← Адаб

Адаб · id 14786

الممتع في صنعة الشعر

النهشلي القيرواني

Полный текст (334 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقال حسان: ولولا ثلاث هن في الخمر لم يكن ... لها ثمن من شارب حين يشرب لها نزف مثل الجنون ومصرع ... دني وإن العقل ينأى فيعزب وقال آخر: ألم تر أني صحوت عن الخمر ... وأجمع صرماً ما حييت لها صدري وكيف تطيق النفس صحبة صاحب ... يدله عقلي أو يقاسمني وفرى وممن حرمها في الجاهلية عفيف بن معدي فقال: فقالت لي هلم إلى التصابي ... فقلت عففت عما تعلمينا وودعت القداح وقد أراني ... لها في الدهر مشغوفاً رهينا وحرمت الخمور علي حتى ... أكون بقعر ملحود دفينا فسمى بذلك عفيفاً، وكان اسمه شراحيل. وقال عامر بن الظرب العدواني: إن أشرب أشربها للذتها ... وإن أدعها فإني ماقت قالي لولا اللذاذة والفتيان لم أرها ... ولا رأتني إلا من مدى عالي سالة للفتى ما ليس في يده ... ذهابة بعقول القوم والمال أقسمت بالله أسقيها وأشربها ... حتى بغيب ترب الأرض أوصالي

стр. 37

قال: وكم فعلة جليلة عادت حسباً لمن قل حسبه وصيرت نسباً لمن قل نسبه وأغنت ذا النسب المعروف عن الانتساب. ألا ترى إلى عاصم بن خليفة الضبي واستغنائه بما فعل عن ذكر نسبه كان إذا استأذن على عثمان بن عفان ﵁ قال: عاصم بن خليفة قاتل بسطام بن قيس. وكان عاصم مضعوفاً، وهو قتل بسطام بن قيس بن مسعود بن قيس بن خالد ذي الجدين سيد بني شيبان. وغزا بسطام اثنتين وعشرين غزوة ظفر فيها في عشرين، وأسر في واحدة، أسره عتيبة ابن الحارث بن شهاب اليربوعي، وقتل في الثانية قتلته بنو ضبة، وعصم ابن خليفة منهم. وفي موته يقول عبد الله بن عتمة الضبي وكان منقطعاً بموقعه إلى بني شيبان وهم أخواله. وكان مع بسطام: لأم الأرض ويل ما اجنت ... بحيث أضر بالحسن السبيل نقسم ماله فينا وندعو ... أبا الصهباء إذ جنح الأصيل وجدك لن تراه ولن تراه ... تخب به عذافرة ذءول حقيبة رحله بدن ورمح ... وتتبعه مرببة ذمول

стр. 38

إلى ميعاد أرعن مكفهر ... تضمر في طوابقه الخيول لك المرباع منها والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول تضمنه بنو بكر بن سعد ... ولا يوفى بسطام قتيل فخر على الألاءة لم يوسد ... كأن جبينه سيف صقيل فإن تجزع عليه بنو أبيه ... فقد فجمعوا وفاتهم جليل بمطعام إذا الأشوال راحت ... إلى الحجرات ليس لها فصيل إذا الأبطال خامت ... وعرد عن حليلته الحليل أضر: دنا منه، والأمل: الحبل من الرمل، والألاء: شجر على قدر الذراع. وقال الشاعر: فإنكم ومدحكم بجيراً ... أخا لجإ كما امتدح الألاء يراه الناس أخضر من بعيد ... وتمنعه المرارة والإبا وبنو بكر بن مسعد بن ضبة أخوال الفرزدق. وقال محرز بن المكعبر الضبي في شأن بسطام يجيب عبد الله المتقدم قوله في بسطام:

стр. 39

ألا أبلع بني شيبان عني ... وقد يهديك ذا الحكم الأصيل بأن الحلم موردكم مياها ... يخالط شربها كلا وبيل ألم نطلقكم فكفر تمونا ... وليس لنعمة المكفور حول فإن ينطق عبيد الله جهلاً ... فلم يعلم عبيد ما يقول سما من أهل ذي قار إلينا ... بهاد لا يخالطه الضلول فلما أن مضى بالقوم شهراً ... وبين ما يخبره الدليل يجيش عليه بالأصوات فيه ... إذا نزلوا التحمحم والصهيل فباتوا نازلين بنا وكنا ... قرى الأضياف إذ كره النزول فما نظروا القرى ورأوا وجوهاً ... قليلاً في تأملها الوسيل فلما أن أضاء الصبح جينا ... رعيلاً خلفنا منه رعيل فما شعروا بنا حتى رأوناً ... وأكثبة الشقيق بنا تسيل رأوا نعم الشقيقة وهي خوم ... ودون لقائه شر وبيل أقر العين إذ دارت عليهم ... شميط اللون ليس لها خجول وهن على الأكارم مجلحات ... لهن بكل متعرك قتيل إذا كره السلاح مضين قدماً ... ولم يك حق عادتها النكول وظل لها على الأنقاء منا ... إلى أن أظلموا يوم طويل وآبوا مطلقين ولم يثيبوا ... وغال رئيسهم في الأرض غول وكان مع بسطام دليل من بني أسد يقال له فقيد، وأن بسطام في بعض الطريق رأى في منامه كأن آتيا أتاه فقال له: الدلو ثاني الغرب المزلة. ففزع لذلك وقص رؤياه على فقيد، فقال: ألا قلت بم تعود باديا مثله. فوجل

стр. 40

فقيد منها. قال: ومضى بسطام، فلما دنا من النقا صعده راجلا ليربا عليه، فإذا هو بألف بعير لمالك بن المنتفق الضبي قد فقأ عين فحلها، فلما رآها بسطام رمى بنفسه فرحاً من أعلى النقا، وأخذ يتدهدى حتى استوى بالحضيض، فناداه فقيد: مهلا يا أبا الصهباء، وقال: إن صدقت. الطير، صرعته الخيل وتطير له من رؤياه، ومن فعلته هذه، ولم يشك أنه مقتول، فمضى وترك بسطاماً فاطرد بسطام الإبل، وكان مالك بن المنتفق قد ركب فرسه، فنحا نحو قومه ونادى: يا صباحاه، فثابوا نحو الصراخ. وكان عاصم بن خليفة رجلاً به طرق وكان في أيام طرقه - أي جنونه الذي كان يأخذه في وقت من الأوقات، فجعل يأخذ حديدة له، فقالوا: ما تصنع بهذا قال: أقتل بها سيد ربيعة، فهزموا به، وأسرج أبوه خليفة دابته، ولبس لأمته، فبادره عاصم فركب فرسه، فناداه أبوه مراراً، فلم يلتفت إليه. فسأل عاصم: أيهم رئيس القوم فقال له خامسهم: هو صاحب الفرس الأدهم. فقال عاصم: الريح تعارضه حتى إذا كان بحذائه رماه بالفرس، وجمع يديه في رمحه فطعنه، فلم يخطئ صماخ أذنه حتى خرج من الناحية الأخرى، وخر بسطام على الألاء. وقال الفرزوق في ذلك ويفتخر في قتل عاصم بسطاماً: خالي الذي ترك النجيع برمحه ... يوم النقا سرباً على بسطام والخيل تنحط بالكماة ترى لها ... رهجاً بكل مجرب مقدام وقال خال بسطام لبسطام: ما أحب أن يكون لي بك ابن أخت من العرب لولا وصمة وصمتها. قال: وما هي؟. قال: أسر عيينة إياك. قال: أما والله لا أوسر بعدها. قال الكلبي: قال خاله: قبلت ابن أختي. وكان له فبي الأسر حياة. قال الأصمعي: خرجت الظعن من بني حنظله تسير فأقبل رجل من بني يربوع إلى أم حاجب بن زرارة في هودجها، فقال: اسقني من هذا الماء

стр. 41

فقالت: نعم واليوم ظلم. فضرب ذراع بعيرها فسقط البعير والهودج فثار الحيان حتى كاد يكون بينهما شر فقال رجل من بني ثعلبة بن يربوع نحن نأتي بصاحبة لنا فاعقروا بها عقر صاحبنا بصاحبتكم. قال: فوقفوها في هودجها. وقالوا هلم فاعقربها، فلما أتاها، ودنا منها حل برداً كان مؤتزرا به ثم ألقاه عليها؛ وقال: أرجعي ابنة عم غير معقور بك ولا مخزاه. قال: قال فذلك أول ما روى من حلم حاجب. قال الأصمعي: قولها اليوم ظلم. يعني أن اليوم ظلمني حين وضع الشيء في غير موضعه. والمثل يضرب بوفاء حاجب، ورهنه قوسه عن مضر كافة وذلك أن النبي ﷺ دعا على مض فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر، وابعث فيها سنين كسني يوسف. فتوالت عليهم الجدوب سبع سنين، فلما رأى حاجب الجدب والقحط على قومه جمع بني زرارة فقال: إني قد أزمعت على أن آتي الملك فأطلب إليه أن يأذن لقومنا فيكونوا تحت هذا البحر حتى يحيوا، فتلكأ عليه بعهم: رشدت فافعل، غير أنا لا نأمن عليك بكر بن وائل، ولا بد لك من ورد مياههم. فقال: ما منهم وجه إلا ولى عنده يد بيضاء إلا ابن الطويلة التيمي، وأنا أرجو أن أداريه، فكان لا يأتي على ماء إلا أكرمه سيدهم، ونحر له حتى أتى على ابن الطويلة حين أضاء الفجر وناديه قريب من حاجب فنادوا حاجب: حتى على الغداء وأمر بنطح فصب عليه تمر. فنحر ابن الطويلة جزراً وشياها، وقراه، وأراد تشييعه فامتنع حاجب، ومضى إلى إياس ابن قبيصة، فكتب له إلى كسرى، فلما أتاه وشكا إليه الجهد في أنفسهم وأموالهم وطلب أن يأذن له فيكونوا في حد بلاده حتى يحيوا، فقال: إنكم معشر العرب غدر حرصا فان أذنت لهم افسدوا في البلاد، أغاروا على الرعية قال حاجب: فأن ضامن للملك ألا يفعلوا. قال: ومن لي بان تفى (بوعدك) أنت. قال: أرهنك قوسي. فلما جاء بها ضحك الذين حوله فقالوا: بهذا العصا تفى، فقال الملك: ما كان يسلمها لشيء أبدا، وأمرهم فقبضوها منه وأذن لهم في دخول الريف، فأنت مضر النبي ﷺ فقالوا: هلك قومك وأكلتنا الضبع، فادع الله أن يرفع عنا القحط ويسقينا، فأنا نسلم. فدعا لهم

стр. 42

فأحيوا، وقد مات حاجب فخرج أصحابه إلى بلادهم، وارتحل عطارد بن حاجب إلى كسرى يطلب قوسه أبيه، فقال: ما أنت بالذي وضعها. فقال: أجل أيها الملك هو أبي، وقد هلك، وقد وفى له قومه، ووفى هو للملك. قال: ردوها عليه، وكساه حلة، فلما وفد إلى النبي ﵇ وهو رئيس وفد بني تميم أهداها إلى رسول الله ﷺ فلم يقبلها، وقال: لا أقبل زبد المشركين. فابتاعها منه الزبير بن باطا اليهودي بأربعة آلاف درهم. وكان حاجب مشهوراً بالحلم وحسن الأدب. قال أبو عبيدة: وقف حاجب زرارة بباب كسرى فاستأذن له عليه غلام من العرب كان يحجبه فقال كسرى سل هذا العربي من هو من العرب؟، فسأله فقال: رجل منها، ثم أذن له، فلما مثل بين يديه قال: من أنت؟؟ قال: سيد العرب. قال كسرى: ألم تزعم أنك منها؟ قال: وقفت بالباب وأنا رجل منها، لست بمتقدم لها، فلما وصلت إلى الملك وجاورته سدتها، فقال كسرى: احشوا فاه درا. قال أبو اليقظان: كان ذو الرقيبة أسر حاجباً في بعض حروبه، فلما رجع به إلى رحله وجد القد قد أثر في ذراعه فقال له: يا أبا عكرشة لو كنت أخبرتنا بما بلغ منك لقد وسعنا عليك. قال حاجب: إني خلقني ربي لا أشكو شيئاً، وفدى نفسه بأكثر مما فدى به معدي نفسه قط. قوم يقولون بألف بعير، فلولا الشعر ما لم يقيم لهذه الأفعال علم ولا رفع لها منار، ولدرست آثارها كما درس كثير لم يقيده الشعر، كالذي نسى من أفعال بنى حنفية، وعجل إذ لم يكن فيهم شعر، فدخلوا في جملة الحاملين عند كثير من الناس، هذا على ما كان لهم من الوقائع. وفيهم من المكارم.

стр. 43

وكان منهم هوذة بن علي ذو التاج، وأعمامه الذين يقال لهم البحور. ومنهم عمير بن سليمى الذي قتل ابن أخيه بجاره للوفاء فهو أحد الأوفياء الثلاثة. ومنهم عبيد بن ثعلبة بن يربوع الذي يقال له: رب حجر، وهي اليمامة، وهو كان اختطها برمحه، وأنزلها بني حنفية. ونفى عنها بقايا طسم وجديس. ومنهم قتادة بن مسلمة بن عبيد، وكان ربع أربعين مرباعاً في الجاهلية. ومن عجل أبجر بن جابر بن بجير أبو حجار، وعتيبة بن النهاس الذي قال لقهرمانه: امض مع الخطيئة، ثم ما أشار إليه من عالي المتاع ورفيعة فاشتره له. إلى كثير من مثل هؤلاء. ومن شعرائهم العديل بن الفرخ. ومثل هؤلاء بنو بدر كانوا مفحمين لا شعراء لهم، فما عرف عن فضلهم الشاكرون، وأغناهم عن تعداد محاسنهم المادحون، قال البحتري يمدح: تدارك شمل الشعر والشعر شارد ال ... شوارد مرذول غريب الغرائب فضم قوافيه إليه تيقناً ... بأن قوافيه سلوك المناقب

стр. 44

وقال ابن الرومي: وما المجد لولا الشعر إلا معاهد ... وما الناس إلا أعظم نخرات قال بعض الفضلاء: كان لنا سلف أهل تواصل اعتقدوا مننا واتخذوا أيادي ذخيرة لمن بعدهم. كانوا يرون اصطناع المعروف عليهم فرضاً، والبر حقاً ثم آل الزمان إلى نشء اتخذوا منهم صناعة، وبرهم مرابحة وأياديهم تجارة، واصطناع المعروف مقارضة، بقد السوق خذ مني وهات. وكان عامر بن الظرب العدواني سيد قومه، فسألوه أن يجعل لهم سيداً منهم يكون بعده، فقال: يا معشر عدوان إن القلب لا يلحق القلب، ومن لك بأخيك كله. أخذه الطائي فقال: ما غبن المغبون مثل عقله ... من لك يوماً بأخيك كله وكان بعض بني تغلب يأخذ فتيانه برواية شعر عمرو بن كلثوم: ألا هبي بصحنك فاصبحينا ويعطي لكل من رواه ألف درهم حتى قال فيه بعض الشعراء: ألهى بني تغلب عن كل مكرمة ... قصيدة قالها عمرو بن كلثوم يفاخرون بها مذ كان أولهم ... يا للرجل لفخر غير مسؤوم إن القديم إذا ما ضاع آخره ... كساعد فله الأيام محطوم وهذه القصيدة إحدى المعلقات السبع. وكان عمرو بن هند أخو النعمان بن المنذر يقال له مضرط الحجارة لشدته. ويسمى محرقا لتحريقه مائة من بني تميم يوم أوراه، قتله عمرو بن كلثوم الشاعر التغلبي أنفه وحمية.

стр. 45

وهند أم عمرو هي بنت الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار وأبوه المنذر ابن ماء السماء وماء السماء أمه، وهي ابنة عوف بن جشم النميرية. والمنذر هو ابن امرئ القيس من بني عمرو بن عدي اللخمى. وكان عمرو بن هند جائراً، وإياه عنى سويد بن حذاق في قوله: أبى القلب أن يأتي السديد وأهله ... وإن قيل عيش بالسدير غزير به البق والحمى وأسد عرينة ... وعمرو بن هند يعتدي ويجور وقال عمرو بن هند يوماً لجلسائه: هل تعلمون أحداً من العرب من أهل مملكتي يأنف أن تخدم أمه أمي؟. قالوا: نعم، عمرو بن كلثوم. فإن أمه ليلى بنت مهلهل بن وائل وعمها كليب وائل، وزوجها كلثوم. فسكت عمرو على ما في فرسان تغلب، ومعه أمه ليلى، فنزل على شاطئ الفرات، وأمر عمرو بحجرته فضربت فيما بين الحيرة والفرات. وأرسل إلى وجوه أهل مملكته، فصنع لهم طعاما، ودعا الناس إليه. وقعد هو وعمرو بن كلثوم وخواص الناس في السرادق، والناس خارجه يأكلون، وأم عمرو بن كلثوم مع أم عمرو بن هند في القبة. وقد قال عمرو بن هند لأمه. إذا فرغ الناس من الطعام، ولم يبق الا الطرف فنحي خدمك واستخدمي ليلى، ومريها أن تناولك الشيء بعد الشيء. ففعلت هند ما أمرها به ابنها فلما نودي بالطرف قالت هند لليلى: ناوليني الطبق. فقالت ليلى لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها. فقالت هند: ناوليني، وألحت عليها فقالت ليلى: واذلاه!، يا لتغلب. فسمعها عمرو بن كلثوم فثار الدم في وجهه. ونظر عمرو بن هند إلى عمرو بن كلثوم، فعرف الشر فيه، وقد سمع قول ليلى يا آل تغلب. فنظر ابن كلثوم إلى سيف عمرو بن هند معلقا في السرادق، ولم يكن ثم غيره، فثار إلى السيف مصلتاً فضرب رأس عمرو بن هند، فقتله، ثم خرج فنادى:

стр. 46

يا آل تغلب. فانتهبوا ماله وخيله وسبوا النساء، ولحقوا بالحيرة. فقال في ذلك أفنون التغلبي: لعمرك ما عمرو بن هند وقد دعا ... لتخدم ليلى أمه بموفق فقام ابن كلثوم إلى السيف مصلتاً ... وأمسك من ندمانه بالمخنق ومن ذكر مقامات العرب وتنويههم بأفعالها فيها قول زهير بن أبي سلمى، وكان يجيد المديح. وهو أعذب لفظ، وأحسن معنى: وفيهم مقامات حسان وجوهها ... وأندية يتنابها القول والفعل فإن جئتهم ألفيت حول بيوتهم ... مجالس قد يشفى بأحلامها الجهل على مكثريهم حق من يعتبرهم ... وعند المقلين السماحة والبذل تهاميون نجديون كيداً ونجعة ... لكل أناس من وقائعهم سجل سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم ... فلم يلحقوهم ولم يليموا ولم يألوا وما كان من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل وهل ينبت الخطي إلا وشيجة ... وتغرس إلا في منابتها النخل رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم ... قطيناً لهم حتى إذا نبت البقل هنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا ... وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلو

стр. 47

يقول فيها: إذا لقحت حرب عوان مضرة ... ضروس تهر الناس أنيابها عصل قضاعية أو أختها مضرية ... تحرق في حافاتها الحطب الجزل تجدهم على ما خليتهم أذاءها ... وإن أفسد المال الجماعات والأزل قال الزبير بن بكار: كانت قريش معجبة بشعر زهير، وهو جارٍ بينهم وسائر فيهم حتى يضربوا به المثل في البلاغة. ويروى أن وفداً من قريش قالوا: يا رسول الله إنا قد سمعنا كلام الخطباء والبلغاء، وكلام ابن أبي سلمى، فما سمعنا ككلام نسمعه منك من أحد قط. وقال عبد الملك بن مروان لبنيه: يا بني أحسابكم!، فما ضر قوما ما قيل فيهم بعد قول زهير، وودت أنه قيل في قومي: على مكثريهم حق. . . . البيت وما ينفع قوماً ما مدحوا به بعد قول الأعشى وما سرنى أنه في قومي وأن الدنيا لي بأسرها: يبيتون في المشتى ملاء بطونهم ... وجاراتهم غرثى يبتن خمائصا وقالت بنت لسنان بن أبي حارثة لما رأت بنتاً لزهير في بعض مجامع النساء، وإذا لها شارة حسنة: قد سرني ما أرى من هذه النعمة. فقالت بنت زهير: لعمري إن أكثر ذلك لمن فضلكم وإحسانكم، فقالت: بل والله لكم الفضل علينا أعطيناكم ما يفنى، وأعطيتمونا ما يبقى.

стр. 48

معنى قوله: على ما خليت هم أذاءها أي على ما شبهت، أي هم الذين يقومون بها ويديرونها. ويقال: هو أذى المال إذا كان يدبره. وقوله: (وأن أفسد المال الجماعات والأزل). يقول: إن حبس الناس أموالهم لا يسرح وجدتهم ينحرون، وإن اشتد أمر الناس حتى يضيق وجدتهم يوسعون. (قضاعية أو أختها مضرية) أي حرب منكرة. وقيل بل قضاعة بن معد ومضر بن نزار بن معد، تهاميون، نجديون. يقول: يأتون نجداً، لا يمنعهم بعد المكان أن يغزوه أو ينتجعوه، سجل: القمة. يريد عزهم وغلبتهم. والقطين: الحشم والأهل. وجمعه: قطن. ويروى: وإن يستخولوا. والاستخوال أن يملكوهم إياه. والاستخبال أن يعير الرجل إبلا، فيشرب ألبانها، وينتفع بأوبارها، فاذا أخصبت ردها. . وقوله (يغلو) لا ينحرون إلا غالية. وقال عمرو بن الأطنابة الأنصاري:

стр. 49

إني من القوم الذين إذا ابتدوا ... بدأوا بحق الله ثم النائل المانعين من الخنا جاراتهم ... والحاشدين على طعام نازل والخالطين فقيرهم بغنيهم ... والباذلين عطاءهم للسائل والضاربين الكبش يبرق بيضة ... ضرب المحمجر عن حياض الإبل والقاتلين لدى الوغى أقرانهم ... إن المنية من وراء الوائل والقائلين ولا يعاب كلامهم ... يوم المقامة بالقضاء الفاصل قال الزبير بن بكار: كانت قريش في ملك ضابط كمملكة فارس، ومالها ملك وما كان ذلك إلا بأحلامها. وكان يقال لها: قطين الإله، وقطين الله، وأهل الله، وآل الله. قال عبد المطلب بن هاشم: لاهم إن المرء يمنع جا ... ره فامنع حلالك أي امنع أهل بيتك الحرام، يريد مكة حين قدمها صاحب الفيل، فأهلكهم الله ، قال أبو اليقظان: قال النبي ﵇: رأيت جدود العرب، فرأيت جد بني عامر بن صعصعة جملا أحمر يأكل فروع الشجر. وسئل عن بني عامر بن صعصعة فقال جملا أزهر ينفاج من أطراف الشجر وسئل عن غطفان فقال: زهرة تينع. ومما قال أبو اليقطان: هجان العرب قريش، وعامر بن صعصعة، وحنظلة بن مالك. الأزهر: الأبيض. وقال ابن قيس الرقيات يمدح: معقل الحلم من قريش إذا ما ... فاز بالحلم معشر آخرونا لا يزنون في العشيرة بالسوء ... ولا يفسدون ما يصنعونا

стр. 50

وقال أبو يوسف (سفيان) بن الحارث: لقد علمت قريش غير فخر ... بأنا نحن أجودهم حصانا وأكثرهم دروعاً سابغات ... وأمضاهم إذا طعنوا سنانا وأدفعهم عن الضراء منهم ... وأبينهم إذا نطقوا لسانا وقال كثير يمدح عبد الملك بن مروان: من الغفر البيض الذين إذا أنتجوا ... أرت لنجواهم لوي بن غالب يحيون بسامين طوراً وتارة ... يحيون عباسين شوس الحواجب يردون بعد الله في الرأي أمرهم ... إلى واسع المعروف جزل المواهب إمام هدى قد شدت الحرب أزره ... وقد أحكمته ماضيات التجارب وقال العماني في بعض خلفاء بني هاشم: نمته العرانين من هاشم ... إلى النسب الأوضح الأصرح إلى نبته فرعها في السماء ... ومغرسها سرة الأبطح

стр. 51

وقال القطامي - واسمه عمير بن شيم - وذكر باديتهم ففخر بها: ومن تكن الحضارة أعجبته ... فأي رجال بادية ترانا ومن ربط الجحاش فإن فينا ... قنا سلباً وأفراساً حسانا وكن إذا أغرن على هلال ... وضبة إنه من حان حانا وأحياناً على بكر أخينا ... إذا ما لم نجد إلا أخانا روي أن سليمان بن عبد الملك أتى أرضاً له فأمر بعمارها، وانتهى إلى موضع منها غليظ فنزل الناس، وبقي سليمان على دابته، فالتفت إلى يزيد بن المهلب فقال له: ارتدف. فأبى يزيد. فقال سليمان: أما والله أن لو فعلت لكنت أكرم من الذي أردفه النعمان. فقال: يا أمير المؤمنين أقلني. قال: لا تعلمون والله أبداً. وأنشد: لا ينكتون الأرض عند سؤالهم ... لتطلب العلات بالعيدان بل يبسطون وجوههم فترى لها ... عند السؤال كأحسن الألوان وإذا دعوا لنزال يوم كريهة ... سدوا فجاج الأرض بالفرسان قوم إذا نزل الغريب بدارهم ... ردوه رب صواهل وقيان

стр. 52

قال الزبير بن بكار: مر سعيد بن العاص بعمر بن الخطاب ﵁، وكان عمر قتل يوم بدر العاص بن هشام بن المغيرة، وهو خال عمر، فسلم سعيد مقصراً يظن أنه قتل أباه، ففطن له عمر، فقال يا ابن أخي، والله ما قتلت أباك ولكني قتلت خالي العاص بن هشام. ورأيت أباك يبحث التراب كأنه ثور، فصددت عنه، وحمل عليه علي فقتله، وما بي أن أكون، أعتذر من قتل مشرك. فقال سعيد: لو قتلته كنت على الحق، وكان على الباطل. فعجب عمر من قوله ولوى كيفه ثم قال: قريش أفضل الناس أحلاماً، وأعظم الناس أمانة ومن يرد بقريش سوءاً يكبه الله لفيه. وقال حباب بن المنذر بعد رجوع رسول الله ﷺ من بدر: ما قتلنا إلا عجائز صلعاً. فقال النبي ﷺ يا ابن أخي، أولئك الملأ من قريش لو أمروك لأطعتهم، ولو شهدتهم لحقرت أفعالهم. ومر ﷺ يوم حنين بعثمان بن عبد الله بن ربيعة الثقفي، وكان علي بني مالك، وهو مقتول فقال: أبعده الله إنه كان يبغض قريشا. وبعث ﷺ عتاب بن أسيد إلى مكة قاضيا، وهو ابن ثماني عشرة سنة، وألبسه قباء أسود، وختمه بخاتم ذهب. ولم يلبس أحد قباء أسود ولا تختم بالذهب أحد من المسلمين قبله. وقال له: هل تدري إلى من أبعثك؟ أبعثك إلى أهل الله ثم وصاه ﷺ بهم. وممن ساد صغيراً محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم الثقفي. ولاه الحجاج قتل الأكراد بفارس، فأبادهم، ثم ولاه السند والهند، وقاد الجيوش وهو ابن سبع عشرة سنة، فقال فيه الشاعر: إن السماحة والمروءة والندى ... لمحمد بن القاسم بن محمد قاد الجيوش لسبع عشرة حجة ... يا قرب سورة سؤدد من مولد

стр. 53

وقتله معاوية بن يزيد بن المهلب، وذلك أن حبيب بن المهلب لما ولى السند قدم على مقدمته رجلاً من السكاسك، ورجلا من عك، فأخذاه فحسباه فقال: أتنسى بنو مروان سعيي وطاعتي ... وأني على ما نابني لصبور فتحت لهم ما بين سابور بالقنا ... إلى السند، منهم زاحف ومعير وما دخلت خيل السكاسك عسكري ... ولا كان من عك علي أمير فلو كنت أزمعت الفرار لقرنت ... إناث أعدت للنوى وذكور فبعث إلى العراق فحبس بواسط، ثم ضرب عنقه معاوية بن يزيد بن الملهب. وممن ساد صغيراً مخلد بن يزيد بن المهلب. قال فيه حمزة بن بيض: بلغت لعشر مضت من سنيك ... ما يبلغ السيد الأشيب فهمك فيها جسام الأمور ... وهم لداتك أن يلعبوا وأصبح مخلد عند عمر بن عبد العزيز فيما طلب به يزيد أبوه، فحاجه ودفع عن أبيه ما كان يطلب به، ثم مات بعقب ذلك، فقال عمر: لو أراد الله تعالى بأهل ذلك البيت خيراً لأبقى لهم ذلك الغلام.

стр. 54

وقال عمر بن عبد العزيز لأبي مجلز: ما تقول في فلان؟. فقال: يكافئ الأكفاء ويعادي الأعداء، ويفعل ما يشاء. وقيل لعبد الله بن الأهتم: ما السرور؟. قال: رفع الأولياء، وحط الأعداء، وطول البقاء مع القدرة والنماء. ومر عثمان بن عفان ﵁ على مجلس بني مخزوم، وفيهم عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فوقف عليهم ثم قال: إني ليسرني ما أرى من جمالكم وعددكم. فقال بعضهم: فما يمنعك يا أمير المؤمنين أن تزوج بعضنا؟ فقال: إن شاء عبد الرحمن فعلت: قال عبد الرحمن: فإني أشاء. فزوجه مريم بنت عثمان. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: ثلاثة من قريش أخلاقاً وأصبحها وجوها، وأشدها حياء. إن حدثوك لم يكذبوك، وإن حدثتهم بحق أو بباطل لم يكذبوك: أبو بكر الصديق، وأبو عبيدة بن الجراح، وعثمان بن عفان ﵃ أجمعين. وقال النابغة الذبياني: لله عينا من رأى أهل قبه ... أضر لمن عادى وأكثر نافعا وأعظم أحلاماً وأكثر سيداً ... وأفضل مشفوعاً إليه وشافعا غداة غدوا فيهم ملوك وسوقة ... يوصون بالأفعال أروع بارعا متى تلقهم لا تلق للبيت عورة ... ولا الضيف ممنوعاً ولا الجار ضائعا الملوك أهل بيت المملكة، والسوقة: كل من ينساق للملوك. وليس هو اسما يلزم أهل الأسواق والتجار. وأما أهل اليمن فالتبابعة والعباهلة ليس فوقهم أحد. ثم المقاول وهم الأقيال والأقوال. وأحدهم قيل ومقول. وهم ستون رجلا. ثم المثامنة وهم ثمانون رجلا، فكانوا إذا مات تبع وضعوا الشورى في الأقيال، فإذا أخرجوا

стр. 55

واحداً من الأقيال فجعلوه تبعاً أدخلوا في المثامنة واحداً منهم. وكانت علامة الملوك التتويج. قالت الخزرج للنبي ﷺ في عبد الله بن أبي سلول: والله يا رسول الله لقد جئتنا حين نظمنا له الخرز لنتوجه. أي فهو يحسدك لما زال عنه. وكان منافقا، رأساً لهم. قال عبد الكريم: ومن أحسن ما ينشد في دار مقامة القوم من الشعر الجامع لخصال المدح قول حسان بن ثابت الأنصاري في آل جفنة الغساني: لله در عصابة نادمتها ... يوماً بجلق في الزمان الأول يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شم الأنوف من الطراز الأول يمشون في الزرد المضاعف نسجه ... مشي الجمال إلى الجمال البزل يسقون من ورد البريص عليهم ... كأساً تصفق بالرحيق السلسل قوله: (حول قبر أبيهم) أي هم أرباب مدائن وقصور، وقرار، لا ينتجعون من عدم، ولا يرتحلون من ضيم، وأنهم حول قبور آبائهم ومنازل أوائلهم ودار عزهم. ويقال إن معنى قوله: على قبر أبيهم مقيمون على مآثره وسنته. والأول أصح. وقوله: (ابن مارية) للشاعر أن يسمى الملك ويدعوه باسم أمه في الشعر.

стр. 56

وباسمه بغير كنية. وليس ذلك بغير الشعر بجائز إلا بضرورة على وجه الاحتقار. وهذا من فضل الشعر. وقوله: (بيض الوجوه): يريد أنهم متهللون عند السؤال ولم يقع عليهم بشيء فيغير ألوانهم. ثم قال: الكريم والكرم اسم محيط بجميع أسباب الخير. ثم قال: لا، بل هو مفضل. وقوله: (يغشون حتى ما تهر كلابهم) أي قد عرفت الضيفان لدوامهم على القرى كما قال ابن هرمة: يكاد إذا ما أبصر الضيف كلبهم ... يكلهم من حبه وهو أعجم وقال غيره: وكلبك آنس بالزائرين ... من الأم بابنتها الزائرة وقوله: (لا يسألون عن السواد المقبل) أي لا يخلعهم السواد الأعظم. ثم قال: هم ملوك يسقون البريص مكان اللبن، أي الخمر المصفقة بالمسك أو جنى النحل. ثم قال: (شم الأنوف). يريد أنهم أباة للضيم منكرون للخسف. والإنسان إذا أنف رفع أنفه. شبهوا ذلك بالشمم، وهو ارتفاع طرف الأنف. وقال أبو سفيان للنبي ﷺ يوم فتح مكة: كأنك أردت بقريش سوءاً. قال: بل هذا يوم يرفع الله به قريشا. قال: فما بال سعد بن عبادة يمضى بلوائه قدماً وهو يقول:

стр. 57

اليوم يوم الملحمة ... اليوم تستحل المحرمة فقال رسول الله ﷺ لبعض قريش: الحق سعداً وانزع اللواء من يده فإنه يضاهي قول يهود. ودخل عوف بن محلم الشيباني على ابنته أم إياس وقد انكحتها أمها مارية بنت كثير بن زهير التغلبي من حجر بن عمرو آكل المرار، وكان عوف قدم من غزو له فأنكر هذه القباب والبيوت فسأل امرأته عن القصة، فأخبرته أنها زوجت ابنته. قال: وإلهي لئن كنت عدوت حجر بن عمرو لأصلبنك على أطول شجرة بهذا الوادي. قالت: إنه ملك، ولا أدري أحجر هو أم لا؟ فتولج عليها القبة فلما رآه قال: إي، ورب الكعبة. ولعوف بن محلم الشيباني يقول المنذر بن ماء السماء: لا حر بوادي عوف. وذلك أن المنذر كان يطلب زهير بن أمية الشيباني بذحل، فمنعه عوف بن محلم، وأبى أن يسلمه، فعندها قال المنذر: لا حر بوادي عوف. وقيل معناه: إن كل من صاد في ناحيته خضع وذل. وقيل إنه كان يقتل الأسرى ولا يعتقهم. وقالت امرأة عقيل بن أبي طالب وهي بنت عقبة بن ربيعة: لا يحبكم قلبي يا بني هاشم أبداً. أين أخي؟، أين عمي؟، أين أبي؟. أين فلان؟ تعدد آباءها وقومها. كأنهم سيوف الذهب، وكأن أعناقهم أباريق الفضة ترد أنوفهم الماء قبل شفاهم. وقول حسان: (من الطراز الأول) يريد أنهم ممن لم يتغير شبهه بسوء الولادة، ولم تبدله أرحام غير الأكفاء، وأنهم على ذلك الخلق الأول والشيم المعروفة، لم يتحولوا عنها. ونظير أبيات حسان في جمعها وجوه الممادح شعر النابغة في جمعه وجوه المقابح في هجائه للنعمان بن المنذر:

стр. 58

خبروني بني السقيفة ما ... يمنع فقعاً بقر قران نزولا قبح الله ثم ثنى بلعن ... وارث الصائغ الجبان الجهولا من يضر الأدنى ويعجز عن ... ضر الأقاصي ومن يخون الخليلا يجمع الجيش ذا الألوف ويغزو ... ثم لا يرزأ العدو فتيلا تدبر هذه الأبيات. فانك تجدها غاية فيما تكره العرب وتتشاتم به. ألا ترى كيف جمع في بيت واحد القبح، وفيه الاستيلاء على جميع ما يكره ويستشنع، واللعن وهو النفي والطرد، ثم جعله موضعاً لئيم الخال. والعرب تتمادح بالخال. قال الفرزدق يفخر بخاله. خالي الذي عضب الملوك نفوسهم ... وإليه كان جباء جفنه يحمل وأم النعمان بن المنذر كانت سلمى بنت عطية الصائغ اليهودي من أهل فدك. ثم قال: الجبان الجهول، وهما من شر ما يقذف به. قال الشاعر. جهلاً علينا، وجبناً عن عدوكم ... لبئست الخلتان: الجهل والجبن وكان يقال: شر أخلاق الملوك الجبن عن الأعداد الأقوياء، والقسوة على الضعفاء، والبخل عن الإعطاء قال بعض الشعراء: الجبن عار، وفي الإقدام مكرمة ... ومن يفر لا ينجو من القدر لا تبخلن ولا تجزع فإنهما ... ليسا يزيدان في مال ولا عمر ثم جعله عاجزاً ضعيفاً يضر الأدنى، ويقصر عن ضر من بعد منه، خائناً لخليله: قال الشاعر يمدح رجلاً بالأمانة: لم تره جارة يمشي لساحتها ... لريبة حين يخلي بيته الجار مثل الرديني لم تدنس عمامته ... كأنه تحت طي البرد أسوار

стр. 59

والخيانة تجمع الغدر، وقلة الوفاء، وخيانة الجار في أهله، والتقصير والعجز. قال بعض الشعراء يذكر العفاف: وبتنا خلاف الحي لا نحن منهم ... ولا نحن بالأعداء مختلطان وبات يقيناً ساقط الطل والندى ... من الليل بردا يمنة عطران نذود بذكر الله عنا غوى الصبا ... إذا هم قلبا نينا يردان ثم وصفه بالخيبة في مغازيه، وقلة الفوز والظفر، وحرمان التوفيق، وتأخر الإقدام. فسبحان من يسره لجمع هذه المخازي. ولقد نعلم من جمع أكثر منها وأخزى بمن هو أشبه الناس بالنعمان خلقاً وأفعالا في المساوئ، ويزيد عليه بأشياء أخر. قال بعض الشعراء للقناع، وهو الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة أخو عمر بن أبي ربيعة الشاعر، وقيل له القناع لأنه رأى مكيال أهل البصرة صغير المنظر يحمل دقيقاً كثيرا، وكان غير عليهم المكاييل، فقال: إن مكيالكم هذا لقناع والقناع الذي يقنع ما فيه أي يستر، ويقال للعنقة: القنع، لأنه يحبس رأسه. فقال الشاعر يذكر تخلفه: سار بنا القناع سيراً نكرا ... يسير يوماً ويقيم شهرا يصفه بقلة الإقدام على الخوارج، وأن تركه المناجزة عن جبن وتقصير لا عن حزم وتدبير. وبلغ من تقصيره أنه لما لامه إبراهيم بن الأشقر على

стр. 60

القعود عن الخوارج خرج إلى النخيلة في ستة آلاف فارس، وأقام بين دباها ودبيرا خمسة أيام فقال الشاعر فيه: إن القناع سار سيراً ملسا ... بين دباها ودبيراً خمساً وقتلت الخوارج امرأة بحذائه، ليس بينها وبينهم غير الجسر، وقتلوا أباها بين يدها. وكانت تستغيث بالقناع هي وجماعة من النساء قتلن معها والناس يتفلتون للخروج، والقناع يمنعهم حتى رحلت الخوارج ورجع بالناس إلى الكوفة دون قتال، ومضوا موفورين. وكان الحارث بن عبد الله يجلس هو وعمرو بن عبد الله بن صفوان، ما يكادان يفترقان. وكان عمرو يبعث إلى الحارث في كل يوم بقربة من ألبان إبله فاختلف بينهما، فأتى عمرو أهله فقال: لا تبعثوا إلى الحارث باللبن، فأنا لا نأمن أن يرده علينا. وانقلب الحارث إلى أهله فقال: هل أتاكم اللبن؟. قالوا: لا فلما راح الحارث مر بعمرو بن عبد الله فقال: يا هذا لا تجمعن علينا الهجرة وحبس اللبن. فقال: أما إذا قلت هذا. فو الله لا يحملها إليك غير فحملها من داره إلى دار الحارث وبينهما بعد كثير. وكان حمزة بن عبد الله بن الزبير من أجود الناس على جبن فيه وضعف. وأمه تماضر بنت زياد بن منظور بن سياد، من بني مازن بن فزارة. وكان يقال فيه: اعجب لأجود الناس من أبخل الناس، ولأجبن الناس من أشجع الناس، ومدحه الفرزدق فقال:

стр. 61

يا حمزة هل لك في ذي حاجة عرضت ... أنصاره بمكان غير ممطور وأنت احجى قريش أن تكون لها ... وأنت بين أبي بكر ومنظور بين الحواري والصديق صاحبه ... نبت في طيب الإسلام والخير وقال فيه: ما فاز في بدر ويوم حنينها ... إلا الفوارس من بني العوام أسل من المران في أيديهم ... قامت بهن دعائم الإسلام وقال أيضاً: ألم ترني شجيت بآل حرب ... وساغ بنو صفية في لهاتي وغر كالسلام بعث منها ... غوادي في البلاد مشمرات نزعت لمصعب منها ذنوباً ... مذللة بأفواه السراة أليس أبوك فارس يوم بدر ... وأيام النبي الصالحات ولبعضهم: ليت شعري ولليالي صروف ... هل أرى مرة بقيع الزبير ذاك معنى ألذه وقطين ... تفرح النفس أن أراهم بخير وفي ذكر العمائم العرب تقول: معمم. أي مناط به أمر العشيرة فيستحق أن يتعمم. وسيد عمم: أي ضخم تام. وأنشد عبد الملك يوماً وعنده عرار بن عمرو بن شاس، ولم يعرفه: أردت عراراً بالهوان ومن يرد ... عراراً لعمري بالهوان فقد ظلم

стр. 62

فقال: أتعرف عراراً يا أمير المؤمنين؟. قال: لا. قال: فأنا عرار بن عمرو، فأحسن إليه. وكان عرار من أمة سوداء، وكانت امرأته الحرة تهينه. وكان أبو أحيحة سعيد بن العاص إذا اعتم لم يعتم معه أحد من بني عبد شمس، فلذلك قال الشاعر: أبو أميمة من يعتم عمته ... يجلد، ولو كان ذا أهل وفي ولد وقال أبو قيس بن الأسلت: فكان أبو أميمة قد علمتم ... بمكة غير مهتضم ذميم إذا شد العمامة ذات يوم ... وقام إلى المجالس والخصوم فقد حرمت على من كان يمشي ... بمكة غير مدخل سقيم وكان البحتري غداة جمع ... يدافعهم بلقمان الحكيم بأزهر من سراة بني لؤي ... كبدر الليل راق على النجوم وحطت ذوائب الفرعين منها ... وأنت لباب سرهم الصميم وقال غيره: إذا سفروا بعد التهجد والسرى ... جلوا عن عراب السن بيض الصحائف أي حلوا عمائمهم عن وجوه تعرب سنها عن عتقهم وكرم أصولهم، كما قيل في المثل: (إن الجواد عينه فراره). والصحائف صحائف وجوههم.

стр. 63

وقال أبو يعقوب الخريمي: إذ شدوا عمائمهم لووها ... على كرم وإن سفروا أناروا يبيع ويشتري لهم سواهم ... ولكن بالطعان هم تجار إذا ما كنت جار بني خريم ... فأنت لأكرم الثقلين جار قال الجاحظ: كان أبو يعقوب الخريمي يدعى الأعور، ثم عمي قبل موته بسنين وهو يدعى الأعور. وهو مولى خريم الناعم، وهو من المشهورين بالنسب إلى مولاه. وكثير من الموالي وغيرهم لا ينسب إلا بما غلب عليه وأكثر منه فشهر به، وربما غلب عليه غير نسبه. منهم أبو مسعود البدري، ولم يشهد بدراً، وهو صاحب نزل ماء بدر وإسماعيل السدي كان يبيع الخمرة في سدة المسجد ومنهم رياش [الجذامي] مولى محمد بن سليمان، وليس لمولاه، ولكنه من جذام، وكان منقطعا إليه. ومنهم سعيد بن زير [الجعفري] مولى جعفر، وهو من بني كلاب منقطع إلى جعفر بن سليمان، واليزيدي النحوي منقطع إلى يزيد بن منصور الحميري، وأبو علي الجرمازي، وليس بجرمازي، وإنما كان ساكنا في طرف بني الجرماز. وأبو حسان الزيادي قاضي فارس، وليس من آل زياد، وإنما جده كان منقطعاً إلى زياد. وسليمان التيمي مولى لبنى قيس بن ثعلبة، وكان نازلا في بني تيم، وأحمد الطحيمي الزاهد مولى لبنى ثعلبة بن يربوع، وأخوه محارب من صليبة بني الطحيم. والحكم بن عمر العقاري صاحب خراسان، وعتبة بن غزوان هو من

стр. 64

بني مازن بن منصور أخي سليم وصفوان بن محرز المازني الذي بكى حتى ذهبت عينه. هو من غسان أخي مازن بن منصور. وواصل بن عطاء الغزال رئيس المعتزلة أنه لما كان يجلس إلى أبي عبد الله الغزال مولى قطن الهلالي. وأبو سلمة الخلال ليس بخلال، وإنما كانت داره في الخلالين، وله حوانيت يباع فيها الخل. ومثله خالد الحذاء. كان يجلس إلى رجل حذاء. وممن عمي بعد عوره أو عشاه، فبقي على ما نسب إليه أولا الأعشى الشاعر والأخفش النحوي، وأبو يعقوب الخريمي، وخريم الناعم المري من ولد خارجه بن يسار صاحب الحمالة بين عبس وغطفان (ذبيان)، وهو بيت بني مرة. وخريم الذي يقول، وقد قيل له: ما النعمة؟ قال: الأمن، فإنه ليس لخائف عيش، والغنى، فانه ليس لفقير عيش، والصحة فانه ليس لسقيم عيش ثم لا مزيد بعد هذا. وإنما سمي الناعم لأنه كان يلبس البالي في الصيف والجديد في الشتاء. أتى الحجاج بأساري من الترك، فأمر بقتلهم، فقال له رجل منهم: أطلب إليك أيها الأمير حاجة ليس عليك فيها مؤنة. قال: ما هي؟ قال: تأمر رجلا من أصحابك شريفا يقتلني، فإني رجل شريف. فسأل عنه أصحابه فقالوا كذلك هو، فأمر خريما الناعم المريء بقتله، فلما أقبل نحوه، وكان دميما أسود أفطس صرخ الرجل فقال الحجاج: سلوه ما له؟ قال: طلبت إليك أن دميما أسود أفطس صرخ الرجل فقال الحجاج: سلوه ما له؟. قال: طلبت إليك أن تأمر بقتلي رجلا شريفاً فأمرت هذا الخنفساء؟!. . . فقال الحجاج: إنه لجاهل بما تبتغي غطفان يوم أضلت. أراد قول زهير في خارجة بن سنان: وإن الرزية لا رزية مثلها ... ما تبتغي غطفان يوم أضلت

стр. 65

يبغون خير الناس كما واحداً ... عظمت رزيته الغداة وجلت إن الركاب لتبتغي ذا مرة ... بجنوب نخل إذا الشهور أهلت يقال عن خارجه إنه كبر وإنه ضل بنخل فلم ير بعد. ولما حضرت أمه الوفاة وهي حامل به قد أتمت قالت: إني لأجد مس الجنين في بطني حيا فأتوني بحديدة، فأتوها بها فبقرت بطنها بنفسها، وقالت: استوصوا به خيراً فانه أبيض طوال، وماتت، فسمى خارجة البقير. وهو الذي رهن قوسه في دماء عبس وذبيان بألف ناقة، واشترك معه أبوه وابن عمه الحارث بن عوف بن حارثة. ففيهما يقول زهير: فرحت بما خبرت عن سيديكم ... وكانا امرأين كل أمرهما يعلو تداركتما الأحلاف قد ثل عرشها ... وذبيان قد زلت بأقدامها النعل فأصبحتما منها على خير موطن ... سبيلكما فيها وإن أحزنوا سهل فأديا ألف ناقة هو وابن عمه، وأديا بعد ذلك مائتي ناقة في القتيلين اللذين قتلهما ابنا ضمضم بعد الصلح، ففي ذلك يقول شبيب بن البرصاء: ونحن رهنا القوس في حرب داحس ... بألف وزيدت بعدها مائتان

стр. 66

باب في ذكر بيوتات العرب بيوتات العرب ثلاثة، فبيت قيس في الجاهلية فزاره ومركزه بنو بدر. وبيت ربيعة شيبان، ومركزه بنو ذي الجدين. وبيت تميم بنو عبد الله ابن دارم، ومركزه بنو زرارة. هذا قول أبي عبيدة. وقال أبو عمرو بن العلاء ثم ثلاثة من بني دارم: آل خالد بن سلمى بن جندل، ثم يليه بيت بني صعصعة من بني مجاشع، وبيت بني ثعلبة بن يربوع آل عتاب بن هرمي بن رياح كانوا أرداف الملوك. وبيت بني ثعلبة بن يربوع آل شهاب بن عبد قيس، وبيت بني عمرو بن تميم، بيت بني عاصرة من بلعنبر، ومن بني سعد بيتان. بيت بني علاق وبني شهاب، وبيت بني شيبان بن خالد منهم قيس بن عاصم. وكان النبي ﷺ بعث عاصره بن سمرة على الصدقات. وقال أبو عمر: بيت بني سعد اليوم آل الزبرقان بن بدر من بني بهدلة بن سعد، وبيت بني ضبة بنو ضرار بن عمير وهو الرديم. وبيت بني عدي بن عبد مناة آل شهاب من بني ملكان، وبيت اليتم آل النعمان بن جساس. قال ابن الكلبي: كان أبي يقول: العدد من تميم في بني سعد والبيت في دارم، والفرسان في يربوع. والبيت من قيس في غطفان ثم في بني فزارة، والعدد في بني عامر والفرسان في بني سليم. والعدد من ربيعة والبيت والفرسان في بني شيبان. وكان يقال: إذا كنت من تميم ففاخر بحنظلة وكاثر بسعد وحارب بعمرو. وإذا كنت من قيس ففاخر بغطفان وكاثر بهوازن، وحارب بسليم، وإذا كنت من بكر ففاخر بشيبان، وحارب بشيبان، وكاثر بشيبان.

стр. 67

قال أبو عبيدة: ليس في العرب أشرف ولا أعد، ولا أكثر فرسانا من بكر وتغلب ابني وائل والعدد من ربيعة وفرسانها. والبيت في بني شيبان، وليس كذلك أحد من العرب لأن البيت من تميم في دارم. والعد في سعد، والفرسان في يربوع، والبيت من قيس فزاره وليست باعد قيس، ولا أكثر فرسانا قال: وليس في العرب أربعة اخوة أنجب ولا أعد. ولا أكثر فرساناً من بني ثعلبة بن عكابة. وكان يقال له الأعز والحصن، وبنوه شيبان وذهل وقيس، وتيم الله. قال: وفارس غطفان الربيع بن زياد العبسى، وفاتكها الحارث بن ظالم، وحكمها هرم بن قطبة. وجوادها هرم بن سنان المرى، وشاعرها النابغة الذبياني. وفارس بني تميم عتيبة بن الحارث اليربوعي، قتله دؤاب بن ربيعة الأسدي وفارس عمرو بن تميم طريف بن تميم العنبري. وفارس دارم عمرو بن عمرو بن عدس، وفارس بني سعد فدكي بن أعين المنقري. وفارس الرباب زيد الفوارس الضبي. وفارس قيس عامر بن الطفيل، وفارس ربيعة بسطام بن قيس. فإذا اختلف الناس في عامر وبسطام وعتيبة أيهم كان أشرف؟. احتج كل فارس منهم بعثرة الآخر، فقالوا: بسطام فر عن قومه يوم البطالى، وأسره عتيبة ابن الحارث يوم الغبيظ، وقتله عامر بن خليفة الضبي. وفارس بني قيس بن ثعلبة أبو مالك حمران بن عبد عمرو بن بشر بن مرثد ومسمع بن شيبان أبو المسامعة. وفارس تميم الله بن ثعلبة عمرو بن لأي. وفارس غنى رياح بن الأسل

стр. 68

وفارس باهلة شقيق بن جزء القيني. وكان دريد بن الصمة فارس عجز هوازن. قال ابن سلام: فارس اليمن عمرو بن معدى كرب الزبيدي، وشاعرها امرؤ القيس بن حجر الكندي وبيتها في كندة الأشعث بن قيس لا يختلف في هذا، وإنما الاختلاف في مضر. قال: وإنما الشرف ما كان قبل النبي ﵇ ثم اتصل بالإسلام. لقي المغيرة بن شعبة أعرابيا من بني تيم الله بن ثعلبة يقال له ابن لسان الحمرة فقال له: كيف علمك بربيعة؟. قال: أعلم الناس بهم. قال: ماتقول في قومك؟. قال: رعاة الغنم. قال: فما تقول في بني ذهل؟ قال: سادة نوكا. قال: ما تقول في شيبان؟. قال: ساداتنا وسادة غيرنا. قال: فبنو قيس بن ثعلبة؟ قال: إن جاوروك سرقوك، وإن ائتمنتهم خانوك وإن حدثوك كذبوك. قال: فما تقول في بني حنيفة؟. قال: يطعمون الطعام ويضربون الهام. قال: فما تقول في عجل؟. قال: أحلاس الخيل. قال: فبنو يشكر؟ قال: صريح تحسبهم موالي. أي فيهم حمرة. قال: فما تقول في عنزة؟. قال: خدعا وعفوا قال: فبنو ضبيعة قال: لا يلتقي بهم السيفان من لؤمهم. وكانت الحكومة في قيس والحمالات والملمات والأحلام والعقل في بني مازن ابن فزارة. ومنهم هرم بن قطنة بن سيار، وهو صاحب الحكومة، مسافر بن علقمة بن علاثة، وعامر بن الطفيل. قال أبو عبيدة: سأل معاوية شيخا من يقايا العرب: أي العرب رأيته أفخم شأنا؟. قال: حصن بن حذيفة، رأيته متوكئا على فرسه يقسم في الحليفتين أسد وغطفان.

стр. 69

وقال حاتم الطائي: إن كنت كارهة معيشتنا ... هاأنا فحلي في بني بدر الضاربين لدى أعنتهم ... والطاعنين وخيلهم تجرى جاورهم زمن الفساد فنعم ... القوم في اللأواء والعسر صبر على حلب اللقاح معا ... جيف العضال أعفة الفقر فبعث بالماء النمير فلم ... أترك ألاطم حماة الحفر ودعيت في أولى الندى ولم ... ينظر إلى بأعين خزر ورد أسيار بن عمرو ولد النعمان بن المنذر أو الأسود بن المنذر الذي قتله الحارث بن ظالم المرى ألف بعير. حمل ذلك ابن النعمان فقال الشاعر: لعسر ما بين الملوك سعى بها ... ليجمد سيار بن عمرو فأسرعا

стр. 70

باب في ذكر اللباس والطيب أنشد الطائي: يمشون في حلل الملوك عليهم ... والمسك في عطف لهم ومآزر قد اليمانية القواطع قدهم ... ليسوا بمتلئي البطون ضباطر بأولاك يفخر بعدهم أبناؤهم ... أصحاب ألوية وركب منابر وكان ابن عمر يستجمر بعود غير مطرى، ويجعل معه الكافور، ويقول: هكذا كان رسول الله ﷺ يستجمر. وكانت ملحفة رسول الله ﷺ التي يلبس في أهله مورسه. وقال أخر: رأيت على رأس ابن الزبير ما لو كان لي لكان رأس مال. وكان ابن عباس يطلي رأسه بالمسك، فإذا مر بالطريق قال الناس: مر ابن عباس أم مر المسك. وقال هشام بن عروة: كان عمر من أجود الناس غالية. وقال رسول الله ﷺ : خير طيب الرجال ما ظهرت ريحه وخفي لونه، وخير طيب النساء ما ظهر لونه وخفيت ريحه. ويقال: مسك مروح. من قوة ريحه إذا قوى بغيره، كما يقال عود مطري. قال الشاعر: خودُ يكون بها القليل تمسه ... من طيبها عبقاً يطيب ويكثر شكر الكرامة جلدها وصفالها ... إن القبيحة جلدها لا يشكر

стр. 71

ولامرئ القيس: خليلي مرا بي على أم جندب ... نقضي لبانات الفؤاد المعذب ألم ترياني كلما جئت طارقاً ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيب وقال البحتري: إذا خطرت تأرج حانياها ... كما خطرت على الروض القبول ويحسن دلها والموت فيه ... كما يستحسن السيف الصقيل وله أيضاً: يذكرنيك والذكرى عناء ... مشابه فيه بينة الشكول نسيم الورد في ريح شمال ... وريح المسك في راح شمول ولغيره: لم ألقها قط إلا وهي عاطرة ... وما تعطر إلا في الأحايين حتى كأن إله الناس صورها ... من ماء عنبرة والخلق من طين وقال أبو عباس المكي الأعمى، مولى بني الدؤل في بني أمية: ليت شعري من ابن رائحة المسك ... ومما إن إخال بالخيف أنسي حين غابت بنو أمية عنها ... والبهاليل من بني عبد شمس خطباء على المنابر فرسان ... عليها وقالة غير خرس لا يعانون صامتين وإن قالوا ... أضافوا ولم يقولوا بلبس بحلوم إذا الحلوم استخفت ... ووجوه مثل الدنانير ملس

стр. 72

وله فيهم: فكدت ووافيت الجمار عشية ... ولم تبد لي إلا ليال قلائل أموت أسى ثم ارعويت لصاحبي ... فقلت له أين القروم الجحافل شهدت لقد وافت معد بقلة ... وذو يمن أو ما أرى ما أحاول أبادوا فما ترمى جماراً حصاهم ... أم أمست خلت من عبد شمس المنازل يعني منازل الحج بمنى. كان الزبير قد كسا من كان بمكة من الشعراء، ولم يكس أبا العباس الأعمى لقربه من بني أمية، واتصاله بهم فقال: لم تر عيني مثل قوم تحملوا ... إلى الشام مظلومين منذ بريت أبر بأيمان وأوفى بذمة ... وأعلم بالمسكين حيث يبيت كست أسد إخوانها ولو أنني ... بحضرة إخواني إذا لكسيت فبلغ قوله عبد الملك، فأمر له بكسوة، وأمر من كان من أهل بيته وبنى عمه ووجوه بني أمية أن تبعث إليه كل واحد بكسوة ففعلوا. كان رجل يقول إنني بعشرة آلاف إنسان فمات فلما حمل على نعشه صر النعش، فقال رجل كان حاضراً: وليس صرير النعش ما تسمعونه ... ولكنه أصلاب قوم تقصف وليس فتيق المسك ما تجدونه ... ولكنه ذاك الثناء المخلف نظر رجل إلى هلال بن أحوز التميمي وقد أطافت به بنو تميم فقال: انظروا إليهم كأنهم إنما طافوا بعيسى بن مريم، فقال له رجل من بني تميم. هذا عيسى صلى الله عليه كان يحي الموتى. وهذا يميت الأحياء، وذلك حين قدم من أرض السند بعد أن قتلت تميم الأزد وبني المهلب. وذم رجل الأشتر النخعي فقال له رجل: أسكت وإن جفانه هزمت أهل الشام، وموته هزم أهل العراق.

стр. 73

باب يذكر فيه ما قيل في الجمال وحسن الوجوه قال الشاعر: إن المهالبة الكرام تحملوا ... دفع المكاره عن ذوى المكروه دانوا قديمهم بحسن حديثهم ... وكريم أخلاق بحسن وجوه وقال آخر: آل المهلب قوم خولوا شرفاً ... ما ناله عربي لا ولا كادا لو قيل للمجد خذ عنهم وخلهم ... بما احتكمت من الدنيا لما جادا إن المكارم أرواح يكون لها ... آل المهلب دون الناس أجسادا وقال أبو بكر ﵁ يوم السقيفة للأنصار: نحن المهاجرون أول الناس إسلاماً، وأوسطهم داراً، وأكرمهم أحساباً، وأحسنهم وجوهاً وأكثر الناس ولادة في العرب، وأمسهم برسول الله ﷺ رحما. أسلمنا قبلكم، وقدمنا في القرآن عليكم، وأنتم إخواننا في الدين وشركاؤنا في الفيء، وأنصارنا على العدو، آويتم وأنسبتم فجزاكم الله خيراً. نحن الأمراء وأنتم الوزراء. لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش، وأنتم خليقون ألا تنفسوا على إخوانكم من المهاجرين ما ساق الله إليهم من خير. قال بعض آل الزبير: جلست في مجلس بالبصرة فنسبني شيخ من أهلها فانتسبت له فبكى ثم قال: كأني أنظر إلى مصعب بن الزبير على منبر

стр. 74

هذا المسجد، وهو كأجمل الفتيان والفرزدق قائم بين يديه ترعد فرائصه وهو يقول: عجبت لأقوام تميم أبوهم ... وهم بعد في سعد عظام المبارك وكانوا أعز الناس قبل مسيرهم ... مع الأزد مصفراً لحاها ومالك فما ظنكم بابن الحواري مصعب ... إذا افتر عن أنيابه غير ضاحك ونحن نفينا مالكاً عن بلاده ... ونحن فقأنا عينه بالنيازك يعني مالك بن مسمع من بكر بن وائل. وهو سيد بكر بالبصرة. ويقال: إذا غضب مالك غضب له مائة ألف سيف لا يسألونه فيم غضب. وطردته بنو تميم من البصرة حين انهزمت المروانية عن وقعة الجفرة، وفقأوا عينه، فلحق بنجدة بن عامر الحنفي، فأكرمه، وأقام عنده حتى هلك مصعب، فرجع إلى البصرة، وأعطاه نجدة مائة من الإبل. فقالت له الخوارج: أتعطى رجلا منافقاً. قال: أردت أن أتألفه. وقد أعطى رسول الله ﷺ المؤلفة قلوبهم. والذي تولى قتل مصعب عبيد الله بن زياد بن طيبان، وكان يطلبه بثأر أخيه الثاني ابن زياد، وكان أخذ في سرق، فأمر به صاحب الشرطة فضربه فمات. دخل عبد الله بن الزبير الأسدي على مصعب بن الزبير، فقال له: أنت الذي تقول

стр. 75

إلى رجب أو غرة الشهر بعده ... توافيكم حمر المنايا وسودها ثمانون ألفا دين عثمان دينها ... مسومة جبريل فيها يقودها وكان مع المختار بن أبي عبيد، ففزع الأسدي فقال: نعم أمتع الله بك فعفى عنه ووصله. فقال: جزى الله عنا مصعباً إن فضله ... يعيش به الجاني ومن ليس جانيا ويعفو عن الذنب العظيم اجترامه ... ويوليك بالإحسان ما لست ناسيا ثم إن بصر عبد الله الشاعر ضر بعد ذلك، فلقي عبيد الله بن زياد بن طيبان فسمع كلامه فعرفه، فأدركه وقال له: أنت قتلت مصعب. وأنشده: أبا مطر شلت يمين تفرعت ... بسيفك رأس ابن الحواري مصعب ولا ظفرت كفاك بالخير بعده ... ولا عشت إلا في (بوار مخيب) قتلت فتى كانت يداه بفضله ... تسحان سح العارض المتصوب أغر كضوء البدر صورة وجهه ... إذا ما بدا في الجحفل المتكتب قال: نعم والله، فما أفلحنا بعده، ولا أنجحنا، فهل توبة؟. قال له الزبير: سبق السيف العذل. هذا مثل، قاله ضبة بن أد، وكان له أبنان، سعد وسعيد، فخرجا في طلب إبل لهما، فرجع سعيد، فكان ضبة يسير ومعه الحارث بن كعب في الشهر الحرام إذا بهما على مكان فقال الحارث: أترى هذا الموضع فاني لقيت به فتى من صفته كذا وكذا فقتلته، وأخذت هذا السيف منه. فإذا هي صفة سعيد. فقال له ضبة: أدن السيف أنظر إليه، فناوله فعرفه
следующие страницы →