← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقال في موضع آخر: والنقل يعني القرآن والحديث وأقوال الصحابة والتابعين. قال: ولا فيهم (أي في سلف الأمة وعلمائها) من يقول: إن لهُ ذوقًا أو وجدًا أو مخاطبة أو مكاشفة تخالف القرآن والحديث، فضلًا عن أن يدعي أحدهم أنه يأخذ من حيث يأخذ الملك الذي يأتي الرسول، وأنهُ يأخذ من ذلكَ المعدن علم التوحيد، والأنبياء كلهم يأخذون عن مشكاته) الفتاوى- مقدمة التفسير (٢٩). ثالثًا: تفسير النص بأسباب النزول: فقوله في سورة يس: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ مفسّر بما روى الترمذي وابن ماجة بإسناد جيد عن ابن عباس ﵁ قال: [كانت الأنصار بعيدةً منازلهم من المسجد، فأرادوا أن يقتربوا، فنزلت: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ فثبتوا] (١). وقوله سبحانه في سورة البقرة: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، مفسّر بما أخرج الإمام أحمد في المسند عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه قال: [جاء إلى رسول الله ﷺ وقال: كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي؟ فأنزل الله : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، فقال رسول الله ﷺ : من السائل عن العمرة؟ فقال: أنا، فقال ألق ثيابك واغتسل واستنشق ما استطعت وما كنتَ صانعًا في حجتك فاصنع في عمرتك] (٢). وقوله جل ثناؤه في سورة البقرة: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ مفسّر بما روى الإمام البخاري في صحيحه أسباب النزول لهذه الآية عن كعب بن عُجْرة قال: [وقفت على رسول الله ﷺ بالحديبية ورأسي يتهافت قمْلًا. فقال: يؤذيك هوامُّكَ (٣). قلت: نعم. قال: فاحلق رأسكَ قال: فيّ نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ إلى آخرها، فقال النبي ﷺ كما في رواية: ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا، أما تجد شاة؟ قلت: لا.

стр. 37

قال: صُمْ ثلاثة أيامٍ أو أطعم ستةَ مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك] (١). رابعًا: التفسير برد المتشابه إلى المحكم: فقد قال جل ثناؤه في سورة آل عمران: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. فقوله سبحانهُ في سورة الحديد: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ مفسّر برده إلى المحكم ليفهم معنى المعيّة لله التي تليق بجلالهِ وبكماله كما في سورة طه: ﴿قَال لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾، فهو معهم سبحانهُ بصفاته وبعلمهِ لا بذاته، فهو الرحمن قد استوى على العرش ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وكذلكَ قولهُ في سورة البقرة يحكي عن بني إسرائيل لما أمرهم: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾. فإذا عدنا إلى المحكم في السنة فهمنا ما تشابه علينا من القرآن، فقد أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [قيل لبني إسرائيل ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ فبدّلوا، فدخلوا يزحفون على أستاهِهمْ، وقالوا: حبَّة في شعيرة] (٢). استهزاء منهم وسخرية بأمر الله فأخزاهم الله في الدنيا وأوعدهم نيرانه في الآخرة. خامسًا: التفسير بأقوال الصحابة ومن سمع منهم من التابعين: فلفهم قوله سبحانه في سورة البقرة: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، تقرأ في صحيح مسلم عن ابن عمر ﵁ قال: [كان رسول الله ﷺ يصلي وهو

стр. 38

مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه وفيه نزلت ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾] (١). وإذا مررت بقول الله سبحانه في سورة الطور: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ قرَأْتَ في تفسير الإمام الطبري بسند صحيح عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: [إن الله ليرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونهُ في العمل لتقرّ بهم عينه، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. قال: هم ذرية المؤمن يموتون على الإيمان، فإن كانت منازل آبائهم أرفع من منازلهم ألحقوا بآبائهم ولم ينقصوا من أعمالهم التي عملوها شيئًا] (٢). قلت: ويعضده ويقويه ما روى الإمام أحمد في المسند والبيهقي بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الرجل لترفع درجته في الجنة، قيقول: أنّى لي هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك لك] (٣). قال شيخ الإسلام في مقدمة التفسير (الفتاوى: ١٣/ ٣٣٢): (ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، فالقرآن أولى بذلك، وأيضًا فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابًا في فن من العلم، كالطب والحساب، ولا يستشرحوه، فكيف بكلام الله الذي هو عصمتهم، وبه نجاتهم وسعادتهم، وقيام دينهم ودنياهم؟ ولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلًا جدًّا، وهو وإن كان في التابعين أكثر منهُ في الصحابة فهو قليل بالنسبة إلى من بعدهم، وكلما كان العصر أشرف كان الاجتماع والائتلاف والعلم والبيان فيهِ أكثر، ومن التابعين من تَلَقَّى جميع التفسير عن الصحابة، كما قال مجاهد: عرضت المصحّف على ابن عباس أوقفهُ عند كل آية منه وأسأله عنها، ولهذا قال الثوري: إذا جاءكَ التفسير عن مجاهد فحسبك به، ولهذا يعتمد على تفسيره

стр. 39

الشافعي والبخاري وغيرهما من أهل العلم، وكذلكَ الإمام أحمد وغيره ممن صنف في التفسير يكرر الطرق عن مجاهد أكثر من غيره. قال: والمقصود أن التابعين تلقوا التفسير عن الصحابة كما تلقوا عنهم علم السنة، وإن كانوا قد يتكلمون في بعض ذلكَ بالاستنباط والاستدلال، كما يتكلمون في بعض السنن بالاستنباط والاستدلال). ولما سئل: فما أحسن طرق التفسير أجاب: (إن أصح الطرق في ذلكَ أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه فسر في موضع آخر، وما اختصر من مكان فقد بسط في موضع آخر، فإن أعياك ذلكَ فعليكَ بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، ولهذا قال رسول الله ﷺ : (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) يعني السنة، قال: والسنة أيضًا تنزل عليه بالوحي كما ينزل القرآن، لأنها تتلى كما يتلى. ثم قال: وحينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلكَ إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلكَ لما شاهدوه من القرآن، والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، ولا سيما علماؤهم وكبراؤهم، كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين: (مثل عبد الله بن مسعود) قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: حدثنا أبو كريب، قال أنبأنا جابر بن نوح، أنبأنا الأعمش عن أبي الضُّحا عن مسروق قال: قال عبد الله -يعني ابن مسعود-: والذي لا إله غيرهُ، ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته. وقال الأعمش أيضًا عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن. قال ومنهم الحبر البحر "عبد الله بن عباس" ابن عم رسول الله ﷺ وترجمان القرآن، ببركة دعاء رسول الله ﷺ حيث قال: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل". وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، أنبأنا وكيع، أنبأنا سفيان عن الأعمش عن مسلم عن مسروق، قال: قال عبد الله -يعني ابن مسعود-: نعم ترجمان القرآن ابن عباس. (ثم

стр. 40

ذكر رواية أخرى): نعم الترجمان للقرآن ابن عباس. ثم قال: وقد مات ابن مسعود في سنة ثلاث وثلاثين على الصحيح، وعمَّر بعدهُ ابن عباس ستًّا وثلاثين سنة، فما ظنك بما كسبه من العلوم بعد ابن مسعود؟ وقال الأعمش عن أبي وائل: استخلف عليٌّ عبد الله بن عباس على الموسم فخطب الناس فقرأ في خطبته سورة البقرة، وفي رواية سورة النور، ففسرها تفسيرًا لو سمعتهُ الروم والترك والديلم لأسلموا. قال: ولهذا غالب ما يرويه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير في تفسيره عن هذين الرجلين: ابن مسعود وابن عباس، ولكن في بعض الأحيان ينقل عنهم ما يحكونه من أقاويل أهل الكتاب التي أباحها رسول الله ﷺ حيث قال: (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو، ولهذا كان عبد الله بن عمرو قد أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك، ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد، فإنها على ثلاثة أقسام: أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح. والثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه. والثالث: ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه وتجوزُ حكايته لما تقدم). قلت: ويشهد لهذا ما روى أبو داود وابن حبان والإمام أحمد بإسناد صحيح عن ابن أبي نَمْلَةَ الأنصاري عن أبيهِ قال: كنتُ عند النبي ﷺ إذ دخل عليهِ رجل من اليهود فقال: يا محمد أتُكلَّم هذه الجنازة؟ فقال النبي ﷺ : الله أعلم. فقال اليهودي: أنا أشهد أنها تكلم. فقال النبي ﷺ : [ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا: آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان حقًّا لم تكذبوهم، وإن كان باطلًا لم تصدقوهم]. ويشهد له ما في الصحيحين: [إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تكذبوهم ولا تصدقوهم ولكن قولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم] (١). ولكن غالب ما جاء من هذه الإسرائيليات مما لا فائدة منهُ، فلكم خاضوا في أشياء سكت الله عنها ولو شاء لأعلم الناس بها، وكم سودوا في كتبهم من الأخبار عن الأنبياء

стр. 41

صلوات الله وسلامه عليهم مما لا يليق بمقام النبوة والوحي والرسالة، فنسبوا لداود ﵇ التعلق بنساء بعض جنوده حتى دفعه إلى أرض القتال فقتل فتزوج امرأته، ونسبوا لسليمان ﵇ قصصًا من العشق والغرام مع بلقيس ملكة سبأ، ونسبوا ليوسف صلوات الله وسلامه عليه حكايات من الحب والمراهقة مع امرأة العزيز وما تأدبوا مع أكرم الخلق والذرية وهو نبي ابن نبي ابن نبيّ، كما خاضوا في أسماء أهل الكهف ولون كلبهم وعدتهم، وخاضوا في عصا موسى من أي الشجر كانت؟ وفي نوع الشجرة التي كلم الله منها موسى ﵇ إلى غير ذلكَ مما أبهمه الله في القرآن مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم فضلًا عن أخراهم. سادسًا: التفسير بمعرفة الناسخ والمنسوخ: ومثال ذلك، ما جاء في صحيح الإمام البخاري عن زيد بن أرقم قال: [كنا نتكلم في الصلاة يكلم أحدنا أخاه في حاجتهِ حتى نزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت] (١). وفي المسند للإمام أحمد وكذلكَ عند الطبراني ورجالهُ رجال الصحيح عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ قال: [كانوا يتكلمون في الصلاة يجيء خادم الرجل إليهِ فيكلمه بحاجتهِ وهو في الصلاة فنهوا عن الكلام] (٢). وكذلكَ في سورة الأنفال قوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ فقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵁ قال: [لما نزلت ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ شق ذلكَ على المسلمين حين فرض ألا يفر واحد من عشرة، فجاء التخفيف فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾] (٣). سابعًا: التفسير بالسياق والسباق: فقوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ ليس المقصود بالسلطان العلم كما زعم

стр. 42

بعض المعاصرين ووجهوا الآية إلى الاكتشافات العلمية الحديثة، وظنوا أن الإنسان اخترق بها أقطار السماوات والأرض! ولا أدري إلى أين يخترقها؟ بل ما زال هو وعلومه التي فرح بها ضمن أقطار السماوات والأرض التي يحكمها الله ويهيمن عليها. وسبب هذا التجرؤ على التفسير الجهل بعلوم القرآن وبيانه ومنهج التأويل الذي ارتضاه الله لكتابه ومضى عليه نبيه ﷺ وأصحابه والتابعون لهم بإحسان. والباحث في القرآن في سورة الرحمن يجد أن هذه الآية جزءٌ من سياق آيات تتحدث عن ما بعد الموت ومشهد الحشر وأهوال القيامة، فهي تبدأ من قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ إلى أن يقول سبحانه: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾. فهو خطاب تحد من الله يعقبه قوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾. وكأنه يقول لهم سبحانه وقد اجتمعوا إليه في أرض المحشر: اهربوا الآن إن استطعتم ولكن أين المفر: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾. ثم قال: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾. وقال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٤٥]. قال الحافظ ابن كثير عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ قال: (أي لا تستطيعون هربًا من أمر اللهِ وقدره، بل هو محيط بكم، لا تقدرون على التخلص من حكمه، ولا النفوذ عن حكمه فيكم، أينما ذهبتم أُحيط بكم. وهذا في مقام المحشر، الملائكة مُحْدِقَةٌ بالخلائق، سبع صفوف من كل جانب، فلا يقدر أحد على الذهاب ﴿إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ أي: إلا بأمر الله). وقال ابن عباس: (الشواظ هو لهب النار). وقال مجاهد: (النحاس: الصفر، يُذاب فيُصَبُّ على رؤوسهم). فيكون المعنى: لو ذهبتم هاربين يوم القيامة لردتكم الملائكة والزبانية بإرسال اللهب من النار والنحاس المُذاب عليكم لترجعوا، ولهذا قال: ﴿فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾. ثامنًا: التفسير باللغة العربية: فالقرآن كلام عربي أنزلهُ الله بلغة العرب، فإن تعذر فهم كلمة أو آية وفق قواعد

стр. 43

المنهج السابقة فيستأنس بفهم العرب لجذور هذه الكلمة ولمفهوم البيان المراد. فقوله تعالى في سورة النور: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ فإن الإرْب والإربة في لغة العرب الحاجة، فيكون المعنى: غير أصحاب الحاجة إلى النساء والقدرةِ على ملامستهن. قال سعيد بن جبير: (هو المعتوه). وقوله تعالى في سورة الأحقاف: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ قال أهل اللغة: (والعارض: السحاب يعترض في الأفق. وقوله ممطرنا: أي مُمطِرٌ لنا لأنه معرفة لا يجوز أن يكونَ صفة لعارضٍ وهو نكرة). وقوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ما مفهوم كان هنا هل هي للماضي فلا يكون غفورًا رحيمًا الآن؟ ! قال أهل اللغة: (كان لها حالات مختلفة، منها: أ- ناقصة: وتحتاج إلى خبر. ب- تامة: بمعنى حدث ووقع ولا تحتاج إلى خبر، كقولكَ: أنا أعرِفه مُذ كان: أي مذ خُلق، وكقولكَ: ما شاء الله كان. ج- وقد تقع زائدة للتأكيد كقولك: كان زيد منطلقًا ومعناه زيْدٌ منطلقٌ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. وكذلك قوله تعالى في سورة الفتح: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. فقال سبحانه "عليهُ" بالضم وليس (عليهِ) بالكسر. وقد سألت والدي عنها يومًا -وهو من أعمدة الاختصاص بالنحو والصرف في هذا الزمان- فقال لي: (الياء في "عليه" عند النحويين حاجز غير حصين، أي يحفظ حركة اللام، لتضم الهاء بعدها، نحو "كتابَهُ" فاعتبروا الياء غير موجودة. ثم إن لفظ "عليه" في الآية حين تصبح "عليهِ الله" لفظ رقيق، أما "عليهُ الله" ففيه تفخيم للفظ الجلالة، فهي عملية نغمية إيقاعية ترتيلية، وهي وإن كانَ لغة يجوز "عليهِ" بالكسر، لكن هنا جاءت للتفخيم وإظهار قوة العهد مع الله سبحانهُ فلا يجوز مخالفة قراءتها إلى اللغة). وأما ترك هذا المنهج في التفسير واللجوء إلى شاذ اللغة من بين الأوجه الكثيرة، أو اللجوء إلى العقل وما يتصور من تصورات كبيرة أو صغيرة، أو التفسير بالفلسفة

стр. 44

وما فيها من خيالات وشطحات خطيرة، فهو منهج الدمار الذي لحق بالمسلمين، وهو منهج التفلت والخصوع للأهواء والشهوات ليأتي التفسير بذلكَ تخبطًا وليفرز إلى واقع الحياة إسلامًا لا تكاليف فيه، ودينًا متماشيًا مع مغريات الحياة والاختلاط وتفلت الناس من كل قيد، وتحكيم الشهوات والملذات غير المنضبطة عن طريق إلقاء الشبهات والكلام في القرآن بغير علم، وما زالت الأمة تدفع الثمن إلى يومنا هذا بسبب محاولة عزل منهج النبوة عن واقع الحياة. وقد ذهب الإمام الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وسفيان وجميع أئمة الحديث إلى إن علم الجدل والكلام بدعة وحرام، محتجين بقوله ﵇ الذي رواهُ مسلم عن ابن مسعود: [هلك المتنطعون]-أي المتعمقون بالبحث والاستقصاء دون منهج ومثل أعلى- وكلما بَعُدَ العهد، ظهرت البدع وكثر التحريف الذي سمّوهُ تأويلًا ليُقبل منهم، وَقَلَّ من يهتدي للفرق بين التحريف والتأويل، وهنا راج الفساد. وقد بدأ التخلف في الأمة يوم أصغى بعض المسلمين إلى شبه المبطلين وخاضوا في الكلام المذموم الذي حذّر منه وعابه السلف ونهوا عن النظر فيه والاشتغال به وبعلومه أو الإصغاء إليهِ امتثالًا لأمر ربهم جل ثناؤه في سورة الأنعام: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ فإن معنى الآية يشملهم. وإنما الواجب على الأمة وعلمائها وقادتها، العلم بما جاء به النبي ﷺ فهو كافٍ وكامل، ويدخلُ فيه كل حق ولا تنقصه حكمة ولا فائدة ولا وجه من وجوه الخير، وإنما وقع التقصير في كثير من المنتسبين إليه فلم يعلموا ما جاء بهِ وسول الله ﷺ في كثير من الأمور الغيبية وإلإيمانية، ولا في كثير من المسائل العبادية، ولا في كثير من مسائل الإمارة والحكم بالشريعة في مختلف الأحوال السياسية، ولم يخصصوا الوقت لذلكَ لفهم المنهج الذي حفظه الله في معرفة دلالات وتفاسير آياته القرآنية والنصوص النبوية، بل فُتِنوا بالأجنبي وفنونه كما فتنت الأمة اليوم بهِ، وأصبحت خجلة من دينها وأَصولها، يحاول أبناؤها تطعيم الإسلام وأصوله وأحكامه بمستجدات الواقع الفاسد وانحرافه يريدون ألا يشعروا بالغربة، ولسان حالهم يقول: إن الإسلام يتسع لكل الفنون ولكل ألوان الحضارة، وَلَيْتَهُم فرقوا بذلكَ بين ما يرضي الله وبين ما يسخطه، فإذا ظهر في الحياة ما يخدم الإسلام ومستقبله رحب به الشرع ما دام كان سبيله مشروعًا، وإذا ظهر من الصرعات و"الموضات" ما تخدم الشيطان وأهواء أتباعهِ أغلق الإسلام عليهِ بابه تعففًا وترفعًا، فإن الطهارة لا تشبه النجاسة.

стр. 45

فعن أبي يوسف ﵀ أنه قال لبشر المريسي الفقيه المعتزلي المبتدع: (العلم بالكلام هو الجهل، والجهل بالكلام هو العلم، وإذا صار الرجل رأسًا في الكلام قيل زنديق، أو رمي بالزندقة). وكان أبو يوسف ﵀ أيضًا يقول: (من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب غريب الحديث كذب). وقد صح الخبر عن الإمام الشافعي ﵀ أنه كان يقول: (حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام). وقال: (لقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظننت مسلمًا يقوله، ولأن يبتلى العبد بكل ما نهى اللهُ عنه -ما خلا الشرك بالله- خيرٌ له من أن يبتلى بالكلام). وقال: كل العلوم سوى القرآن مشغلة ... إلا الحديث وإلا الفقه في الدين العلم ما كان فيهِ قال حدثنا ... وما سوى ذاكَ وسواس الشياطين وقال آخر: أيها المغتدي ليطلب علمًا ... كل علم عبدٌ لعلم الرسول تطلب الفرع كي تصحح أصلًا ... كيف أغفلت علم أصل الأصول وقال آخر: العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين الحديث وبين قول فقيه وقال آخر: وقدم أحاديث الرسول ونصّه ... على كل قول قد أتى بإزائه فإن جاء رأي للحديث معارض ... فللرأي فاطرح واسترح من عنائه فهل مع وجود البحر يكفي تيمم ... لمن ليس معذورًا لدى فقهائه وهل يوقِدُ الناس المصابيح للضيا ... إذا ما أتى ردء الضّحا بضيائه سلامي على أهل الحديث فإنهم ... مصابيح علم بل نجوم سمائه ومن يكن الوحي المطهر عِلْمُهُ ... فلا ريب في توفيقه واهتدائه * * *

стр. 46

خصائص القرآن الكريم وفضائله القرآن الكريم هو آخر كتاب من الله تعالى إلى عباده، أنزلهُ على نبيِّه محمد ﷺ وحيًا، فيهِ ذكر صفات الله سبحانه ومحامده، وفيه خبر الخلق وخبر الأمم الماضية ونبأ الدار الآخرة، وفيه أحكام الشريعة وضوابط التقوى والفصل بين الحلال والحرام، فصلًا مجملًا مُبَيَّنًا تفسيرهُ وتفصيله في سنة النبي ﷺ وهديه وسيرته، وهو أكبر معجزة في الأرض إلى قيام الساعة. ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [ما من الأنبياء من نبي إلا وقد أُعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة] (١). و من صفاته: ١ - إنه يأتي يوم القيامة شافعًا لأهله يحاج عن صاحبه . فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامةِ شفيعًا لأصحابه] (٢). وفي جامع الترمذي ومستدرك الحاكم بسند حسن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [يجيء القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب حَلِّهِ، فَيُلْبَسُ تاجَ الكرامة، ثم يقول: يا رب زده، فَيُلْبس حُلَّةَ الكرامة، ثم يقول: يا رب ارضَ عنه، فيرضى عنه فيقول: اقرأ وارق ويُزاد بكل آية حسنة] (٣). وله شاهد عند الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: [يُقال -يعني لصاحب القرآن-: اقرَأ وارْقَ

стр. 47

وَرَتّلْ كما كُنْتَ تُرَتِّلُ في الدنيا، فإن مَنْزِلتَكَ عِنْدَ آخر آيةٍ تقرأ بها] (١). ٢ - القرآن شديد التفلّت فلا بد من تعاهده . ففي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ قال: [تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفسُ محمدٍ بيدهِ لهو أشد تفلتًا من الإبل في عُقُلِها]. وفي روايةٍ: [تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده، لهو أشد تفصيًا من قلوب الرجال من الإبل مِن عقلها] (٢). أي: تعاهدوه بالمحافظة على قراءته وتلاوته ومذاكرته، والعُقُل: جمع عقال، وهو حبل يشد به البعير في وسط الذراع. وللحديث طريق آخر عند الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: [تعلموا كتاب الله وتعاهدوهُ واقتنوه وتغنوا به، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتًا من المخاض في العقل] (٣). ولهذا نصح ﵊ صاحب القرآن بملازمته، بالقيام به بالليل والنهار لئلا ينساه. فقد أخرج ابن نصر في "قيام الليل" بإسناد صحيح عن نافع عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: [إذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإن لم يقم به نسيه] (٤). وفي المسند للإمام أحمد، بإسناد حسن عن أبي سعيد الخدري أن رجلًا جاءه فقال: أوصني، فقال: سألت عما سألت عنه رسول الله ﷺ من قبلك: [أوصيكَ بتقوى الله تعالى فإنه رأسُ كل شيء، وعليكَ بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله تعالى وتلاوة القرآن، فإنه رَوْحُكَ في السماء، وذكركَ في الأرض] (٥).

стр. 48

٣ - القرآنُ خير ما تُغني به وحُسِّنَ له الصوت . فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا وجمالًا، ويزدادُ المستمع له تأثرًا، فيزدادُ القلبُ بذلكَ تعلقًا وخشية. ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: [ما أذِنَ الله لشيءٍ ما أذِنَ لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به] (١). أي: ما استمع الله لشيء من كلام الناس كما استمع لمن يتغنى بالقرآن، وهو إشارة إلى الرضى والقبول. وفي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁: [أن رسول الله ﷺ قال له: لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود. فقال أبو موسى: لو علمت مكانكَ لحبَّرت لكَ تحبيرًا] (٢). وأصل الزمر الغناء، والمراد الصوت الحسن، وآل داود هو داود نفسه، وقوله: لحبَّرتُ: يريد تحسين الصوت وتحزينه. وفي سنن أبي داود بسند صحيح عن البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [زينوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسنَ يزيدُ القرآن حُسْنًا] (٣). وكذلكَ روى أبو داود عن أبي لبابة ﵁ أن النبي ﷺ قال: [من لم يتغنَّ بالقرآن فليس منا] (٤). وأخرج ابن ماجة والدارمي والطبراني بسند جيد عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : [إنَّ من أحسن الناس صوتًا بالقرآن الذي إذا سمعتموهُ يقرأ حسبتموه يخشى الله] (٥). وفي رواية: [الذي إذا سمعتهُ يقرأ رأيت أنه يخشى الله].

стр. 49

وقد سالت دموع رسول الله ﷺ على خدَّيه الشريفين يوم طلب من ابن مسعود أن يقرأ عليه القرآن، فقرأ عليه قراءة عطرة ذرفت لها عيناه. ففي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: [قال لي النبي ﷺ : اقرأ عليَّ القرآن، فقلت: يا رسول الله أقرأ عليكَ وعليك أُنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعهُ من غيري. فقرت عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ قال: حسبك الآن، فالتفت إليه فإذا عيناهُ تذرفان] (١). ٤ - القرآن خير ما تعلَّم المسلم وعلَّم، وأجر ذلك أعلى الأجور . فقد أخرج البخاري في صحيحه عن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [خيركم من تعلم القرآن وعلَّمه] (٢). وفي صحيح مسلم عن عقبة بن عامر قال: [خرج رسول الله ﷺ ونحن في الصُّفَّة (٣)، فقال: أيُّكم يحبُّ أن يغدو كلَّ يوم إلى بُطحانَ أو العقيق فيأتي بناقتين كَوماوَين في غير إثم ولا قطع رحم؟ فقلنا: يا رسول الله! كلنا يحب ذلك. فقال: أفلا يغدو أحدُكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خير له من ناقة أو ناقتين، وثلاثٌ خيرٌ له من ثلاث، وأربعٌ خير له من أربع، ومن أَعْدادِهنّ من الإبل] (٤). وفيه أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [أيحبُّ أحدُكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاثَ خَلِفاتٍ عظامٍ سمانٍ؟ قلنا: نعم. قال: فثلاثُ آياتٍ يقرأ بهن أحدكم في صلاتهِ خيرٌ لهُ من ثلاث خَلِفاتٍ عظامٍ سِمَانٍ] (٥). ٥ - القرآنُ مصدر الثروة في الأجر، ويرفع الله به ذكر القائم به العامل بمنهاجه . ففي جامع الترمذي بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 50

[مَنْ قَرَأَ حرفًا من كتاب الله فَلَهُ به حَسَنَةٌ، والحَسَنَةُ بِعَشْر أَمثالِها، لا أقولُ: ﴿الم﴾ حَرْفٌ، ولكِنْ ألف حَرْفٌ، ولام حرفٌ، وميم حرفٌ] (١). وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إنَّ الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضَعُ به آخرين] (٢). وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : [لا حسد إلا على اثنين: رجُلٌ آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجلٌ آتاه الله مالًا، فهو يُنفقُ منه آناء الليل وآناء النهار] (٣). وفيها عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : [مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأُتْرُجَّةِ، ريحُها طيب، وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو، ومثلُ المنافق الذي يقرأ القرآن مثلُ الرَّيْحَانَةِ، ريحها طيب وطعمها مُرٌّ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح وطعمها مُرٌّ] (٤). وفي الصحيحين وسنن أبي داود والترمذي عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : [الماهر بالقرآن مع السَّفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويَتَتَعْتَعُ فيه، وهو عليه شاق، له أجران] (٥). ٦ - القرآن سبب القوة في حياة المسلمين . فهو سر العزة التي ملأت على المؤمنين حياتهم، وسرُّ الشجاعة التي يورثها القيام به في الليل في قلوبهم، وسِرُّ الخوف الذي يعتري عدوهم فيحسب لهم ألف حساب. فقد أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي شريح الخزاعي قال: [خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: أبشروا أبشروا، أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟

стр. 51

قالوا: نعم. قال: فإن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به، فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدًا] (١). ٧ - نزول القرآن على سبعة أحرف رحمة بجميع المسلمين . فإن القرآن نزل مراعيًا لغات العرب ولهجاتهم رحمة بهم، وهذا من إعجاز هذا الكتاب. قال البخاري ﵀: (أُنزِلَ القرآن على سبعة أحرف). ثم روى عن عبيد الله بن عبد الله أنَّ عبد الله بن عباس حَدَّثه: أنَّ رسول الله ﷺ قال: [أقرأني جبريل على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف] (٢). وفي صحيح مسلم عن أُبيِّ بن كعب: [أنّ النبي ﷺ كان عِنْدَ أضاة (٣) بني غِفارٍ قال: فأتاهُ جبريلُ ﵇ فقال: إنَّ الله يأمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ القُرآنَ عَلَى حَرْفٍ. فقال: أسأل الله معافاتَهُ ومَغْفِرَتَهُ، وإِنَّ أمتي لا تُطيقُ ذلكَ. ثم أتاهُ الثانية فقال: إنَّ الله يأمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ القرآن على حرفين. فقال: أسألُ الله معافاتَهُ ومَغْفِرَتَهُ، وإنَّ أمتي لا تُطيقُ ذلك. ثم جاءه الثالثة فقال: إنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ القرآنَ على ثَلاثة أحرف. فقال: أسألُ اللهَ معافاتَهُ ومَغْفِرِتَهُ، وإنَّ أُمَّتي لا تطيق ذلك. ثم جاءه الرابعة: فقال: إنَّ الله يَأْمُرُكَ أَنْ تَقَرَأَ أُمَّتُكَ القرآنَ عَلَى سَبعة أحرفٍ، فَأَيُّمَا حَرْفٍ قَرؤوا عليهِ، فقد أصابوا] (٤). وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أبي كعب قال: [لقي رسول ﷺ جبرئيل: فقال: يا جِبْرَئيلُ، إني بُعِثْتُ إلى أُمَّةٍ أُمِّيين، مِنْهم العجوز، والشيخُ الكبيرُ، والغلامُ، والجاريةُ، والرجلُ الذي لم يقرأ كتابًا قطُّ، قال: يا محمدُ إِنَّ القرانَ أُنزِلَ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ] (٥). قال الطحاوي في "مشكل الآثار" (٤/ ١٨١ - ١٩١): (إنما كانت السَّعةُ للناس في

стр. 52

الحروف لعجزهم عن أخذ القرآن على غير لغاتهم، لأنهم كانوا أُمِّيين لا يكتب إلا القليل منهم، فلما كان يشق على كل ذي لغة أن يتحوَّل إلى غيرها من اللغات، ولو رام ذلكَ لم يتهيأ له إلا بمشقة عظيمة، فوُسِّعَ لهم في اختلاف الألفاظ إذ كان المعنى متفقًا، فكانوا كذلك حتى كثر منهم من يكتب وعادت لغاتهم إلى لسان رسول الله ﷺ ، فقدروا بذلكَ على تحفُّظ ألفاظه، فلم يسعهم حينئذ أن يقرؤوا بخلافها). ٨ - تكريم الله تعالى والدي صاحب القرآن يوم القيامة بتعليم ولدهما القرآن . فقد أخرج الطبراني في الأوسط بسند حسن عن أبي هريرة مرفوعًا: [يجيء القرآنُ يومَ القيامةِ كالرجلِ الشاحب يقولُ لصاحبه: هل تعرفُني؟ أنا الذي كنتُ أُسْهِرُ ليلكَ، وأُظْمِيءُ هواجِرَكَ، وإِنّ كلّ تاجرٍ من وراء تجارته، وأنا لك اليومَ من وراء كلِّ تاجرٍ، فَيُعطى المُلْكَ بيمينه، والخُلْدَ بشمالهِ، ويوضع على رأسهِ تاجُ الوقار، ويكسى والداهُ حُلّتين لا تقوم لهم الدنيا وما فيها، فيقولان: ياربِّ! أنّى لنا هذا؟ فيقال: بتعليم ولدكما القرآن. وإنّ صاحب القرآن يقال لهُ يوم القيامة: اقْرأ وارقَ في الدرجات، ورتّلْ كما كُنْتَ تُرتلُ في الدنيا، فإنّ منزلكَ عندَ آخرِ آيةٍ معكَ] (١). * * *

стр. 53

١ - سورة الفاتحة وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٧). وكلماتها (٢٥) كلمة، وحروفها (١١٣) حرفًا، ويقال لها فاتحة الكتاب، وبها تفتح القراءة في الصلوات. فضائلها وما ورد في ذكرها: لقد ورد في ذكر فضل هذه السورة العظيمة أحاديث من السنة الصحيحة العطرة: الحديث الأول: أخرج الإمام البخاري في صحيحه في كتاب التفسير عن أبي سعيد بن المعَلَّى ﵁ قال: [كُنْتُ أُصَلِّي في المسجد، فدعاني رسول الله ﷺ فلَمْ أُجِبْهُ، فقلتُ: يا رسول الله إني كنتُ أصلي، فقال ألم يقل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ثم قال لي: لأُعَلِّمَنَّكَ سورة هي أعظمُ السور في القرآن، قبل أن تخرج من المسجد. ثم أخذ بيدي، فلما أرادَ أن يخِرج، قلتُ له: ألم تقل: لأُعلمنكَ سورة هي أعظم سورة في القرآن. قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾: هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيتهُ] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: [انطلق نفر من أصحاب رسول الله ﷺ في سفرة سافروها، حتى نزلوا على حيّ من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبوا أن يضيفوهم، فَلُدِغَ سيد ذلكَ الحي، فسعوا له

стр. 54

بكل شيء لا ينفعهُ، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا، لعلهم عندهم بعض شيء، فأتوهم فقالوا: أيها الرهط! إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعهُ شيء، فهل عند أحد منكم شيء؟ قال بعضهم: إني والله لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق لكم، حتى تجعلوا لنا جعلًا، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه ويقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ فكأنما نشط من عقاله، فانطلق يمشي وما بهِ قَلَبَةٌ، فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، وقال بعضهم: اقسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبي ﷺ ، فنذكر له الذي كان فننظر الذي يأمرنا، فقدموا على النبي ﷺ فذكروا له فقال: وما يُدريكَ أنها رُقْيَة؟ ثم قال: قد أصبْتُمْ اقْسِمُوا واضرِبوا لي معكم سهمًا]. ذكره في باب النفث بالرقية. وفي رواية له في باب الرُّقَى بفاتحة الكتاب، قال أبو سعيد: [ .... فقالوا إنكم لم تَقْرُونا ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جُعلًا، فجعلوا لهم قطيعًا من الشاء، فجعل يقرأ بأمِّ القرآن ويجمعُ بُزاقهُ ويتفل فبرأ، فأتوا بالشاء فقالوا: لا نأخذه حتى نسأل النبي ﷺ ، فسألوه فضحك وقال: وما أدراكَ أنَّها رُقيَة، خذوها واضرِبوا لي بِسَهْم]. وفي رواية: [فأمر لهُ بثلاثين شاة وسقانا لبنًا]. وذكره في باب الشرط في الرقية بِقطيع من الغنم، عن ابن عباس: [أن نفرًا من أصحاب النبي ﷺ مَرّوا بماء فيهم لديغٌ أو سليم، فعرضو، لهم رجل من أهل الماء فقال: هل فيكما راق؟ إنِ في الماء رجلًا لديغًا أو سليمًا، فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاءٍ فبَرأ، فجاء بالشاء إلى أصحابه، فكرهوا ذلك، وقالوا: أخذت على كتاب الله أجرًا حتى قدموا المدينة فقالوا: يا رسول الله! أخذ على كتاب الله أجرًا، فقال رسول الله ﷺ : إنَّ أحقَّ ما أَخَذْتُمْ عليهِ أجرًا كِتابُ الله] (١). قلت: فيه دليل أن المعلوم لديهم أن أخذ المال على قراءة القرآن حرام في غير الرقية كما فهم الصحابة رضوان الله عليهم حيق قالوا لنبيهم ﷺ : (أخذ على كتاب الله أجرًا)، وبما سمعوا من كتاب الله تعالى قوله: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، فليحذر الذين اتخذوا تلاوة القرآن صنعة لهم يلبون حاجات الناس إلى ذلك في المآتم والأحزان، ويشاركونهم جهلهم في الدين وفي تعاملهم مع كلام الله العظيم.

стр. 55

وأما قوله في رواية أخرى: [ .. فجاءت جاريةٌ، فقالت إن سيد الحي سليم وإن نفرنا غيب فهل منكم راق]، فإن العرب تقول للديغ سليمًا، يسمونه بذلكَ تفاؤلًا. الحديث الثالث: روى مسلم في صحيحه في كتاب فضائل القرآن، عن ابن عباس ﵄ قال: [بينما جبريل قاعد عند النبي ﷺ سمع نقيضًا من فوقه، فرفع رأسه، فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم، لم يفتح قطُّ إلا اليوم، فنزل منه ملك فقال: هذا مَلَكٌ نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم وقال: أبشِر بنورين أوتيتهما، لم يؤتهما نبيٌّ قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لم تقرأ بحرف منهما إلا أُعْطِيْتَهُ] (١). والمقصود: أي أعطيت ثوابهُ وأعطاكَ الله ما اشتمل عليهِ من الدعاء. الحديث الرابع: روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: [من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثًا غير تمام]. فقيل لأبي هريرة إنا نكون خلف الإمام فقال: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: [قال الله : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله: أثنى علي عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قالِ الله: مجدني عبدي، وقال مرة: فوض إلي عبدي، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدى ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل] (٢). الحديث الخامس: روى أحمد عن عبد الله بن جابر البياضي قال: [انتهيت إلى رسول الله ﷺ وقد اهراق الماء، فقلت: السلام عليكَ يا رسول الله، فلم يرد علي، قال: فقلتُ: السلامُ عليكَ يا رسول الله فلم يرد علي، قال: فقلتُ: السلامُ عليكَ يا رسول الله، فلم يرد علي، قال: فانطلق رسول الله ﷺ يمشي وأنا خلفه حتى دخل رحله، ودخلت أنا المسجد، فجلستُ كئيبًا حزينًا، فخرج علي رسول الله ﷺ وقد تطهر فقال: عليكَ السلام ورحمة الله وبركاته، وعليك السلام ورحمة الله وبركاته،

стр. 56

وعليك السلام ورحمة الله، ثم قال: ألا أخبرك يا عبد الله بن جابر بأخيرِ سورة في القرآن؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: اقرأ الحمدُ لله رب العالمين حتى تختمها] (١). الحديث السادس: روى الترمذي عن أبي هريرةَ عن النبي ﷺ قال: [والذي نفسي يدهِ، ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها إنها السبع المثاني] (٢). الحديث السابع: روى أبو داود في سننه بإسناد صحيح عن خارجةَ بن الصلت عن عمه قال: [أتيت النبي ﷺ فأسلمت، ثم رجعت فمررت على قوم، عندهم رجل مجنون موثق بالحديد، فقال أهلهُ: إنا حُدِّثنا أن صاحبك هذا قد جاء بخير، فهل عندكَ شيء تداويه؟ فرقيته بفاتحة الكتاب فبرأ، فأعطوني مئة شاة، فأتيت النبي ﵊، فأخبرته، فقال: هَلْ إلَّا هذا؟ وفي رواية: هل قلتَ غيرَ هذا؟ قلت: لا، قال خُذْهَا فَلَعَمْري لَمَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةِ باطل، لقد أكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَق] (٣). وفي رواية أخرى لأبي داود وكلاهما في كتاب الطب قال: -يعني عم خارجة-: [أقبلنا على من عند النبي ﷺ ، فأتينا على حي من العرب: عندكم دواء؟ فإن عندنا معتوهًا في القيود، جاؤوا بالمعتوه في القيود، فقرأت عليهِ فاتحة الكتاب ثلاثة أيام، غدوة وعشية أجمع بزاقي ثم أتفل. فكأنما نشط من عقال. فأعطوني جعلًا، فقلت: لا، فقالوا: سل النبي ﷺ فسألته فقال: كُلْ لَعَمْري مَنْ أكل برقية باطل، لقد أكلت برقية حقٍّ].

стр. 57

موضوع السورة منهاج الدين الحق - منهاج السورة - ١ - حمد الله وتمجيده والثناء عليه بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا. ٢ - إثبات المعاد إلى الله وتسمية ذلكَ اليوم بيوم الدين. ٣ - إرشاد الله عباده إلى سؤاله والتضرع إليه والتبرؤ من حولهم وقوتهم، وإلى إخلاص العبادة له، وتوحيده بالألوهية، وتنزيهه أن يكون له شريك أو نظير أو مماثل. ٤ - توجيه الله تعالى عباده لسؤاله الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو دينه القويم، والثبات عليهِ حتى يقضي لهم بذلكَ إلى جواز الصراط يوم القيامة إلى جنات النعيم، آمنين فيها خالدين، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. ٥ - الترغيب في الأعمال الصالحة ليكونوا من أهلها يوم الحساب، والتحذير من مسالك الشيطان ودروب أهل الباطل لئلا يحشروا تحت لواء أهلها أهل العقاب: المغضوب عليهم والضالين المستحقين للعذاب. ٦ - إسناد الإنعام إلى الله سبحانه، والضلال والغضب إلى فاعليه، تأدبًا مع الله ﷻ ، مع أن الكل من عند الله.

стр. 58

تفسير الاستعاذة وحكمها الاستعاذة: هي الالتجاء إلى الله تعالى والالتصاق بجنابه من شَرِّ كُلِّ ذي شَرّ، فهي استعانة بالله، واعتراف له بالقدرة، وللعبد بالضعف والعجز عن مقاومة هذا الشيطان اللعين إلا بإذن الله. والشيطان يشمل شيطان الإنس والجن، وسُمِّيَ بذلكَ لأنه مشتق من شَطَنَ إذا بَعُدَ، فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر، وبفسقه عن كل خير. وقيل: من شاط لأنه مخلوق من نار، والأول أصح، وعليه يدل كلام العرب. وقال سيبويه: (العرب تقول، تَشَيْطَنَ فلان، إذا فَعَلَ فِعْلَ الشياطين، ولو كان من شاط لقالوا: تَشَيَّط). فالشيطان مشتق من البُعد على الصحيح، ولهذا يسمون كل من تمرَّد من جني أو إنسي أو حيوان شيطانًا. قال ابن جرير: (وشياطين كل شيءٍ مردته، ويكون الشيطان من الإنس والجن، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي ذر ﵁: [أنَّ النبي ﷺ قال له: يا أبا ذر، تعَوَّذ بالله من شياطين الإنس والجن. فقلت: أو للإنس شياطين؟ قال: نعم] (١). وفي صحيح مسلم عن أبي ذر أيضًا قال: [قال رسول الله ﷺ : "يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود". فقلت: يا رسول الله، ما بال الكلب الأسود من الأحمر والأصفر؟ فقال: "الكلب الأسود شيطان"] (٢).

стр. 59

ولكن ثمة فرق جوهري بين شياطين الإنس والجن، وهو أن شَيطان الجن شرير خبيث ماكر لا يقبل مجاملة ولا رشوة، في حين شيطان الإنس يمكن مدافعته بمجاملة وإحسان ورشوة، وقد أجاد الحافظ ابن كثير ﵀ في دقة وصفه لذلك حيث قال: (لذا أمر تعالى بمصانعة شيطان الإنس ومُداراته بإسداء الجميل إليه، ليرده طبعه عما هو فيه من الأذى، وأمر بالاستعاذة به من شيطان الجن لأنه لا يقبل رشوة ولا يؤثر فيه جميل، لأنه شرير بالطبع، ولا يكفه عنك إلا الذي خلقك، وهذا المعنى في ثلاث آيات من القرآن لا أعلم لهن رابعة: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ [الأعراف: ١٩٩ - ٢٠٠]. ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٦ - ٩٨]. ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٩]. انتهى. وأما الرجيم فهو فعيل بِمَعنَى مفعُول، أي مرجوم مطرود عن الخير كله، كما قال جل ذكره في سورة (تبارك): ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾. حكم الاستعاذة: أ- الاستعاذة قبل القراءة في الصلاة. إن الاستعاذة في الصلاة واجبة بعد الثناء على الله تعالى وقبل قراءة الفاتحة، فهي من واجبات الصلاة، لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]. ولثبوت ذلكَ في صلاته ﷺ كما جاء في السنة الصحيحة: الحديث الأول: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: [كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل كبّر ثم يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدّك، ولا إله غيرك" ثم يقول: "لا إله إلا الله" ثلاثًا، ثم يقول: "الله

стр. 60

أكبر كبيرًا" ثلاثًا، "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه" ثم يقرأ] (١). الحديث الثاني: أخرج ابن ماجة في السنن -كتاب الصلاة- باب الاستعاذة في الصلاة، عن ابن مسعود: [عن النبي ﷺ قال: "اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، وهَمْزِه ونَفخهِ ونفثه". قال: هَمْزُهُ الموتَةُ، ونَفْثُهُ الشِّعْرُ، ونَفْخُهُ الكِبْرُ] (٢). ويُسَنُّ الإسرار بالتعوذ في الصلاة، كما يُسَنُّ تكرار الاستعاذة قبل القراءة في كل ركعة، فمن اكتفى بالاستعاذة قبل القراءة في الركعة الأولى كفاه عن الصلاة كلها. ويكفي قود: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة، فإن زاد: "أعوذ بالله السميع العليم" أحيانًا فقد وافق بذلك السنة. ب- الاستعاذة عند القراءة خارج الصلاة. الاستعاذة للتلاوة خارج الصلاة واجبة كذلكَ لِعمومِ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، وفيها طهارة للفم مما كان يتعاطاه من اللغو والرفث، وتطييب له وتهيّؤ لتلاوة كلام الله. وأما أثناء الاستشهاد ببعض آيات القرآن أثناء خطبة أو درس علم فما ثبت ذلكَ في المرفوع. وقد كان يتلو النبي ﷺ آيات دون الاستعاذة كما ثبت ذلك في السنة الصحيحة. الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن سهل بن سعد الساعدي قال: [شهدتُ من رسول الله مَجْلِسًا وصفَ فيهِ الجنة، حتى انتهى، ثم قال ﷺ في آخِرِ حديثه: "فيها ما لا عينٌ رأتْ، ولا أُذُنٌ سمعت، ولا على قلب بَشَرٍ خَطَرَ" ثم قرأ هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦ - ١٧] (٣). الحديث الثاني: أخرج البخاري عن عائشة زوجِ النبي ﷺ قالت: [لمَّا أُمِرَ

стр. 61

رسولُ الله ﷺ بتخيير أزواجهِ بدأ بي فقال: "إني ذاكرٌ لكِ أمرًا فلا عليكِ أن لا تَعْجَلي حتى تستأمري أبَوَيْكِ"، قالت: وقد عَلِمَ أن أَبَوَيَّ لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: إن الله جلَّ ثناؤهُ قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إلى ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾] الحديث (١). الحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند صحيح عن النعمان بن بشير قال: [سمعت النبي ﷺ يقول: "الدعاء هو العبادة" ثم قال: ﴿وَقَال رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] (٢). والأحاديث في ذلكَ كثيرة سواء من فعله وكلامه ﷺ ، أو من فعل أصحابه. ج- الاستعاذة عند الغضب أو الوسوسة: وهي هنا مستحبة، وفي ذلكَ أحاديث من صحيح السنة المطهرة: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن سُليمان بن صُرَدٍ قال: [كنْتُ جالسًا مع النبي ﷺ ورجلان يَسْتبَّانِ، فأحدُهما احمَرَّ وَجْهُهُ وانتفَخَت أوْدَاجُه. فقال النبي ﷺ : "إني لأعلمُ كلمةً لو قالها ذهب عنه ما يجِدُ، لَوْ قال: أعوذُ بالله من الشيطان ذهب عنه ما يَجِدُ"] الحديث (٣). الحديث الثاني: أخرج النسائي في "اليوم والليلة" بسند حسن عن أبيّ بن كعب ﵁ قال: [تلاحى رجلان عند النبي ﷺ فتَمَزَّع أنف أحدهما غضبًا، فقال رسول الله ﷺ : إني لأعلم شيئًا لو قاله لذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم] (٤). الحديث الثالث: خرّج الإمام مسلم في الصحيح عن عثمان بن أبي العاص ﵁ قال: [قلت: يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي يلبسها علي! فقال

стр. 62

رسول الله ﷺ : ذلكَ شيطان يُقال لهُ خِنْزَب، فإذا أحْسَسْته فتعوذ بالله منه، واتفل عن يسارك ثلاثًا] (١). قال: (ففعلت ذلكَ فأذهبه الله تعالى عني). والخلاصة: لا بد من الاستعاذة بالله من هذا الشيطان، ومعنى "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم": أي أستجير بجناب الله تعالى من الشيطان الرجيم أن يضرني في ديني، أو دنياي، أو يصدّني عن فعل ما أمرت به أو يحثني على فِعْلِ ما نُهيت عنه، فإن الشيطان لا يكفه عن الإنسان إلا الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٥].

стр. 63

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٧. قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾. في هذه الآيات: ذِكْرُ أَعْظَمِ سورة في القرآن، ورقية من السحر وشفاء للأبدان، تبدأ باسم الله الرحيم الرحمان، الذى له الحمدُ كله ووسعت رحمته جميع الأنام، وهو المالك كل شيء وله الأمر يوم الدين، يوم يقوم الناس لرب العالمين، نفرده سبحانه بالعبادة نحن وجميع المؤمنين، وعليه نتوكل وبه نستعين، على طاعته ومدافعة الهوى والشهوات والشبهات وسبل الشياطين، والصبر على المحن والشدائد ومكر الطغاة المجرمين، ونسألهُ الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو دينهُ القويم، والثبات عليه حتى عبور الصراط يوم الزحام إلى جناتِ النعيم، صراط أهل الإيمان الذين أنعم الله عليهم برضوانه من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، غير صراط المغضوب عليهم ولا الضالين، من الذين سخط الله عليهم وذمَّهم من أهل الكتابين، آمين اللهم آمين آمين. قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.- الباء باء الاستعانة، وهي -كما يقول النحويون- الداخلة على آلة الفعل نحو كتبت بالقلم، ونجرتُ بالقُدُّوم، ونحو قوله ﵊: "لن يدخل الجنة أحد بعمله". فالبسملة من ذلكَ، لأن الفعل لا يتأتى على الوجه الأكمل إلا بها، والمتعلق بالباء في "بسم الله" عند النحاة على وجهين: أ- اسم: والتقدير: باسم الله ابتدائي، نحو قوله تعالى: ﴿وَقَال ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١].

стр. 64

ب- فعل: أمر أو خبر. نحو: أبدأ باسم لله، أفتتح باسم الله، وكقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ [العلق: ١]. وكلا التقديرين صحيح. والاسم في قوله: "باسم" مشتق مِنْ "سَمَوَ" أي من السُّمُو، وهو العلوّ والرفعة -في قول البصريين، أو مشتق من السِّمة وهي العلامة من "وَسَمَ" في قول الكوفيين، والراجح الأول، وفي تأويله ثلاثة أقوال: القول الأول: قيل "اسم" لأن صاحبه بمنزلة المرتفع به. القول الثاني: قيل: بل لأن الاسم يسمو بالمسمّى فيرفعه عن غيره. القول الثالث: قيل: إنما سُمِّيَ الاسم اسمًا لأنه علا بقوّته على قسمي الكلام: الحرف والفعل، والاسم أقوى منهما بالإجماع لأنه الأصل، فَلِعُلُوِّهِ عليهما سمي اسمًا. وأما المقصود هنا في الاسم في قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فهو المسمى بعينه من غير تفصيل. فقولك: الله عالم، دالٌّ على الذات الموصوفة بكونه عالمًا. فالاسم كونه عالمًا وهو المسمى بعينه. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [إن لله تسعة وتسعين اسمًا مئة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة] (١). لقد افتتح الصحابة كتاب الله بهذه الآية: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، واتفق العلماء أنها بعض آية من سورة النمل، واختلفوا هل هي آية مستقلة في أول كل سورة، أو بعض آية من كل سورة، أو إنها آية من الفاتحة دون غيرها. والراجح أنها آية من الفاتحة لثبوت ذلكَ عن النبي ﷺ . فقد أخرج الدارقطني والبيهقي والديلمي بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [إذا قرأتم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فاقرؤوا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ

стр. 65

الرَّحِيمِ﴾ إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني، و ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إحداها] (١). قال الشافعي: (هي آية في الفاتحة). واحتج بالحديث السابق. وأما قراءتها فواجبة، لكن استقر الأمر على عدم الجهر بها، وهذا أغلب فعله ﷺ وما تابعه به الخلفاء الراشدون ﵃ بعده. وتفصيل ذلكَ: أ- دليل وجوب قراءة البسملة: أخرج النسائي وابن خزيمة وابن حبان بإسناد صحيح من حديث نعيم المجمر قال: [صليت وراء أبي هريرة فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم قرأ بأم القرآن] الحديث. وفي آخره قال: [والذي نفسي بيدهِ إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ . ب- دليل الإسرار بها: لقد ثبت الإسرار بالبسملة للإمام قبل قراءة الفاتحة في أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري عن قتادة، عن أنس: [أنَّ النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾] (٢). الحديث الثاني: خرّجَ مسلم عن شُعبة قال: سمعتُ قتادة يُحَدِّثُ عن أنَسٍ قال: [صَلَّيْتُ مع رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعُمَرَ، وعثمانَ، فلمْ أسمَعْ أحدًا منهم يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٣). وفي رواية: [فكانوا يستفتحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾، لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، في أول قِراءةٍ، ولا في آخرها]. الحديث الثالث: أخرج النسائي وابن حبان بسند صحيح عن أنس قال: [صَلَّيْتُ خلف رسول الله ﷺ وخلف أبي بكر وعمر وعثمان، وكانوا لا يجهرون

стр. 66

بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾] (١). قال ابن القيم ﵀: (كان النبي ﷺ يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ تارة، ويخفيها أكثر مما يجهر بها، ولا ريب أنه لم يجهر بها دائمًا في كل يوم وليلة خمس مرات أبدًا حضرًا وسفرًا ويخفى ذلك على خلفائه الراشدين وعلى جمهور أصحابهِ وأهل بلده في الأعصار الفاضلة). والخلاصة: البسملة آية من الفاتحة وقراءتها واجبة، واستقر الأمر على الإسرار بها، وذهب إلى الإسرار بها من العلماء أبو حنيفة والثوري وأحمد بن حنبل. وهو مروي عن عمر وعلي وابن مسعود وعمار وابن الزبير من الصحابة. ج- فضل البسملة: لقد ثبت فضل البسملة في أحاديث من السنة الصحيحة، ونَدَبَ الشرع إلى ذكرها في أول كل فعل، كالأكل والشرب والنحر، والجماع والطهارة وركوب البحر، وغير ذلك من المباحات أو أعمال البر. وتفصيل ذلك: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم وأصحاب السنن من حديث عمر بن أبي سلمة -أنّ النبي ﷺ قال له: [يا غلام! سَمِّ الله وكُلْ بيمينك وكلْ مما يليك] (٢). الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم وابن ماجة وابن حبان عن جُنْدُب قال: [صَلَّى النبي ﷺ يوم النَّحر ثم خطبَ، ثم ذبَحَ وقال: مَنْ ذبَحَ قبل أَنْ يُصَلِّي فَلْيَذْبح أخرى مكانها، ومَنْ لم يذبح فليذبَحْ باسم الله] (٣). الحديث الثالث: أخرج أحمد والشيخان وأهل السنن عن ابن عباس: يبْلُغُ بهِ النبي ﷺ قال: [لَوْ أنَّ أحدكُمْ إذا أتى أهلهُ قال: بسم الله، اللهم جَنبنَا الشيطان، وجَنِّب الشيطانَ ما رزقتنا، فقُضِيَ بينهما ولد لم يضُرَّه] (٤).

стр. 67

وفي رواية: [فرُزِقا ولدًا لَمْ يضره الشيطان]. وفي رواية: [ثم قُدِّرَ بينهما في ذلكَ أو قُضِيَ ولدٌ لم يَضُرَّهُ شيطانٌ أبدًا]. الحديث الرابع: أخرج مسلم وأبو داود والحاكم من حديث حذيفة مرفوعًا: [إنَ الشيطان يَسْتَحِلّ الطعامَ أنْ لا يُذكرَ اسمُ الله عليه] (١). الحديث الخامس: روى مسلم عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا كانَ جُنْحُ الليل -أو أَمْسَيْتُمْ- فكُفُّوا صبيانكُمْ، فإنَ الشيطانَ يَنْتَشِرُ حِينئذٍ، فإذا ذهبَ ساعةٌ من الليل فَخَلُّوهُمْ، وأغلقوا الأبوابَ، واذكروا اسم الله، فإن الشيطانَ لا يفتحُ بابًا مُغلقًا، وأوكُوا قِرَبَكُمْ، واذكروا اسمَ الله، وخَمِّرُوا آنِيَتكُمْ، واذكروا اسم الله، ولو أَنْ تَعْرُضوا عليها شيئًا، وأَطْفِئُوا مصابيحَكُمْ] (٢). الحديث السادس: أخرج الترمذي وابن ماجة بسند حسن عن علي مرفوعًا: [سِتْرُ ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دَخَلَ الكَنيف أن يقول: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾] (٣). الحديث السابع: أخرج مسلم ومالك وأبو داود والترمذي عن عثمان بن أبي العاص الثقفي: [أنَّهُ شكا إلى رسول الله ﷺ وَجَعًا، يَجِدُهُ في جَسَدِهِ مُنْذُ أسْلمَ، فقال له رسول الله ﷺ : "ضَعْ يدكَ على الذي يأْلَمُ -وفي رواية: الذي تألَمَ- من جَسَدِكَ، وقلْ: باسم الله، ثلاثًا، وقُلْ، سَبْعَ مَرَّات: أعوذُ بعزة الله وقدرته من شرِّ ما أجد وأحاذر] (٤). وأما قوله: ﴿اللَّهِ﴾ في ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ وغيرها، فهو اسم جامد لا اشتقاق له، ولا يُسَمَّى بهِ غيره. قال القرطبي: (قوله: ﴿اللَّهِ﴾ هذا الاسم أكبر أسمائهِ سبحانه وأجمعها، حتى قال بعض العلماء: إنه اسم الله الأعظم ولم يتسمّ بهِ غيرهُ، ولذلكَ لم يثَن ولم يُجْمَع، وهو

стр. 68

أحد تأويلي قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، أي من تَسَمَّى باسمه الذي هو ﴿اللَّهِ﴾. فالله اسم للموجود الحق الجامع لصفات الإلهيّة، المنعوت بنعوت الربوبية، المنفرد بالوجود الحقيقي، لا إله إلا هو سبحانه). والرحمن الرحيم: اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، ورحمان أشد مبالغة من رحيم، قيل لعمومها في الدارين، وأما الرحيم فخاصة بالمؤمنين، كما قال سبحانه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]. وكما قال جل ذكره: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥]. وقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾. ثناء من الله على نفسه، ويحبه من عَبْدِهِ. قال ابن عباس: (الحمدُ لله كلمة كل شاكر). أخرج الطبراني في الكبير بإسناد حسن عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: [ما أنعم الله على عبدٍ نعمةً، فَحَمِدَ الله عليها، إلا كانَ ذلكَ الحمدُ أفضلَ من تلكَ النعمة] (١). وله شاهد عند ابن ماجة بسند صحيح عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : [ما أنعم الله تعالى على عبدٍ نعمة فقال: الحمدُ لله، إلا كان الذي أعطى أفضلَ مما أخذ] (٢). وفي مسند الإمام أحمد بسند حسن عن الحسن عن الأسود بن سريع قال: [قلت: يا رسول الله، ألا أنشدكَ محامدَ حَمدتُ بها ربي، ﵎؟ فقال: أما إن ربك يحب الحمد] (٣). وأما ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فهي أفضل الذكر: ففي جامع الترمذي وسنن ابن ماجة بإسناد حسن عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : [أفضل الذكر: لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء: الحمدُ لله] (٤).

стр. 69

وقد حَلّقَ ابن جرير ﵀ في ذكر آفاق النعم التي أحاط الله عبده بها، فقال في تفسيره لـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾: (معنى الحمد لله: الشكر لله خالصًا دون سائر ما يعبد من دونه، ودون كل ما برأ من خلقه، بما أنعم على عباده من النعم، التي لا يحصيها العدد، ولا يحيط بعددها غيره أحد، في تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح المكلفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق وغذاهم به من نعيم العيش، من غير استحقاق منهم ذلكَ عليه، ومع ما نبَّههُم عليه ودعاهم إليه، مِنَ الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم، فلربنا الحمد على ذلكَ كله أولًا وآخرًا). والرب هو المالك المتصرف، ولغة هو السيد، ولا يستعمل الرب لغير الله، بل بالإضافة، كقولهم: (ربّ الدار، رب البيت)، ﴿الْعَالمِينَ﴾ جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله. قال سعيد بن جبير: (رب الجن والإنس). وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. مَدْحٌ من الله لنفسه. قال القرطبي: (إنما وصَفَ نَفْسَهُ بالرحمن الرحيم بعد قوله رب العالمين، ليكون من باب قرن الترغيب بعد الترهيب، كما قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فالرب فيه ترهيب والرحمن فيه ترغيب). روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة، ما طمع في جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من رحمته أحد] (١). وقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. تمجيد من الله لنفسه ويحبه من عَبْدِهِ. وقرأها بعض القراء: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وكلاهما متواتر مشهور. فقد أخرج الترمذي بسند صحيح عن أم سلمة قالت: [كان رسول الله ﷺ - ﷺ يُقَطِّعُ

стр. 70

قِراءته يقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ ثم يقف، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم يقف، وكان يقرؤها: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾] (١). قال الحافظ ابن كثير في التفسير: (وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه، لأنه تقدم الإخبار بأنه رب العالمين، وذلكَ عام في الدنيا والآخرة، وإنما أضيف إلى يوم الدين لأنه لا يَدَّعي أحد هناكَ شيئًا ولا يتكلم أحد إلا بإذنه). وذلكَ كقوله سبحانه في سورة (هود): ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾. وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: [يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماوات بيمينه، ثم يقول أنا الملك، أين ملوك الأرض]. وفي رواية: [أين الجبارون أين المتكبرون؟ ] (٢). والدين هو الجزاء والحساب، كقوله تعالى في سورة (الصافات): ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾. وكقوله في سورة (النور): ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. العبادة لغة من الذلة، وطريق معبد أي مذلل، وهي شرعًا ما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف. قال ابن عباس: (يعني إياكَ نوحد ونخافُ ونرجوكَ يا ربنا لا غيرك، وإياكَ نستعين على طاعتكَ وعلى أمورنا كلها). ويبدو أنا سرَّ الفاتحة هذه الآية، فهي قسمان: الأول تبرؤ من الشرك، والثاني تبرؤ من القوة، فهى تجمع أصل الدين، سلامة التوجه والقصد وكمال الطاعة والخضوع، وهذا هو الإسلام: كفر بالطاغوت وإيمان بالله العظيم. قال ابن كثير: (وقُدِّم المفعول وهو إياك وكُرِّر للاهتمام والحصر، أي لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكلُ إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة. والدينُ كله يرجع إلى هذين المعنيين. قال: وتحوَّلَ الكلامُ من الغَيْبَةِ إلى المواجهةِ بكاف الخطاب، وهو مناسبة، لأنه لما أثنى على الله فكأنما اقترب وحضر بين يدي الله تعالى، فلهذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. قال العلامة ابن القيم ﵀: (والتحقق بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾

стр. 71

علمًا ومعرفة، وعملًا وحالًا: يتضمن الشفاء من مرض فساد القلب والقصد. فإن فساد القصد يتعلق بالغايات والوسائل. فمن طلب غاية منقطعة مضمحلة فانية، وتوسل إليها بأنواع الوسائل الموصلة إليها، كان كلا نوعي قصده فاسدًا. وهذا شأن كل من كان غاية مطلوبهِ غير الله وعبوديته: من المشركين، ومتبعي الشهوات، الذين لا غاية لهم وراءها، وأصحاب الرياسات المتبعين لإقامة رياستهم بأي طريق كان من حق أو باطل. فإذا جاء الحق معارضًا في طريق رياستهم طحنوه وداسوه بأرجلهم. فإن عجزوا عن ذلكَ دفعوه دفع الصائل. فإن عجزوا عن ذلكَ حبسوه في الطريق، وحادوا عنه إلى طريق أخرى، وهم مستعدون لدفعه بحسب الإمكان وعزله عن التصرف والحكم والتنفيذ، وإن جاء الحق ناصرًا لهم، وكان لهم صالوا به وجالوا، وأتوا إليهِ مذعنين، لا لأنه حق، بل لموافقته غرضهم وأهواءهم وانتصارهم به ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. والمقصود: أن قصد هؤلاء فاسد في غاياتهم ووسائلهم، وهؤلاء إذا بطلت الغايات التي طلبوها، واضمحلت وفنيت، حصلوا على أعظم الخسران والحسرات. وهم أعظم الناس ندامة وتحسرًا، إذا حقَّ الحق وبطل الباطل، وتقطعت بهم أسباب الوصل التي كانت بينهم وتيقنوا انقطاعهم عن ركب الفلاح والسعادة، وهذا يظهر كثيرًا في الدنيا، ويظهرُ أقوى من ذلك عند الرحيل منها والقدوم على الله. ويشتدُ ظهورهُ وتحققه في البرزخ. وينكشف كل الانكشاف يوم اللقاء، إذا حقت الحقائق، وفاز المحقون وخسر المبطلون، وعلموا أنهم كانوا كاذبين، وكانوا مخدوعين مغرورين، فيا لهُ هناك من علم لا ينفع عالمه، ويقين لا ينجي مستيقنه، وكذلكَ من طلب الغاية العليا والمطلب الأسمى، ولكن لم يتوسل إليه بالوسيلة الموصلة له وإليه، بل توسل إليه بوسيلة ظنها موصلة إليه، وهي من أعظم القواطع عنه، فحاله أيضًا كحال هذا. وكِلاهما فاسد القصد، ولا شفاء من هذا المرض إلا بدواء ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. فإن هذا الدواء مركب من ستة أجزاء: ١ - عبودية الله لا غيره. ٢ - بأمره وشرعه. ٣ - لا بالهوى.

стр. 72

٤ - ولا بآراء الرجال وأوضاعهم، ورسومهم وأفكارهم. ٥ - بالاستعانة على عبوديته به. ٦ - لا بنفس العبد وقوته وحوله ولا بغيره. فهذه هي أجزاء ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فإذا ركبها الطبيب اللطيف، العالم بالمرض، واستعملها المريض، حصل بها الشفاء التام. وما نقص من الشفاء فهو لِفوْتِ جزء من أجزائها أو اثنين أو أكثر. ثم إن العبد يعرض له مرضان عظيمان، إن لم يتداركهما العبد تراميا به إلى التلف ولا بد. وهما الرياء والكبر. فدواء الرياء بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ودواء الكبر بـ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. قال: وكثيرًا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ تدفع الرياء ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ تدفع الكبرياء. فإذا عوفي من مرض الرياء بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ومن مرض الكبرياء والعجب بـ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ومن مرض الضلال والجهل بـ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ عوفي من أمراضهِ وأسقامه، ورَفَلَ في أثواب العافية، وتمت عليه النعمة، وكان من المنعم عليهم ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وهم أهل فساد القصد، الذين عرفوا الحق وعدلوا عنه و ﴿الضَّالِّينَ﴾ وهم أهل فساد العلم، الذين جهلوا الحق ولم يعرفوه. وحقَّ لسورة تشتمل على هذين الشفاءين: أن يُسْتَشْفى بها من كل مرض، ولهذا لما اشتملت على هذا الشفاء الذي هو أعظم الشفاءين، كان حصول الشفاء الأدنى بها أولى، ... فلا شيء أشفى للقلوب التي عقلت عن الله كلامه، وفهمت عنه فهمًا خاصًّا، اختصها به، من معاني هذه السورة). ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدري ورقيته اللديغ بالفاتحة وما حصل بها من الشفاء ثم قال: (فقد تضمن هذا الحديث حصول شفاء هذا اللديغ بقراءة الفاتحة عليه. فأغنته عن الدواء. وربما بلغت من شفائه ما لم يبلغه الدواء. هذا مع كونِ المحل غير قابل، إما لكون هؤلاء الحي غير مسلمين، أو أهل بخل ولؤم، فكيف إذا كان المحل قابلًا). انتهى. قلت: فمن أقام منهج ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فلا سبيل للجن بالدخول إليه، والحياة معهُ، أو مسه بشِرٍّ أو إيذاء، فإن مردة الجن لا تستطيع النفوذ

стр. 73

إلى من حقق العبودية لله وكان ممن يستعين بالله بصدق على كبح وساوس النفس والشيطان، لئلا يفسد تفلتها عليه حياته ودينه. وكان شيخ الإسلام يقول: (تأملت أنفع الدعاء: فإذا هو سؤال العون على مرضاته. ثم رأيته في الفاتحة في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. والنون في ﴿نَعْبُدُ﴾ تخبر عن جِنْسِ العباد، والمصلي واحد منهم. وقيل: للتعظيم، لأن العبد داخل العبادة شرفه عظيم وجاهه عريض. وقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. هذه هي هداية التوفيق والإلهام. وقد فسر الآية ابن عباس بقوله: (ذلكَ الإسلام). وفسَّرها مجاهد فقال: (هو الحق). وفسرها أبو العالية فقال: (هو النبي ﷺ وصاحباه من بعده). وقد كرر سؤال الهداية مع أن قائلًا قد يقول هي حاصلة! والتحقيق في ذلك أن العبد بحاجة إلى الثبات والاستمرار على الحق في كل لحظة من لحظات عمره، ولو حصل له غفلة لَهَمَّ بهِ الشيطان لِينتهزَ فرصة ليفسدَ عليه يقينه وهدايته، فلولا احتياجهُ إلى سؤال الهداية ليلًا ونَهارًا لما أرشدهُ إليها سبحانه. وهذا المعنى متضمن في سؤال المؤمنين ربهم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]. وبقوله في سورة النساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ... ﴾. وقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، صراطَ بدل. قال ابن عباس: (صراط الذين أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك من ملائكتك وأنبيائك والصديقين والشهداء والصالحين، وذلكَ نظير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾). وقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾. قال الحافظ ابن كثير: (وذو الحال الضمير في عليهم، والعامل أنْعمت، والمعنئ: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمتَ عليهم ممن تقدم وصفهم ونعتهم وهم أهل الهداية والاستقامة .. غير صراط المغضوب عليهم وهم الذين فسدت إرادتهم فعلموا الحق وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين وهم الذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق، ثم قال: وأكَّد الكلام بلا، ليدل على أن ثمَّ مَسْلكين فاسدين، وهما طريقة اليهود والنصارى، ليجتَنبَ كل واحد منهما، فإن طريقة أهل الإيمان مشتملة على

стр. 74

العلم بالحق والعمل بهِ، واليهود فقدوا العمل، والنصارى فقدوا العلم، ولهذا كان الغضبُ لليهود، والضلال للنصارى). يروي الترمذي بِسند صحيح عن عدي بن حاتم عن النبي ﷺ قال: [اليهودُ مغضوبٌ عليهم والنصارى ضلال] (١). وفي مسند الإمام أحمد بسند صحيح عن عائشة ﵂: [أن رسول الله ﷺ ذكرت عنده اليهود فقال: إنّهم لن يحسدونا على شيء كما يحسدونا على الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام آمين] (٢). ومعنى "آمين": اللهم استجب. وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [إذا أمّن الإمام فأمِّنوا، فإنه من وافقَ تأمينُه تأمين الملائكة غفرَ له ما تقدمَ من ذنبه] (٣). تم تفسير سورة الفاتحة بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه * * *

стр. 75

دروس ونتائج وأحكام ١ - الاستعاذة واجبة لتلاوة القرآن في الصلاة وخارجها. ٢ - الفاتحة أعظم سورة في القرآن، ورقية من السحر وشفاء للأبدان. ٣ - الفاتحة هي أمّ القرآن، وأم الكتاب، وهيَ السبعُ المثاني- لأنها تثنى في الصلاةِ فتقرأ في كل ركعة. ٤ - ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آية من آيات الفاتحة، وقراءتها في الصلاة واجبة. ٥ - استقرار الأمر في عهد النبي ﷺ على الإسرار بالبسملة في الصلاة. ٦ - ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ أفضل الذكر، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أفضل الدعاء. ٧ - توحيد الربوبية يقتضي توحيد الألوهية، فالرب المالك هو الإله المعبود. ٨ - الجمع في السورة بين الترهيب والترغيب. فقوله: ﴿رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ فيه ترهيب، وقوله ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فيه ترغيب. ٩ - ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ هي سرّ الفاتحة وأصل هذا الدين. ١٠ - تكرار سؤال الهداية في كل ركعة من كل صلاة إنما هو للثبات على الحق واليقين، والتغلب على الغفلة والهوى وهمزات الشياطين. ١١ - الإنعامُ يالطاعة على العبد إنما هو فضل من الله، والضلال والضياع إنما هو من عقوبات الله. ١٢ - اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضلال. ١٣ - تأمين المأمومين إنما هو بعد تأمين الإمام. ١٤ - من وافق تأمينهُ تأمين الملائكة غفر لهُ ما تقدم من ذنبه.
следующие страницы →