← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 147669

قاعدة مختصرة في قتال الكفار ومهادنتهم وتحريم قتلهم لمجرد كفرهم

ابن تيمية

Полный текст (214 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

قَاعِدَةٌ مُخْتَصَرَةٌ فِي قِتَالِ الكُفَّار وَمُهَادَنَتِهِمَ وَتَحْرِيمِ قَتْلِهِمَ لِمُجَرَّدِ كُفْرهِمَ (قَاعِدِةٌ تبيِّن القِيَم السَّامِية لِلحَضَارَة الإسْلَاميَّةِ في الحَربِ وَالقِتَال) تأليف شيخ الإسْلَام أحْمَد بن عَبْد الحَليم ابْن تيميَّة الحرَّاني (٦٦١ - ٧٢٨ هـ) حقّقَها ودَرسهَا درَاسَة مُقَارنة د. عبْد العزيز بْن عَبْد اللَّه بن إِبْراهِيم الزِّير آل حمَد غفرَ الله لَه وَلوَالديْه وللمُسلمين

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

قَاعِدَةٌ مُخْتَصَرَةٌ فِي قِتَالِ الكُفَّار وَمُهَادَنَتِهِمَ وَتَحْرِيمِ قَتْلِهِمَ لِمُجَرَّدِ كُفْرهِمَ

стр. 4

ح عبد العزيز عبد الله الزير آل حمد، ١٤٢٤ هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية اثناء النشر ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم. قاعدة مختصرة في قتال الكفار ومهادنتهم وتحريم قتلهم لمجرد كفرهم/ أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية؛ عبد العزيز عبد الله الزير آل حمد - الرياض، ١٤٢٤ هـ. ٢٤٢ ص ١٧ × ٢٤ سم. ردمك: ٢ - ٠٨٤ - ٤٤ - ٩٩٦٠ ١ - الجهاد أ. الزير، عبد العزيز عبد الله (محقق) ب - العنوان ديوي ٢٥٦ ٥٩٦٩/ ١٤٢٤ رقم الإيداع ٥٩٦٩/ ١٤٢٤ ردمك: ٢ - ٠٨٤ - ٤٤ - ٩٩٦٠ حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة لِلمُحقّق الطَّبْعَة الأُولى ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ مـ يطلب الكتاب من المحقق على العنوان التالي: المملكة العربية السعودية. الرياض ص. ب ٣٦٥١٨٣ الرمز البريدي ١١٣٩٣ بريد إلكتروني: dr_alzeer@hotmail.com

стр. 5

كلمات مضيئة * قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (الكفار إنما يقاتلون بشرط الحراب، كما ذهب اليه جمهور العلماء، وكما دل عليه الكتاب والسنة، كما هو مبسوط في موضعه) "النبوات" ص (١٤٠). * * * * قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (ولأن القتل إنما وجب في مقابلة الحراب لا في مقابلة الكفر، ولذلك لا يقتل النساء، ولا الصبيان، ولا الزمنى، والعميان، ولا الرهبان الذين لا يقاتلون؛ بل نقاتل من حاربنا) "أحكام أهل الذمة" (١/ ١١٠). * * * * وقال أيضًا: (ولم يكره أحدًا قط على الدين، وإنما كان يقاتل من يحاربه ويقاتله، وأما من سالمه وهادنه فلم يقاتله ولم يكرهه على الدخول في دينه امتثالًا لأمر ربه سبحانه ... ومن تأمل سيرة النبي ﷺ تبين له أنه لم يكره أحدًا على دينه قط، وأنه إنما قاتل من قاتله، وأما من هادنه فلم يقاتله ما دام مقيمًا على هدنته لم ينقض عهده) "هداية الحيارى" (١/ ١٢).

стр. 6

المُقَدِّمَةُ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه، ومن اتبع هداه، وبعد: فإننا في هذه الأيام - أيام المحن، وتعدد ضروب الفتن - نعيش صراعًا ليس كباقي الصراعات، إنه صراع الحضارات أو صراع الحياة، وإن المقلب لصفحات التواريخ والأيام ليجد أن كثيرًا من الحضارات التي حاربت الإسلام والمسلمين قامت سياسة حربها وقتالها على مبدأ الظلم والعدوان، وسفك الدماء، وقتل الأبرياء، وهتك الأعراض، فلم ترع لأحد حرمة، ولم تر لأحد حقًّا. فقتلوا كل من قابلهم من المسلمين لمجرد إسلامه وإيمانه، وسفكوا دم كل أحد حتى ولو أعلن استسلامه، ولا أدل على ذلك ما قام به هولاكو الذي قتل ما يزيد على ألف ألف من البشر. وفرناندو، وإيزبلا، وريتشارد الملقب بـ: (قَلْب الأسَد)،

стр. 7

ونابليون، وستالين الذي قتل ملايين المسلمين في القوقاز، وموسوليني الفاشي الذي أراد بناء حضارته على جثث المسلمين في شمال أفريقية، وغيرهم الكثير الكثير الذين عملوا من الأعمال الإرهابية، والجرائم الفظيعة الغير الإنسانية، ما تقشعر له الجلود، فإنا لله وإنا إليه راجعون. بل في العصر الراهن نجد أن الحضارة الغربية، المبنية على العنصرية، والسياسة التي تدعي الديمقراطية والحرية، قد سامت البشرية وأذاقتها صنوفًا وألوانًا من العذاب، والقهر والتسلط، والبغي والعدوان، وما حادثة هيروشيما ونكازاكي عنا ببعيد، هذه الحادثة التي أقضت المضاجع، وقلَّبت المواجع، ليست فقط على من ذاق بلواها، وشاهد لأوها؛ بل على سكان الأرض أجمع إلى يومنا هذا .. وكذلك ما عملته الحضارة الغربية في فيتنام .. وما عملته في فلسطين تحت أيدي اليهود الغاصبين .. وما عملته في أفغانستان .. وما تعمله الآن في العراق من نهب الخيرات، وسلب

стр. 8

المقدرات. إن الحضارة الغربية، وسياستها الحربية، ونزعتها الفكرية القتالية، لا تقوم إلا على الدماء، وقطع الأشلاء، من الضحايا الأبرياء، الذين لا حول لهم ولا قوة. سياسة تقوم على القاعدة الفرعونية: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾. سياسة تقوم على مصادرة العقول والحريات "فمن ليس معنا فهو ضدنا"، فهي كالشجرة الخبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار. أما سياسة الإسلام الحربية، وتشريعاته الجهادية، وحضارته الإنسانية، فقد كانت على خلاف ما كانت حروب عليه الأعداء تمامًا. فهي سياسة شعارها ودثارها السلم والمسالمة، وإذا حاربت للدفاع عن نفسها أو عن دعوتها حتى لا تكون فتنة ويكون الدين

стр. 9

لله، فهي لا تقاتل إلا المقاتل، فلا تقتل من لم يقاتل من الشيوخ، والرهبان، والأجراء، والنساء، والصبيان، ونحوهم ممن لم ينصب نفسه للقتال. وهي سياسة لا تقوم على الإفساد في الأرض، فلا تهدم مسكنًا، ولا تخرب عمرانًا، ولا تقطع شجرة، إلا لمصلحة يراها ولي الأمر. وهي سياسة تقوم على النظر في جلب المصالح ودرء المفاسد. وهي سياسة تقوم على النظر في حال المسلمين من قوة وضعف - كما سيأتي - ومن تأمل القرآن والسنة، وما كان عليه مجاهدو هذه الأمة عرف ذلك حق المعرفة، والتاريخ خير شاهد. ولقد كَتب في هذا الباب عدد من الكُتَّاب، لكن في الحقيقة لم أجد من فصّل في هذه المسألة تفصيلًا علميًّا دقيقًا، مقرونًا بالدليل النقلي والبرهان العقلي إلا شيخ الإسلام في قاعدته المختصرة هذه

стр. 10

في قتال الكفار. فلقد ألَّف ﵀ في هذا الباب مجلدًا حافلًا مستقلًا (١)، لكن للأسف لم يقع بين أيدينا سوى المختصر منه، فقلت: ما لا يدرك كله، لا يترك كله، فسارعت إلى دراسته دراسة علمية موضوعية، ومقارنته بما تيسر من مخطوطاته ونسخه، وتأصيل جمله وعباراته من كلام شيخ الإسلام نفسه في سائر ما توفر لدي من مؤلفاته ومصنفاته، وكذا مصنفات تلميذه، صفي فؤاده، ابن قيم الجوزية رحمهما الله تعالى. وإننا حينما نخرج هذه الرسالة المختصرة وأمثالها، لنوضح بجلاء للمسلمين وللعالم الغربي المستغفل إعلاميًا، مفاهيم الجهاد الشرعية، وأساليبه الحضارية، التي قام عليها الإسلام، وأسَّس عليها دُوَلَه، والتي من بينها دولة الإسلام والمسلمين، ومهوى

стр. 11

أفئدة العالمين، بلاد الحرمين الشريفين "المملكة العربية السعودية". بل إن في هذه الرسالة المختصرة أبلغ رد على من يتهم هذه الدولة المباركة، أو دعوة شيخ الإسلام ابن تيمية، أو دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بالدعوة إلى الإرهاب أو الحض عليه، وما عقيدة وثقافة ابن عبد الوهاب إلا صورة أخرى لعقيدة وثقافة ابن تيمية، يعرف ذلك كل من له أدنى علم وفهم. وكون بعض من شباب المسلمين قد سلكوا مسالك البغي والعدوان، فلا يعني أننا نحمّل الآخرين جريرتهم ووزرهم، وقد علَّمنا الإسلام ألا تزر وازرة وزر أخرى. كما أرجو من الله تعالى أن يخرج بأسباب هذه الرسالة المختصرة كثيرًا من شباب الأمة ممن غرق في وحل الفكر المتطرف الذي يستحل دماء الأبرياء، مدعيًا أن ذلك هو منهج سيد الأنبياء! ! . وأن يصحح بأسبابها كثيرًا من المفاهيم المغلوطة عن منهج شيخي الإسلام ابن تيمية وابن عبد الوهاب تجاه قتال الكفار،

стр. 12

وتحريم قتلهم بمجرد كفرهم. وفي الختام أشكر الله تعالى المان بكل خير، ثم أشكر كل من ساعدني على دراسة هذه الرسالة المختصرة وتحقيقها، وأخص منهم جميع الأخوة الذين منحوني - على كثرة شواغلهم - جزءًا كبيرًا من وقتهم لقراءة هذه الرسالة المختصرة، وإبداء ما عليها من ملحوظات. فأرجو من الله أن أكون قد وفقت فيما توصلت إليه من دراسة ونظر حولها، وهي في الحقيقة لا تعدو أن تكون جهدًا من مقل، فإن أصبت فمن الله وحده، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان والله ورسوله منه برئيان، والحمد لله رب العالمين. وكتبه د/ عبد العزيز بن عبد الله بن إبراهيم الزير آل حمد رياض نجد ٢١/ ٦/ ١٤٢٤ هـ dr_alzeer@hotmail.com

стр. 13

القسم الأول دراسة الكتاب، وتشتمل على الآتي: * تمهيد. * أسباب دراسة الرسالة المختصرة. * تحقيق نسبة الرسالة المختصرة إلى شيخ الإسلام. * تحقيق صحة الرسالة المختصرة، وأنها منقولة عن أصل شيخ الإسلام ابن تيمية في قتال الكفار. * مراد شيخ الإسلام في هذه الرسالة المختصرة. * عنوان الرسالة المختصرة. * النسخ الخطية للرسالة المختصرة. * منهجي في الدراسة. * منهجي في التحقيق. * نماذج مصورة للنسخ الخطية.

стр. 14

تمهيد لا شك أن ما حصل وما يحصل للمسلمين في هذه الأزمان من إرهاب، وقتل وتشريد على يد أعدائهم من الكفرة الظالمين، ولأجل جهل كثير من شباب المسلمين بسياسة الإسلام الحربية، وتشريعاته الجهادية القتالية، جعلت بعضهم يتصرف - بدافع عاطفته، وشفقته ومحبته لأمته - تصرفات هوجاء، ويعمل أعمالًا فظيعة شنعاء، من تدمير للمباني السكنية، والمحلات التجارية، ومن قتلٍ للمعاهدين والمستأمنين، وممن ليس أهلًا للقتال، كالنساء والصبيان والأجراء، ومن لم يقاتل منهم من الضعفاء، بل ومن قتل لبعض من المسلمين الأبرياء. وسموا ما قاموا به: جهادًا وإرهابًا للأعداء! ! ، وما علموا - والله - أن الإسلام والمسلمين من ذلك براء، فحسبنا الله ونعم الوكيل. ولأجل هذا كله أحببت أن أقف مع إخواني ممن أحب الجهاد

стр. 15

والمجاهدين - ونِعْم ما أحب - بعض الوقفات التالية؛ علَّ الله أن يرد بها ضالًا، ويرشد بها تائهًا، فأقول وبالله التوفيق، ومنه أستمد العون والتسديد: * * *

стр. 16

الوقفة الأولى اعلم - وفقك الله - أن ما أصاب وما يصيب المسلمين في هذه الأزمان، وفي كل بلد من بلدانهم من تسلط للأعداء عليهم في كل مكان، إنما هو بسبب ذنوبهم وتقصيرهم في جنب الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. فالبدع والخرافات، والشركيات والخزعبلات، وفساد الأخلاق والسلوكيات قائمة على قدم وساق، فالمسلمون اليوم - والله - بحاجة أكثر إلى جهاد أنفسهم قبل جهادهم لأعدائهم. قال ابن القيم (١) رحمه الله تعالى: (ولما كان جهاد أعداء الله في الخارج فرعًا على جهاد العبد نفسه في ذات الله ... كان جهاد النفس مقدمًا على جهاد العدو في الخارج وأصلًا له، فإنه ما لم يجاهد نفسه

стр. 17

أولًا لتفعل ما أمرت به، وتترك ما نهيت عنه، ويحاربها في الله، لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج). إلى أن قال: (وأمرهم أن يجاهدوا فيه حق جهاده .. فحق جهاده أن يجاهد العبد نفسه؛ ليسلم قلبه ولسانه وجوارحه لله .. ويجاهد شيطانه بتكذيب وعده ومعصية أمره وارتكاب نهيه .. فينشأ من هذين الجهادين قوة وسلطان وعدة، يجاهد بها أعداء الله في الخارج بقلبه ولسانه ويده وماله؛ لتكون كلمة الله هي العليا .. ). * * *

стр. 18

الوقفة الثانية مما لا شك فيه عند كل مسلم وعاقل أن من أهم ما قرره الإسلام وأكده: أن أمر بحفظ الأنفس، فنهى عن إزهاقها بغير حقها قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾. وجعل من ضروب الإفساد في الأرض إهلاك الحرث والنسل: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾. وجعل من قتل نفسًا واحدة - بغير حق - فكأنما قتل الناس جميعًا: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]. فإزهاق الأنفس والأرواح، وقتل من لا يستحق القتل وقتاله أمر مرفوض شرعًا وعقلًا.

стр. 19

قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١) رحمه الله تعالى: (الأصل أن دم الآدمي معصوم لا يقتل إلا بالحق، وليس القتل للكفر من الأمر الذي اتفقت عليه الشرائع، ولا أوقات الشريعة الواحدة كالقتل قودًا، فإنه مما لا تختلف فيه الشرائع ولا العقول). * * *

стр. 20

الوقفة الثالثة أن الله تعالى حينما شرع القتال والجهاد؛ فإنما شرعه لأسباب كثيرة، وحكم ظاهرة مستنيرة: منها: مقاتلة من يقف في وجه الدعوة الإسلامية لمنع إعلاء كلمة الله، ونشر دينه الذي ارتضاه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. ومنها: حماية المسلمين والدفاع عنهم، وعن عقيدتهم الربانية، وملتهم الحنيفية الإبراهيمية: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١) ﵀: (وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد ومقصوده هو أن يكون الدين كله لله، وأن

стр. 21

تكون كلمة الله هي العليا، فمن منع هذا قوتل باتفاق المسلمين). وقال أيضًا (١): (المقصود بالقتال أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، وأن لا تكون فتنة، أي: لا يكون أحد يفتن أحدًا عن دين الله)، ومفهوم كلام الشيخ: أن من لم يمنع نشر دين الله، ولم يحاربه، ولم يضيق على أصحابه الخناق ألا يقتل ولا يقاتل. * * *

стр. 22

الوقفة الرابعة أن المتأمل في سيرة النبي ﷺ وحياته المليئة بقتال وجهاد الكافرين، والتضحية في سبيل هذا الدين، ليرى أنه مر في قتاله وجهاده للكافرين بمراحل متنوعة، ومراتب متغايرة، وأن هذه المراحل والمراتب جاءت متكيفة مع الحال والوضع الذي كان النبي ﷺ وصحبه الكرام يعيشون فيه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١) ﵀: (كان النبي ﷺ في أول الأمر مأمورًا أن يجاهد الكفار بلسانه لا بيده، فيدعوهم ويعظهم ويجادلهم بالتي هي أحسن، ويجاهدهم بالقرآن جهادًا كبيرًا ... ، وكان مأمورًا بالكف عن قتالهم لعجزه وعجز المسلمين عن ذلك، ثم لما هاجر إلى المدينة وصار له بها أعوان أذن له في الجهاد، ثم لما قووا كتب عليهم القتال، ولم يكتب عليهم قتال من سالمهم؛ لأنهم

стр. 23

لم يكونوا يطيقون قتال جميع الكفار، فلما فتح الله مكة وانقطع قتال قريش ملوك العرب، ووفدت إليه وفود العرب بالإسلام، أمره الله تعالى بقتال الكفار كلهم). فقتاله ﷺ وقتال أصحابه للكفار، إنما هو قتال لمن يقاتلهم أثناء قيامهم بنشر دين الله تعالى حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله. قال شيخ الإسلام (١) رحمه الله تعالى: (ثم خلفاؤه بعده أبو بكر وعمر ومن معهما من المهاجرين والأنصار الذي يعلم أنهم كانوا أتبع الناس له وأطوعهم لامره وأحفظهم لعهده، وقد غزوا الروم كما غزوا فارس، وقاتلوا أهل الكتاب كما قاتلوا المجوس، فقاتلوا من قاتلهم، وضربوا الجزية على من أداها منهم عن يد وهم صاغرون).

стр. 24

فقتالهم إنما كان لمن قاتلهم، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١) رحمه الله تعالى: (ثم إنه كتب عليهم القتال مطلقًا وفسره بقوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ الآية، فمن ليس من أهل القتال لم يؤذن في قتاله). * * *

стр. 25

الوقفة الخامسة أن جهاد الكافرين وقتالهم وبدئهم بالقتال - كما جاء في السنة - إنما شرع للضرورة، فإذا لم يقبل الكفار هذا الدين دينًا بينهم ليكون الدين لله، ولتكون كلمة الله هي العليا، وليتمكن المسلمون من نشره بين كافة العالمين، أو لم يدفع الكفار الجزية عن يد وهم صاغرون، فما هو إلا القتال، إذ ليس للمسلمين خيار آخر بعد هذين الخيارين إلا خيار المواجهة، فهو خيار حتمه الواقع، وفرضته الضرورة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١) رحمه الله تعالى: (إن القتال إنما شرع للضرورة، ولو أن الناس آمنوا بالبرهان والآيات لما احتيج إلى القتال، فبيان آيات الإسلام وبراهينه واجب مطلقًا وجوبًا أصليًا، وأما الجهاد فمشروع للضرورة).

стр. 26

أما بدئهم بالقتال مع عدم ممانعتهم من نشر دين الله تعالى وإقامته، وقتل من لا يقاتل منهم، فهو من الاعتداء الذي حرمه الله ورسوله، قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١) رحمه الله تعالى: (وذلك أن الله تعالى أباح من قتل النفوس ما يحتاج إليه في صلاح الخلق كما قال تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي: أن القتل وإن كان فيه شر وفساد، ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أكبر منه، فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله لم تكن مضرة كفره إلا على نفسه). * * *

стр. 27

الوقفة السادسة أن قتال الكافرين وطلبهم وجهادهم - في حالة ممانعتهم نشر دين الله - مشروط بقدرة المسلمين على مقاتلتهم، وإمكانهم لجهادهم، وإلا فلا. ولهذا فإن الله تعالى حينما أمر نبيه بقتال الكفار كلهم لم يأمره إلا بعدما استقر له الأمر، وقواه على أعدائه، ففتح له مكة، وانقطع قتال قريش ملوك العرب، ووفدت إليه وفود العرب بالإسلام، أما إبان ضعف المسلمين وعدم قدرتهم على مواجهة أعدائهم، فإنه أمرهم بالصبر والكف، وهذا يظهر في الوقفة التالية. * * *

стр. 28

الوقفة السابعة أنه يجوز للمسلمين حال ضعفهم أن يسالموا من يسالمهم، فلا يقاتلوا إلا من يقاتلهم، وأن يعملوا بآية الكف والصبر، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١) ﵀: (فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف، أو في وقت هو فيه مستضعف، فليعمل بآية الصبر والصفح عمن يؤذي الله ورسوله من الذين اوتوا الكتاب والمشركين. وأما أهل القوة: فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون). وقال - أيضًا - قولًا أصرح من هذا (٢): (فحيث ما كان للمنافق

стр. 29

ظهور يخاف من إقامة الحد عليه فتنة أكبر من بقائه عملنا بآية: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾، كما أنه حيث عجزنا عن جهاد الكفار عملنا بآية الكف عنهم والصفح، وحيث ما حصل القوة والعز خوطبنا بقوله: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾). قال مفتي الديار السعودية سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز (١) رحمه الله تعالى، لمَّا ذكر الطور الثاني من الأطوار التي مرَّ بها الجهاد في الإسلام، قال: (وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الطور الثاني، وهو: القتال لمن قاتل المسلمين، والكف عمن كف عنهم قد نسخ؛ لأنه كان في حال ضعف المسلمين فلما قواهم الله وكثر عددهم وعدتهم أمروا بقتال من قاتلهم ومن لم يقاتلهم، حتى يكون الدين كله لله وحده أو يؤدوا الجزية إن كانوا من أهلها. وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن الطور الثاني لم ينسخ؛ بل

стр. 30

هو باق يعمل به عند الحاجة إليه. فإذا قوى المسلمون، واستطاعوا بدء عدوهم بالقتال وجهاده في سبيل الله فعلوا ذلك، عملًا بآية التوبة وما جاء في معناها، أما إذا لم يستطيعوا ذلك، فإنهم يقاتلون من قاتلهم واعتدى عليهم، ويكفون عمن كف عنهم، عملًا بآية النساء وما ورد في معناها، وهذا القول أصح وأولى من القول بالنسخ وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. قلت: وهذا من باب المصالح والمفاسد، وهو من أهم الأبواب الشرعية والطرق المرعية، وحينما جهل كثير من أبناء المسلمين المتحمسين للجهاد هذا الباب، أدخلوا على أنفسهم وأمتهم الويلات والحسرات. فها هي دولة من دول الإسلام الفتية (أفغانستان) أسقطت! ! وها هم آلاف من المسلمين في أفغانستان قد قتلوا وقُطِّعوا وشُرِّدوا! !

стр. 31

وها هم المسلمون في العراق ماذا حصل لهم؟ ! ! وها هي حركات المقاومة والمناضلة في فلسطين ولبنان ماذا سيحصل لها؟ ! ! وها هي الأعمال الخيرية في العالم الإسلامي أحجمت! ! وها هم المسلمون يعيشون وضعًا ليس كسابق عهدهم! ! وها هو الإسلام المتهم البرئ .. أصبح إرهابًا يجب القضاء عليه! ! * * *

стр. 32

الوقفة الثامنة أن قتل الكافر لا يجوز في حالتين: الحالة الأولى: كونه معاهدًا أو مستأمنًا، والأحاديث في هذا كثيرة مستفيضة. والحالة الثانية: كونه غير مقاتل، فقتله مع عدم مقاتلته عدوان وسرف، كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تعالى بعد أن أورد هذه الآية (١): (فمن ليس من أهل القتال لم يؤذن في قتاله). وقال أيضًا (٢): (فعلم أن شرط القتال كون المقاتل مقاتلًا).

стр. 33

وقال أيضًا (١): (الكافر الأصلى الذي ليس هو من أهل القتال فإنه لا يقتل عند أكثر العلماء كأبي حنيفة، ومالك، وأحمد). وقال أيضًا (٢): (والكافر الأصلي .. لا يقتل منهم إلا من كان من أهل القتال عند جمهور العلماء، كما دلت عليه السنة). ولقد فصَّل شيخ الإسلام هذه المسألة في رسالتنا هذه المختصرة تفصيلًا دقيقًا، وبين أن قتل الكافر لمجرد كفره لا يجوز، واستدل على ذلك بالكتاب والسنة والاعتبار، وبين أن هذا هو مذهب جمهور أهل العلم كأبي حنيفة، ومالك، وأحمد. * * *

стр. 34

الوقفة التاسعة أن الكفار إذا نزلوا في أي بلد من بلاد المسلمين، فإن جهادهم ومقاتلتهم فرض عين على أهل ذلك البلد الذي نزلوا فيه - ليس فقط من الناحية الشرعية بل حتى من الناحية القانونية الدولية - فيجب عليهم أن يقاوموهم، ويقاتلوهم، وينزلوا بهم أشد العذاب ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، خصوصًا إذا استوطنوا ديارهم، وأكلوا خيراتهم، وسلبوا أراضيهم وثرواتهم، كما هو الحال في أرض فلسطين، والعراق، وغيرهما. قال شيخ الإسلام (١): (وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعًا، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط؛ بل يدفع بحسب الإمكان، وقد نص على ذلك

стр. 35

العلماء أصحابنا وغيرهم، فيجب التفريق بين دفع الصائل الظالم الكافر، وبين طلبه في بلاده، والجهاد: منه ما هو باليد، ومنه ما هو بالقلب، والدعوة، والحجة، واللسان، والرأي، والتدبير، والصناعة، فيجب بغاية ما يمكنه). وقال ابن القيم ﵀ (١): (قتال الدفع أوسع من قتال الطلب وأعم وجوبًا؛ ولهذا يتعين على كل أحد ... وهذا كجهاد المسلمين يوم أحد والخندق، ولا يشترط في هذا النوع من الجهاد أن يكون العدو ضعفي المسلمين فما دون، فإنهم كانوا يوم أحد والخندق أضعاف المسلمين، فكان الجهاد واجبًا عليهم؛ لأنه حينئذ جهاد ضرورة ودفع لا جهاد اختيار). قلت: وكلامهما فرضه ومحله إذا رأى إمام المسلمين المصلحة المترجحة في إقامة الجهاد، أما إذا رأى إمام المسلمين أن المفسدة في

стр. 36

ذلك أعظم من المصلحة المترتبة على جهاد الدفع فالرأي ما يراه ولي أمر المسلمين، أما في هذا الزمن، الذي أصبحت فيه الدولة الإسلامية مقسمة إلى دويلات مختلفة في تشريعاتها، وسياساتها، ونظمها، وحدودها، فإنه من الخطأ أن يؤخذ كلامهما أو كلام غيرهما من أهل العلم ليطبقه على واقعنا المعاصر، فيقول: إن هذا فرض عين على كل المسلمين، ممن هم خارج حدود هذا البلد المحتل. نعم الواجب نصرتهم بالمال والنفس، وإذا رأى ولي أمرنا القائم بشرع الله المطهر، منع ذلك أو بعضه لمصلحة راجحة للإسلام والمسلمين، ودفع مفسدة متحققة، فلا تسوغ مخالفته، كيف والمفسدة ظاهرة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار! ! ثم كم رأينا وسمعنا في هذا الزمن عن بعض شبابنا ممن كانوا على التوحيد والسنة، حينما عادوا من بعض البلاد التي اجتاحتها قوى الكفر، عادوا بأفكار دخيلة، وعقائد فاسدة، كفَّروا فيها

стр. 37

ولاتنا، وعلماءنا، ووصموهم بأنهم عملاء مأجورون، واتهموهم بالنفاق. ألا فليحرص شبابنا على بلادهم بلاد المسلمين "المملكة العربية السعودية"، ومهوى أفئدة الناس أجمعين، مهبط الوحي، ومتنزل القرآن، ومنبع الإسلام، ومأرز الإيمان، وألا يغتروا بالشعارات المزيفة، والعبارات البراقة المزوقة، وليكونوا خلف علمائهم وولاتهم صفًّا واحدًا، ولا يكونوا: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. * * *

стр. 38

الوقفة العاشرة أن مهادنة الكفار عند عجز المسلمين عن مقاتلتهم جائزة شرعًا؛ بل إنها تجوز ولو كان فيها ضيم على المسلمين، كما سيأتي. والهدنة تجوز مع الكفار مطلقة ومؤقتة عند عجز المسلمين عن مواجهتهم وقتالهم، أو بحسب ما يراه ولي الأمر من مصلحة راجحة للإسلام والمسلمين. قال شيخ الإسلام (١) ﵀: (وإنما تجوز مهادنة الكافر وأمانه عند العجز، أو المصلحة المرجوة لذلك). قال ابن القيم (٢) ﵀: (مصالحة المشركين ببعض ما فيه ضيم على المسلمين جائزة للمصلحة الراجحة ودفع ما هو شر منه، ففيه دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما).

стр. 39

وقال أيضًا (١): (جواز صلح أهل الحرب على وضع القتال عشر سنين، وهل يجوز فوق ذلك؟ الصواب: أنه يجوز للحاجة والمصلحة الراجحة، كما إذا كان بالمسلمين ضعف وعدوهم أقوى منهم، وفي العقد لما زاد عن العشر مصلحة للإسلام). وقال أيضًا (٢): (يجوز عقدها - أي الهدنة - مطلقة ومؤقتة ... على أي صفة كانت فيها المصلحة، والمصلحة قد تكون في هذا ... فإنه إذا عقد عقدًا إلى مدة طويلة، فقد تكون مصلحة المسلمين في محاربتهم قبل تلك المدة، فكيف إذا كان ذلك قد دلَّ عليه الكتاب والسنة، وعامة عهود النبي مع المشركين كانت كذلك مطلقة غير مؤقتة جائزة غير لازمة).

стр. 40

* أسباب دراسة هذه الرسالة المختصرة: لقد دفعني إلى دراسة هذه الرسالة، وتحقيق القول فيها عدة أسباب، أوجزها فيما يلي: ١ - وجود خلط كبير عند كثير من شباب الأمة في مسائل الجهاد، حتى أدخلوا فيه ما ليس فيه، ومن ذلك قتل من ليس من أهل المقاتلة والممانعة، وعدم مراعاتهم لجانب المصلحة والمفسدة، فخالفوا الكتاب والسنة وما كان عليه جمهور هذه الأمة، وضيقوا على المسلمين، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون. ٢ - توضيح المنهج الوسطي المعتدل لشيخ الإسلام ابن تيمية في عموم المسائل، والتي من أهمها: قتل ومقاتلة الكفار، وأن هذا المنهج الوسطي في مقاتلة الكفار هو المنهج الذي انتهجه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في تأسيس دعوته وجهاده، وعليه شيدت هذه الدولة المباركة، الدولة السعودية حرسها الله بالإسلام؛ بل في هذه الرسالة المختصرة أبلغ رد على من
следующие страницы →