← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1477

الجامع في أمثال القرآن

ابن القيم

Полный текст (243 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة فضيلة الشيخ مصطفى بن العدوي الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: فمن نعم الله على العبد بعد أن يوفقه ويهديه ويشرح صدره للإسلام أن يوفقه لطلب العلم الشرعي، المتمثل بالدرجة الأولى في كتاب الله ، وفي سنة رسول الله ﷺ ، فتلك علامة خير، وذلك شاهد صدق بإذن الله، إذ النبي ﷺ قال: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» (١) وقال: «مَنْ يُرِد الله بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (٢). هذا، ومن أجل العلوم وأنفعها كما أشرت وأسلفت العلم بكتاب الله وتدبر آياته والتفكر فيها. ولقد ضرب الله في كتابه العزيز أمثالا للناس لعلهم يتذكرون ويتفكرون ويتقون، وفهم هذه الأمثال على الوجه الذي يريده الله نعمة عظيمة _________ (١) أخرجه البخاري (٥٠٢٧) من حديث عثمان ﵁. (٢) أخرجه البخاري (٣١١٦)، ومسلم (١٠٣٧) من حديث معاوية ﵁.

стр. 2

من أجل النعم فذلك بإذن الله يورث تفكرًا وتدبرًا ويحمل على التقوى بإذن الله. والذين يعقلون هذه الأمثال وصفهم الله ب ﴿الْعَالِمُونَ﴾. إذ الله قال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]. هذا، ومن أهل العلم الذين رزقهم الله فهمًا وآتاهم الله بصيرة في هذا الصدد العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، والمتأمل في كتبه والناظر في رسائله يرى ذلك بوضوح وجلاء، فقد تكلم العلامة ﵀ عن أمثال القرآن في العديد من كتبه، وكان منها كتاب الأمثال له، وقد قيل: إنه هو الذي أفرده بالتصنيف، وقيل: إنه أُخِذَ من «إعلام الموقعين» وعلى كلٍّ فقد أجاد العلامة ابن القيم ﵀ في شرح كثير من أمثال القرآن إجادة لا تخفى. هذا، وقد قام أخي في الله/ الشيخ/ أبو أويس أشرف بن نصر بن صابر الكردي حفظه الله تعالى بتحقيق الأحاديث والآثار الواردة في كتاب الأمثال لابن القيم وكذا تخريجها، مع الحكم عليها بما تستحقه من الصحة والضعف، وكذا فقد تتبع كتب العلامة ابن القيم، وأورد أقواله وشروحه في الأمثال التي لم تذكر في كتاب الأمثال أو ذكرت مختصرة وبسطت في موضع آخر من كتبه ورتبها على سور القرآن. وأضاف في الحاشية بعض الإضافات والنقولات عن بعض أهل العلم الأولين كالطبري وابن كثير وغيرهما. هذا، وقد راجعت مع أخي/ الشيخ/ أبي أويس حفظه الله عمله فألفيته، ولله الحمد نافعًا مباركًا.

стр. 3

أسأل الله أن يجازيه خيراً وأن يوفقه لمواصلة طلب العلم والدعوة إلى الله، وصل اللهم على سيدنا محمد وسلم، والحمد لله رب العالمين. كتبه/ أبو عبد الله مصطفى بن العدوي

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِنَّ الحَمْدَ لِلهِ تَعَالَى، نَحْمَدُه، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بالِلهِ من شُرُور أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْد اللهُ فَلا مُضِلّ لَه، ومَن يُضْلِل فَلا هَادِي لَه، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَه إلا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَريك لَه، وَأَشْهَدُ أَنَّ محمدًا عَبْدُهُ ورسولُهُ. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. فَإنَّ أصدقَ الْحَدِيث كِتَابُ الله، وَخَيْرَ الْهَدْي هَدْي مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَشَرّ الأُمُور مُحْدَثَاتُهَا، وَكل مُحْدَثَةٍ بِدْعَة، وَكل بِدْعَةٍ ضلالة (١). أما بعد: فَلَا يَخْفَى عَلَى ذِي مَيز، وَلَا يشتبه عَلَى ذِي لُبٍّ مَا جَعَل الله تَعَالَى فِي الْأَمْثَالِ من الحِكْمَةِ، وأودع فِيها من الفَائِدَة، وناط بِهَا مَنْ الحَاجَةِ؛ فَإِنْ ضَرب الأمثال في القرآن يُستفاد منه أمورٌ كثيرة. _________ (١) وزيادة «كل ضلالة في النار» شاذة، وقد تكلمت عليها في حاشية «الاعتصام» للشاطبي. ط. دار ابن رجب (ص ٥٧) بتحقيقي. وانظر غير مأمور شرحًا لألفاظ خطبة الحاجة في «مجموع الفتاوى» (١٨/ ٢٨٥ - ٢٩٠).

стр. 5

أغراض ضرب الأمثال ١ - منها: التذكير، قال : ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾ [الزمر: ٢٧]. وقال : ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥)﴾ [إبراهيم: ٢٥]. قال ابن عاشور ﵀ (١): خُصّت أمثال القرآن بالذكر من بين مزايا القرآن لأجل لَفت بصائرهم للتدبر في ناحية عظيمة من نواحي إعجازه، وهي بلاغة أمثاله، فإن بلغاءهم كانوا يتنافسون في جَودة الأمثال وإصابتها المحزّ (٢) من تشبيه الحالة بالحالة. ٢ - ومنها: التفكر والاعتبار والاستبصار قال : ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ [الحشر: ٢١]. _________ (١) هو: محمد الطاهر بن عاشور التونسي، مالكي المذهب، أشعري العقيدة، بلاغي الأسلوب، أحد أعضاء المجمعين العربيين في دمشق والقاهرة. من مؤلفاته: «الوقف وآثاره في الإسلام»، و «أصول الإنشاء والخطابة» «موجز البلاغة»، «التحرير والتنوير» توفي رحمه الله تعالى سنة (١٣٩٣) هجرية. وانظر غير مأمور: «الأعلام للزركلي» (٦/ ١٧٤)، وكتاب «المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات» للشيخ محمد المغراوي (٣/ ١٤٠٣ - ١٤٤٣). (٢) يقال: تكلم فأصاب المحز: تكلم فأقنع. «المعجم الوسيط» (م/ حزز).

стр. 6

قال ابن القيم ﵀ (١): الفكر: هو إحضار معرفتين في القلب لِيُستثمَرَ منهما معرفةٌ ثالثةٌ. ومثال ذلك: إذا أحضر في قلبه العاجلة وعيشها ونعيمها وما يقترن به من الآفات وانقطاعه وزواله، ثم أحضر في قلبه الآخرة ونعيمها، ولذتها ودوامها وفضلها على نعيم الدنيا وجزم بهذين العلمين أثمر له ذلك علما ثالثا؛ وهو أن الآخرة ونعيمها الفاضل الدائم أولى عند كل عاقل بإيثاره من العاجلة المنقطعة المنغصة … وهذا يُسمى تفكرًا، وتذكرًا، ونظرًا، وتأملًا، واعتبارًا، وتدبرًا، واستبصارًا. وهذه معان متقاربة تجتمع في شيء وتتفرق في آخر … * والتفكر في القرآن نوعان: * تفكر فيه ليقع على مراد الرب تعالى منه. * وتفكر في معاني ما دعا عباده إلى التفكر فيه. فالأول: تفكر في الدليل القرآني. والثاني: تفكر في الدليل العياني. الأول: تفكر في آياته المسموعة. والثاني: تفكر في آياته المشهودة. ولهذا أنزل الله القرآن ليتدبر ويتفكر فيه، ويعمل به، لا لمجرد تلاوته مع الإعراض عنه. _________ (١) في «مفتاح دار السعادة» (١/ ٥٤٢ فما بعد) ط ابن القيم وابن عفان.

стр. 7

قال الحسن البصري: «أنزل القرآن ليعمل به؛ فاتخذوا تلاوته عملًا». وقال: «تفكرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ من قِيَامِ لَيْلَةٍ» (١). وكان سفيان الثوري كثيرًا ما يتمثل: إذا المرءُ كانت له فِكرة … ففي كلِّ شيءٍ له عبرة (٢) ٣ - ومنها: التدبر والتأمل، قال : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]. وقال : ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢]. وقال : ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]. وقال : ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ [العنكبوت: ٤٣]. وعن عمرو بن مُرَّةَ قال: ما مررت بآية من كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنني؛ لأني سمعت الله يقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ (٣). _________ (١) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٣/ ٥٠٧) قال: حدثنا محمد بن فضيل عن العلاء بن المسيب عن الحسن به. (٢) انظر «مفتاح دار السعادة» (١/ ٥٣٨ فما بعد) الوجه (١٥٣) ط ابن القيم وابن عفان. (٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي حاتم في «التفسير» (١٨١٧٤) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بن الجنيد، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدشتكي، ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد، ثنا أَبُو سِنَانٍ سعيد بن سنان، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ. وانظر: «فضائل القرآن» لأبي عبيد (ص/ ٤٢)، و «مفتاح دار السعادة» (١/ ٣١٧).

стр. 8

٤ - ومنها: تقريب المعقول في صورة المحسوس، قال : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ [البقرة: ٢٦١]. ٥ - ومنها: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، قال : ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩]. فأخبر أن عيسى نظيرُ آدم في التكوين بجامع ما يشتركان فيه من المعنى الذي تعلق به وجود سائر المخلوقات، وهو مجيئها طوعًا لمشيئته وتكوينه، فكيف يستنكر وجود عيسى من غير أب من يقر بوجود آدم من غير أب ولا أم، ووجود حواء من غير أم؛ فآدم وعيسى نظيران يجمعهما المعنى الذي يصح تعليق الإيجاد والخلق به (١). ٦ - ومنها: المدح والذم، قال : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩]. وقال : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥)﴾ [الجمعة: ٥]. _________ (١) قاله ابن القيم في «إعلام الموقعين» (٢/ ٢٥٢)، و «هداية الحيارى» (ص/ ١٠٧). قال الرازي: أجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت عند حضور وفد نجران على الرسول ﷺ .

стр. 9

قال ابن القيم ﵀: ضربُ الأمثال في القرآن يُستفاد منه أمورٌ: التذكير، والوعظ، والحث، والزجر، والاعتبار، والتقرير، وتقريب المراد للعقل، وتصويره في صورة المحسوس، بحيث يكون نسبته للعقل كنسبة المحسوس إلى الحس. وقد تأتي أمثال القرآن مشتملةً على بيان تفاوت الأجر، وعلى المدح والذم، وعلى الثواب والعقاب، وعلى تفخيم الأمر أو تحقيره، وعلى تحقيق أمر وإبطال أمر (١). _________ (١) «بدائع الفوائد» (٤/ ١٣١٤) ط عالم الفوائد، وانظر: «مدارج السالكين» (٤/ ٥٠٤)، و «الإتقان» (٤/ ٤٤) للسيوطي.

стр. 10

تعددُ الأَمْثَالِ قد أكثر من هذه الأمثال ونوعها مستدلًّا بها على حسن شكره وعبادته وقبح عبادة غيره (١). قال : ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾ [الزمر: ٢٧]. وقال : ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩)﴾ [الإسراء: ٨٩]. وقال : ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤)﴾ [الكهف: ٥٤]. وعن عبد الله بن عَمْروِ بْنِ الْعَاصِي (٢) ﵁ أنه قال: «عَقَلْتُ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ أَلْفَ مَثَلٍ» (٣). _________ (١) «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٣٣٣). (٢) قال النووي في شرح مسلم (١/ ٧٧): وأما العاصي فأكثر ما يأتي في كتب الحديث والفقه ونحوها بحذف الياء، وهي لغة، والفصيح الصحيح: العاصي، بإثبات الياء .... ولا اغترار بوجوده في كتب الحديث أو أكثرها بحذفها، والله أعلم. (٣) إسناده ضعيف: رواه ابن لهيعة واختلف عليه؛ فرواه إسحاق بن عيسى - وهو صدوق - عنه عن أبي قبيل -حيي بن هانئ المعافري - سمعت عمرو بن العاصي به. أخرجه أحمد (٤/ ٢٠٤). =

стр. 11

وقَال ابْنُ الجوزي ﵀: «فِي القُرْآنِ ثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعُونَ مَثَلًا» (١). وَقَال شَيْخُ الْإِسْلَام ابْن تيميةَ ﵀: «وَقَدْ قَيْل: إِنْ فِي الْقُرْآنِ اثْنَيْن وَأَرْبَعِينَ مَثَلًا» (٢). وقال ابن القيم ﵀: «قد اشتمل منها على بضعة وأربعين مثلًا» (٣). * * * _________ = وخالفه زيد بن الحباب وكامل بن طلحة وسعيد بن أبي مريم ثلاثتهم عن ابن لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيْدَ بنِ عَمْرٍو، عَنْ شُفَيٍّ الأصبحي عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو به. أخرجه الرامهرمزي في «الأمثال» (ص/ ٦)، وأبو الشيخ الأصبهاني في «الأمثال» (١)، وأبو نعيم في «الحلية» (٥/ ١٦٩)، وابن عساكر (٣١/ ٢٥٧). والخلاصة: أن مداره على ابن لهيعة، وقد اختلف عليه وهو ضعيف باستثناء رواية العبادلة التي لم تستنكر عليه. (١) في «المدهش» (١/ ١٦ - ١٨). (٢) «منهاج السنة» (٧/ ٢٣٨). (٣) «الكافية الشافية» (١/ ٤١) ط عالم الفوائد، و «إعلام الموقعين» (١/ ٢٤٨) ط ابن الجوزي. والبِضْعُ: من الثلاث إِلى التِّسع. (٣ - ٩).

стр. 12

تعريف الأمثال * الأمثال: جمع مثل، والمَثل و المِثل والمثيل: كالشبه والشِبه والشبيه لفظًا ومعنًى. قال الراغب الأصفهاني: المثل عبارةٌ عن قولٍ في شيء يشبه قولاً في شيء آخر بينهما مشابهةٌ ليبين أحدُهما الآخر ويصورَهُ، وعلى هذا الوجه ما ضَرَب الله تعالى من الأمثال. قال الزركشي ﵀ (١): حقيقته: إخراج الأغمض إلى الأظهر؛ وهو قسمان: ١ - ظاهر: وهو المصرح به (٢). ٢ - وكامن: وهو الذي لا ذكر للمثل فيه، وحكمه حكم الأمثال (٣). _________ (١) في «علوم القرآن» (١/ ٤٥٠) ط دار المعرفة. (٢) أي: ما صُرِّح فيها بلفظ المثل أو ما يدل على التشبيه. (٣) فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]. وانظر: «المدهش» (١/ ١٧، ١٦): ط الكتب العلمية. و «مدارج السالكين» (٢/ ٦٩ - ٧٠) ط دار طيبة.

стр. 13

وحكى السيوطي (١) قسماً ثالثا وهو المرسل (٢) واكتفينا بالأول لشهرته. قال ابن القيم ﵀: فإِنَّهَا تشبِيهُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ فِي حُكْمِهِ، وَتَقْرِيبُ المَعْقُولِ مِنْ المَحْسُوسِ، أَوْ أَحَدُ المَحْسُوسَيْنِ مِنْ الآخَرِ، وَاعْتِبَارُ أَحَدِهَما بِالْآخَرِ، كَقَوْلِهِ فِي حَقِّ المُنَافِقِينَ: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾ [البقرة: ١٧ - ٢٠] (٣). قال الأستاذ مناع خليل القطان: (٤) فابن القيم ﵀ يقول: في أمثال القرآن: تشبيه شيء بشيء في حكمه، وتقريب المعقول من المحسوس، أو أحد المحسوسين من الآخر واعتبار أحدهما بالآخر. ويسوق الأمثلة: فتجد أكثرها على طريقة التشبيه الصريح، كقوله : ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [يونس: ٢٤]. ومنها ما يجيء على طريقة التشبيه الضمني، كقوله : ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢]، إذ ليس فيه تشبيه صريح. _________ (١) في «الإتقان» (٤/ ٨٤ - ٤٩). (٢) وهو عبارة عن جمل أرسلت إرسالا من غير تصريح بلفظ التشبيه. ومنه قوله تعالى: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ [يوسف: ٥١]، وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأنعام: ٦٧]، وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١]. (٣) «إعلام الموقعين» (١/ ٢٧٠ - ٢٧١) ط ابن الجوزي. (٤) في «مباحث في علوم القرآن» (ص/ ٢٧٦ - ٢٧٧).

стр. 14

ومنها: ما لم يشتمل على تشبيه ولا استعارة، كقوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣]، فقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ .. قد سماه الله مثلًا وليس فيه استعارة ولا تشبيه. * * *

стр. 15

منهج ابن القيم ﵀ في شرح الأَمْثَالِ أفصح العلامة ابن القيم ﵀ عن منهج البلاغيين في شرح الأمثال؛ حيث جاء ذلك واضحًا في تفسيره لقوله : ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ [النور: ٣٥]. قال ﵀: وفي هذا التشبيه لأهل المعاني طريقتان: أحدهما: طريقة التشبيه المركب، وهي أقرب مأخذًا، وأسلم من التكلف، وهي: أن تشبه الجملة برمتها بنور المؤمن من غير تعرض لتفصيل كل جزء من أجزاء المشبه ومقابلته بجزء من المشبه به، وعلى هذا عامة أمثال القرآن الكريم. فتأمل صفة المشكاة، وهي كوة لا تنفذ لتكون أجمع للضوء، قد وضع فيها مصباح، وذلك المصباح داخل زجاجة تشبه الكوكب الدري في صفائها وحسنها، ومادته من أصفى الأذهان وأتمها وقودًا، من زيت شجرة في وسط القراح (١) لا شرقية ولا غربية بحيث تصيبها الشمس في إحدى طرفي النهار، بل هي في وسط القراح محمية بأطرافه تصيبها الشمس أعدل إصابة والآفات إلى الأطراف دونها، فمن شدة إضاءة زيتها وصفائها وحسنها، يكاد يضيء من غير أن تمسه نار، فهذا _________ (١) القَرَاحُ: المزرعة التي ليس فيها بناء ولا شجر وجمعه «أَقْرِحَةٌ». «المصباح المنير» (م/ ق رح).

стр. 16

المجموع المركب هو مثل نور الله الذي وضعه في قلب عبده المؤمن وخصه به. والطريقة الثانية: طريقة التشبيه المفصل، فقيل: المشكاة صدر المؤمن، والزجاجة قلبه، وشبه قلبه بالزجاجة لرقتها وصفائها وصلابتها، وكذلك قلب المؤمن فإنه قد جمع الأوصاف الثلاثة؛ فهو يرحم ويحسن ويتحنن، ويشفق على الخلق برقته (١). * * * _________ (١) «اجتماع الجيوش الإسلامية» (٥٠ - ٥١) و (ص/ ٧٠ - ٧١) ط الرشد، وانظر: ما سيأتي في سورة الحج الآية (٣١). وانظر: منهجيته في البحث والتأليف في «ابن قيم الجوزية حياته آثاره موارده» (ص/ ٨٥ فما بعد).

стр. 17

رسالة الأَمْثَالِ مما لا شك فيه أن العلامة ابن القيم ﵀ ذكر طائفة من الأمثال بصدد الحديث عن قياس الشبه من «إعلام الموقعين» (١). ثم استلت هذه الأمثال في مؤلف مفرد، فهل هذا الاستلال من ابن القيم أم من غيره؟!!! الذي يتبين لي - والعلم عند الله أنها من غيره؛ لأسباب يعضد بعضها بعضًا وهي: * أولًا: ما جاء في مطلع الرسالة: «قال شيخنا ﵀: وقع في القرآن أمثال … وفي آخرها: لا سيما أسرار الأمثال التي لا يعقلها إلا العالمون. قالوا: فهذا بعض ما اشتمل عليه القرآن من التمثيل .... !!!». • ثانيًا: لا يختلف المخطوط عما في «إعلام الموقعين» إلا في بعض الحروف والكلمات. • ثالثًا: عزم ابن القيم ﵀ على إفراد كتاب في الأمثال حيث قال في «الكافية الشافية» (١/ ٤١) ط عالم الفوائد: «سنفرد لها إن شاء الله كتابًا مستقلًّا متضمنًا لأسرارها ومعانيها، وما تضمنه من كنوز العلم وحقائق الإيمان، والله المستعان». _________ (١) (٢/ ٢٧٠ - فما بعد).

стр. 18

وقال في آخر الأمثال التي أوردها في كلامه على قياس الشبه من «إعلام الموقعين»: «فهذا بعض ما اشتمل عليه القرآن من التمثيل والقياس … ». • رابعًا: قد بسط القول في بعض الأمثال في غير «إعلام الموقعين» أكثر مما فيه، وذلك واضح في المثال الأول والثاني. • خامسًا: أما عن مخطوطها أو ما كتب عليه من نسبة أو عدِّها ضمن مؤلفاته، فلعلها أفردت في حياته أو بعده بقليل، والله أعلم. * * *

стр. 19

ترجمة ابن قيم الجوزية ﵀ - • اسمه وكنيته ولقبه هو: الإمام شمس الدين، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حَرِيز الزُّرَعي (١) الدِّمَشْقي، الشهير بابن قيم الجوزية (٢) ﵀. • مولده: ولد سَنَة إِحْدَى وَتِسْعِين وَسِتِّ مئةٍ. • شيوخه المشاهير: والده، ابن عبد الدائم، ابن تيمية، إسماعيل مجد الدين بن محمد الفراء الحراني شيخ الحنابلة، يوسف جمال الدين المزي إمام المحدثين، وغيرهم كثير. • رحلته: الرحلة في الطلب أمر معهود لدى أهل العلم؛ فلا تكاد تقع عين ناظر على ترجمة عالم ما، إلا ويجد فيها بيان رحلاته في الطلب لتلقي العلوم عن الشيوخ، وابن القيم ﵀ واحد من أولئك؛ فقد رحل إلى مصر. _________ (١) نسبة إلى زُرَع قرية بنواحي دمشق. (٢) انتشر تجوزًا واختصارًا (ابن القيم)، والمشتهر بقيم الجوزية والد هذا الإمام؛ لأنه كان قيِّمًا على المدرسة الجوزية بدمشق.

стр. 20

ولعل عدم اشتهار الرحلة عنه يرجع إلى أسباب، منها: ١ - أنه كان يعيش في أكناف والده، وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم رحمهم الله تعالى. ٢ - كانت دمشقُ محطَّ أنظار العلماء والناهلين. ٣ - تدوين العلوم وانتشارها. • تلاميذه أبو الفداء ابن كثير المفسر، ابن رجب الحنبلي، علي بن عبد الكافي السبكي، الإمام الذهبي، ابن عبد الهادي، النَّابُلُسي المعروف بالجنة، (١) وغيرهم. • غرامه بجمع الكتب: قال تلميذه ابنُ رَجَب ﵀: «وكَان شَدِيدَ المَحَبَّةِ لِلْعِلْمِ وكتابته ومطالعته وتصنيفه، واقتناء الكُتُب، واقتنى من الكُتُب مَا لَم يَحْصُلْ لَغَيْره» (٢). وقال تلميذه ابن كثير ﵀: «واقتنى من الكُتُبِ مَا لا يَتَهَيَّأ لَغَيْره تحصيلُ عُشْرهِ من كتب السَّلَف والخلف» (٣). • ثناء العلماء عليه: قال بُرْهَان الدِّين الزرعي: مَا تَحْتَ أَدِيم السمَاء أوَسعَ علمًا مَنه. _________ (١) لُقِّب بذلك لكثرة ما عنده من العلوم؛ لأن الجنة فيها ما تشتهيه الأنفس، وكان عنده ما تشتهيه أنفس الطلبة. (٢) «ذيل طبقات الحنابلة» (٢/ ٤٤٩). (٣) «البداية والنهاية» (١٤/ ٢٣٥).

стр. 21

وقال تلميذه ابن كَثِيرٍ: كَان ملَازمًا للاشتغال ليْلًا ونَهَارًا، كَثِيرَ الصَّلَاة والتِّلَاوة، حَسَنَ الخلق، كَثِير التودد، لَا يَحْسدُ ولَا يحقدُ. وقال: لَا أَعْرِف فِي زمَاننا من أَهل العلَم أكثر عبَادَة منه، وكَان يُطِيل الصّلَاة جِدًّا، ويمد رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا. قال الذَّهَبِيُّ: وكَان إِذا صَلَّى الصُّبْحَ جَلَس مكَانه يَذكر الله حَتَّى يتعالى النَّهَارُ، وَيَقُول هَذِه غدوتي لَو لَم أقعدها سَقَطَت قواي. قال ابن حَجَرٍ عَنْهُ: كَان جَرِيء اللِّسَان، وَاسِعَ العلم، عارفًا بالخلاف ومذهب السَّلَف. قال الشوكَاني: كَان متَقيدًا بالأدلة الصَّحِيحَةِ، مُعْجَبًا بِالْعَمَلِ بِهَا، غَيْر معولٍ عَلَى الرَّأي صادعاً بِالْحَقّ، لَا يحابي فِيه أَحَدًا، وَنعْمَةُ الْجُرْأَةِ. وقال الشوكاني (١): برع في جميع العلوم، وفاق الأقران، واشتهر في الآفاق، وتبحر في معرفة مذاهب السلف. فهذه طائفة من أقوال الأئمة في بيان منزلة ابن القيم في الطلب والتحصيل. • وفاته: مَات فِي ثَالِث عَشر من شَهر رَجَب، سَنَة إِحْدَى وَخَمْسِين وَسَبْع مئةٍ، وله ستون عامًا. _________ (١) في «البدر الطالع» (١/ ١٤٣).

стр. 22

• مؤلفاته: لقد تجاوزت مؤلفاته التسعين مؤلفاً، منها ما يتكون من مجلدات ك «إعلام الموقعين» (١) و «زاد المعاد» و «مدارج السالكين»، ومنها «الرسائل»، ومنها بين ذلك (٢). * * * _________ (١) في ضبط (إعلام) بكسر الهمزة أو فتحها الوجهان، وإن كان الكسر هو المستفيض المشهور. (٢) وانظر: «المقصد الأرشد» (٢/ ٣٨٤ - ٣٨٥)، و «الذيل على طبقات الحنابلة» (٤/ ٣٦٨ - ٣٧٢)، و «البداية والنهاية» (أحداث ٧٥١)، و «الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة» (١/ ٤٨٠) و «الوافي في الوفيات» (١/ ٢٦١) و «ابن قيم الجوزية حياته آثاره موَارده» للعلامة بكر أبو زيد ﵀ ومنه اقتضبت جل هذه الترجمة.

стр. 23

منهجي في الكتاب ١ - جمعتُ الأمثال التي ذكرها ابن القيم ﵀ في كتبه ورتبتها على سور القرآن. ٢ - أوردتُ من كلام العلامة ابن القيم ﵀ ما يتعلق بها تفسيرًا أو استشهادًا، مقتصرًا على أوعب موطن مع العزو إلى جل المواطن الأخرى، متحريًا أفضل الطبعات. ٣ - ذكرت آيات ليست أمثالا، إنما هي متعلقة بالباب. ٤ - حكمتُ على الأحاديث والآثار الواردة في كلامه ﵀ صحةً أو ضعفًا بما تقتضيه القواعد الحديثية. ٥ - بيَّنتُ معاني غريب الألفاظ. ٦ - ذكرتُ في الحاشية آثارًا صحيحة، وأقوالًا للمفسرين، كالإمام الطبري والحافظ ابن كثير وغيرهم؛ تجلية للمعنى وأما أصل الكتاب فشتمل على كلام ابن القيم ﵀.

стр. 24

٧ - ترجمتُ للعلامة ابن القيم ﵀ ترجمة موجزة. ولمّا تم ما أردته بحمد ذي المن والفضل، سميته «الجَامِع فِي أَمْثَالِ الْقُرْآن للعلامة ابْن القَيِّم ﵀». وَالحَمْدُ لِلهِ أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا. وصلِّ اللهم عَلى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وعَلى آلِه وسلم. وكتبه أبو أويس أشرف بن نصر بن صابر الكردي مصر- كفر الشيخ- بلطيم- الحنفي الكبرى. نزيل منية سمنود/ أجا/ دقهلية. جوال/ ٠١٠٧١٩٢٦٩٩ * * *

стр. 25

سورة البقرة ١ - قال : ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ [البقرة: ١٧، ١٨]. شبَّه أعداءه المنافقين بقوم أوقدوا نارًا لتضيء لهم وينتفعوا بها، فلما أضاءت لهم النار فأبصروا في ضوئها ما ينفعهم ويضرهم، وأبصروا الطريق بعد أن كانوا حيارى تائهين، فهم كقوم سفر ضلوا عن الطريق فأوقدوا النار لتضيء لهم الطريق. فلما أضاءت لهم فأبصروا وعرفوا طفئت تلك الأنوار وبقوا في الظلمات لا يبصرون، قد سدت عليهم أبواب الهدى الثلاث، فإن الهدي يدخل إلى العبد من ثلاثة أبواب. مما يسمعه بأذنه ويراه بعينه ويعقله بقلبه. وهؤلاء قد سدت عليهم أبواب الهدى فلا تسمع قلوبهم شيئًا ولا تبصره ولا تعقل ما ينفعها؛ وقيل لما لم ينتفعوا بأسماعهم وأبصارهم وقلوبهم نُزِّلوا بمنزلة من لا سمع له ولا بصر ولا عقل. والقولان متلازمان، وقال في صفتهم ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ لأنهم قد رأوا في ضوء النار وأبصروا الهدى، فلما طفئت عنهم لم يرجعوا إلى ما رأوا وأبصروا وقال ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ولم يقل ذهب نورهم، وفيه سر بديع وهو انقطاع سر تلك المعية الخاصة التي هي للمؤمنين من الله . فإن الله تعالى مع المؤمنين وإن الله مع الصابرين وإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون؛ فذهاب الله بذلك النور انقطاع لمعيته التي خص بها أولياءه

стр. 26

فقطعها بينه وبين المنافقين فلم يبق عندهم بعد ذهاب نورهم ولا معهم. فليس لهم نصيب من قوله ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ولا من ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. وتأمل قوله ﴿أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ كيف جعل ضوءها خارجًا عنه منفصلًا ولو اتصل ضوئها به ولابسه لم يذهب، ولكنه كان ضوء مجاورة لا ملابسة ومخالطة، وكان الضوء عارضًا والظلمة أصلية، فرجع الضوء إلى معدنه وبقيت الظلمة في معدنها، فرجع كل منهما إلى أصله اللائق به حجة من الله قائمة وحكمة بالغة تعرف بها إلى أولي الألباب من عباده. وتأمل قوله : ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ولم يقل بنارهم ليطابق أول الآية، فإن النار فيها إشراق وإحراق، فذهب بما فيها من الإشراق وهو النور؛ وأبقى عليهم ما فيها من الإحراق وهو النارية. وتأمل كيف قال بنورهم ولم يقل بضوئهم مع قوله ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ لأن الضوء هو زيادة في النور فلو قيل ذهب الله بضوئهم لأوهم الذهاب بالزيادة فقط دون الأصل، فلما كان النور أصل الضوء كان الذهاب به ذهابًا بالشيء وزيادته. وأيضًا فإنه أبلغ في النفي عنهم وإنهم من أهل الظلمات الذين لا نور لهم وأيضا فإن الله سمى كتابه نورًا ورسوله ﷺ نورًا ودينه نورًا وهداه نورًا ومن أسمائه النور والصلاة نور، فذهابه سبحانه بنورهم ذهاب بهذا كله، وتأمل مطابقة هذا المثل لما تقدمه من قوله ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾ كيف طابق هذه التجارة الخاسرة التي تضمنت حصول الضلالة والرضى بها، وبذل الهدى في مقابلتها.

стр. 27

وحصول الظلمات التي هي الضلالة والرضى بها بدلا عن النور الذي هو الهدى، فبذلوا الهدى والنور وتعوضوا عنه بالظلمة والضلالة فيا لها من تجارة ما أخسرها وصفقة ما أشد غبنها. وتأمل كيف قال الله ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ فوحده ثم قال ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ فجمعها فإن الحق واحد وهو صراط الله المستقيم الذي لا صراط يوصل إليه سواه، وهو عبادته وحده لا شريك له بما شرعه على لسان رسوله ﷺ لا بالأهواء والبدع وطرق الخارجين عما بعث الله به رسوله ﷺ من الهدى ودين الحق بخلاف طرق الباطل فإنها متعددة متشعبة. ولهذا يفرد سبحانه الحق ويجمع الباطل، كقوله : ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] وقال : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ … الآية﴾ [الأنعام: ١٥٣] فجمع سبل الباطل ووحد سبيل الحق ولا يناقض هذا قوله ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦]. فإن تلك هي طرق مرضاته التي يجمعها سبيله الواحد وصراطه المستقيم فإن طرق مرضاته كلها ترجع إلى صراط واحد وسبيل واحد وهي سبيله التي لا سبيل إليه إلا منها. وقد صح عن النبي ﷺ أنه خط خطًّا مستقيمًا وقال: «هذا سبيل الله» ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن شماله فقال: «هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه»، ثم قرأ قوله : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ

стр. 28

فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ (١). وقد قيل: إن هذا مثل للمنافقين وما يوقدونه من نار الفتنة التي يوقعونها بين أهل الإسلام ويكون بمنزلة قوله : ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ ويكون قوله : ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ مطابقًا لقوله : ﴿أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾. ويكون تخييبهم وإبطال ما راموه هو تركهم في ظلمات الحيرة لا يهتدون إلى التخلص مما وقعوا فيه ولا يبصرون سبيلا بل هم صم بكم عمي، وهذا التقدير وإن كان حقا ففي كونه مرادًا بالآية نظر، فإن السياق إنما قُصِد لغيره ويأباه قوله ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ وموقد نار الحرب لا يضيء ما حوله أبدًا، ويأباه قوله ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ وموقد نار الحرب لا نور له ويأباه قوله ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ وهذا يقتضي أنهم انتقلوا من نور المعرفة والبصيرة إلى ظلمة الشك والكفر. • قال الحسن ﵀: هو المنافق أبصر ثم عمي وعرف ثم أنكر (٢). ولهذا قال: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (٣) أي: لا يرجعون إلى النور الذي فارقوه، وقال في حق الكفار: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ فسلب العقل عن الكفار، إذ لم يكونوا من أهل البصيرة والإيمان، وسلب الرجوع عن المنافقين

стр. 29

لأنهم آمنوا ثم كفروا فلم يرجعوا إلى الإيمان. (١). ٢ - قال : ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾ [البقرة: ١٩، ٢٠]. ثم ضرب الله لهم - للمنافقين- مثلًا آخر مائيًّا فقال : ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ فشبه نصيبهم مما بعث الله به رسوله ﷺ من النور والحياة بنصيب المستوقد للنار التي طفئت عنه أحوج ما كان إليها وذهب نوره وبقي في الظلمات حائرًا تائهًا لا يهتدي سبيلًا ولا يعرف طريقًا، وبنصيب أصحاب الصيب وهو المطر الذي يصوب، أي ينزل من علو إلى أسفل، فشبه الهدى الذي هدى به عباده بالصيب، لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر، ونصيب المنافقين من هذا الهدى بنصيب من لم يحصل له من الصيب إلا ظلمات ورعد وبرق، ولا نصيب له فيما وراء ذلك مما هو المقصود بالصيب من حياة البلاد والعباد والشجر والدواب. وأن تلك الظلمات التي فيه وذلك الرعد والبرق مقصود لغيره وهو وسيلة إلى كمال الانتفاع بذلك الصيب، فالجاهل لفرط جهله يقتصر على الإحساس بما في الصيب من ظلمة ورعد وبرق ولوازم ذلك من برد شديد وتعطيل مسافر عن

стр. 30

سفره وصانع عن صنعته، ولا بصيرة له تنفذ إلى ما يؤول إليه أمر ذلك الصيب من الحياة والنفع العام. وهكذا شأن كل قاصر النظر ضعيف العقل لا يجاوز نظره الأمر المكروه الظاهر إلى ما وراءه من كل محبوب. وهذه حال أكثر الخلق إلا من صحت بصيرته، فإذا رأى ضعيف البصيرة ما في الجهاد من التعب والمشاق والتعرض لتلاف المهج (١) والجراحات الشديدة وملامة اللوام ومعاداة من يخاف معاداته لم يقدم عليه لأنه لم يشهد ما يؤول إليه من العواقب الحميدة والغايات التي إليها تسابق المتسابقون، وفيها تنافس المتنافسون. وكذلك من عزم على سفر الحج إلى البيت الحرام، فلم يعلم من سفره ذلك إلا مشقة السفر ومفارقة الأهل والوطن، ومقاساة الشدائد وفراق المألوفات ولا يجاوز نظره وبصيرته آخر ذلك السفر ومآله وعاقبته فإنه لا يخرج إليه ولا يعزم عليه، وحال هؤلاء حال ضعيف البصيرة والإيمان الذي يرى ما في القرآن من الوعد والوعيد والزواجر والنواهي والأوامر الشاقة على النفوس التي تفطمها عن رضاعها من ثدي المألوفات والشهوات، والفطام على الصبي أصعب شيء وأشقه. والناس كلهم صبيان العقول، إلا من بلغ مبالغ الرجال العقلاء الألباء (٢) وأدرك الحق علمًا وعملًا ومعرفة فهو الذي ينظر إلى ما وراء الصيب وما فيه من الرعد والبرق والصواعق، ويعلم أنه حياة الوجود.

стр. 31

• وقال الزمخشري (١): لقائل أن يقول: شبه دين الإسلام بالصيب لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر، وما يتعلق به من تشبه الكفار بالظلمات. وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق. وما يصيب الكفرة من الإقراع من البلايا والفتن من جهة أهل الإسلام بالصواعق. والمعنى: أو كمثل ذوي صيب، والمراد: كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة فلقوا منها ما لقوا. قال: والصحيح الذي عليه علماء أهل البيان لا يتخطونه: إن التمثلين جميعًا من جهة التمثلات المركبة دون المفرقة لا يتكلف لواحد واحد شيء يقدر شبهه به. وهذا القول الفحل والمذهب الجزل بيانه أن العرب تأخذ أشياء فرادى معزولا بعضها من بعض لم تأخذ هذا بحجزة ذاك فتشبهها بنظائرها كما جاء في القرآن حيث شبه كيفية حاصلة من مجموع أشياء قد تضامت وتلاصقت حتى عادت شيئًا واحدًا بأخرى مثلها، كقوله ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا … الآية﴾ [الجمعة: ٥]. الغرض تشبيه حال اليهود في جهلها بما معها من التوراة وآياتها الباهرة بحال الحمار في جهله بما يحمل من أسفار الحكمة؛ وتساوي الحالتين عنده من حمل أسفار الحكمة وحمل ما سواها من الأوقار ولا يشعر من ذلك إلا بما يمر بدفيه من الكد والتعب وكقوله ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ … الآية﴾ [الكهف: ٤٥].

стр. 32

المراد قلة بقاء زهرة الدنيا كقلة بقاء هذا النبات. فأما أن يراد تشبيه الأفراد بالأفراد غير منوط بعضها ببعض ومصيره شيئًا واحدًا فلا. كذلك لما وصف وقوع المنافقين في ضلالتهم وما خبطوا فيه من الحيرة والدهشة، شبهت حيرتهم وشدة الأمر عليهم بما يكابد من طفئت ناره بعد إيقادها في ظلمة الليل، وكذلك من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق وخوف من الصواعق. قال: (١) إن قلت أي التمثيلين أبلغ؟ قلت: الثاني؛ لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأمر وفظاعته؛ ولذلك أخر، وهم يتدرجون في مثل هذا من الأهون إلى الأغلظ. * * *

стр. 33

أقسام الناس في الهدى الذي بعث الله به نبيه ﷺ * قلت: قال «شيخنا» (١): الناس في الهدى الذي بعث الله به رسوله ﷺ أربعة أقسام قد اشتملت عليهم هذه الآيات من أول السورة إلى ههنا. * القسم الأول: قبلوه ظاهرًا وباطنًا، وهم نوعان: - أحدهما: أهل الفقه فيه، والفهم والتعليم، وهم الأئمة الذين عقلوا عن الله كتابه وفهموا مراده وبلغوه إلى الأمة واستنبطوا أسراره وكنوزه، فهؤلاء مثل الأرض الطيبة التي قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير فرعى الناس فيه ورعت أنعامهم؛ وأخذوا من ذلك الكلأ الغذاء والقوت والدواء وسائر ما يصلح لهم. - النوع الثاني: حفظوه وضبطوه وبلغوا ألفاظه إلى الأمة فحفظوا عليهم النصوص، وليسوا من أهل الاستنباط والنفقة في مراد الشارع، فهم أهل حفظ وضبط وأداء لما سمعوه، والأولون أهل فهم وفقه واستنباط وإثارة لدفائنه وكنوزه، وهذا النوع الثاني بمنزلة الأرض التي أمسكت الماء للناس فوردوه وشربوا منه وسقوا منه أنعامهم وزرعوا به.

стр. 34

فَصْلٌ * القسم الثاني: من ردَّه ظاهرًا وباطنًا وكفر به ولم يرفع به رأسًا، وهؤلاء أيضا نوعان: - أحدهما: عرفه وتيقن صحته، وأنه حق ولكنه حمله الحسد والكبر وحب الرياسة والملك والتقدم بين قومه على جحده ودفعه بعد البصيرة واليقين. - النوع الثاني: أتباع هؤلاء الذين يقولون هؤلاء ساداتنا وكبراؤنا وهم أعلم منا بما يقبلونه وما يردونه، ولنا أسوة بهم ولا نرغب بأنفسنا عن أنفسهم، ولو كان حقًّا لكانوا هم أهله وأولى بقبوله، وهؤلاء بمنزلة الدواب والأنعام يساقون حيث يسوقهم راعيهم وهم الذين قال الله فيهم ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ [البقرة: ١٦٦]. وقال فيهم ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٦ - ٦٨]. وقال فيهم: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (٤٨)﴾ [غافر: ٤٧ - ٤٨]. وقال فيهم: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (٥٩) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠)﴾ [ص: ٥٧ - ٦٠] أي: سننتموه لنا وشرعتموه.

стр. 35

﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١)﴾ [ص: ٦١] فقولهم: لا مرحبًا بهم إنهم صالوا النار أي: داخلوها كما دخلناها، ومقاسون عذابها كما نقاسيه، فأجابهم الأتباع وقالوا: ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ [ص: ٦٠]. * وفي الضمير قولان: - أحدهما: أنه ضمير الكفر والتكذيب ورد قول الرسول ﷺ واستبدال غيره به، والمعنى أنتم زينتم لنا الكفر ودعوتمونا إليه وحسنتموه لنا؛ وقيل على هذا القول: إنه قول الأمم المتأخرين للمتقدمين، والمعنى على هذا: أنتم شرعتم لنا تكذيب الرسل ورد ما جاءوا به والشرك بالله ؛ وبدأتم به وتقدمتمونا إليه؛ فدخلتم النار قبلنا فبئس القرار، أي: بئس المستقر والمنزل. - والقول الثاني: أن الضمير في قوله: ﴿أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ ضمير العذاب وصلي النار، والقولان متلازمان، وهما حق. وأما القائلون ﴿رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١)﴾ فيجوز أن يكون الأتباع دعوا على سادتهم وكبرائهم وأئمتهم به لأنهم الذين حملوهم عليه ودعوهم إليه، ويجوز أن يكون جميع أهل النار سألوا ربهم أن يزيد من سن لهم الشرك وتكذيب الرسل صلى الله عليهم وسلم ضعفًا وهم الشياطين. * * *

стр. 36

فَصْلٌ * القسم الثالث: من أقسام الناس في الهدى الذي بعث الله به نبيه ﷺ : الذين قبلوا ما جاء به الرسول ﷺ وآمنوا به ظاهرًا وجحدوه وكفروا به باطنًا، وهم المنافقون الذين ضرب لهم هذان المثلان بمستوقد النار وبالصيب، وهم أيضا نوعان: - أحدهما: من أبصر ثم عَمِي، وعلم ثم جهل، وأقر ثم أنكر، وآمن ثم كفر، فهؤلاء رؤوس أهل النفاق وسادتهم وأئمتهم، ومثلهم مثل من استوقد نارًا ثم حصل بعدها على الظلمة. - والنوع الثاني: ضعفاء البصائر الذين أعشى بصائرهم ضوء البرق فكاد أن يخطفها لضعفها وقوته، وأصم أذنهم صوت الرعد فهم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق، ولا يقربون من سماع القرآن والإيمان بل يهربون منه، ويكون حالهم حال من يسمع الرعد الشديد، فمن شدة خوفه منه يجعل أصابعه في أذنه. وهذه حال كثير من خفافيش البصائر في كثير من نصوص الوحي، إذا وردت عليه مخالفة لما تلقاه عن أسلافه وذوي مذهبه ومن يحسن به الظن ورآها مخالفة لما عنده عنهم هرب من النصوص وكره من يسمعه إياها، ولو أمكنه لسد أذنيه عند سماعها ويقول: دعنا من هذه ولو قدر لعاقب من يتلوها ويحفظها وينشرها ويعلمها. فإذا ظهر له منها ما يوافق ما عنده مشى فيها وانطلق، فإذا جاءت بخلاف ما عنده أظلمت عليه فقام حائرًا لا يدري أين يذهب ثم يعزم له التقليد وحسن الظن برؤسائه وسادته على اتباع ما قالوه دونها، ويقول مسكين الحال: هم أخبر بها مني وأعرف.

стр. 37

فيالله العجب، أو ليس أهلها والذابون عنها والمنتصرون لها والمعظمون لها والمخالفون لأجلها آراء الرجال المقدمون لها على ما خالفها أعرف بها أيضًا منك وممن اتبعته. فلم كان من خالفها وعزلها عن اليقين وزعم أن الهدى والعلم لا يستفاد منها، وأنها أدلة لفظية لا تفيد شيئًا من اليقين، ولا يجوز أن يحتج بها على مسألة واحدة من مسائل التوحيد والصفات، ويسميها الظواهر النقلية، ويسمي ما خالفها القواطع العقلية. فلم كان هؤلاء أحق بها وأهلها وكان أنصارها والذابُّون عنها والحافظون لها هم أعداؤها ومحاربوها، ولكن هذه سنة الله في أهل الباطل أنهم يعادون الحق وأهله، وينسبونهم إلى معاداته ومحاربته كالرافضة الذين عادوا أصحاب محمد ﷺ بل وأهل بيته، ونسبوا أتباعه وأهل سنته إلى معاداته ومعاداة أهل بيته، ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ [الأنفال: ٣٤]. والمقصود أن هؤلاء المنافقين قسمان: أئمة وسادة يدعون إلى النار وقد مردوا على النفاق، وأتباع لهم بمنزلة الأنعام والبهائم. فأولئك زنادقة مستبصرون وهؤلاء زنادقة مقلدون، فهؤلاء أصناف بني آدم في العلم والإيمان، ولا يجاوز هذه السنة اللهم إلا من أظهر الكفر وأبطن الإيمان كحال المستضعف بين الكفار الذي تبين له الإسلام ولم يمكنه المجاهرة بخلاف قومه، ولم يزل هذا الضرب في الناس على عهد رسول الله ﷺ وبعده، وهؤلاء عكس المنافقين من كل وجه.

стр. 38

• [موجز لأقسام الناس في الهدى الذي بعث الله به رسوله ﷺ . وعلى هذا فالناس إما مؤمن ظاهرًا وباطنًا وإما كافر ظاهرًا وباطنًا وإما مؤمن ظاهرًا كافر باطنًا وإما كافر ظاهرًا مؤمن باطنًا، والأقسام الأربعة قد اشتمل عليها الوجود، وقد بين القرآن أحكامها، فالأقسام الثلاثة الأول ظاهرة، وقد اشتمل عليها أول سورة البقرة. * القسم الرابع: من أقسام الناس في الهدى الذي بعث الله به رسوله ﷺ . وأما القسم الرابع: ففي قوله : ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾ [الفتح: ٢٥] فهؤلاء كانوا يكتمون إيمانهم في قومهم ولا يتمكنون من إظهاره، ومن هؤلاء: مؤمن آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه، ومن هؤلاء النجاشي الذي صلى عليه رسول الله ﷺ (١). فإنه كان ملك النصارى بالحبشة وكان في الباطن مؤمنًا، وقد قيل: إنه وأمثاله الذين عناهم الله بقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ١٩٩]. وقوله : ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤)﴾ [آل عمران: ١١٣ - ١١٤]. فإن هؤلاء ليس المراد بهم التمسك باليهودية والنصرانية بعد محمد ﷺ قطعًا فإن هؤلاء قد شهد لهم بالكفر وأوجب لهم النار، فلا يثنى عليهم بهذا الثناء، وليس المراد به من آمن من أهل الكتاب ودخل في جملة المؤمنين وباين قومه،

стр. 39

فإن هؤلاء لا يطلق عليهم أنهم من أهل الكتاب إلا باعتبار ما كانوا عليه، وذلك الاعتبار قد زال بالإسلام واستحدثوا اسم المسلمين والمؤمنين، وإنما يطلق الله سبحانه هذا الاسم على من هو باق على دين أهل الكتاب. هذا هو المعروف في القرآن، كقوله : ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ .. ﴾ الآية [آل عمران: ٧٠]، وقوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤]. وقوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ .. ﴾ الآية [آل عمران: ٦٥]. وقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ .. ﴾ الآية [البقرة: ١٤٤]. ولهذا قال جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس (١) وأنس بن مالك (٢) والحسن (٣) وقتادة (٤) أن قوله : ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٩٩] أنها نزلت في النجاشي، زاد الحسن وقتادة: وأصحابه (٥). وذكر ابن جرير في «تفسيره» (٦) من حديث أبي بكر الهذلي عن قتادة عن

стр. 40

ابن المسيب عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اخرجوا فصلوا على أخٍ لكم»؛ فصلى بنا، فكبر أربع تكبيرات، فقال: «هذا النجاشي أصحمة». فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على عِلْج (١) نصراني لم يره قط، فأنزل الله : ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ الآية. * والمقصود: أن الأقسام الأربعة قد ذكرها الله في كتابه وبين أحكامها في الدنيا وأحكامها في الآخرة، وقد تبين أن أحد الأقسام من آمن ظاهرًا وكفر باطنًا، وأنهم نوعان رؤساؤهم وساداتهم وأتباعهم ومقلدوهم، وعلى هذا فأصحاب المثل الأول الناري شر من أصحاب المثل الثاني المائي كما يدل السياق عليه، وقد يقال وهو أولى إن المثلين لسائر النوع. وأنهم قد جمعوا بين مقتضى المثل الأول من الإنكار بعد الإقرار والحصول في الظلمات بعد النور، وبين مقتضى المثل الثاني من ضعف البصيرة في القرآن وسد الآذان عند سماعه والإعراض عنه، فإن المنافقين فيهم هذا وهذا. وقد يكون الغالب على فريق منهم المثل الأول، وعلى فريق منهم المثل الثاني. * * *
следующие страницы →