← Адаб

Адаб · id 14786

الممتع في صنعة الشعر

النهشلي القيرواني

Полный текст (334 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المُمْتِع فِي صَنْعَة الشِعْر تأليف عبد الْكَرِيم النَّهْشَلِي القيرواني تَحْقِيق الدكتور مُحَمَّد زغلول سَلام رَئِيس قسم اللُّغَة الْعَرَبيَّة بكلية الْآدَاب - جَامِعَة الْإسْكَنْدَريَّة منشأة المعارف

стр. 2

باب في كلام العرب أفضل كلام وأعزه وأكرمه، وأعظمه بركة، وأعوده بصالحه كتاب الله العزيز الذي عجزت عنه خطباء العرب في عنفوانها، وشعراؤها في أبانها فهو يجل عن سجع المتكلمين، ويعظم من وزن المتكلفين من الخطباء والشاعرين وأنه معجزة باقية لأكرم أنبياء الله، وخيرته من خلقه، ﷺ ، ورحم وكرم. ثم خير كلام العرب وأشرفه عندها هذا الشعر الذي ترتاح له القلوب، وتجذل به الأخبار. قال بعض العلماء بالعربية: أصل الكلام منثور، ثم تعقبت العرب ذلك واحتاجت إلى الغناء بأفعالها وذكر سابقيها، ووقائعها، وتضمين مآثرها، إذ كان المنطق عندهم هو المؤدي عن عقولهم، وألسنتهم خدم أفئدتهم، والمبينة لحكمهم، والخبرة عن آدابهم، وإن لا فرق عندهم بين الإنسان ما لم ينطق، وبين البهيمة إلا بتخالف الصورة، ولذلك قالوا: الصمت منام العقل، والنطق يقظته، والمرء مخبوء تحت لسانة حتى ينطق. وقالوا ترك الحركة للسان عقلة، وإذا ترك الإنسان القول ماتت خواطره. واجمعوا على استحسان الكلام مع الصواب كما اجمعوا على كراهة الكلام مع الإسهاب، وكرهوا زيادة المنطق على الأدب، وزيادة الأدب على منطق هجنه. وقال محمد بن عبد الله بن عباس: أني لأكره أن يكون الرجل لعملة فضل على عقله، كما أكره أن يكون للسانه فضل على عمله. وقيل لرجل من ملوك العرب: متى يكون العلم شرا من عدمه؟. قال: إذا كثر الأدب ونقصت القريحة.

стр. 3

وقال لبيد بن ربيعة لأبي براء عامر بن مالك لا تسقي بيديك إن لم ألتمس ... نَعَمَ الضَّجُوعِ بِغَارةٍ أسْرَابِ بُمقَطّعٍ حَلَقَ الرِّحَالةِ سابحٍ ... بادٍ نواجذَهُ على الأضْرابِ يحملن فتيانَ الوغى من جعفرِ ... شعثاً كأَنهُمُ أسودُ الغابِ يرعون منخرق اللَّديدِ كأَنَّهم ... في العزّ أُسرةُ حاجبِ وشهاب متظاهري حلق الحَديد عليهم ... كبني زرارة أو بني عتاب قوم لهم عرفت معد فضلها ... والحق بعرفة ذوو الألباب وقد أخذ هذا على لبيد لأنه وضع قومه، ورفع عليهم من هم مثلهم ولا يتجاوزهم في كثير شرف. والعرب تقول لمن تعاطى من العلم مالا يحسن: عاط بغير أنواط. والعاطي المتناول للشيء، والأنواط كل شيء معلق، واحدها (نوط). وقال العتابي: إن العقل إذا ميز حقا من باطل هدى اللسان إلى أبانه ذلك وأوحى إليه التعبير عنه، وقال جرير: عوى الشعراء بعضهم لبعض ... علي فقد أصابهم انتقام إذا أرسلت صاعقة عليهم ... رأوا أخرى تحرق فاستقاموا

стр. 4

عوي الشاعر مثل عوي الذئب. . ولآخر: وموقف مثل حد السيف قمت به ... أحمي الذمار وترميني به الحدق فما زلقت وما ألفيت ذا خطل ... إذا الرجال على أمثالها زلقوا وقد عاب عليه من لا بصر له نحو هذا الكلام. ولا جهبذة عنده بانتقاد الألفاظ واستخراج معاني العرب، استخفافا به وتقصيرا بما فيه وجهلا كم عسير كان الشعر فرج يسره، ومعروف كان سبب إسدائه وحياة كان سبب استرجاعها، ورحم كان سبب وصلها، ونار حرب أطفاها وغضب برده، وحقد سله. وغناء أجتلبه. وكم اسم نوه به، ورجل منسي عرف باسمه، وكم شاعر سعى بذمته، فرد حمى بعدما ابيحت، واهلا بعد ما سبيت، وفك من أسارى اكتب أيديها القيد، وعنتها سلاسل القيود. قال عمرو بن معدى كرب: يدا ما قد بديت إلى حصين ... بأمر غير منبتر اليقين رددت له مخاضاً تاليات ... نبيلات المحاجر والعيون وقدماً كنت جارك نصف يوم ... فأبشر أن سهمك في اليمين فقال بديت عند الرجل يداً صالحة. وأبديت فأنا مبد اتخذت عنده يداً والتاليات: الأواخر، والمخاض: الإبل. قال أبو عبيدة: قريش البطاح قبائل كعب بن لؤى بنو عبد الدار وعبد العزى بن قصي، وبنو زهرة ابن كلاب، وبنو مخزوم

стр. 5

يقطه، وبنو تيم ابن مرة، وبنو جمح وسهم ابني هصيص بن كعب، وبنو عدى بن كعب، وبعض بني عامر بن لؤى. فلما كثر بنو كعب وبنو عامر بن لؤى أخرجوا بنى الحرث وبنى الحارث بن فهر من البطاح إلى الظواهر. وقال نابغة بني جعدة: وشاركنا قريشاً في نقاها ... وفي أنسابها شرك العنان بما ولدت نساء بني هلال ... وما ولدت نساء بني أبان شرك العنان: أي يشترك رجلان في شيء خاص كأنه عن لهما أي عرض، وأبان هو ابن معيط. قال الشاعر: من سره لحم وشحم راهن ... فليأت قبة عقبة بن أبان وقتله - أي عقبة بن أبان -. . رسول الله ﷺ بالصفراء النضر بن الحارث، فعرضت له ابنته قتيلة وهو يطوف بالبيت فاستوقفته ﷺ ، وجذبت رداءه حتى انكشف منكبه وأنشدته شعرها بعد قتل أبيها، وهو: يا راكباً إن الأثيل مظنة ... من الصبح خامسة وأنت موفق أبلغ به ميتاً بأن قصيدةً ... ما إن تزال بها الركائب تخفق

стр. 6

منى إليك وعبرة مسفوحة ... جادت لما تحمها وأخرى تخنق فليسمعن النضر إن ناديته ... أن كان يسمع ميت لا ينطق ظلت سيوف بني أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقق قسراً يقاد إلى المنية متعباً ... رسف المقيد وهو عان موثق أمحمد ولانت صنو كريمة ... من قومها والفحل فحل معرق ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق فالنضر أقرب من أصبت وسيلة ... وأحقهم إن كان عتق يعتق فقال النبي ﷺ : لو كنت سمعت شعرها هذا ما قتلته. وقال بعض القرشيين فإني لمن قوم كرام ثناؤهم ... لأقدامهم صغيت رؤوس المنابر خلائف في الإسلام والشرك قادة ... بهم واليهم فخر كل مفاخر وقال آخر: على خشبات الملك منه مهابة ... وفي الدرع ميل الساعدين فروع يشق الوغى عن بأسه صدق جده ... وابيض من ماء الحديد وقيع وقال الفرزدق في سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان: كل امرئ يرضى وإن كان كاملاً ... إذا كان نصفاً من سعيد بن خالد له من قريش طيبوها وقبضها ... وأن عض كفي أمه كل حاسد

стр. 7

وكان الفرزدق كثير الانتجاع للشرفاء بالمدينة، ولذلك شكاه أهل المدينة لعمر بن عبد العزيز في وقت خصاصة، فأمره بأن لا يتعرض لهم، ودفع إليه أربعة آلاف درهم. وكان سعيد هذا من أكثر قريش مالا. يقول إذا أبرقت السماء: أمطري حيث شئت، فلا تمطين على بلد إلا ولى فيه مال. وكان محمد بن الديباج بن عبد الله بن عمرو بن عثمان يفد على الأمراء، فإذا انصرف مر بابن عمه سعيد بن خالد فأقام عنده بعض المقام، فقيل له في ذلك فقال: إنه يصلني كلما مررت به بألف دينار، وهى تقع منا موقعاً. وسعيد هو أبو سلمى التي يقول فيها الوليد بن يزيد بن عبد الملك: دعوا إلي بسلمى والشراب وقينة ... منعمة حسبي بذلك مالاً خذوا ملككم لا بيت الله ملككم ... فليس يساوي في الحياة عقالاً إذا ما صفا عيشي برملة عالج ... وعانقت سلمى لا أريد بدالا ومر الفرزدق بعد نهى عمر له بعبد الله بن عمرو بن عثمان وهو جالس في دهليزه وعليه عمامة خز حمراء، وجبة خز ومطرف. قال:

стр. 8

أعبد الله إنك خير ماش ... وساع بالجراثيم الكبار نمى الفاروق أمك وابن أروى ... أباك فأنت منصدع النهار هما قمر السماء وأنت نجم ... به في الليل يدلج كل سار فخلع عليه ثيابه، ودفع إليه عشرة آلاف درهم. فاتصل ذلك بعمر فأحضره وقال: ألم أتقدم إليك بأن لا تعرض بمدح ولا هجاء، لقد أجلتك ثلاثا، فان أحدثت بعدها نكلت بك. فخرج وأنشأ يقول: فأوعدني وأجلني ثلاثاً ... كما وعدت لمهلكها ثمود وأم عبد الله بن عمرو بن عثمان حفصة بنت عبد الله بن عمر بن الخطاب. وفي محمد الديباج يقول أبو وجزة السعدي: وجدنا المحض الأبيض من قريش ... فتى بين الخليفة والرسول أتاك المجد من هنا وهنا ... وكنت له بمعتلج السيول فما للمجد دونك من مبيت ... وما للمجد دونك من مقيل فدى لك من يصد الحق عنه ... ومن يرضي أخاه بالقليل فلولا أنت ما رحلت ركابي ... مؤثلة ولا حمدت رحيلي

стр. 9

وقدم ابن ميادة، وأسمه الرماح بن أبرد المري المدينة زائراً لعبد الواحد بن سليمان وهو أميرها، وكان عبد الواحد جواداً. وفيه يقول بعضهم. ما كان بين وعده وعطائه ... إلا كواو العطف [بين الكلام] وكان ابن ميادة ليلة عنده سمره، فقال عبد الواحد لأصحابه: إني أهم أن أتزوج، أفلا تبغوني أيما؟ فقال له الرماح: أنا أدلك - أصلحك الله - فقال وعلى من يا أبا الشرحيل؟. قال: قدمت عليك - أصلحك الله - فلما دخلت مسجدكم إذا أشبه شيء به وبمن فيه الجنة وأهلها، فو الله بينما أنا أمشي فيه إذ قادتني رائحة عطر رجل حتى وقعت عليه، فلما وقعت عيني عليه استباني حسنه، فما أقلعت عنه، فما زال يتكلم كأنما يتلو زبورا، أو يدرس إنجيلا أو يقرأ قرآنا حتى سكت، فلولا معرفتي بالأمير ما شككت أنه هو خرج من داره إلى مصلاه فسألت من هو؟، فأخبرت أنه بين الحيين للخليفتين، قد نالته ولادة من رسول الله ﷺ ، لها ساطع من غرته في ذؤابته. نعم حشو الرجل وابن العشيرة. إن اجتمعت أنت وهو على ولد ساد العباد، وجاب وجوه البلاد. قال: فلما قضى ابن ميادة كلامه قال عبد الواحد ومن حضر: ذلك محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، أمه فاطمة بنت الحسين بن علي ﵃. فقال ابن ميادة: هم لهم نبرة لم يعطها الله غيرهم ... وكم عطاء الله فضل مقسم هذا محمد بن عبد الله بن عمرو الديباج أخو عبد الله بن حسن بن حسن لأمه، وقتله أبو جعفر، وجلده بالسياط حتى فقأ عينيه، ومات بقطع رأسه ووجه إلى شيعته بخرسان، وذلك بعد خروج محمد بن عبد الله بن حسن، وكتب إليهم (وجهت إليكم برأس محمد بن عبد الله بن فاطمة بنت رسول الله ﷺ يوهمهم بذلك أنه رأس المهدي، ثم قتل المهدي بعد. وكان حسن بن حسن خطب إلى عمه الحسين بن علي فقال له: يا ابن أخي قد انتظرت هذا منك انطلق معي، فأدخله منزله، واخرج له ابنتيه فاطمة وسكينة وقال: اختر فاختار فاطمة، فزوجه إياها، فكان يقال إن امرأة مكنته من دولتها لمنقطة الحسن. فلما حضرت الحسن الوفاة قال:

стр. 10

إنك امرأة مرغوب فيك، وكأني بعبد الله بن عمر إذا خرج بجنازتي قد جاء على فرس مرجلا جمته، لا بساحلنه يسير في جانب الناس، معرضاً لك، فانكحي من شئت سواه، فإني لا أدع في الدنيا ورائي هما غيرك. فقالت له، فأمن من ذلك وأثلجته بالإيمان من العنق والصدقة لا تزوجته. ومات الحسن فخرج بجنازته فوافاه عبد الله بن عمر في الحال التي وصف الحسن. وكان يقال لعبد الله: المطرف، من حسنه، فنظر إلى فاطمة حاسرا تضرب وجهها، وعرف ذلك فيها، فلما حلت أرسل إليها يخطبها، فقالت: كيف بيمين؟. فأرسل إليها مكان كل مملوك مملوكين، ومكان كل شيء شيئين، فنكحته وولدت محمد الديباج. والقاسم لا عقب له، ورقيه بنت عبد الله، فكان عبد الله بن حسن يقول، وهو اكبر ولدها: ما أبغضت بغض عبد الله بن عمر واحدا، ولا أحببت حب أخي أحدا. ومن كتاب الممتع لعبد الكريم في فضل الشعر وما تعلق به وانضاف إليه من خبر أو شعر قال: (لما رأت العرب المنثور يند عليهم ويتلفت من أيديهم، ولم يكن لهم كتاب يتضمن أفعالهم تدبروا الأوزان والاعاريض، فأخرجوا الكلام أحسن مخرج بأساليب الغناء فجاءهم مستويا. وراوه باقيا على مر الأيام، فألفوا ذلك وسموه شعرا. والشعر عندهم الفطنة. ومعنى قولهم: ليت شعري أي ليت فطنتي. والشعر أبلغ البيانين، وأطول اللسانين. وأدب العرب المأثور، وديوان علمها المشهور ولموضع قدر الشعر في العرب قال رؤبه بن العجاج في الحرب التي كانت بين بني تميم والازد: يا بني تميم أطلقوا من لساني. أي افعلوا ما أقول فيه. وقالت بنو تميم لسلامة بن جندل: مجدنا بشعرك. فقال: افعلوا حتى أقول ويقال إنه ارتج على النابغة أربعين سنة ثم كانت لبنى جعدة وقعة ظهروا فيها على عدوهم فاستخف النابغة الفرح الفرح فراض القريض، فلان له ما كان استصعب عليه، فقالوا: والله لنحن بإطلاق لسان شاعرنا أسر منا بالظفر بعدونا.

стр. 11

قال عمرو بن معدى كرب: فلوا أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرت وكان الشاعر في الجاهلية إذا نبغ في قبيلة ركبت العرب إليها فهنأتها به، لذبه عن الأحساب، وانتصارهم به على الأعداء. وكانت العرب لا تهنئ إلا بفرس ينتج أو مولود ولد، أو شاعر نبغ هكذا زعمت علماء العرب. وقال سليمان بن عبد الملك ليزيد بن المهلب: من أعز أهل البصرة؟. قال: نحن وحلفاؤنا من ربيعة. فقال عمر بن عبد العزيز - وكان حاضراً -: من تحالفهم عليه أعز وكانت بنو بكر بالبصرة حلفاء الازد ويداً معهم على بني تميم. وكذلك كانت في الجاهلية أشد الناس عداوة لبني تميم، وأكثرهم غارات على قرابة ما بينهما. قال العجاج: إن تميما كان شيخا نائلاً ... زوج هنداً بنت مر وائلا وكان تميم بن مر خال بكر بن وائل، وذلك أن وائل تزوج هند بنت مر وتزوج بكر هند بنت تميم. وقال عمرو بن دراك العبدي يعيب تحالف الازد على تميم: وإني إن قطعت حبال قيس ... وحالفت المزون على تميم لأعظم فجرة من أبي رعال ... وأجور في الحكومة من سدوم تميم أسرتي وهم جناحي ... وقيس من أيديهم أديمي

стр. 12

وقال زياد الأعجم في مثل ذلك: بكرينا إلى المران بكر بن وائل ... علانية من حلف كل يماني فراش إذا ما احتاج للحلم منهم ... وذبان أطماع لكل مكان فجروا خصاكم وابتغوا من تحالفوا ... من الناس حيناً غير ازد عمان وقال بعض بني تميم: عزلنا وأمرنا وبكر بن وائل ... تجر خصاها تبتغى من تخالف وقال المدائني: حضر مجلس عباد والى مصر جماعة من العرب فتذاكروا فتح مصر، وكان هاشم بن جديح الكندي حاضراً ومعه جماعة من العرب اليمن فقال: البلد بلدنا، نحن فتحناه بأسيافنا، ونحن أهله. وحضر أبو العباس الزهري بعد ذلك مجلس عباد، وفيه هاشم فأخبره عباد بقول هاشم، فقال: كذب البلد بلد من كان في عسكره ألف مثل ابن هذا. خسوا لا يعرفون. وقال زياد: والله للكوفة أشبه بالبصرة من بكر بن وائل بتميم. وقال شاعر في استدعاء ما يكون من القوم ليقول فيه: وقافية قيلت لكم لم أجد لها ... جواباً إذا لم تضربوا بالمناصل فأنطق في حق بحق ولم يكن ... ليدحض عنكم قالة الحق باطل وقالت بنو أسيد بن عمرو بن تميم لأوس بن حجر شاعر مضر في الجاهلية قل فينا. قال: أبلو حتى أقل. وهمت بنو تميم أن تفر يوم صفين، فقال الأشهب بن رملية: أين يا بنى تميم. قالوا: ذهب الناس. قال: ويلكم!

стр. 13

تضرون وتعتذرون؟ وقال رؤبة لخطيب من بني أسيد - وهم رهط أوس بن حجر: لقد خشيت أن تكون ساحراً ... رواية مراً ومرا شاعرا فجعل نظير الشعر في الحكمة السحر الذي هو أعذب شيء وأدقه وألطفه. وقال عمر رضى الله عنه: نعم ما تعلمته العرب الأبيات يقدمها الرجل أمام حاجته، فيستنزل بها اللئيم، ويستعطف بها الكريم. وقال الحجاج لمساور بن هند: لم تقول الشعر؟ قال: أسقى به الماء، وأرعى به الكلأ وأقضى الحاجة فان كفيتني ذلك تركته. ومساور بن هند شريف. وكان رسول الله ﷺ عقد لأبيه مساور بن هند بن قيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة الذي يقول: جزى الله خيراً عالياً من عشيرة ... إذا حدثان الدهر نابت نوائبه فكم دفعوا من كربة قد تلاحمت ... على وموج قد علتني غواربه إذا قلت عودوا عاد كل شمردل ... أشم من الفتيان جزل مواهبه إذا أخذت بزل المخاض سلاحها ... تحرد فيها متلف المال كاسبه كان الحجاج كره لمساور إذ كان شريفاً قول الشعر لقولهم: الشعر أدنى مروءة الشريف، وأسرى مروءة الوضيع. وكبر مساور وعمر عمراً طويلاً وحدث من رآه مقيداً قد عظم شعره، واسترخت أذناه، وقطع له حفش، ووكلت به امرأة تقوم عليه، فقام يوماً حتى قعد في وسط البيت. فكوم

стр. 14

كومة من تراب ثم أخذ بعرتين فجعلهما على رأس الكومة، ثم أرسلهما فقال: أرسلت الجواء واليلندج. ثم نظر فقال: سبقت الجواء، فبصرت به المرأة فأقبلت تهودل، وهو يدور حتى دخل الحفش أمامها وهي لا تني تعنفه. واليلندج: الناقة العظيمة السمينة، والحفش ما قطع له في البيت لصغره وقال المساور للمرار الفقعسى: ما سرني أن أمي من بني أسد ... وأن ربي ينجيني من النار وأنهم زوجوني من بناتهم ... وأن لي كل يوم ألف دينار وقال الشاعر: شقيت بنو أسد بشعر مساور ... إن الشقي بكل حبل يخنق وقال عمر ﵁: الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أعلم منه. وقال علي ﵁: الشعر ميزان القوم. وذكروا أن البلاغة إذا وقعت في المنثور والمنظوم كان الشاعر أعذر وكان العذر على صاحب المنثور أضيق. وذلك أن الشعر محظور بالوزن محصور بالقافية، والكلام ضيق على صاحبه (فيه)، والمنثور مطلق غير محصور فهو يتسع لقائله. وقال النبي ﷺ للعلاء بن الحضرمي: هل تروى من الشعر شيئاً؟ فأنشده: حي ذوى الأضغان تسب قلوبهم ... تحيتك الحسنى وقد يرقع النغل فإن دحسوا بالكره فاعف تكرماً ... وأن حبسوا عنك الحديث فلا تسل فإن الذي يؤذيك منه سماعه ... وإن الذي قالوا وراءك لم يقل

стр. 15

فقال النبي ﵇: إن من الشعر لحكما. وقال عبد الله بن مسلم بن قتيبة: أن الله تعالى رفع بالشعر أقواماً في الجاهلية والإسلام وأحظاهم بما سير المادحون من مدائحهم في البلاد حتى شهروا بأطوار الأرض، وعرفوا بأقاليم العجم. ودونت في الكتب آثارهم وألحق الله تعالى لمسارهم، وأعفاهم حميد أفعالهم، فمن شيد من أعقابهم ما اسسوا له، وثمر ما غرسوا، أضاف تالدا لطارف. ومن لم تكن له همة في تشيده فله مع السقوط مزية تقديم فضل آبائه، لا يمتنع الناس له من إكرامه ورفع مكجلسه، والرقة عليه وذكر فصائل سلفه، واغتفار ما يأتي من زلَلَه. ولهذا رغب الأولون في الذكر الجميل، وبذلوا فيه مهج النفوس وعقائل الأموال، ورغبوا عن الخفض والدعة إلى نصب المسير، ومكابدة حر الهواجر، وسرى الليل، ومقارعة الأقران، ومنازلة الأبطال. ومن عجيب الشعر أم مديح النفس والثناء عليها قبيح على قائله، وزار عليه إلا في الشعر، وقد اغتفروا الضرورة في الشعر، ولم يغفروها في غيره، ورغبة في تخليد أخبارهم، وكانوا لا يكتبون فجعلوا روايته بمقام الكتاب. وقال محمد بن سلام الجمحي إن القصيد حديث الميلاد، وإنما قصد الشعر على عهد هاشم بن عبد مناف أو عبد المطلب بن هاشم، وإنما كانت العرب تقول الأراجيز والأبيات بها لا حميري قعا ولا عدس ... ولا أست عنز يحكها البقر وكان زرارة من أسنان بني عدس بن زيد، وهو أول المقصدين، وهلهل بن ربيعة، فيقال: إن بين موت زرارة بن عدس إلى أن جاء الإسلام مائة وخمسون سنة. وقد قيل إن لليونانين كلاما موزونا بلسانهم يتغنون به، وليس بكثير غالب عليهم، وبالشعر يتمثل. قال علي بن أبي طالب ﵁ يوم صفين متمثلا:

стр. 16

أمرتهم أمرا بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد فلما عصوني كنت فيهم وقد أرى ... غوايتهم وأنني غير مهتد وأما أما إلا من غرية إن غوت ... غويت وإن ترشد غربة أرشد وسأل رسول الله ﷺ عمرو بن الأهتم عن الزبرقان بن بدر فقال: مانع لحوزته، مطاع في أنديته، شديد العارضة، فقال الزبرقان أما إنه علم أكثر مما قال، ولكنه جيدني شرففى، فقال عمرو: أما لئن قال ما علمته إلا ضيق العطن، زمن المروءة، أحمق الأب، لئيم الخال، حديث الغنى. فقال رسول الله ﷺ أكلامان يا عمرو؟! لما رأى قوله أختلف، ورأى الإنكار في عيني رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله رضيت فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أقبح ما علمت، وما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الأخرى، فقال النبي ﵇ عند ذلك: (إن من البيان لسحرا، وإن من الشعر لحكما). أي يلزم الشعر كما يلزم من الحكم. قال حبيب

стр. 17

ولولا سبيل سنها الشعر ما ذرى ... بغاة العلا من حيث تبنى المكارم ترى حكمه ما فيه وهو فكاهة ... ويقضي بما يقضي به وهو طالم وكان عمرو بن الأهتم خطيبا، شاعرا، جميلا، وكان يقال له المكحل وابنه نعيم بن عمرو من أجمل الناس، فلما رأى الحسن بن علي ﵄ جمال عمرو تزوج ابنته أم حبيب فوجدها قبيحة، فطلقها، وأخوه عبد الله بن الأهتم جد خالد ابن صفوان الخطيب، وآل الأهتم كلهم خطباء، وعبد الله القائل لابنه: يا بني إنا أهل بيت يتوارث علما قل ما طلبنا به حاجة إلا أدركناها وأدبا قل ما أردنا به منزلة إلا نلناها. يا بني لا تطلب الحاجة إلا من أهلها، ولا تطلبها إلا في حينها، ولا تطلب ما لست له مستحقا، فأنك إن فعلت ذلك كنت حقيقا بالحرمان. وقال علي بن الحسين: العقل أمير والأدب وزيره، فإذا لم يكن وزير ضعف الأمير، فأن لم يكن أمير بطل الوزير. وقال معاذ: صحبة العاقل في لحج البحار وأهوال القفار أشهى إلى من صحبة الجاهل في مجلس بين جنات وأنهار، فيها ألوان الأطعمة والثمار. وفد عمرو بن الأهتم مع قيس بن عاصم على النبي ﷺ مع جماعة من بني تميم، فبادروه من وراء الحجرات، ففاخروه، وشاعروا شاعره حسان وخطيبه ثابت بن قيس، فقال قيس بن عاصم، والله لشاعرهم اشعر من شاعرنا وخطيبهم أخطب من خطيبنا، فلما أسلموا وأعطاهم ﷺ كان عمرو متخلفا في رجالهم فذكره قيس بن عاصم، وأراد أن يستميح له النبي ﷺ فقصر به بالذكر فألحقه النبي ﵇ بهم، فقال عمرو يهجو قيسا: ظللت مفترس الهلباء تشتمني ... عند النبي، فلم تصدق ولم تصب إن تشتموني فإن الروم أصلكم ... والروم لا تملك البغضاء للعرب

стр. 18

خرج عمرو بن الأهتم والزبرقان بن بدر، والمخبل القريعي، وعبده بن الطبيب فبدوا عن الماء فنخروا جزورا،، وأجتمعوا على شراب لهم، فاتاهم رجل من بني يربوع كان يروى الشعر، فقالوا له: أحكم بيننا، فقال: من يعترض لكم؟! ولكني سأصف لكم، أما عمرو بن الأهتم فحلل ملوك تنشر وتطوى، وأما الزبرقان فجزرو نحرت فألقيت في قدر، فأنت تدخل يدك فتصيب سناما مرة وكبدا مرة أخرى، وقرنا مرة، وأما المخبل فمكاو يصيبها الله على من يشاء، وأما عبده فصميل. وقال عمر بن عبد العزيز وسمع رجلا يتكلم في حاجة بكلام بليغ وعمل لطيف ولسان رقيق فقال: هذا والله السحر الحلال. وقال الشاعر: من السحر الحلال لمجتنيه ... ولم أر قبلها سحراً حلالً قال معاوية رضى الله عنه: لقد رأيتني يوم الهرير من أيام صفين وقد عزمت على الفرار وما ردني إلا قول عمرو بن الإطنابة: أبت لي همتي وأبى بلائي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح وإقحامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح وقولي كلما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي لأدفع عن مآثر صالحات ... وأحمي بعد عن عرض صحيح وقال أخر: تعلموا الشعر فان فيه محاسن تبتغي ومساوئ تبقى، ويحل عقدة اللسان، ويشجع الجبان.

стр. 19

وقال آخر: الشعر ثلاثة أصناف؛ فشعر يكتب ويروى، وشعر يسمع ولا يروى وشعر ينبذ ويرمى. وقال أبو سفيان بن حرب لابن الزبعري: لو أسهبت في شعرك. قال: حسبك من الشعر غرة لائحة، وسبة فاضحة، وأنشدني في نعت الشعر: الشعراء فاعلمن أربعة ... فشاعر يجرى ولا يجرى معه وشاعر ينشد وسط المعمعة ... وشاعر لا يرتجى لمنفعه وشاعر يقال خمر في دعهْ قال الرشيد: لقد كنت في بلاد الروم في ساعة أزمة وحرب شديدة إذ خطرت ببالي أبيات مالك بن عوف النمري التي يقول فيها: ومقدم يعي النفوس بضيقه ... قدمته وشهود قومي فاعلم قدمته ودعوت آخر خاله ... من دون غمرته وغمرته بالدم فإذا اشتكى مهري إلي حرارة ... عند اختلاف الطعن قلت له اقدم وإني بنفسي في الحروب لتاجر ... تلك التجارة لا انتقاد الدرهم فسكنت من جأشي، ثم حملت وحمل المسلمون، فما أتممت إنشادها حتى فتح الله علي.

стр. 20

مات ابن لسليمان بن علي، فجزع عليه جزعاً شديداً، وأمسك عن الطعام والشراب والكلام، فقال كاتبه للحاجب ائذن للناس، وقعد على طريقهم، فجعل يقول: عزوا الأمير وسلوه، فكل تكلم، فلم يصغ إلى أحد إلى أن دخل يحيى بن منصور فقال: أصلح الله الأمير، عليكم نزل كتاب الله ، وأنتم أعرف الناس بتأويله؛ وفيكم قال رسول الله ﷺ وأنتم أعلم الناس بسنته ولست أعزيك بشيء لم تسبق إلى علمه، أعزيك بقول الشاعر: وهون ما ألقى من الوجد أنني ... أجاوره في داره اليوم أو غدا فدعا بالغداء وتسلى. وأنشد عمر بن أبي ربيعة عبد الله بن عباس ﵁ قصيدته: أمن آل نعم أنت غاد فمبكر ... غداة غد أم رائح فمهجر وهي ثمانون بيتاً، وكان عنده نافع بن الأزرق الخارجي يسأله عن أشياء في العلم فقال نافع: أنضرب إليك أكباد الإبل نسألك عن الدين فتعرض عنا - وكان نافع قد أمله بكثرة سؤاله - ويأتيك غلام من قريش فينشدك سفها (فتسمح له)؟. فقال: تا الله ما سمعت سفها فقال: فقال: أما أنشدك؟!: رأت رجلاً أما إذا الشمس عارضت ... فيخزي، وأما بالعشي فيخسر فقال: ما هكذا قال، إنما قال فيضحى، وأما بالعشي فيخسر. قال: أو تحفظ الذي قال؟. قال: والله ما سمعتها إلا ساعتى، ولو شئت أن أرددها فأنشده إياها. فقال له: ما رأيت أروى منك. فقال له ابن عباس: ما رأيت أروى من عمر، ولا أعلم من علي ﵄.

стр. 21

وكان ابن عباس بالبصرة أميرا عليها يعشى الناس في شهر رمضان فلا ينقضي الشهر حتى يفقههم، فإذا كان آخر ليلة في الشهر يعظهم ويكلمهم بكلام يودعهم ويقول: ملاك أمركم الدين، ووصلتكم الوفاء ورتبتكم القلم، وسلامتكم الحلم، وطولكم المعروف. إن الله كلفكم الوسع. اتقوا الله ما استطعتم قال: فقدم أعرابي فقال: من أشعر الناس أيها الأمير؟ فقال: في أثر العظة؟ قل يا أبا الأسود. فقال: أشعر الناس الذي يقول: فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع وقالوا لا ينبغي أن يتوسع في الخطب الطوال التي يقام بها في المحافل بشيء من الشعر. وأجازوا في الخطب القصار، وفي المواعظ والرسائل، إلا أن تكون الرسالة إلى خليفة، فان محله يرتفع عن التمثيل بالشعر، بل بما في كتاب الله. وقال حبيب يذكر انتظام الشرف في الشعر وعقد القوافي بالمجد: إن القوافي والمساعي لم تزل ... مثل النظام إذا أصاب فريدا هي جوهر نثر فإن ألفته ... بالشعر صار قلائداً وعقودا وتند عندهم العلى إلا على ... جعلت لها مرر القصيد عقودا وقال حبيب أيضاً:

стр. 22

ولم أرى كالمعروف تدعى حقوقه ... مغارم في الأقوام وهي مغانم ولا كالعلى ما لم ير الشعر بينهما ... فكالأرض غفلاً ليس فيها معالم وما هو إلا القول يغدو فتغتدي ... له غرر في أوجه ومباسم ولولا خلال سنها الشعر ما درى ... بغاة العلى من أين يؤتى المكارم وقد تقدم هذا البيت (الأخير) والذي بعده. روى أن رسول الله ﷺ قال: ألا رجل يرد عنا؟ قالوا: يا رسول حسان بن ثابت. قال: أهجهم - يعني قريشا -، فو الله لهجاؤك أشد عليهم من وقع السهام في غبش الظلام. أهجهم ومعك جبريل روح القدس، وألق أبا بكر يعلمك الهنات. فأخرج حسان لسانه فضرب به طرف أنفه ثم قال: والله يا رسول ما لشرين به مقول من معد، والله لو وضعته على شعر لحلقه أو على حجر لفلقه.

стр. 23

باب البيان والمنة لله في هذا البيان الذي جعل اللسان به دليلا عليه، وهاديا إليه، ومعربا عن المعرفة به خادما للقلوب، ومترجما عن نتائج العقول، ومطهراً للحكم. قالت الفلاسفة: اللسان خادم للقلب. وقالت العرب: لسان المرء كاتب قلبه إذا أملى عليه شيئاً أبانه. وقال حبيب: ومما كانت العلماء قالت ... لسان المر من خدم الفؤاد وقال حمزة بن حمزة للنعمان بن المنذر: المرء بأصغريه، فؤاده ولسانه إن نطق نطق ببيان وإن صال صال بجنان. وقال أبو يعقوب أسحق الخريمي: وخلجة ظن يسبق الصرف حزمها ... تشيف على غنم وتمكن من ذخل صدعت بها والقوم فوضى كأنهم ... بكارة مرباع تبصبص للفحل وقال العتابي: (إن اللسان رسول العقل إلى السامعين، وأداته التي يجمع بها بين متفرق الحكمة، ويفرق بين قرائن الشبهات، وأفضل بيان العرب وأفصحه ما أداه عنها الشعر الجاري على ألسنتها بالبلاغة المحكمة، والحكمة المتقنة الباقية، مضمناً حكمتها وسائر أمثالها شاهدا على أحسابها وكريم

стр. 24

أفعالها، مخبرا عن مروءاتهم في سالف أيامهم، وعن محمود خلائقهم، وجميل وفائهم، ليتأدب غابرهم بفعل فارطهم، وليقتدي متعلمهم من الأبناء بسالف من تقدمهم من الآباء). ولذلك قال الأعشى لشريح بن عمران بن السموأل بن عادياء يذكره وفاء أبيه ليتأول ذلك فيه وقد أسره بعض الملوك من قضاعة، ونزل به تيماء على شريح بن السموأل) كن كالسموال إذ طاف الهمام به في جحفل) (الأبيات). وقد تقدمت قبل هذا في ذكر من وفى لجاره. وقال أحيحة بن الجلادح، وكان سيداً يصلح المال ويعم بمروءته، ويستعين بذلك على ما ينويه من الحق: إني مقيم على الزوراء أعمرها ... إن الكريم على الإخوان ذو مال لها ثلاث بيار في جوانبها ... وكلها عقب تسقى بإقبال استغن أو مت ولا يغرك ذو حسب ... من ابن عم ولا عم ولا خال وكان يقال: التمرة إلى التمرة تمر، كما يقال: الذود إلى الذود إبل. وهو الذي يقول:

стр. 25

أطعن العرس في الشهوات حتى ... أصارتني أسيفاً عبد عبد إذا ما جئتها قد بعت عذقاً ... تعانق أو تقبل أو تفدى فمن وجد الغنى فليصطنعه ... ذخيرته ويجهد كل جهد وقال بعض الحكماء: لأن يجمع الرجال مالا فيخلفه بعد موته لأعدائه خير من الحاجة في حياته إلى أصدقائه. وكتب علي ﵁ إلى سلمان الفارسي ﵁ أما بعد فإنما مثل الدنيا مثل الحية لين ملمسها، شديد سمها، فاعرض عما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها، وكن أس ما تكون بها أحذر ما تكون لها، فان صاحبها كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصته منها إلى محذور. والسلام). وقال بعضهم: مروة معسر عف قنوع ... يقدر في معيشته ويمسك تزيد على مروة كل مثر ... يروح ويعتدي جم التملك وأكثر من سخائك بالعطايا ... سخاء النفس عما ليس تملك قال الزبير بن بكار الزبيري: دخل الوليد بن عبد الملك إلى المسجد، فركب معه الاحوص بن محمد الشاعر، فأتى مسجد العصبية فلما صلى قال الاحوص: أين الزوراء التي يقول فيها صاحبكم: أني مقيم على الزوراء. . . البيت فأشار إليها: هي تلك لو طولت لاستعربت سالماً عليها. قال الوليد: إن أبا عمرو كان يراه غنيا بها فعجب الناس يومئذ لأدب الوليد أن عنى بالعلم علم كنية أحيحة بن الجلاح

стр. 26

وفي أحيحة يقول بعضهم: رأيت أبا عمرو أحيحة جاره ... يبيت قرير العين غير مروع فمن يأته من خائف يس خوفه ... ومن يأته من جائع البطن يشبع خلائق في الجلاح كانت كريمة ... فأكرم به من ذي خصائل أربع قال وكيع بن الحجاج: مات سفيان الثوري رحمة الله عليه وله مائة وخمسون ديزا بضاعة. قال القارياني لولا هذه لتمندل القوم بنا تمندلا. وقال سعيد بن المسيب: لا خير فيمن لا يجمع المال فيقضي دينه، ويصل رحمه ويكف وجهه، ويترك دنانير. فقال: اللهم إنك تعلم أني لم أجمعها إلا لأصون بها حسبي وديني. وقال سعد بن عبادة: اللهم هب لي حمداً ومجداً، فلا مجد إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال، اللهم لا يصلحني القليل ولا يصلح عليه. وقال الأحنف: فلو مد سروي بمال قليل ... لجدت وكنت له باذلا فإن المروءة لا تستطا ... ع إذا لم يكن مالها فاضلا وكان الأحنف يبخل. وقال: يبخلونني وأنا أشير عليكم بالرأي يسوى عشرين ألف درهم. قالوا له: تقويمك الرأي غاية البخل. حكى العتبى قال: كان أخوان من الشام أحدهما أيسر من الآخر، فقال أحدهما للآخر: يا أخي لو تزوجت، لعل الله أن يجعل منك خلفا؟ ففعل، فكان الذي لم يتزوج يسافر، ويترك أخاه المتزوج، وأن المرآة عشقت ذلك الأخ، فقالت لزوجها: أتدري ما يقول الجيران؟. قال: لا قالت: يقولون لا جزى الله فلانا عن بيته خيراً، يقعد مع أهله ويتركه يقلب في المهالك؟. قال: صدق الجيران. فلما عاد قال له أخوه: إني أريد الخروج في تجارتك. قال: لم؟ أفكرت شيئاً؟. قال: لا ولكني أردت أعقبك.

стр. 27

فلما خرج تهيأت ثم أتته فعرضت عليه نفسها، فلم يزل يعظها ويذكر محاسن أخيه ومساوئ نفسه حتى انصرفت، ثم عادت إليه بعد. فلما أكثرت قال لها: لتنتهين أو لأكتبن إلى أخي. فتركته وقدم أخوه، فقال: يا أخي كيف رأيت أهلي؟ فقال في نفسه: قد عصم الله ولا أفسد على أخي أهله. فقال: خير أهل. فأتاها وقد ظنت أنه قد أخبره، فقال: كيف رأيت أخي. قالت: ما زال أخوك يراودني عن نفسي فعصيت، فغضب وحلف بالمحرمات لا يكلمه أبداً ما عاش، وخرجا حاجين، فهلك الأخ الأعزب بوادي الدوم، فكأنما هلك به جمل. فلما رجعوا مروا بذلك الوادي فسمعوا صارخا يقول: أجدك تمضي الدوم ليلاً ولا ترى ... عليك لأهل الدوم أن تتكلما وبالدوم ثاوٍ لو ثويت مكانه ... لمر بوادي الدوم حياً وسلما فظنت المرآة أن المنادى من السماء فقالت: يا فلان هذا مقام العائذ، إنه كان من قصتنا كيت وكيت. فقال: والله لو حل قتلك لقتلتك. ففارقها وضرب على قبره خيمة، وانشأ يقول: هجرتك في طول الحياة وأبتغي ... كلامك لما صرت رمساً وأعظما ذكرت ذنوباً منك كنت اجترمتها ... أنا منك فيها كنت أسوا وأظلما فلم يزل مقيما على قبره حتى مات، فدفن إلى جنبه. قال العتبى: فسألت الشاميين فعرفوه. والعرب تضرب المثل بجار هلال بن كعب بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم فبينما الصبيان يلعبون في مستنقع ماء لهم ويتغاطون إذ غطوا ابن أبى دؤاد، فمات في ذلك الغطاط فقال أبو دؤاد:

стр. 28

ألم تر أنني جاورت كعباً ... وكان جوار بعض القوم غيا فأبلوني بليتكم لعلي ... أصالحكم وأستدرج نويا يريد نواى، فلما سمع بذلك هلال أمر بنيه فأخرجوه إلى نادى قومه فقال: ولا والذي يحلف به لا يبقى غلام شهد ابن أبى دؤاد حتى يرضى، فمشوا إلى ابن أبى دؤاد فأعطوه حتى رضي. وكان هلال قال له: احتكم حكم الصبي على أهله - وحكم الصبي أن يطلب ما لا يوجد. قال الشاعر: ولا تحكما حكم الصبي فإنه ... كثير على ظهر الطريق مجاهله وكان أبو سفيان بن حرب إذا نزل به جار قال: يا هذا إنك قد اخترتني جاراً واخترت دارى دارا، فجناية يدك على دونك، وأن جنت عليك يد فاحتكم علي حكم الصبي على أهله. والعرب تضرب المثل في الجود فتقول: أجود من كعب. وهو كعب بن مامة الإيادي، وكان من جوده أنه خرج في ركب منهم رجل من النمر بن قاسط: فضلوا، فتصافنوا مالهم أي اقتسموه بالحصاة، فجعل النمري يشرب نصيبه فإذا أصاب كعبا نصيبه قال: أعط أخاك النمري يصطبح فيؤثره حتى أضر به العطش، فلما رأى ذلك استحث راحلته وبادر حين رفعت له أعلام الماء فقيل: رد كعب إنك وراد فغلبه العطش، ولم يقدر على النهوض، فلما رأوا ذلك خيلوا عليه بثوث يمنعه من السبع أن يأكله، فمات هناك. فقال مامة يبكيه: ما كان من سؤدد أسقي على ظلما ... خمراً بماءٍ إذا ناجودها بردا

стр. 29

من ابن مامة كعب ثم عي به ... زو المنية إلا حرة وقدا أوفى على الماء كعب ثم قيل له ... رد كعب إنك وراد فما وردا وقال امرؤ القيس يذكر الجوار: يا ثعلا وأين مني بنو ثعل ... ألا حبذا قوم يحلون بالحبل نزلت على عمرو بن ذرماء بيته ... فأكرم ما جار وأحسن ما محل يظل لبونى بين جود مسطح ... براعي الفراخ الدارجات من الخجل فما زال منها معشر بقسيمهم ... يذودونها حتى أقول لهم عسل وأبلغ معدا والعباد وطيساً ... وكندة أنى شاكر لبنى ثعل وقال قيس بن زهير - وضرب المثل بجار أبي دؤاد: ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد ومحبسها لدى القرشي تشرى ... بأدراع وأسياف حداد كما لاقيت من حمل بن بدر ... واخوته على ذات الاصاد هم فخروا علي بغير فخر ... وردوا دون غايته جوادي وكنت إذ منيت بخصم سوء ... دلفت له بداهية ناد بداهية تدق الصلب منه ... فتفصم أو تجود على الفؤاد وكنت إذا أتاني الدهر رنق ... بداهية شددت لها نجادي ألم تعلم بنو الميقات أنى ... كريم غير معتلث الزناد أطوف ما أطوف ثم آوى ... إلى جار كجار أبي دؤاد

стр. 30

إليك ربيعة الخير بن قرط ... وهوباً للطريف وللتلاد كفاني ما أخاف أبو هلال ... ربيعة فانتهت عني الاعادي كأني إذا أنخت على ابن قرط ... عقلت إلى يلملم أو تصاد القرشي الذي ذكر هو عبد الله بن جدعان من تيم بن مرة، وذلك أن الربيع ابن زياد ساوم قيس بن زهير با درع كانت عنده، فلما نظر إليها وهو راكب وضعها بين يديه ثم ركض بها، فلم يردها على قيس، فعرض قيس لفاطمة بنت الخرشب الأنمارية، وهي احدى منجبات قيس. هي أم ربيع الحفاظ، وعمارة الوهاب، وأنس الفوارس وكانوا يسمون الكملة. ويقال لعمارة دالق الدلو لوقعة في الغارات، فاقتاد جملها، وكانت في ظعائن عبس، يريد أن يرتهنها بالدرع حتى ترد علية، فقالت: ما رأيت كاليوم قط فعل رجل. أين ضل حلمك؟. أترجوا أن تصطلح أنت وبنوا زياد أبدا. وقد أخذت أمهم فذهبت لها يمينا وشمالا، فقال الناس في ذل ما شاءوا، وحسبك من شر سماعة، فعرف قيس ما قالت، فخلى سبيلها، واطرد إبلا لبني زياد، فقدم بها معه فباعها من عبد الله بن جدعان. والميقات التي تلد الحمقى. وقال امرؤ القيس في منع الجار: كأني إذ نزلت على المعلى ... نزلت على البواذخ من شام فما ملك العراق على المعلى ... بمقتدر ولا الملك الشامي أقر حشا امرئ القيس بن حجر ... بنو تيم مصابيح الظلام وحقر امرؤ القيس مجاورة بني شمحي بن جرم، فقال: أبعد الحارث الملك بن عمرو ... له ملك العراق إلى عمان مجاورة بن شمحي بن جرم ... هو أنا ما أتيح من الهوان

стр. 31

وقال غيره: بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود لها في غيل خفان اشبال هم يمنعون الجار حتى كأنها ... لجارهم بين السماكين منزل لهاميم في الإسلام سادوا ولم يكن ... كأولهم في الجاهلية أول هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا ... أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا فما يستطيع الفاعلون فعالهم ... وإن أحسنوا النائبات وأجملوا قوله: وأجملوا مردود على الفاعلين. وقال قيس بن عاصم المنقري: أيا بنت عبد الله وابنة ملك ... ويا بنت ذي البردين والفرس الورد

стр. 32

إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له ... أكيلا فأني لست آكله وحدي كريما قضيا أو أبيا فإني ... أخاف مذمات الأحاديث من بعدي وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا ... وما في إلا تلك من شية العبد الورد بين الكميت والأحمر والأشقر، وهو إلى الصفرة، والحوة: خضرة إلى السواد قال الأصمعي: قالت بنو عبس: ما صبر معنا في حربنا من النساء إلا بنات العم، ومن الخيل إلا الكميت، ومن الإبل إلا الحمر. وقيس بن عاصم أول من حرم الخمر على نفسه في الجاهلية، وذلك أنه دعي إلى الرأي يوم الكلاب فألفوه نائما، فلما أفاق عرف، فحرم الخمر على نفسه وقيل أنه نزل عليه تاجر بخمر فقال له: أصبحني قدحاً، ففعل فقال: زدني ففعل حتى سقاه ثلاثة أقداح، فقال: زدني. فقال: أنا تاجر صاحب ربح، فوثب عليه فأوثقه إلى دوحة في داره، وانتهب ماله وخمره، وكلمته أخته، فلطمها، وقال للتاجر، افد نفسك، وقال: من فاخر تاجر جاء الإله به ... كأن عثنويه أذناب احجال جاء الخبيث ببيسانية تركت ... صحبي وأهلي بلا عقل ولا مال وسب الخمر، وضرب اخته، فلما صحا قال: من فعل هذا؟. قالت أخته: الذي فعل هذا بوجهي، فحرم الخمر على نفسه، وقال: رأيت الخمر صالحة وفيها ... خلائق تفضح الرجل الكريم فلا والله أشربها صحيحا ... ولا أسقي بها أبدا سقيما ولا أعطي بها ثمنا حياتي ... ولا أدعو لها أبدا نديما فإن الخمر تفضح شاربيها ... وتجشمهم بها الأمر العظيما إذا دارت حمياها تعلت ... طوالع تفسد الرجل الحكيما

стр. 33

وقد رد من لا يحسن القول على قوله: يا بنت ذي البردين، وقالوا: ما قدر بردين وفرس ورد حتى يفتخر بها، وعارض هذا الشعوبي بملوك فارس وأسرتها وتيجانها، وبأن ابرويز ارتبط تسعمائة وخمسين فيلا. وبلغت آنيته التي يشرب فيها الداخل عليه ألف إناء من الذهب، وخدمته ألف جاريه وفعلة بعد هذا ابنة. وقال بعض العلماء: أخطأ في المعارضة لم يكن صاحب البردين ملك العرب فيعارض عنه بملك العجم. ولم يدع أحد كان للعرب في الدولة العجم مثل ملكها وأموالها، وعددها وحريرها وأنساجها فيحتاج إلى أن يذكر ابرويز وفيلته وجواريه وفرسه. قال أبي قتيبة: وأما ذكره الفرس الورد فان العرب تتخذ الخيل حصونها وهي سبب العز، وسلم المجد، وبمثال العيال. قال الاسعر الجعفي: ولقد علمت على تومي الردا ... إن الحصون الخيل لا مدر القرى إني وجدت الخيل عزاً ظاهراً ... ينجي من الغما ويكشفن الدجى وإذا كان للرجال جواد مبر كريم مبرز شهر به وعرف، فقيل: العسجدي ولاحق، وداحس، والورد. وقد فخرت العجم بفرس كسرى، فصوره في الصخور الصم، وفي الجبل، وإذا رأيت العرب تنسب إلى شيء خسيس في نفسه فليس ذاك

стр. 34

إلا لمعنى شريف فيه، كقولهم لهنيد بنت صعصعة عمة الفرودق: ذات الخمار، فمن لم يعرف سبباً لخمارها هي يظن أنها كانت تختمر دون نساء قومها فنسبت إلى الخمار لذلك. وإنما كانت هنيدة تقول: من جاء من نساء العرب بأربعة يحل لها أن تضع خمارها عندهم كأربعتي فصرمني! أبي صعصعة، وأخي غالب، وخالي الأقرع، وزوجي الزبرقان. فسميت ذات الخمار لذلك. وكانت صفية بنت عبد المطلب لا تغطي رأسها من رسول الله ﷺ ، ولا من عشرة من المهاجرين الأولين: حمزة بن عبد المطلب أخيها وجعفر وعلي ابني أبي طالب ابن أخيها، والزبير بن العوام أبنها، وعثمان بن عفان ابن بنت أختها أم أروى بنت كريز، وأمها البيضاء أم حكيم بنت عبد المطلب وأبو سلمة ابن عبد الأشد، وأبو سره بن أبى رهم ابنا أختها برة بنت عبد المطلب، ومن عبد الله وأبي أحمد الأعمى الشاعر ابني جحش أمها أميمة. وأما ذكر البردين فان المنذر بن محرق أجتمعت عنده وفود العرب فدعا ببرى محرق، وقال: ليقم أعز العرب قبيلة وأكثرهم عدداً فليأخذ هذين البردين. فقام عامر بن احيمر بن بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد فأخذهما فاتزر بواحد، وارتدى بالآخر، فقال له المنذر: بم أنت أعز العرب قبيلة؟ قال: العز من العرب معد، ثم في نزار، ثم في مضر، ثم في خندف، ثم في بنى تميم، ثم في بنى سعد، ثم في كعب، ثم في عوف، ثم في بهدلة، فمن أنكر هذا من العرب فلينافرني. فسكت الناس. فقال المنذر: هذه عشيرتكم كما تزعم، فكيف أنت في أهل بيتك؟ وفي بدنك؟ فقال: أنا أبو عشرة وعم عشرة وأخو عشرة، نمتني الأكابر عن الأصاغر،

стр. 35

والأصاغر على الأكابر. وأما قولك كيف أنت في بدنك؟ فشاهد العز شاهدي. ثم وضع قدمه على الأرض فقال: من أزالها فله مائة من الإبل. فلم يقم إليه أحد من الناس فذهب بالبردين، فسمي ذا البردين. قال الفرزدق: فما تم في الحيين سعد ومالك ... غلام إذا قيل لم يتبهدل لهم وهب الجبار بردي محرق ... لعز مد والعديد المحصل وممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية عثمان بن مطعون، وقال: لا أشرب شراباً يذهب عقلي، ويضحك بي من هو أدنى مني، وأزوج كريمتي من لا أريد، فبينا هو بالعوالي إذ أتاه آت فقال: أشعرت أن الخمر قد حرمت ثم تلى عليه الآية التي في المائدة، فقال: تبا لها، لقد كان بصري فيها نافذاً. وقال بعضهم يذم الخمر: من تقرع الخمر الذميمة سنة ... فلا بد يوماً أن يريب ويجهلا فلم أر مشروباً أخس غنيمة ... وأوضع للأشراف منها وأخملا وأحذر أن تلقى حليماً بعيبها ... فيشربها حتى يخر مجدلا وقال أخر: تركت الخمور لشرابها ... وحلو الطلاء وحر الشكر وقالوا شفاؤك في شربة ... من الخمر سجت بماء خصر فقد كذبوا ما شفاء الكريم ... بشر يعل به بعد شر

стр. 36

وقال حسان: ولولا ثلاث هن في الخمر لم يكن ... لها ثمن من شارب حين يشرب لها نزف مثل الجنون ومصرع ... دني وإن العقل ينأى فيعزب وقال آخر: ألم تر أني صحوت عن الخمر ... وأجمع صرماً ما حييت لها صدري وكيف تطيق النفس صحبة صاحب ... يدله عقلي أو يقاسمني وفرى وممن حرمها في الجاهلية عفيف بن معدي فقال: فقالت لي هلم إلى التصابي ... فقلت عففت عما تعلمينا وودعت القداح وقد أراني ... لها في الدهر مشغوفاً رهينا وحرمت الخمور علي حتى ... أكون بقعر ملحود دفينا فسمى بذلك عفيفاً، وكان اسمه شراحيل. وقال عامر بن الظرب العدواني: إن أشرب أشربها للذتها ... وإن أدعها فإني ماقت قالي لولا اللذاذة والفتيان لم أرها ... ولا رأتني إلا من مدى عالي سالة للفتى ما ليس في يده ... ذهابة بعقول القوم والمال أقسمت بالله أسقيها وأشربها ... حتى بغيب ترب الأرض أوصالي

стр. 37

قال: وكم فعلة جليلة عادت حسباً لمن قل حسبه وصيرت نسباً لمن قل نسبه وأغنت ذا النسب المعروف عن الانتساب. ألا ترى إلى عاصم بن خليفة الضبي واستغنائه بما فعل عن ذكر نسبه كان إذا استأذن على عثمان بن عفان ﵁ قال: عاصم بن خليفة قاتل بسطام بن قيس. وكان عاصم مضعوفاً، وهو قتل بسطام بن قيس بن مسعود بن قيس بن خالد ذي الجدين سيد بني شيبان. وغزا بسطام اثنتين وعشرين غزوة ظفر فيها في عشرين، وأسر في واحدة، أسره عتيبة ابن الحارث بن شهاب اليربوعي، وقتل في الثانية قتلته بنو ضبة، وعصم ابن خليفة منهم. وفي موته يقول عبد الله بن عتمة الضبي وكان منقطعاً بموقعه إلى بني شيبان وهم أخواله. وكان مع بسطام: لأم الأرض ويل ما اجنت ... بحيث أضر بالحسن السبيل نقسم ماله فينا وندعو ... أبا الصهباء إذ جنح الأصيل وجدك لن تراه ولن تراه ... تخب به عذافرة ذءول حقيبة رحله بدن ورمح ... وتتبعه مرببة ذمول

стр. 38

إلى ميعاد أرعن مكفهر ... تضمر في طوابقه الخيول لك المرباع منها والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول تضمنه بنو بكر بن سعد ... ولا يوفى بسطام قتيل فخر على الألاءة لم يوسد ... كأن جبينه سيف صقيل فإن تجزع عليه بنو أبيه ... فقد فجمعوا وفاتهم جليل بمطعام إذا الأشوال راحت ... إلى الحجرات ليس لها فصيل إذا الأبطال خامت ... وعرد عن حليلته الحليل أضر: دنا منه، والأمل: الحبل من الرمل، والألاء: شجر على قدر الذراع. وقال الشاعر: فإنكم ومدحكم بجيراً ... أخا لجإ كما امتدح الألاء يراه الناس أخضر من بعيد ... وتمنعه المرارة والإبا وبنو بكر بن مسعد بن ضبة أخوال الفرزدق. وقال محرز بن المكعبر الضبي في شأن بسطام يجيب عبد الله المتقدم قوله في بسطام:

стр. 39

ألا أبلع بني شيبان عني ... وقد يهديك ذا الحكم الأصيل بأن الحلم موردكم مياها ... يخالط شربها كلا وبيل ألم نطلقكم فكفر تمونا ... وليس لنعمة المكفور حول فإن ينطق عبيد الله جهلاً ... فلم يعلم عبيد ما يقول سما من أهل ذي قار إلينا ... بهاد لا يخالطه الضلول فلما أن مضى بالقوم شهراً ... وبين ما يخبره الدليل يجيش عليه بالأصوات فيه ... إذا نزلوا التحمحم والصهيل فباتوا نازلين بنا وكنا ... قرى الأضياف إذ كره النزول فما نظروا القرى ورأوا وجوهاً ... قليلاً في تأملها الوسيل فلما أن أضاء الصبح جينا ... رعيلاً خلفنا منه رعيل فما شعروا بنا حتى رأوناً ... وأكثبة الشقيق بنا تسيل رأوا نعم الشقيقة وهي خوم ... ودون لقائه شر وبيل أقر العين إذ دارت عليهم ... شميط اللون ليس لها خجول وهن على الأكارم مجلحات ... لهن بكل متعرك قتيل إذا كره السلاح مضين قدماً ... ولم يك حق عادتها النكول وظل لها على الأنقاء منا ... إلى أن أظلموا يوم طويل وآبوا مطلقين ولم يثيبوا ... وغال رئيسهم في الأرض غول وكان مع بسطام دليل من بني أسد يقال له فقيد، وأن بسطام في بعض الطريق رأى في منامه كأن آتيا أتاه فقال له: الدلو ثاني الغرب المزلة. ففزع لذلك وقص رؤياه على فقيد، فقال: ألا قلت بم تعود باديا مثله. فوجل

стр. 40

فقيد منها. قال: ومضى بسطام، فلما دنا من النقا صعده راجلا ليربا عليه، فإذا هو بألف بعير لمالك بن المنتفق الضبي قد فقأ عين فحلها، فلما رآها بسطام رمى بنفسه فرحاً من أعلى النقا، وأخذ يتدهدى حتى استوى بالحضيض، فناداه فقيد: مهلا يا أبا الصهباء، وقال: إن صدقت. الطير، صرعته الخيل وتطير له من رؤياه، ومن فعلته هذه، ولم يشك أنه مقتول، فمضى وترك بسطاماً فاطرد بسطام الإبل، وكان مالك بن المنتفق قد ركب فرسه، فنحا نحو قومه ونادى: يا صباحاه، فثابوا نحو الصراخ. وكان عاصم بن خليفة رجلاً به طرق وكان في أيام طرقه - أي جنونه الذي كان يأخذه في وقت من الأوقات، فجعل يأخذ حديدة له، فقالوا: ما تصنع بهذا قال: أقتل بها سيد ربيعة، فهزموا به، وأسرج أبوه خليفة دابته، ولبس لأمته، فبادره عاصم فركب فرسه، فناداه أبوه مراراً، فلم يلتفت إليه. فسأل عاصم: أيهم رئيس القوم فقال له خامسهم: هو صاحب الفرس الأدهم. فقال عاصم: الريح تعارضه حتى إذا كان بحذائه رماه بالفرس، وجمع يديه في رمحه فطعنه، فلم يخطئ صماخ أذنه حتى خرج من الناحية الأخرى، وخر بسطام على الألاء. وقال الفرزوق في ذلك ويفتخر في قتل عاصم بسطاماً: خالي الذي ترك النجيع برمحه ... يوم النقا سرباً على بسطام والخيل تنحط بالكماة ترى لها ... رهجاً بكل مجرب مقدام وقال خال بسطام لبسطام: ما أحب أن يكون لي بك ابن أخت من العرب لولا وصمة وصمتها. قال: وما هي؟. قال: أسر عيينة إياك. قال: أما والله لا أوسر بعدها. قال الكلبي: قال خاله: قبلت ابن أختي. وكان له فبي الأسر حياة. قال الأصمعي: خرجت الظعن من بني حنظله تسير فأقبل رجل من بني يربوع إلى أم حاجب بن زرارة في هودجها، فقال: اسقني من هذا الماء
следующие страницы →