Полный текст (334 стр.). Показаны 316–334 · переход к 321.
стр. 316
تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها إن الكرام قليل
وما ضر من كانت بقاياه مثلنا ... شباب تسامى للعلا وكهول
وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز، وجار الأكثرين ذليل
لنا جبل يحتله من نجيره ... منيع يرد الطرف وهو كليل
رسا أصله تحت الثرى وسما به ... إلى النجم فرع لا ينال طويل
ونحن أناس لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول
يقصر من أعمارنا حبنا له ... وتكرهه آجالهم فتطول
وما مات منا سيد في فراشه ... ولا طل منا حيث كان قتيل
تسيل على حد السيوف نفوسنا ... وليست على غير السيوف تسيل
صفونا فلم نكدر وأخلص سرنا ... إناث أطابت حملنا وفحول
علونا إلى خير الظهور وحطنا ... لوقت إلى خير البطون نزول
ونحن كماء المزن ما في نصالنا ... كهام، ولا فينا يعد بخيل
стр. 317
وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول
وأيامنا معلومة في عدونا ... لها غرر معلومة وحجول
وأسيافنا في كل شرق ومغرب ... بها من قراع الدارعين فلول
معودة أن لا تسل نصالها ... فتغمد حتى يستباح قبيل
سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم ... فليس سواءً عالم وجهول
إذ مات منا سيد قام سيد ... قؤول لما قال الرجل فعول
وما أخمدت نار لنا دون طارق ... ولا ذمنا في النازلين نزيل
وكان السموأل شاعراً كريماً شجاعاً، وهو أحد الأوفياء المذكورين بالوفاء وكان من خبر وفائه انه أجار قطين امرئ القيس بن حجر وأدراعه وكراعه حين توجه إلى ملك الروم، فلما مات أمرؤ القيس بأنقرة بعث الحارث بن أبي شمر الغساني إلى السموأل فيما استودعه امرؤ القيس، فأبى أن يسلمه إلا لمستحقه. فبعث إليه جيشاً عليه رجل من أهل بيته يقال له الحارث وكان السموأل ينزل حصنا يعرف بالأبلق الفرد من أرض تيماء. وإنما قيل له ذلك لأنه من حجارة بيض وسود. وكانت الزباء سارت إلى الأبلق هذا وإلى مارد حصن دومة الجندل، فامتنعا عليها، فقالت: تمرد مارد، وعز الأبلق.
فلما أخبر بهم أغلق باب حصنه، وكان له ابن إما في صيد، وإما في سفر، فجاء ولم يعلم أنه أطيف بأبيه، فأخذه الحارث وقال: أن أسلمت إلي
стр. 318
الوديعة خليت عن ابنك، وإلا قتلته ز فأبى أن يسلمها، فأخذ الحارث ابنه فصرعه، ثم ناداه: أشرف سموأل فانظر، فو الله لأقتلنه أو لتدفعن إلي الوديعة، فقال: إن الغدر طوق لا يبلى، ولابني هذا إخوة، وأنا أرجو أن يعقبنيه الله تعالى إن قتلته. فقتله. فقال السموأل في ذلك:
وفيت بأدرع الكندي إني ... إذا عاقدت أقواماً وفيت
بنى لي عاديا حصناً منيعاً ... وبئرا كلما شئت استقيت
وكان السموأل يهوديا من أهل تيماء
وقال الأعشى:
أرى عاديا لم يدفع الموت ماله ... وفرد بتيماء اليهودي أبلق
بناه سليمان بن داود حقبة ... له أزج عال وطي موثق
يوازي كبيدات السماء ودونه ... بلاط ودارات وقلس وخندق
له درمك في رأسه ومشارب ... ومسك وريحان وراح تصفق
فذلك لم يعجز من الموت ربه ... ولكن أتاه الموت لا يتأبق
وقال السموأل:
إن حلمي إذا تغيب عني ... فاعلمي أنني عظيماً رزيت
стр. 319
ضيق الصدر بالخيانة لا ينقض ... فقري أمانتي ما حييت
كم فظيع سمعته فتصاممت ... وعي تركته فكفيت
ليت شعري وأشعرن إذا ... ما قربوها منشورة ودعيت
ألي الفضل أم علي إذا حوسبت؟. ... إني على الحساب مقيت
ميت دهر قد كنت ثم حييت ... وحياتي رهن بأن سأموت
حكى أبو عبيدة أن عمرو بن ثعلبة بن الحارث الكلبي مر راجعاً من غزاة ومعه أسارى فلقي أعشى بني قيس بن ثعلبة يريد الشام يمدح آل جفنة، فانتسب إلى غير قومه، فقال أنا من تجار أهل البحرين، فأوثقه وطرحه في الأسر، ثم سار من فوره حتى نزل على شريح بن السموأل بن عاديا، فأحسن نزوله، وأكرمه، فسأل الأعشى: من الذي أنزله؟ فقيل له:
شريح فقال: والله لقد كنت امتدحت السموأل، فأرسل إلى شريح بذلك، وسأله أن يخلصه من ضيفه، وأعلمه أنه لا يعرف من هو. فاجتمع شرب عند الكلبي وفيهم شريح، فعرف الأعشى، فقال: من هذا؟ فقال: خشاش التقطته. فقال له: أحب أن تهبه لي. فقال: ما ترجو من هذا الأعمى الزمن؟. بل خذ أسيراً فداؤه مائة من الإبل. قال: بل هذا الأعمى، فاني أرحمه. فوهبه له، فأدخله شريح قصره، وذبح له شاة، وسبأ له خمراً، فلما نفذت فيه الكأس ترنم بهجاء الكلبي وقال:
بنو الشهر الحرام فلست منهم ... ولست من الكرام بني العبيد
ولا من رهط خبار بن قرط ... ولا من رهط حارثة بن زيد
стр. 320
فبلغ عمرو بن ثعلبة هجاؤه، وقيل له إنه الأعشى، فأرسل إلى شريح أن رد إلي هبتي قال: لا سبيل إلى ذلك، ولكن احتكم في المال ما شئت. قال: فانه قد هجاني. فقال: لا يأتيك منه إلا ما تحب. وأرسل شريح إلى الأعشى أن الرجل قد وهبك لي وأحسن ثم هجوته بئسما صنعت. فقال الأعشى: والله لا أهجوه أبداً، ثم أنشأ الأعشى يقول يخاطب شريح:
شريح لا تتركني بعد ما علقت ... ببطن كفك بعد القيد أظفاري
قد طفت ما بين بانقيا إلى عدن ... وطال في العجم تطوافي وتسياري
فكان أوفاهم عهداً وآمنهم ... جاراً أبوك بعرف غير إنكار
كالغيث ما استمطروه جاد الله ... وعند ذمته المستاسد الضاري
كن كالسموأل إذ طاف الهمام به ... في جحفل كسواد الليل جرار
بالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير غدار
خيره في خطتي خسف فقال له ... مهما تقله فإني سامع داري
فقال: ثكل وغدر أنت بينهما ... فاختر فما فيها حظ لمختار
فشك غير طويل ثم قال له ... اقتل أسيرك إني مانع جاري
وسوف يعقبنيه إن ظفرت به ... رب كريم وبيض ذات أطهار
فاختار أدراعه أن لا يسب بها ... ولم يكن عهده فيها بختار
стр. 321
وشريح الذي يقول:
آت الكرام إذا وجدت ... إلى إخائهم سبيلاً
واشرب بكأسهم وإن ... شربوا بها السم الثميلا
أأسيد إن مالاً ملكت ... فسر به سيراً جميلا
أأسيد إن المال لا ... يبكي إذا فقد الخليلا
إن الكريم إذا تؤا ... خيه وجدت له فضولا
وقال الفرزدق في مدحه سليمان بن عبد الملك حين أجار بني المهلب:
لعمري لقد أوفى وزاد وفاؤه ... على كل حال جار آل المهلب
وفاء أخي تيماء إذ هو مشرف ... يناديه مغلولاً فتى غير أجنبي
أبوه الذي قال اقتلوه فإنني ... سأمنع جاري أن يسب به أبي
فأدى إلى آل امرئ القيس ... بزه أدراعه معروفة لم تغيب
فأخبره بوفائه، وإيثاره مأثور الحديث على أن أسلم ولده لقاتله ولا يسب بغدره. ولو لم تضمن هذه الفعالة في الشعر لذهبت مع ما ذهب من سائر المنثور، ولذلك خاف جميل بن بدر على حذيفة بن بدر حين عرض على قيس بن زهير ما عرض ليكف عن قتله يوم الهباءة، وذلك بعد ما رأى شداد بن
стр. 322
معاوية واقفا على حفر الهباءة، وقد حال بينهم وببينه الجبل. فقال حذيفة: يا بني عبس أين العوذ والأحلام؟!، فضرب جميل بن بدر بين كتفيه. وقال له: أتق مأثور الحديث بعد اليوم. أراد ما يقع في شعر يروى فيه، فيبقى على وجه الدهر.
وقال الفرزدق يذكر وفاء الحارث بن ظالم لجاره:
ولم أر جاراً لامرئٍ يستجيره ... كجاري أوفى لي جواراً وامنعا
رمى بي إليه الخوف حتى أبيته ... وقد يمنع الحامي إذا ما تمنعا
فشمر عن ساقيه حتى تطامنت ... أنابيب نفسي واستقرت بها معا
كمنع أبي ليلى عياض بن ديهث ... عشية خاف القوم أن يتنزعا
أبو ليلى هو الحارث بن ظالم المري، وكان عياض بن ديهث التميمي مجاورا في غظفان. فأغارت بنو مرة بن ذبيان على ماله، فأتى أعلاق الحارث بن ظالم فعلق دلوه بها، وناداه يا حارثاه، فقال الحارث: والله ما أنت لي بجار. فقال: هذه دلوي قد علقت معالقها بدلاء رعائك. قال: جوار والله. فقام في قومه حتى رد عليه جميع ماله. فقال الفرزدق:
стр. 323
وقام أبو ليلى إليه بسيفه ... وكان متى ما يسلل السيف يضرب
وما كان غير جاراً دلو تعلقت ... بأعلاق حبل محكم العقد مكرب
وقال حبيب في ذلك:
لي حرمة لك لولا ما رعيت وما ... أوحيت من حقها ما خلتها تجب
بلى لقد سلفت في جاهليتهم ... في الحق ليس كحقي نصرة عجب
إن تعلق الدلو بالدلو الغريبة أو ... يلابس الظنب المستحصد الطنب
وأنشد الأخفش لنصيب الأشقر وذكر إبلا:
وردن بنا وابن الليالي كأنه ... حسام جلت عنه القيون صقيل
فما زلت أفنى كل يوم شباته ... إلى أن أتتك العيس وهو ضئيل
وأنشد لغيره:
لقد زاد الهلال إلي حبا ... عيون تلتقي عند الهلال
إذا ما لاح وهو سناً صغير ... نظرن إليه من خلل الحجال
حدث بعضهم قال: لما كان يزيد بن المهلب بالشام مع سليمان أتاه رجل من أهل الشام اسمه عقيل لما ولى يزيد العراق، فقال له: أحب أن تأذن لي في صحبتك فقال له: إذا كنا بواسط لحقتنا، فانصرفت عنه، ولم أر أنه أذن لي، فقيل لي: دون هذا يكفيك من يريد إذناً فلحقته بواسط، فأنزلني بدار الضيافة.
стр. 324
وأجرى علي ما يجري على أضيافه. فلما كان في الليلة الرابعة أحضرني سمره، فتحدث القوم وتحدثت معهم، فأعجب بي، ثم أفاضوا في ذكر الجواري، فسكت، فقال لي: مه!، فقلت:
أفاض القوم في ذكر الغواني ... وقال القوم مهيم يا عقيل
فقلت يقول أصحاب الجواري ... فأما الأعزبون فلن يقولوا
فضحك يزيد وقال: سنلحقكم بهم. فلما انصرفت أتبعني جارية وخصيا وبغلة، وفرش بيت، وعشرة جارية آلاف درهم، ثم تابع ذلك لي خمسة عشر يوماً، فأخذت خمس عشرة جارية وخمسة عشر خصيا، وخمس عشرة دابة، وخمسة عشر بيتاً، ومائة وخمسين ألف درهم. فقلت له: لقد بلغت فوق الأمل، فأذن لي باللحاق بقومي ليروا أثر نعمتك علي. فقال: اختر،
إن شئت أقمت ووليناك، وإن انصرفت وصلناك. فقلت: أبعد الذي كان صلة؟! فقال: مه يا عقيل، إنما ذلك لطف للمقيم، ولك عندنا هبة الشاخص. فوصلني وانصرفت.
ذكر بعض المؤلفين أن قوماً من الروم يدعون أنهم من غسان من آل أولاد جبلة بن الأيهم، لمسير جبلة إلى بلاد الروم، وقوم منهم يدعون أنهم من إياد وأنه دخل مع هرقل لما هزمه المسلمون من الشام وسبعين ألف عربي، ونزلوا أنقرة. والديلم يدعون أنهم من بني ضبة، وكان باسل بن ضبة نافر اخوته فمضى إلى الدليم فأقام ببلادهم.
والترك يدعون أنهم من اليمن، ويزعمون أن تبع الأكبر لما ارتحل عن غسان أنزل بها خلقاً عظيما من أهل اليمن، فافترقوا في البلاد، وصار بعضهم إلى أن نزل آستانة. والأكراد يزعمون أنهم من قيس بن هوزان، والأدرية يزعمون أنهم من العرب. وكان بابك يدعى أنه من خزاعة. تدعى أنهم من بني أمية، وأنه لما ظهرت دولة بني العباس هرب قوم من أمية فتزوجوا فيهم، وولدوا لهم الأولاد، على أنهم على دين اليهود.
стр. 325
والبربر كلهم يزعمون أنهم من العرب، فأما لواته، ومزاية (زناته) فيدعون أنهم من قيس. وفزان يدعون أنهم لخم، وهوارة يدعون أنهم من عاملة انتقلوا من الشام. وزويلة يدعون أنهم من جرهم، وصنهاجة وكتامة تزعم أنها من حمير. ومن النساب من يثبت ذلك لهاتين القبلتين خاصة.
والحبشة تزعم أنها من عرب اليمن لمسيرهم كان إلى أرض اليمن ومقامهم بها أربعين سنة. ونصارى الحيرة يزعمون أنهم من بلحارث بن كعب، ومنهم من يزعم أنهم من لخم من رهط النعمان بن المنذر. ومنهم من يزعم أنه من رهط عدي بن زيد الشاعر، ورهطه نصارى.
كان محمد بن يزيد بن المهلب في حياة أبيه غير نبيه، ثم ملك الأمر بعده فخرج أسخى الناس وأكرمهم وأعفهم. قال له أبوه يوماً ورأى سفهه: أحسبوه فلا يخرج من الحبس حتى تظهر له توبة، فأقام في الحبس سنة وكتب إلى أبيه من الحبس:
ما قراه لمكرهٍ يقراه ... قد رواه الأمير عن فقهائه
قد جفاني لكي أتقرا ... فتقريت خائفا لجفائه
والذي انطوى عليه المعاصي ... يعلم الله نيتي من سمائه
فقال: صدقنا عن نفسه، أخرجوه، ومروا له بعشرة آلاف درهم يستعين بها على شأنه.
وأنشد بعضهم:
حظ الأديب من الدنيا هو العدم ... وللرقيع الرضيع المال والخدم
ترى الأديب طوال الدهر في خلق ... والفدم يبرى على أظفاره القلم
هذا عني فقير النفس محتقر ... وذا فقير قد أغنى نفسه الكرم
حسب الأديب بأن قد قل مشبهه ... وذاك تشركه في جهله الأمم
стр. 326
وأنشد أبو هفان:
جمعت الذي لو كان يؤلم من أذى ... فيشتكى لهانت عنده أم ملدم
غباوة أصحاب الحديث ونوكهم ... وتيه المغنى مع جنون المعلم
وقال آخر:
يا باكي الأموات إنك ميت ... فاجعل بكاءك إن بكيت عليكا
لا تبك غيرك وابك نفسك إنها ... أولى النفوس بذاك من عينيكا
وقال آخر:
إذا أنت لم تستقل الأمر لم تجد ... لكفيك من إدباره متعلقا
إذا أنت لم تترك أخاك وزلة ... إذا زلها أو شكمتا أن تفرقا
كان يقال: خمس يقبحن من خمس: الحرص من القراء، والحدة من الأمراء، والبخل من الأغنياء، والفحش من ذوي الأحساب، والقسوة من ذوي الأسباب:
حشو قلبي أدب وافر ... وبين ثوبي فتى شاعر
والرزق عنى نازح شاسع ... والفقر عندي راكد حاضر
وما رجوت الغنى طرفة ... إلا كبا بي جدي العاثر
وليس لي عندك يا ذا الندى ... عون على الدهر ولا ناصر
فاكس جناحي يا شقيق العلا ... ريشاً فإني حامد شاكر
وأنشد الأصمعي لذي الرمة قوله:
стр. 327
على أنني في كل سير أسيره ... وفي نظري من نحو أرضك أصور
فإن تصرف الأيام يامي بيننا ... فلا ناشر سراً ولا متغير
ألا إنما مي فصبراً بلية ... وقد يبتلى الحر الكريم فيصبر
يذكرني ميامن الظبي عينه ... مراراً. وفاها الأقحوان المنور
خراعيب أملود كأن بنانها ... بنات النقا تخفي مراراً وتظهر
قال موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي: خرجت من منازلنا بسويقة بجنح من الليل، وذلك قبل خروج محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن فإذا أنا بنسوة فظننت أنهن خرجن من دارنا، فنالتني عليهن غيرة، فاتبعتهن لأنظر إليهن أين يردن حتى إذا كنا بطرف الحميري التفتت إلى إحداهن وهي تقول:
سويقة بعد ساكنها بنفسي ... لقد أمست أجد بها الخراب
فعلمت أنهن من الجان، فخرج محمد وإبراهيم بعد ذلك فقتلا وخرجت فقال موسى:
يقول ألا تبكي أخاك وقد أرى ... مكان البكا أن تبيت على الصبر
قال سعيد بن عقبة: نزلت بسويقة فاستوحشت لخرابها، فقلت:
إني مررت على دار فأحربني ... لما مررت عليها منظر الدار
стр. 328
وحشاً خراباً كأن لم تغن عامرة ... بخير أهل لمعتر ومزدار
من للأرامل والأيتام تجمعهم ... شتى الموارد من ورد وصدار
مأوى الغريب وساري الليل معتسفاً ... وعصمة الضيف والمسكين والجار
لا يبعد الله حيا كان يجمعهم ... كهلا سويقة أخيار لأخيار
الدافعين عن المحتاج حاجته ... حتى يجوز الغنى من بعد إقتار
والرافعين لساري الليل نارهم ... حتى ينام على ضوءٍ من النار
لما قدم بشر بن أرطأة إلى الكوفة اخذ القراء فقتل منهم ستة نفر، وكان فيهم حجر بن عدي، فلما اتصل قتله بأهله أنشأت أخته تقول:
ترفع أيها القمر المنير ... ترفع هل ترى حجراً يسير
تحيرت الجنائز بعد حجر ... وطاب لها الخورنق والسدير
ألا يا حجر حجر بني عدي ... تلقيك السلامة والسرور
فإن تهلك فكل عميد قوم ... إلى ملك من الدنيا يسير
وقال له بشر لما قدمه ليضرب عنقه: أراك جزعاً من الموت. فقال: إن جزعت من الموت
فقد رأيت قبرا يحفر، وكفناً ينشر، وسيفاً يشهر.
مات رجل من أهل الشام فحضر الحجاج جنازته، فقال رجل من الحاضرين: رحمك الله أبا فلان أن كنت لتجيد الغناء وتسرع رد الكأس. فقال له الحجاج: أفي مثل هذا المكان تقول هذا الكلام؟. فقال: أعز الله الأمير لو سمعته يغني:
يا لبينا أوقدي النارا ... إن من تهوين قد سارا
فقال الحجاج: قاتلكم الله يا أهل الشام. ما أوضح حجة أهل العراق في جهلكم.
стр. 329
وقال علي ﵁: إن بين الحق والباطل أصابع، ووضع يده بين أذنه وعينه فقال الحق هو أن تقول رأيت بعيني والباطل هو أن تقول سمعت بأذني. يريد أن لا يصدق المرء عن أخيه بكل ما سمع.
قال أبو عبيدة: قطع الحجاج وهو بواسط الميرة من البصرة بعقب خروجهم مع ابن الأشعث، فكتب وجوه أهل البصرة إلى عبد الملك في ذلك، فأمر أن ينظر كتاب الأحنف بن قيس فنظر فإذا برقعة لطيفة كأذن القط مكتوب فيها:
(بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فإن الجائع تبلغ همته صنعاء، وإن الشبعان تقصر همته عن سفوان. وقد حبس عنا الطعام، وعليك السلام).
فلما قرأه عبد الملك قال: أبو بحر يخبرنا في رقعته أنه ما بقي عليه إلا أن يعوذ بقائم سيفه. فكتب إلى الحجاج بإطلاق الطعام إلى البصرة.
قال عيسى بن عمر: لما احتضر ذو الرمة بأصبهان رفع رأسه إلى من كان عند رأسه وقال: هذا والله يومي وليس بيوم قلت:
كأني غداة الزرق يامي مدنف ... أعالج نفساً قد أتاها حمامها
اللهم إني لا قوي فأنتصر، ولا بريء فأعتذر، ولكني، ولكني أشهد أن لا إله إلا أنت ثم مات.
قال أبو عبيدة: لما أوقع الجحاف السلمي ببني تغلب بالبشر وهو ماء على الفرات وقف الأخطل بين يدي عبد الملك بن مروان فأنشده:
لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكي والمعول
فإلا تغيرها قريش بملكها يكن ... عن قريش مستمار ومرحل
стр. 330
فقال له عبد الملك: إلى اين يا ابن النصرانية؟. قال: إلى النار: قال: أما والله لو غيرها قلت لفرقت بين رأسك وجثمانك.
قال الجاحظ: ركب المأمور في بعض الليالي متظرفا، فإذا هو بثمامة يتمايل على سرجه سكرا، فحرك المأمور دابته حتى لحق ثمامة، فضرب عجز بغلته بسوطه وقال له: ثمامة؟! قال: إي والله!. قال: سكران؟! قال: لا والله قال: أعرفتني؟. قال: أي والله. قال: فمن أنا؟. قال: لا أدري والله. فقال له المأمون: لعنة الله عليك. فقال: تترى يا أمير المؤمنين!
قال أبو عبيدة: ما رأيت رجلا مدخول النسب أجرأ على أحساب العرب من يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري. كان قد صحب عباد بن زياد، فلم يحمد صحبته فهجاه وطعن في نسبة فأهانه عبيد الله وضربه، وأركبه على بعير، وطاف به، وجعل بين يديه صورة خنزير، وخلفه صورة قرد، وسقاه النبيذ الذفل، وكان يحث كلما مشى به، ونفاه إلى القندهار من بلد الهند، وكتب إلى من بالشام من اليمن:
أصبحت لا من بني قيس فتضربني ... بكر العراق ولم تغضب لنا مضر
ولم تكلم قريش في حليفهم ... إذ غاب ناصره بالشام واحتضروا
لو أنني شهدتني حمير غضبت ... وكان حقاً لها في أمرنا غير
بقندهار ومن تكتب منيته ... بقندهار يرجم دونه الخبر
فلما قرأ أهله اليمانية هذه الأبيات رحل مائة رجل من حمير من حمص إلى دمشق فلقوا معاوية داخلا إلى المسجد، فشكوا إليه ما نيل من صاحبهم، ثم قالوا عليهم الطلاق لئن لم يرد إلينا يا أمير المؤمنين لنقتلن به خير رجل من عبد شمس. فكتب إلى ابن زياد فيه فأرسله إليهم.
قال الجاحظ: كانت بنو مالك تجاور الغوث من طيء، فأنشدني عمارة لنفسه:
стр. 331
لمن طلل بذات السدر حاف ... عفاه القطر بعدك والسوافي
سلمى، لو علمت بلاء قومي ... وقودهم على بعد المساف
جيادهم إلى الأعداء حتى ... لقينا الغوث بالموت الذعاف
بكل مجرب في الحرب صدق ... ومؤتنف يجالد بالجزاف
إذاً لحمدتنا ولقلت قومي ... فداكم كل منتعل وحافي
حدث أبو عبيدة عن رجل من الميسرين قال: كنت أسير مع ركب من أصحابي فأنا بالفدفد وقد جن الليل وأضللنا الطريق وجاذبتني الراحلة زمامها، فتركتها وسرت وحدي بسيرها، فإني لكذلك إذ سمعت كلاماً فعدلت نحوه، فإذا أنا بشيخ منحني الصلب، فحرصت على إتيانه، فأتى فقال: هل لك إلى رجل إلى مثلك بالأشواق. قلت: بلى قال: فمشى واتبعته إذ دنا من شجرة فقال له: هذا رجل من العرب. فقال لي: إيه. فقال لي. من أي العرب أنت؟، فقلت من المحضرة. قال من أيها؟. قلت: من المبقرشة. قال: انتسبت. قلت: من ولد قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة ابن مدركة. قال ابن أخي: أنا ترب كنانة. أتعرف جياداً فقعيقعان؟: قلت: نعم. قال: فتدري لم سمي جياداً قلت: لا. قال: نحن قوم من جرهم أجلتنا خزاعة فاستبسلنا للموت، وجاد الوادي بالدم فسمى جيادا، أنا عمرو بن مضاض الجرهمي أنا الذي أقول:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها فأزالنا ... صروف الليالي والجدود الغواثر
فأخرجنا منها المليك بقدرة ... كذلك، يا للناس تجري المقادر
فصرنا أحاديثاً وكنا بغبطة ... كذلك عضتنا السنون الغوابر
стр. 332
فسحت دموع العين تجري لبلدة ... بها حرم أمن وفيها المشاعر
ثم خفق كأن لم يقل شيئاً، ... واسترشدت الطريق فأرشدت.
وأنشد الأصمعي لشوسة الفقسعي يصف صيده للذئب:
لله در أبي الحصين لقد بدت ... منه مخايل حولي قلب
ورد الحبائل وهي صور نحوه ... طمعاً لتعلقه وإن لم تنشب
حتى إذا شملت مقاعد طرفه ... أرجاؤها بتأنس وتأدب
ويداه واسطتان لما تقدما ... أو تنكصا لورود عزم المنكب
صرخت به نفس النجي مخافة ... إن النجاح لأثغر متشعب
فاستبدرت إحدى يديه القهقرى ... وثنت به الأخرى ثني تهيب
فنجا وهل ينجو من خطو الردى ... في العود من أيدي الردى المتأوب
لم ينج بعد نجائه من ساعة ... إن قام قومه نافض مترقب
فظلت منه رانياً في شخصه ... في كل حال أمها أم مذهب
متعانيا طورا لدى استشرافه ... فإذا توهد في مجال أرتب
حتى دنوت وقام مني شخصه ... بمقام دان للرماية مكثب
فنحوته سهمي فأنفذ منته ... شكا وأي فريسة لم أنشب
ثم انصرفت إلى بني مالئاً ... كفي متغبطاً بعيش مخصب
أبني أية خلة محمودةٍ ... صعبت على الطلاب أو لم تصعب
ألفيتني أهويت نحو طلابها ... فأطلت كدك من كريم المطلب
لا تشرئب إذا عنيت بصالح ... وإذا عنيت بسوأة فاشر أبب
стр. 333
كم ليلة ليلاء ملبسة الدجى ... أفق السماء سريت غير مهيب
ربط السحاب بها فضول ردائه ... فمتى يقل برق له اسكب يسكب
فصبرت حتى شق ثوب ظلامه ... عن لون ثوب مثل لون الأشهب
وأنشد الأصمعي لرجل من بني فقعس:
صب الإله على عبيد حية ... لا تنفع النفثات منها والرقى
جبلية تسرى إذا ما جنها ... ليل، وتكمن بالنهار فلا ترى
مهروته الشدقين ينطف نابها ... سما ونفحتها تهاب وتتقى
قصرت لها عنق وسائر خلقها ... عين تبص كمثل مصباح الدجى
وكأنما سلمت بأعلا جلدها ... برداً من الأفواف أنهجه البلى
رقشاء ترتصد الطريق إذا دنا ... منها المساء كأنها سنا رشا
قرناء أنشأها الإله فأدركت ... عاداً فليس لنهشة منها شفا
أوحية ذا طعنتين أحله ... آباؤه في شامخ صعب الذرى
فنشا بغار مظلم أرجاؤه ... لا الريح تصرده ولا برد الندى
في عينه قتل وفي خيشومه ... فطس وأنياب له مثل المدى
يلقا بريراً جامشاً متخلفا ... عن رفقة قدمته طول السرى
فتخوضه في عقبه بمذرب ... ماض إذا نحا على عظم فرا
وأنشد علي بن سليمان الأخفش لأبي علي البصير:
يا جامعاً مانعاً والدهر يرمقه ... مفكراً أي باب فيه يغلقه
حميت مالاً، ففكر هل جمعت له ... يا جامع المال أياماً تفرقه
стр. 334
المال عندك مخزون لوارثه ... ما المال مالك إلا يوم تنفقه
ارفه ببال فتى يغدو على ثقة ... إن الذي يقسم الأرزاق يرزقه
فالعرض منه مصون ليس يدنسه ... والوجه منه مصون ليس يخلقه
إن القناعة من ينزل بساحتها ... لا يلق في ظلها هما يؤرقه
بل روح عز وريا كل مكرمة ... ووجه رشدٍ يلاقيه فيونقه
وقال منصور بن عمار الفقيه، وكان حلو المقطعات:
قد قلت لما استقلوا ... بالدير ميتاً وراحوا
لأهم فدوه ولا هم ... بكوا عليه وناحوا
كأنما فارقوا منه ... ظالماً فاستراحوا
لو كان للدين أهل ... شقوا عليه وصاحوا
وقال محمد بن عبد الملك الزيات الوزير لما قدم ليلقى في تنور نار:
سل ديار الحي ما غيرها ... وعفاها ومحا منظرها
وهي الدنيا إذا ما أدبرت ... صيرت معروفها منكرها