Полный текст (214 стр.). Показаны 176–214 · переход к 181.
стр. 176
غَيرِهِمْ بِطَرِيقِ الأَولَى.
ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ ظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خصَّ العَرَبَ بَأَنْ لَا يَقْبَلَ مِنْهُمْ، فَاسْتَثْنَاهُمْ، فَقَالَ: تُقْبَلُ مِنْ كُلِّ مُشْرِكٍ، إِلَّا مِنْ مُشْرِكِيِّ العَرَبِ، كَمَا يَقُولُهُ طَائِفَةٌ.
وَآخَرُونَ قَالُوا: لَا يُسْتَثْنَى أَحَدٌ، وَمُشْرِكُوا العَرَبِ لا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ، لَأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُم إِلَّا مَنْ أَسْلَمَ، وَهَذَا أَصَحُّ الأَقْوَالِ.
فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَخُصَّ العَرَبَ بِحُكْمٍ فِي الدِّين، لَا بِمَنْعِ الجِزْيَةِ، وَلَا مَنعْ الاسْتِرْقَاق، وَلَا تَقْدِيمِهِمْ فِي الأَمَان، وَلَا بِجْعَلِ غَيرِهُمْ لَيسَ كُفْوًا لهمْ في النِّكَاح، وَلَا بِحِلِّ مَا اسْتَطَابُوهُ دُونَ مَا اسْتَطَابَهُ غَيرُهُمْ؛ بَلْ إِنَّمَا عَلَّقَ الأَحْكَامَ بِالْأَسْمَاءِ المَذْكُورَةَ فِي القُرْآن، كَالمُؤْمِن، وَالكَافِر، وَالبَرّ، وَالفَاجِرِ (١) . إِلَى أَنْ قَالَ: الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام كما في الفتاوى (١٩/ ١٨): (فلا يُظنَّ أنه خص العرب بحكم من الأحكام أصلًا؛ بل إنما علق الأحكام بإسم: مسلم، وكافر، ومؤمن، =стр. 177
[الحُكْمُ إِذَا نَقَضَ الكُفَّارُ العَهْدَ]
ثُمَّ إِذَا عَاهَدَ المُسْلِمِينَ طَائِفَةٌ، ، فَنَقَضَتِ العَهْدَ، لَمْ يَجِبْ عَلَى المُسْلِمِينَ أَنْ يُعَاهِدُوهُمْ ثَانِيًا؛ بَلْ لَهُمْ قِتَالهمْ، وَإِنْ طَلَبُوا أَدَاءَ الجِزْيَةِ؛ وَللإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا، وَلَهُ أَنْ يُجْلِيهِمْ مِنْ دِيَارِ الإِسْلَامِ إِذَا رَأَى ذَلِكَ مَصْلَحَةً (١) . الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام في الفتاوى (١٩/ ٢٣): (ولم يكن النبي ضرب الجزية على أحد من اليهود بالمدينة ولا بخيبر؛ بل حاربهم قبل نزول آية الجزية، وأقر اليهود بخيبر فلاحين بلا جزية إلى أن أجلاهم عمر؛ لأنهم كانوا مهادنين له وكانوا فلاحين في الأرض، فأقرهم لحاجة المسلمين إليهم، ثم أمر بإجلائهم قبل موته وأمر بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، فقيل: هذا الحكم مخصوص بجزيرة العرب، وقيل: بل هو عام في جميع أهل الذمة إذا إستغنى المسلمون عنهم أجلوهم من ديار الإسلام وهذا قول ابن جرير).стр. 178
فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لما نَقَضَتِ النَّضِيرُ العَهْدَ حَاصَرَهُمْ وَأَجْلَاهُمْ، وَفِي ذَلِك أَنْزَلَ اللهُ سُورَةَ الحشْرِ.
وَقُرَيظَةُ لمَّا نَقَضَتِ العَهْدَ عَامَ الخَنْدَقِ حَاصَرَهُمْ بَعْدَ هَذَا، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِه، فَشَفَع حُلَفَاؤُهُمْ مِنَ الأَوسِ فِيهِمْ، فَأَنْزَلهمْ عَلَى حُكْمِ سَيِّدِهِمْ [سَعْدِ] بنِ مُعَاذٍ، فَحَكَمَ بَأَنْ يُقْتَلَ مُقَاتِلُهُمْ، وَتُسْبَى ذَرَارِيهِمْ، وَتُغْنَمَ أَمْوَالهمْ، فَإذَا نَقَضَ أَهْلُ الذِّمَّةِ وَغَيرُهُمْ العَهْدَ لَمْ يَجِبْ عَلَى الإِمَامِ أَنْ يَعْقِدَ لهمْ عَقْدًا ثَانِيًا، بَلْ يَجُوزُ قَتْلُ كُلِّ مَنْ نَقَضَ العَهْدَ، وَقِتَالُهُ، وَإِنْ بَذَلَ الجِزْيَةَ ثَانِيًا (١) . الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام في الصارم المسلول (٢/ ٤٧٧): (لأن بني قينقاع لما نقضوا العهد الذي بينهم وبين النبي أرادوا قتلهم، حتى ألحَّ عليه عبد الله بن أبي في الشفاعة فيهم، فأجلاهم إلى أذرعات، ولم يقرهم بالمدينة مع أن القوم كانوا حراصًا على المقام بالمدينة بعهد يجددونه، وكذلك بنو قريضة لما حاربت أرادوا الصلح والعود إلى الذمة، فلم يجبهم النبي حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، وكذلك بنوا النضير لما نقضوا العهد فحاصرهم فأنزلهم على الجلاء من المدينة مع أنهم كانوا أحرص شيء على المقام بدارهم بأن يعودوا إلى الذمة، وهؤلاء الطوائف =стр. 179
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيمَانَ لَهُمْ﴾ أَي: لَا وَفَاءَ لهمْ بَالأَيْمَانَ.
فَهَذَا أَمْرٌ بِقِتَالِ النَّاكِثِينَ لِلْعَهْدِ مُطْلَقًا، فَالمُعَاهَدُونَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى إِنْ أَسْلَمُوا فَهُمْ إِخْوَانٌ فِي الدِّينِ، وَإِنْ نَكَثُوا أَيمَانَهُمْ وَجَبَ قِتَالُهُمْ، وَإِنْ وَفَوا بِالعَهْدِ وُفِيَ لهمْ بِعَهْدِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ عُوهِدِوا بِلَا جِزْيَةٍ، فَكَذَلِكَ مَنْ عَاهَدَ بِالجِزْيَةِ.
وَالصَّحِيحُ أَنْ العَهْدَ المُطْلَقَ جَائِزٌ.
وَالعُهُودُ الَّتِي كَانَتْ بَينَ النَّبِيِّ ﷺ وبَينَ المُشْرِكِين كَانَتْ مُطْلَقَةً، لَمْ تَكُنْ مُؤَقَّتَة، وَالقَرْآنُ قَدْ فَرَّقَ بَينَ المُؤَقَّتِ مِنْهَا وَالمُطْلَق، فَأَجَازَ نَبْذَ المُطْلَق، وَأَوجَبَ الوَفَاءَ بِالمؤقَّت، وَهَذَا هُوَ مُقْتَضَى الأُصُولِ كَسَائِرِ
الحواشي
(١) = كانوا أهل ذمة عاهدوا النبي على أن الدار دار الإسلام يجري فيها حكم الله ورسوله، وأنه مهما كان بين أهل العهد من المسلمين ومن هؤلاء المعاهدين من حدث فأمره إلى النبي، هكذا في كتاب الصلح، فإذا كانوا نقضوا العهد، فبعضًا قتل، وبعضًا أجلى، ولم يقبل منهم ذمة ثانية).стр. 180
العُقُودِ المُطْلَقَةِ وَالمُؤَقَّتَةِ (١) .
* * * الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام في الصفدية (٢/ ٣١٨): (ولهذا كان بين النبي ﷺ وبين كثير من المشركين عهود مطلقة ومؤقتة فالمؤقتة كانت لازمة والمطلقة لم تكن لازمة؛ بل لكل منهما فسخها) إلى أن قال: (وقد ظن طائفة من الفقهاء أنه لا يجوز أن يعاهد الكفار إلا إلى أجل مسمى ... والصحيح: أنه يجوز العهد مطلقًا ومؤجلًا، فإن كان مؤجلًا كان لازمًا ... وإن كان مطلقًا لم يكن لازمًا، فإن العقود اللازمة لا تكون مؤبدة كالشركة والوكالة) وانظر أيضًا: الجواب الصحيح (١/ ١٧٦)، والفتاوى (٢٩/ ١٤٥).стр. 181
[الدَّلِيلُ الأَوَّلُ عَلَى تَحْرِيمِ قَتْلِ الكَافِرِ لمُجَرَّدِ كُفْرِهِ]
فَهَذَا الأَصْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ - وَهُوَ أَنَّ القِتَالَ لِأَجْلِ الحِرَابِ (١) لَا لِأَجْلِ الكُفْرِ - هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيهِ الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَهُوَ مُقْتَضَى الاعتبار.
وَذَلِكَ: أَنَّهُ لَو كَانَ الكُفْرُ هُوَ المُوجِبُ لِلْقَتْلِ - بَلْ هُوَ المُبْيحُ لَهُ - لَمْ يحرِّمْ قَتْلَ النِّسَاءَ (٢) ، كَمَا لَو وَجَبَ أَو أُبِيحَ قَتْلُ المَرْأَةِ بِزِنًا، أَو قَوَدٍ، الحواشي
(١) في المطبوعة: (الحرب).(٢) قال شيخ الإسلام في الصارم المسلول (٢/ ٢٠٦): (فقتل المرأة لا يجوز إلا أن تقاتل؛ لأنه رأى امرأة في بعض مغازيه مقتولة، فقال: ما كانت هذه لتقاتل، ونهى عن قتل النساء والصبيان ... لأن قتل المرأة لمجرد الكفر لا يجوز، ولا نعلم أن قتل المرأة الكافرة الممسكة عن القتال أبيح في وقت من الأوقات؛ بل القران وترتيب نزوله دليل على أنه لم يبح قط).
وقال في الموضع السابق (٢/ ٣١٩): (الموجب للقتل هو السب لا مجرد الكفر والمحاربة .. فحيثما وجد هذا الموجب وجب القتل؛ وذلك لأن الكفر مبيح للدم =стр. 182
أَو رِدَّةٍ، فَلَا يَجُوزُ مَعَ قِيَامِ المُوجِبِ لِلقَتْلِ أَو المُبِيحُ لَهُ أَنْ يحرِّمَ ذَلِكَ، لمِا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ المَال، بَلْ تَفْوِيتُ النَّفْسِ الحُرَّةِ أَعْظَمُ، وَهِيَ تُقْتَلْ لِهَذِهِ الأُمُورِ (١) .
والأَمَةُ المَمْلُوكَةُ تُقْتَلُ لِلقِصِاصِ والرِّدَّةِ؛ وَلِهَذَا لمَّا كَانَتِ الرِّدَّةُ المُجَرَّدَةُ مُوجِبَةً لِلقَتْلِ لَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُ المُرْتَدَّةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ الَّذِين يَقْتُلُونَ المُرْتَدَّة، وَإِنَّمَا يُجوِّزُ اسْتِرْقَاقَهَا مَنْ لا يُوجِبُ قَتْلَهَا.
فَأَمَّا الجَمْعُ بَينَ هَذَا وَبَينَ هَذَا فَمُتَعَذِرٌ. الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام في الصارم المسلول (٢/ ٥١٥): (فإنما يقاتل من كان ممانعًا عن ذلك، وهم أهل القتال، فأما من لا يقاتل عن ذلك فلا وجه لقتله؛ كالمرأة والشيخ الكبير والراهب ونحو ذلك؛ ولأن المرأة تصير رقيقة للمسلمين ومالًا لهم، ففي قتلها تفويت لذلك عليهم من غير حاجة، وإضاعة المال لغير حاجة لا يجوز).стр. 183
[مُنَاقَشَةُ قَولِ مَنْ يَقُولُ: يُقْتَل الكَافِرُ لمُجَرَّدِ كفْرِهِ]
ثُمَّ يُقَالُ: فَإِنْ كَانَ مُجَرَّدُ الكُفْرِ هُوَ المُوجِبُ لِلَقَتْلِ، فَمَا المَانِعُ مِنْ قَتْلِ المَرْأَةِ الكَافِرَةِ؟ .
فَإِذَا قِيلَ: لَأَنَّها صَارَتْ سَبْيًا لِلْمُسْلِمِينَ.
قِيلَ: إِنَّمَا صَارَتْ سَبْيًا لِحُرْمِةِ دَمِهَا.
فَإِذَا قِيلَ: حَرُمَ دَمُهُا لِكَونِهَا تَصِيرُ رَقِيقَةً، كَانَ هَذَا دَورًا، فَإِنَّهُ تَعْلِيلٌ لاستِرْقَاقِهَا بِحُرْمَةِ دَمِهَا، وَتَعْلِيلٌ لِحُرْمَةِ دَمِهَا بِاستِرْقَاقِهَا وَمَصِيرِهَا مَالًا.
فَإِنْ قِيلَ: بَلِ العِلَّةُ هِي إِمْكَانُ استِرْقَاقِهَا وَأَنْ تَصِيرَ مَالًا.
قِيلَ: وَهَذِهِ العِلَّةُ مَوجُودَةٌ فِي الرِّجِالِ، فَيُمْكِنُ استِرْقَاقُهُمْ واسْتِعْبَادُهُمْ؛ وَلِهَذَا يُخَيَّرُ الإِمَامُ فِي الأَسْرَى بَينَ القَتْل، وَالاستِرْقَاق،
стр. 184
وَالمَنِّ، وَالفِدَاءِ (١) .
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا يُسْتَرَقُ الرَّجُلُ إِذَا أُمِنَتْ غَائِلَتُهُ، وَالمَرْأَةُ مَأْمُونَةٌ.
قِيلَ: فَقَدْ عَادَ الأَمْرُ إِلَى خَوفِ الضَّرَر، وَأَنْ الرَّجُلَ إِنَّمَا قُتِلَ لِدَفْعِ ضَرَرِهِ عَنِ الدِّينِ وَأَهْلِه، فَمَنْ أُمِنَ ضَرَرُهُ بِالدِّينِ وَأَهْلِهِ لَمْ يُقْتَلْ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الرِّجِالِ يُؤْمَنُ ضَرَرُهُ أُكْثَرَ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ النِّسَاء، وَلِهَذَا تُقْتَلُ المَرْأَةُ إِذَا قَاتَلَتْ، وَإِذَا كَانَتْ مُدَبِّرَةً بِالرَّأَيِّ، مِثْل هِنْدٍ، وَقَدْ أَباحَ النَّبِيُّ ﷺ عامَ الفَتْحِ دَمَ عِدَّةِ نِسْوَةٍ فِيهِنَّ هِنْد.
فَإِنْ قِيلَ: المَرْأَةُ إِذَا قَاتَلَتْ تُقْتَلُ دَفْعًا لِصَولِهَا، فَإِذَا أُسِرَتْ لَمْ تقتَلْ.
قِيلَ: لَا نُسلِّمُ، فَإِنَّ هَذَا وَإِنْ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، فَالَأَكْثَرُونَ يُبِيحُونَ الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام كما في الفتاوى (٣٤/ ١١٦): (فإن الإمام إذا خير في الأسرى بين القتل والاسترقاق والمن والفداء، فعليه أن يختار الأصلح للمسلمين).
ونحوه أيضًا في الصارم المسلول (٢/ ٤٦٩).стр. 185
قَتْلَ مَنْ قَاتَلَتْ بَعْدَ الأَسْرِ كَالرَّجُلِ، وَكَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بقَتْلِ هِنْد وَغَيرِهَا مِنْ النِّسْوَةِ، وَكَانَ قَدْ أَمَّنَ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ، وَلَمْ يُؤَمِّنْ مَنْ قَاتَلَ، لا مِنَ الرِّجَالِ وَلا مِنَ النِّسَاءِ (١) .
فَدَلَّ ذَلِكَ: عَلَى أنَّهُ أَبَاحَ قَتْلَ أُولَئِكَ النِّسْوَة، وَإِنْ لَمْ يَكُنَّ حِينَئِذٍ يُقَاتِلْنَ لمَا تَقَدَّمَ مِنْ قِتَالهِنَّ بِأَلْسِنَتِهِنَّ، فَإِنَّ القِتَالَ بِاللِّسَانِ قَدْ يَكُونُ الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام في الصارم المسلول (٢/ ٢٥٩): (وإذا قاتلت المرأة الحربية جاز قتلها بالإتفاق لأن النبي علل المنع من قتلها بأنها لم تكن تقاتل، فإذا قاتلت وجد المقتضى لقتلها، وانتفى المانع؛ لكن عند الشافعي تقاتل كما يقاتل المسلم الصائل، فلا يقصد قتلها بل دفعها، فإذا قدر عليها لم يجز قتلها، وعند غيره إذا قاتلت صارت بمنزلة الرجل المحارب). وانظر أيضًا الموضع السابق (٢/ ٥٢٢)، وقال أيضًا في الموضع السابق (٣/ ٧٧٤): (وبالجملة فقصة قتله لأولئك النسوة من أقوى ما يدل على جواز قتل السابة بكل حال، فإن المرأة الحربية لا يبيح قتلها إلا قتالها، وإذا قاتلت ثم تركت القتال في غزوة أخرى واستسلمت وانقادت لم يجز قتلها في هذه الثانية، ومع هذا فالنبي أمر بقتلهن).стр. 186
أَعْظَمَ مِنَ القِتَالِ بِاليَدِ (١) .
* * * الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام في الصارم المسلول (٣/ ٧٣٥): (إن المحاربة نوعان: محاربة باليد، ومحاربة باللسان، والمحاربة باللسان في باب الدين قد تكون أنكى من المحاربة باليد ... ولذلك كان النبي يقتل من كان يحاربه باللسان مع استبقائه بعض من حاربه باليد، خصوصًا محاربة الرسول بعد موته، فإنها إنما تمكن باللسان، وكذلك الإفساد قد يكون باليد، وقد يكون باللسان، وما يفسده اللسان من الأديان أضعاف ما تفسده اليد، كما أن ما يصلحه اللسان من الأديان أضعاف ما تصلحه اليد، فثبت أن محاربة الله ورسوله باللسان أشد، والسعي في الأرض لفساد الدين باللسان أوكد).стр. 187
[الدَّلِيلُ الثَّانِي عَلَى تَحْرِيمِ قَتْلِ الكَافِرِ لمُجَرَّدِ كفْرِهِ]
وَأَيضًا: فَقَدْ دَلَّتِ النُّصُوصُ عَلَى أَنَّ مَنْ تَابَ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيهِ وَهُوَ مُمتنِعٌ فَإِنَّهُ يَعْصِمُ دَمَهُ وَمَالَهُ، بِخَلافِ مَنْ تَابَ بَعْدَ القُدْرَةِ عَلَيه، فَلَو أَسْلَمَ الأَسِيرُ بَعْدَ أَسرِهِ لَعُصِمَ دَمُهُ وَلَمْ يُعْصَم اسْتِرَقَاقُهُ.
بَلْ قِيلَ: يَصِيرُ رَقِيقًا.
وَقِيلَ: يُخَيَّرُ الإِمَامُ فِيهِ (١) . الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام في الفتاوى (١٠/ ٣٧٤): (كما قال ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾، وقال: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾؛ ولهذا من تاب من الكفار والمحاربين وسائر الفساق قبل القدرة عليه سقطت عنه العقوبة التي لحق لله، فإذا أسلم الحربي قبل القدرة عليه عصم دمه وأهله وماله، وكذلك قاطع الطريق والزاني والسارق والشارب إذا تابوا قبل القدرة عليهم؛ لحصول المقصود بالتوبة، وأما إذا تابوا بعد القدرة لم تسقط العقوبة كلها؛ لأن ذلك يفضي إلى تعطيل الحدود، وحصول الفساد؛ ولأن هذه التوبة غير موثوق بها؛ ولهذا إذا =стр. 188
وَإِنَّمَا عُصِمَ دَمَهُ؛ لَأَنَّ الكُفْرَ شَرْطٌ فِي حِلِّ دَمِ المَقْدُورِ عَلَيه، حَتَّى أَنَّ المُسْلَمَ إِذَا حَارَبَ جَازَ قِتَالُهُ، فَإِذَا قُدِرَ عَلِيهِ لَمْ يَحِلَّ قِتْلُهُ، فَإِنَّ الإِسْلامِ عَاصِمٌ، فَفِي الحدِيثِ: "لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلاثٍ، كُفْر بَعْدَ إِسْلامٍ، وَزِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَو أَنْ يَقْتُلَ نَفْسًا فَيقْتَلَ بِهَا" (١) ، كَمَا جَاءَ مِثْل هَذَا الحدِيث مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مَنْ حَدِيثِ ابنِ مَسْعُودٍ.
فَالمُحَارِبُ إِذَا كَانَ كَافِرًا: جَازَ قَتْلُهُ، وَإِذَا أُسِرَ جَازَ قَتْلُهُ لحِرَابِهِ (٢) المتقَدِّم، وَدَفَعًا لِشَرِّهِ فِي المُسْتَقْبَل، فَإِنَّهُ إِذَا مُنَّ عَلَيهِ أَو فُودِيَ الحواشي
(١) أخرجه البخاري (ح/ ٦٤٨٤)، ومسلم (ح/ ١٦٧٦) من حديث ابن مسعود ﵁.(٢) في المطبوعة: (حربه).стр. 189
فَقَدْ يَضُرُّ بِالمُسْلِمِينَ (١) .
وأَمَّا المُسْلِمُ: إِذَا جَازَ قِتَالُهُ لحِرَابِهِ (٢) ، مِثْل قِتَالِ البُغَاةِ والعِدَاة، فَإِذَا أسرَ لمْ يَجُزْ قتْلهُ لحِرَابِهِ (٣) المتقَدِّم، وَلكِنْ إِذا كانَ لهُ فِئَةٌ مُمْتَنِعَةٌ:
فَقِيلَ: يَجُوزُ قَتْلُهُ لحِرَابِهِ (٤) المُتَقَدِّم.
وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ (٥) . الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام في الصارم المسلول (٢/ ٥٠٦): (وصار هذا كالأسير اقتضت المصلحه قتله، لعلمنا أنه متى أفلت كان فيه ضرر على المسلمين أكثر من ضرر قتله، فإنه لا يجوز المن عليه ولا المفاداه به اتفاقًا).(٢) في المطبوعة: (حربه).(٣) في المطبوعة: (حربه).(٤) في المطبوعة: (حربه).(٥) قال شيخ الإسلام في الفتاوى (١٠/ ٣٧٤): (ولهذا من تاب من الكفار والمحاربين وسائر الفساق قبل القدرة عليه سقطت عنه العقوبة التي لحق لله، فإذا أسلم الحربي قبل القدرة عليه عصم دمه وأهله وماله، وكذلك قاطع الطريق والزاني والسارق والشارب إذا تابوا قبل القدرة عليهم لحصول المقصود بالتوبة، =стр. 190
[الدَّلِيلُ الثَّالِثُ عَلَى تَحْرِيمِ قَتْلِ الكَافِرِ لمُجَرَّدِ كُفْرِهِ]
وَأَيضًا: فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ فِي قِتَالِ الكُفَّارِ: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾.
وَلَو كَانَ الكُفْرُ مُوجِبًا لِلقَتْلِ: لَمْ يَجُزْ المَنُّ عَلَى الكَافِرِ وَلَا المُنَادَاةَ بِه، كَمَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ مَمَّنْ وَجَبَ قَتْلُهُ، كَالزَّانِي المُحْصَنِ وَالمُرْتَدِّ، وَقَدْ مَنَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى غَيرِ وَاحِدٍ مِنَ الكُفَّار، وَفَادَى بِكَثِيرٍ مِنْهُمْ، فَفَادَى بِالأَسْرَى يَومَ بَدْرٍ (١) . الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام كما في الفتاوى (٢٨/ ٤١٤): (والكافر الأصلي يجوز أن يعقد له أمان وهدنة، ويجوز المن عليه والمفاداة به إذا كان أسيرًا عند الجمهور، ويجوز إذا كان كتابيًّا ان يعقد له ذمة، ويؤكل طعامهم، وتنكح نساؤهم، ولا تقتل نساؤهم إلا أن يقاتلن بقول أو عمل باتفاق العلماء، وكذلك لا يقتل منهم إلا من =стр. 191
وَلَو كَانَ الكُفْرُ مُوجِبًا: لَوَجَبَ قَتْلُ كُلِّ أَسَيرٍ كَافِرٍ، وَقَدْ مَنَّ عَلَى أَبِي عَزَّةَ الجُمَحِيِّ، وَعَلَى ثُمَامَةَ بنِ أَثَّالٍ، وَغَيرِهِمِا.
فَإِنْ قِيلَ: المَنُّ وَالفِدَاءُ مَنْسُوخٌ.
الحواشي
(١) = كان من أهل القتال عند جمهور العلماء، كما دلت عليه السنة)، وقال أيضًا كما في الموضع السابق (٢٨/ ٣٥٥): (ولهذا أوجبت الشريعة قتال الكفار، ولم توجب قتل المقدور عليهم منهم؛ بل إذا أسر الرجل منهم في القتال أو غير القتال مثل أن تلقيه السفينة إلينا أو يضل الطريق أو يؤخذ بحيلة، فإنه يفعل فيه الإمام الأصلح من قتله أو استعباده أو المن عليه أو مفاداته بمال أو نفس عند أكثر الفقهاء، كما دل عليه الكتاب والسنة، وإن كان من الفقهاء من يرى المن عليه ومفاداته منسوخًا)، وقال أيضًا في الموضع السابق (٣٤/ ١١٦): (فإن الإمام إذا خير في الأسرى بين القتل والاسترقاق والمن والفداء، فعليه أن يختار الأصلح للمسلمين)، وقال أيضًا في منهاج السنة (٤/ ٤٢٢): (ومن الاجتهاد أن يكون ولى الأمر أو نائبه مخيرًا بين أمرين فأكثر، تخيير تحر للأصلح، لا تخيير شهوة، كما يخير الإمام في الأسرى بين القتل والاسترقاق والمن والفداء عند أكثر العلماء).стр. 192
قَيلَ: هَذَا مَمْنُوعٌ (١) ، فَأَينَ النَّاسِخُ؟ .
وَبِتَقْدِيرِ نَسْخِهِ فَذَاكَ لَأَنَّ لَهُ فِئَةٌ يَعُودُ إِلَيهِمْ فَيُقَويِهِمْ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ بِمَنعِ المَنِّ وَالفِدَاء لِهَذِهِ العِلَّة، كَمَا يُقْتَلُ الأَسِيرُ المُسْلِمُ إِذَا كَانَ لَهُ فِئَةٌ مُمتنِعَةٌ، وَإِلَّا فَيَجَوزُ اسْتِرَقَاقُهُ، فَلَو كَانَ القَتْلُ مُوجِبًا لمَا جَازَ اسْتِرَقَاقُهُ.
* * * الحواشي
(١) وقال شيخ الإسلام في منهاج السنة (٤/ ٤٢٢): (فإن قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾، ليس بمنسوخ).стр. 193
[الدَّلِيلُ الرَّابعُ عَلَى تَحْرِيمِ قَتْلِ الكَافِرِ لمُجَرَّدِ كُفْرِهِ]
وَأَيضًا: فَلَو كَانَ مُجَرَّدُ الكُفْرِ مُبِيحًا: لمَا أَنْزَلَ النَّبِيُّ ﷺ قُرَيظَةَ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ (١) فَيهِمْ، وَلَو حَكَمَ فِيهِمْ بِغَيرِ القَتْلِ لَنَفَذَ حُكْمُهُ، بَلْ كَانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِهِمْ ابْتِدَاء، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ لمَّا حَكَمَ فِيهِمْ بِالقَتْلِ: "لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ" (٢) .
لأَنَّ قَتْلَ تِلْكَ الطَّائِفَةِ المُعَيَّنَةِ مِنَ الكُفَّارِ كَانَ فِي نَفْسِ الأَمْرِ مِمَّا أَمَرَ اللهُ بهِ رَسُولَهَ، وَكَانَ أَرْضَى للهِ وَرَسُولِه، فَإِنَّهُمْ لَو أُطْلِقُوا لَعَادَ عَلَى الإِسْلامِ مَنْ شَرِّهِمْ مَا لا يُطْفَأْ، وَلَكِنْ هَذَا مَا كَانَ ظَاهِرًا.
وَكَانَ لهمْ مِنْ حُلَفَائِهِمْ فِي الجاهِلَيَّةِ مِنَ المُسْلِمِينَ مَنْ يَخْتَارُ المَنَّ عَلَيهِمْ، فَلَمَّا حَكم فَيهِمْ سَعَدٌ بِالقَتْل، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ "لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ". وَهَذَا يَدَلُّ عَلَى أَنْ بَعْضَ الكُفَّارِ يَتَعَيَّنُ قَتْلُهُ دُونَ الحواشي
(١) في هامش الأصل كتب: (بياض بالأصل)، ثم أضافها في الأصل بين معقوفتين.(٢) سبق تخريجه.стр. 194
بَعْضٍ، وَهَذَا حُجَّةٌ لِكَوْنِ مُجَرَّدِ الكُفْرِ لَيْسَ هُوَ المُوْجِبُ لِلْقَتْلِ.
وَإِنَّمَا المُوْجِبُ كُفْرٌ مَعَهُ إِضْرَارٌ بِالدِّيْنِ وَأَهْلِهِ (١) ، فَيُقْتَلْ لِدَفْعِ ضَرَرَهِ وَأَهْلِه، لِعَدَمِ العَاصِم، لَا لِوُجُودِ المُوْجِب، فَإِنَّ الكُفْرَ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوْجِبًا [لِلْقَتْلِ] (٢) - فَصَاحِبُهُ لَيْسَ بِمَعْصُوْمِ الدَّمِ وَلَا المَال، بَلْ الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام كما في الفتاوى (٢٨/ ٣٥٤): (وذلك أن الله تعالى أباح من قتل النفوس ما يحتاج اليه في صلاح الخلق ... فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله لم تكن مضرة كفره إلا على نفسه ... ولهذا أوجبت الشريعة قتال الكفار ولم توجب قتل المقدور عليهم منهم). وقال أيضًا كما في الفتاوى (٢٥/ ١٠٢): (وأما أحمد فالمبيح عنده أنواع أما الكافر الأصلي فالمبيح عنده هو وجود الضرر منه أو عدم النفع فيه، أما الأول فالمحاربة بيد أو لسان فلا يقتل من لا محاربة فيه بحال من النساء والصبيان والرهبان والعميان والزمنى ونحوهم، كما هو مذهب الجمهور).(٢) ما بين المعقوفتين إضافة يقتضيها السياق، وهي مذكورة في بعض المواطن من كتب شيخ الإسلام هكذا. قال شيخ الإسلام في الصارم المسلول (٢/ ٣١٩): (لأن الكفر مبيح للدم لا موجب لقتل الكافر بكل حال، فإنه يجوز أمانة =стр. 195
هُوَ مُبَاحُ الدَّمِ وَالمَالِ، فَلَمْ تَثْبُتْ فِي حَقِّهِ العِصْمَةُ المُؤْثِمِةُ، فَلَوْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ وَلَا عَهْدَ لَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ بِشَيءٍ، حَتَّى نِسَاؤُهُمْ وَصِبْيَانُهُمْ لَوَ قتلَهُمْ قَاتِلٌ لَمْ يَضْمَنَهُمْ (١) ، وَمَا نَعْلَمُ فِي هِذَا نِزَاعًا بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ.
مَعَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُمْ، مِثْلَ كَثِيرٍ مِنْ الحَيوَان، لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ، وَلَوْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ لَمْ يَضْمَنْهُ بِشَيءٍ، وَهُوَ مُبَاحُ الدَّمِ وَالمَال، كَمَا نَقَوْلُ فِيْمَا خُلِقَ مِنَ النَّبَاتِ وَالصَّيْدِ هُوَ مُبَاحٌ، ثُمَّ مَعَ هَذَا لَا يَجُوْزُ إِتْلَافُهُ بِلَا فَائِدَةٍ، فَلَا يَجُوْزُ قَتْلُ الصَّيْدِ لِغَيْرِ مَأْكَلِه، وَلَا إِتْلَافُ المُبَاحَاتِ لِغَيْرِ مَنْفَعَةٍ، فَإِنَّ هَذَا فَسَادٌ، وَاللهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ. الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام في الصارم المسلول (٢/ ٢٥٨): (نعم المحرم إنما هو قصد قتلهن فأما إذا قصد الرجل بالإغارة أو برمي منجنيق أو فتح شق أو إلقاء نار، فتلف بذلك نساء أو صبيان لم نأثم بذلك، وبكل حال فالمرأة الحربية غير مضمونة بقود ولا دية ولا كفارة لأن النبي لم يأمر من قتل المرأة في مغازيه بشيء من ذلك، فهذا ما تفارق به المرأة الذمية).стр. 196
[قَتْلُ الكَافِرِ الَّذِي لَا يَضُرُّ بِالمُسْلِمِيْنَ فَسَادٌ لَا يُحْبُهُ اللهُ وَلَا رَسُوْلُهُ]
كَذَلِكَ الكَافِرُ الَّذِي لَا يَضُرُّ المُسْلِمِيْنَ، هُوَ غَيْرُ مَعْصُوْمٍ، بَلْ مُبَاحٌ، وَهُوَ مِنْ حَطَبِ جَهَنَّمِ؛ لَكِنْ قَتْلَهَ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يُوْجِبُ قَتْلَهَ فَسَادٌ لَا يُحْبُهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَإِذَا لَمْ يُقْتَلْ يُرْجَى لَهُ الإِسْلَامُ كَالعُصَاةِ مِنَ المُسْلمِينَ.
وَاللهُ تَعَالَى أَبَاحَ القَتْلَ؛ لَأَنَّ الفِتَنَةَ أَشَدُّ مِنَ القَتْل، فَأَبَاحَ مِنَ القَتْلِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ (١) ، فَإِنَّ الأَصْلَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ قَتْلَ النَّفْسِ إِلَّا بِحَقِّهَا (٢) . الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام كما في الفتاوى (٢٨/ ٣٥٤): (وذلك أن الله تعالى أباح من قتل النفوس ما يحتاج إليه في صلاح الخلق ... فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله لم تكن مضرة كفره إلا على نفسه ... ولهذا أوجبت الشريعة قتال الكفار ولم توجب قتل المقدور عليهم منهم).(٢) قال شيخ كما في الفتاوى (١٦/ ٨٠): ((قوله: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ(٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾، دليل على أنه لا يجو ز قتل النفس إلا بذنب منها، فلا يجوز قتل الصبي =стр. 197
[قَتْلُ الآدَمِيِّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ بَعْدَ الكُفْرِ]
وَقَتْلُ الآدَمِيِّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ بَعْدَ الكُفْر، فَلَا يُبَاحُ قَتْلُهُ إِلَّا لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ، وَهُوَ أَنْ يُدْفَعَ بِقَتْلِهِ شَرٌّ أَعْظَمَ مِنْ قَتْلِه، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي وُجُودِ هَذَا الشَّرِّ لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ، قَالَ تَعَالَى:
﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
فَلَمْ يُبِحْ القَتْلَ إِلَّا قَوَدًا، أَوْ لِفَسَادِ البُغَاةِ وَسَعْيِهمْ فِي الأَرْضِ بِالفَسَاد، مِثُل: فِتْنَةُ المُسْلِمِ عَنْ دِيْنِه، وَقَطْعِ الطَّرِيْقِ. وَأَمَّا ذَنْبُهُ الَّذِي
الحواشي
(١) = والمجنون؛ لأن القلم مرفوع عنهما، فلا ذنب لهما، وهذه العلة لا ينبغي أن يشك فيها في النهي عن قتل صبيان أهل الحرب، وأما العلة المشتركة بينهم وبين النساء، فكونهم ليسوا من أهل القتال على الصحيح الذي هو قول الجمهور ... والآية تقتضي ذم قتل كل من لا ذنب له، من صغير وكبير، وسؤالها توبيخ قاتلها).стр. 198
يَخْتَصُّ بِهِ وَلَا يَتَعَدَّى ضَرَرُهُ إِلَى غَيْرِهِ: فَهَذَا لَا يُسَمَّى فَسَادًا (١) .
بِخَلافِ الدَّاعِي إِلَى الكُفْرِ وَالنِّفِاقِ والزِّنَى، فَإِنَّ هَذَا أَفْسَدَ غَيْرَهُ، فَلَوْلا عُقُوْبِةِ الزُّنَاةِ لَكَانَ مَنِ اشتَهَاهُ يَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ يُجِيْبُهُ إِلَيْه، فَيُفْسِدُ كُلٌّ مِنْهُمَا الآخَرُ، وَيُفْسِدِانِ النَّاسَ، فَإِذَا قُتِلَ فَاعِلُهُ انْتَهَوا عَنِ الفَسَادِ.
* * * الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام في الصارم المسلول (٣/ ٧٣٤): (الفساد نوعان: لازم وهو مصدر فسد يفسد فسادًا، ومتعد وهو اسم مصدر أفسد يفسد إفسادًا، وهذا إنما يقال لمن أفسد غيره؛ لإنه لو كان الفساد في نفسه فقط لم يقل: سعى في الارض فسادًا، وإنما يقال في الأرض لما انفصل عن الإنسان، كما قال : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾، وقال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ(٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾).стр. 199
[مُنَاقَشَةُ بَعْضُ الإِعْتِرَاضَاتِ]
فَإِنْ قِيْلَ: فَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ لا يُقْتَلَ تَارِكُ الصَّلاةِ؛ لأَنَّ ضَرَرَهُ عَلَى نَفْسِهِ.
قِيلَ: مَنْ يَقُول: إِنَّه يَكْفُرُ: يَقْتُلُهُ (١) لِرِدَّتِه، وَمَعْلُوْمٌ أَنَّهُ لَا يُدْعَى أَحَدٌ إِلَى الصَّلَاة، فَيَمْتَنَعُ عَنْهَا حَتَّى يُقْتَلَ إِلَّا وَهُوَ كَافِرٌ، وَنَحْنُ لَا نَقْتُلُهُ ابْتِدَاءً، بَلْ يُدْعَى إِلَيْهَا، وَيُعَاقَبُ بِمَا دُوْنَ القَتْل، فَإِنْ صَلَّى وَإِلَّا فَإِذَا أَصَرَّ حَتَّى يُقْتَلَ وَلَا يُصْلِّي فَهُوَ كَافِر قَطْعًا (٢) . الحواشي
(١) في المطبوعة: (بقتله)، وهو خطأ.(٢) قال شيخ الإسلام في السياسة الشرعية ص(١٠٢) : (فأما غير الممتنعين من أهل ديار الإسلام ونحوهم، فيجب إلزامهم بالواجبات التي هي مباني الإسلام الخمس وغيرها، من أداء الأمانات، والوفاء بالعهود في المعاملات، وغير ذلك، فمن كان لا يصلي من جميع الناس رجالهم ونسائهم، فإنه يؤمر بالصلاة، فإن امتنع عوقب حتى يصلي بإجماع العلماء، ثم إن أكثرهم يوجبون قتله إذا لم يصل فيستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهل يقتل كافرًا أو مرتدًا أو فاسقًا، على قولين =стр. 200
وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ مَعَ صَبْرِهِ عَلَى القَتْلِ يَكُونُ مُسْلِمًا في البَاطِنِ فَخَطَؤُهُ ظَاهِرٌ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيْحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "بَيْنَ العَبْدِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاةِ" (١) ، وَقَالَ: "العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلاة فَمَنْ ترَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ" (٢) .
وَأَمَّا مَنْ قَتَلَهُ لِتَرْكِ الصَّلَاةِ مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّهُ قَتَلَ مُسْلِمًا: فَهَذَا مِمَّا أنكَرَهُ كَثِيْرٌ مِنَ العُلَمَاء، وَقَالُوا هُوَ خِلَافُ النُّصُوْصِ (٣) . الحواشي
(١) أخرجه مسلم (ح/ ٨٢) من حديث جابر ﵁.(٢) أخرجه الترمذي (ح/ ٢٦٢٣)، وقال: حسن صحيح، والنسائي (١/ ٢٣)، وابن ماجه (ح/ ١٠٧٩)، وصححه الحاكم (١/ ٦)، ووافقه الذهبي من حديث بريدة ﵁.(٣) قال شيخ الإسلام في شرح العمدة (٤/ ٧١ - ٧٣) (: (ويقتل لكفره في إحدى الروايتين، وفي الأخرى يقتل كما يقتل الزاني والمحارب مع ثبوت إسلامه حدًّا محضًا ... والرواية الأولى اختيار أكثر الأصحاب مثل أبي بكر وابن شاقلا وابن =стр. 201
وَأَيْضًا (١) : دَمُ المُسْلِمِ لَا يَحِلُّ إِلَّا بِرِدَّةٍ، أَوْ زِنًا مَعَ إِحْصَانٍ، أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ، وَلِهَذَا كَانَ المَانِعُوْنَ لِلزَّكَاةِ عِنْدَ الصَّحَابَةِ وَالمُسْلِمِينَ مُرْتَدِّيْنَ، لَمْ يَجْعَلُوْا فِيْهِمِ أَحَدًا مُسْلِمًا، فَمَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ حَتَّى قُتِلَ وَلَمْ يُزَكِ لَمْ يَكُنْ إِلَّا كَافِرًا، وَكَذَلِكَ الصَّوْمُ وَالحَجُّ، لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ قِيْلَ لَهُ: إِنْ لَمْ تَصُمْ وَإِلَّا قتلْنَاكَ، فَامْتَنَعَ مِنَ الصِّيْامِ وَالحَجِّ حَتَّى قُتِلَ، كَانَ كَافِرًا، وَمِثْلُ هَذِهِ الأُمُوْرِ الَّتِي بُنِي الإِسْلَامِ عَلَيْهَا، فَهِي كَالشَّهَادَتَيْن، فَلَا يَكُوْنُ مُسْلِمًا بِدُوْنِهَا.
وَدَارُ الإِسْلَامِ لَا يُتْرَكُ فِيْهَا إِلَّا مُسْلِمٌ أَوْ كَافِرٌ بِجِزْيَةٍ وَصَغَارٍ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ كَافِرًا بِجِزْيَةٍ وَصَغَارٍ فَهُوَ مُسْلِمٌ، فَلَا يَكُوْنُ مُسْلَمًا الحواشي
(١) في (الأصل): (وهو أيضا)، وكتب في هامشها: (كذا ولعل (هو) زائدة).стр. 202
حَتَّى يَقُوْمَ بِمَبَانِي الإِسْلامِ (١) ، فَصَارَ قَتُلْ هَذَا كَقَتْلِ مَنْ أَتَى بِإِحْدَى الشَّهَادَتَيْنِ دَوْنَ الأُخْرَى، وَكَقَتْلِ مَنْ كَذَّبَ بِالقُرْآنِ أَوْ بَعْضِه، أَوْ جَحَدَ وُجُوبَ الصَّلَاة، فَإِنَّ هَذَا يُقْتَلُ بِالإِجْمَاعِ؛ لِكَوْنِهِ كَافِرًا غَيْرُ مُسْلِمٍ (٢) .
وَمَنْ قَالَ هَذَا يَقُوْلُ: قَولهُ ﷺ : "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ" (٣) لَا يَدْخُلُ فِيْهِ مَنْ تَرَكَ إِحْدَى المَبَانِي؛ لَأَنَّ هَؤُلَاءِ غَيْرُ مُسْلِمِيْنَ، وَهَذَا قَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ يَعُوْدُ إِلَى أَنَّهُمْ مُرْتَدُّوْنَ، وَقَدْ يُقَالُ: لَيْسُوْا مُرْتَدِّيْنَ وَلَكِنْ أَتَوا بِبَعْضِ الإِسْلَامِ وَترَكُوا بَعْضَهُ، فَيُقْتَلُوْنَ عَلَى مَا تَرَكُوُهُ، وَالمُنَافِقُونَ ظَاهِرُهُمْ الإِسْلَام، وَهُمْ كُفَّارٌ فِي البَاطِنِ. الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام في الجواب الصحيح (٢/ ١٢٦): (وقد اتفق المسلمون على أن من جحد وجوب مباني الإسلام الخمس: الشهادتين، والصلوات الخمس، والزكاة، وصيام شهر رمضان، وحج البيت، فإنه كافر).(٢) قال شيخ الإسلام كما في الفتاوى (٢٠/ ٩٧): (من لم يقر بوجوبها، فهو كافر باتفاقهم).(٣) سبق تخرجه.стр. 203
وَكَذَلِكَ الأَعْرَابُ الَّذيْنَ قَالُوْا آمَنَّا، فَقِيْلَ لَهُمْ: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ لَيْسُوْا كُفَّارًا مُبَاحِيِّ الدِّمَاء، وَلَيْسُوْا - أَيْضًا - مُؤْمِنِيْنَ مُسْتَحِقِيْنَ لِلثَّوَاب، بَلْ قَدْ يَسْتَوُون مَعَ المُسْلِمينَ فِي الدُّنْيَا، وَالمُنَافِقُونَ يَكُوْنُونَ فِي الآخِرَةِ مَعَ الكُفَّار، فَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِالمَبَانِي يُشْبِهُ هَؤُلَاءِ.
أَمَّا مَنْ تركَ المَبَانِي أَوْ بَعْضَهَا: فَهَذَا قَدْ يَكُوْنُ مُنَافِقًا يُحْشَرُ مَعَ المُنَافِقِيْنَ، وَلَابُدَّ مِنْ عُقُوْبَتِه، فَإِنْ أَصَرَّ حَتَّى قُتِلَ، فَهَذَا كَافِرٌ، إِمَّا مُنَافِقٌ، وَإِمَّا مُرْتَدٌّ، وَإِمَّا زِنْدِيْقٌ ظَهَرَ نِفَاقُهُ وَزَنْدَقَتُهُ (١) . الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام كما في الفتاوى (٢٠/ ٩٥): (مباني الإسلام الخمس المأمور بها وإن كان ضرر تركها لا يتعدى صاحبها، فإنه يقتل بتركها في الجملة عند جماهير العلماء، ويكفر أيضا عند كثير منهم أو أكثر السلف، وأما فعل المنهي عنه الذي لا يتعدى ضرره صاحبه، فإنه لا يقتل به عند أحد من الأئمة، ولا يكفر به إلا إذا ناقض الإيمان لفوات الإيمان، وكونه مرتدًا أو زنديقًا).стр. 204
[المُوْجِبُ لِلْقَتْلِ]
وَنَحْنُ قَدَّمْنَا: أَنَّ مُجَرَّدَ الكُفْرِ لَيْسَ مُوْجِبًا [لِلْقَتِلِ] (١) ؛ بَلْ المُوْجِبُ هُوَ الكُفْرُ المُغَلَّظُ، وَتَغْلِيْظُهُ تَارَةً يَكُوْنَ بِحَرْبِ صَاحِبِه، وَتَارَةً بِرِدَّتِهِ عَنِ الإِسَلامِ.
ثُمَّ المُرْتَدُّ نَوْعَانِ: رِدَّةٌ مُجَرَّدَةٌ، وَرِدَّةٌ مُغَلَّظَةٌ، فَصَاحِبُ الرِّدَّةِ المُغَلَّظَةِ يُقْتَلْ بِلا اسْتِتَابَةٍ، وَإِنْ اُسْتُتِيْبَ صَاحِبُ المُجَرَّدَةِ كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِ مَقِيْس بنِ صَبَابَة، وَعَبْدِ اللهِ بنِ خَطَلٍ مِنْ غَيْرِ اسْتِتَابَةٍ، وَكَانَ - أَيْضًا - قَدْ أَهْدَرَ دَمَ عَبْدِ اللهِ بنِ سَعْدٍ بنِ أَبِي سَرْحٍ، فَلَوْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ مِنْ غَيْرِ اسْتِتَابَةٍ لجَازَ؛ لَكِنْ جَاءَ بَعْدُ فَقَبِلَ تَوْبَتَهُ.
وَهَذَا يَدَلُّ عَلَى أَنْ الاسْتِتَابَةَ وَقَبَوْلَ التَّوْبَةِ لَيْسَ وَاجِبًا لِكُلِّ مُرْتَدٍّ، وَلا مُحَرَّمًا فِي حَقِّ كُلِّ مُرْتَدٍّ، بَلْ صَاحِبُ الرِّدَّةِ المُغَلَّظَةِ قَدْ يُقْتَلُ وَلَوْ تَابَ، وَقَدْ يُقْتَلُ بِلا اسْتِتَابَةٍ، وَلَكِنْ لَوْ تَابَ لَمْ يُقْتَلْ، وَقَدْ يُؤْمَرُ الحواشي
(١) ما بين المعقوفتين إضافة يقتضيها السياق، كما مر سابقًا.стр. 205
بِاسْتِتَابَتِه، وَهَذَا التَّقْسِيمُ مَوْجُوْدٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَأَحْمَدَ، وَغَيْرِهِمَا، وَقَدْ بُسِطَ مَا يُنَاسِبُ هَذَا فِي "الصَّارِمِ المَسْلُوْلِ عَلَى شَاتِمِ الرَّسُوْلِ" (١) ، فَكَذَلِكَ الكُفْرُ.
* * * الحواشي
(١) انظر (٣/ ٦٩٦، ٨٦٦)، وقد قال في الموضع الأول: (الردة على قسمين: ردة مجردة، وردة مغلظة، شرع القتل على خصوصها، وكلاهما قد قام الدليل على وجوب قتل صاحبها، والأدلة الدالة على سقوط القتل بالتوبة لا تعم القسمين؛ بل إنما تدل على القسم الأول كما يظهر لمن ذلك تأمل الأدلة على قبول توبة المرتد، فيبقى القسم الثاني، وقد قام الدليل على وجوب قتل صاحبه، ولم يأت نص ولا إجماع بسقوط القتل عنه، والقياس متعذر مع وجود الفرق الجلي، فانقطع الإلحاق، والذي يحقق هذه الطريقة أنه لم يأت في كتاب ولا سنة ولا إجماع أن كل من ارتد بأي قول أو أي فعل كان، فإنه يسقط عنه القتل إذا تاب بعد القدرة عليه؛ بل الكتاب والسنة والإجماع قد فرق بين أنواع المرتدين).стр. 206
[الدَّلِيلُ الخَامِسُ عَلَى تَحْرِيمِ قَتْلِ الكَافِرِ لمُجَرَّدِ كُفْرِهِ]
وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ الكُفْرُ مُوْجِبًا لِلقَتْلِ: لَمْ يَجُزْ إِقْرَارَ كَافِرٍ بِالجِزْيِةِ والصَّغَار، فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَبْذُلِ الكُفْر؛ وَلِهَذَا لمَّا كَانِتِ الرِّدَّةُ مُوْجِبَةُ لِلْقَتْلِ لَمْ يَجُزْ إِقْرَارَ مُرْتَدٍ بِجِزْيَة وَصَغَارٍ.
وَبِهَذَا يَظْهَرُ الجوَابُ عَمَّا أَوْرَدَهُ بَعْضُ الزَّنَادِقَةُ - قِيْلَ هُوَ ابنُ الرَّاوَنْدِي (١) - عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾.
فَقَالَ: هَذَا كُلُّهُ يَزَوْلُ إِذَا أَدَّى دِيْنَارًا فِي السَّنَة، أَوْ مَا يُشْبِهُ هَذَا.
فَيُقَالُ لِهَذَا المُلْحِدِ: الجِزَيْةُ وَالصَّغَارُ لَمْ تَكُنْ جَزَاءَ كُفْرِه، إِنَّمَا الحواشي
(١) هو: أحمد بن يحيى بن إسحاق أبو الحسين بن الراوندي، كان أولًا من متكلمي المعتزلة، ثم تزندق واشتهر بالإلحاد، وقيل: إنه كان لا يستقر على مذهب ولا يثبت على شيء، قال ابن الجوزي: زنادقة الإسلام ثلاثة: ابن الراوندي، وأبو حيان التوحيدي، وأبو العلاء المعري. انظر في ترجمته: سير أعلام النبلاء (١٤/ ٦٠)، لسان الميزان (١/ ٣٢٣).стр. 207
جَزَاءُ كُفْرِهِ نَارُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيْهَا أَبَدًا، وَنَحْنُ قَدْ بَيَّنَّا أَنْ القِتَالَ لَمْ يَكُنْ عَلَى مُجَرَّدِ كُفْرِهِ.
فَغَايَةُ الجِزْيَةِ وَالصَّغَارِ: أَنْ تَكُوْنَ عَاصِمَةً لِدَمِهِ مِنَ السَّيْفِ، وَالسَّيْفُ لَمْ يُجِزْهُ عَلَى كُفْرٍ، وَلا دُفِعَ بِهِ عَنْهُ عُقُوْبَةَ الآخِرَة، بَلْ أُرِيْدَ دَفْعُ شَرِّهِ وَعُدْوَانِه، وَصَدِّهِ لِغَيْرِهِ عَنِ الدَّيْنِ، وَهَذَا الشَّرُّ يَزَوْلُ بِالصَّغَارِ وَالجَزْيَةِ مَعَ العَهْدِ، فَإِنَّه بِالصَّغَارِ مَعَ العَهْدِ كَفُّ يَدَهِ وَلِسَانَهِ (١) .
ثُمَّ إِنَّه لَيْسَ مِنْ أَهْلِ القِتَال، بَلْ المُسْلِمُونَ يُقَاتِلُوْنَ عَنْهُ وَيَحْفَظَونَ دَمَهُ وَمَالَهُ مِنْ عَدُوِّه، فَإِذَا أُخِذَ مِنْهُ مَا يَكُوْنُ فَيْئًا يَسْتَعِيْنُ بِهِ أَهْلَ الجِهَادِ الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام كما في الفتاوى (٢٠/ ١٠١): (إن العقوبة في الدنيا لا تدل على كبر الذنب وصغره، فإن الدنيا ليست دار الجزاء، وإنما دار الجزاء هي الآخرة، ولكن شرع من العقوبات في الدنيا ما يمنع الفساد والعدوان ... ولهذا يقر كفار أهل الذمة بالجزية مع أن ذنبهم في ترك الإيمان أعظم باتفاق المسلمين من ذنب من نقتله من زان وقاتل).стр. 208
كَانَ هَذَا مِنْ تَمَامِ الإِحْسَانِ إِلَيْهِ (١) .
[الجِزْيَةُ: تَعْرِيْفُهُا، المُرَادُ بِهَا، مِقْدَارُهُا]
وَالجِزْيَةُ: فِعْلَةٌ مِنَ الجزَاء، يُقَالُ: جَزَى هَذَا عَنِّي، أَي قَضَى عَنِّي، كَمَا سُمِّيَتْ الدِّيَةُ: دِيَةً؛ لأَنَّهَا تُؤَدَّى، يُقَالُ: أَدَّيْتُ هَذَا إِذَا قَضَيْتُهُ وَأَعْطَيْتُهُ.
وَيُقَالُ لِلوَظَائِفِ المُؤَقَّتِةِ: الإِتَاوَة؛ لأَنَّها تُؤْتَى، وَالمُوَدَّى؛ لأَنَّهَا تُؤَدَّى، فَهَذَا اللَّفْظُ يُقَالُ عَلَى مَا يُوظَّفُ عَلَى الإِنْسَانِ فَيْؤَدِّيه، بِحَيثُ يُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يَقْضَيَهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: حَتَّى يُعْطُوْا مَا عَلَيْهِمْ مِنَ الحَقِ الحواشي
(١) قال ابن القيم في أحكام أهل الذمة (١/ ٧٩): (فإذا .. بذلوا لهم الجزية عن يد وهم صاغرون كان في ذلك مصلحة لأهل الإسلام وللمشركين، أما مصلحة أهل الإسلام فما يأخذونه من المال الذي يكون قوة للإسلام مع صغار الكفر وإذلاله، وذلك أنفع لهم من ترك الكفار بلا جزية، وأما مصلحة أهل الشرك فما في بقائهم من رجاء إسلامهم إذا شاهدوا أعلام الإسلام وبراهينه، أو بلغتهم أخباره، فلا بد أن يدخل في الإسلام بعضهم، وهذا أحب إلى الله من قتلهم).стр. 209
الَّذِي يُجْزَى، أَي: يُقْضَى.
ثُمَّ مِقْدَارُهُ: بِحَسَبِ المَصْلَحِةِ (١) ، فَلَمّا كَانَ يَجْزِي بِهَا عَنْ نَفْسِهِ - أَيْ يَقْضِي بِهَا مَا وَجَبَ عَلَيْهِ - سُمِّيَتَ جِزْيَةٌ.
* * * الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام كما في الفتاوى (١٩/ ٢٥٣): (وكذلك لفظ الجزية والدية فإنها فعلة من جزى يجزى إذا قضى وأدى، ومنه قول النبي: "تجزي عنك ولا تجزي عن أحد بعدك"، وهى في الأصل جزا جزية، كما يقال: وعد، عدة، ووزن زنة، وكذلك لفظ الدية هو من: ودى، يدي، دية، كما يقال: وعد، بعد عدة ... اختلف الفقهاء في الجزية هل هي مقدرة بالشرع، أو يرجع فيها إلى اجتهاد الأئمة ... والصحيح أنها ليست مقدرة بالشرع ... المرجع فيها إلى ما يراه ولي الأمر مصلحة، وما يرضى به المعاهدون، فيصير ذلك عليهم حقًّا يجزونه، أي: يقصدونه ويؤدونه).стр. 210
[سَبَبُ وَضْعِ الجِزْيَةِ]
قِيلَ: الجِزْيَةُ أُجْرَةٌ، فَلَا تَسْقُطُ بِالإِسْلامِ.
وَقِيلَ: هِي عُقُوْبَةٌ عَلَى الكُفْر، فَتَسْقُطُ بِالمَوْت، كَمَا تَسْقُطُ بِالإِسْلَامِ.
وَقِيلَ: بَلْ يُقْضَى بِهَا حَقْنُ دَمِهِ بِإِقْرَارِهِ والقِتَالِ عَنْهُ، فَتَجِبُ بِالمَوْتِ؛ لأَنَّه حَقَنَ دَمَهُ، وَلَا تَجِبُ مَعَ الإِسْلَامِ؛ لأَنَّهُ وُجِدَ العَاصِمُ بِنَفْسِهِ المُوْجِبُ لِلجِهَادِ عَلَيْهِ.
وَمَنْ قَالَ: هِي عُقُوْبَةٌ - كَمَا قَالَ أَبُو الخَطَّاب، وَبَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ - فَقَدْ نَاقَضَ أَصْلَهُ، فَإِنَّ أَصْلَهُ أَنَّ مُجَرَّدَ الكُفْرِ لا يُوْجِبُ العُقُوْبَةَ، وَهَؤلَاءِ مَعَ العَهْدِ وَالصَّغَارِ إِنَّمَا مَعَهُمْ الكُفْرُ، فَكَيْفَ يُعَاقَبُ عَلَيْهِ؟ .
وَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا أُجْرَةٌ.
قِيلَ لَهُ: فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تُؤْخَذَ مِنَ النِّسَاءِ.
وَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا عِصْمَةٌ، فَإِنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ يَجُوْزُ قُتْلُهُ، فَقَدْ اطَّرَدَ
стр. 211
أَصْلُهُ، فَإِنَّ الإِسْلامَ عَاصِمٌ، وَالجِزْيَةَ والصَّغَارَ عَاصِمٌ (١) إِذَا كَانَ لَابُدَّ إِمَّا مِنْ عِبَادِةِ الله، وَإِمَّا مِنْ نَفْعِ المُؤْمِنِيْنَ، فَالمُؤْمِنُ عَبَدَ اللهَ، فَقَامَ بِحَقِّه، وَهَذَا لَمْ يَعْبُدِ اللهَ، فنَفَعَ المُؤْمِنَ بِإِيْتَاءِ مَا يَجْزِيهِ عَنْ نَفْسِهِ؛ فَلِهَذَا أُقِرَّ، وَلَعَلَّ اللهَ يَهْدِيَهُ وَيَتَوبَ عَلَيْهِ.
وَلأَنَّ مَعَ أَهْلِ الكِتَابِ مِنَ الكُتُبِ أَوْ المَنْقُوْلاتِ مَا يَدَلُّ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَأُقِرُّوْا لِهَذِهِ المَصَالِح (٢) . الحواشي
(١) ساقطة من المطبوعة.(٢) في المطبوعة: (المصلحة). قال شيخ الإسلام كما في الفتاوى (١١/ ٣١٥): (وقد جمع لنبينا محمد جميع أنواع المعجزات والخوارق، أما العلم والأخبار الغيبية والسماع والرؤية، فمثل إخبار نبينا عن الأنبياء المتقدمين وأممهم، ومخاطباته لهم وأحواله معهم، وغير الأنبياء من الأولياء وغيرهم بما يوافق ما عند أهل الكتاب الذين ورثوه بالتواتر أو بغيره من غير تعلم له منهم، وكذلك إخباره عن أمور الربوبية والملائكة والجنة والنار بما يوافق الأنبياء قبله من غير تعلم منهم، ويعلم أن ذلك موافق لنقول الأنبياء تارة بما في أيديهم من الكتب الظاهرة، ونحو ذلك من النقل المتواتر، وتارة بما يعلمه الخاصة من علمائهم وفي مثل هذا قد يستشهد =стр. 212
وَعُقُوْبَتُهُمْ عَلَى الكُفْرِ لَمْ تَزُلْ (١) بِشَيءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا زَالَ عَنْهُمْ قُبْحَ مَا ارْتَكَبُوهُ مِنَ الكُفْرِ.
وَالحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مَنْ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ (٢) . الحواشي
(١) في المطبوعة: (يزل).(٢) في المطبوعة: (والحمد لله، والصلاة والسلام على من نبي بعده)، وكتب بعد ذلك في هامش الأصل ما نصه: (بقلم الفقير إلى عفو ربه ومغفرته محمد السليمان العبد العزيز البسام غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين آمين في ٨ صفر ١٣٦٣ هجرية، بلغ مقابلة وتصحيحًا حسب الإمكان، ونرجو من الله المثوبة، وتم نقلها في يوم الجمعة ٢٩ صفر سنة ١٣٦٥ هـ)، وكتب بعد ذلك في المطبوعة ما نصه: (بقل أحقر الورى القاطن في أم القرى، المسمى بمصطفى الفاروقي =стр. 213
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = جنسًا، والسلفي مذهبًا، غفر الله له ولوالديه ولكافة المسلمين. قوبلت على الأصل المنقول عنه بقدر الإمكان، وصححت في ٢٦ ربيع الثاني سنة ١٣٦٤ هـ كتبه: محمد عبد الرزاق آل حمزة المدرس بالمسجد الحرام بمكة المكرمة).
قال محقق هذه الرسالة - عفا الله عنه - وكان الفراغ من تحقيق هذه الرسالة القيمة ودراستها صباح يوم الجمعة ٢٤/ ٦/ ١٤٢٤ هـ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه الفقير إلى عفو ربه ومرضاته: د. عبد العزيز بن عبد الله الزير آل حمدстр. 214
الخَاتِمَةُ
ومن خلال ما سبق يتضح الآتي:
أولًا: أن الإسلام حفظ الذات الإنسانية بحفظ الله لها؛ لذا حرم قتلها ولو بمجرد كفرها الأصلي، كما سيأتي بيان ذلك كله إن شاء الله بالحجج القاطعة، والبراهين الساطعة.
ثانيًا: أن المسلمين وإن طلبوا الكفار بالبداءة بالقتال، فإن الكفار في الحقيقة هم البادئون المبتدئون بالقتال، وإلا لو فسحوا المجال أمام جند الله ورسله ليبلغوا ما أرسلوا به؛ لما نزعوا سيفًا من غمده، لكنه الحسد والكبر يورد صاحبه الموارد والمهالك، ولا يهلك على الله إلا هالك.
ثالثًا: أن الإسلام يحاول كل المحاولة الابتعاد عن الصراعات الدموية حتى ولو مع خصومه، بدليل أنه جعل خيار القتال آخر المحاولات، لا أولاها، كما أنه جعل قتالنا وقتلنا لمن يقاتلنا إنما هو بسبب قتاله وحرابه لا بسبب كفره وعناده، فتنبه! ! .
رابعًا: أن باب الجهاد من الأبواب الشرعية التي يجب أن تراعى فيها جانب المصلحة والمفسدة.