← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 147669

قاعدة مختصرة في قتال الكفار ومهادنتهم وتحريم قتلهم لمجرد كفرهم

ابن تيمية

Полный текст (214 стр.). Показаны 176–214 · переход к 181.

стр. 176

غَيرِهِمْ بِطَرِيقِ الأَولَى. ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ ظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خصَّ العَرَبَ بَأَنْ لَا يَقْبَلَ مِنْهُمْ، فَاسْتَثْنَاهُمْ، فَقَالَ: تُقْبَلُ مِنْ كُلِّ مُشْرِكٍ، إِلَّا مِنْ مُشْرِكِيِّ العَرَبِ، كَمَا يَقُولُهُ طَائِفَةٌ. وَآخَرُونَ قَالُوا: لَا يُسْتَثْنَى أَحَدٌ، وَمُشْرِكُوا العَرَبِ لا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ، لَأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُم إِلَّا مَنْ أَسْلَمَ، وَهَذَا أَصَحُّ الأَقْوَالِ. فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَخُصَّ العَرَبَ بِحُكْمٍ فِي الدِّين، لَا بِمَنْعِ الجِزْيَةِ، وَلَا مَنعْ الاسْتِرْقَاق، وَلَا تَقْدِيمِهِمْ فِي الأَمَان، وَلَا بِجْعَلِ غَيرِهُمْ لَيسَ كُفْوًا لهمْ في النِّكَاح، وَلَا بِحِلِّ مَا اسْتَطَابُوهُ دُونَ مَا اسْتَطَابَهُ غَيرُهُمْ؛ بَلْ إِنَّمَا عَلَّقَ الأَحْكَامَ بِالْأَسْمَاءِ المَذْكُورَةَ فِي القُرْآن، كَالمُؤْمِن، وَالكَافِر، وَالبَرّ، وَالفَاجِرِ (١). إِلَى أَنْ قَالَ:

стр. 177

[الحُكْمُ إِذَا نَقَضَ الكُفَّارُ العَهْدَ] ثُمَّ إِذَا عَاهَدَ المُسْلِمِينَ طَائِفَةٌ، ، فَنَقَضَتِ العَهْدَ، لَمْ يَجِبْ عَلَى المُسْلِمِينَ أَنْ يُعَاهِدُوهُمْ ثَانِيًا؛ بَلْ لَهُمْ قِتَالهمْ، وَإِنْ طَلَبُوا أَدَاءَ الجِزْيَةِ؛ وَللإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا، وَلَهُ أَنْ يُجْلِيهِمْ مِنْ دِيَارِ الإِسْلَامِ إِذَا رَأَى ذَلِكَ مَصْلَحَةً (١).

стр. 178

فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لما نَقَضَتِ النَّضِيرُ العَهْدَ حَاصَرَهُمْ وَأَجْلَاهُمْ، وَفِي ذَلِك أَنْزَلَ اللهُ سُورَةَ الحشْرِ. وَقُرَيظَةُ لمَّا نَقَضَتِ العَهْدَ عَامَ الخَنْدَقِ حَاصَرَهُمْ بَعْدَ هَذَا، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِه، فَشَفَع حُلَفَاؤُهُمْ مِنَ الأَوسِ فِيهِمْ، فَأَنْزَلهمْ عَلَى حُكْمِ سَيِّدِهِمْ [سَعْدِ] بنِ مُعَاذٍ، فَحَكَمَ بَأَنْ يُقْتَلَ مُقَاتِلُهُمْ، وَتُسْبَى ذَرَارِيهِمْ، وَتُغْنَمَ أَمْوَالهمْ، فَإذَا نَقَضَ أَهْلُ الذِّمَّةِ وَغَيرُهُمْ العَهْدَ لَمْ يَجِبْ عَلَى الإِمَامِ أَنْ يَعْقِدَ لهمْ عَقْدًا ثَانِيًا، بَلْ يَجُوزُ قَتْلُ كُلِّ مَنْ نَقَضَ العَهْدَ، وَقِتَالُهُ، وَإِنْ بَذَلَ الجِزْيَةَ ثَانِيًا (١).

стр. 179

قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيمَانَ لَهُمْ﴾ أَي: لَا وَفَاءَ لهمْ بَالأَيْمَانَ. فَهَذَا أَمْرٌ بِقِتَالِ النَّاكِثِينَ لِلْعَهْدِ مُطْلَقًا، فَالمُعَاهَدُونَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى إِنْ أَسْلَمُوا فَهُمْ إِخْوَانٌ فِي الدِّينِ، وَإِنْ نَكَثُوا أَيمَانَهُمْ وَجَبَ قِتَالُهُمْ، وَإِنْ وَفَوا بِالعَهْدِ وُفِيَ لهمْ بِعَهْدِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ عُوهِدِوا بِلَا جِزْيَةٍ، فَكَذَلِكَ مَنْ عَاهَدَ بِالجِزْيَةِ. وَالصَّحِيحُ أَنْ العَهْدَ المُطْلَقَ جَائِزٌ. وَالعُهُودُ الَّتِي كَانَتْ بَينَ النَّبِيِّ ﷺ وبَينَ المُشْرِكِين كَانَتْ مُطْلَقَةً، لَمْ تَكُنْ مُؤَقَّتَة، وَالقَرْآنُ قَدْ فَرَّقَ بَينَ المُؤَقَّتِ مِنْهَا وَالمُطْلَق، فَأَجَازَ نَبْذَ المُطْلَق، وَأَوجَبَ الوَفَاءَ بِالمؤقَّت، وَهَذَا هُوَ مُقْتَضَى الأُصُولِ كَسَائِرِ

стр. 180

العُقُودِ المُطْلَقَةِ وَالمُؤَقَّتَةِ (١). * * *

стр. 181

[الدَّلِيلُ الأَوَّلُ عَلَى تَحْرِيمِ قَتْلِ الكَافِرِ لمُجَرَّدِ كُفْرِهِ] فَهَذَا الأَصْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ - وَهُوَ أَنَّ القِتَالَ لِأَجْلِ الحِرَابِ (١) لَا لِأَجْلِ الكُفْرِ - هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيهِ الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَهُوَ مُقْتَضَى الاعتبار. وَذَلِكَ: أَنَّهُ لَو كَانَ الكُفْرُ هُوَ المُوجِبُ لِلْقَتْلِ - بَلْ هُوَ المُبْيحُ لَهُ - لَمْ يحرِّمْ قَتْلَ النِّسَاءَ (٢)، كَمَا لَو وَجَبَ أَو أُبِيحَ قَتْلُ المَرْأَةِ بِزِنًا، أَو قَوَدٍ،

стр. 182

أَو رِدَّةٍ، فَلَا يَجُوزُ مَعَ قِيَامِ المُوجِبِ لِلقَتْلِ أَو المُبِيحُ لَهُ أَنْ يحرِّمَ ذَلِكَ، لمِا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ المَال، بَلْ تَفْوِيتُ النَّفْسِ الحُرَّةِ أَعْظَمُ، وَهِيَ تُقْتَلْ لِهَذِهِ الأُمُورِ (١). والأَمَةُ المَمْلُوكَةُ تُقْتَلُ لِلقِصِاصِ والرِّدَّةِ؛ وَلِهَذَا لمَّا كَانَتِ الرِّدَّةُ المُجَرَّدَةُ مُوجِبَةً لِلقَتْلِ لَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُ المُرْتَدَّةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ الَّذِين يَقْتُلُونَ المُرْتَدَّة، وَإِنَّمَا يُجوِّزُ اسْتِرْقَاقَهَا مَنْ لا يُوجِبُ قَتْلَهَا. فَأَمَّا الجَمْعُ بَينَ هَذَا وَبَينَ هَذَا فَمُتَعَذِرٌ.

стр. 183

[مُنَاقَشَةُ قَولِ مَنْ يَقُولُ: يُقْتَل الكَافِرُ لمُجَرَّدِ كفْرِهِ] ثُمَّ يُقَالُ: فَإِنْ كَانَ مُجَرَّدُ الكُفْرِ هُوَ المُوجِبُ لِلَقَتْلِ، فَمَا المَانِعُ مِنْ قَتْلِ المَرْأَةِ الكَافِرَةِ؟ . فَإِذَا قِيلَ: لَأَنَّها صَارَتْ سَبْيًا لِلْمُسْلِمِينَ. قِيلَ: إِنَّمَا صَارَتْ سَبْيًا لِحُرْمِةِ دَمِهَا. فَإِذَا قِيلَ: حَرُمَ دَمُهُا لِكَونِهَا تَصِيرُ رَقِيقَةً، كَانَ هَذَا دَورًا، فَإِنَّهُ تَعْلِيلٌ لاستِرْقَاقِهَا بِحُرْمَةِ دَمِهَا، وَتَعْلِيلٌ لِحُرْمَةِ دَمِهَا بِاستِرْقَاقِهَا وَمَصِيرِهَا مَالًا. فَإِنْ قِيلَ: بَلِ العِلَّةُ هِي إِمْكَانُ استِرْقَاقِهَا وَأَنْ تَصِيرَ مَالًا. قِيلَ: وَهَذِهِ العِلَّةُ مَوجُودَةٌ فِي الرِّجِالِ، فَيُمْكِنُ استِرْقَاقُهُمْ واسْتِعْبَادُهُمْ؛ وَلِهَذَا يُخَيَّرُ الإِمَامُ فِي الأَسْرَى بَينَ القَتْل، وَالاستِرْقَاق،

стр. 184

وَالمَنِّ، وَالفِدَاءِ (١). فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا يُسْتَرَقُ الرَّجُلُ إِذَا أُمِنَتْ غَائِلَتُهُ، وَالمَرْأَةُ مَأْمُونَةٌ. قِيلَ: فَقَدْ عَادَ الأَمْرُ إِلَى خَوفِ الضَّرَر، وَأَنْ الرَّجُلَ إِنَّمَا قُتِلَ لِدَفْعِ ضَرَرِهِ عَنِ الدِّينِ وَأَهْلِه، فَمَنْ أُمِنَ ضَرَرُهُ بِالدِّينِ وَأَهْلِهِ لَمْ يُقْتَلْ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الرِّجِالِ يُؤْمَنُ ضَرَرُهُ أُكْثَرَ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ النِّسَاء، وَلِهَذَا تُقْتَلُ المَرْأَةُ إِذَا قَاتَلَتْ، وَإِذَا كَانَتْ مُدَبِّرَةً بِالرَّأَيِّ، مِثْل هِنْدٍ، وَقَدْ أَباحَ النَّبِيُّ ﷺ عامَ الفَتْحِ دَمَ عِدَّةِ نِسْوَةٍ فِيهِنَّ هِنْد. فَإِنْ قِيلَ: المَرْأَةُ إِذَا قَاتَلَتْ تُقْتَلُ دَفْعًا لِصَولِهَا، فَإِذَا أُسِرَتْ لَمْ تقتَلْ. قِيلَ: لَا نُسلِّمُ، فَإِنَّ هَذَا وَإِنْ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، فَالَأَكْثَرُونَ يُبِيحُونَ

стр. 185

قَتْلَ مَنْ قَاتَلَتْ بَعْدَ الأَسْرِ كَالرَّجُلِ، وَكَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بقَتْلِ هِنْد وَغَيرِهَا مِنْ النِّسْوَةِ، وَكَانَ قَدْ أَمَّنَ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ، وَلَمْ يُؤَمِّنْ مَنْ قَاتَلَ، لا مِنَ الرِّجَالِ وَلا مِنَ النِّسَاءِ (١). فَدَلَّ ذَلِكَ: عَلَى أنَّهُ أَبَاحَ قَتْلَ أُولَئِكَ النِّسْوَة، وَإِنْ لَمْ يَكُنَّ حِينَئِذٍ يُقَاتِلْنَ لمَا تَقَدَّمَ مِنْ قِتَالهِنَّ بِأَلْسِنَتِهِنَّ، فَإِنَّ القِتَالَ بِاللِّسَانِ قَدْ يَكُونُ

стр. 186

أَعْظَمَ مِنَ القِتَالِ بِاليَدِ (١). * * *

стр. 187

[الدَّلِيلُ الثَّانِي عَلَى تَحْرِيمِ قَتْلِ الكَافِرِ لمُجَرَّدِ كفْرِهِ] وَأَيضًا: فَقَدْ دَلَّتِ النُّصُوصُ عَلَى أَنَّ مَنْ تَابَ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيهِ وَهُوَ مُمتنِعٌ فَإِنَّهُ يَعْصِمُ دَمَهُ وَمَالَهُ، بِخَلافِ مَنْ تَابَ بَعْدَ القُدْرَةِ عَلَيه، فَلَو أَسْلَمَ الأَسِيرُ بَعْدَ أَسرِهِ لَعُصِمَ دَمُهُ وَلَمْ يُعْصَم اسْتِرَقَاقُهُ. بَلْ قِيلَ: يَصِيرُ رَقِيقًا. وَقِيلَ: يُخَيَّرُ الإِمَامُ فِيهِ (١).

стр. 188

وَإِنَّمَا عُصِمَ دَمَهُ؛ لَأَنَّ الكُفْرَ شَرْطٌ فِي حِلِّ دَمِ المَقْدُورِ عَلَيه، حَتَّى أَنَّ المُسْلَمَ إِذَا حَارَبَ جَازَ قِتَالُهُ، فَإِذَا قُدِرَ عَلِيهِ لَمْ يَحِلَّ قِتْلُهُ، فَإِنَّ الإِسْلامِ عَاصِمٌ، فَفِي الحدِيثِ: "لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلاثٍ، كُفْر بَعْدَ إِسْلامٍ، وَزِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَو أَنْ يَقْتُلَ نَفْسًا فَيقْتَلَ بِهَا" (١)، كَمَا جَاءَ مِثْل هَذَا الحدِيث مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مَنْ حَدِيثِ ابنِ مَسْعُودٍ. فَالمُحَارِبُ إِذَا كَانَ كَافِرًا: جَازَ قَتْلُهُ، وَإِذَا أُسِرَ جَازَ قَتْلُهُ لحِرَابِهِ (٢) المتقَدِّم، وَدَفَعًا لِشَرِّهِ فِي المُسْتَقْبَل، فَإِنَّهُ إِذَا مُنَّ عَلَيهِ أَو فُودِيَ

стр. 189

فَقَدْ يَضُرُّ بِالمُسْلِمِينَ (١). وأَمَّا المُسْلِمُ: إِذَا جَازَ قِتَالُهُ لحِرَابِهِ (٢)، مِثْل قِتَالِ البُغَاةِ والعِدَاة، فَإِذَا أسرَ لمْ يَجُزْ قتْلهُ لحِرَابِهِ (٣) المتقَدِّم، وَلكِنْ إِذا كانَ لهُ فِئَةٌ مُمْتَنِعَةٌ: فَقِيلَ: يَجُوزُ قَتْلُهُ لحِرَابِهِ (٤) المُتَقَدِّم. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ (٥).

стр. 190

[الدَّلِيلُ الثَّالِثُ عَلَى تَحْرِيمِ قَتْلِ الكَافِرِ لمُجَرَّدِ كُفْرِهِ] وَأَيضًا: فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ فِي قِتَالِ الكُفَّارِ: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾. وَلَو كَانَ الكُفْرُ مُوجِبًا لِلقَتْلِ: لَمْ يَجُزْ المَنُّ عَلَى الكَافِرِ وَلَا المُنَادَاةَ بِه، كَمَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ مَمَّنْ وَجَبَ قَتْلُهُ، كَالزَّانِي المُحْصَنِ وَالمُرْتَدِّ، وَقَدْ مَنَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى غَيرِ وَاحِدٍ مِنَ الكُفَّار، وَفَادَى بِكَثِيرٍ مِنْهُمْ، فَفَادَى بِالأَسْرَى يَومَ بَدْرٍ (١).

стр. 191

وَلَو كَانَ الكُفْرُ مُوجِبًا: لَوَجَبَ قَتْلُ كُلِّ أَسَيرٍ كَافِرٍ، وَقَدْ مَنَّ عَلَى أَبِي عَزَّةَ الجُمَحِيِّ، وَعَلَى ثُمَامَةَ بنِ أَثَّالٍ، وَغَيرِهِمِا. فَإِنْ قِيلَ: المَنُّ وَالفِدَاءُ مَنْسُوخٌ.

стр. 192

قَيلَ: هَذَا مَمْنُوعٌ (١)، فَأَينَ النَّاسِخُ؟ . وَبِتَقْدِيرِ نَسْخِهِ فَذَاكَ لَأَنَّ لَهُ فِئَةٌ يَعُودُ إِلَيهِمْ فَيُقَويِهِمْ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ بِمَنعِ المَنِّ وَالفِدَاء لِهَذِهِ العِلَّة، كَمَا يُقْتَلُ الأَسِيرُ المُسْلِمُ إِذَا كَانَ لَهُ فِئَةٌ مُمتنِعَةٌ، وَإِلَّا فَيَجَوزُ اسْتِرَقَاقُهُ، فَلَو كَانَ القَتْلُ مُوجِبًا لمَا جَازَ اسْتِرَقَاقُهُ. * * *

стр. 193

[الدَّلِيلُ الرَّابعُ عَلَى تَحْرِيمِ قَتْلِ الكَافِرِ لمُجَرَّدِ كُفْرِهِ] وَأَيضًا: فَلَو كَانَ مُجَرَّدُ الكُفْرِ مُبِيحًا: لمَا أَنْزَلَ النَّبِيُّ ﷺ قُرَيظَةَ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ (١) فَيهِمْ، وَلَو حَكَمَ فِيهِمْ بِغَيرِ القَتْلِ لَنَفَذَ حُكْمُهُ، بَلْ كَانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِهِمْ ابْتِدَاء، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ لمَّا حَكَمَ فِيهِمْ بِالقَتْلِ: "لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ" (٢). لأَنَّ قَتْلَ تِلْكَ الطَّائِفَةِ المُعَيَّنَةِ مِنَ الكُفَّارِ كَانَ فِي نَفْسِ الأَمْرِ مِمَّا أَمَرَ اللهُ بهِ رَسُولَهَ، وَكَانَ أَرْضَى للهِ وَرَسُولِه، فَإِنَّهُمْ لَو أُطْلِقُوا لَعَادَ عَلَى الإِسْلامِ مَنْ شَرِّهِمْ مَا لا يُطْفَأْ، وَلَكِنْ هَذَا مَا كَانَ ظَاهِرًا. وَكَانَ لهمْ مِنْ حُلَفَائِهِمْ فِي الجاهِلَيَّةِ مِنَ المُسْلِمِينَ مَنْ يَخْتَارُ المَنَّ عَلَيهِمْ، فَلَمَّا حَكم فَيهِمْ سَعَدٌ بِالقَتْل، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ "لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ". وَهَذَا يَدَلُّ عَلَى أَنْ بَعْضَ الكُفَّارِ يَتَعَيَّنُ قَتْلُهُ دُونَ

стр. 194

بَعْضٍ، وَهَذَا حُجَّةٌ لِكَوْنِ مُجَرَّدِ الكُفْرِ لَيْسَ هُوَ المُوْجِبُ لِلْقَتْلِ. وَإِنَّمَا المُوْجِبُ كُفْرٌ مَعَهُ إِضْرَارٌ بِالدِّيْنِ وَأَهْلِهِ (١)، فَيُقْتَلْ لِدَفْعِ ضَرَرَهِ وَأَهْلِه، لِعَدَمِ العَاصِم، لَا لِوُجُودِ المُوْجِب، فَإِنَّ الكُفْرَ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوْجِبًا [لِلْقَتْلِ] (٢) - فَصَاحِبُهُ لَيْسَ بِمَعْصُوْمِ الدَّمِ وَلَا المَال، بَلْ

стр. 195

هُوَ مُبَاحُ الدَّمِ وَالمَالِ، فَلَمْ تَثْبُتْ فِي حَقِّهِ العِصْمَةُ المُؤْثِمِةُ، فَلَوْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ وَلَا عَهْدَ لَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ بِشَيءٍ، حَتَّى نِسَاؤُهُمْ وَصِبْيَانُهُمْ لَوَ قتلَهُمْ قَاتِلٌ لَمْ يَضْمَنَهُمْ (١)، وَمَا نَعْلَمُ فِي هِذَا نِزَاعًا بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ. مَعَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُمْ، مِثْلَ كَثِيرٍ مِنْ الحَيوَان، لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ، وَلَوْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ لَمْ يَضْمَنْهُ بِشَيءٍ، وَهُوَ مُبَاحُ الدَّمِ وَالمَال، كَمَا نَقَوْلُ فِيْمَا خُلِقَ مِنَ النَّبَاتِ وَالصَّيْدِ هُوَ مُبَاحٌ، ثُمَّ مَعَ هَذَا لَا يَجُوْزُ إِتْلَافُهُ بِلَا فَائِدَةٍ، فَلَا يَجُوْزُ قَتْلُ الصَّيْدِ لِغَيْرِ مَأْكَلِه، وَلَا إِتْلَافُ المُبَاحَاتِ لِغَيْرِ مَنْفَعَةٍ، فَإِنَّ هَذَا فَسَادٌ، وَاللهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ.

стр. 196

[قَتْلُ الكَافِرِ الَّذِي لَا يَضُرُّ بِالمُسْلِمِيْنَ فَسَادٌ لَا يُحْبُهُ اللهُ وَلَا رَسُوْلُهُ] كَذَلِكَ الكَافِرُ الَّذِي لَا يَضُرُّ المُسْلِمِيْنَ، هُوَ غَيْرُ مَعْصُوْمٍ، بَلْ مُبَاحٌ، وَهُوَ مِنْ حَطَبِ جَهَنَّمِ؛ لَكِنْ قَتْلَهَ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يُوْجِبُ قَتْلَهَ فَسَادٌ لَا يُحْبُهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَإِذَا لَمْ يُقْتَلْ يُرْجَى لَهُ الإِسْلَامُ كَالعُصَاةِ مِنَ المُسْلمِينَ. وَاللهُ تَعَالَى أَبَاحَ القَتْلَ؛ لَأَنَّ الفِتَنَةَ أَشَدُّ مِنَ القَتْل، فَأَبَاحَ مِنَ القَتْلِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ (١)، فَإِنَّ الأَصْلَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ قَتْلَ النَّفْسِ إِلَّا بِحَقِّهَا (٢).

стр. 197

[قَتْلُ الآدَمِيِّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ بَعْدَ الكُفْرِ] وَقَتْلُ الآدَمِيِّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ بَعْدَ الكُفْر، فَلَا يُبَاحُ قَتْلُهُ إِلَّا لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ، وَهُوَ أَنْ يُدْفَعَ بِقَتْلِهِ شَرٌّ أَعْظَمَ مِنْ قَتْلِه، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي وُجُودِ هَذَا الشَّرِّ لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. فَلَمْ يُبِحْ القَتْلَ إِلَّا قَوَدًا، أَوْ لِفَسَادِ البُغَاةِ وَسَعْيِهمْ فِي الأَرْضِ بِالفَسَاد، مِثُل: فِتْنَةُ المُسْلِمِ عَنْ دِيْنِه، وَقَطْعِ الطَّرِيْقِ. وَأَمَّا ذَنْبُهُ الَّذِي

стр. 198

يَخْتَصُّ بِهِ وَلَا يَتَعَدَّى ضَرَرُهُ إِلَى غَيْرِهِ: فَهَذَا لَا يُسَمَّى فَسَادًا (١). بِخَلافِ الدَّاعِي إِلَى الكُفْرِ وَالنِّفِاقِ والزِّنَى، فَإِنَّ هَذَا أَفْسَدَ غَيْرَهُ، فَلَوْلا عُقُوْبِةِ الزُّنَاةِ لَكَانَ مَنِ اشتَهَاهُ يَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ يُجِيْبُهُ إِلَيْه، فَيُفْسِدُ كُلٌّ مِنْهُمَا الآخَرُ، وَيُفْسِدِانِ النَّاسَ، فَإِذَا قُتِلَ فَاعِلُهُ انْتَهَوا عَنِ الفَسَادِ. * * *

стр. 199

[مُنَاقَشَةُ بَعْضُ الإِعْتِرَاضَاتِ] فَإِنْ قِيْلَ: فَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ لا يُقْتَلَ تَارِكُ الصَّلاةِ؛ لأَنَّ ضَرَرَهُ عَلَى نَفْسِهِ. قِيلَ: مَنْ يَقُول: إِنَّه يَكْفُرُ: يَقْتُلُهُ (١) لِرِدَّتِه، وَمَعْلُوْمٌ أَنَّهُ لَا يُدْعَى أَحَدٌ إِلَى الصَّلَاة، فَيَمْتَنَعُ عَنْهَا حَتَّى يُقْتَلَ إِلَّا وَهُوَ كَافِرٌ، وَنَحْنُ لَا نَقْتُلُهُ ابْتِدَاءً، بَلْ يُدْعَى إِلَيْهَا، وَيُعَاقَبُ بِمَا دُوْنَ القَتْل، فَإِنْ صَلَّى وَإِلَّا فَإِذَا أَصَرَّ حَتَّى يُقْتَلَ وَلَا يُصْلِّي فَهُوَ كَافِر قَطْعًا (٢).

стр. 200

وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ مَعَ صَبْرِهِ عَلَى القَتْلِ يَكُونُ مُسْلِمًا في البَاطِنِ فَخَطَؤُهُ ظَاهِرٌ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيْحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "بَيْنَ العَبْدِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاةِ" (١)، وَقَالَ: "العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلاة فَمَنْ ترَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ" (٢). وَأَمَّا مَنْ قَتَلَهُ لِتَرْكِ الصَّلَاةِ مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّهُ قَتَلَ مُسْلِمًا: فَهَذَا مِمَّا أنكَرَهُ كَثِيْرٌ مِنَ العُلَمَاء، وَقَالُوا هُوَ خِلَافُ النُّصُوْصِ (٣).

стр. 201

وَأَيْضًا (١): دَمُ المُسْلِمِ لَا يَحِلُّ إِلَّا بِرِدَّةٍ، أَوْ زِنًا مَعَ إِحْصَانٍ، أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ، وَلِهَذَا كَانَ المَانِعُوْنَ لِلزَّكَاةِ عِنْدَ الصَّحَابَةِ وَالمُسْلِمِينَ مُرْتَدِّيْنَ، لَمْ يَجْعَلُوْا فِيْهِمِ أَحَدًا مُسْلِمًا، فَمَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ حَتَّى قُتِلَ وَلَمْ يُزَكِ لَمْ يَكُنْ إِلَّا كَافِرًا، وَكَذَلِكَ الصَّوْمُ وَالحَجُّ، لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ قِيْلَ لَهُ: إِنْ لَمْ تَصُمْ وَإِلَّا قتلْنَاكَ، فَامْتَنَعَ مِنَ الصِّيْامِ وَالحَجِّ حَتَّى قُتِلَ، كَانَ كَافِرًا، وَمِثْلُ هَذِهِ الأُمُوْرِ الَّتِي بُنِي الإِسْلَامِ عَلَيْهَا، فَهِي كَالشَّهَادَتَيْن، فَلَا يَكُوْنُ مُسْلِمًا بِدُوْنِهَا. وَدَارُ الإِسْلَامِ لَا يُتْرَكُ فِيْهَا إِلَّا مُسْلِمٌ أَوْ كَافِرٌ بِجِزْيَةٍ وَصَغَارٍ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ كَافِرًا بِجِزْيَةٍ وَصَغَارٍ فَهُوَ مُسْلِمٌ، فَلَا يَكُوْنُ مُسْلَمًا

стр. 202

حَتَّى يَقُوْمَ بِمَبَانِي الإِسْلامِ (١)، فَصَارَ قَتُلْ هَذَا كَقَتْلِ مَنْ أَتَى بِإِحْدَى الشَّهَادَتَيْنِ دَوْنَ الأُخْرَى، وَكَقَتْلِ مَنْ كَذَّبَ بِالقُرْآنِ أَوْ بَعْضِه، أَوْ جَحَدَ وُجُوبَ الصَّلَاة، فَإِنَّ هَذَا يُقْتَلُ بِالإِجْمَاعِ؛ لِكَوْنِهِ كَافِرًا غَيْرُ مُسْلِمٍ (٢). وَمَنْ قَالَ هَذَا يَقُوْلُ: قَولهُ ﷺ : "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ" (٣) لَا يَدْخُلُ فِيْهِ مَنْ تَرَكَ إِحْدَى المَبَانِي؛ لَأَنَّ هَؤُلَاءِ غَيْرُ مُسْلِمِيْنَ، وَهَذَا قَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ يَعُوْدُ إِلَى أَنَّهُمْ مُرْتَدُّوْنَ، وَقَدْ يُقَالُ: لَيْسُوْا مُرْتَدِّيْنَ وَلَكِنْ أَتَوا بِبَعْضِ الإِسْلَامِ وَترَكُوا بَعْضَهُ، فَيُقْتَلُوْنَ عَلَى مَا تَرَكُوُهُ، وَالمُنَافِقُونَ ظَاهِرُهُمْ الإِسْلَام، وَهُمْ كُفَّارٌ فِي البَاطِنِ.

стр. 203

وَكَذَلِكَ الأَعْرَابُ الَّذيْنَ قَالُوْا آمَنَّا، فَقِيْلَ لَهُمْ: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ لَيْسُوْا كُفَّارًا مُبَاحِيِّ الدِّمَاء، وَلَيْسُوْا - أَيْضًا - مُؤْمِنِيْنَ مُسْتَحِقِيْنَ لِلثَّوَاب، بَلْ قَدْ يَسْتَوُون مَعَ المُسْلِمينَ فِي الدُّنْيَا، وَالمُنَافِقُونَ يَكُوْنُونَ فِي الآخِرَةِ مَعَ الكُفَّار، فَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِالمَبَانِي يُشْبِهُ هَؤُلَاءِ. أَمَّا مَنْ تركَ المَبَانِي أَوْ بَعْضَهَا: فَهَذَا قَدْ يَكُوْنُ مُنَافِقًا يُحْشَرُ مَعَ المُنَافِقِيْنَ، وَلَابُدَّ مِنْ عُقُوْبَتِه، فَإِنْ أَصَرَّ حَتَّى قُتِلَ، فَهَذَا كَافِرٌ، إِمَّا مُنَافِقٌ، وَإِمَّا مُرْتَدٌّ، وَإِمَّا زِنْدِيْقٌ ظَهَرَ نِفَاقُهُ وَزَنْدَقَتُهُ (١).

стр. 204

[المُوْجِبُ لِلْقَتْلِ] وَنَحْنُ قَدَّمْنَا: أَنَّ مُجَرَّدَ الكُفْرِ لَيْسَ مُوْجِبًا [لِلْقَتِلِ] (١)؛ بَلْ المُوْجِبُ هُوَ الكُفْرُ المُغَلَّظُ، وَتَغْلِيْظُهُ تَارَةً يَكُوْنَ بِحَرْبِ صَاحِبِه، وَتَارَةً بِرِدَّتِهِ عَنِ الإِسَلامِ. ثُمَّ المُرْتَدُّ نَوْعَانِ: رِدَّةٌ مُجَرَّدَةٌ، وَرِدَّةٌ مُغَلَّظَةٌ، فَصَاحِبُ الرِّدَّةِ المُغَلَّظَةِ يُقْتَلْ بِلا اسْتِتَابَةٍ، وَإِنْ اُسْتُتِيْبَ صَاحِبُ المُجَرَّدَةِ كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِ مَقِيْس بنِ صَبَابَة، وَعَبْدِ اللهِ بنِ خَطَلٍ مِنْ غَيْرِ اسْتِتَابَةٍ، وَكَانَ - أَيْضًا - قَدْ أَهْدَرَ دَمَ عَبْدِ اللهِ بنِ سَعْدٍ بنِ أَبِي سَرْحٍ، فَلَوْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ مِنْ غَيْرِ اسْتِتَابَةٍ لجَازَ؛ لَكِنْ جَاءَ بَعْدُ فَقَبِلَ تَوْبَتَهُ. وَهَذَا يَدَلُّ عَلَى أَنْ الاسْتِتَابَةَ وَقَبَوْلَ التَّوْبَةِ لَيْسَ وَاجِبًا لِكُلِّ مُرْتَدٍّ، وَلا مُحَرَّمًا فِي حَقِّ كُلِّ مُرْتَدٍّ، بَلْ صَاحِبُ الرِّدَّةِ المُغَلَّظَةِ قَدْ يُقْتَلُ وَلَوْ تَابَ، وَقَدْ يُقْتَلُ بِلا اسْتِتَابَةٍ، وَلَكِنْ لَوْ تَابَ لَمْ يُقْتَلْ، وَقَدْ يُؤْمَرُ

стр. 205

بِاسْتِتَابَتِه، وَهَذَا التَّقْسِيمُ مَوْجُوْدٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَأَحْمَدَ، وَغَيْرِهِمَا، وَقَدْ بُسِطَ مَا يُنَاسِبُ هَذَا فِي "الصَّارِمِ المَسْلُوْلِ عَلَى شَاتِمِ الرَّسُوْلِ" (١)، فَكَذَلِكَ الكُفْرُ. * * *

стр. 206

[الدَّلِيلُ الخَامِسُ عَلَى تَحْرِيمِ قَتْلِ الكَافِرِ لمُجَرَّدِ كُفْرِهِ] وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ الكُفْرُ مُوْجِبًا لِلقَتْلِ: لَمْ يَجُزْ إِقْرَارَ كَافِرٍ بِالجِزْيِةِ والصَّغَار، فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَبْذُلِ الكُفْر؛ وَلِهَذَا لمَّا كَانِتِ الرِّدَّةُ مُوْجِبَةُ لِلْقَتْلِ لَمْ يَجُزْ إِقْرَارَ مُرْتَدٍ بِجِزْيَة وَصَغَارٍ. وَبِهَذَا يَظْهَرُ الجوَابُ عَمَّا أَوْرَدَهُ بَعْضُ الزَّنَادِقَةُ - قِيْلَ هُوَ ابنُ الرَّاوَنْدِي (١) - عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾. فَقَالَ: هَذَا كُلُّهُ يَزَوْلُ إِذَا أَدَّى دِيْنَارًا فِي السَّنَة، أَوْ مَا يُشْبِهُ هَذَا. فَيُقَالُ لِهَذَا المُلْحِدِ: الجِزَيْةُ وَالصَّغَارُ لَمْ تَكُنْ جَزَاءَ كُفْرِه، إِنَّمَا

стр. 207

جَزَاءُ كُفْرِهِ نَارُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيْهَا أَبَدًا، وَنَحْنُ قَدْ بَيَّنَّا أَنْ القِتَالَ لَمْ يَكُنْ عَلَى مُجَرَّدِ كُفْرِهِ. فَغَايَةُ الجِزْيَةِ وَالصَّغَارِ: أَنْ تَكُوْنَ عَاصِمَةً لِدَمِهِ مِنَ السَّيْفِ، وَالسَّيْفُ لَمْ يُجِزْهُ عَلَى كُفْرٍ، وَلا دُفِعَ بِهِ عَنْهُ عُقُوْبَةَ الآخِرَة، بَلْ أُرِيْدَ دَفْعُ شَرِّهِ وَعُدْوَانِه، وَصَدِّهِ لِغَيْرِهِ عَنِ الدَّيْنِ، وَهَذَا الشَّرُّ يَزَوْلُ بِالصَّغَارِ وَالجَزْيَةِ مَعَ العَهْدِ، فَإِنَّه بِالصَّغَارِ مَعَ العَهْدِ كَفُّ يَدَهِ وَلِسَانَهِ (١). ثُمَّ إِنَّه لَيْسَ مِنْ أَهْلِ القِتَال، بَلْ المُسْلِمُونَ يُقَاتِلُوْنَ عَنْهُ وَيَحْفَظَونَ دَمَهُ وَمَالَهُ مِنْ عَدُوِّه، فَإِذَا أُخِذَ مِنْهُ مَا يَكُوْنُ فَيْئًا يَسْتَعِيْنُ بِهِ أَهْلَ الجِهَادِ

стр. 208

كَانَ هَذَا مِنْ تَمَامِ الإِحْسَانِ إِلَيْهِ (١). [الجِزْيَةُ: تَعْرِيْفُهُا، المُرَادُ بِهَا، مِقْدَارُهُا] وَالجِزْيَةُ: فِعْلَةٌ مِنَ الجزَاء، يُقَالُ: جَزَى هَذَا عَنِّي، أَي قَضَى عَنِّي، كَمَا سُمِّيَتْ الدِّيَةُ: دِيَةً؛ لأَنَّهَا تُؤَدَّى، يُقَالُ: أَدَّيْتُ هَذَا إِذَا قَضَيْتُهُ وَأَعْطَيْتُهُ. وَيُقَالُ لِلوَظَائِفِ المُؤَقَّتِةِ: الإِتَاوَة؛ لأَنَّها تُؤْتَى، وَالمُوَدَّى؛ لأَنَّهَا تُؤَدَّى، فَهَذَا اللَّفْظُ يُقَالُ عَلَى مَا يُوظَّفُ عَلَى الإِنْسَانِ فَيْؤَدِّيه، بِحَيثُ يُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يَقْضَيَهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: حَتَّى يُعْطُوْا مَا عَلَيْهِمْ مِنَ الحَقِ

стр. 209

الَّذِي يُجْزَى، أَي: يُقْضَى. ثُمَّ مِقْدَارُهُ: بِحَسَبِ المَصْلَحِةِ (١)، فَلَمّا كَانَ يَجْزِي بِهَا عَنْ نَفْسِهِ - أَيْ يَقْضِي بِهَا مَا وَجَبَ عَلَيْهِ - سُمِّيَتَ جِزْيَةٌ. * * *

стр. 210

[سَبَبُ وَضْعِ الجِزْيَةِ] قِيلَ: الجِزْيَةُ أُجْرَةٌ، فَلَا تَسْقُطُ بِالإِسْلامِ. وَقِيلَ: هِي عُقُوْبَةٌ عَلَى الكُفْر، فَتَسْقُطُ بِالمَوْت، كَمَا تَسْقُطُ بِالإِسْلَامِ. وَقِيلَ: بَلْ يُقْضَى بِهَا حَقْنُ دَمِهِ بِإِقْرَارِهِ والقِتَالِ عَنْهُ، فَتَجِبُ بِالمَوْتِ؛ لأَنَّه حَقَنَ دَمَهُ، وَلَا تَجِبُ مَعَ الإِسْلَامِ؛ لأَنَّهُ وُجِدَ العَاصِمُ بِنَفْسِهِ المُوْجِبُ لِلجِهَادِ عَلَيْهِ. وَمَنْ قَالَ: هِي عُقُوْبَةٌ - كَمَا قَالَ أَبُو الخَطَّاب، وَبَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ - فَقَدْ نَاقَضَ أَصْلَهُ، فَإِنَّ أَصْلَهُ أَنَّ مُجَرَّدَ الكُفْرِ لا يُوْجِبُ العُقُوْبَةَ، وَهَؤلَاءِ مَعَ العَهْدِ وَالصَّغَارِ إِنَّمَا مَعَهُمْ الكُفْرُ، فَكَيْفَ يُعَاقَبُ عَلَيْهِ؟ . وَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا أُجْرَةٌ. قِيلَ لَهُ: فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تُؤْخَذَ مِنَ النِّسَاءِ. وَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا عِصْمَةٌ، فَإِنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ يَجُوْزُ قُتْلُهُ، فَقَدْ اطَّرَدَ

стр. 211

أَصْلُهُ، فَإِنَّ الإِسْلامَ عَاصِمٌ، وَالجِزْيَةَ والصَّغَارَ عَاصِمٌ (١) إِذَا كَانَ لَابُدَّ إِمَّا مِنْ عِبَادِةِ الله، وَإِمَّا مِنْ نَفْعِ المُؤْمِنِيْنَ، فَالمُؤْمِنُ عَبَدَ اللهَ، فَقَامَ بِحَقِّه، وَهَذَا لَمْ يَعْبُدِ اللهَ، فنَفَعَ المُؤْمِنَ بِإِيْتَاءِ مَا يَجْزِيهِ عَنْ نَفْسِهِ؛ فَلِهَذَا أُقِرَّ، وَلَعَلَّ اللهَ يَهْدِيَهُ وَيَتَوبَ عَلَيْهِ. وَلأَنَّ مَعَ أَهْلِ الكِتَابِ مِنَ الكُتُبِ أَوْ المَنْقُوْلاتِ مَا يَدَلُّ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَأُقِرُّوْا لِهَذِهِ المَصَالِح (٢).

стр. 212

وَعُقُوْبَتُهُمْ عَلَى الكُفْرِ لَمْ تَزُلْ (١) بِشَيءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا زَالَ عَنْهُمْ قُبْحَ مَا ارْتَكَبُوهُ مِنَ الكُفْرِ. وَالحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مَنْ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ (٢).

стр. 213

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 214

الخَاتِمَةُ ومن خلال ما سبق يتضح الآتي: أولًا: أن الإسلام حفظ الذات الإنسانية بحفظ الله لها؛ لذا حرم قتلها ولو بمجرد كفرها الأصلي، كما سيأتي بيان ذلك كله إن شاء الله بالحجج القاطعة، والبراهين الساطعة. ثانيًا: أن المسلمين وإن طلبوا الكفار بالبداءة بالقتال، فإن الكفار في الحقيقة هم البادئون المبتدئون بالقتال، وإلا لو فسحوا المجال أمام جند الله ورسله ليبلغوا ما أرسلوا به؛ لما نزعوا سيفًا من غمده، لكنه الحسد والكبر يورد صاحبه الموارد والمهالك، ولا يهلك على الله إلا هالك. ثالثًا: أن الإسلام يحاول كل المحاولة الابتعاد عن الصراعات الدموية حتى ولو مع خصومه، بدليل أنه جعل خيار القتال آخر المحاولات، لا أولاها، كما أنه جعل قتالنا وقتلنا لمن يقاتلنا إنما هو بسبب قتاله وحرابه لا بسبب كفره وعناده، فتنبه! ! . رابعًا: أن باب الجهاد من الأبواب الشرعية التي يجب أن تراعى فيها جانب المصلحة والمفسدة.