← Фикх общий

Фикх общий · id 147673

اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية لابن عبد الهادي

ابن عبد الهادي

Полный текст (80 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لحقها من أعمال (١١) اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية تأليف الحافظ أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي (المتوفى ٧٤٤ هـ) تحقيق سامي بن محمد بن جاد الله إشراف بكر بن عبد الله أبو زيد دار عطاءات العلم - دار ابن حزم

стр. 2

راجَع هذا الجُزْء سُليمَان بن عَبْد الله العُمير جديع بن محمَّد الجديع

стр. 3

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مقدمة التحقيق الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمَّد، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا جزء جمع فيه الحافظ ابن عبد الهادي جملة من اختيارات وأقوال شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية في فنون متنوعة (التفسير (١)، الحديث (٢)، الفقه -وهو الغالب (٣) -، وغيرها) (٤)، ومن كتب وفتاوى متفرقة. ولم يرتبها الحافظ ابن عبد الهادي ترتيبًا واضحًا، وهذا يحتمل أحد أمرين: الأول: أن يكون هذا الجزء لبنة لمشروع كان يعزم الحافظ ابن عبد الهادي القيام به، وهو جمع اختيارات شيخ الإسلام مرتبة على الأبواب، فيكون هذا الجزء مسودة لذلك. والثاني: أن يكون دوَّن هذه المختارات لاستذكارها وتقريبها. والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. _________ (١) وعدد مسائله: (١٣)، وهي: (٩٦، ١٠٠، ١٢٣ - ١٣٣). (٢) وعدد مسائله: (٨)، وهي: (٩٣، ٩٤، ٩٥، ١١٦، ١٤٦، ١٤٧، ١٤٩، ١٥١). (٣) بقية المسائل التي لم يسبق ذكرها هي فقهية، وعددها (١٣١). (٤) انظر: (رقم: ١٢٢)، ويوجد في أثناء مسائل التفسير بحوث نحوية أيضًا.

стр. 4

اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية الفقهية: يعدُّ الإمام ابن تيمية من أبرز العلماء المحققين في الفقه، ومع ذلك لا يعرف أنه ألف كتابًا مستقلًا على الأبواب الفقهية، فما سبب ذلك؟ قال الحافظ عمر بن علي البزار (المتوفى سنة: ٧٤٩) في كتابه "الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية": (ولقد أكثر ﵁ التصنيف في الأصول فضلا عن غيره من بقية العلوم، فسألته عن سبب ذلك، والتمست منه تأليف نصٍّ في الفقه يجمع اختياراته وترجيحاته، ليكون عمدة في الإفتاء، فقال لي ما معناه: الفروع أمرها قريب، ومن (١) قلد المسلم فيها أحد العلماء المقلَّدين جاز له العمل بقوله ما لم يتيقن خطأه. . . إلخ) (٢) ا. هـ. ولكن وفق الله جل وعلا -وله الحمد- طلاب الإمام وأهل العلم لحفظ تركته الفقهية، وكان ذلك على وجوه: ١ - جمع فتاويه المتفرقة، ومن ذلك "الفتاوى المصرية" الشهيرة. ٢ - ذكر اختياراته في الكتب، كما نراه في كتب ابن القيم (ت: ٧٥١) وابن مفلح (ت: ٧٦٣) من تلامذة الشيخ، وفي كتب الحافظ ابن رجب (ت: ٧٩٥) وغيره من أهل العلم. ٣ - جمع اختياراته في مؤلف مستقل، والمعروف من ذلك أربعة أعمال: _________ (١) كذا بالأصل، ولعل صوابها: (متى). (٢) نبهني على هذا الموضع فضيلة الشيخ / بكر أبو زيد، جزاه الله خيرًا.

стр. 5

(١) جزء الحافظ ابن عبد الهادي (ت: ٧٤٤) هذا، ولعله أول عمل على هذا النحو، وعدد مسائله الفقهية: (١٣١) مسألة كما سبق. (٢) جزء برهان الدين أبي إسحاق إبراهيم بن محمَّد بن أبي بكر الزرعي ثم الدمشقي، الشهير بـ "ابن ابن قيم الجوزية" (ت: ٧٦٧)، وقد طبع مرات، آخرها سنة (١٤١٣) بتحقيق وشرح / أحمد موافي، باسم: "المسائل الفقهية من اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية" عن "دار الصفا" بالقاهرة. وحوى (٩٨) مسألة، قسمها المؤلف إلى أربعة أقسام، هي: ١ - مسائل مستغربة لندرة القائل بها. ٢ - ما هو خارج عن مذاهب الأئمة الأربعة، ولكن الخلاف فيه محكي. ٣ - ما هو خارج عن مذهب أحمد، لكن قال به غيره من الأئمة. ٤ - ما اختاره مما هو مخالف للمشهور في مذهب أحمد. وقال عنه الشيخ / بكر أبو زيد: "هي رسالة محررة" (١). (٣) كتاب أبي الحسن علي بن محمَّد بن علي البعلي، المعروف بـ "ابن اللحام" (ت: ٨٠٣)، وطبع مرات كثيرة، من آخرها سنة (١٤١٨)، بتحقيق / أحمد الخليل، باسم: "الأخبار العلمية من الاختيارات الفقهية" عن "دار العاصمة" بالرياض. وقال ابن المبرد في "الجوهر المنضد": (ص: ١١٤) في ترجمة _________ (١) "ابن قيم الجوزية حياته وآثاره": (ص: ٢٣).

стр. 6

ابن مفلح: (كان معظما لشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية ينقل اختياراته في كتبه كثيرًا، وغالب ما ذكره أبو الحسن اللحام في "اختياراته" فإنه من "الفروع") ا. هـ. وهو أشهر وأوسع ما كتب في ذلك، لكنه لم يستوعب اختيارات الشيخ كما قاله المرداوي في مقدمة "الإنصاف": (١/ ٢٠). (٤) "نظم ما انفرد به شيخ الإسلام ابن تيمية عن الأئمة الأربعة" للشيخ سليمان بن سحمان (ت: ١٣٤٩)، وهو في "ديوانه": (ص: ٥٢٠). عناية ابن عبد الهادي بمؤلفات ابن تيمية واختياراته: الناظر في كتب الحافظ ابن عبد الهادي يلحظ عنايته الكبيرة بكتب شيخه، وتمثلت تلك العناية في جانبين: الأول: جمعها ومطالعتها وحصر أسمائها، ومن قرأ كلامه في ذكر مصنفات شيخ الإسلام- في كتابه المفرد في ترجمة الشيخ "العقود الدرية"- ظهر له عنايته الفائقة بكتب الشيخ، ومعرفته بنسخها ومضامينها وعلاقة بعضها ببعض، ووجد كلامه عنها كلام من خبر تلك الكتب، وإليك بعض كلامه في ذلك: قال في "العقود الدرية": (ص: ٤١): (كتاب "درء تعارض العقل والنقل" في أربع مجلدات كبار، وبعض النسخ به في أكثر من أربع مجلدات، كتاب حافل عظيم المقدار، رد الشيخ فيه على الفلاسفة والمتكلمين، وله كتاب في نحو مجلد أجاب فيه عما أورده كمال الدين بن الشريشي (١) على هذا الكتاب) ا. هـ _________ (١) كذا بالأصل، وصوابه: (الشَّرِيسي)، انظر: "البداية والنهاية" لابن كثير: (١٤/ ٩١).

стр. 7

وقال أيضًا: (ص: ٤٤): (كتاب "بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية" في ست مجلدات، وبعض النسخ منه في أكثر من ذلك، وهو كتاب جليل المقدار معدوم النظير، كشف الشيخ فيه أسرار الجهمية وهتك أستارهم، ولو رحل طالب العلم لأجل تحصيله إلى الصين ما ضاعت رحلته) ا. هـ وقال أيضًا: (ص: ٤٥): (كتاب "جواب الاعتراضات المصرية على الحموية" في أربع مجلدات، وبعض النسخ منه في أقل، وهو كتاب عزيز الفوائد، سهل التناول. ومنها كتاب الرد على النصارى، سماه "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" في مجلدين، وبعض النسخ منه في ثلاث مجلدات، وبعضها في أكثر، وكذلك كثير من كتبه الكبار تختلف النسخ بها، وهذا الكتاب من أجل الكتب وأكثرها فوائد، ويشتمل على تثبيت النبوات وتقريرها بالبراهين النيرة الواضحة، وعلى تفسير آي كتير من القرآن، وعلى غير ذلك من المهمات) ا. هـ وقال أيضًا -بعد انتهائه من سرد جملة كبيرة من مؤلفات الشيخ-: (ص: ٨٠): (وسأجتهد -إن شاء الله تعالى- في ضبط ما يمكنني من ضبط مؤلفاته في موضع آخر غير هذا، وأبين ما صنفه منها بمصر، وما ألفه منها بدمشق، وما جمعه وهو في السجن، وأرتبه ترتيبًا حسنًا غير هذا الترتيب، بعون الله تعالى وقوته ومشيئته) ا. هـ وكان ﵀ -وحق له- محتفيًا بكتب شيخه كما تراه في أماكن متفرقة من مصنفاته، فقال في "العقود الدرية": (ص: ٤٢): (ولا أعلم أحدًا من متقدمي الأمة ولا متأخريها جمع مثل ما جمع،

стр. 8

ولا صنف نحو ما صنف، ولا قريبًا من ذلك) ا. هـ وذكر نحو هذه العبارة في كتابه "طبقات علماء الحديث": (٤/ ٢٩٠) تحت ترجمة الشيخ، وقال فيه: (٤/ ١٢١) -تحت ترجمة ابن الجوزي-: (لا أعلم أحدًا صنف أكثر من ابن الجوزي إلا شيخنا الإمام الرباني أبا العباس أحمد بن عبد الحليم الحراني ﵁ ا. هـ الثاني: الانتخاب منها والنقل عنها، وربما كان ذلك في أجزاء مفردة -كما في "رسالة لطيفة" وهذا الجزء- وأكثره في مصنفاته المختلفة، وهو شيء كثير يصعب حصره الآن، ولكن أذكر بعض الأمثلة له، قال ﵀ في "تنقيح التحقيق": لما ذكر مسألة الجد والإخوة: (واعلم أن لشيخنا العلامة أبو العباس في هذه المسألة مصنفًا جليلًا، فمن أحب الوقوف عليه فليسارع إليه، ثم إني بعد أن كتبت هذا الكلام بمدة جمعت الآثار الواردة في هذه المسألة، وذكرت ما جاء عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الاختلاف فيها في عدة كراريس، ثم حكيت كلام شيخنا بحروفه في آخر ذلك) ا. هـ وانظر المسائل: (١، ٢٣، ٢٥) من "تنقيح التحقيق" أيضًا. ومما تحسن الإشارة إليه أن الحافظ ابن عبد الهادي ربما نقل نصًّا طويلًا من كلام شيخ الإسلام في صفحات، فيأتي بعض الباحثين فينظر في وسط ذلك الكلام فيتوهم أنه لابن عبد الهادي، وربما نقلوه منسوبًا إليه، وإنما هو مما نقله عن شيخ الإسلام. ومن ذلك نصوص كثيرة في "الصارم المنكي" نقلها من كتب شيخ الإسلام: (انظر: ص: ٤١ - ٥٤، ٦٤ - ٦٧، ١٠٣ - ١١٥، ١٥١ - ١٩٧، ١٩٩ - ٢٢٠، وغيرها).

стр. 9

بقي أن أشير إلى أن الحافظ ابن عبد الهادي قد ذكر في كتابه "العقود الدرية" عشرين مسألة من اختيارات الشيخ التي خالف فيها أئمة المذاهب الأربعة، أو خالف المشهور من أقوالهم (ص: ٣٣٨ - ٣٤٠) (١). توثيق نسبة الجزء: جاء على طرة النسخة ما نصه: (جزء يشتمل على فروع، جمع الشيخ الإمام العلامة شمس الدين محمَّد بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي- رحمة الله عليه-، اختيار شيخ الإسلام ﵁) ا. هـ وجاء في بداية الفصل الثاني من هذا الجزء العبارة التالية: (قال شيخنا الحافظ ابن عبد الهادي -رحمة الله عليه-. . . إلخ) ا. هـ ومما يؤكد صحة هذه النسبة: ما سبق ذكره من عناية الحافظ ابن عبد الهادي بمؤلفات واختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية، لكن لماذا لم يُذكر هذا الجزء في المصادر المترجمة لابن عبد الهادي التي وصلتنا؟ الجواب عن هذا من وجوه: ١ - أن هذه المصادر لم تستقص جميع مؤلفاته ﵀، فقد قال الحافظ ابن رجب في "ذيل طبقات الحنابلة" - بعد أن سرد جملة كبيرة من مؤلفات ابن عبد الهادي - (٤/ ٤٣٩): (وله رد على ابن طاهر وابن دحية وغيرهما، وتعاليق كثيرة في الفقه وأصوله، والحديث، ومنتخبات في أنواع العلم) ا. هـ وقال ابن قاضي شهبة في ترجمة ابن عبد الهادي من "تاريخه" (٢/ ٣٩٦ - الجزء الأول من المخطوط) -بعد أن ذكر طائفة من كتبه-: (وله مصنفات آخر كثيرة سردناها في أصل هذا التاريخ في _________ (١) ذكر منها خمس مسائل في هذا الجزء، وأرقامها: (٣، ١٣، ١٠٤، ١١٥، ١٢٠).

стр. 10

نحو ورقتين) ا. هـ. وعدم استقصاء مؤلفات المترجَم هذا هو الغالب على كتب التراجم، وإنما يحرص على الاستقصاء من أفرد عَلَمًا من الأعلام بمصنف مستقل، والحافظ ابن عبد الهادي من المكثرين من التأليف، حتى قال ابن المبرد في "الجوهر المنضد": (ص: ٥٥) تحت ترجمة عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي (أخي صاحب الجزء): (له كتاب في أسماء مصنفات أخيه شمس الدين) ا. هـ. ٢ - أن هناك أثرًا آخر من آثار ابن عبد الهادي وصلنا ولم تذكره مصادر ترجمته، وهو ما طبع باسم: "رسالة لطيفة في أحاديث متفرقة ضعيفة"، وقد جاء في صدرها ما يلي: (رأيت بخط الحافظ شمس الدين محمَّد بن عبد الهادي -رحمه الله تعالى- في أثناء كلام له، قال: (فصل قال شيخنا في أثناء كلامه في الرد على الرافضي. . . إلخ) ا. هـ. فأفادنا هذا النص فائدتين: أولاهما: اتجاه عناية الحافظ ابن عبد الهادي إلى الانتخاب من كتب شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية. وثانيتهما: أن هذا الجزء الذي طبع باسم "رسالة لطيفة" قد كان في الأصل في أثناء كلام للحافظ ابن عبد الهادي، فلم لا يكون هذا المنتخب الذي بين أيدينا أصله جزء آخر من ذلك الكلام؟ الله أعلم. ٣ - ليس هناك في هذا الجزء ما يدفع نسبته لابن عبد الهادي، بل في تضاعيفه ما يؤكد أنه له، فكثيرًا ما يطلق المنتخِب لقب "شيخنا" على شيخ الإسلام ابن تيمية. وبكل حال فليس في هذا الجزء ما ينسب لابن عبد الهادي سوى

стр. 11

الجمع والانتخاب ونسبة ذلك لشيخ الإسلام ابن تيمية، وقد ثبت بتتبع أكثر نصوصه أنها من كلام شيخ الإسلام واختياراته من خلال مصادر أخرى، وأما النصوص التي لم أقف عليها في مصادر أخرى فنَفَس شيخ الإسلام يفوح منها. وصف النسخة الخطية: اعتمدت في إخراج هذا الجزء على نسخة خطية وحيدة، محفوظة في "دار الكتب الظاهرية" بدمشق، وقد حصلت على نسخة مصورة منها من مصورتها المحفوظة في "قسم المخطوطات بجامعة الإمام" بالرياض، تحت الرقم: (١٨٦٣ / ف). وعدد أوراق النسخة: (٥٤)، ولم يكتب عليها تاريخ نسخها ولا اسم ناسخها، كما لم أر فيها ما يدل على أصلها الذي نسخت منه، ولا ما يفيد مقابلتها عليه أو على غيره، بل حال النسخة يشهد بأنها لم تقابل ولم تصحح كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وجاء على طرة النسخة التوقيفة التالية: (وقف أحمد بن يحيى النجدي، المحل: مدرسة أبي عمر في الصالحية) ا. هـ، وجاء على الورقة الأولى منها: (طالعه جميعه مالكه أحمد بن يحيى بن عطوة، ولله الحمد والمنة) ا. هـ وهذا يفيد أنها نُسخت قبل القرن العاشر أو في أوائله، لأن الشيخ ابن عطوة توفي سنة (٩٤٨)، وهو من علماء نجد المشاهير، وترجم له غير واحد، وأوفى من ترجم له: الشيخ عبد الله البسام في كتابه الفريد "علماء نجد. . .": (١/ ٥٤٤ - ٥٥٢)، ومما ذكر في ترجمته قوله: (وحصَّل المترجَم كتبًا كثيرة جدا، وعند خروجه [من

стр. 12

الشام] إلى نجد وقف الكثير منها على "مدرسة أبي عمر". . . . وفي إحدى سفراتي إلى دمشق زرت المكتبة الظاهرية، ودخلت "خزانة المخطوطات"، فوجدت الكثير منها من كتب المترجَم التي وقفها، ومكتوب عليها هذه العبارة: "وقف أحمد بن يحيى النجدي، المحل: مدرسة أبي عمر بالصالحية") ا. هـ والنسخة خطها مقروء، لكنها -مع الأسف الشديد- غير جيدة، فهي مليئة بالتصحيف والتحريف، والسقط والتكرار، وهذا يؤكد ما ذكرت آنفًا من أنها لم تقابل. لذا كان مما لا بد منه تتبع ما نقل في الجزء من اختيارات وأقوال الشيخ في فتاويه ومصنفاته التي وصلتنا، وقد منَّ الله تعالى بالوقوف على أكثر ذلك إما نصا أو معنى، وقد عزوت ذلك في الحواشي، فإن كان نص الكلام موجودًا في مصدر آخر أكتفي بالإحالة عليه، وأما إن كان فيه بعض الاختلاف فأصدِّر الإحالة بكلمة: (انظر)، فإن أهملت العزو فذلك علامة على عدم وقوفي عليه. وأما تصحيح الأخطاء التي في النسخة فله حالان: الأول: ما كان في النصوص التي وقفت عليها في مصادر أخرى، فأصححها منها، وأنبه على ذلك في الحاشية. والثاني: ما كان فيما لم أقف عليه في مصدر آخر، فإن كان تصحيفًا أثبت ما أرى أنه الصواب بين معقوفتين، وأنبه في الحاشية على الذي بالأصل، وأما إذا ظهر لي أن في الكلام سقطًا، فأجتهد في استدراك الساقط، وأضعه بين معقوفتين، ولكثرة ذلك تركت التنبيه عليه في الحاشية اكتفاءً بهذا التنويه، فكل ما كان بين معقوفتين ولم

стр. 13

أعلق عليه فهو مما اجتهدت في استدراكه، والله الموفق للصواب. اسم الجزء: ليس هناك اسم واضح لهذا الجزء، والذي يبدو أن الحافظ ابن عبد الهادي لم يسمه، وجميع الأسماء التي أطلقت عليه هي من تصرف الناسخ والملاك، وهي لا تعبر عن مضمونه، ومن تلك الأسماء التي أطلقت عليه: ١ - (فروع لعبد الهادي المقدسي الحنبلي) وبهذا الاسم ورد في "فهرس مخطوطات جامعة الإمام"، وهذا فضلًا عن كونه لا يعبر عن مضمون الجزء فيه خطأ في ذكر اسم المنتخِب. ٢ - ومنها: (فتاوى محمد بن عبد الهادي المقدسي) وهذا هو الاسم الذي ورد في "فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية - المجاميع" لياسين السواس: (٢/ ١٠٢)، وهو مخالف تمامًا لمضمون الجزء. ٣ - ومنها: (جزء يشتمل على فروع، جمع الشيخ الإمام العلامة شمس الدين محمَّد بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي رحمة الله عليه، اختيار شيخ الإسلام ﵁، وهو العنوان المثبت على طرة الجزء، وهذا وإن كان أقرب الأسماء إلى مضمون الجزء إلا أنه لا يفي بالغرض. لذا اجتهدت في اختيار اسم أرجو أن يكون مناسبًا لمضمون الجزء، وهو: "المنتخب من أقوال واختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية"، واستفدت في ذلك من كلمة الحافظ ابن رجب السالفة: (وله. . . منتخبات في أنواع العلم) ا. هـ ثم بعد ذلك أشار علي عدد من الإخوة بتعديل الاسم لطوله، كما أشار

стр. 14

فضيلة الشيخ / بكر أبو زيد، بتسميته "اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية"، وهو مقارب لما جاء على النسخة الخطية، فكانت تسميته بذلك، والله الموفق. وفي ختام هذه المقدمة أتوجه بالشكر للإخوة الأفاضل الذين تفضلوا بقراءة الجزء قبل طبعه، والذين أفدت من ملحوظاتهم، فجزاهم الله خيرًا. وأسأل الله أن ينفع بهذا العمل، وأن يغفر لي ولوالدي ولمشايخي وللمسلمين، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمَّد الأمين، وآله وصحبه والتابعين. وكتب سامي بن محمَّد بن جاد الله ٢٤/ ٦ / ١٤٢١ (١) الرياض _________ (١) ثم أعدت النظر فيه في شهر ذي القعدة، من سنة ١٤٢٢، وكان قد صدر في هذه الفترة مجموع بعنوان "المجموعة العلية من كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية"، جمع وتحقيق: الشيخ / هشام بن إسماعيل الصيني، ومجموع آخر بعنوان "جامع المسائل" جمع وتحقيق: الشيخ / محمد عزير شمس، وقد حوى هذان المجموعان كتبًا وفتاوى لشيخ الإسلام تنشر لأول مرة، فأعدت النظر في المواضع التي كنت لم أقف عليها، فوجدت عدة مواضع منها مذكورة في هاذين المجموعين، فأثبت العزو إليهما، والحمد لله على توفيقه.

стр. 15

نموذج من النسخ الخطية: صورة من الورقة التي كتب عليها العنوان

стр. 16

نموذج من النسخ الخطية: صورة من الورقة الأولى للجزء

стр. 17

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمَّد، وآله وصحبه وسلم. فصل ١ - ذهب شيخنا ﵀ إلى أنَّ الحاجم والمحجوم يفطران، وكذلك المفصود، ولا يفطر عنده الفاصد ولا المشروط ولا الشارط (١). ٢ - وذهب إلى أنَّ من احتقن، أو اكتحل، أو قطر في إحليله، أو داوى المأمومة أو الجائفة بما يصل إلى جوفه، أو ابتلع ما لا يغذّي -كالحصاة-، لا يفطر (٢). ٣ - وذهب إلى أنَّ من أكل يظنُّه ليلًا فبان نهارًا، فلا قضاء عليه (٣). ٤ - وذهب إلى أنَّ من رأى هلال رمضان وحده لا يصوم، وكذلك من رأى هلال شوال وحده لا يفطر، لا سرًّا ولا جهرًا (٤).

стр. 18

٥ - وذهب إلى عدم وجوب صوم الثلاثين [من] شعبان إذا غمَّ الهلال، وضعَّف القول بالتحريم والقول بالوجوب تضعيفًا كثيرًا، ومال إلى أنَّ الصوم مندوبٌ أو جائزٌ (١). وذكر في بعض مؤلَّفاته أنَّ القول بوجوب الصوم بدعةٌ، وأنَّه لا يعرف عن أحد من السلف. ٦ - قال [. . .] (٢): (ليس لولي الصبي (٣) إلباسه الحرير في [أظهر] (٤) قولي العلماء) (٥) ٧ - وذهب إلى أنَّ ذوات الأسباب -كتحية المسجد، والركعتين عقيب الوضوء، وغير ذلك- تفعل في أوقات النهي (٦). ٨ - وذهب إلى جواز دفع الزكاة إلى جميع الأقارب، كالجدَّة والابن وغيرهما (٧). ٩ - وذهب إلى أنَّ الجمعة والجماعة لا يدركان إلَّا بركعةٍ (٨).

стр. 19

١٠ - وذهب إلى أنَّ من جامع في رمضان ناسيًا أو مخطئًا لا قضاء عليه ولا كفارة (١). ١١ - وذهب إلى أنَّ الحجَّ لا يبطل بفعل شيء من المحظورات -لا الجماع ولا غيره- إذا كان ناسيًا أو مخطئًا، [و] لا يضمن إلا الصيد (٢). ١٢ - وقال [. . .] (٣): (من أدرك مع الإمام بعض الصلاة وقام يقضي، فأتمَّ به آخرون جاز ذلك [في] (٤) أظهر القولين) (٥). ١٣ - وذهب إلى أنَّ الماء المغيَّر بالطاهرات، لا يسلب الطهورية، بل يجوز الوضوء به ما دام يسمَّى ماءً (٦). ١٤ - وذهب إلى أنَّ الماء والمائعات لا تنجس إلا بالتغيُّر (٧). ١٥ - وذهب إلى أنَّ بول ما يؤكل لحمه وروثه طاهرٌ، وذكر أنَّ القول بنجاسة ذلك قولٌ محدثٌ، لا سلف له من الصحابة (٨). ١٦ - وذهب إلى أنَّ الأرض تطهر إذا أصابتها نجاسةٌ ثم ذهبت بالشمس

стр. 20

أو الريح ونحو ذلك، وأنَّه يصلَّى عليها، ويتيمَّم بها (١). ١٧ - وذهب إلى أنَّ الخمرة إذا قصد تخليلها لا تطهر بحالٍ (٢). ١٨ - وذهب إلى أنَّ النجاسات تطهر بالاستحالة (٣). ١٩ - وذهب إلى أنَّ طين الشوارع [طاهرٌ] (٤) إذا لم يظهر [به] (٥) أثر النجاسة، فإن [تيقن] (٦) أنَّ النجاسة فيه عفي عن يسيره (٧). ٢٠ - وقال: (الصحيح الذي عليه جمهور العلماء أنَّ جلد الكلب -بل سائر السباع- لا يطهر بالدباغ) (٨). وقال في موضع آخر: (السنة تدلُّ على أنَّ الدباغ كالذكاة) (٩). ٢١ - وذكر خلاف الفقهاء في من قال: عليَّ مالٌ عظيمٌ، أو: خطيرٌ، أو: كبيرٌ، أو: جليلٌ؛ ثم قال: (والأرجح في مثل هذا أن يرجع إلى عرف المتكلِّم، فما كان يسمِّيه مثله كثيرًا حمل على مطلق كلامه،

стр. 21

على أقل محملاته) (١). ٢٢ - وذكر الاختلاف في طهارة الكلب ونجاسته، ثم قال: (والقول الراجح طهارة الشعور كلِّها -كشعر الكلب والخنزير وغيرهما- بخلاف الريق). قال: وعلى هذا فإذا كان شعر الكلب رطبًا وأصابه ثوب الإنسان، فلا شيء عليه، كما هو مذهب جمهور الفقهاء، [كأبي] (٢) حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه) (٣). ٢٣ - وذهب إلى أنَّ لعاب الكلب إذا أصاب الصيد لم يجب غسله (٤). ٢٤ - وذهب إلى [أنَّ] عظم الميتة وقرونها وأظفارها طاهرٌ حلالٌ، وحكاه عن جمهور السلف (٥). ٢٥ - وذهب إلى أنَّ جبن المجوس طاهرٌ، وإلى أنَّ إنفَحَة (٦) الميتة ولبنَها طاهرٌ (٧). ٢٦ - وذكر [أنَّ] أكثر العلماء يجوِّزون التوضؤ [بسؤر] (٨) البغل والحمار،

стр. 22

ولم يصرِّح باختياره فيه (١). ٢٧ - وذهب إلى أنَّ النجاسات تزول بغير الماء من المائعات. وقال بعد أن ذكر اختلاف الفقهاء: (وإذا كان كذلك فالراجح في هذه المسألة أنَّ النجاسة متى زالت بأيِّ وجهٍ كان زال حكمها، لكن لا يجوز استعمال الأطعمة والأشربة في إزالة النجاسة لغير حاجةٍ؛ لما في ذلك من إفساد الأموال) (٢). ٢٨ - وذهب إلى أن من صلَّى [و] عليه نجاسةٌ جاهلًا أو ناسيًا، لا إعادة عليه، ثم ذكر الدليل، وقال: (ولهذا كان أقوى الأقوال أنَّ ما فعله العبد ناسيًا أو مخطئًا من محظورات الصلاة والصيام والحج لا يُبطِلُ العبادة، كالكلام ناسيًا والأكل) (٣). ٢٩ - وذهب إلى أنَّ النعل إذا أصابته نجاسةٌ فدلكه في الأرض، فإنَّه يطهر (٤). ٣٠ - وذهب إلى أنَّ الصلاة بالتيمُّم خارج الحمَّام أولى من الصلاة بعد الاغتسال في الحمَّام، فإنَّه قال في أثناء كلامه: (وأمَّا إن كانت المرأة أو الرجل يمكنه الذهاب، لكن إذا دخل لا يمكنه الخروج حتَّى يفوت الوقت، إمَّا لكونه مقهورًا، مثل: الغلام الذي لا يخلِّيه سيِّده يخرج حتَّى يصلِّي، ومثل: المرأة التي معها أولادها فلا يمكنها الخروج

стр. 23

حتَّى تغسلهم، ونحو ذلك = فهؤلاء لا بدَّ لهم من أحد الأمور: إمَّا أن يغتسلوا ويصلُّوا في الحمَّام في الوقت، وإمَّا أن يصلُّوا خارج الحمَّام بعد خروج الوقت، وإمَّا أن يصلُّوا بالتيمُّم خارج الحمَّام؛ وبكلِّ هذه الأقوال يفتي طائفةٌ، ولكنَّ الأظهر أنَّهم يصلُّون بالتيمُّم خارج الحمَّام) (١). وقال أيضًا: (إذا ذهب إلى الحمَّام ليغتسل ويخرج يصلِّي خارج الحمَّام في الوقت، فلم يمكنه إلَّا أن يصلِّي في الحمَّام أو تفوت الصلاة، فالصلاة في الحمَّام خير من تفويت الصلاة). قال: (وأمَّا إن كان [يعلم أنَّه] (٢) إذا ذهب إلى الحمَّام لم يمكنه الخروج حتَّى يخرج الوقت [. . . .] (٣) هذه المسألة، والأظهر أن يصلي بالتيمُّم، فإنَّ الصلاة بالتيمُّم خيرٌ من: الصلاة في الأماكن التي نهي عنها" ومن الصلاة بعد خروج الوقت) (٤). ٣١ - وذهب إلى [أنَّ] من حبس في موضعٍ نجسٍ فصلَّى فيه، أنه لا إعادة عليه. وقال: (الصحيح الذي عليه أكثر العلماء أنَّ كلَّ من صلَّى في الوقت كما أُمر بحسب [الإمكان] (٥) فلا إعادة عليه، سواءً كان العذر نادرًا أو معتادًا) (٦).

стр. 24

٣٢ - وذهب إلى صحة صلاة من صلَّى خلف إمامٍ يقرأُ: (غير المغضوب عليهم ولا الظالمين) بالظاء، فإنَّه حكى الخلاف في ذلك، وقال: (الوجه الثاني: تصحُّ، وهذا أقرب، لأنَّ الحرفين في السمع شيءٌ واحدٌ)، ثم ذكر تمام الدليل (١). ٣٣ - وذهب [إلى] أنَّ المرأة الحائض إذا انقطع دمها لا يطؤها زوجها حتَّى تغتسل إن كانت قادرةً على الاغتسال، وإلَّا تيمَّمت، وذكر الدليل [ثمَّ] قال: (وقد قال بعض أهل الظاهر: المراد بقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أي: غسلن فروجهن. وليس بشيءٍ، لأنَّه قد قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَرُوا﴾ [المائدة: ٦] فالتطهر في كتاب الله هو: الاغتسال). قال: وأمَّا قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢] فهذا يدخل فيه: المغتسل والمتوضئ والمستنجي، لكن التطهر المقرون بالحيض كالتطهر المقرون بالجنابة، والمراد به الاغتسال) (٢). ٣٤ - وذهب إلى أنَّ عادم الماء إذا لم يجد ترابًا وعنده [رمادٌ] (٣)، وتيمَّم به، يصلِّي ولا يعيد، قال: (وحمل التراب بدعةٌ لم يفعله أحدٌ من السلف) (٤). ٣٥ - وذهب إلى أنَّه لا يجب الوضوء من النجاسة الخارجة من غير

стр. 25

السبيلين -كالفصاد والحجامة والقيء-، بل يستحب الوضوء من ذلك (١). ٣٦ - وكذلك لا يجب الوضوء من غسل الميِّت، ولا من مسِّ الذكر، ولا القهقهة في الصلاة، بل [يستحب] (٢). ٣٧ - وأمَّا مسُّ النساء فإن كان لغير شهوة فإنَّه لا يجب منه الوضوء [. . . .] (٣). ٣٨ - وكذلك من يفكِّر فتتحرك جارحته -أو قال: شهوته- (٤) فانتشر، يستحب له الوضوء؛ ومن مسَّ الأمرد أو غيره فانتشر، يستحب له الوضوء أيضًا ولا يجب، ويستحب الوضوء أيضًا من الغضب ومن أكلِ ما مسَّته النار (٥). ٣٩ - وأمَّا لحم الإبل فذهب إلى أنَّه يستحب منه الوضوء أيضًا، ومال في موضعٍ إلى وجوب الوضوء منه، ومرَّةً توقَّف في الوجوب (٦).

стр. 26

وقال في كلامه على المسائل التي [قيل] فيها: إنَّها على خلاف القياس: (وأمَّا لحم الإبل فقد قيل: التوضؤ منه مستحبٌ، ولكنَّ تفريق النبي ﷺ بينه وبين لحم الغنم - مع أنَّ ذاك مسَّته النار والوضوء منه مستحبٌ - دليلٌ على الاختصاص، وما فوق الاستحباب إلّا الإيجاب، وقد يقال: الوضوء منه أوكد) (١). ٤٠ - قال: (وأمَّا الوضوء من الحدث الدائم لكلِّ صلاةٍ ففيه أحاديث متعددةٌ، وقول الجمهور الذين يوجبون الوضوء لكلِّ صلاةٍ أظهر) (٢). ٤١ - وذهب إلى أنَّ الخفَّ إذا كان فوقه (٣) خرقٌ يسيرٌ يجوز المسح عليه (٤). ٤٢ - وذهب إلى أنَّه لا يتيمَّم للنجاسة [التي] على البدن (٥). ٤٣ - وذهب إلى أنَّ صلاة المأموم قُدَّام الإمام تصحُّ مع العذر دون غيره، مثل: إذا كان زحمةً فلم يمكنه أن يصلِّي الجمعة والجنازة إلا قُدَّام الإمام (٦). ٤٤ - وذهب إلى جواز المساقاة والمزارعة، [وقال: (القول بجواز

стр. 27

المساقاة والمزارعة] (١) قول جمهور السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم، وهذا مذهب الليث بن سعد وابن أبي ليلى و [أبي] يوسف ومحمَّدٍ، وفقهاء الحديث: كأحمد بن حنبلٍ وإسحاق بن راهُويه ومحمَّد بن إسحاق [] (٢) بن خزيمة وأبي بكر ابن المنذر والخطَّابي وغيرهم، ﵃. بل الصواب أنَّ المزارعة أحلُّ من الإجارة بثمنٍ مسمّى، لأنَّها أقرب إلى العدل وأبعد عن الخطر) (٣). وقال أيضًا: (فأمَّا المزارعة فجائزٌ بلا ريبٍ، سواءً كان البذر من المالك أو العامل أو منهما، وسواءً كان بلفظ الإجارة أو المزارعة أو غير ذلك، وهذا أصحُّ الأقوال في هذه المسألة. وكذلك كلُّ ما كان من هذا الجنس، مثل: أن يدفع دابته أو سفينته إلى من يكتسب عليها والربح بينهما، أو من يدفع ماشيته أو نحله إلى من يقوم عليهما والصوف واللبن والولد والعسل بينهما) (٤). وقال في موضع آخر: (من أعطى النظر حقَّه علم أن المزارعة أبعد من (٥) الظلم والقمار من الإجارة بأجرةٍ مسمَّاةٍ مضمونةٍ في الذمة، فإنَّ المستأجر إنَّما يقصد الانتفاع بالزرع النابت في الأرض، فإذا

стр. 28

وجبت عليه الأجرة ومقصوده من الزرع قد يحصل وقد لا يحصل كان في [هذا] (١) حصول أحد المتعاوضين على مقصوده [دون] (٢) الآخر، وأمَّا المزارعة فإن حصل الزرع اشتركا فيه، وإن لم يحصل شيءٌ اشتركا في الحرمان، فلا يختصُّ أحدهما بحصول مقصوده دون الآخر، فهذا أقرب إلى العدل، وأبعد عن الظلم من الإجارة، والأصل في العقود جميعها: هو العدل، فإنَّه به بعث الله الرسل ونزَّل الكتب) (٣). وقال: (وأمَّا المضاربة والمساقاة والمزارعة فليس فيها شيءٌ من الميسر، بل هنَّ من أقوم العدل، فهذا ممَّا يبيِّن لك أنَّ المزارعة التي يكون فيها البذر من العامل أحقُّ بالجواز من المزارعة التي يكون فيها من ربِّ الأرض، ولهذا كان أصحاب النبي ﷺ يزارعون على هذا الوجه، وكذلك عامَلَ النبي ﷺ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمرٍ وزرعٍ على أن يعملوها (٤) من أموالهم) (٥). ٤٥ - وقال في أثناء كلامه على المزارعة الفاسدة والمضاربة: (ولهذا كان الصواب أنَّه يجب في المضاربة الفاسدة ربح المثل لا أجرة المثل، ويعطي العامل ما جرت به العادة أن يُعطى مثله من الربح -إمَّا نصفه وإمَّا ثلثه وإمَّا ثلثاه-، فأمَّا أن يعطى شيئًا مقدرًا مضمونًا في ذمة المالك كما يُعطى في الإجارة والجعالة، فهذا غلطٌ ممَّن قاله) (٦).

стр. 29

٤٦ - وذكر اختلاف الفقهاء في بيع ما في بطن الأرض [ممَّا] يظهر ورقه -كاللفت والجزر والقلقاس والفجل والثوم والبصل وشبه ذلك-، وصحَّح الجواز، فإنَّه قال: (والثاني: أنَّ بيع ذلك جائزٌ، كما يقوله من يقوله من أصحاب مالك وغيرهم، وهو قول في مذهب أحمد وغيره، وهذا القول هو الصواب لوجوه. . . -ثم ذكرها، وقال: - وممَّا يشبه ذلك بيع المقاثي وصحته- كمقاثي الخيار والبطيخ والقثاء وغير ذلك-، فمن أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما من يقول: لا يجوز بيعها إلا لقطة [لقطة]، وكثير من العلماء من أصحاب مالك وأحمد وغيرهم يجوِّز بيعها مطلقًا على الوجه المعتاد، وهذا هو الصواب) (١). ٤٧ - وقال: (إذا بدا صلاح بعض الشجر، كان صلاحًا لباقيها باتفاق العلماء، ويكون صلاحًا لسائر ما في البستان من ذلك النوع في أظهر قولي العلماء، وقول جمهورهم: بل يكون صلاحًا لجميع ثمرة البستان التي جرت العادة بأن يباع جملةً في أحد قولي العلماء) (٢). ٤٨ - وذهب إلى القول بوضع الجوائح في الثمن، فإذا اشترى ثمرًا قد بدا صلاحه فأصابته جائحةٌ أتلفته قبل كماله، فإنَّه يكون من ضمان البائع) (٣). ٤٩ - وذهب إلى أنَّ المشتري [له أن] يبيع الثمرة قبل الجذاذ، لأنَّه قبضها القبض المبيح للتصرف، وإن لم يقبضها القبض الناقل للضمان، كقبض العين المؤجَّرة، فإنَّه إذا قبضها [جاز] (٤) له التصرف في المنافع،

стр. 30

وإن كانت إذا تلفت تكون من ضمان المؤجِّر (١). ٥٠ - قال في الإجارة: (لكن تنازع الفقهاء: هل له أن يؤجِّرها بأكثر ممَّا استأجرها به؟ على ثلاثة أقوالٍ، هي ثلاث رواياتٍ عن أحمد: قيل يجوز، كقول الشافعي؛ وقيل: لا يجوز، كقول أبي حنيفة وصاحبيه، لأنَّه ربحٌ فيما لم يضمن، لأنَّ المنافع لم يضمنها؛ وقيل: إن أحدث فيها عمارةً جاز، وإلَّا فلا). قال: (والأوَّل أصحُّ، لأنَّها مضمونةٌ عليه بالقبض، بمعنى [أنَّه] إذا لم يستوفها تلفت من ضمانه، لا من ضمان المؤجِّر) (٢). ٥١ - وذهب إلى أنَّ من استأجر أرضًا فزرعها، ثمَّ تلف الزرع بفأرٍ (٣) أو ريحٍ أو بردٍ ونحو ذلك، أنَّه يكون من ضمان المؤجِّر (٤). ٥٢ - وذهب إلى أنَّ الأب ليس له إجبار ابنته البكر البالغة على النكاح، وإلى أنَّ مناط الإجبار هو [الصغر] (٥). ٥٣ - وذهب إلى أنَّ الأب له أن يطلِّق على ابنه الصغير والمجنون، إذا رأى المصلحة (٦).

стр. 31

٥٤ - وإلى أنَّه يخالع عن ابنته، إذا رأى المصلحة لها (١). ٥٥ - قال: (وأبلغ من ذلك أنَّه إذا طلَّقها قبل الدخول، فللأب أن يعفو عن نصف الصداق إذا قيل: هو الذي بيده عقدة النكاح، كما هو قول مالكٍ وأحمد -في إحدى الروايتين عنه-، والقرآن يدل على صحَّة هذا القول) (٢). ٥٦ - وذهب إلى أنَّ كلَّ مطلقةٍ لها متعةٌ، قال: (كما دلَّ عليه ظاهر القرآن وعمومه) (٣). ٥٧ - وقال في أثناء كلامه: (وأمَّا إذا دفع الدرهم فقال: أعطني بنصفه فضةً وبنصفه فلوسًا؛ أو قال: أعطني بوزن هذه الدراهم الثقيلة أنصافًا، أو دراهم خفافًا؛ فإنَّه يجوز، سواءً كانت مغشوشةً أو خالصةً؛ ومن الفقهاء من يكره ذلك، ويجعله من باب "مُدِّ عجوةٍ"، لكونه باع فضةً ونحاسًا بفضةٍ ونحاسٍ. وأصل مسألة "مُدِّ عجوةٍ": أن يبيع مالًا ربويًا بجنسه، ومعهما أو مع أحدهما من غير جنسه (٤)؛ فإن للعلماء في ذلك ثلاثة أقوالٍ: أحدها: المنع مطلقًا، [كما] هو قول الشافعيِّ ورواية عن أحمد. والثاني: الجواز مطلقًا، كقول أبي حنيفة ويذكر روايةً عن أحمد. والثالث: الفرق بين أن يكون المقصود بيع الربوي بجنسه متفاضلًا أو لا يكون، وهذا مذهب مالكٍ وأحمد في المشهور عنه، فإذا باع تمرًا

стр. 32

في نواه بنوى أو بتمرٍ منزوع النوى، أو شاةً [فيها لبنٌ، بشاة ليس] (١) فيها لبنٌ أو بلبنٍ ونحو ذلك، فإنَّه يجوز عندهما، بخلاف ما إذا باع ألف درهم بخمس مائة درهم في منديلٍ، فإنَّ هذا لا يجوز) (٢). ٥٨ - قال: (وأمَّا بيع الفضة بالفلوس النافقة، فهل يشترط فيه الحلول والتقابض كصرف الدراهم بالدنانير؟ فيه قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد: أحدهما: لا بدَّ من الحلول والتقابض، فإنَّ هذا من جنس الصرف، فإن الفلوس النافقة تشبه الأثمان، فيكون بيعها بجنس الأثمان صرفًا. والثاني: لا يشترط الحلول والتقابض، فإنَّ ذلك معتبرٌ في جنس الذهب والفضة، سواء كان ثمنًا أو كان مصوغًا، بخلاف الفلوس؛ ولأنَّ الفلوس هنَّ في الأصل من باب العروض، والثمنية عارضة لها) (٣). ٥٩ - قال: (وأمَّا إذا كان لرجلٍ عند غيره حقٌّ من عين أو دينٍ، فهل يأخذه أو نظيره بغير إذنه؟ فهذا نوعان: أحدهما: أن يكون سبب الاستحقاق ظاهرًا لا يحتاج إلى إثباتٍ، مثل: استحقاق المرأة النفقة على زوجها، واستحقاق الوالد أن ينفق على ولده، واستحقاق الضيف الضيافة على من نزل به، فهنا له أن يأخذ بدون إذن من عليه الحقُّ بلا ريب. .-ثم ذكر حديث هند-.

стр. 33

الثاني: أن يكون سبب الاستحقاق ظاهرًا، فهذا فيه قولان: أحدهما: ليس له أن يأخذ، وهو مذهب مالكٍ وأحمد؛ والثاني: له أن يأخذ، وهو مذهب الشافعيِّ، و [أمَّا] (١) أبو حنيفة فيسوِّغ الأخذ من جنس الحقِّ). ومال الشيخ إلى عدم الجواز (٢). ٦٠ - قال: (وإذا دفع الزكاة إلى الوالدين إذا كانوا غارمين أو مكاتبين، ففي ذلك وجهان، والأظهر جواز ذلك. وأمَّا إن كانوا فقراء، وهو عاجزٌ عن نفقتهم، فالأقوى جواز دفعها إليهم في هذه الحال، لأنَّ المقتضِي [موجودٌ، والمانع مفقودٌ، فوجب العمل بالمقتضِي] (٣) السالم عن المعارض المقاوم) (٤). ٦١ - وقال في أثناء كلامه في مسألة العينة: (والشرط بين الناس ما عدُّوه شرطًا، كما أنَّ البيع بينهم ما عدُّوه بيعا، والإجازة بينهم ما عدُّوها إجازةً، وكذلك النكاح أبينهم ما عدُّوه نكاحًا، فإنَّ الله ذكر البيع والنكاح] (٥) في كتابه ولم يذكر (٦) لذلك حدٌّ في الشرع، ولا له حدٌّ في اللغة، والأسماء تُعرف حدودها تارةً بالشرع -كالصلاة والزكاة والصيام والحجِّ-، وتارةً باللغة -كالشمس والقمر والبرِّ والبحر-، وتارةً بالعرف -كالقبض والتصرف (٧)، وكذلك العقود: كالبيع والإجارة

стр. 34

والنكاح والهبة وغير ذلك-، فإذا تواطأ الناس على شرطٍ وتعاقدوا، فهذا [شرط] (١) عند أهل العرف، والله أعلم) (٢). ٦٢ - وذهب إلى أنَّ إخراج القيمة في الزكاة للحاجة أو للمصلحة الراجحة جائزٌ (٣). ٦٣ - [ ............. ] (٤) لمصلحة راجحةٍ، مثل: أن يبدل الهدي بخير منه، ومثل: المسجد إذا بني بدله مسجدٌ آخر أصلح لأهل البلد منه وبيع الأوَّل، فهذا ونحوه جائز عند أحمد وغيره من العلماء) (٥). قال: (وأمَّا إبدال العرصة (٦) بعرصةٍ أخرى، فهذا نصَّ أحمد وغيره على جوازه اتباعًا لأصحاب رسول الله ﷺ ، حيث فعل ذلك عمر، واشتهرت القضية، ولم تنكر). وقال أيضًا: (النصوص والآثار والقياس تقتضي جواز الإبدال للمصلحة، والله أعلم) (٧).

стр. 35

٦٤ - وذهب إلى جواز القصاص في اللطمة والضربة ونحو ذلك، [وقال: (أمَّا القصاص في اللطمة والضربة ونحو ذلك]، فمذهب الخلفاء الراشدين [وغيرهم من الصحابة والتابعين أنَّ القصاص ثابتٌ في ذلك كلِّه] (١)، وهو المنصوص عن أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد الشالنجي (٢)، وذهب كثير من الفقهاء إلى أنَّه لا يشرع في ذلك قصاصٌ، وهذا قول [كثيرٍ] من أصحاب أبي حنيفة ومالكٍ والشافعيِّ وأحمد، والأوَّل أصحُّ) (٣). ٦٥ - قال: (وأمَّا القصاص في إتلاف الأموال، مثل: أن يخرق ثوبه فيخرق ثوبه المماثل له، أو يهدم داره فيهدم داره، ونحو ذلك، فهذا فيه قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد: أحدهما: أنَّ ذلك غير مشروعٍ، لأنَّه إفسادٌ. والثاني: أنَّ ذلك مشروعٌ، لأنَّ الأنفس والأطراف أعظم قدرًا من الأموال، فإذا جاز إتلافها على سبيل القصاص، فالأموال أولى) (٤). ٦٦ - قال: (وإذا أتلف له ثيابًا أو حيوانًا أو عقارًا أو نحو ذلك، فهل

стр. 36

يضمنه بالقيمة أو يضمنه بجنسه مع القيمة؟ على قولين معروفين للعلماء، وهما روايتان (١) في مذهب الشافعيِّ وأحمد، فإنَّ الشافعيِّ قد نصَّ على أنَّه إذا هدم داره بناها كما كانت، فضمَّنه بالمثل، وروي عنه في الحيوان نحو ذلك) (٢). ٦٧ - قال: (وأمَّا إسقاط الدين عن المعسر فلا يجزئ عن زكاة العين بلا نزاعٍ، لكن إذا كان له دينٌ على من يستحق الزكاة، فهل يجوز أن يسقط عنه قدر زكاة ذلك الدين ويكون ذلك زكاةَ ذلك الدين؟ هذا فيه قولان للعلماء في مذهب أحمد وغيره، أظهرهما الجواز، لأنَّ الزكاة مبناها على المواساة، وهنا قد أخرج من جنس ما [يملك] (٣)، بخلاف [ما] (٤) إذا كان مالُه عينًا وأخرج دينًا فإنَّ الذي أخرجه دون الذي يملكه، فكان بمنزلة إخراج الخبيث عن الطيب، وهذا لا يجوز، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، ولهذا كان على المزكِّي أن يخرج من جنس ماله، لا يخرج أدنى منه، فإذا كان له تمر أو حنطةٌ جيدةٌ لم يخرج عنها ما هو دونها، والله أعلم) (٥). ٦٨ - وذهب إلى جواز السجود على كور العمامة، قال: (والأفضل أن يباشر الأرض).

стр. 37

٦٩ - وقال: (السنة في التراويح أن تصلَّى بعد العشاء الآخرة، كما اتفق على ذلك السلف والأئمة، فمن صلَّاها قبل العشاء فقد سلك سبيل المبتدعة المخالفين للسنة) (١). ٧٠ - وذهب إلى أنَّ الإطعام في الكفارة مقدر بالعرف لا بالشرع، قال: (فيطعم أهل كلِّ بلدٍ من أوسط ما يطعمون أهليهم قدرًا ونوعًا، وهذا معنى قول مالك، قال إسماعيل بن إسحاق: كان مالك يرى في كفَّارة اليمين أنَّ المدَّ يجزئ بالمدينة، قال مالكٌ: وأمَّا البلدان فإنَّ لهم عيشًا غير عيشنا، فأرى أن يكفِّروا بالوسط من عيشهم، لقول الله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]. وهو مذهب داود وأصحابه مطلقًا، والمنقول عن أكثر الصحابة والتابعين يوافق هذا القول) (٢). قال: (وقد بيَّنَّا أنَّ هذا القول هو الصواب الذي يدلُّ عليه الكتاب والسنة والاعتبار، وهو قياس مذهب أحمد وأصوله، فإنَّ أصله: [أنَّ] ما لم يقدِّره الشارع فإنَّه يرجع فيه إلى العرف، وهذا مما لم يقدِّره الشارع، فيرجع فيه إلى العرف، لا سيَّما مع قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، فإنَّ أحمد لا يقدِّر طعام المرأة والولد ولا المملوك، ولا يقدِّر أجرة الأجير المستأجر بطعامه وكسوته في ظاهر مذهبه، ولا يقدِّر الضيافة الواجبة عنده قولًا واحدًا، ولا يقدِّر الضيافة المشروطة على أهل الذمة للمسلمين في ظاهر مذهبه، هذا مع أن هذه واجبةٌ بالشرط، فكيف يقدِّر طعامًا واجبًا بالشرع؟ ولا

стр. 38

يقدِّر الجزية في أظهر الروايتين عنه ولا الخراج، فطعام الكفارة أولى أن لا يقدر) (١). ٧١ - قال: (وإذا جمع عشرة مساكين وغدَّاهم (٢) وعشَّاهم خبرًا وإدامًا من أوسط ما يطعم أهله أجزاه ذلك عند أكثر السلف، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد -في إحدى الروايتين- وغيرهم، وهو أظهر القولين في الدليل، فإنَّ الله تعالى إنَّما أمر بالإطعام ولم يوجب التمليك، وهذا إطعامٌ حقيقةً) (٣). ٧٢ - وذكر الاختلاف في أنَّ صدقة الفطر هل هي جاريةٌ مجرى صدقة الأموال أو صدقة الأبدان كالكفَّارات؟ ورجَّح القول بأنَّ سببها البدن لا المال، ثمَّ قال: (وعلى هذا القول فلا يجزئ إعطاؤها (٤) إلَّا لمن يستحق الكفَّارة، وهم الآخذون لحاجة أنفسهم، ولا يعطى منها في المؤلَّفة ولا الرقاب ولا غير ذلك، وهذا القول أقوى في الدليل) (٥). ٧٣ - وذهب إلى أنَّ المنيَّ طاهرٌ، وقطع بذلك (٦). ٧٤ - وذهب إلى أنَّ المذيَّ يجزئ فيه النضح، قال: (وقد روي عن أحمد أنَّه طاهرٌ كالمنيِّ، وأعلى، القول بنجاسته، فهل يعفى عن

стр. 39

يسيره؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد) (١). ٧٥ - قال: (وتنازع العلماء فيما إذا ترك الإمام ما يعتقد المأموم وجوبه، مثل: أن يترك قراءة البسملة والمأموم يعتقد وجوبها؛ أو يمسَّ ذكره ولا يتوضأ، والمأموم يرى وجوب الوضوء من ذلك؛ أو يصلِّي في جلود الميتة المدبوغة، والمأموم يرى أنَّ الدباغ لا يطهِّر؛ أو يحتجم ولا يتوضأ، والمأموم يرى الوضوء من الحجامة). قال: (والصحيح المقطوع به أنَّ صلاة المأموم خلف إمامه صحيحةٌ وإن كان إمامه مخطئًا في نفس الأمر، لما ثبت في "الصحيح" (٢) عن النبي ﷺ أنَّه قال: "يصلُّون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم") (٣). ٧٦ - وذهب إلى أنَّه يقنت في الصلوات كلِّها عند النوائب (٤). ٧٧ - وذهب إلى التخيير في وصل الوتر وفصله، وفي القنوت وتركه، فقال: (إذا أوتر بثلاثٍ إن شاء فصل وإن شاء وصل، ويخيَّر في دعاء القنوت إن شاء فعله وإن شاء تركه، وإن صلَّى بهم قيام رمضان فإن قنت بهم في جميع الشهر فقد أحسن، وإن قنت في النصف الأخير

стр. 40

فقد أحسن، وإن [لم يقنت] (١) بحالٍ فقد أحسن) (٢). ٧٨ - قال: (وقد تنازع [الناس] (٣) هل الأفضل طول القيام، أو كثرة الركوع والسجود، أو كلاهما سواءٌ؟ على ثلاثة أقوالٍ، أصحُّهما أن كلاهما سواءٌ) (٤). ٧٩ - قال: (وتنازع العلماء في القراءة على الجنازة، على ثلاثة أقوالٍ: قيل: لا تستحبُّ بحالٍ، كما هو مذهب أبي حنيفة ومالكٍ. وقيل: بل يجب فيها القراءة بالفاتحة، كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعيِّ وأحمد. وقيل: بل قراءة الفاتحة فيها سنة، وإن لم يقرأ بل دعا بلا قراءةٍ جاز، وهذا هو الصواب) (٥). ٨٠ - وذهب إلى أنَّ البسملة آية من كتاب الله حيث كتبت، وليست من السورة، وأنَّه يقرأ بها سرًّا في الصلاة، وإن جهر بها للمصلحة الراجحة فحسنٌ (٦). ٨١ - وذهب إلى أنَّ من كان مداومًا على قيام الليل أغناه عن المداومة على صلاة الضحى، كما كان النبي ﷺ يفعل، ومن كان ينام عن قيام
следующие страницы →