أحدهما صاحبه، ويتبع العامي أوثقهما فِي نفسه (١).
وظاهره أَنَّهُ يلزمه الاجتهاد فِي عين المفتي بأن يسأل عن حاله، ومختار بالأول (٢)(٣).
وأمَّا العالم بالقبلة فلا يَجوز له التقليد فيها بحال، بل عَلَيْه الاجتهاد، سواء كَانَ الوقت واسعا، أَو ضيقا، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٤)، يعني: كتاب الله، وسنة رسوله، ولأن العالمين قد تساويا فِي السبب الذي يتوصل به إِلَى تثبيت الحكم، فلم يَجُزْ لأحدهما تقليد الآخر كالعالم والعامي فِي الأحكام العقليات (٥).
стр. 72
الفصل الخامس
استصحاب الحال: وهو البقاء على حكم الأصل (١).
فهو دليل يفزع إليه الفقهاء عند عدم الأدلة إحالة بالاستدلال على غيرهم (٢).
وهو على ضربين: استصحاب براءة الذِّمة حَتَّى يدلّ دليل شرعي على الوجوب، كقولنا فِي الخيل: الأصل براءة الذِّمة فِي إيجاب الزكاة فيها وعنها فمن ادعى إيجابها فعليه الدليل، وهذا تقديره إني لا أعلم دليلًا يوجب الزكاة فيها، فإن كنت عارفا بدليل فاذكره.
ويقال إنه مستراح الذمم، ودليل من لا دليل له، إِذَا كَانَ مطالبة لا استدلالا، وهذا الاحتجاج به صحيح سائغ عند أهل العلم (٣).
стр. 73
الضرب الثاني: استصحاب حكم الإجماع: وهو أن تجتمع الأمة على حكم ثم تتغير صفة المجمع عَلَيْه، بأن يختلف المجمعون عَلَيْه، فهل يجب استصحاب حكم الإجماع بعد الاختلاف، حَتَّى ينتقل عنه أُم لا (١)؟
فذهب أكثر أصحابنا، وأصحاب أَبِي حنيفة والشافعي إِلَى أَنَّهُ لا يَجوز ذلك، ويجب طلب الدليل فِي مواضع الخلاف (٢).
وذهب أَبُو إسحاق ابن شاقلا (٣): إِلَى أَنَّهُ يجب استصحاب حكم الإجماع (٤)، والصحيح الأول (٥)، ووجهه أن الإجماع لا يبقى بعد
стр. 74
الاختلاف، فلا وجه للتعلق به.
مثاله: أن يقول أصحاب داود (١) فِي أمهات الأولاد: الأصل فِي الإماء جواز البيع، فمن ادعى تحريمه بعد الاستيلاد فعليه الدليل (٢).
ويمكن أن نقابلهم بما يتكافئ الدليلان فِيه، فيقفان موقفا سواء، ونقول: قد أجمعنا على منع البيع حال حملها بالحر، فمن ادعى جواز بيعها بعد الوضع فعليه الدليل (٣).
* * *
стр. 75
الفصل السادس
قول الصحابي الواحد: لا يخلو أن يكون مخالفا للقياس، فيكون سنة ونفلا (١).
أَو يكون اجتهادا كقول عُمَر ﵁: "فِي عين الفُرس ربع قيمتها" (٢) فهذا توقيف، إذ لا قياس يحمل عَلَيْه (٣).
وإن وافق القياس، ولم يخالف غيره مع سماع الصحابة لقوله، فقد تبينا أن ذلك إجماع (٤)، وإن لم ينتشر ذلك فِي الصحابة (٥)، فهو حجة، وكان المجتهد مرجحا لأي القولين وقع له أدلة الترجيح من كتاب الله، أَو سنة، أَو قياس (٦).
стр. 76
وفي المواضع التي ذكرنا قولُه حجة، وهو مقدم على القياس (١)، خلافا لأصحاب الشافعي رَحِمَهُ اللهُ تعالى (٢) في قولهم: القياس مقدم عَلَيْه؛ لأنه لا يخلو أن يكون صادرا عن نقل، أَو اجتهاد، أَو كِلَيْهِما، أَو لا عن اجتهاد، بل لما يثبت له من المزية بمشاهدة التأويل وحضور التنزيل، ونص الرسول ﷺ (٣).
* * *
стр. 77
فصل
والحكم المختلف فِيهِ: يحتاج إِلَى ذكر خمسة أشياء:
المذهب، والدليل عَلَيْه، ومذهب المخالف، والدليل عَلَيْه، والجواب عنه.
وعلى الله اعتمدنا فِي كتابنا هذا، خوفا من الإكثار والسآمة، فمن أراد الاستيعاب فعليه بالنظر فِي كتابنا "المبسوط" فقد أودعناه أحكام الفقه وأصوله، ومذهب الأصوليين ودليلهم، والجواب عنه بما هو شاف وكاف إن شاء الله تعالى، وهو المسؤول أن يجعله خالصًا لوجهه، موافقا لمرضاته، آمين، ولله المنة والحمد.
انتهت كتابة الرسالة المفيدة فِي هذا الفن بقلم الفقير إِلَى مولاه الغني، عبد الله بن خلف بن دحيان الحنبلي (١)، لطف الله به، وفتح عَلَيْه، وعفى عنه، ووالديه وأشياخه وإخوانه المسلمين، سنة ١٣٣٣ هجري ٩ شعبان ليلًا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا.