← Фикх общий

Фикх общий · id 147673

اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية لابن عبد الهادي

ابن عبد الهادي

Полный текст (80 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يضمنه بالقيمة أو يضمنه بجنسه مع القيمة؟ على قولين معروفين للعلماء، وهما روايتان (١) في مذهب الشافعيِّ وأحمد، فإنَّ الشافعيِّ قد نصَّ على أنَّه إذا هدم داره بناها كما كانت، فضمَّنه بالمثل، وروي عنه في الحيوان نحو ذلك) (٢). ٦٧ - قال: (وأمَّا إسقاط الدين عن المعسر فلا يجزئ عن زكاة العين بلا نزاعٍ، لكن إذا كان له دينٌ على من يستحق الزكاة، فهل يجوز أن يسقط عنه قدر زكاة ذلك الدين ويكون ذلك زكاةَ ذلك الدين؟ هذا فيه قولان للعلماء في مذهب أحمد وغيره، أظهرهما الجواز، لأنَّ الزكاة مبناها على المواساة، وهنا قد أخرج من جنس ما [يملك] (٣)، بخلاف [ما] (٤) إذا كان مالُه عينًا وأخرج دينًا فإنَّ الذي أخرجه دون الذي يملكه، فكان بمنزلة إخراج الخبيث عن الطيب، وهذا لا يجوز، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، ولهذا كان على المزكِّي أن يخرج من جنس ماله، لا يخرج أدنى منه، فإذا كان له تمر أو حنطةٌ جيدةٌ لم يخرج عنها ما هو دونها، والله أعلم) (٥). ٦٨ - وذهب إلى جواز السجود على كور العمامة، قال: (والأفضل أن يباشر الأرض).

стр. 37

٦٩ - وقال: (السنة في التراويح أن تصلَّى بعد العشاء الآخرة، كما اتفق على ذلك السلف والأئمة، فمن صلَّاها قبل العشاء فقد سلك سبيل المبتدعة المخالفين للسنة) (١). ٧٠ - وذهب إلى أنَّ الإطعام في الكفارة مقدر بالعرف لا بالشرع، قال: (فيطعم أهل كلِّ بلدٍ من أوسط ما يطعمون أهليهم قدرًا ونوعًا، وهذا معنى قول مالك، قال إسماعيل بن إسحاق: كان مالك يرى في كفَّارة اليمين أنَّ المدَّ يجزئ بالمدينة، قال مالكٌ: وأمَّا البلدان فإنَّ لهم عيشًا غير عيشنا، فأرى أن يكفِّروا بالوسط من عيشهم، لقول الله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]. وهو مذهب داود وأصحابه مطلقًا، والمنقول عن أكثر الصحابة والتابعين يوافق هذا القول) (٢). قال: (وقد بيَّنَّا أنَّ هذا القول هو الصواب الذي يدلُّ عليه الكتاب والسنة والاعتبار، وهو قياس مذهب أحمد وأصوله، فإنَّ أصله: [أنَّ] ما لم يقدِّره الشارع فإنَّه يرجع فيه إلى العرف، وهذا مما لم يقدِّره الشارع، فيرجع فيه إلى العرف، لا سيَّما مع قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، فإنَّ أحمد لا يقدِّر طعام المرأة والولد ولا المملوك، ولا يقدِّر أجرة الأجير المستأجر بطعامه وكسوته في ظاهر مذهبه، ولا يقدِّر الضيافة الواجبة عنده قولًا واحدًا، ولا يقدِّر الضيافة المشروطة على أهل الذمة للمسلمين في ظاهر مذهبه، هذا مع أن هذه واجبةٌ بالشرط، فكيف يقدِّر طعامًا واجبًا بالشرع؟ ولا

стр. 38

يقدِّر الجزية في أظهر الروايتين عنه ولا الخراج، فطعام الكفارة أولى أن لا يقدر) (١). ٧١ - قال: (وإذا جمع عشرة مساكين وغدَّاهم (٢) وعشَّاهم خبرًا وإدامًا من أوسط ما يطعم أهله أجزاه ذلك عند أكثر السلف، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد -في إحدى الروايتين- وغيرهم، وهو أظهر القولين في الدليل، فإنَّ الله تعالى إنَّما أمر بالإطعام ولم يوجب التمليك، وهذا إطعامٌ حقيقةً) (٣). ٧٢ - وذكر الاختلاف في أنَّ صدقة الفطر هل هي جاريةٌ مجرى صدقة الأموال أو صدقة الأبدان كالكفَّارات؟ ورجَّح القول بأنَّ سببها البدن لا المال، ثمَّ قال: (وعلى هذا القول فلا يجزئ إعطاؤها (٤) إلَّا لمن يستحق الكفَّارة، وهم الآخذون لحاجة أنفسهم، ولا يعطى منها في المؤلَّفة ولا الرقاب ولا غير ذلك، وهذا القول أقوى في الدليل) (٥). ٧٣ - وذهب إلى أنَّ المنيَّ طاهرٌ، وقطع بذلك (٦). ٧٤ - وذهب إلى أنَّ المذيَّ يجزئ فيه النضح، قال: (وقد روي عن أحمد أنَّه طاهرٌ كالمنيِّ، وأعلى، القول بنجاسته، فهل يعفى عن

стр. 39

يسيره؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد) (١). ٧٥ - قال: (وتنازع العلماء فيما إذا ترك الإمام ما يعتقد المأموم وجوبه، مثل: أن يترك قراءة البسملة والمأموم يعتقد وجوبها؛ أو يمسَّ ذكره ولا يتوضأ، والمأموم يرى وجوب الوضوء من ذلك؛ أو يصلِّي في جلود الميتة المدبوغة، والمأموم يرى أنَّ الدباغ لا يطهِّر؛ أو يحتجم ولا يتوضأ، والمأموم يرى الوضوء من الحجامة). قال: (والصحيح المقطوع به أنَّ صلاة المأموم خلف إمامه صحيحةٌ وإن كان إمامه مخطئًا في نفس الأمر، لما ثبت في "الصحيح" (٢) عن النبي ﷺ أنَّه قال: "يصلُّون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم") (٣). ٧٦ - وذهب إلى أنَّه يقنت في الصلوات كلِّها عند النوائب (٤). ٧٧ - وذهب إلى التخيير في وصل الوتر وفصله، وفي القنوت وتركه، فقال: (إذا أوتر بثلاثٍ إن شاء فصل وإن شاء وصل، ويخيَّر في دعاء القنوت إن شاء فعله وإن شاء تركه، وإن صلَّى بهم قيام رمضان فإن قنت بهم في جميع الشهر فقد أحسن، وإن قنت في النصف الأخير

стр. 40

فقد أحسن، وإن [لم يقنت] (١) بحالٍ فقد أحسن) (٢). ٧٨ - قال: (وقد تنازع [الناس] (٣) هل الأفضل طول القيام، أو كثرة الركوع والسجود، أو كلاهما سواءٌ؟ على ثلاثة أقوالٍ، أصحُّهما أن كلاهما سواءٌ) (٤). ٧٩ - قال: (وتنازع العلماء في القراءة على الجنازة، على ثلاثة أقوالٍ: قيل: لا تستحبُّ بحالٍ، كما هو مذهب أبي حنيفة ومالكٍ. وقيل: بل يجب فيها القراءة بالفاتحة، كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعيِّ وأحمد. وقيل: بل قراءة الفاتحة فيها سنة، وإن لم يقرأ بل دعا بلا قراءةٍ جاز، وهذا هو الصواب) (٥). ٨٠ - وذهب إلى أنَّ البسملة آية من كتاب الله حيث كتبت، وليست من السورة، وأنَّه يقرأ بها سرًّا في الصلاة، وإن جهر بها للمصلحة الراجحة فحسنٌ (٦). ٨١ - وذهب إلى أنَّ من كان مداومًا على قيام الليل أغناه عن المداومة على صلاة الضحى، كما كان النبي ﷺ يفعل، ومن كان ينام عن قيام

стр. 41

الليل فصلاة الضحى بدل قيام الليل أفضل له (١). ٨٢ - وذهب إلى أن القصر والجمع في السفر لا يحتاج إلى نيَّةٍ، وكذلك الجمع بين الصلاتين لا يفتقران إلى نيَّةٍ (٢). ٨٣ - وذهب إلى [أنَّ] الموالاة لا تشترط في الجمع بين الصلاتين (٣). ٨٤ - وذهب إلى أنَّ صوم الدهر مكروهٌ، وإن أفطر مع ذلك [يومي] (٤) العيدين وأيام التشريق، وضعَّف قول من حمل صوم الدهر على صيام أيام السنة مع هذه الخمسة تضعيفًا كثيرًا (٥). ٨٥ - قال: (وأمَّا قوله: "صيام ثلاثة أيام من كل شهر تعدل صيام الدهر"، فمراده: أنَّ من فعل هذا حصل له أجر صيام الدهر بتضعيف الأجر، دون حصول المفسدة) (٦). ٨٦ - قال: (والجنب يستحب له الوضوء إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يعاود الوطء، لكن يكره له النوم إذا لم يتوضَّأ، وقد جاء في بعض الأحاديث أنَّ ذلك كراهية أن تقبض روحه وهو نائمٌ، فلا تشهد الملائكة جنازته، فإنَّ في السنن (٧) عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه جنبٌ").

стр. 42

وقال: (ووضوء الجنب يرفع الجنابة الغليظة، وتبقى مرتبةٌ بين المحدث والجنب) (١). ٨٧ - وذهب إلى أنَّ نوم الجنب لا ينقض وضوءه المخفِّف للجنابة (٢). ٨٨ - قال: (وتنازع العلماء في غسل اليدين قبل الأكل، هل يكره أو يستحب؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد: فمن استحبَّ ذلك احتجَّ بحديث سلمان الفارسي أنَّه قال للنبي ﷺ : قرأت في "التوراة": أنَّ من بركة الطعام الوضوء قبله. فقال: "بركة الطعام الوضوء قبله (٣)، والوضوء بعده". وأمَّا حديث سلمان الفارسي فقد ضعَّفه بعضهم، وقد يقال: كان هذا في أوَّل الإسلام لمَّا كان النبي ﷺ يحبُّ موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيءٍ) (٤).

стр. 43

٨٩ - وقال في أثناء كلامه على مواضع مفيدة: (وعلى هذا يبنى نزاع العلماء في صدقة الفطر إذا لم يكن أهل البلد يقتاتون التمر والشعير، فهل يخرجون من قوتهم كالبرِّ والرزِّ، أو يخرجون من التمر والشعير، لأنَّ النبي ﷺ فرض ذلك، فإنَّ في "الصحيحين" (١) عن ابن عمر أنَّه قال: فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعيرٍ، على كلِّ صغيرٍ وكبيرٍ، وذكرٍ وأنثى، حرٍّ وعبدٍ من المسلمين.؟ وهذه المسألة فيها قولان للعلماء، [وهما روايتان عن أحمد، وأكثر العلماء] (٢) على أنَّه يخرج من قوت بلده، وهذا هو الصحيح، كما ذكر الله ذلك في الكفارة بقوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] (٣). ٩٠ - وقال ﵀: (السؤال محرمٌ إلا عند الحاجة إليه، وظاهر مذهب أحمد أنَّه لو وجد ميتةً عند الضرورة ويمكنه السؤال، جاز له أكل الميتة ولا يسأل الناس شيئًا، ولو ترك أكل الميتة ومات، مات عاصيًا، ولو ترك السؤال ومات، لم يمت عاصيًا، والأحاديث في تحريم السؤال كثيرةٌ جدًّا -نحو بضعة عشر حديثًا في الصحاح والسنن (٤) -، وفي سؤال الناس مفاسدٌ: الذلُّ لهم (٥) والشرك بهم والإيذاء لهم، وفيها ظلم نفسه بالذلِّ لغير الله ، وظلمٌ للخلق

стр. 44

بسؤالهم أموالهم، قال النبي ﷺ لابن عباس: "إذا سألت فسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله") (١). ٩١ - قال: (اتفقت الأئمة على ثبوت الشفعة في العقار الذي يقبل [القسمة -قسمة] (٢) الإجبار-، كالقرية والبستان ونحو ذلك. وتنازعوا فيما لا يقبل قسمة الإجبار، وإنَّما ينقسم بضررٍ أو ردِّ عوضٍ، فيحتاج إلى التراضي، هل تثبت فيه الشفعة؛ على قولين مشهورين، هما روايتان عن مالكٍ وعن أحمد بن حنبلٍ (٣): أحدهما: تثبت فيه الشفعة، وهو مذهب أبي حنيفة، واختيار بعض أصحاب الشافعيِّ -كابن سريجٍ-، وطائفةٍ من أصحاب أحمد بن حنبلٍ -كأبي الوفاء بن عقيلٍ-، وهي رواية "التهذيب" (٤) عن مالكٍ، وهذا القول هو الصواب.

стр. 45

والثاني: لا تثبت فيه الشفعة، وهو قول الشافعي نفسه، واختيار كثيرٍ من أصحاب أحمد ﵃ (١). ٩٢ - وقال: (على الرجل أن [يعدل] بين أولاده كما أمر الله ورسوله. . . - ثم ذكر حديث النعمان بن بشير، وقال: - لكن إذا خصَّ أحدهما لسببٍ شرعي، مثل: أن يكون محتاجًا مطيعًا لله، والآخر غنيٌّ عاصٍ لله، يستعين بالمال على المعصية، فإن أعطى مَنْ أمر الله [بإعطائه] (٢)، ومنع مَنْ أمر الله بمنعه، فقد أحسن، والله أعلم) (٣). تمَّ الفصل الأوَّل

стр. 46

الفصل الثاني قال شيخنا الحافظ ابن عبد الهادي رحمة الله عليه: ٩٣ - في "القاعدة الزرعية": (لم يثبت عن النبي ﷺ أنَّه كان يجهر بالبسملة، وليس في الصحاح ولا في السنن حديثٌ صحيحٌ صريحٌ بالجهر، والأحاديث الصريحة بالجهر كلُّها ضعيفة، بل موضوعةٌ) (١). ٩٤ - وقال أيضًا: (لم يكن النبي ﷺ يداوم على صلاة الضحى باتفاق أهل العلم بسنَّته، ومن زعم من الفقهاء أنَّ ركعتي الضحى كانتا واجبتين عليه فقد غلط، والحديث الذي يذكرونه: "ثلاثٌ هنَّ عليَّ فريضةٌ وهنَّ لكم تطوعٌ: الوتر، والنحر، وركعتي الضحى" حديثٌ موضوعٌ) (٢). ٩٥ - وقال أيضًا في موضعٍ آخر: (والحديث الذي يروى في الرجل الذي قال: إنَّ امرأتي لا تردُّ يد لامسٍ. . . قد ضعَّفوه). وقال في موضعٍ آخر: (هذا الحديث ضعَّفه أحمد وغيره، وتأوَّله بعضهم على أنَّها لا تردُّ طالب مالٍ، لكن ظاهر الحديث يدلُّ على خلافه، ومنهم من اعتقد ثبوته، وأنَّ النبي ﷺ أمره أن يمسكها مع كونها لا تمنع الرجال، وهذا مما أنكره غير واحدٍ من الأئمة) (٣).

стр. 47

٩٦ - قال شيخنا: (فواتح السور تناسب خواتمها، وذلك تناسبٌ مظنونٌ، كما أنَّ "البقرة" أُفتتحت بذكر الكتاب وأنَّه هدى للمتقين، وذكر في ذلك (١) الإيمان بما أنزل إلينا وما أنزل على من قبلنا، ووُسِّطت بمثل ذلك، وختمت بمثل ذلك، في قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] إلى آخر السورة. وكان في "البقرة" مخاطبةً: لجميع الخلق حتَّى يدخل فيه من لم يؤمن بالرسل عمومًا؛ ولمن أقرَّ بهم خصوصًا؛ وللمؤمنين بالجميع خصوص الخصوص؛ ففيها خطاب الأصناف الثلاثة. وأمَّا "آل عمران" فالغالب عليها مخاطبة من أقرَّ بالرسل من أهل الكتاب، ومخاطبة المؤمنين، فافتتحها سبحانه بذكر وحدانيَّته ردًّا على المشركين من النصارى وغيرهم، وذكر تنزيل الكتاب، وذكر ضلال من اتَّبع المتشابه، ووسَّطها بمثل ذلك، وختمها بقوله: ﴿لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩]. وأمَّا السور المكِّية -كالأنعام والأعراف وغيرهما-[ففيها مخاطبة] (٢) الناس، الذين يدخل فيهم: المكذِّب بالرسل، [والمقرُّ بهم] (٣)، ولهذا كانت السور المكِّية في تقرير أصول الدين [التي] اتَّفق عليها المرسلون، بخلاف السور المدنيَّة، فإنَّ فيها مخاطبة أهل الكتاب -الذين آمنوا ببعض الكتب-، ومخاطبة المؤمنين- الذين آمنوا بالله

стр. 48

وملائكته وكتبه ورسله-، ما ليس في السور المكِّية، ولهذا كان الخطاب [بـ]: (يا أيها الذين آمنوا) مختصًا بالسور المدنيَّة، وأمَّا الخطاب بـ: (يا أيها الناس) فالغالب أنَّه من السور المكية، وربَّما كان في السور المدنيَّة، لأنَّ الخطاب العام يدخل فيه المؤمنون وغيرُهم، بخلاف الخاص، والأصول تعمُّ ما لا [تعمُّ] (١) الفروع، وإن كانت الفروع واجبةً على الكفَّار -على أصحِّ القولين-، فإنَّما ذلك لأنَّهم يعاقبون عليها في الآخرة، وأمَّا الكافر (٢) يؤمر بعمل الفروع قبل الإيمان فلا. و"سورة النساء" الغالب عليها مخاطبة الناس في الصلات التي بينهم بالنسب والعقد، وأحكام ذلك، فافتتحها الله سبحانه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ لعموم أحكامها، وقال: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] فذكر اشتراك جميع الناس في الأصل، وأمرهم بتقوى الله الذي يتعاقدون ويتعاهدون [به]، فإنَّ كلَّ واحدٍ من المتعاقدين يطلب من الآخر ما قصده بالعقد، وهو بالله يعقده، إذ قد جعلوا الله عليهم كفيلًا؛ وبصلة الأرحام التي خلقها هو سبحانه، كما جمع بينهما في قوله: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [الرعد: ٢٠، ٢١]، وفي قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [البقرة: ٢٦، ٢٧]

стр. 49

وأمَّا "سورة المائدة": فإنَّها سورة العقود، فإنَّ العهود والمواثيق التي يعقدها بنو آدم بينهم وبين ربِّهم، ويعقدها بعضهم لبعض -مثل: عقد الإيمان، وعقد الأيمان-، فأمر الله بالوفاء بالعهود، والوفاء بالعهود من صفات الصادقين دون الكاذبين؛ وختم السورة بما يناسب ما تحتها، فقال: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة: ١١٩]، فالموفون بالعقود صادقون، فنفعهم الصدق بالوفاء يوم القيامة بما وعدهم من الكرامة). [ثم تكلَّم شيخنا] (١) على الوفاء بالعهد، وقال: (وهذه "سورة المائدة" للمؤمنين، أمرهم فيها بالوفاء بالعقود، وذكَّرهم فيها بنعمته، كما قال تعالى لبني إسرائيل: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، فذكر النعم يوجب الشكر، والوفاء بالعقود يحتاج إلى الصبر، فلابدَّ أن يكون صبَّارًا شكورًا، كما قال في أثناء السورة بعد آية الطهارة: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [المائدة: ٧]. قال: (فلمَّا كان هذا فاتحة السورة كان من مضمونها الشريعة والمنهاج التي جعلها لأهل القرآن، فبيَّن لهم من تفصيل أمره ونهيه -الذي جعله الله لهم شرعةً ومنهاجًا- في هذه السورة ما وجب عليهم الوفاء به، لأجل إيمانهم الذي هو عقد يوجب عليهم: طاعة الله ورسوله واتباع كتابه، ولهذا روي عن النبي ﷺ : "إنَّ سورة المائدة آخر القرآن نزولًا فأحلُّوا حلالها وحرِّموا حرامها". وعن أبي ميسرة:

стр. 50

إنَّ فيها بضع عشرة شريعة ليست في غيرها (١). لما أمرهم الله أن يوفُّوا بالعهود المتناول لعقوده التي [وجبت عليهم] (٢) بالإيمان به = بيَّن ما أمر به، وبيَّن ما نهى عنه، وما حلَّله، وما حرَّمه، ليبيِّن أنَّ الوفاء بالعقود: باتباع هذا الأمر والنهي، والتحليل والتحريم، فقال: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ الآيات [المائدة: ١]، فأحلَّ لهم بهيمة الأنعام، بشرط أن لا تحلُّوا الصيد وأنتم حرمٌ، ونهاهم عن إحلال شعائره وما معها، وأحلَّ لهم الصيد بعد الإحرام، ونهاهم عن أن يحملهم بغض قوم يمنعونهم من الدين أن يعتدوا، وأمرهم كلَّهم [جميعًا] أن يتعاونوًا على البرِّ والتقوى، ولا يتعاونوا على الإثم والعدوان، ثمَّ فصَّل لهم ما حرِّم عليهم، كالميِّت حتف أنفه، أو بسببٍ غير الذكاة، واستثنى من ذلك ما أدركوه حيًّا فذكَّوه. وذكر ما ذبح على النصب والاستقسام بالأزلام، وذلك يتضمن طلب العبد قَسْمَه وما قدِّر له فيما يريد أن يفعله، فيكون مؤتمرًا منزجرًا عن الأزلام؛ أو فيما لا بد أن يفعله، فيتضمن اعتقاده لما يكون عن الأزلام، فإنَّ المستقسم بالأزلام يعتقد ما دلَّت عليه من خيرٍ أو شرٍّ: فيما يفعله -فيفعل أو يترك-؛ وفيما لا يفعل -فيعتقد أنها [مرجوةً] (٣) ومخوفةً-؛ وذلك فسقٌ، وهو خروجٌ عن طاعة الله فيما أمر به من الاستقامة والتوكُّل عليه).

стр. 51

ثمَّ تكلَّم على الطيرة والفأل وأنواع الاستقسام بالأزلام، وتكلَّم أيضًا على السحرة والنجوم وعلى الكسوف، وقال في أثناء كلامه: (فلولا أنَّ الكسوف والخسوف قد يكونان سببًا [. .] (١) وعذاب لم يصحَّ التخويف بهما، وكذلك سائر الآيات المخوفة، كالريح الشديدة والزلزلة وسائر الكواكب وغير ذلك، ولهذا يسمِّي العلماء الصلاة المشروعة [عند] ذلك: "صلاة الآيات"، وهي صلاةٌ قد صلَّاها النبي ﷺ بركوعين طويلين، وسجودين طويلين، ولم يصلِّ قطُّ صلاةً في جماعةٍ أطول من صلاة الكسوف، ويصلَّى أيضًا عند بعض العلماء -وهو المنصوص عن أحمد- للزلزلة، ويصلَّى أيضًا عند محققي أصحابه لجميع الآيات، كما دلَّ على ذلك السنن والآثار، وهذه صلاة رهبةٍ وخوفٍ، كما أنَّ صلاةَ الاستسقاء صلاةُ رغبةٍ ورجاءٍ، وقد أمر الله عباده أن يدعوه خوفًا وطمعًا). ثمَّ قال الشيخ ﵀: (لمَّا ذكر ما حرَّم عليهم ذكر ما أحلَّ لهم: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيهِ﴾ [المائدة: ٤]، فأمر بالأكل مما أمسكن عليه الجوارح التي علمنا مكلبين ويذكر اسم الله عليه، و [هذا] (٢) اعتبار لثلاثة أمور: احدها: أن يكون الجارح معلمًا، فما ليس بمعلم لم يدخل في ذلك. الثاني: أن يمسك علينا، فيكون بمنزلة الوكيل من عبدٍ وغيره، وهذا

стр. 52

لا يكون إلا إذا استرسل بإرسال الصيد، ومن تمام الإمساك علينا أن لا يأكل منه، فإذا أكل فقد يكون الإمساك على نفسه لا علينا، فيكون فعله وتصرفه بغير طريق الوكالة) (١). ثمَّ ذكر حديث عدي بن حاتم وأطال الكلام في ذلك. ٩٧ - ولمَّا تكلَّم على التمتع والإفراد والقران وما الأفضل؟ [قال]: (والتحقيق أنَّه يتنوع باختلاف حال الحاج: فإن كان يسافر سفرةً للعمرة وسفرةً أخرى للحج، أو يسافر إلى مكَّة قبل أشهر الحج ويقيم بها حتَّى يحجَّ (٢)، فهذا الإفراد له أفضل باتفاق الأئمة الأربع". وأمَّا إذا فعل ما يفعله غالب الناس، وهو أن يجمع بين الحج والعمرة في سفرةٍ واحدةٍ ويقدم مكَّة في أشهر الحجِّ، فهذا إن ساق الهدي فالقران أفضل له، وإن لم يسق الهدي فالتحلل من إحرامه بعمرةٍ أفضل) (٣). ٩٨ - وكان ﵀ يذهب إلى أنَّ الأفضل أن يسوق الهدي ويكون قارنًا، لأنَّ النبي ﷺ هكذا فعل (٤). ٩٩ - قال: (فإذا أراد الإحرام: فإن كان قارنًا قال: "لبَّيك عمرةً وحجًّا"؛ وإن كان متمتعًا قال: "لبيك عمرةً وحجًّا" (٥)؛ وإن كان مفردًا قال: "لبيك حجَّةً".

стр. 53

أو قال: "اللهم إنِّي قد أوجبت عمرةً وحجًّا"، أو: "أو أوجبت عمرةً"، أو: "أوجبت حجًّا"، أو: "أوجبت عمرةً أتمتع بها إلى الحجِّ"، أو قال: "اللهم إنِّي أريد العمرة أتمتع بها إلى الحجِّ"، أو قال: "اللهم أريد العمرة وأريد الحجَّ"، أو: "أريدهما"، أو: "أريد التمتع بالعمرة إلى الحجِّ" (١)؛ فمهما قال من ذلك أجزأه باتفاق الأئمة، ليس في ذلك عبارة مخصوصةٌ، ولا يجب شيء من هذه العبارات باتفاق الأئمة، ولا يجب عليه أن يتكلَّم قبل التلبية بشيءٍ، ولكن تنازع العلماء: هل يستحب أن يتكلَّم بذلك؟ كما تنازعوا: هل يستحبُّ التلفُّظ بالنيَّة في الصلاة؟ والصواب المقطوع به أنَّه لا يستحب شيءٌ من ذلك) (٢).

стр. 54

١٠٠ - وقال في قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]: (الرفث: اسمٌ للجماع قولًا وعملًا؛ والفسوق: اسمٌ للمعاصي كلِّها؛ والجدال على هذه القراءة -يعني قراءة الرفع (١) -: هو الراء في الحجِّ (٢)، فإنَّ الله قد أوضحه وبيَّنه وقطع المراء فيه كما كانوا في الجاهلية يتمارون في أحكامه؛ وعلى القراءة بالنصب قد (يفسَّر) (٣) بهذا المعنى أيضًا، وقد فسَّروها [بأن لا يماري الحاج] (٤) أحدًا، والتفسير الأوَّل أصحُّ) (٥). ١٠١ - قال: (ولا يكون الرجل محرمًا بمجرد ما في قلبه من قصد الحجِّ ونيَّته، فإنَّ القصد ما زال في قلبه منذ خرج من بلده، بل لا بدَّ من قولٍ أو عملٍ يصير [به] محرمًا، هذا هو الصحيح من القولين (٦). ١٠٢ - قال: (ويستحب أن يحرم عقيب صلاة -إمَّا فرض، وإمَّا تطوع- إن كان وقت صلاة (٧) في أحد القولين، وفي الآخر: إن كان يصلِّي فرضًا أحرم عقيبه، وإلَّا فليس للإحرام صلاةٌ تخصُّه، وهذا أرجح) (٨). ١٠٣ - قال: (والأفضل أن يحرم في نعلين إن تيسَّرا له، فإن لم يجد

стр. 55

نعلين لبس خفَّين، وليس عليه أن يقطعهما دون الكعبين -مثل: الخف المكعب، والجمجم، والمداس، ونحو ذلك-، سواء إن كان واجدًا للنعلين أو [فاقدًا] (١) لهما) (٢). ١٠٤ - وذهب إلى أنَّه يجوز للمحرم أن يعقد الرداء إذا احتاج إلى ذلك (٣). ١٠٥ - قال: (و- له أن يستظلَّ تحت السقف والشجر، ويستظلَّ بالخيمة ونحو ذلك باتفاقهم. وأمَّا الاستظلال بالمحمل -كالمحارة التي لها رأس- في حال السير فهذا فيه نزاعٌ، والأفضل للمحرم أن يُضْحِي لمن أحرم [له] (٤)، كما كان النبي ﷺ وأصحابه يحجُّون، وقد رأى ابن عمر رجلًا ظلّل عليه، فقال: أيُّها المحرم أَضْحِ لمن أحرمت له. ولهذا كان السلف يكرهون القباب على المحامل [-وهي المحامل التي لها رأسٌ-، وأمَّا المحامل] (٥) المكشوفة فلم يكرهها إلا بعض النسَّاك) (٦). ١٠٦ - قال: (ولو غطَّت المرأة وجهها بشيءٍ لا يمسُّ الوجه جاز بالاتفاق، وإن كان يمسُّه فالصحيح أنَّه يجوز أيضًا، ولا تكلَّف المرأة

стр. 56

أن تجافي سترتها عن الوجه، لا بعودٍ، ولا بيدها، ولا غير ذلك) (١). ١٠٧ - قال: (والفدية: صيام ثلاثة أيام؛ أو: نسك شاةٍ؛ أو: إطعام ستة مساكين، لكلِّ مسكينٍ مدُّ برٍّ، أو نصف صاع تمرٍ أو شعيرٍ، وإن أطعم خبزًا جاز، ويكون رطلين بالعراقي -قريبًا من نصف رطلٍ بالدمشقيِّ-، وينبغي أن يكون مأدومًا، وإن أطعمه ممَّا يؤكل -كالبقسماط والرقاق ونحو ذلك- جاز، وهو أفضل من أن يعطيه قمحًا أو شعيرًا) (٢). ١٠٨ - قال (وإذا لبس ثمَّ لبس مرات، ولم يكن أدى الفدية، أجزأته فديةٌ واحدةٌ في أظهر قولي العلماء) (٣). ١٠٩ - قال: (وممَّا يُنهى عنه المحرم: أن يتطيَّب بعد الإحرام في بدنه أو ثيابه، أو يتعمَّد لشمِّ الطيب، وأمَّا الدهن في رأسه أو بدنه بالزيت أو السمن ونحوه إذا لم يكن فيه طيبٌ، ففيه نزاعٌ مشهورٌ، وتركه أولى) (٤). ١١٠ - قال: (و- له أن يحتجم، وإن احتاج أن يحلق شعرًا لذلك جاز، فإنَّه قد ثبت في "الصحيح" (٥) أنَّ النبي ﷺ احتجم في وسط رأسه وهو محرمٌ، ولا يمكن ذلك إلا مع حلق بعض الشعر.

стр. 57

وكذلك إذا اغتسل وسقط شيءٌ من شعره بذلك، لم يضرُّه، وإن تيقَّن أنَّه انقطع بالغسل) (١). ١١١ - قال: (ولا يصطاد بالحرم صيدًا وإن كان من الماء -كالسمك- على الصحيح) (٢). ١١٢ - قال: (والحرم المجمع عليه حرم مكَّة، وأمَّا المدينة فلها حرمٌ أيضًا عند الجمهور، ولم يتنازع المسلمون في حرمٍ ثالثٍ إلَّا في "وجٍّ" -وهو واد بالطائف-، وهو عند بعضهم حرمٌ، وعند الجمهور ليس بحرمٍ) (٣). ١١٣ - قال: (وللمحرم أن يقتل ما يؤذي بعادته الناس كالحيَّة والعقرب والفأرة والغراب والكلب العقور، وله أن يدفع ما يؤذيه من الآدميين والبهائم، حتَّى لو صال عليه أحدٌ ولم يندفع عنه إلَّا بالقتال [قاتله] (٤)، وإذا قرصته البراغيث أو القمل فله إلقاؤها عنه، وله قتلها ولا شيء عليه، وأمَّا التفلِّي بدون التأذي فهو من الترفُّه فلا يفعله، ولو فعله فلا شيء عليه) (٥). ١١٤ - قال: (ولو وضع يده على الشاذروان الذي تربط عليه أستار الكعبة، لم يضرَّه ذلك في أصحِّ قولي العلماء، وليس الشاذروان من

стр. 58

البيت، بل جعل عمادًا للبيت) (١). ١١٥ - وذكر الاختلاف في اشتراط الطهارة للطواف، ثمَّ قال: (ولا يجوز لحائضٍ أن تطوف إلَّا طاهرةً -إذا أمكنها ذلك- باتفاق العلماء، ولو قدمت المرأة حائضًا لم تطف بالبيت، لكن تقف بعرفة وتفعل سائر المناسك مع الحيض، إلَّا الطواف فإنَّها تنتظر حتَّى تطهر -إن أمكنها ذلك- لمَّ تطوف، وإن اضطرت إلى الطواف فطافت، أجزأها على الصحيح من قولي العلماء) (٢). ١١٦ - وقال أيضًا: (قوله: "الطواف بالبيت صلاةٌ" لم يثبت عن النبي ﷺ ، ولكن هو ثابتٌ عن ابن عباسٍ، وقد روي مرفوعًا (٣). ١١٧ - قال: (ويجوز الوقوف بعرفة راكبا وماشيًا، وأمَّا الأفضل فيختلف باختلاف الناس، فإن كان ممَّن إذا ركب رآه الناس لحاجتهم إليه، أو كان يشقُّ [عليه] (٤) ترك الركوب، وقف راكبًا، فإنَّ النبي ﷺ وقف راكبًا. وهكذا [الحجُّ] (٥): فمن الناس من يكون حجُّه راكبًا أفضل، ومنهم من يكون حجُّه ماشيًا أفضل) (٦).

стр. 59

١١٨ - قال: (والعلماء في التلبية على ثلاثة أقوالٍ: فمنهم من يقول: يقطعها إذا وصل إلى عرفة. ومنهم من يقول: بل يلبِّي بعرفة وغيرها إلى أن يرمي الجمرة. والقول الثالث: أنَّه إذا أفاض من عرفة إلى مزدلفة لبَّى، وإذا أفاض من مزدلفة إلى منى لبَّى حتَّى يرمي جمرة العقبة، كذا صحَّ عن النبي ﷺ . وأمَّا التلبية في وقوفه بعرفة ومزدلفة: فلم ينقل عن النبي ﷺ ، وقد نقل عن الخلفاء الراشدين وغيرهم أنَّهم كانوا لا يلبون (١) بعرفة) (٢). ١١٩ - قال: (وكل ما ذبح بمنى وقد سيق من الحلِّ إلى الحرم فإنَّه هديٌ، سواءٌ كان من الإبل أو البقر أو الغنم، ويسمَّى أيضًا: أضحيةً، بخلاف ما يذبح يوم النحر بالحلِّ فإنَّه أضحية وليس بهدي، و [ليس] (٣) بمنى ما هو أضحيةٌ وليس بهدي، كما هو في سائر الأمصار، فإذا اشترى الهدي من عرفات، وساقه إلى منى، فهو هديٌ باتفاق العلماء، وكذلك إذا اشتراه من الحرم فذهب به إلى التنعيم. وأمَّا إذا اشتراه من منى وذبحه بها ففيه نزاعٌ: فمذهب مالكٍ: أنَّه ليس بهديٍ، وهو منقولٌ عن ابن عمر. ومذهب الثلاثة: أنَّه هديٌ، وهو منقولٌ عن عائشة) (٤).

стр. 60

١٢٠ - قال: (وليس على المفرد إلَّا سعيٌ واحدٌ، وكذلك القارن عند جمهور العلماء، وكذلك المتمتع في أصحِّ القولين (١)، وهو أصحُّ الروايتين عن أحمد ليس عليه إلَّا سعيٌ واحدٌ) (٢). ١٢١ - قال: (ولا يستحب للمتمتع ولا غيره أن يطوف للقدوم بعد التعريف) (٣). ١٢٢ - وذكر شيخنا الخلاف في خلق الأرواح قبل الأبدان، وقال: (والصحيح الذي عليه الجمهور أنَّ أرواح الناس إنَّما برأها الله حين ينفخ الروح في الجنين). ١٢٣ - وقال شيخنا في أثناء كلامه: (وقوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ٥]، ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ [الرحمن: ٤]، ونحو ذلك، يتناول كلَّ إنسان، فمن قال: إنَّ في بني آدم قومًا عقلاء يجحدون كلَّ العلوم. فقد غلط، كما توهَّمت طائفةٌ من أهل الكلام أنَّ من الناس طائفةٌ يقال لهم: "السوفسطائية" يجحدون كلَّ علمٍ أو كلَّ موجودٍ، أو يقفون ويسكنون، أو يجعلون الحقائق تابعةً للعقائد، ولكن هذه الأمور قد تعرض لبعض الناس في بعض الأشياء. وقال في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)﴾ [الرحمن: ١، ٢]، وقال في الإنسان: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ [الرحمن: ٤]، وذلك لأنَّ البيان شاملٌ لكلِّ إنسانٍ، بخلاف تعليمهم القرآن فإنَّه خاصٌّ لمن يعلمه،

стр. 61

[لا] لكلِّ إنسان؛ وأيضًا فإنَّ القرآن علَّمه الملَك قبل الإنسان، فإنَّ جبريل أخذه عن الله، ثمَّ جاء به إلى محمَّدٍ ﷺ ). قال: (والبيان الذي علَّمه الإنسان يتناول: علمه بقلبه؛ ونطقه بلسانه). ثمَّ تكلَّم على البيان، وأنَّ الشافعيَّ وغيره قسَّموه أقسامًا، وأطال الكلام. ١٢٤ - ثم تكلَّم على قوله تعالى: ﴿وَهَدَينَاهُ النَّجْدَينِ (١٠)﴾ [البلد: ١٠]، فقال: ([قال] عامة السلف والخلف: المراد بالنجدين: طريق الخير والشر). وضعَّف قول من قال: المراد بهما: الثديان فقط، وضعَّف إسناده [عن] عليٍّ وغيره. وضعَّف أيضًا قول من قال: المراد التنويع، فهدى قومًا لطريق الخير، وقومًا لطريق الشر (١). ١٢٥ - وضعَّف شيخنا قول من قال: إنَّ (ما) مصدرية في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦] تضعيفًا كثيرًا، وقال: (فهذا المعنى وإن كان صحيحًا، فلم يُرد بهذه الآية) (٢). ١٢٦ - وتكلَّم شيخنا على قوله تعالى: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، وذكر الاختلاف في المميّز: هل يجوز أن يكون معرفةً أم يتعيَّن أن يكون نكرةً؟ واختار أنَّه قد يقع معرفةً، وجعل منه هذا الموضع وغيره، وقال: (قد يكون المنصوب على التمييز معرفةً، وهذا لم يعرفه البصريون،

стр. 62

ولم يذكره سيبويه وأتباعه) (١). ١٢٧ - وقال أيضًا لمَّا تكلَّم على قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ: ٢٠] (ويتوجه في هذا ما قاله الكوفيون في المميّز إذا كان معرفة ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] (٢)، و ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص: ٥٨] ونحو ذلك، فإنَّهم يقولون: "صدق وعده" كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، ومنه: قول النّبي ﷺ : "صدق الله وعده، ونصر عبده"، والأصل أن يجعل الصدق للوعد، كقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]، فلمَّا جعل للشخص نص (٣) "الوعد" على التفسير). ١٢٨ - قال في أثناء كلامه: (ولو كان الوعد في قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [آل عمران: ١٥٢] مفعولًا ثانيا لقيل: الوعد مصدوقٌ، أو: مصدوق الوعد، كما قيل: الدرهم معطى، والله تعالى قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] لم يقل: مصدوق الوعد). ١٢٩ - وتكلَّم على قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾ [النجم: ١١] كلامًا جليلًا، وجعله نظير ما تقدَّم من الانتصاب على التمييز، والمعنى: ما كذبت رؤيته، بل الرؤيا التي رأها كانت صادقةً. * * *

стр. 63

فصل ١٣٠ - تكلَّم شيخنا على قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧]، وعلى قوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] وحكى عن بعضهم أنَّ المعنى: تخونوها بارتكاب ما حرم عليكم، قال: (يجعل "الأنفس" مفعول "يختانون" وجعل "الإنسان" قد خانها -أي ظلمها-). قال: (وهذا فيه نظر، فإنَّ كلَّ ذنبٍ يذنبه الإنسان فقد ظلم فيه نفسه، سواءً فعله سرًّا أو علانيةً، وإذا كان اختيان النفس هو: ظلمها وارتكاب ما حرِّم عليها، [كان كلُّ] مذنبٍ مختانًا لنفسه، وإن جهر بالذنوب، ومعلوم أنَّ هذا اللفظ إنَّما استعمل في خاصٍ من الذنوب، فيما (١) يفعل سرًّا). قال: (ولفظ "الخيانة" حيث استعمل لا يستعمل إلَّا فيما خفي عن المخون، كالذي يخون أمانته، فيخون من ائتمنه إذا كان لا يشاهده ... -إلى أن قال: - فإذا كان كذلك فالإنسان [كيف] (٢) يخون نفسه وهو لا يكتمها ما يفعله، ولا يفعله سرًّا عنها (٣) كما يخون من لا يشاهده؟ ). قال: (والأشبه -والله أعلم- أن يكون قوله تعالى: ﴿يخْتَانُونَ

стр. 64

أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] مثل قوله: ﴿إلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، وقد ذهب الكوفيون وابن قتيبة إلى أنَّ مثل هذا منصوبٌ على التمييز وإن كان معرفة، وقد ذكروا لذلك شواهد كثيرة من كلام العرب، مثل قولهم: "آلم فلانٌ رأسَه"، و"وجع بطنَه"، و"رشد أمره"، ومنه: قوله تعالى: ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص: ٥٨] فالمعيشة نفسها بطرت، وقوله: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، معناه: سفهت نفسه، أي: كانت سفيهة، فلمَّا أضاف الفعل إليه (١) نصبها على التمييز. وهذا الذي قاله الكوفيون أصحُّ في اللغة والمعنى، فإن الإنسان هو السفيه نفسه، كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٢]، كذلك قوله: ﴿تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] أي: تختان أنفسكم، فالأنفس هي اختانت، كما أنَّها السفيهة، وقال: "اختانت" ولم يقل: "خانت"، لأنَّ الافتعال فيه زيادة على ما في مجرد الخيانة). قال في أثناء كلامه: (أو يكون قوله: ﴿تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] أي: يخون بعضكم بعضًا، كقوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، فإنَّ السارق وأعوانه خانوا إخوانهم المؤمنين، والمجامع إذا جامع امرأته [وهي لا تعلم] (٢) أنَّه حرامٌ فقد خانها). قال: (والأوَّل أشبه، والنفس هي خانت، فإنَّها تحب الشهوة والمال والرئاسة، و"خان" و"اختان" مثل: "كسب" و"اكتسب"، فجعل الإنسان مختانًا، ثمَّ بيَّن أنَّ نفسه هي التي تختان، كما أنَّها هي

стр. 65

التي تسفه، لأنَّ مبدأ ذلك شهوتها، ليس هو مما [يأمر به العقل والرأي] (١)، ومبدأ السفه منها، لخفَّتها وطيشها، والإنسان قد [تأمره نفسه في السرِّ بأمورٍ ينهاها عنه العقل] (٢) والدين، فتكون نفسه اختانت عليه وغلبته، وهذا يوجد كثيرًا في أمر الجماع وأمر المال، ولهذا لا يؤتمن على ذلك أكثر الناس، ويقصد بالائتمان من لا تدعوه نفسه إلى الخيانة في ذلك، قال سعيد بن المسيَّب: لو ائتمنت على بيت المال لأدَّيت الأمانة، ولو ائتمنت على امرأةٍ سوداء حبشيةٍ لخشيت أن لا أؤدِّي الأمانة فيها. وكذلك المال لا يؤتمن عليه أصحاب الأنفس الحريصة على أخذه كيف أتفق) (٣). ١٣١ - وتكلَّم شيخنا على قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، واختار أنَّ المعنى: أن يكون النبيُّ قُتل، وأنَّ من معه من الربِّيون لم يهنوا بعد قتله، وضعَّف قول من قال: إنَّ الربِّيين قُتلوا تضعيفًا كثيرًا من عدة وجوهٍ، والربِّيون: هم الجماعة الكثيرة. قال: (وقوله: ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ (٤) [آل عمران: ١٤٦] صفة للنبيِّ لا حال،

стр. 66

قال: (وحَذف- "الواو" في مثل هذا دليلٌ على أنَّها صفةٌ بعد صفة ليست حالًا، وبهذا يظهر كمال المعنى وحسنه، فإنَّ قوله: ﴿مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] أي: هم يتَّبعونه سواءً كانوا معه حين قتل أو لم يكونوا، والمعنى على الأوَّل، لأنَّ المقصود أنَّ جميع أتباع النبي ﷺ لم [يرتدوا] (١) -لا من شهد مقتله ولا من غاب-، فإنَّ المقصود أنَّ قَتْلَ النبيِّ لا يغيِّر الإيمان من قلوب أتباعه) (٢). ١٣٢ - وقال بعد أن ذكر قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢)﴾ [الصافات: ١٧١، ١٧٢] قال: (وهذا يشكل على بعض الناس، فيقول: الرسل قد قتل بعضهم، فكيف يكونون [منصورين] (٣)؟ فيقال: القتل إذا كان على وجهٍ فيه عزة الدين وأهله كان هذا من كمال النصر، فإنَّ الموت لا بدَّ منه، فإذا مات ميتةً يكون بها سعيدًا في الآخرة فهذا غاية النصر، كما كان حال نبيِّنا ﷺ فإنَّه استشهد طائفةٌ من أصحابه فصاروا إلى أعظم كرامةٍ، ومن بقي كان عزيزًا منصورًا، وكذلك كان الصحابة يقولون للكفار: أخبرنا نبيُّنا أنَّ من قتل منَّا دخل الجنة، ومن عاش منَّا ملك رقابكم. فالمقتول إذا قتل على هذا الوجه كان ذلك من تمام نصره ونصر أصحابه، ومن هذا الباب حديث الغلام الذي رواه مسلم، لمَّا اتَّبع دين الراهب وترك دين الساحر، وأرادوا قتله مرةً بعد مرةٍ [فلم يستطيعوا] (٤)، حتى أعلمهم بأنَّه يقتل [إذا قال الملك: بسم الله رب الغلام. ثمَّ

стр. 67

يرميه] (١)، ولمَّا قتل آمن الناس كلُهم، فكان هذا نصرًا لدينه. ولهذا لمَّا قتل عمر بن الخطاب شهيدًا بين المسلمين قتل قاتله، وعثمان لمَّا قتل شهيدًا قتل قتلته وانتصرت [طائفته] (٢)، وكذلك على لمَّا قتله الخوارج مستحلِّين قتله كانوا ممَّن أمر الله ورسوله بقتالهم، وكانوا مقهورين مع أهل السنة والجماعة. فلم يمنع ذلك عن الإسلام وأهله، لا سيَّما والثبيون الذين قتلوا كان الله ينتقم ممَّن قتلهم، حتَّى يقال إنَّه قتل على دم يحيى بن زكريا سبعون ألفًا! ). ١٣٣ - وأطال شيخنا الكلام على الأسباط، وضعَّف قول من قال إنَّهم أولاد يعقوب لصلبه، واختار أنَّ إخوة يوسف لم يكونوا أنبياء، وأنَّ الأسباط هم بنو إسرائيل، وإنَّما سمُّوا بالأسباط [] (٣) موسى ﵇. وذهب إلى أنَّه لم يكن بين موسى بني إسرائيل ويوسف نبيٌّ، قال: (والقرآن يدلُ على أنَّ أهل مصر لم يأتهم نبيّ بعد يوسف). ١٣٤ - وقال شيخنا: (الصواب أنَّ الحجَّ فرض سنة عشرٍ أو تسع) (٤). ١٣٥ - وقال في "شمول النصوص الأحكام" لمَّا تكلَّم [. . .. ] (٥)

стр. 68

شركًا له في عبدٍ: (وتنازعوا هل يؤدِّي عقب العتاق، أو لا يعتق حتَّى يؤدِّي الثمن؟ على قولين مشهورين، والأوَّل هو المشهور في مذهب الشافعي وأحمد، والثاني قول مالكٍ وقولٌ في مذهب الشافعي وأحمد، وهو الصحيح في الدليل) (١). ١٣٦ - وقال في موضع آخر: (من غلب على ماله الحلال جازت معاملته، كما ذكره أصحاب الشافعيِّ وأحمد، وإن غلب الحرام، فهل معاملته محرمة أو [مكروهة] (٢)؟ على وجهين) (٣). ١٣٧ - قال: (وللعلماء قولان في الدراهم هل تتعيَّن بالتعيين في العقود والقبوض، حتَّى في الغصب والوديعة؟ فقيل: تتعيَّن مطلقًا، كقول الشافعيِّ وأحمد في إحدى الروايتين الثابتة) (٤). ١٣٨ - وقال: (من كان بينهما ما لا يقبل القسمة -كحيوانٍ وآنيةٍ ونحو ذلك- إذا طلب أحد الشريكين بيعها وقسمة الثمن، أجبر الآخر على ذلك عند جمهور العلماء -وهو مذهب مالكٍ وأبي حنيفة وأحمد، وذكر بعض المالكية أنَّ هذا إجماع-، لأن حقَّ الشريك في نصف قيمة الجميع لا في قيمة النصف) (٥). ١٣٩ - وقال في أثناء كلامه: (قال ابن مسعود -وسئل عن رجل يعامل بالربا إذا أضاف غيره- فقال: كل، فإن مَهْنَأَه لك، وحسابه [عليه]) (٦).

стр. 69

١٤٠ - قال شيخنا: (أمَّا من ترك الصلاة جاهلًا بوجوبها، مثل: من أسلم في دار الحرب ولم يعلم أنَّ الصلاة واجبة عليه، فهذه المسألة للعلماء فيها ثلاثة أقوالٍ، وجهان في مذهب أحمد: أحدها: عليه الإعادة مطلقًا، وهو قول الشافعي، وأحد الوجهين في مذهب أحمد. والثاني: عليه الإعادة إذا تركها بدار [الإسلام دون دار] (١) الحرب، وهو مذهب أبي حنيفة، لأنَّ دار الحرب دار جهل يعذر فيه، بخلاف دار الإسلام. والثالث: لا إعادة عليه مطلقًا، وهو الوجه الثاني في مذهب أحمد وغيره. وأصل هذين الوجهين: أنَّ حكم الشارع هل يثبت في حقِّ المكلف قبل بلوغ الخطاب له؟ فيه ثلاثة أقوالٍ في مذهب أحمد وغيره: أحدها: يثبت مطلقًا، والثاني: لا يثبت مطلقًا، والثالث: يثبت حكم الخطاب المبتدأ دون الخطاب الناسخ، كقضية أهل قباء، وكالنزاع المعروف في الوكيل إذا عُزل، فهل يثبت حكم العزل في حقه قبل العلم؟ وعلى هذا لو ترك الطهارة الواجبة لعدم بلوغ النصِّ، مثل: أن يأكل لحم الإبل ولا يتوضأ، ثمَّ يبلغه النص ويتبين له وجوب الوضوء؛ أو: يصلِّي في أعطان الإبل، ثمَّ يبلغه ويتبين له النصُّ؛ فهل عليهم إعادة ما مضى؟ فيه قولان، هما روايتان عن أحمد. ونظيره أن يمسَّ ذكره ويصلِّي، ثمَّ يتبيَّن له وجوب الوضوء من مسِّ الذكر.

стр. 70

والصحيح في هذه المسائل عدم وجوب الإعادة، لأنَّ الله تعالى عفا عن الخطأ والنسيان، ولأنَّه قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥] فمن لم يبلغه أمر الرسول في شيءٍ معينٍ لم يثبت حكم وجوبه عليه، ولهذا لم يأمر الرسول ﷺ عمر وعمارًا لمَّا أجنبا فلم يصلِّ عمر، وصلَّى عمار بالتمرُّغ، أن يعيد واحد منهما، وكذلك لم يأمر أبا ذر [بالإعادة] (١) لمَّا كان يجنب ويمكث لا يصلَّي، وكذلك لم يأمر من أكل من الصحابة حتَّى يتبيَّن [له] (٢) الحبل الأبيض من الحبل الأسود بالقضاء، كما لم يأمر من صلَّى إلى بيت المقدس قبل بلوغ النسخ لهم بالقضاء. ومن هذا الباب المستحاضة إذا مكثت مدَّةً لا تصلَّي لاعتقادها عدم وجوب الصلاة عليها، ففي وجوب القضاء عليها قولان: أحدهما: لا إعادة عليها، كما نقل عن مالكٍ وغيره، لأنَّ المستحاضة التي قالت للنبي ﷺ : إنِّي استحاض حيضةً شديدةً [كبيرةً] (٣) منكرةً منعتني الصلاة والصيام، أمرها بما يجب في المستقبل، ولم يأمرها بقضاء الماضي). قال شيخنا: (وقد ثبت عندي بالنقل المتواتر أنَّ في النساء والرجال بالبوادي وغير البوادي من يبلغ ولا يعلم أنَّ الصلاة عليه واجبة، بل إذا قيل للمرأة: صلِّي، تقول: حتَّى أكبر وأصير عجوز، ظانةً أنَّه لا يخاطب بالصلاة إلَّا المرأة الكبيرة، كالعجوز ونحوها.

стр. 71

وفي أتباع الشيوخ طوائف كثيرون لا يعلمون أنَّ الصلاة واجبةٌ عليهم، فهؤلاء لا يجب عليهم في الصحيح قضاء الصلوات، سواءً قيل: كانوا كفارًا، أو كانوا معذورين بالجهل) (١). ١٤١ - قال شيخنا: (إذا كان على الولد دينٌ ولا وفاء له، جاز أن يأخذ من زكاة أبيه في أظهر القولين في مذهب أحمد وغيره. وأمَّا إذا كان محتاجًا إلى النفقة وليس لأبيه ما ينفق عليه، ففيه نزاعٌ، والأظهر أنَّه يجوز له أخذ زكاة أبيه. وأمَّا إذا كان مستغنيًا بنفقته (٢) فلا حاجة [به] (٣) إلى زكاته) (٤). ١٤٢ - وقال: (إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالقٌ ثلاثًا إن شاء الله، وقصده بذلك أن لا يقع به الطلاق، والاستثناء بسكوتٍ يسيرٍ لم يضرَّ الفصل بينهما، بل لا يقع به الطلاق والحال هذه، ولو لم يقصد النيَّة إلا بعد قوله، ففيه قولان، أظهرهما أنَّه لا ينفعه الاستثناء) (٥). ١٤٣ - وذكر شيخنا مسألة الصلاة على الغائب، قال: (وفيها للعلماء قولان مشهوران: أحدهما: تجوز، وهو قول الشافعي وأحمد في أشهر الروايات عنه عند أكثر أصحابه.

стр. 72

والثاني: لا تجوز، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد في الرواية الأخرى، وذكر ابن أبي موسى -وهو ثبتٌ في نقل مذهب أحمد- رجحانها في مذهبه) (١). ثم قال: (ومن [جوَّز] (٢) الصلاة على الغائب الذي لم يصلَّ عليه فقد أحسن فيما قال، ولعل قوله أعدل الأقوال) (٣). ١٤٤ - قال: (وجوَّز طائفةٌ من أصحاب الشافعيِّ وأحمد الصلاة على الغائب في البلد الواحد، ثمَّ محققوهم قيَّدوا ذلك بما إذا مات الميِّت في أحد جانبي البلد [الكبير، ومنهم من أطلق في أحد جانبي البلد] (٤) لم يقيِّدوه بالكبير، وكانت هذه المسألة قد وقعت في عصر أبي عبد الله بن حامدٍ: مات ميِّتٌ في أحد جانبي بغداد فصلَّى عليه [أبو] (٥) عبد الله بن حامدٍ وطائفة من الجانب الآخر، وأنكر ذلك أكثر الفقهاء من أصحاب الإمام الشافعيِّ والإمام أحمد وغيرهم، كأبي حفص البرمكيِّ وغيره) (٦).

стр. 73

قال شيخنا: (وأمَّا في زمن الشافعيِّ وأحمد فلم يبلغنا أنَّ أحدًا صلَّى في أحد جانبي البلد ببغداد على من مات في الآخر مع كثرة الموتى وتوافر الهمم والدواعي على نقل ذلك، فتبيَّن أنَّ ذلك محدثٌ لم يفعله أحدٌ من الأئمة. وأمَّا ما يفعله بعض الناس من أنَّه كلّ ليلةٍ يصلِّي على جميع من مات من المسلمين فلا ريب أنه بدعةٌ لم يفعله أحدٌ من السلف، والله أعلم) (١). ١٤٥ - قال: (وأمَّا لعنة المعيَّن فالأولى تركها، لأنَّه يمكن أن يتوب) (٢). ١٤٦ - وقال في حديث: "نهى عن بيع وشرطٍ: (هذا حديثٌ باطل، ليس في شيءٍ من كتب المسلمين، وإنَّما يروى في حكايةٍ منقطعةٍ) (٣). هكذا قال شيخنا (٤). ١٤٧ - وقال في حديث: "نهى عن قفيز الطحان": (وهذا أيضًا باطلٌ) (٥). ١٤٨ - قال: (وأصول الأقوال في القراءة خلف الإمام ثلاثةٌ -طرفان ووسط-: فأحد الطرفين: أنَّه لا يقرأ خلف الإمام بحالٍ.

стр. 74

والثاني: أنّه يقرأ خلف الإمام بكلِّ [حالٍ] (١). والثالث -وهو قول أكثر السلف-: أنَّه إذا سمع قراءة الإمام أنصت ولم يقرأ، وإذا لم يسمع قراءتَه قرأ لنفسه، هذا قول جمهور العلماء، كمالكٍ وأحمد بن حنبلٍ وجمهور أصحابهما، وطائفةٍ من أصحاب الشافعيِّ وأبي حنيفة، وهو القول القديم للشافعيِّ وقول محمَّد بن الحسن. وعلى هذا القول فهل القراءة حال مخافتة الإمام بالفاتحة واجبة على المأموم أو مستحبة؟ فيه قولان: أحدهما: مستحبةٌ، وهو قول الأكثرين، كمالكٍ ومحمَّد بن الحسن وغيرهما. والثاني: أنَّها واجبةٌ، وهو قول الشافعيِّ القديم (٢).

стр. 75

والاستماع حال جهر الإمام هل [هو] (١) واجبٌ أو مستحبٌ؟ والقراءة إذا سمع قراءة الإمام هل هي محرمةٌ أو مكروهةٌ؟ وهل تبطل الصلاة إذا قرأ؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره: أحدهما: أنَّ القراءة حينئذٍ محرمة، وإذا قرأ بطلت صلاته، وهو أحد الوجهين اللذين حكاهما أبو عبد الله بن حامدٍ في مذهب أحمد. والثاني: أنَّ الصلاة لا تبطل بذلك، وهو قول الأكثرين، وهو المشهور في مذهب أحمد. والذين قالوا: يقرأ حال الجهر والمخافتة، إنَّما يأمرونه أن يقرأ حال الجهر بالفاتحة خاصة، وما زاد على الفاتحة فإنَّ المشروع أن يكون مستمعًا لا قارئًا. وهل قراءته بالفاتحة مع الجهر واجبةٌ أو مستحبةٌ؟ على قولين: أحدهما: أنَّها واجبةٌ، وهو قول الشافعيِّ في الجديد، وقول ابن حزمٍ. والثاني: أنَّها مستحبة، وهو قول الأوزاعي والليث، واختيار جدِّي [أبي] (٢) البركات) (٣). قال: (وإذا جهر الإمام استمع لقراءته، فإن كان لا يسمع لبُعده، فإنَّه يقرأ في أصحِّ القولين، وهو قول أحمد وغيره. وإن كان لا يسمع لصممه أوكان يسمع همهمة الإمام ولا يفقه ما يقول، ففيه قولان في مذهب أحمد وغيره، والأظهر أنه يقرأ، لأنَّ
следующие страницы →