ذلك أعظم من المصلحة المترتبة على جهاد الدفع فالرأي ما يراه ولي أمر المسلمين، أما في هذا الزمن، الذي أصبحت فيه الدولة الإسلامية مقسمة إلى دويلات مختلفة في تشريعاتها، وسياساتها، ونظمها، وحدودها، فإنه من الخطأ أن يؤخذ كلامهما أو كلام غيرهما من أهل العلم ليطبقه على واقعنا المعاصر، فيقول: إن هذا فرض عين على كل المسلمين، ممن هم خارج حدود هذا البلد المحتل.
نعم الواجب نصرتهم بالمال والنفس، وإذا رأى ولي أمرنا القائم بشرع الله المطهر، منع ذلك أو بعضه لمصلحة راجحة للإسلام والمسلمين، ودفع مفسدة متحققة، فلا تسوغ مخالفته، كيف والمفسدة ظاهرة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار! !
ثم كم رأينا وسمعنا في هذا الزمن عن بعض شبابنا ممن كانوا على التوحيد والسنة، حينما عادوا من بعض البلاد التي اجتاحتها قوى الكفر، عادوا بأفكار دخيلة، وعقائد فاسدة، كفَّروا فيها
стр. 37
ولاتنا، وعلماءنا، ووصموهم بأنهم عملاء مأجورون، واتهموهم بالنفاق.
ألا فليحرص شبابنا على بلادهم بلاد المسلمين "المملكة العربية السعودية"، ومهوى أفئدة الناس أجمعين، مهبط الوحي، ومتنزل القرآن، ومنبع الإسلام، ومأرز الإيمان، وألا يغتروا بالشعارات المزيفة، والعبارات البراقة المزوقة، وليكونوا خلف علمائهم وولاتهم صفًّا واحدًا، ولا يكونوا: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾.
* * *
стр. 38
الوقفة العاشرة
أن مهادنة الكفار عند عجز المسلمين عن مقاتلتهم جائزة شرعًا؛ بل إنها تجوز ولو كان فيها ضيم على المسلمين، كما سيأتي.
والهدنة تجوز مع الكفار مطلقة ومؤقتة عند عجز المسلمين عن مواجهتهم وقتالهم، أو بحسب ما يراه ولي الأمر من مصلحة راجحة للإسلام والمسلمين.
قال شيخ الإسلام (١) ﵀: (وإنما تجوز مهادنة الكافر وأمانه عند العجز، أو المصلحة المرجوة لذلك).
قال ابن القيم (٢) ﵀: (مصالحة المشركين ببعض ما فيه ضيم على المسلمين جائزة للمصلحة الراجحة ودفع ما هو شر منه، ففيه دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما).
стр. 39
وقال أيضًا (١): (جواز صلح أهل الحرب على وضع القتال عشر سنين، وهل يجوز فوق ذلك؟
الصواب: أنه يجوز للحاجة والمصلحة الراجحة، كما إذا كان بالمسلمين ضعف وعدوهم أقوى منهم، وفي العقد لما زاد عن العشر مصلحة للإسلام).
وقال أيضًا (٢): (يجوز عقدها - أي الهدنة - مطلقة ومؤقتة ... على أي صفة كانت فيها المصلحة، والمصلحة قد تكون في هذا ... فإنه إذا عقد عقدًا إلى مدة طويلة، فقد تكون مصلحة المسلمين في محاربتهم قبل تلك المدة، فكيف إذا كان ذلك قد دلَّ عليه الكتاب والسنة، وعامة عهود النبي مع المشركين كانت كذلك مطلقة غير مؤقتة جائزة غير لازمة).
стр. 40
* أسباب دراسة هذه الرسالة المختصرة:
لقد دفعني إلى دراسة هذه الرسالة، وتحقيق القول فيها عدة أسباب، أوجزها فيما يلي:
١ - وجود خلط كبير عند كثير من شباب الأمة في مسائل الجهاد، حتى أدخلوا فيه ما ليس فيه، ومن ذلك قتل من ليس من أهل المقاتلة والممانعة، وعدم مراعاتهم لجانب المصلحة والمفسدة، فخالفوا الكتاب والسنة وما كان عليه جمهور هذه الأمة، وضيقوا على المسلمين، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون.
٢ - توضيح المنهج الوسطي المعتدل لشيخ الإسلام ابن تيمية في عموم المسائل، والتي من أهمها: قتل ومقاتلة الكفار، وأن هذا المنهج الوسطي في مقاتلة الكفار هو المنهج الذي انتهجه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في تأسيس دعوته وجهاده، وعليه شيدت هذه الدولة المباركة، الدولة السعودية حرسها الله بالإسلام؛ بل في هذه الرسالة المختصرة أبلغ رد على من
стр. 41
وصف دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أو دعوة شيخ الإسلام ابن تيمية، أو وصف هذه الدولة بالدعوة إلى الإرهاب والعنف.
٣ - بيان أن مجرد كفر الكافر ليس مبيحًا لقتله.
٤ - بيان أنه لا يقاتل من الكفار إلا من كان مقاتلًا بيده أو لسانه، أما من كان ليس كذلك فلا يقاتل ولا يقتل.
٥ - بيان أن الحكمة في الجهاد الطلبي كان بسبب ممانعة الكفار لنشر دين الله تعالى، فمتى لم يمنعونا من نشر الدين، وإقامة شرع الله لم يجز قتالهم.
٦ - بيان أن الجهاد الطلبي مشروط بقدرة المسلمين على مقاتلتهم، وإمكانهم لجهادهم، وإلا فلا.
٧ - بيان أنه يجوز للمسلمين حال ضعفهم أن يسالموا من يسالمهم، ولا يقاتلوا إلا من يقاتلهم، وأن يعملوا بآية الكف والصبر، كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية، وكما رجحه مفتي الديار السعودية
стр. 42
سماحة الشيخ ابن باز ﵀.
٨ - أن مقاتلة الكفار وحرابهم ومهادنتهم يجب أن تقدر فيها المصلحة والمفسدة.
٩ - التثبت والتحقق من صحة أصل هذه الرسالة المختصرة لشيخ الإسلام ابن تيمية.
١٠ - توضيح المقصد الذي أراد شيخ الإسلام بيانه من خلال هذه الرسالة المختصرة.
* * *
стр. 43
* تحقيق نسبة أصل الرسالة المختصرة لشيخ الإسلام ابن تيمية:
قبل أن أخوض في مسألة تحقيق صحة الرسالة المختصرة من عدمها، فإن أساسيات البحث العلمي، تفرض علينا سؤالًا نصه:
هل لشيخ الإسلام تصنيف أو مؤلف حول هذا الموضوع حتى يُختصر، أم لا؟ وهل أشار شيخ الإسلام إلى هذا البحث، أو أحال إليه في بعض مصنفاته؟
نقول: من خلال التتبع والاستقراء نستطيع الجزم بأن لشيخ الإسلام بحثًا حول هذا الموضوع، يوضح ذلك أمور:
١ - ما صرح به شيخ الإسلام ابن تيمية نفسه؛ إذ أخبر أن له تصنيفًا في هذا الباب - أعني قتال الكفار - بل وذكر فيه رأيه الذي رآه في الرسالة المختصرة، إذ قال (١): (الكفار إنما يقاتلون بشرط الحراب، كما ذهب اليه جمهور العلماء، وكما دل عليه الكتاب
стр. 44
والسنة، كما هو مبسوط في موضعه).
٢ - ما ذكره تلميذه ابن عبد الهادي في مصنفه الذي خصصه لترجمة شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية، بأن له مصنفًا في قتال النصارى والمحاربين، فإنه قال وهو يعدد مصنفات شيخه (١): (وفي قتال أهل البيعات من النصارى ونصارى ملطية، وقتال الأحلاف، والمحاربين نحو مجلد)، فهذا النص من ابن عبد الهادي دليل واضح على أن لابن تيمية مصنف في هذا الباب.
٣ - أن شيخ الإسلام تكلم في ثنايا بعض كتبه عن الجزية، ثم ذكر أنه بسط هذا الكلام في مكان آخر، فإنه قال (٢): (ولكن تنازعوا في الجزية هل تؤخذ من غير أهل الكتاب، وهذا مبسوط في موضعه)، والحقيقة أن شيخ الإسلام لم يفصل
стр. 45
القول في هذه المسألة كما فصلها في الرسالة المختصرة المنقولة عن أصل مؤَلّفه رَحِمَهُ اللهُ تعالى.
* * *
стр. 46
* تحقيق صحة الرسالة المختصرة، وأنها منقولة عن أصل شيخ الإسلام ابن تيمية في قتال الكفار:
إذا علمنا وتيقنا أن لشيخ الإسلام ابن تيمية مصنف في هذا الباب، فهل هذه الرسالة المختصرة منقولة عن أصل شيخ الإسلام ابن تيمية في قتال الكفار؟
أقول: عندما بدأت العمل على دراسة هذا المختصر من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتحقيقه، حاولت قدر الإمكان توثيق كل جملة أو عبارة وردت في هذا المختصر من كلام ابن تيمية نفسه في مصنفاته الأخرى؛ لأرى مدى التطابق بينها وبين وجهة نظر الشيخ الأخرى في مصنفاته الأخرى، ووجدت بعد التتبع والاستقراء أن هذه الرسالة المختصرة مطابقة تمامًا لرأي شيخ الإسلام في مصنفاته الأخرى، مما يعني: أنها مقتبسة تمامًا من أصل كتاب شيخ الإسلام في هذا الموضوع.
ومما يعني أيضًا: أن المُخْتَصِرَ قد التزم الدقة والأمانة في نقل
стр. 47
ما نقله دون تحريف، وهذه النقول تجد أنها فعلًا من كلام شيخ الإسلام في مصنفاته الأخرى، ويستطيع القارئ الكريم ملاحظة ذلك من خلال ما يراه من تعليقات علقتها في هامش تحقيق هذه الرسالة المختصرة.
ويمكن إثبات ما يدل على أن هذه الرسالة المختصرة منقولة عن أصل شيخ الإسلام في قتال الكفار ما يلي:
١ - ما كتب على طرة المخطوطة ما نصه: (هذه رسالة ملخصة منقولة من قاعدة لشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية في قتال الكفار، هل سببه المقاتلة أو الكفر).
٢ - ما قام به المختصر لأصل الكتاب من التزام عدم تداخل كلام شيخ الإسلام بعضه مع بعض؛ ولذلك نجد أنه عندما ينتقل من مكان إلى مكان آخر يقول: (إلى أن قال .. ) أو يقول: (ثم ذكر ... ).
٣ - أن كل من له اطلاع واهتمام بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية يجزم
стр. 48
تمامًا أن هذه الرسالة المختصرة هي منقولة من كلام شيخ الإسلام، وذلك أن نَفَسَه واستطراده في هذه المواضع التي نقلها عنه المختصر، توافق نَفَسَه واستطراداته في باقي مصنفاته الأخرى.
٤. أن الشيخ سليمان الصنيع ﵀ يعد من أعلم الناس بمؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية، ولهذا لم يتردد في بعد أن قرأها في نسبتها إلى شيخ الإسلام، بل ونسخها؛ بل وذكر على طرتها إحالة تدلل على أن هذه النسخة مختصرة عن أصل شيخ الإسلام ﵀.
٥. ما وجد في ثنايا هذا المختصر من إحالات ذكر شيخ الإسلام ﵀ أنه فصل القول فيها في مواضع أخرى من مصنفاته، ومن ذلك: ما نقله المختصر عن الشيخ قوله: (وقد بينا - في غير هذا الموضع - أن دين المرء يعتبر بنفسه لا بأجداده). وصدق شيخ الإسلام ﵀، فإنه قد أفاض الحديث عن هذه المسألة
стр. 49
كما في مجموع الفتاوى (٣٥/ ٢٢٣)، وأيضًا كما في الفتاوى الكبرى (٤/ ٦١٩)، ومن ذلك أيضًا: ما نقله المختصر عن الشيخ قوله: (وقد بسط ما يناسب هذا في "الصارم المسلول على شاتم الرسول"، وهذا موجود في الصارم انظر (٣/ ٦٩٦، ٨٦٦).
٦. توافق كلام ورأي شيخ الإسلام المذكور في هذه الرسالة المختصرة مع كلامه وآرائه الأخرى في مصنفاته، سواء في: أن المقاتلة للكفار إنما هي بسبب الحراب لا الكفر، وأن الكفر وحده ليس موجبًا للقتل، وأنه لايقتل سوى المقاتل، وأنه يجوز مهادنة الكفار هدنة مطلقة ومؤقتة، وأن الجزية تؤخذ من عموم الكفار كتابيهم ووثنيهم، وكل هذا موثق في مواضعه من هذه الرسالة المختصرة، وسأورد بعضًا من الأمثلة على ذلك:
* المثال الأول: قال شيخ الإسلام في الرسالة المختصرة:
(قتال الكفار هل هو سبب المقاتلة، أو مجرد الكفر؟ وفي ذلك قولان
стр. 50
مشهوران للعلماء، الأول: قول الجمهور، كمالك، وأحمد بن حنبل، وأبي حنيفة وغيرهم. الثاني: قول الشافعي، وربما علل به بعض أصحاب أحمد).
وبنحو هذا قاله في النبوات (ص ١٤٠): (الكفار إنما يقاتلون بشرط الحراب، كما ذهب اليه جمهور العلماء، وكما دل عليه الكتاب والسنة، كما هو مبسوط في موضعه).
وقال أيضًا في الفتاوى (٢٠/ ١٠١ - ١٠٢): (فأبو حنيفة رأى أن الكفر مطلقا إنما يقاتل صاحبه لمحاربته، فمن لا حراب فيه لا يقاتل؛ ولهذا يأخذ الجزية من غير أهل الكتاب العرب وإن كانوا وثنيين، وقد وافقه على ذلك مالك وأحمد في أحد قوليه، ومع هذا يجوز القتل تعزيرًا، وسيأتي في مواضع، وأما الشافعي فعنده نفس الكفر هو المبيح للدم إلا أن النساء والصبيان تركوا لكونهم مالًا للمسلمين، فيقتل المرتد لوجود الكفر وامتناع سببها عنده من الكفر بلا منفعة، وأما أحمد فالمبيح عنده أنواع، أما الكافر الأصلي
стр. 51
فالمبيح عنده هو وجود الضرر منه، أو عدم النفع فيه، أما الأول فالمحاربة بيد أو لسان، فلا يقتل من لا محاربة فيه بحال من النساء والصبيان والرهبان والعميان والزمنى ونحوهم، كما هو مذهب الجمهور).
وقال أيضًا كما في الفتاوى (٨/ ٥٣٤)، والفتاوى الكبرى (٤/ ٣٤٧): ) أن المرتد يقتل وإن كان عاجزًا عن القتال بخلاف الكافر الأصلى الذي ليس هو من أهل القتال، فإنه لا يقتل عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد).
وقال أيضًا كما في الفتاوى (٢٨/ ٦٥٩ - ٦٦٠): (الرهبان .. تنازع العلماء في قتلهم كتنازعهم في قتل من لا يضر المسلمين لا بيده ولا لسانه، كالأعمى والزمن والشيخ الكبير، ونحوه كالنساء والصبيان، فالجمهور يقولون: لا يقتل إلا من كان من المعاونين لهم على القتال في الجملة، وإلا كان كالنساء والصبيان، ومنهم من يقول: بل مجرد الكفر هو المبيح للقتل، وإنما استثنى النساء
стр. 52
والصبيان؛ لأنهم أموال).
* المثال الثاني: قال شيخ الإسلام في الرسالة المختصرة:
(وكما يجب قتل كل من بدل دينه؛ لكونه بدله، وإن لم يكن من أهل القتال، كالرهبان، وهذا لا نزاع فيه)، وبنحو ذلك قاله كما في الفتاوى (٢٠/ ١٠٠): (المرتد يقتل بالاتفاق وإن لم يكن من أهل القتال إذا كان أعمى أو زمنًا أو راهبًا).
* المثال الثالث: قال شيخ الإسلام في الرسالة المختصرة:
(فقوله: (وقاتلوا ... ) تعليق للحكم بكونهم يقاتلوننا، فدل على أن هذا علة الأمر بالقتال، ثم قال: (ولا تعتدوا) والعدوان: مجاوزة الحد، فدل على أن قتال من لم يقاتلنا عدوان).
وبنحو ذلك قاله، كما في الصارم المسلول (٢/ ٥١٣): (إن الله ﵎ يقول في كتابه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، فأمر بقتال الذين يقاتلون، فعلم أن شرط القتال كون المقاتل مقاتلًا)، وقال في
стр. 53
السياسة الشرعية ص (١٠٤): (لأن القتال هو لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله كما قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
* المثال الرابع: قال شيخ الإسلام في الرسالة المختصرة:
(والفتنة: أن يفتن المسلم عن دينه، كما كان المشركون يفتنون من أسلم عن دينه).
ومثل ذلك قاله كما في الصارم المسلول (٢/ ٥١٤ - ٥١٥):
(وذلك لأن المقصود بالقتال أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، وأن لا تكون فتنة، أي: لا يكون أحد يفتن أحدًا عن دين الله).
* المثال الرابع: قال شيخ الإسلام في الرسالة المختصرة: (ولم يقل: وقاتلوهم حتى يسلموا).
ومثل ذلك قاله كما في منهاج السنة النبوية (٨/ ٥٠٩ - ٥١٠)
стр. 54
: (وهؤلاء وجد فيهم أحد الأمرين القتال أو الإسلام، وهو سبحانه لم يقل: تقاتلونهم أو يسلمون إلى أن يسلموا، ولا قال: قاتلوهم حتى يسلموا؛ بل وصفهم بأنهم يقاتلون أو يسلمون، ثم إذا قوتلوا فإنهم يقاتلون كما أمر الله حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون).
وقال أيضًا في الموضع السابق (٨/ ٥١٦): (وقوله تعالى ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ وقال: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ ولم يقل: قاتلوهم حتى يتوبوا).
وقال أيضًا في الصفدية (٢/ ٣٢١): (وكانوا قد دعوا عام الحديبية إلى قتال من يقاتل أو يعاهد، وبعد ذلك يدعون إلى قتال من يقاتلون أو يسلمون، ولم يقل: أو يسلموا، فانه كان يكون المعنى حتى يسلموا وقتالهم لا يجب إلى هذه الغاية).
* المثال الخامس: قال شيخ الإسلام في الرسالة المختصرة:
стр. 55
(ويدل على ذلك: أنا إذا قاتلنا أهل الكتاب، فإنا نقاتلهم حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله، وهذا المقصود يحصل إذا أدوا الجزية عن يد وكانوا صاغرين).
وبنحو ذلك قاله كما في الصفدية (٢/ ٣٢١): (إذا أعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فقد قوتلوا القتال المأمور به).
* المثال السادس: قال شيخ الإسلام في الرسالة المختصرة: (المعنى: إني لم أؤمر بالقتال إلا إلى هذه الغاية، ليس المراد: أني أمرت أن أقاتل كل أحد إلى هذه الغاية).
وبنحو ذلك في الصفدية (٢/ ٣٢١) قال: (وقتالهم لا يجب إلى هذه الغاية بل إذا أعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فقد قوتلوا القتال المأمور به).
* المثال السابع: قال شيخ الإسلام في الرسالة المختصرة: (بل كانت سيرته أن من سالمه لم يقاتله).
وبنحو ذلك قاله تلميذه ابن القيم في هداية الحيارى (١/ ١٢)
стр. 56
: (ومن تأمل سيرة النبي ﷺ تبين له أنه لم يكره أحدًا على دينه قط، وأنه إنما قاتل من قاتله، وأما من هادنه فلم يقاتله ما دام مقيمًا على هدنته، لم ينقض عهده؛ بل أمره الله تعالى أن يفي لهم بعهدهم ما استقاموا له، كما قال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾، ولما قدم المدينة صالح اليهود وأقرهم على دينهم، فلما حاربوه ونقضوا عهده وبدؤوه بالقتال قاتلهم، فمنّ على بعضهم، وأجلى بعضهم، وقتل بعضهم، وكذلك لما هادن قريشًا عشر سنين لم يبدءهم بقتال حتى بدؤوا هم بقتاله ونقضوا عهده، فعند ذلك غزاهم في ديارهم، وكانوا هم يغزونه قبل ذلك، كما قصدوه يوم أحد، ويوم الخندق، ويوم بدر أيضًا هم جاؤوا لقتاله، ولو انصرفوا عنه لم يقاتلهم، والمقصود: أنه ﷺ لم يكره أحدًا على الدخول في دينه البتة، وإنما دخل الناس في دينه اختيارًا وطوعًا).
والأمثلة في هذا كثيرة جدًّا، وبتصفح القارئ الكريم للكتاب سيجد أضعاف أضعاف ما ذكرته هنا.
стр. 57
مراد شيخ الإسلام في هذه الرسالة المختصرة:
هذه المسألة من أهم المسائل التي يجب علينا معرفتها والتأمل فيها؛ إذ بمعرفتها نحل إشكالًا وقع فيه من وقع بسبب خطأ فهمه لمراد الشيخ منها:
* فجملة من أهل العلم أثبتوها - وهو الصحيح - لكنهم لم يفهموا المراد منها، لذا فسروها تفسيرًا يخالف مراد شيخ الإسلام وأهل العلم منها.
* وجملة أخرى من أهل العلم نفوها، واختلفوا في ذلك واضطربوا:
فبعضهم: نفاها جملة وتفصيلًا، بل وألَّف في هذا ردًّا وتكلف فيه - عفا الله عنا وعنه - أيما تكلف.
стр. 58
وبعضهم الآخر: نفى بعضها، وأثبت بعضها الآخر (١).
وعلاج هذا الإشكال - من خلال منظور البحث العلمي - إنما يكون بالاستقراء والتتبع لما كتبه الشيخ في مصنفاته، ليتضح بجلاء مراده من هذا الفصل المنقول عنه في قتال الكفار؛ خصوصًا أن الموجود إنما هو المختصر من تأليفه شيخ الإسلام لا الأصل.
لذا أستطيع بعد تتبعي واستقرائي لكلام شيخ الإسلام حول هذه المسألة من كتبه المطبوعة، القول باختصار: إن شيخ الإسلام أراد في هذا الموضع المنقول عنه بيان:
١. أننا إذا قاتلنا الكفار من أهل الكتاب والمجوس والمشركين، فلا
стр. 59
نقتل سوى من يقاتلنا.
٢. أننا لا نقتلهم بمجرد كفرهم، فلا نقتل من ليس مقاتلًا من النساء والصبيان والشيوخ والرهبان والزمنى والمجانين وأهل الصوامع والأجراء والحراث ونحوهم ممن لم ينصب لنا الحرب.
٣. أن الكفار من المشركين وعبدة الأوثان إذا تركوا المسلمين، ولم يحاربوهم، ورضوا بإعطائهم الجزية عن يد وهم صاغرون، فلا داعي لقتلهم وقتالهم.
٤. أن المشركين من عبدة الأوثان حكمهم في القتال كحكم أهل الكتاب، فإذا منعوا إقامة دين الله ونشره في بلادهم، أو امتنعوا من أداء الجزية للمسلمين قوتلوا، فشيخ الإسلام هنا يؤيد ما ذهب إليه الجمهور من جواز أخذ الجزية من المشركين، وأنها ليست مخصوصة بأهل الكتاب ومن له شبهة كتاب كالمجوس.
ولقد بنى النافون لهذه الرسالة المختصرة كلامهم في هذا النفي - جملة - على إحدى مقدمتين، أو كلتيهما معًا:
стр. 60
الأولى: أن شيخ الإسلام في هذه الرسالة لا يرى جهاد الطلب، بينما في كتبه ومصنفاته الأخرى قد صرح في ثناياها بجهاد الطلب.
الثانية: أن شيخ الإسلام في هذه الرسالة يرى أن مقاتلة الكفار إنما هي بسبب المقاتلة لا بسبب الكفر، بينما في كتبه ومصنفاته الأخرى خلاف ذلك.
أما المقدمة الأولى:
فإن السبب في إيرادها - في نظري - أمران:
الأمر الأول: أن هذه الرسالة جاءت مختصرة مقتضبة؛ ولأجل هذا الاختصار تضاربت الفهوم في تحديد المراد منها، فمن لا يرى جهاد الطلب - وهو رأي محدث - طار بها فرحًا، وظن أن شيخ الإسلام لا يرى جهاد الطلب.
ومن يرى جهاد الطلب - وهو رأي المتقدمين والمتأخرين من علماء المسلمين - سارع بنفي هذه الرسالة المختصرة أو جزءًا منها؛ لأنها تخالف ما هو مذكور في كتب شيخ الإسلام الأخرى، وتخالف
стр. 61
ما هو مستقر عند أهل العلم والفهم.
والحق أن شيخ الإسلام لا ينفي مقاتلة الكفار ابتداءً أو طلبهم، بل إنه لم يتعرض لهذا الأمر في الجزء المنقول عنه بشكل صريح، وإلا فابتداء الكفار - في حال قوة المسلمين - بالقتال عند ممانعتهم نشر الإسلام وإقامته، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون أمر قد حسمه القرآن والسنة، وكان عليه عمل الأمة.
ولهذا قال شيخ الإسلام بعد أن تطرق إلى بعض ما تطرق إليه هنا.
قال (١): (فلما نزلت آية الجزية لم يكن بد من القتال أو الإسلام والقتال إذا لم يسلموا حتى يعطوا الجزية، فصار هؤلاء إما مقاتلين
стр. 62
وإما مسلمين، ولم يقل تقاتلونهم أو يسلمون، ولو كان كذلك لوجب قتالهم إلى أن يسلموا، وليس الأمر كذلك؛ بل إذا أدوا الجزية لم يقاتلوا، ولكنهم مقاتلين أومسلمين، فإنهم لا يؤدون الجزية بغير القتال).
الأمر الثاني: ما ورد في بعض المواضع من هذه الرسالة المختصرة ما يفيد أن شيخ الإسلام يمنع ابتداء الكفار بالقتال: كاستدلاله بآية عدم الاعتداء، وكقوله: (يسالم من يسالمه)، وكقوله: (ولو كان الله أمره أن يقتل كل كافر لكان يبتدئهم بالقتل والقتال) إلى غير ذلك.
وهذا الاستدلال صحيح لا يخالف فيه أحد؛ لكن مقصود شيخ الإسلام هنا كما ذكرناه آنفًا: أن الكفار إذا لم يحاربونا، ورضوا بإعطائنا الجزية عن يد وهم صاغرون، فلا داعي لقتلهم أو لقتالهم،
стр. 63
وأن قتل من لم يقاتل منهم نوع من الاعتداء الذي حرمه الله تعالى.
قال ابن القيم (١) ﵀: (وهذه كانت سيرة رسول الله في أهل الأرض كان يقاتل من حاربه إلى أن يدخل في دينه أو يهادنه أو يدخل تحت قهره بالجزية، وبهذا كان يأمر سراياه وجيوشه إذا حاربوا أعداءهم، كما تقدم من حديث بريدة.
فإذا ترك الكفار محاربة أهل الإسلام وسالموهم، وبذلوا لهم الجزية عن يد وهم صاغرون كان في ذلك مصلحة لأهل الإسلام وللمشركين.
أما مصلحة أهل الإسلام: فما يأخذونه من المال الذي يكون قوة للإسلام مع صغار الكفر وإذلاله، وذلك أنفع لهم من ترك الكفار بلا جزية.
стр. 64
وأما مصلحة أهل الشرك: فما في بقائهم من رجاء إسلامهم إذا شاهدوا أعلام الإسلام وبراهينه، أو بلغتهم أخباره، فلا بد أن يدخل في الإسلام بعضهم، وهذا أحب إلى الله من قتلهم)
وههنا أمر مهم، هو: أن الاقتصار على المختصرات دون الرجوع إلى أصول المؤلف الأخرى التي كتبها يعد من الخطأ العلمي الواجب على الباحثين اجتنابه.
أما المقدمة الثانية:
التي ذكرها بعض المشككين في الرسالة، وعلل بها عدم صحة هذه الرسالة المختصرة، فإنه بالاستقراء والتتبع تبين لنا خلاف ما ذكروه؛ بل إن شيخ الإسلام يرى حقيقة أن الكافر لا يقتل بمجرد كفره، وقد صرح بهذا في عدة مواضع من كتبه، ومن ذلك:
* قال ﵀ في الصارم المسلول (٢/ ٢١٠): (واذا أمر بقتل هذه المرأة التي هجته، ولم يؤذن له في قتل قبيلتها الكافرين، علمًا أن
стр. 65
السب موجب للقتل، وإن كان هناك ما يمنع القتال لولا السب كالعهد والأنوثة، ومنع قتل الكافر الممسك أو عدم إباحته، وهذا وجه حسن دقيق، فإن الأصل أن دم الآدمي معصوم لا يقتل إلا بالحق، وليس القتل للكفر من الأمر الذي اتفقت عليه الشرائع ولا أوقات الشريعة الواحدة كالقتل قودًا، فإنه مما لا تختلف فيه الشرائع ولا العقول).
* وقال رحمه في الموضع السابق (٢/ ٢٦٦): (أن النبي أمَّن عام الفتح جميع المحاربين إلا ذوي جرائم مخصوصه، وكان ممن أهدر دمه دون غيره - يعني: عبد الله بن خطل -، فعلم أنه لم يقتل لمجرد الكفر والحراب).
* وقال ﵀ كما في الفتاوى (٢٠/ ١٠١): (فأبو حنيفة رأى أن الكفر مطلقًا إنما يقاتل صاحبه لمحاربته فمن لا حراب فيه لا يقاتل؛ ولهذا يأخذ الجزية من غير أهل الكتاب العرب وإن كانوا وثنيين، وقد وافقه على ذلك مالك وأحمد في أحد قوليه .. وأما
стр. 66
الشافعي فعنده نفس الكفر هو المبيح للدم إلا أن النساء والصبيان تركوا؛ لكونهم مالًا للمسلمين).
* وقال أيضًا في الفتاوى (٢٨/ ٦٦٠): (الجمهور يقولون: لا يقتل إلا من كان من المعاونين لهم على القتال في الجملة، وإلا كان كالنساء والصبيان، ومنهم من يقول: بل مجرد الكفر هو المبيح للقتل وإنما استثنى النساء والصبيان؛ لأنهم أموال).
والأمثلة في هذا الكتاب كثيرة جدًّا.
стр. 67
عنوان الرسالة المختصرة:
ورد عنوان الرسالة المختصرة على طرة النسخة الخطية هكذا (هذه رسالة ملخصة منقولة من قاعدة لشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية في قتال الكفار، هل سببه المقاتلة أو الكفر)، أما النسخة المطبوعة، فقد كان عنوانها: (قاعدة في قتال الكفار هل هو لأجل كفرهم أو دفاعًا عن الإسلام)
ويبدو لي أن عنوان النسخة الخطية أقرب إلى مراد المؤلف، من العنوان المذكور على المطبوعة، وعنوان النسخة الخطية جاء ليكون متوافقًا مع مضمون الرسالة المختصرة؛ وقد رأيت أن يكون عنوانها: بـ: (قاعدة مختصرة في حكم قتال الكفار ومهادنتهم وتحريم قتلهم لمجرد كفرهم) ليكون أكثر تطابقًا مع المضمون.
стр. 68
النسخ الخطية للرسالة المختصرة (١):
توفر لي عند الشروع في تحقيق هذه الرسالة المختصرة، نسختان:
الأولى: خطية، محفوظة في المكتبة المركزية بجامعة الملك سعود بالرياض تحت رقم (١٦٨٤).
وعدد أوراقها: (١٨) ورقة.
ناسخها: الشيخ/ سليمان الصنيع (ت ١٣٦٥ هـ)
ومسطرتها: (١٧) سطرا.
وهي نسخة حسنة، منقولة من نسخة بخط محمد السليمان العبد العزيز البسام في ١٣٦٣ هـ، وقوبلت على الأصل.
стр. 69
الثانية: مطبوعة ضمن مجموعة في مكتبة الأزهر بالقاهرة كانت قد طبعت في عام ١٣٦٨ هـ - ١٩٤٩ م محفوظة برقم ١٤٥٠ مجاميع ٥٩٦١٤.
وتقع هذه الرسالة المختصرة من ص (١١٦) إلى (١٤٦) ضمن المجموع الذي طبعه الشيخ محمد نصيف في مطبعة السنة المحمدية بالقاهرة عام ١٣٦٨ هـ - ١٩٤٩ م.
قابل هذه النسخة محمد عبد الرازق آل حمزة في ٢٦ ربيع الثاني عام ١٣٦٤ هـ على نسخة أخرى بخط مصطفى الفاروقي، وطبعت بتحقيق محمد حامد الفقي رحمه الله تعالى.
* * *
стр. 70
منهجي في الدراسة:
لقد قمت بقراءة هذه الرسالة قراءة متأنية دقيقة، بعد ذلك قمت بالتتبع والاستقراء لأغلب كتب شيخ الإسلام ابن تيمية لأقوم بالمقارنة بين ما أجده في هذه الرسالة المختصرة، وبين ما أجده في مصنفاته الأخرى، وقد شمل الاستقراء والتتبع أكثر من أربعين مصنفًا لشيخ الإسلام ابن تيمية.
كما قمت باستقراء لبعض كتب تلميذه ابن القيم، مثل: زاد المعاد، وأحكام أهل الذمة، وهداية الحيارى، ومقارنتها ببعض ما ذكر في هذه الرسالة المختصرة، وذلك في حالة عدم وقوفي على كلام مقارب لشيخ الإسلام في هذه الرسالة؛ إذ أن منهج ابن القيم ﵀ ما هو في الحقيقة إلا صورة أخرى من منهج شيخ الإسلام ابن تيمية.
* * *
стр. 71
منهجي في التحقيق:
١. اتخذت من النسخة الخطية أصلًا في إخراج هذه الرسالة، فقمت بقراءتها قراءة فاحصة، ثم قارنتها بالمطبوعة.
٢. اتبعت جميع ما في النسخة الخطية إلا ما رأيته حريًا بالتصحيح، فإن كانت الكلمة في النسخة ثابتة إلا أنها مصحفة، أو أخطأ الناسخ في كتابتها قمت بتصحيحها.
٣. كل ما كان بين معقوفتين هكذا [] فهو من إضافتي.
٤. خرجت الآيات في آخر الكتاب، والأحاديث والآثار الواردة في مواضعها باختصار شديد خشية الإطالة.
* * *