Полный текст (214 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
[الجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنْ جَمِيعِ الكُفَّارِ]
ثُمَّ إِنَّهُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَمْرَ المُشْرِكِينَ قَالَ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَومِ الْآخِرِ﴾ الآية.
فَذَكَرَ قِتَالَ النَّصَارَى، وَتَخْصِيصُهُمْ بِالذِّكْرِ لا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِاخْتِصَاصِهِمْ بِالحُكْمِ (١)، فَإِنَّهُ يَجُوزُ قِتَالُ اليَهُودِ وَالمَجُوسِ بِالنَّصِ стр. 142
وَالإِجْمَاعِ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ، وَهَذَا قَولُ جُمْهُورِ العُلَمَاءِ (١). стр. 143
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّمَا تُؤْخَذُ مِمَّنْ لَهُ كِتَابٌ، وَأَنَّ المَجُوسَ لَهُمْ كِتَابُ مُبَدَّلٌ، أَو لَهُمْ شُبْهَةُ كِتَابٍ، وَآَنَّ آَيَةَ بَرَاءَة تَقْتَضِي التَّخْصِيص.
وَلَيسَ كَذَلِكَ، بَلْ هِيَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ إِذَا وَجَبَ قِتَالُهُمْ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ، وَلَمْ تَجُزْ مُعَاهَدَتُهُمْ بِلَا جِزْيَة، فَغَيرُهُمْ مِنَ الكُفَّارِ أَولَى، فَإِنَّ المُشْرِكِينَ وَالمَجُوسَ شَرٌّ مِنْهُمْ، وَاليَهُودَ أَشَدُّ عَدَاوَةً لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى:
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾.
فَإِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ إِذَا كَانُوا مُتَحَارِبِينَ وَجَبَ قِتَالُهُمْ حَتَّى يُعْطُوا الجِزَيَةَ، فَغَيرُهُمْ أَولَى (١) إِذَا كَانَ مُحَارِبًا أَنْ يُقَاتَلَ حَتَّى يُعْطِي الجِزْيَةَ. стр. 144
وَعَلَى هَذَا حَدَيثُ بُرَيدَةَ بنِ الحَصَيبِ الأَسْلَمِي الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى سَرِيَّةٍ أَو جَيشٍ أَوصَاهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بِتَقْوَى الله، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ خَيَرًا. ثُمَّ قَالَ:
اُغْزُوا بِاسْمِ الله، فِي سَبِيلِ الله، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِالله، اُغْزُوا، وَلَا تَغَلُّوا، ولَا تَغْدُرُوا، ولَا تُمثِّلِوا، ولَا تَقْتُلُوا وَليدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثَةِ خِصَالٍ أَو خِلَالٍ: فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَأَقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ اُدْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَام، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَأَقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ.
ثُمَّ اُدْعُهُمْ إِلَى التَحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ المُهَاجِرِين، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيهِمْ مَا عَلَى المُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوا أَنْ يَتَحَوُّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ المُسْلِمِينَ،
стр. 145
يَجْرِي عَلَيهِمْ حُكْمُ اللهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى المُؤْمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الغَنِيمَةَ وَالفَيءِ شَيءٌ، إَلَّا أَنْ يجاهِدُوا مَعَ المُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوا فَلَهُمْ الجِزَيَةُ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوا فَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَقَاتِلْهُمْ) (١) وَذَكَرَ الحدِيثَ.
وَلَمْ يَكُنْ فِي الحدِيثِ قِتَالُ مَصَافَّة، هَذَا - وَاللهُ أَعْلَمُ - لَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ بَقِيَ طَائِفَةٌ مُمْتَنِعَةٌ تُقَاتِلُ مَصَافَّة (٢)، وَإِنَّمَا لَجَأَ الْكُفَّارُ إِلَى حُصُونِهِمْ فَكَانُوا يُحْصَرُونَ، وَهُوَ المُحْصَرُ الَّذِي ذَكَرَهُ.
وَقَدْ بَيَّنَ فِي هَذَا الحَدِيثِ أَنَّ المَحْصُورَ: стр. 146
* إِمَّا أَنْ يُسْلِمَ وَيُهَاجِرَ.
* أَو يُسْلِمَ وَيَكُونُ أَعْرَابِيًّا غَيرَ مُهَاجِرٍ.
* أَو يُعْطِيَ الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُوَ صَاغِرٌ.
فَإِنْ امْتَنَعَ مِنَ الثَّلَاثِ قُوتِلَ، وَبُرَيدَةُ مِمَّنْ ذَهَبَ مَعَ عَليٍّ إِلَى اليَمَنِ، وَعَلَيٌّ قَاتَلَ بِاليَمَنِ وَسبَى وَغَنِمَ، وَقَدِمَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاع، فَلَمْ يُذْكَرْ فِي شَيءٍ مِنَ الأَحَادِيثِ أَنْ النَّبِيَّ ﷺ فَرَّقَ فِي أَخْذِ الجِزَيةِ بَينَ كِتَابِيٍّ وَغَيرِ كِتَابِيٍّ، وَلَا عَهِدَ ذلك إِلَى عَليٍّ وَمُعَاذٍ وَغَيرِهِمَا، مَعَ عِلْمِهِ بَأَنَّ اليَمَنَ فِيهِ مُشْرِكُونَ، وَفِيهِ أَهْلُ الكِتَابِ.
وَلمَّا أَمَرَ مُعَاذًا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَو عَدْله مَعَافِر (١)، لَمْ يَذْكُرْ فَرْقًا.
وَالمَجُوسُ مِنْ جِنْسِ سَائِرِ المُشْرِكِينَ لَيسَ لهمْ مَزِيَّة يُحْمَدُونَ بِهَا، стр. 147
وَالحدِيثُ الَّذِي يُرْوَى: "أَنَّهُ كَانَ لَهُمْ كِتَاب فَرُفِعَ" (١)، قَدْ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ.
وَبِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ: فَالعَرَبُ كَانُوا عَلَى دِينِ إبْرَاهِيم، فَلَّمَا صَارُوا مُشْرِكِينَ مَا بَقِي يَنْفَعُهُمْ أَجْدَادُهُمْ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الكِتَابِ لَو نبَذُوا التَّورَاةَ وَالإِنْجِيلَ لَكَانُوا كَغَيرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ (٢). стр. 148
وَقَدْ بَيَّنَّا - فِي غَيرِ هَذَا المُوضِعِ - أَنَّ [دِينَ المَرْءِ] (١) يُعْتَبَرُ بِنَفْسِهِ لَا بِأَجْدَادِهِ (٢)، وَمَا ذُكِرَ فِي قَولِهِ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ يَدَلُّ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ стр. 149
أَولَادَ الأَنْصَارِ دَخَلُوا فِي اليَهُودِيَّةَ بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَبْدِيلِ، وَلَعْلَّ فِيهِمْ مَنْ دَخَلَ فِيهَا بَعْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَقَدْ رُوِيَ: "أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ مَنْ دَخَلَ مَعَ النَّضِيرِ حِينَئِذٍ، وَكَانَ فِيهِمْ عَرَبٌ"، وَمَعَ هَذَا فَالنَّبِيُّ ﷺ جَعَلَ الجَمِيعَ أَهْلَ كِتَابٍ، لَمْ يُحَرِّمْ ذَبِيحَةَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَلَا استَحَلَّ قَتْلَهُ دُونَ مَنْ كَانَ أَجْدَادُهُ قَدْ دَخَلُوا فِي الدِّينِ قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ.
وَالَّذِينَ قَالُوا: (إِنَّ مَنْ دَخَلَ فِي أَهْلِ الكِتَابِ بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ لَا تُعْقَدْ لهُمْ ذِمَّةٌ وَلَا تُؤْكَلْ ذَبَائِحُهُمْ) بَنَوا ذَلِكَ عَلَى أَصْلَينِ ضَعِيفَينِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ العِبْرَةَ فِي الدِّينِ بِدِينِ الأَجْدَاد، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا خِلَافُ الكِتَابِ والسُّنَّة، وَخِلَافُ قَولِ جُمْهُورِ العُلَمَاءِ: مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدَ، وَغَيرِهِمْ (١)، وَلَكِنْ هَذَا قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، стр. 150
مُوَافَقَةً لِلشَّافِعِيِّ، وَأَخَذَهُ الشُّافِعِيُّ عَنْ عَطَاءٍ، وَقَدْ بَسَطْنَا الكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي غَيرِ هَذَا المَوضِعِ (١). стр. 151
وَالأَصْلُ الثَّانِي: أَنَّ الجِزْيَةَ لَا تُقْبَلُ مِنْ غَيرِ أَهْلِ الكِتَابِ، وَالنِّزَاعُ فِي هَذَا أَشْهَرُ، لَكِنْ جُمْهُورُ العُلَمَاءِ أَيضًا عَلَى خِلَافِه، وَعَلَى ذَلِكَ يَدُلُّ الكِتَابُ والسُّنَّةُ.
وَقَدْ تَتَبَّعْتُ مَا أَمْكَنَنَي فِي هَذِهِ المَسْأَلة، فَمَا وَجَدْتُ لَا فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشدِينَ الفَرْقَ فِي أَخْذِ الجِزْيَةِ بَينَ أَهْلِ الكِتَابِ وَغَيرِهِمْ.
وَالنَّبِيُّ ﷺ قبْلَ نُزُولِ آَيَةِ الجِزْيَةِ كَانَ يُقِرُّ المُشْرِكِينَ وَأَهْلَ الكِتَابِ بِلَا جِزْيَةٍ، كَمَا أَقَرَّ اليَهُودَ بِلَا جِزْيَةٍ، وَاسْتَمَرُّوا عَلَى ذَلِكَ إَلَى أَنْ أَجْلَاهُمْ عُمَرُ، وَكَانَ ذَلِكَ لِحَاجَةِ المُسْلِمِينَ إِلَيهِمْ (١)، وَلمَّا نَزَلَتْ آيَةُ стр. 152
الجِزْيَة كَانَ فِيهَا: أَنَّ المُحَارِبِينَ لا يُعْقَدْ لهمْ عَهْدٌ إِلَّا بِالصَّغَارِ وَالجِزْيَة، وَرُفِعَ بِذَلِكَ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْقِدُهُ لِأَهْلِ الكِتَابِ وَغَيرِهِمْ مِنَ العَهْدِ؛ لِكَونِ الإِسْلَامِ إِذْ ذَاكَ كَانَ ضَعِيفًا (١).
* * * стр. 153
[مُقَارَنَةٌ بَينَ شِرْكِ المَجُوسِ وَشِرْكِ العَرَبِ]
وَممَّا يُبَيِّنُ الأَمْرَ فِي ذَلِكَ: أَنَّ المَجُوسَ هُمْ فِي التَّوحِيدِ أَعْظَمَ شرْكًا مِنْ مُشْرِكِيِّ العَرَب، فَإِنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ كَانُوا مُقِرِّينَ بَأَنْ خَالِقَ العَالَمِ وَاحِدٌ، كَمَا أَخْبَرَ اللهُ بِذَلِكَ عَنْهُمْ فِي غَيرِ مَوضِعٍ، وَلَمْ يَكُونُوا يَقُولونَ: إِنَّ لِلْعَالَمِ صَانِعَين، وَهُمْ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ جَعَلَ لله أَولَادًا، وَقَالُوا: (المَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللهِ)، فَلَمْ يَكُونوا يَقُولونَ: (إِنَّ المَلَائِكَةَ يَخْلُقُونَ مَعَهُ)؛ بَلْ هُمْ مُعْتَرِفُونَ أَنَّ اللهَ خَالِقُ كِلِّ شِيءٍ، كَمَا ذَكَرَ اللهُ ذَلِكَ عَنْهُمْ، لَكِنْ كَانُوا يَجْعَلُونَ آَلِهَتَهُمْ شُفَعَاءَ وَقُرْبَانًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾.
وقال تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾
وَأَمَّا المَجُوسُ: فَهُمْ يَقُولونَ بِالأَصْلَينِ: النُّورِ وَالظُّلْمَةِ. وَيَقُولونَ: الظُّلْمَةُ خَلَقَتْ الشَّر، وَالنُّورُ خَلَقَ الخَيرَ.
стр. 154
وَلهُمْ فِي الظُّلْمَةِ قَولَانِ:
قِيلَ: قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ.
وَقِيلَ: بَلْ مُحْدَثَةٌ عَنِ النُّورِ.
وَقِيلَ عَنْهُمْ: إِنَّ النُّورَ فَكَّرَ فِكْرَةً رَدِيَّةً، فَحَدَثَتِ الظُّلْمَةُ.
وَهُمْ يَجْعَلُون الظُّلْمَةَ شَرِيكًا للهِ فِي خَلْقِ العَالَم، فَقَدْ نَقَلُوا عَنْهُمْ: أَنَّ الظُّلْمَةَ عِنْدَهُمْ هِي الشَّيطَان إِبْلِيس، فَجَعَلُوا إِبْلِيسَ شَرِيَكًا للهِ فِي الخَلْقِ، هَذَا عَلَى قَولِ مَنْ يَقُولُ: الظُّلْمَةُ مُحْدَثَةٌ، وَالقَولُ الآَخَرُ: إِنَّهَا قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ، فَهَذَا أَعْظُمْ شِرَكًا (١). стр. 155
وَهَذَا الشِّرْكُ لَا يُعْرَفُ فِي العَرِبِ، بَلْ العَرَبُ كَانَتْ مُقِرَّةً بِأَنَّ اللهَ خَالِقُ كُلِّ شِيءٍ؛ وَلِهَذَا إِنَّمَا يُذْكَرُ مِثْلُ هَذَا القَولِ عَنِ الزَّنَادِقَة، كَمَا ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ كَابْنِ السَّائِبِ فِي قَولِهِ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي الزَّنَادِقَة، أثْبَتُوا الشِّرْكَةَ لإِبْلِيس فِي الخَلْق، فَقَالُوا: اللهُ خَالِقُ النُّورِ وَالنَّاسِ وَالدَّوَابِ وَالأَنْعَام، وَإِبْلِيسُ خَالِقُ الظُّلْمَةَ والسِّبَاعِ وَالحَيَّاتِ وَالعَقَارِبِ (١). стр. 156
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا القَولَ هُوَ مَعْرُوفٌ عَنِ المَجُوسِ، لَيسَ هُوَ مَعْرُوفًا عَنْ مُشْرِكِيِّ العَرَب، فتبيَّنَ أَنَّ المَجُوسَ أَعْظَمُ شرْكًا مِنْ مُشْرِكِيِّ العَرَبِ وَالهِنْدِ وَنَحْوِهِمْ مَمَّنْ يَقُولُ: إِنَّ الله خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ.
وَهُمْ - أَيضًا - مِنْ عُبَّادِ مَا سِوَى الله، يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالنِّيرَانَ، وَكَانَتْ لهمْ بُيُوتٌ عَظِيمَةٌ لِلنَّارِ يَعْبُدُونَهَا، وَهَذَا عِبَادَةٌ لِلْعِلْوِيَاتِ وَالسُّفْلِيَّاتِ مِنْ جِنْسِ إِشرَاكِ قَومِ إبْرَاهِيم الَّذِينَ كَانَوا يَعْبُدُونَ الكَوَاكِبَ، ويَعْبُدُونَ الأَصْنَامَ الأَرْضِيَّةَ، وَهَذَا الشِّرْكُ أَعْظَمُ نَوعِي شرْكِ أَهْلِ الأَرْضِ.
* * *
стр. 157
[أَصْلُ الشِّرْكِ فِي العَالَمِ]
فَإِنَّ الشِّرْكَ أَصْلُهُ نَوعَانِ (١):
شِرْكُ قَومِ نُوحٍ، وَكَانَ أَصْلُهُ تَعْظِيمَ الصَّالحِينَ المَوتَى وَقُبُورَهُمْ وَالعُكُوفَ عَلَيهَا، ثُمَّ صَوّرَوا تَماثِيلَهُمْ، ثُمَّ عَبَدُوهُمْ.
وَهَذَا النَّوعُ وَاقِعٌ فِي النَّصَارَى، وَلَكِنْ لَا يَصْنَعُونَ أَصْنَامًا стр. 158
مُجَسَّدَةً (١)، بَلْ مَرْقُومَةً، فَإِنَّ الرُّومَ وَاليُونَانَ قَبْل أَنْ يَدْخُلَ إِلَيهِمْ التَّوحِيدُ ابْتَدَعُوا نَوعًا مِنَ الشِّرْكِ خَلَطُوهُ بِالتَّوحِيد، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية.
وَقَدْ وَقَعَ كَثِيرٌ مِنَ الضُّلَّالِ المُنْتَسِبِينَ إِلَى الإِسْلَام في نَوعٍ مِنْ ذَلِكَ، مُضَاهَاةٍ لِلنَّصَارَى، وَصَارُوا يُصَلُّونَ إِلَى المَشْرِق، فَجَعَلُوا السُّجُودَ إِلَى جِهَةِ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ بَدَلًا عَنِ (٢) السُّجُودِ لَهَا، وَأَينَ هَذَا مِنْ نَهْيِّ النَّبِيِّ ﷺ أُمَّتَهُ عَنِ الصَّلَاةِ وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْس، وَوَقْتَ стр. 159
غُرُوبِهَا لِئَلَّا يُشْبِهُوا مَنْ يَسْجُدُ لَهَا حِينَئِذٍ؟ ! .
وَكَذَلِكَ نَهَاهُمْ أَنْ يَتَّخِذُوا القُبُورَ مَسَاجِدَ، يحذِّرُ أُمَّتَهُ مَا فَعَلُوا، لِئَلَّا يُشْبِهُوا مَنْ يَدْعُو أَهْلَ القُبُور، وَيَجْعَلَهُمْ شُفَعَاءَ يَسْتَشْفِعُ بِهِمْ وَقُرْبَانًا يَتَقَرَّبُ بِهِمْ، كَمَا يَفْعَلُهُ النَّصَارَى، فَنَهَاهُمْ عَنْ سَبَبِ الشِّرْكِ الَّذِي كَانَ فِي قَومِ إبْرَاهِيم عَنِ الشِّرْكِ الأَرْضِيِّ وَالسَّمَائِيِّ، سَدًّا لِذَرِيعَةِ الشِّرْكِ (١). стр. 160
وَالمَجُوسُ مُشْرِكُونَ أَعْظَم مِنْ شِرْكِ النَّصَارَى، وَلِهَذَا كَانَ مَانِيُّ - الذي يَنتسِبُ إِلَيهِ المَانَوِيَّةُ - أَحْدَثَ دِينًا مُرَكَّبًا مِنْ دِينِ المَجُوسِ وَدَينِ النَّصَارَى، أَخَذَ عَنِ المَجُوسِ الأَصْلَينِ: النُّورَ وَالظُّلْمَةَ، وَخَلَطَهُ بِدِينِ النَّصَارَى، فَكَانَتِ المَانَوِيَّةُ أَكْفَرَ مِنْ النَّصَارَى، وَالعَرَبُ كَانَ شِرْكُهُمْ عِبَادَةَ الأَوثَانِ (١).
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَير: "أَنَّ أَصْنَامَ قَومِ نُوحٍ صَارَتْ إِلَيهِمْ، وَهِي: وُدٌّ، وَسُوَاعٌ، ويَغُوثُ، ويَعُوقُ، стр. 161
وَنَسْرٌ) (١)، وَهَؤُلَاءِ كَانُوا قَومًا صَالحِينَ، وَكَانَ شِرْكُهُمْ مِنْ جِنْسِ شِرْكِ قَومِ نُوحٍ بِالصَّالحِين.
وَأَوَّلُ مَنْ نَقَلَ الأَصْنَامَ إِلَى مَكَّةَ: عَمْرُو بن لُحَيٍّ سَيدُ خُزَاعَةَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ غَيَّرَ دِين إبْرَاهِيم، نَقَلَ الأَصْنَامَ مِنَ الشَّامِ مِنْ أَرْضِ البَلْقَاءِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "رَأَيتُ عَمْرَو بنَ لُحَيٍّ يَجُرُّ قَصَبَهُ فِي النَّارِ"، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ الشِّرْكَ وَالتَّحَرِيمَ، فَحَرَّمَ (٢) السَّائِبَةَ وَالوَصِيلَةَ (٣). стр. 162
وَقَدْ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ: أَنَّ الَّلَات كَانَ يَلِتُّ السَّوِيقُ لأَهْلِ الطَّائِف، ثُمَّ عَبَدُوهُ، فَشِرْكُ العَرَبِ بِالأَصْنَامِ المَجْعُولَةِ تَمَاثِيل لِلصَّالحِينَ، وَمِنْهَا أَصْنَامٌ جُهِلَ أَهْلُهُا، لَكِنَّ الشِّرْكَ الغَالِبَ فِي أَرْضِ العَرَبِ كَانَ بِالأَصْنَامِ الأَرْضِيَّةِ الَّتِي جُعِلَتْ تَماثِيلَ لِلصَّالحِينَ، وَلَا يُعْرَفُ فِيهِمْ صَنَمٌ مَشْهُورٌ بَأَنَّهُ طُلْسُمًا لِلشَّمْسِ أَو القَمَرِ أَو نَحْوِ ذَلِكَ، مِمَّا هُوَ شرْكُ غَيرِهِمْ كَالكِلْدَانِيِينَ.
وَالمَجُوسُ شرْكُهُمْ كَانَ عِبَادَة الشَّمْسِ وَالقَمَرِ وَالنَّاس، وَهَذَا أَعْظُمُ مِنْ عِبَادَةِ الصَّالحِينَ، فَإِنَّ عُبَّادَ الأَنْبِيَاءِ وَالصَّالحِين يَجْعَلُونَهُمْ شُفَعَاءَ وَقُرْبَانًا، كَمَا كَانَتْ العَرَبُ تَقُولُ فِي أَوثَانِهَا.
وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَطْلُبُونَ مِنَ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ وَالكَوَاكِبِ الأَفْعَالَ، ويعْتَقِدُونَ أَنَّهَا مُدَبِّرَةٌ لِهَذَا العَالَم، وَلَا يَتَقَرَّبُونَ بِعِبَادَتِهَا إِلَى الله، وَلَا يَتَّخِذُونَهَا شُفَعَاءَ.
فَتبَيَّنَ: أَنَّ شرْكَ المَجُوسِ كَانَ أَعْظَمَ مِنْ شرْكِ مُشْرِكِي العَرَب، وَكَانُوا يُعَادُونَ أَهْلَ الكِتَابِ كَالنَّصَارَى، وَلَا يُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ المَسِيح،
стр. 163
وَلَا مُوسَى، وَلَا إبْرَاهِيم الخَلِيل.
وَكَانَ العَرَبُ (١) يُعَظِّمُونَ إبْرَاهِيم الخَلِيل، وَهمْ عَلَى بَقَايَا مِلَّتِه، مِثْل: حَجِّ البَيْتِ، وَالخِتَان، وَتَحْرِيمِ نِكَاحِ ذَوَاتِ المَحَارِم، وَكَانُوا يُسَمَّونَ حُنَفَاء، لَكِنْ حُنَفَاءَ مُشْرِكِين، لَيسُوا حُنَفَاءَ مُخْلِصِينَ.
قَالَ ابنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ (٢): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن يَحْيَى حَدَّثَنَا العَبَّاسُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بن زُرَيعٍ حَدَّثَنَا سعِيدُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: "الحَنِيفِيَّةُ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، يَدْخُلُ فِيهَا تَحْرِيمُ الأُمَّهَات، وَالبَنَات، وَالخَالَات، وَالعَمَّات، وَمَا حَرَّمَ اللهُ، والخِتَان، فَكَانَتْ حَنِيفِيَّةً فِي الشِّرْك، كَانَوا أَهْلَ الشِّرْك، وَكَانُوا يحرِّمُونَ فِي شِرْكِهِمْ الأُمَّهَات، وَالبَنَات، والخَالَات، وَالعَمَّات، وَكَانُوا يَحُجُّونَ البَيتَ، وينْسُكُونَ المناسِكَ". стр. 164
فَاسْمُ الحُنَفَاءِ فِي الأَصْلِ: لَمِنْ كَانَ عَلَى مِلَّةِ إبْرَاهِيم، وَهُمْ الصَّابِئُونَ الحُنَفَاءُ، مِثْل: أَولَادِ إسماعيل قَبْلَ أَنْ يَحْدُثَ فِيهِمُ الشِّرْكَ، كَانُوا عَلَى مِلَّةِ إبْرَاهِيم حُنَفَاءَ مُخْلِصِينَ، وَهُمْ مِنَ الصَّابِئِينَ الَّذِين أثْنَى اللهُ عَلَيهِمْ بِقَولِهِ (١) ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ الآية.
فَهَؤُلَاءِ الصَّابِئَةُ مِنَ الحُنَفَاءِ المُخْلِصِينَ، وَالصَّابِئُونَ المُشْرِكُونَ فَيهِمْ كَالَّذِين أَشْرَكُوا مِنَ الحُنَفَاء، كَمَا تَقَدَّمِ (٢).
وَأَمَّا المَجُوسُ: فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ شَيءٌ مِنْ آثَارِ الأَنْبِيَاء، بَلْ كَانُوا стр. 165
يَسْتَحِلُّونَ نِكَاحَ ذَوَاتِ المَحَارِم، وَلِهَذَا اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى تَحْرِيمِ ذَبَائِحِهِمْ وَمُنَاكَحَتِهِمْ وَأَنَّهُمْ لَيسُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَاب، وَتَكَلَّمُوا فِي جُبْنِهِمْ لأَجْلِ الأَنْفِحَة، لأَنَّ ذَبَائِحَهُمْ كَذَبَائِحِ المُشْرِكِينَ، وَجُبْنُهُمْ كَجُبْنِ المُشْرِكِين؛ وَلِهَذَا لمَّا بَلَغَ أَحْمَدَ أَنَّ أَبَا ثَورٍ يجَعَلُهُمْ مِنْ أَهْلِ الكِتَاب، ويُبِيحُ ذَبَائِحَهُمْ دَعَا عَلَيهِ أَحْمَدُ، وَذَكَر إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ (١). стр. 166
وَهَذَا القَولُ قَولٌ مُحْدَثٌ فِي الإِسلَام، وَهُوَ قُولُ أَبِي ثَورٍ، وَدَاوُد، وابنِ حَزْمٍ، وَحُكِيَ قَولًا لِلشَّافِعِيّ، وَجَعَلَ ابنُ حَزْمٍ نَبِيَّهُمْ زَرَادِشْت، وَاحَتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ عَليٍّ: "أَنَّهُمْ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ، فَلَمَّا استَحَلُّوا نِكَاحَ ذَوَاتِ المَحَارِمِ رُفِعَ ذَلِكَ الكِتَابُ" (١).
وَالإِمَامُ أَحْمَدُ ضَعَّفَ هَذَا الحَدِيثَ، وَبِتَقْدِير صِحَّتِهِ فَإِذَا رُفِعَ الكِتَابُ، وَلَمْ يَبْقَ مَنْ يَعْرِفُهُ، وَلَا هُمْ مُسْتَمْسِكِينَ بِشَيءٍ مِنْ شَرَائِعِهِ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَاب، وَلَمْ يَكُونُوا خَيرًا مِنَ العَرَبِ المُشْرِكَين، فَإْنَّهُمْ كَانُوا عَلَى مِلَّةِ إبْرَاهِيم. стр. 167
ثُمَّ لمَّا بَدَّلُوهَا لَمْ يَنْفَعْهُمْ مَا كَانُوا عَلَيهِ قَبْلُ مِنَ الشِّرْك، وَلَمْ يُعْرَفْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنَّهُمْ جَعَلُوا زَرَادِشْت نَبِيًّا صَادِقًا، بَلِ المَشْهُور عَنْهُ: أَنَّهُ مِنَ الكَذَّابِينَ (١)، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَينِ مِنْ قَبْلِنَا﴾. стр. 168
والمَجُوسُ كَانُوا مِنْ أَعْظَمِ الأُمَم، فَلَو أنزِلَ عَلِيهِمْ كِتَابٌ لَكَانَ قَدْ أُنْزِلَ عَلَى ثَلاثِ طَوَائِف، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّما أُنْزِلَ عَلَى طَائِفَتَين، وَقَدْ احْتَجَّ بِهَذَا غَيرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى أَنَّهُ لَا كِتَابَ لَهُمْ، وَلَكِنْ إِنَّمَا وَقَعَتِ الشُّبْهَةُ فِيهِمْ (١) لِطَائِفِةٍ مِنْ أَهْلِ العِلْم، لمَّا اعْتَقَدُوا أَنَّ الجِزْيَة لَا تُؤْخَذُ إِلَّا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ - وَقَدْ أُخِذَتْ مِنْهُم بِالنَّصِّ وَالإِجْمَاعَ - صَارُوا:
تَارَةً يَقُولُونَ: لَهُمْ شُبْهَةُ كِتَابٍ.
وَتَارَةً يَقُولُونَ: هُمْ مختلَفٌ فِيهِمْ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ.
وَاحْتَجُّوا بِالحَدِيثِ المَرْوِيِّ (٢) فِيهِمْ: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ стр. 169
الكِتَابِ" (١).
وَهَذَا الحدِيثُ إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ، فَإِنَّ جَعْفَرًا رَوَاهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبُوهُ لَمْ يُدْرِكْ عَبْدَ الرَّحْمَن، وَبِتَقْدِيرِ ثُبُوتِ لَفْظِهِ: فَهُوَ يَدَلُّ (٢) عَلَى أَنَّهُمْ لَيسُوا مِنْ أَهِل الكِتَاب، لَكِنِ المُرَادُ: أَنَّهُ تُؤْخَذُ مِنْهُمْ стр. 170
الجِزَيةُ كَمَا تُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ (١).
ثُمَّ تَخْصِيصُ أَهْلِ الكِتَابِ بِالذِّكْرِ فِي آَيَةِ الجِزْيَةِ:
فَهِمَ مِنْهُ طَائِفَةٌ: أَنَّ غَيرَهُمْ يُقَاتَلْ مُطْلَقًا، وَإِنْ أَدَّى الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُوَ صَاغِرٌ.
وَفَهِمَ الأَكثرونَ مِنْهُ: أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ تَنْبِيهِ الخِطَابِ وَفَحْوَاهُ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ أَهْلُ الكِتَابِ لَا يَجُوزُ مُهَادَنَتُهُمْ إِلَّا مَعَ الجِزْيَةِ والصَّغَار، стр. 171
فَغَيرُهُمْ أَولَى بِذَلِك (١).
فَهُوَ نَهْيٌّ عَنْ مُهَادَنِةِ الكُفَّارِ بِغَيرِ جِزْيَةٍ وَصَغَارٍ، كَمَا كَانَ الأَمْرُ عَلَيهِ أَولًا فِي حَالَةِ ضَعْفِ الإِسْلَام، كَانَ يُهَادِنُ الكُفَّارَ مِنَ المُشْرِكِين وَأَهْلِ الكِتَابِ بِغَيرِ جِزْيَةٍ وَصَغَارٍ، وَأَهْلُ خَيبَرٍ - بَعْدَ فَتْحِهَا - أَقَرَّهُمْ فِيهَا بِغَيرِ جِزْيَةٍ، فَنَسَخَتْ آَيَةُ الجِزْيَةِ ذَلِك؛ وَلِهَذَا أَخَذَ الجِزَيَةَ مِنْ المَجُوسَ وَلَيسُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَاب، وَهَذَا مَذْهَبُ الأَكثَرِينَ: أنَّهُ يَجُوزُ مُهَادَنَةُ جَمِيعِ الكُفَّارِ بِالجِزْيَةِ وَالصَّغَارِ.
وَهَذَا يُنَاسِبُ (٢) الأَصْلَ الَّذِي قَالَ بِهِ الجُمْهُورُ، وَهُوَ: أَنَّهُ إَذَا كَانَ стр. 172
القِتَالُ لِأَجْلِ الحِرَابِ (١)، فَكُلُّ مَنْ سَالَمَ وَلَمْ يحارِبْ لَا يُقَاتَلُ، سَوَاءٌ كَانَ كِتَابِيًّا أَو مُشْرِكًا، الجُمْهُورُ يَقُولونَ بِهَذَا، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وأَبِي حَنِيفَةَ، وَغَيرِهِمَا.
ثُمَّ ذَكَرَ:
أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَأْخُذِ الجِزْيَةَ مِنَ المَجَوسِ حَتَّى أَخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن عَوفٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَر (٢).
ثَمَّ قَالَ:
فَإِذَا عَرَفْتَ حَقِيقَةَ السُّنَّةِ: تَبَيَّنَ أَنَّ الرَّسُولَ لَمْ يُفَرِّقْ بَينَ عَرِبِيٍّ وَغَيْرِهِ، وَأَنْ أَخْذَهُ لِلجِزْيَةِ مِنَ المَجُوسِ كَانَ أَمْرًا ظَاهِرًا مَشْهُورًا، وَحَدِيثُ عَمْرِو بنِ عَوفٍ فِي قُدُومِ أَبِي عُبَيدَةَ بِمَالٍ مِنَ البَحْرَينِ стр. 173
مَعْرُوفٌ فِي الصَّحِيحَينِ (١)، وَمَا الَّذِي جَعَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ [بنَ عَوفٍ] أَعْلَمَ بِهَذَا مِنْ سَائِرِ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ كَانُوا أَعْلَم بِهَذَا مِنْهُ؟ مِثْل أَبِي عُبَيدَة الَّذِي هُوَ قَدِمَ بِالجِزْيَة، وَالأَنْصَارِ الَّذِين وَافَوهُ لمَّا سَمِعُوا بِقُدُومِ المَالِ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ بَسْطًا كَثِيرًا.
وَلَكِنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَنْسَى (٢) مَا وَقَعَ لَهُ، كَمَا نَسِيَ عُمَرُ مَا جَرَى لَهُ وَلعَمَّارٍ فِي التَّيَمُّمِ (٣)، وَقَدْ يَذْهَلُ عَنِ الآَيَةِ مِنَ القُرْآن، حَتَّى يُذَكَّرَ стр. 174
بِهَا، كَمَا جَرَى لِعُمَرَ فِي الصَّدَاقِ (١)، لمَّا أَرَادَ أَنْ يُقَدِّرَ أَكْثَرَهُ، وَيَجْعَلَ الزِّيَادَةَ فِي بَيتِ المَال، فَلَّما ذُكِّرَ بِقَولِهِ تَعَالَي: ﴿وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ.
فَقَدْ كَانَ فِي مَجْلِسٍ، فَأَخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَن بن عَوفٍ بِذَلِكَ، وَإِلَّا فَهَذَا كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ عَامَّةِ الصَّحَابَة، وَكَانَ فِي مَغِيبِ أَبِي عُبَيدَةَ أَو стр. 175
بَعْدَ مَوتِه، وَإِلَّا فَأَبُو عُبَيدَةَ هُوَ قَدِمَ بِالجِزْيَة، وَعُمَرُ كَانَ يُقَدِّمُهُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوفٍ وَغَيْرِهِ، وَهَذَا أَمْر كَانَ مَعْرُوفًا فِي الصَّحَابَةِ.
وَتَوَقُفُ عُمَرَ فِي أَخْذِ الجِزْيَةِ مِنَ المَجُوسِ أَوَّلًا؛ إِذْ كَانَ القُرْآنُ لَيسَ فِيهِ نَصٌّ فِيهِمْ، وَإِنَّمَا النَّصُّ فِي أَهْلِ الكِتَاب، وَمنْ هُنَا حَصَلَ الاشْتِبَاهُ لِكَثِيرٍ مِنَ العُلَمَاءِ:
* فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لمَّا خَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ (١) مِنْ غَيرِهِمْ، ثُمَّ اضطَرَبُوا فِي المَجُوسِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَالُوا: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْخُذْهَا مِنْ مُشْرِكِيِّ العَرَب، بَلْ أَمَرَ بِقَتَالهِمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَه إِلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ الله، وَمَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَا بِأَرْضِ العَرَبِ مُشْرِكٌ.
* وَأَمَّا جُمْهُورُ العُلَمَاءِ: فَعَلِمُوا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَينَ المَجُوسِ وَبَينَ سَائِرِ المُشْرِكِين، وَهُمْ شَرٌّ مِنْ غَيرِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِذَا أَخَذَ مِنْهُمْ فَمِنْ стр. 176
غَيرِهِمْ بِطَرِيقِ الأَولَى.
ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ ظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خصَّ العَرَبَ بَأَنْ لَا يَقْبَلَ مِنْهُمْ، فَاسْتَثْنَاهُمْ، فَقَالَ: تُقْبَلُ مِنْ كُلِّ مُشْرِكٍ، إِلَّا مِنْ مُشْرِكِيِّ العَرَبِ، كَمَا يَقُولُهُ طَائِفَةٌ.
وَآخَرُونَ قَالُوا: لَا يُسْتَثْنَى أَحَدٌ، وَمُشْرِكُوا العَرَبِ لا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ، لَأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُم إِلَّا مَنْ أَسْلَمَ، وَهَذَا أَصَحُّ الأَقْوَالِ.
فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَخُصَّ العَرَبَ بِحُكْمٍ فِي الدِّين، لَا بِمَنْعِ الجِزْيَةِ، وَلَا مَنعْ الاسْتِرْقَاق، وَلَا تَقْدِيمِهِمْ فِي الأَمَان، وَلَا بِجْعَلِ غَيرِهُمْ لَيسَ كُفْوًا لهمْ في النِّكَاح، وَلَا بِحِلِّ مَا اسْتَطَابُوهُ دُونَ مَا اسْتَطَابَهُ غَيرُهُمْ؛ بَلْ إِنَّمَا عَلَّقَ الأَحْكَامَ بِالْأَسْمَاءِ المَذْكُورَةَ فِي القُرْآن، كَالمُؤْمِن، وَالكَافِر، وَالبَرّ، وَالفَاجِرِ (١). إِلَى أَنْ قَالَ: стр. 177
[الحُكْمُ إِذَا نَقَضَ الكُفَّارُ العَهْدَ]
ثُمَّ إِذَا عَاهَدَ المُسْلِمِينَ طَائِفَةٌ، ، فَنَقَضَتِ العَهْدَ، لَمْ يَجِبْ عَلَى المُسْلِمِينَ أَنْ يُعَاهِدُوهُمْ ثَانِيًا؛ بَلْ لَهُمْ قِتَالهمْ، وَإِنْ طَلَبُوا أَدَاءَ الجِزْيَةِ؛ وَللإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا، وَلَهُ أَنْ يُجْلِيهِمْ مِنْ دِيَارِ الإِسْلَامِ إِذَا رَأَى ذَلِكَ مَصْلَحَةً (١). стр. 178
فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لما نَقَضَتِ النَّضِيرُ العَهْدَ حَاصَرَهُمْ وَأَجْلَاهُمْ، وَفِي ذَلِك أَنْزَلَ اللهُ سُورَةَ الحشْرِ.
وَقُرَيظَةُ لمَّا نَقَضَتِ العَهْدَ عَامَ الخَنْدَقِ حَاصَرَهُمْ بَعْدَ هَذَا، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِه، فَشَفَع حُلَفَاؤُهُمْ مِنَ الأَوسِ فِيهِمْ، فَأَنْزَلهمْ عَلَى حُكْمِ سَيِّدِهِمْ [سَعْدِ] بنِ مُعَاذٍ، فَحَكَمَ بَأَنْ يُقْتَلَ مُقَاتِلُهُمْ، وَتُسْبَى ذَرَارِيهِمْ، وَتُغْنَمَ أَمْوَالهمْ، فَإذَا نَقَضَ أَهْلُ الذِّمَّةِ وَغَيرُهُمْ العَهْدَ لَمْ يَجِبْ عَلَى الإِمَامِ أَنْ يَعْقِدَ لهمْ عَقْدًا ثَانِيًا، بَلْ يَجُوزُ قَتْلُ كُلِّ مَنْ نَقَضَ العَهْدَ، وَقِتَالُهُ، وَإِنْ بَذَلَ الجِزْيَةَ ثَانِيًا (١). стр. 179
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيمَانَ لَهُمْ﴾ أَي: لَا وَفَاءَ لهمْ بَالأَيْمَانَ.
فَهَذَا أَمْرٌ بِقِتَالِ النَّاكِثِينَ لِلْعَهْدِ مُطْلَقًا، فَالمُعَاهَدُونَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى إِنْ أَسْلَمُوا فَهُمْ إِخْوَانٌ فِي الدِّينِ، وَإِنْ نَكَثُوا أَيمَانَهُمْ وَجَبَ قِتَالُهُمْ، وَإِنْ وَفَوا بِالعَهْدِ وُفِيَ لهمْ بِعَهْدِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ عُوهِدِوا بِلَا جِزْيَةٍ، فَكَذَلِكَ مَنْ عَاهَدَ بِالجِزْيَةِ.
وَالصَّحِيحُ أَنْ العَهْدَ المُطْلَقَ جَائِزٌ.
وَالعُهُودُ الَّتِي كَانَتْ بَينَ النَّبِيِّ ﷺ وبَينَ المُشْرِكِين كَانَتْ مُطْلَقَةً، لَمْ تَكُنْ مُؤَقَّتَة، وَالقَرْآنُ قَدْ فَرَّقَ بَينَ المُؤَقَّتِ مِنْهَا وَالمُطْلَق، فَأَجَازَ نَبْذَ المُطْلَق، وَأَوجَبَ الوَفَاءَ بِالمؤقَّت، وَهَذَا هُوَ مُقْتَضَى الأُصُولِ كَسَائِرِ
стр. 180
العُقُودِ المُطْلَقَةِ وَالمُؤَقَّتَةِ (١).
* * * следующие страницы →