله على أمرك) (١).
توفي بالبصرة سنة (١١٠) هجرية وله ثمان وثمانون سنة ودفن فيها ﵀ رحمة واسعة.
٤ - قتادة بن دعامة: هو أبو الخطاب السدوسي البصري، ولد في البصرة سنة (٦١) وتوفي سنة (١١٧) هجرية ومات وعمره (٥٥) سنة.
روى عن أنس بن مالك وسعيد بن المسيب، وجمع من الصحابة، وكان قوي الحفظ، شديد الذكاء. يروى عنه أنه قال: (ما قلت لمحدّث قط أعد عليّ، وما سمعت أذناي شيئًا إلا وعاه قلبي).
ويروى أنه دخل على (سعيد بن المسيب) فجعل يسألهُ أيامًا، وأكثر عليهِ من السؤال، فقال له سعيد: أكلّ ما سألتني عنه تحفظه؟ قال: نعم، فتعجب منه، فقال له قتادة: سألتك عن كذا، فقلت فيه كذا، وسألتكَ عن كذا، فقلتَ فيهِ كذا، حتى أورد عليهِ جميعَ ما سمعهُ منه، فقال له سعيد: (ما كنتُ أظنّ أن الله خلق مثلك). وقال عنه مرة: (ما أتاني عراقي أحسن من قتادة). وقرئت عليهِ مرة صحيفة جابر فحفظها (٢).
وقد كان ضريرًا فاقد البصر، حيث ولد وهو أعمى، ولكنه كان آية في الحفظ والنبوغ والذكاء، وكان أحمد بن حنبل يطنب في ذكره والثناء عليهِ، وينشرُ من علمه وفقهه، وكان إمامًا في التفسير والفقه، وروى له الستة.
قال أحمد بن حنبل: (قتادة عالم بالتفسير). ووصفه بالحفظ (٣) والفقه.
ولكنه أُخذ عليه أنه كان يأخذ عن كل أحدٍ، حتى قال فيهِ الشعبي: (قتادة حاطب
стр. 23
ليل). توفي سنة (١١٨) هجرية بالبصرة ودفن بها، وعمره خمس وخمسون سنة، ولما مات بكى عليه أهل البصرة.
٥ - عطاء الخراساني: هو عطاء بن أبي مسلم الخراساني، يكنى (أبا عثمان)، وكان مولده سنة (٥٠) ووفاته سنة (١٣٥) هجرية- كما ذكر الحافظ الأصبهاني. وكان ثقة صدوقًا، عابدًا زاهدًا، كثير العبادة والتبتل، كان يحيي الليل تهجدًا وصلاة.
روى عبد الرحمن بن يزيد أنهُ كان يحيي الليل صلاة، فإذا ذهب من الليل ثلثه أو نصفه نادانا يا فلان ويا فلان، قوموا فتوضؤوا وصلوا، فإن قيام الليل وصيام النهار أيسر من شراب الصديد (١).
وكان يحب نشر العلم، فإذا لم يجد أحدًا من تلامذته يحدّثه ذهب إلى المساكين فحدّثهم، خوفًا من الوعيد لكاتم العلم.
وقد اشتهر بالفقه والحديث والتفسير، وكان على غاية من الزهد والورع، رحمه الله تعالى.
٦ - مُرّة الهمذاني: هُوَ مُرّة بن شراحيل الهمذاني، أدرك عددًا من الصحابة غير قليل، ويكنى (أبا إسماعيل) وهو المعروف بمرة الطيب، ومرّة الخير، لقب بذلكَ لعبادته، كان عابدًا ورعًا، وزاهدًا صالحًا، وهو تابعي ثقة، توفي سنة (٧٦) هجرية، رحمه الله تعالى.
تراجم بقية المكثرين من التفسير
١ - كعب الأحبار: هو كعب بن ماتع الحميري من أوعية العلم ومن كبار أهل الكتاب، أسلم في زمن أبي بكر، وقدم في خلافة عمر فأخذ عن الصحابة الكتاب والسنة، وأخذ عنه بعض الصحابة والتابعين، توفي في خلافة عثمان. (تذكرة الحفاظ ١/ ٥٢).
وقد روى كعب الأحبار عن كتب وجدها، وقد كتبها بعض الإسرائيليين بأيديهم. ولذلكَ كان معاوية يقول عن كعب: (إن كنا لنبلو عليهِ الكذب). ونقل عن ابن عباس تكذيبه لكعب.
стр. 24
٢ - وهب بن منبه: هو الحافظ الصنعاني عالم اليمن. روى عن ابن عمر وابن عباس وجابر وغيرهم عنده علم أهل الكتاب وحديثه في الصحيحين والسنن إلا ابن ماجة. كان ثقة واسع العلم، توفي سنة (١١٤) هجرية.
فائدة: وهب بن منبه ثقة في رواية الحديث المرفوع، ولكن ما يرويه عن أهل الكتاب غير حجة، وليس ذلك من قبله، وإنما هو من قبل من أخبره به. وقد ذكر ابن كثير في سورة النمل عقب الآية (٤٤) ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ آثارًا عن أهل الكتاب ثم قال: (والأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب مما يوجد في صحفهم كروايات كعب الأحبار ووهب، سامحهما الله تعالى فيما نقلا إلى هذه الأمة من أخبار بنى إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب، مما كان ومما لم يكن، ومما حُرِّف وبُدِّل ونسخ، وقد أغنانا الله سبحانه عن ذلكَ بما هو أصح منه وأنفع وأبلغ، ولله الحمد والمنة).
٣ - مقاتل بن سليمان: هو مقاتل بن سليمان البلخي المفسر، روى عن مجاهد والضحاك، وروى عنه علي بن الجعد وخلق. قال ابن المبارك: (ما أحسن تفسيره لو كان ثقة). وقال الشافعي: (الناس عيال في التفسير على مقاتل). وقال البخاري: (سكتوا عنه). قال الذهبي: (وهو غير مقاتل بن حيان، فذاك ثقة) - الميزان للذهبي (٤/ ١٧٣).
٤ - الضحاك بن مزاحم: هو الضحاك بن مزاحم البلخي المفسر. قال ابن عدي: (إنما عرف بالتفسير، وأما رواياتهُ عن ابن عباس وأبي هريرة ففيها نظر، ووثقه أحمد وضعفهُ القطان).
وكان شعبة ينكر أن يكون لقي ابن عباس، ومع ذلكَ وثَّقَهُ يحيى وأحمد وأبو زرعة. (الميزان للذهبي ٢/ ٣٢٦).
٣ - الكَلبي: هو محمد بن السائب المفسر النسابة الأخباري، روى عن الشعبي وجماعة، وروى له الترمذي.
قال الثوري: اتقوا الكلبي. فقيل له: أنتَ تروي عنه. فقال: إنا أعرفُ صدقه من كذبه.
قال البخاري: قال المديني: قال الكلبي للثوري: كل ما حدثتك عن أبي صالح فهو كذب - يقصد عن أبي صالح عن ابن عباس.
стр. 25
قال ابن عدي: رضوه في التفسير، وأما الحديث فعنده مناكير.
وقال ابن حبان: كان سبائيًا -يقول بالرجعة لعلي. وقال أحمد بن زهير: قلت لأحمد: يحل النظر في تفسير الكلبي، قال: لا.
وقال ابن معين: غير ثقة. وكذبه الجوزجاني. وقال ابن حبان: يروي عن أبي صالح عن ابن عباس التفسير، وأبو صالح لم يرَ ابن عباس، ولا سمع الكلبي من أبي صالح إلا الحرف بعد الحرف، لا أحلُّ ذكره في الكتب فكيف الاحتجاج به. (الميزان للذهبي ٢/ ٥٥٦).
٦ - جويبر بن سعيد: هو البلخي المفسر صاحب الضحاك. روى له ابن ماجة. قال النسائي والدارقطني وغيرهما: متروك.
وقال يحيى القطان: تساهلوا في أخذ التفسير عن القوم لا تولعوهم في الحديث.
ثم قال: جويبر والضحاك والكلبي لا يحمد حديثهم ويكتب التفسير عنهم. (الميزان للذهبي ١/ ٤٢٧).
٧ - السدي الكبير: هو إسماعيل بن عبد الرحمن، ليس من شرط البخاري. روى عنه مسلم، وأصحاب السنن، وروى عن أنس وجماعة. وروى عنه الثوري وخلق وثَّقَه أحمد ولينه ابن معين، وقال ابن عدي: (هو عندي صدوق). ومرّ النخعي بالسدي، وهو يفسر لهم القرآن، فقال: أما إنه يفسر تفسير القوم. (الميزان للذهبي (١/ ٢٣٦). قلت: وقد روى مناكير كثيرة وإسرائيليات تالفة.
٨ - السدي الصغير: يروي عن الأعمش وغيرهُ، تركوه وبعضهم اتهمه بالكذب، وهو صاحب الكلبي. قال البخاري: (سكتوا عنه). (الميزان للذهبي ٤/ ٣٢).
٩ - النقاش: هو محمد بن الحسن الموصلي المقرئ المفسر، قرأ بالروايات ورحل وتعب واحتيج إليه. قال طلحة بن محمد الشاهد: كان النقاش يكذب في الحديث والغالب عليه القصص.
وقال أبو القاسم اللالكائي: (تفسير النقاش المسمى "شفاء الصدور" هو إشقاء الصدور) - الميزان للذهبي (٣/ ٥٢٠).
١٠ - الثعلبي: هو أحمد بن محمد أبو إسحاق النيسابوري المفسر، كان حافظًا
стр. 26
واعظًا رأسًا في التفسير والعربية متين الديانة، توفي سنة (٤٢٧) هجرية. (العبر للذهبي ٢/ ٢٥٥).
١١ - الواحدي: هو علي بن أحمد النيسابوري تلميذ الثعلبي، وأحد من برع في العلم. كان رأسًا في العربية، توفي سنة (٤٦٨) هجرية (العبر للذهبي (٢/ ٣٢٢). لكنه وشيخه أكثر من رواية الأحاديث الموضوعة.
قال ابن تيمية في منهاج السنة (٤/ ٤): (ما ينقله الثعلبي في تفسيره لقد أجمع أهل العلم بالحديث أنه يروي طائفة من الأحادبث الموضوعة وهكذا الواحدي تلميذه، وقد أجمع أهل العلم بالحديث على أنه لا يجوز الاستدلال بمجرد خبر يرويه الثعلبي والنقاش والواحدي وأمثالهم، لكثرة ما يروونه من الحديث- ويكون ضعيفًا بل موضوعًا).
стр. 27
أنواع التفاسير
١ - التفاسير اللغوية: وهي التفاسير التي ينصب فيها اهتمام أصحابها بإبراز جانب الإعراب والنحو ومسائله، ويُكثِر هؤلاء من الشواهد الشعرية والنثرية، ومن هؤلاء الزجاج والواحدي في كتابه "الوسيط" وأبو حيان (١) في "البحر المحيط"، والزمخشري (٢) في "الكشاف"، والنسفي (٣) -والذي هو تهذيب للكشاف-، وغير ذلك من التفاسير.
قلت: والمبالغة في كشف الحقائق اللغوية والوجوه الإعرابية غير مطلوب في منهاج النبوة، بل إنه في كثير من الأحيان يبعد أهل هذه المدرسة عن المقصود الشرعي من الآية أو الحكم الشرعي الدقيق الذي استقر عليهِ الفهم من الكتاب والسنة.
٢ - التفاسير العقلية والفلسفية: ومن ذلكَ تفسير "مفاتيح الغيب" للفخر الرازي (٤)، فقد أكثر من ذكر أقوال الفلاسفة والحكماء، وذكر شُبههم والرد عليهم. إلا أنه وقع له في أكثر من موضع أنه يقرر كلام أهل الأهواء بأدلة قوية ثم يردها أو ينتقدها بأدلة واهية وهذا مما أخذ عليه.
قلت: وتفسير القرآن بالرأي والعقل وعلم الكلام باب من أبواب الفتنة في الدين، وهو قول على الله بغير علم، وقد توعد الله في التنزيل الذين يقولون على الله ما لا يعلمون.
وروى أبو عبيد القاسم بن سلام عن أبي بكر، وقد سُئل عن قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً
стр. 28
وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١]، فقال: (أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لم أعلم).
وروى أبو عبيد عن عمر أنه تلا هذه الآية وقال: هذه الفاكهة عرفناها فما الأبّ؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: (إنّ هذا لتكلّف يا عمر). وروى عن مسلم بن يسار قال: (إذا حدثت عن الله فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده). وروى عن ابن المسيب أنه كان إذا سئل عن الحلال والحرام كانَ أعلم الناس، وإذا سئل عن آية سكت كأن لم يسمع. وروى الطبري عن ابن عباس قال: (التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب في كلامها. ووجه يعرفه كل الناس، ووجه لا يعلمه إلا العلماء، ووجه لا يعلمه إلا الله ﵎ ذكره).
٣ - التفاسير الفقهية: وهي كثيرة، وأكثرها جمعًا لمسائل الفقه ومباحثهِ تفسير القرطبي (١)، فإنه جمع فأوعى حيث سرد أقوال الفقهاء وأدلتهم بإنصاف وأمانة.
وهناك من التفاسير الفقهية كأحكام القرآن للجصاص الحنفي، وابن العربي المالكي، وتفسير آيات الأحكام للسايس. إلى غير ذلك.
قلت: ويؤخذ على هذا النوع من التفاسير غياب التحقيق الحديثي الفقهي المنهجي، فتكثر الأحاديث الضعيفة والواهية والموضوعة، وكثيرًا مما يعتمد على بعضها في الاستنباط وتقرير الأحكام الفقهية، الأمر الذي ينتج أبحاثًا فقهية ينقصها الدليل الصحيح والتحقيق العلمي الأصيل.
٤ - تفاسير المبتدعة: كتفسير الرمّاني والجبائي والقاضي عبد الجبار والزمخشري، فهؤلاء من المعتزلة، وقد قرّروا فيها أفكارهم ومعتقداتهم، ومنها تفسير محيي الدين بن عربي والذي قرر فيهِ مذهب الباطنية الحلولية، فجعل لكل آية بطنًا وظهرًا، وألغى ظواهر الكتاب وعَطّلها، وأتى فيها بما لم يسبق إليه، ومن طالعه وطالع "الفتوحات المكية" و"الفصوص" أدركَ ذلك.
قلت: والكلام في القرآن دون تثبت أو دليل صحيح أمر خطير وفتنة في الدين، فكيفَ بتعطيل ظواهر الآيات أو إلغائها وقد أنزل الله القرآن بلسان عربي مبين!
روى أبو عبيد بسنده عن الشعبي عن مسروق قال: (اتقوا التفسير فإنما هو الرواية
стр. 29
عن الله). قال الشعبي: (والله ما من آية إلا وقد سألت عنها، ولكنها الرواية عن الله . وروى ابن جرير بسنده إلى عبيد الله بن عمر قال: (لقد أدركت فقهاء المدينة وإنهم ليعظمون القول في التفسير).
٥ - التفاسير التاريخية: وذلكَ كتفسير الثعلبي (١) والخازن (٢) وغيرهما، ممن يكثر من القصص وذكر أخبار الأمم السالفة.
قلت: ويكثر في هذا النوع من التفاسير القصص الواهية والأخبار الهزيلة والتفاصيل المأخوذة من الإسرائيليات وغير ذلك، الأمر الذي يجعلها بحاجة إلى النظر والتحقيق. ويصعب الأمر في الحكم على بعضها لإيرادها دون سند، كما يكثر ذلكَ في تفسير الخازن المسمى "لباب التأويل في معاني التنزيل". وكذلكَ فإن الثعلبي قد أورد في تفسيره قصصًا إسرائيلية نهاية في الغرابة، بل منها ما هو باطل قطعًا.
يقول ابن تيمية عنه: (الثعلبي في نفسه فيه خير ودين، ولكنه حاطب ليل). (أصول التفسير ص ١٩)،
٦ - التفاسير بالمأثور: وذلكَ كتفسير الطبري، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والسمرقندي والبغوى وابن عطية وابن مردويه وابن كثير، وكذلك تفسير "زاد المسير" لابن الجوزي و"الدر المنثور" للسيوطي.
أشهرها تفسير الطبري، واسمه "جامع البيان في تفسير القرآن"، ومؤلفه هو ابن جرير الطبري، وكنيته (أبو جعفر) ولد سنة (٢٢٤) هجرية، وتوفي سنة (٣١٠) هجرية، وكتابهُ من أجل التفاسير بالمأثور، وأصحها وأجمعها لأقوال الصحابة والتابعين، ويعتبر المرجِع الأول للمفسرين، قال النووي: (كتاب ابن جرير في التفسير لم يصنّف أحدٌ مثله).
قلت: ومع تميزه في الاعتماد على أقوال النبي ﷺ والصحابة والتابعين وعرضه للأسانيد والروايات وترجيحهِ بينها وإحاطته بالناسخ والمنسوخ من الآيات وذكره لوجوه الإعراب واستنباط الأحكام الشرعية من الآيات، إلا أنه يذكر أحيانًا أخبارًا بأسانيد غير صحيحة، كما يسوق بعض أخبار هي من (الروايات الإسرائيلية)، ويرجّح أحيانًا
стр. 30
ما جاءت السنة الصحيحة بخلافه، ويفتقر أحيانًا أخرى إلى الأحاديث الصحيحة الواردة في مفهوم بعض الآيات.
ويليه في الشهرة تفسير ابن كثير، واسمه "تفسير القرآن العظيم"، ومؤلفه هو الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي، وكنيتهُ (أبو الفداء). ولد سنة (٧٠٠) هجرية، وتوفي سنة (٧٧٤) هجرية. "لقد كان ابن كثير ﵀ جبلًا شامخًا، وبحرًا ذاخرًا، في جميع العلوم، وخاصة في التاريخ والحديث والتفسير، وكان إمامًا جليلًا مُتَفنّنًا في أسلوب الكتابة والتأليف. قال عنه الذهبي. (الإمامُ المفتي، المحدّث البارع، فقيه متفنّن، محدّث متقن، مفسّر نقّال، وله تصانيف مفيدة).
وتفسير ابن كثير هو من أشهر ما دوّن في التفسير بالمأثور، ويعتبر الكتاب الثاني بعد كتاب الطبري، اعتنى فيه مؤلفه بالرواية عن مفسّري السلف، فروى الأحاديث والآثار مسندة إلى أصحابها وتكلّم عن بعضها بالجرح والتعديل، وردّ ما كان منها منكرًا أو غير صحيح.
وطريقته في التفسير أنه يذكر الآية، ثم يفسرها بعبارة سهلة موجزة، ويأتي لها بشواهد من آيات أخرى ومما تيسّر من السنة العطرة.
يقول الحافظ ابن كثير في مقدمة تفسيره: (فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: إن أصح الطرق في ذلكَ أن يُفَسَّر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان، فقد بسط في موضع آخر، فإن أعياكَ ذلكَ، فعليكَ بالسنة، فإنها شارحةٌ للقرآن وموضحة له، وإذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة، رجعنا في ذلكَ إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلكَ لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي خُصُّوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح).
قلت: ومع تميّز تفسير ابن كثير في منهجه الأصيل، إلا أنهُ وقع فيما وقع به غيره من سرد بعض الإسرائيليات المطولة، وبعضها منكرة، وإيراد مجموعة من الأحاديث الضعيفه أو الواهية عقب سيل من الأحاديث الصحيحة التي تغني المعنى وتكفيهِ بالفهم والوضوح. إضافة إلى تشعّب الفهم لبعض الآيات أحيانًا نتيجة لتشعب الروايات والأقوال، وخاصة أن بعض هذه الأقوال معارض أحيانًا لتفسير النبي ﷺ الثابت بصحيح السنة العطرة.
* * *
стр. 31
منهج التفسير عند الراسخين من المفسرين وأئمة العلم من الصحابة والتابعين
أما بعد: الحمد لله الذي تفضل على عباده فعرفهم غاية الخلق وطرق النجاة وسبل السلام، فبعث للناس رسلًا يبلغون عنه معنى الأمن في الدنيا والآخرة وزوّدهم لأجل ذلكَ بالحُجَج والبيان، ثم ختم فيهمَ سبحانه الرسالة والنبوة بإمام وقائد الأمم محمد ﵊، وجعل أمته أمة القيادة في الأرض والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتقود الأمم إلى شاطئ النجاة والأمان، وحفظ اللهُ قرآنهُ وعلومهُ وتفسيره وكذلك هدي نبيّهِ بقادة وعلماء من ذرية هذه الأمة وبأئمةٍ كرام، فكانوا سَيْفًا مسلطًا على أعداء الأمة المحاولين العبث بالدين والتطاول والادعاء في تأويله في كل زمان، فقد قال الله جل ثناؤه في سورة آل عمران: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤) إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ١ - ٨].
فعَنْ ابن عباس ﵁ قال: (أما الآيات المحكمات فهن الناسخات التي يعمل بهن، وأما المتشابهات فهن المنسوخات). وقيل: المحكم ما لم يحتمل من التأويل غير وجه واحد، والمتشابه ما احتمل من التأويل أوجهًا.
وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ قال محمد بن جعفر بن الزبير: (أي ميل عن الهدى). وقال مجاهد: (أي شك). ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ قال ابن عباس: (فيحملون المحكم على المتشابه، والمتشابه على المحكم، ويلبِّسون فلبَّسَ الله عليهم). وقوله: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ قال مجاهد: (الشبهات بها أهلكوا). ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ ليناسب أهواءهم
стр. 32
وما ذهبوا إليه. وقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. قيل: قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ تمَّ ثم تستأنف بما بعده ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ يقولون آمنا بالمحكم والمتشابه كل من عند الله. وقيل: بل الراسخون يعلمون تأويله ومع علمهم يقولون آمنا به.
فقد رُوي عن ابن عباس قوله: (أنا ممن يعلم تأويله).
وروسوخ الشيء في الشيء ثبوته وولوجه فيه، كذا في لغة العرب، فكان منهجُ الراسخين في العلم في الأمة رد المتشابه إلى المحكم، وليس ضرب الآيات بعضها ببعض من غير علم، كما يقعل أهل الأهواء اليوم أو غير الراسخين من طلبة العلم.
يروي الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة وضي اللهُ عَنْهُ عن النبي ﷺ قال: [يكون في آخر الزمانِ دجّالون كذّابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإيّاهم، لا يُضِلّونَكُم ولا يفتنونكم] (١).
فحذَّر صلوات الله وسلامه عليه من ظهور دعاة الخرافة والتفسير بالضلال والجهل القاصم، دون رسوخ في العلم وبقواعده وأصوله ذات الأسس والأركان والدعائم. فقد أخرج الإمامُ أحمد في المسند المسند صحيح عن عقبة بن عامر الجهني، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [هلاك أمتي في الكتاب واللّبن، قالوا: يا رسول الله ما الكتاب واللبن؟ قال: يتعلمون القرآن فيتأولونه على غير ما أنزل الله ، ويحبون اللَّبن فيدعون الجماعات والجمعَ، ويبدون] (٢). أى يذهبون إلى البادية والمراعي من أجل اللبن، كناية عن اهتمامهم بالدنيا أكثر من أمر الله والآخرة.
قال الإمام الطحاوي ﵀: (ولا نجادل في القرآن ونعلم أنه كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين، فعلمه سيد المرسلين محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وكلام الله تعالى لا يساويهِ شيء من كلام المخلوقين) (٣).
وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: [سمعت رجلًا قرأ آية سمعت رسول الله ﷺ يقرأ خلافها فأخذت بيده فانطلقت به إلى رسول الله ﷺ
стр. 33
فذكرت ذلك لهُ فعرفت في وجهه الكراهة وقال: كلاكما محسن، لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا] (١).
فلا نجادل في القرآن بإلقاء الشبهات كما يفعل أهل الزيغ ليدحضوا الحق، بل لا بد من التكلم بعلم ورسوخ عند مدارسته ومحاولة فهمه، وكذلكَ لا نجادل في القراءة الثابتة بل نقرؤه كما ثبت وصح، وقيل إن ترتيب السور لم يكن واجبًا عليهم منصوصًا، لذا فترتيب مصحف عبد الله غير الترتيب العثماني، أما ترتيب آيات السور فمنصوص عليه.
وقد بلغ الأمر أن يفسر للأمة اليوم قرآنها، متطرف له غاية أو مصلحة، أو معاصر لم يُتّهم يومًا بالعلم أو الصلاح، بل ماضيه ملطّخ بالفساد والجهل والتخبط والسفاح. فقد أخرج الإمام أحمد في المسند عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: [لقد جلست أنا وأخي مجلسًا ما أحب أن لي به حُمْرَ النَّعَمِ، أقبلت أنا وأخي وإذا مَشْيخة من صحابة رسول الله ﷺ جلوس عند باب من أبوابه، فكرهنا أن نفرق بينهم، فجلسنا حَجْرةً، إذ ذكروا آية من القرآن فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم، فخرج رسول الله ﷺ مُغْضبًا قد احمرّ وجهُهُ يرميهم بالتُراب ويقول: مَهْلًا يا قوم بهذا أُهْلِكَت الأمَمُ من قبلكم باختلافهم على أنبيائهم، وضربهمُ الكتبَ بعضها ببعض، إن القرآن لَمْ يَنْزِل يُكَذِّبُ بعضُه بعضًا، بل يُصَدّقُ بعضه بعضًا، فما عرفتم منهُ فاعملوا بهِ، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه] (٢).
واللهُ جل ثناؤه قد حرم على الأمة القول بغير علم. فقال في سورة الأعراف: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].
وقال في سورة الإسراء: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].
وقال في سورة الحج: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ
стр. 34
مُنِيرٍ (٨) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: ٨ - ٩].
وفي الصحيحين عن عائشة عن النبي ﷺ قال: [إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم] (١).
وفي جامع الترمذي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : [ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليهِ إلا أوتوا الجدل ثم تلا: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾] (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مقدمة التفسير: (يجب أن يُعْلَمَ أن النبي ﷺ بين لأصحابه معاني القرآن كما بين لهم ألفاظه، فقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ يتناول هذا وهذا، وقد قال عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن: كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا، ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة، وقال أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جل في أعيننا، وأقام ابن عمر على حفظ البقرة عدة سنين، قيل ثمان سنين ذكره مالك. قال: وذلكَ أن الله تعالى قال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، وقال: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن. وكذلكَ قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وعقل الكلام متضمن لِفهمه).
قلت: فمنهج التفسير للقرآن عند الراسخين في العلم يتضمن القواعد والأصول التالية:
أولًا: تفسير النص بالنص: فقوله سبحانه: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ يفسره قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾.
وقوله جل ثناءه في سورة إبراهيم: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ يشبه قوله تعالى في سورة الشورى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ
стр. 35
تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ قوله في سورة المائدة: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. قال شيخ الإسلام: (فكان القرآن هو الإمام الذي يُقتدى به ولهذا لا يوجد في كلام أحد من السلف أنه عارض القرآن بعقل ورأي وقياس ولا بذوق ووجد ومكاشفة، ولا قال قط قد تعارض فيهِ هذا العقل والنقل فضلًا عن أن يقول: فيجب تقديم العقل).
ثانيًا: تفسير القرآن بالحديث:
فقوله سبحانه في سورة الصف: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. يفسره ما في صحيح مسلم عن أسامة بن زيد ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: [يؤتى بالرجل يوم القيامة فيُلقى في النار فتندلق أقتاب (١) بطنهِ فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان ما لك! ؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ ! فيقول: بلى، كنت آمرُ بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عَنْ المُنْكَر وآتيه] (٢).
قال شيخ الإسلام ﵀: (ومما ينبغي أن يعلم أن القرآن والحديث إذا عرف تفسيره من جهة النبي ﷺ لم يُحْتَجْ في ذلكَ إلى أقوال أهل اللغة، فإنه قد عرف تفسيره وما أُريدَ بذلك. ثم قال: ولهذا قال الفقهاء: الأسماء ثلاثة أنواع: نوع يعرف حده بالشرع كالصلاة والزكاة، ونوع يعرف حده باللغة كالشمس والقمر، ونوع يعرف حدّه بالعرف كلفظ القبض ولفظ المعروف في قوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: ولم يكن السلف يقبلون معارضة الآية إلا بآية أخرى تفسرها وتنسخها، أو بسنة الرسول ﷺ تفسرها، فإن سنة رسول الله ﷺ تبين القرآن وتدل عليه وتعبر عنه وكانوا يسمون ما عارض الآية ناسخًا لها.
стр. 36
وقال في موضع آخر: والنقل يعني القرآن والحديث وأقوال الصحابة والتابعين. قال: ولا فيهم (أي في سلف الأمة وعلمائها) من يقول: إن لهُ ذوقًا أو وجدًا أو مخاطبة أو مكاشفة تخالف القرآن والحديث، فضلًا عن أن يدعي أحدهم أنه يأخذ من حيث يأخذ الملك الذي يأتي الرسول، وأنهُ يأخذ من ذلكَ المعدن علم التوحيد، والأنبياء كلهم يأخذون عن مشكاته) الفتاوى- مقدمة التفسير (٢٩).
ثالثًا: تفسير النص بأسباب النزول: فقوله في سورة يس: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ مفسّر بما روى الترمذي وابن ماجة بإسناد جيد عن ابن عباس ﵁ قال: [كانت الأنصار بعيدةً منازلهم من المسجد، فأرادوا أن يقتربوا، فنزلت: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ فثبتوا] (١).
وقوله سبحانه في سورة البقرة: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، مفسّر بما أخرج الإمام أحمد في المسند عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه قال: [جاء إلى رسول الله ﷺ وقال: كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي؟ فأنزل الله : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، فقال رسول الله ﷺ : من السائل عن العمرة؟ فقال: أنا، فقال ألق ثيابك واغتسل واستنشق ما استطعت وما كنتَ صانعًا في حجتك فاصنع في عمرتك] (٢).
وقوله جل ثناؤه في سورة البقرة: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ مفسّر بما روى الإمام البخاري في صحيحه أسباب النزول لهذه الآية عن كعب بن عُجْرة قال: [وقفت على رسول الله ﷺ بالحديبية ورأسي يتهافت قمْلًا. فقال: يؤذيك هوامُّكَ (٣). قلت: نعم. قال: فاحلق رأسكَ قال: فيّ نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ إلى آخرها، فقال النبي ﷺ كما في رواية: ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا، أما تجد شاة؟ قلت: لا.
стр. 37
قال: صُمْ ثلاثة أيامٍ أو أطعم ستةَ مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك] (١).
رابعًا: التفسير برد المتشابه إلى المحكم:
فقد قال جل ثناؤه في سورة آل عمران: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
فقوله سبحانهُ في سورة الحديد: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ مفسّر برده إلى المحكم ليفهم معنى المعيّة لله التي تليق بجلالهِ وبكماله كما في سورة طه: ﴿قَال لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾، فهو معهم سبحانهُ بصفاته وبعلمهِ لا بذاته، فهو الرحمن قد استوى على العرش ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
وكذلكَ قولهُ في سورة البقرة يحكي عن بني إسرائيل لما أمرهم: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾. فإذا عدنا إلى المحكم في السنة فهمنا ما تشابه علينا من القرآن، فقد أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [قيل لبني إسرائيل ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ فبدّلوا، فدخلوا يزحفون على أستاهِهمْ، وقالوا: حبَّة في شعيرة] (٢). استهزاء منهم وسخرية بأمر الله فأخزاهم الله في الدنيا وأوعدهم نيرانه في الآخرة.
خامسًا: التفسير بأقوال الصحابة ومن سمع منهم من التابعين:
فلفهم قوله سبحانه في سورة البقرة: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، تقرأ في صحيح مسلم عن ابن عمر ﵁ قال: [كان رسول الله ﷺ يصلي وهو
стр. 38
مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه وفيه نزلت ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾] (١).
وإذا مررت بقول الله سبحانه في سورة الطور: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ قرَأْتَ في تفسير الإمام الطبري بسند صحيح عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: [إن الله ليرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونهُ في العمل لتقرّ بهم عينه، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. قال: هم ذرية المؤمن يموتون على الإيمان، فإن كانت منازل آبائهم أرفع من منازلهم ألحقوا بآبائهم ولم ينقصوا من أعمالهم التي عملوها شيئًا] (٢).
قلت: ويعضده ويقويه ما روى الإمام أحمد في المسند والبيهقي بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الرجل لترفع درجته في الجنة، قيقول: أنّى لي هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك لك] (٣).
قال شيخ الإسلام في مقدمة التفسير (الفتاوى: ١٣/ ٣٣٢): (ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، فالقرآن أولى بذلك، وأيضًا فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابًا في فن من العلم، كالطب والحساب، ولا يستشرحوه، فكيف بكلام الله الذي هو عصمتهم، وبه نجاتهم وسعادتهم، وقيام دينهم ودنياهم؟ ولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلًا جدًّا، وهو وإن كان في التابعين أكثر منهُ في الصحابة فهو قليل بالنسبة إلى من بعدهم، وكلما كان العصر أشرف كان الاجتماع والائتلاف والعلم والبيان فيهِ أكثر، ومن التابعين من تَلَقَّى جميع التفسير عن الصحابة، كما قال مجاهد: عرضت المصحّف على ابن عباس أوقفهُ عند كل آية منه وأسأله عنها، ولهذا قال الثوري: إذا جاءكَ التفسير عن مجاهد فحسبك به، ولهذا يعتمد على تفسيره
стр. 39
الشافعي والبخاري وغيرهما من أهل العلم، وكذلكَ الإمام أحمد وغيره ممن صنف في التفسير يكرر الطرق عن مجاهد أكثر من غيره.
قال: والمقصود أن التابعين تلقوا التفسير عن الصحابة كما تلقوا عنهم علم السنة، وإن كانوا قد يتكلمون في بعض ذلكَ بالاستنباط والاستدلال، كما يتكلمون في بعض السنن بالاستنباط والاستدلال).
ولما سئل: فما أحسن طرق التفسير أجاب: (إن أصح الطرق في ذلكَ أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه فسر في موضع آخر، وما اختصر من مكان فقد بسط في موضع آخر، فإن أعياك ذلكَ فعليكَ بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، ولهذا قال رسول الله ﷺ : (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) يعني السنة، قال: والسنة أيضًا تنزل عليه بالوحي كما ينزل القرآن، لأنها تتلى كما يتلى. ثم قال: وحينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلكَ إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلكَ لما شاهدوه من القرآن، والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، ولا سيما علماؤهم وكبراؤهم، كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين: (مثل عبد الله بن مسعود) قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: حدثنا أبو كريب، قال أنبأنا جابر بن نوح، أنبأنا الأعمش عن أبي الضُّحا عن مسروق قال: قال عبد الله -يعني ابن مسعود-: والذي لا إله غيرهُ، ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته. وقال الأعمش أيضًا عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن.
قال ومنهم الحبر البحر "عبد الله بن عباس" ابن عم رسول الله ﷺ وترجمان القرآن، ببركة دعاء رسول الله ﷺ حيث قال: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل". وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، أنبأنا وكيع، أنبأنا سفيان عن الأعمش عن مسلم عن مسروق، قال: قال عبد الله -يعني ابن مسعود-: نعم ترجمان القرآن ابن عباس. (ثم
стр. 40
ذكر رواية أخرى): نعم الترجمان للقرآن ابن عباس. ثم قال: وقد مات ابن مسعود في سنة ثلاث وثلاثين على الصحيح، وعمَّر بعدهُ ابن عباس ستًّا وثلاثين سنة، فما ظنك بما كسبه من العلوم بعد ابن مسعود؟ وقال الأعمش عن أبي وائل: استخلف عليٌّ عبد الله بن عباس على الموسم فخطب الناس فقرأ في خطبته سورة البقرة، وفي رواية سورة النور، ففسرها تفسيرًا لو سمعتهُ الروم والترك والديلم لأسلموا. قال: ولهذا غالب ما يرويه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير في تفسيره عن هذين الرجلين: ابن مسعود وابن عباس، ولكن في بعض الأحيان ينقل عنهم ما يحكونه من أقاويل أهل الكتاب التي أباحها رسول الله ﷺ حيث قال: (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو، ولهذا كان عبد الله بن عمرو قد أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك، ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد، فإنها على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح.
والثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه.
والثالث: ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه وتجوزُ حكايته لما تقدم).
قلت: ويشهد لهذا ما روى أبو داود وابن حبان والإمام أحمد بإسناد صحيح عن ابن أبي نَمْلَةَ الأنصاري عن أبيهِ قال: كنتُ عند النبي ﷺ إذ دخل عليهِ رجل من اليهود فقال: يا محمد أتُكلَّم هذه الجنازة؟ فقال النبي ﷺ : الله أعلم. فقال اليهودي: أنا أشهد أنها تكلم. فقال النبي ﷺ : [ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا: آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان حقًّا لم تكذبوهم، وإن كان باطلًا لم تصدقوهم]. ويشهد له ما في الصحيحين: [إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تكذبوهم ولا تصدقوهم ولكن قولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم] (١).
ولكن غالب ما جاء من هذه الإسرائيليات مما لا فائدة منهُ، فلكم خاضوا في أشياء سكت الله عنها ولو شاء لأعلم الناس بها، وكم سودوا في كتبهم من الأخبار عن الأنبياء