Полный текст (334 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ولامرئ القيس:
خليلي مرا بي على أم جندب ... نقضي لبانات الفؤاد المعذب
ألم ترياني كلما جئت طارقاً ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيب
وقال البحتري:
إذا خطرت تأرج حانياها ... كما خطرت على الروض القبول
ويحسن دلها والموت فيه ... كما يستحسن السيف الصقيل
وله أيضاً:
يذكرنيك والذكرى عناء ... مشابه فيه بينة الشكول
نسيم الورد في ريح شمال ... وريح المسك في راح شمول
ولغيره:
لم ألقها قط إلا وهي عاطرة ... وما تعطر إلا في الأحايين
حتى كأن إله الناس صورها ... من ماء عنبرة والخلق من طين
وقال أبو عباس المكي الأعمى، مولى بني الدؤل في بني أمية:
ليت شعري من ابن رائحة المسك ... ومما إن إخال بالخيف أنسي
حين غابت بنو أمية عنها ... والبهاليل من بني عبد شمس
خطباء على المنابر فرسان ... عليها وقالة غير خرس
لا يعانون صامتين وإن قالوا ... أضافوا ولم يقولوا بلبس
بحلوم إذا الحلوم استخفت ... ووجوه مثل الدنانير ملس
стр. 72
وله فيهم:
فكدت ووافيت الجمار عشية ... ولم تبد لي إلا ليال قلائل
أموت أسى ثم ارعويت لصاحبي ... فقلت له أين القروم الجحافل
شهدت لقد وافت معد بقلة ... وذو يمن أو ما أرى ما أحاول
أبادوا فما ترمى جماراً حصاهم ... أم أمست خلت من عبد شمس المنازل
يعني منازل الحج بمنى.
كان الزبير قد كسا من كان بمكة من الشعراء، ولم يكس أبا العباس الأعمى لقربه من بني أمية، واتصاله بهم فقال:
لم تر عيني مثل قوم تحملوا ... إلى الشام مظلومين منذ بريت
أبر بأيمان وأوفى بذمة ... وأعلم بالمسكين حيث يبيت
كست أسد إخوانها ولو أنني ... بحضرة إخواني إذا لكسيت
فبلغ قوله عبد الملك، فأمر له بكسوة، وأمر من كان من أهل بيته وبنى عمه ووجوه بني أمية أن تبعث إليه كل واحد بكسوة ففعلوا.
كان رجل يقول إنني بعشرة آلاف إنسان فمات فلما حمل على نعشه صر النعش، فقال رجل كان حاضراً:
وليس صرير النعش ما تسمعونه ... ولكنه أصلاب قوم تقصف
وليس فتيق المسك ما تجدونه ... ولكنه ذاك الثناء المخلف
نظر رجل إلى هلال بن أحوز التميمي وقد أطافت به بنو تميم فقال: انظروا إليهم كأنهم إنما طافوا بعيسى بن مريم، فقال له رجل من بني تميم. هذا عيسى صلى الله عليه كان يحي الموتى. وهذا يميت الأحياء، وذلك حين قدم من أرض السند بعد أن قتلت تميم الأزد وبني المهلب.
وذم رجل الأشتر النخعي فقال له رجل: أسكت وإن جفانه هزمت أهل الشام، وموته هزم أهل العراق.
стр. 73
باب يذكر فيه ما قيل في الجمال وحسن الوجوه
قال الشاعر:
إن المهالبة الكرام تحملوا ... دفع المكاره عن ذوى المكروه
دانوا قديمهم بحسن حديثهم ... وكريم أخلاق بحسن وجوه
وقال آخر:
آل المهلب قوم خولوا شرفاً ... ما ناله عربي لا ولا كادا
لو قيل للمجد خذ عنهم وخلهم ... بما احتكمت من الدنيا لما جادا
إن المكارم أرواح يكون لها ... آل المهلب دون الناس أجسادا
وقال أبو بكر ﵁ يوم السقيفة للأنصار: نحن المهاجرون أول الناس إسلاماً، وأوسطهم داراً، وأكرمهم أحساباً، وأحسنهم وجوهاً وأكثر الناس ولادة في العرب، وأمسهم برسول الله ﷺ رحما. أسلمنا قبلكم، وقدمنا في القرآن عليكم، وأنتم إخواننا في الدين وشركاؤنا في الفيء، وأنصارنا على العدو، آويتم وأنسبتم فجزاكم الله خيراً. نحن الأمراء وأنتم الوزراء. لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش، وأنتم خليقون ألا تنفسوا على إخوانكم من المهاجرين ما ساق الله إليهم من خير.
قال بعض آل الزبير: جلست في مجلس بالبصرة فنسبني شيخ من أهلها فانتسبت له فبكى ثم قال: كأني أنظر إلى مصعب بن الزبير على منبر
стр. 74
هذا المسجد، وهو كأجمل الفتيان والفرزدق قائم بين يديه ترعد فرائصه وهو يقول:
عجبت لأقوام تميم أبوهم ... وهم بعد في سعد عظام المبارك
وكانوا أعز الناس قبل مسيرهم ... مع الأزد مصفراً لحاها ومالك
فما ظنكم بابن الحواري مصعب ... إذا افتر عن أنيابه غير ضاحك
ونحن نفينا مالكاً عن بلاده ... ونحن فقأنا عينه بالنيازك
يعني مالك بن مسمع من بكر بن وائل. وهو سيد بكر بالبصرة. ويقال: إذا غضب مالك غضب له مائة ألف سيف لا يسألونه فيم غضب. وطردته بنو تميم من البصرة حين انهزمت المروانية عن وقعة الجفرة، وفقأوا عينه، فلحق بنجدة بن عامر الحنفي، فأكرمه،
وأقام عنده حتى هلك مصعب، فرجع إلى البصرة، وأعطاه نجدة مائة من الإبل. فقالت له الخوارج: أتعطى رجلا منافقاً. قال: أردت أن أتألفه. وقد أعطى رسول الله ﷺ المؤلفة قلوبهم.
والذي تولى قتل مصعب عبيد الله بن زياد بن طيبان، وكان يطلبه بثأر أخيه الثاني ابن زياد، وكان أخذ في سرق، فأمر به صاحب الشرطة فضربه فمات.
دخل عبد الله بن الزبير الأسدي على مصعب بن الزبير، فقال له: أنت الذي تقول
стр. 75
إلى رجب أو غرة الشهر بعده ... توافيكم حمر المنايا وسودها
ثمانون ألفا دين عثمان دينها ... مسومة جبريل فيها يقودها
وكان مع المختار بن أبي عبيد، ففزع الأسدي فقال: نعم أمتع الله بك فعفى عنه ووصله. فقال:
جزى الله عنا مصعباً إن فضله ... يعيش به الجاني ومن ليس جانيا
ويعفو عن الذنب العظيم اجترامه ... ويوليك بالإحسان ما لست ناسيا
ثم إن بصر عبد الله الشاعر ضر بعد ذلك، فلقي عبيد الله بن زياد بن طيبان فسمع كلامه فعرفه، فأدركه وقال له: أنت قتلت مصعب. وأنشده:
أبا مطر شلت يمين تفرعت ... بسيفك رأس ابن الحواري مصعب
ولا ظفرت كفاك بالخير بعده ... ولا عشت إلا في (بوار مخيب)
قتلت فتى كانت يداه بفضله ... تسحان سح العارض المتصوب
أغر كضوء البدر صورة وجهه ... إذا ما بدا في الجحفل المتكتب
قال: نعم والله، فما أفلحنا بعده، ولا أنجحنا، فهل توبة؟. قال له الزبير: سبق السيف العذل. هذا مثل، قاله ضبة بن أد، وكان له أبنان، سعد وسعيد، فخرجا في طلب إبل لهما، فرجع سعيد، فكان ضبة يسير ومعه الحارث بن كعب في الشهر الحرام إذا بهما على مكان فقال الحارث: أترى هذا الموضع فاني لقيت به فتى من صفته كذا وكذا فقتلته، وأخذت هذا السيف منه. فإذا هي صفة سعيد. فقال له ضبة: أدن السيف أنظر إليه، فناوله فعرفه
стр. 76
ضبة، فقال عند هذا إن الحديث شجون.
وكان يقال إن مصعب كان أشبه الناس سيرة بسيرة السلف الصالح. ووصفه عبد الملك بن
مروان فقال: في كلامه زكانة وكانت عنده عقيلتا قريش سكينة وعائشة، ثم هو أكبر الناس مالا. جعلت له الأمان، وضمنت له أن أوليه العراق، وعلم أني سأفي له لصداقة كانت بيني وبينه، فأبى وحمى أنفاً، وقاتل حتى قتل. فقال له بعض من كان حاضراً إنه كان يصيب الشراب. قال: ذلك قبل أن يطلب المروءة، وأما منذ طلبها، فلو ظن أن الماء ينقص من مروءته ما ذاقه.
ولما قتل عبد الملك مصعبا، وجه أخاه بشرا على الكوفة، وجعل معه روح ابن زنباع وزيرا. وكان روح عالماً داهية، غير أنه من أجبن الناس وأبخلهم. فلما رأى أهل الكوفة بخله خافوا أن يفسد عليهم أميرهم. وقد كانوا عرفوا جبنه، فكتبوا على بابه ليلا:
إن ابن مروان قد حانت منيته ... فاحتل لروحك يا روح بن زنباع
فلما أصبح رأى ذلك، فلم يشك أنه مقتول، فاستأذن بشراً في الشخوص فأذن له فخرج حتى قدم على عبد الملك، فقال له: ما أقدمك؟. قال: يا أمير المؤمنين تركت أخاك مقتولا أو مخلوعاً. قال: وكيف عرفت ذلك؟. فأخبره الخبر، فضحك عبد الملك وقال له: احتال عليك أهل الكوفة، حتى أخرجوك عنهم.
стр. 77
وقال الحارث بن ضابئ البرجمي يذكر فعل مصعب بن الزبير:
فكر كما كر الحواري يبتغي ... إلى الله زلفى أن يكر فيقيلا
الحواري مأخوذ من التنوير، وهو التبييض. وكان حواريو عيسى ﵇ قصارين يحورون الثياب.
والحور شدة سواد السواد من العين، وشدة بياض البياض. وقال آخر: الحور القجل. وقال آخر يمدح:
رأيتكم بقية آل حرب ... وهضبتها التي فوق الهضاب
يذكرني مقامي في ذراكم ... مقامي أمس في ظل الشباب
وقال البحتري:
بني أحوذي يغمر السيف موقعاً ... ببسطته، والسيف وافى الحمائل
تضيق الدروع التبعيات عنهم ... على كل رحب الباع سبط الأنامل
أوائل قوم يسكن الثغر إن مشوا ... على أرضه والثغر جم الزلازل
فكم فيهم من منعم متطول ... بآلائه أو مشرف متطاول
إذا سئلوا جاءت سيول أكفهم ... نظائر جمات التلاع السوائل
خليقون سروا أن تلين أكفهم ... عرائك أحداث الزمان الجلائل
قال أبو عبيدة: سارت بنو سعد إلى بني بكر بن وائل، وكانت فيهم جارية عاشق فاكتلأت تنظر، فرأت رجلا معتجزاً بسيفه يرد متنكباً قوسه، فلاحت لها صفحة القوس فانتبهت أباها وقالت: يا أبت إني رأيت متن سيف أو صفحة قوس على موضع السلاح في الشمال من رجل أحلى الجبين، براق الثنايا، كأن عمامته ملونة بسحرة. فقال: يا بنية إني لأبغض الفتاة الكلوم
стр. 78
العين قالت: والله ما كذبتك. فصاح في قومه فأنذرهم، فقالوا: ما نبه أبنتك في هذه الساعة إلا أنها عاشق. فاستحى الشيخ وانصرف، فقالت أبنته: ارتحل فان الجيش مصبحك، فوقعت بنو سعد ببكر بن وائل، فقتلوا منهم، وملئوا أيديهم من السبي.
عاد إلى ذكر حسن الوجوه. قال الشاعر:
كأن دنانيراً على قسماتهم ... وإن كان قد سف الوجوه لها
وقال مرقش:
النشر مسك والوجوه دنانير ... وأطراف الأكف عنم
وقال آخر
وجوه لو أن الغلسين سروا بها ... صدعن الدجى حتى ترى الليل ينجلي
يقوله في وصفة نساء، ولو مدح رجالا لكان عجيبا.
وقال القطامي: (يصف توقا)
يمشين رهواً فلا الأعجاز خاذلة ... ولا الصدور على الأعجاز تتكل
وقال:
ولو وصف به نساء لكان عجيباً
وقال أبو الطمحان القيني:
стр. 79
فكم فيهم من سيد وابن سيد ... وفى بعقد الخارجين يفارقه
يكاد الغمام الغر يرعد إن رأى ... وجوه بني لام وينهل بارقه
وقال:
فإني من القوم الذين هم هم ... إذا مات منهم سيد قام صاحبه
كواكب مجد كلما غار كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكبه
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه
وما زال منهم حيث كانوا مسود ... تسير المنايا حيث سارت كتائبه
وقال الخريمي:
إذا قمر منها تغور أو خبا ... بدا قمر في جانب الأفق يلمع
أراد (أبو الطمحان) المبالغة لأن الجزع بالليل يخفى على ناظمه.
ومن حديث ابن أبي هالة يصف النبي ﵇: (كان فخما مفخما يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر. أطول من المربوع، وأقصر من المشدب، عظيم الهامة رجل الشعر، إن تفرقت عقيقته فرق، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنه إذا هو وفره. أزهر اللون، واسع الجبين، أزج الحواجب سوابغ في غير قرن. بينهما عرق يدره الغضب. أقنى العرنين، له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشم، كث اللحية، سهل الخدين، ضليع الفم، أشنب، مفلج الاسنان، رقيق المسربة، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادن متماسك، سواء البطن والصدر عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، أنور المتجرد، طويل الزندين،
стр. 80
رحب الراحة، ششن الكفين والقدمي، سائل الأطراف خمصان الإخمصين، مسيح القدمين ينبو عنهما الماء. إذا نال قلعاً يخطو تكفياً، ويمشي هوناً. ذريع المشية إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت التفت جميعاً، خافض الطرف نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء. جل نظره الملاحظة، يسوق أصحابه، يبدأ من لقى بالسلام، جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل الغمام.
وقال الحارث بن دوس الإيادي:
امرؤ القيس بن أروى مقسم ... إن رآني لا يريني بقيد
فتحلل قلت قولا باطلاً ... أنني يمنعني سيفي ويد
ورجال حسن أوجههم ... من إياد بن نزار بن معد
إياد تنتسب في اليمن ثم في النخع ثم في مذحج، وقد نسبوا أيضاً إلى قضاعه ويقال هم جشم من بني دعمي بن إياد. وقالت أخت الأشتر مالك بن الحارث النخعي:
أبعد الأشتر النخعي آسى ... على ميت وأقطع بطن واد
نؤاخى مذحجاً بإخاء صدقٍ ... وإن نسبت فنحن إلى إياد
ثقيف عمنا وأبو أبينا ... واخوتنا نزار أولو السداد
يقال إن ثقيفاً من إياد، وولد نزار غير مدافع مضر وربيعة وإياد وأنمار. وقال لهم في حياته هذه القبة الحمراء وما أشبهها من قباب لمضر. فسموا مضراً الحمراء. والخباء الأسود والفرس الأدهم لربيعة، فسموا ربيعة الفرس. وهذه الخادم الشمطاء وما أشبهها من مال لإياد، فأخذ الخيل البلق، وما أشبه ذلك وهذه الندوة والمجلس لأنمار، فان أشكل عليكم شيء فتحاكموا إلى (أفعى نخرات)، ويقال. إنما وصى لمضر بالحمار ولربيعة بالفرس والقدر، ولأنمار بالخباء والحرث، ولأياد بالنعم.
стр. 81
وقال يحيى بن منصور الذهلي:
نزار كان أعلم حين أوصى ... لأي بنيه أوصى بالحمار
وأيهم أحق بكل طرف ... موج في الرفاق وفي الحيار
وكل من بالعراق من إياد دخلوا في النخع. وكل من بالشام مقيم على نسبه في نزار، وكان أحمد بن أبي دؤاب الإيادي مقيما على نسبة في نزار وكان شديد التعصب مع شرفه وإنصافه، وينكر أن يقال إن إياداً من اليمن واتصل بأحمد أن حبيباً الشاعر نال من مضر، وزعم أن إياداً من اليمن وكان الطائي متعصباً لليمن، شديد الغلو في ذلك، فغضب عليه ابن أبي دؤاد، فقال حبيب يعتذر إليه من قصيدته التي أولها:
سقى عهد الحمى سيل العهاد
فإن يك في بني أد جناحي ... فإن أثيث ريشي من إياد
هم عظم الأثافي من نزار ... وأهل الهضب منها والنجاد
وأين يجوز عن قصد لساني ... وقلبي رائح برضاك غادي
ومما كانت الحكماء قالت ... لسان المرء من خدم الفؤاد
أتى خبر كأن القلب أمسى ... يجر به على شوك القتاد
بأني نلت من مضر وخبت ... إليك شكيتي خب الجواد
وما ربع القطيعة لي بربع ... ولا نادي الأذى منى بنادي
стр. 82
وليست رغوتي من فوق مذقٍ ... ولا جمري كمين في الرماد
وقدماً كنت معسول الأماني ... ومأدوم القوافي بالسداد
وقد جازيت بالإحسان شراً ... إذا وصغت عرفك بالسواد
وكيف وعتب يوم منك فذ ... أشد علي من حرب الفساد
وكان الشكر للكرماء فضلاً ... وميداناً كميدان الجياد
يثبت أن قولاً كان زوراً ... أتى النعمان قبلك عن زياد
فأرث بين حي بني جلاح ... شبا حرب، وحي بني مصاد
وغادر في صدور الدهر قتلى ... بني بدرٍ على ذات الإصاد
ولو كشفتني لوجدت خرقاً ... يصافى الأكرمين ولا يصادي
جديراً أن يكر الطرف شزراً ... إلى بعض الموارد وهو صاد
وقال من قصيدة أخرى:
لزموا مركز الندى وذراه ... وعدتنا عن مثل العوادي
غير أن الربى إلى سبل الأنواء ... أدنى، والخط خط الوهاد
بعدما أصلت الوشاة سيوفاً ... قطعت في وهي غير حداد
стр. 83
فنفى عنك زخرف القول سمع ... لم يكن نهزة لغير السداد
ضرب الحلم والوقار عليه ... دون عور الكلام والأسداد
وحوان أبت عليها المعالي ... أن تسمى مطية الأحقاد
حمل العبء كاهل لك أمسى ... لخطوب الزمان بالمرصاد
عاتق معتوق من الهون إلا ... من مقاساة مغرم أو نجاد
للحملات والحمائل فيه ... كلحوب الموارد الأعداد
مليتك الأحساب أي حياة ... وحيا أزمة وحية واد
لو تراخت يداك عني فواقاً ... أكلتني الأيام أكل الجراد
كادت المكرمات تنهد لولا ... أنها أيدت بحي إياد
قال أبو بكر الصولي: كان ابن أبي دؤاد أظرف الناس لساناً، وأحضرهم جواباً، في بلاغة وإيجاد، وأحسنهم نزوعا ببيت في موضعه أو آيه في مكانها وكان كريما، جواداً مشرفاً عند
المعتصم والواثق.
قال أبو عبد الله النديم: لقد رأيت الملوك في مجلسها وخولها ومجامعها. فما رأيت آدب من الواثق. لقد خرج علينا ذات يوم وهو يقول: لعمري لقد عرض عرضه لمن عرضه لقول الخزاعي:
стр. 84
خليلي ماذا ارتجى من عدى أمري ... طوى الكشح عني اليوم وهو مكين
وإن امرءا قد ضمن عني بمنطق ... يسد به فقري إذاً لضنين
فانبرى إليه أحمد بن أبي دؤاب، كأنما نشط من عقال يسأله في رجل من أهل اليمامة فأسهب وأطنب، وذهب في القول كل مذهب، فقال له: يا أبا عبد الله: لقد أكثرت في غير كثير ولا طيب.
فقال: يا أمير المؤمنين إنه صديقي. وقد قيل:
وأهون ما يعطى الصديق صديقه ... من الهين الموجود أن يتكلما
فقال له قد شهرني بالاستشفاع بي عندك وجعلني بمرأى ومسمع من الرد والإسعاف، فأن لم أقم هذا المقام، وإلا كنت كما أنشد أمير المؤمنين:
خليلي ماذا أرتجي. . . . البيت
فقال الواثق: يا محمد بن عبد الملك، بحياتي عليك إلا عجلت لأبي عبد الله حاجته يسلم من هجنه المطل، كما سلم من هجنة الرد.
واعتل ابن أبي دؤاب فعاده المعتصم، وقال له: إني نذرت إن عافاك الله أن أتصدق بعشرة آلاف دينار. فقال له: فاجعلها يا أمير المؤمنين لأهل الحرمين، فقد لقوا من غلاء الأسعار عنتاً. فقال: نويت أن أتصدق بها ها هنا. وأنا أطلق لأهل الحرمين مثلها. ثم نهض. فقال له أحمد: أمتع الله الإسلام وأهله ببقائك يا أمير المؤمنين، فانك كما قال منصور النمري لأبيك الرشيد:
إن المكارم والمعروف أندية ... أحلك الله منها حيث تجتمع
стр. 85
فقيل لأمير المؤمنين: إنك لا تعود اخوتك وكبراء أهلك، وقد عدت أحمد فقال: وكيف لا أعود رجلا ما وقعت عينه علي قط إلا ساق إلي أجراً، وأوجب لي شكراً.
وقال أبو العيناء: قلت لابن أبي دؤاب في شأن قوم من أهل البصرة تألبوا علي إنهم قدموا
من البصرة إلى سر من رأى يداً علي. فقال: يد الله فوق أيديهم. فقلت إن لهم مكراً. فقال: (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين). فقلت: إنهم كثير. قال: (كم من فئة غلبت فئة كثيرة بأذن الله). فقلت: لله در القاضي، هو والله كما قالت الصموت الكلابية:
لله درك أي جنة خائف ... ومتاع دنيا أنت للحدثان
متخمط يطأ الرجال بحليه ... وطء الفنيق دوارج القردان
ويكبهم حتى كأن رءوسهم ... مأمومة تنحط للغربان
ويفرج الباب الشديد رتاجه ... حتى يصير كأنه بابان
فقال لابنه أبي الوليد: اكتبها. فكتبها بيده بين يديه.
وقال للمتوكل وقد نكبه:
أمير المؤمنين اسمع كلامي ... فإن العبد يحسن إن أساءا
دنا منك العدو وغبت عنه ... فنال بقربه ما كان شاءا
ولو كنت الغريب ولم يكنه ... تحاميني ولم تخش اعتداءا
стр. 86
وصف الجاحظ أحمد بن أبي دؤاد فقال لنا: أحمد بن أبي دؤاد ذو الحلم الفاضل واللسان اللين، والعقل العجيب، والرأي السديد، والصدر الرحيب، والقول الفصل، والجود الغمر، والعشرة الكريمة، والأخلاق المحمودة، والعطايا السنية، والقسمة السوية، وشيخ العرب، وسيد الحضر، وغيث البدو، وقاضي القضاة، ومقوم الولاة، ومن قد طبق الأرض عرفاً، وملأ صدور الرجال والأولياء عزاً، ومن جرد القول بالعدل، وكشف القناع في التوحيد، وأقام لكل حالة سويها، ولكل سوق حقها حتى عرف الحق من كان يجهله، وأقر به من كان ينكره، وأحبه من كان يبغضه، وأنس به من كان يستوحش منه، ودعا إليه من كان ينهي عنه.
وكان ابن أبي دؤاد من الغلاة في الاعتزال. وهو الذي حسنه للمعتصم والواثق وحمل الناس على اتباع رأيه في الاعتزال، وأمر ألا يكون قاض ولا عسس ولا أمير إلا من قال بخلق القرآن. وامتحن العلماء، وضربهم. ومات بعضهم في السجون. وأهلك المسلمين. وله مع أئمة الحديث أقاصيص كأحمد بن حنبل، فانه ضربه وسجنه. والبوطي مات في السجن، ويحيى بن معين أكرهه على مساعدته ظاهرا.
وقال الأسود بن يعفر:
ماذا أؤمل بعد آل محرق ... تركوا منازلهم، وبعد إياد
أهل الخورنق والسدير وبارق ... والقصر ذي الشرفات من سنداد
نزلوا بأنقرة يسيل عليهم ... ماء الفرات يجئ من أطواد
стр. 87
أرضاً تخيرها لطيب مقامها ... كعب بن مامة وابن أم دؤاد
جرت الرياح على محل ديارهم ... فكأنما كانوا على ميعاد
فإذا النعيم وكل ما يلهى به ... يوماً يصير إلى بلى ونفاد
تحل هذه المواضع بالعراق. وهم أول معديين خرجوا من تهامة، فنزلوا بالسواد وغلبوا على ما بين البحرين إلى سنداد، والخورنق حتى غلبتهم العجم، وألصقتهم بالجزيرة، وبالجزيرة يومئذ ملك من ملوك العماليق، فقتلوه، ونزلوها، فمنعوها من الفرس والروم. وعاودتهم القتال، ففرقوا ثلاث فرق، فرقة بأنقرة، وبجزيرة الروم، وفرقة بحمص، وفرقة رجعت إلى ساباط ثم فعل رجلان من إياد يقال لهما الأحمران ما فعلا، وكانا عبثا ببعض جواري شيرين فأخرجهم إلى الجزيرة، فعبثوا فيها، فأخرج إليهم كسرى جيشا كان فيه لقيط الأيادي، فكتب إلى إياد:
سلام في الصحيفة من لقيط ... على من بالجزيرة من إياد
فإن الليث كسرى قد أتاكم ... ولا يشغلكم سوق النقاد
أتاكم منهم سبعون ألفاً ... يزجون الكتائب كالجراد
على حنق أتيتكم فهذا ... أوان هلكتم كهلاك عاد
وكتب إليهم بقصيدته الطويلة التي أولها:
يا دار علبة من محلتها الجرعا ... هاجت لك الشوق والأحزان والوجعا
أرمي بعيني إذ زالت حمولهم ... بطن السلوطح لا ينظرن من تبعا
يا لهف نفسي إذ كانت أموركم ... شتى وأبرم أمر الناس فاجتمعا
стр. 88
لم يدع بعضكم بعضاً لنائبه ... كما تركتم بأعلا بيشة النخعا
أحرار فارس أبناء الملوك لهم ... من الجموع جموع تزدهي القلعا
فهم سراع إليكم بين ملتقط ... شوكاً وآخر يجنى الصاب والسلعا
هو الجلاء الذي تبقى مذلته ... إن طار طائركم يوماً وإن وقعا
قوموا قياماً على أطراف أرحلكم ... ثم افرعوا قد ينال الأمر من فرعا
وقلدوا أمركم لله دركم ... رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا
لا مترفاً إن رخاء العيش ساعده ... ولا إذا حل مكروه به خشعا
كمازن بن قنان أو كصاحبه ... عمرو الفتى حين لاقى الحارثين معا
فلما بلغهم احتملوا جميعا حتى دخلوا بلاد الروم.
وقال البحتري:
أصاب الدهر دولة آل وهب ... ونال الليل منهم والنهار
وما كانوا فأوجههم بدور ... لمختبط وأيديهم بحار
أعارهم رداء العز حتى ... تقاضاهم فردوا ما استعاروا
وقال عبد الله بن قيس الرقيات:
لو كان حولي بنو أمية لم ... ينطلق رجال إذا هم نطقوا
إن جلسوا لم تضق مجالسهم ... أو ركبوا ضاق عنهم الأفق
تحبهم عوذ النساء إذا ... ما احمر تحت الفوارس الحدق
стр. 89
وأنكر الكلب أهله ورأى الشر ... وطاح المروع الفرق
فريحهم عند ذاك أذكى من ... المسك، وفيهم لحانط ورق
إنما ينكر الكلب أهله للبسهم السلاح عند الفزع، فتنكر الكلاب حلاهم عند ذلك.
وقال الأعشى:
فيهم الخصب والسماحة والنجدة ... فيهم والخاطب المصلاق
وأبيون ما يسامون ضيماً ... ومكيثون، والحلوم وثاق
وترى مجلساً يغض به المحراب ... بالقوم والثياب رقاق
وقال الأعشى أيضا:
جلسوا مجالسهم على أحلامهم ... رجع العقول مخالفة الأقياد
وإذا اللقاح تروحت بعشيها ... رتك النعام عشية الصراد
وترى القدور كأنها حبشية ... غبراً، وقل حلائب الأرفاد
حبسوا على أضيافهم فشووا لهم ... من حشم منقية ومن أكباد
стр. 90
والدهر غير ذاك يا ابنة مالك ... ولقد يغير صالحاً بفساد
روى أبو حاتم عن محمد بن إدريس قال: حدثنا عبد الجبار بن سنان الحنظلي الرقي قال: حدثنا محمد بن بشير عن أبان بن عبد الله البجلي عن أبان بن ثعلب، وكان عربانيا، عن عكرمة عن ابن عباس، قال حدثني علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما أمر الله رسوله ﷺ أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه وأبو بكر حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس العرب، فتقدم أبو بكر فسلم، وكان رجلا نسابة، وكان مقدماً، في كل خير، فقال: ممن القوم؟ قالوا: من ربيعة. قال: ومن أي ربيعة أنتم، أمن هامها أم من لهازمها؟. قالوا: بل من هامتها العظمى. قال: وأي هامتها العظمى أنتم؟ قالوا: ذهل الأكبر. قال أبو بكر: فمنكم عوف الذي يقال له لا حر بوادي عوف؟. قالوا: فمنكم جساس بن مرة حامي الذمار ومانع الجار؟. قالوا: لا. فمنكم بسطام بن قيس صاحب اللواء ومنتهى الأحياء؟ قالوا: لا. قال: فمنكم الحوفزان قاتل الملوك وسالبها نفسها؟ قالوا: لا. قال: أفمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة؟. قالوا: لا قال: أفمنكم أخوال الملوك من كندة؟. قالوا: لا. قال: أفمنكم أصهار الملوك من لخم؟. قالوا: لا. قال أبو بكر: فلستم ذهلا الأكبر، أنتم ذهل الأصغر. فقام إليه غلام من بني شيبان حين بقل وجهه يقال له دغفل، فقال:
إن على سافلنا أن نسأله ... والعبء لا نعرفه أو نحمله
يا هذا إنك قد سألتنا فأخبرناك، ولم نكتمك شيئاً، فممن الرجال؟ قال أبو بكر: من قريش. قال له دغفل: بخ بخ أهل الشرف والرياسة. فمن أي قريش أنت؟ قال: من ولد تميم بن مرة. قال: أمكنت والله الرامي من صفا الثغرة. أفمنكم قصي الذي جمع القبائل من فهر، فكان يدعى
стр. 91
مجمعا في قريش؟ قال: لا قال: أفمنكم هاشم الذي هشم الثريد لقومه ورجال مكة مستنون عجاف. قال: لا. قال: أفمنكم شيبة الحمد، مطعم طير السماء الذي كان وجهه القمر يضيء في الليلة الظلماء قال: لا. قال: أفمن أهل الإضافة بالناس أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل الحجابة؟. قال. لا. قال: أفمن أهل الرفادة قال: لا. قال: أفمن أهل السقاية؟ قال: لا. فاجتذب أبو بكر زمام الناقة فرجع إلى رسول الله ﷺ فقال الغلام:
صادف در السيل در يدفعه
يهيضه حيناً وحيناً يصدعه
أما والله يا أخا قريش لو ثبت لأخبرتك أنك من زمعات قريش، ولست من الذوائب. فتبسم رسول الله ﷺ فقال على: يا أبا بكر وقعت من الأعرابي على باقعه فقال: أجل يا أبا حسن، ما من طامة إلا وفوقها طامة، والبلاء موكل بالمنطق. قال: ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليهم السكينة والوقار، فتقدم أبو بكر، وكان مقدماً، في كل خير فقال: ممن القوم؟ قالوا: من شيبان بن ثعلبة، فالتفت أبو بكر إلى رسول الله ﷺ فقال: بأبي أنت وأمي، هؤلاء غرر في قومهم، وفيهم معروق بن عمرو، وقد غلبهم جمالا ولساناً، وكانت له غديرتان تسقطان على تربته، وكان أدنى القوم مجساً من أبي بكر، فقال له أبو بكر: كيف العدد فيكم؟. قال له معروق: أنا لنزيد على الألف، ولن تغلب ألف من قلة. فقال له أبو بكر: فكيف المنعة فيكم؟ قال: علينا الجد، ولكل قوم جد. قال له أبو بكر: فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم؟
قال معروق: إنا لأشد ما نكون غضباً حين نلقى، وإنا لأشد ما نكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلاح على اللقاح والنصر من عند الله يديلنا مرة، ويديل علينا أخرى، لعلك آخر قريش؟.
стр. 92
قال أبو بكر: وقد بلغكم أنه رسول الله ﷺ هاهو ذا، فقال معروق: قد بلغنا أنه يذكر ذلك فإلى م تدعوا إليه يا أخا قريش؟ فتقدم رسول الله ﷺ فقال: أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنى رسول الله، وإلى أن تأووني وتنصروني فان قريشا قد ظاهرت على أمر الله، وكذبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق والله هو الغني الحميد. فقال معروق: وإلى م تدعو أيضاً يا أخا قريش؟ فتلا رسول الله ﷺ : (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً، وبالوالدين إحسانا، ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون).
فقال معروق: وإلى م تدعوا أخا قريش؟. فتلا عليه: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون). فقال معروق:
دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأخلاق. ولقد أفك قوم كذبوك، وظاهروا عليك وكأنه أحب أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة، فقال: وهذا هانئ بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا، فقال هانئ: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وأني أرى تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك بمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر زلة في الرأي وقلة نظر في العاقبة، وإنما تكون الزلة مع العجلة، ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقداً، ولكنا نرجع وننظر. وكأنه أحب أن يشاركه في الكلام المثنى بن حارثة فقال: وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا، فقال المثنى: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش فأما تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك فالجواب هو جواب هانئ بن قبيصة وأما أن نأويك وننصر ما فنانا نزلنا بين ضربين اليمامة والسماوة. قال رسول الله ﷺ : ما هذان الضربان. قال: أنهار كسرى ومياه العرب فأما ما كان من أنهار كسرى. فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول وأما ما كان من مياه العرب فذنب صاحبه مغفور وعذره مقبول وإنما نزلنا
стр. 93
على عهد أخذه علينا كسرى لا نحدث حدثا ولا نأوي محدثا، وإني أرى هذا الأمر الذي تدعو إليه مما تكرهه الملوك. فان أحببت أن نأويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا. فقال رسول الله ﷺ : ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم الصدق، وإن دين الله لا ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه أرأيتم أن لم يلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم الله أرضهم أرضهم، وديارهم وأموالهم ويفرشكم نساءهم، أتسبحون الله وتقدسونه؟.
فقال النعمان بن شريك: اللهم لك ذلك. فتلا رسول الله ﷺ (إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعيا إلى الله باذنه وسراجا منيراً). ثم نهض النبي ﷺ ، فأخذ بيدي فقال: يا أبا بكر يا أبا حسن أية أخلاق في الجاهلية ما أشرفها بها، يدفع الله بأس بعضهم عن بعض، وبها يتحاجزون فيما بينهم. قال: ثم دفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج فما نهضا حتى بايعوا النبي ﷺ وكانوا صدقاً صبراً.
قوله: عربانياً، فان هذه الألف والنون يزادان في النسبة ليفرقوا بها بين العربي اللهجة وبين العربي النسب. وسمى عبد الله بن الحارث بن همام بن مرة بن مرة بن ذهل بن شيبان ذا الجدين لأنه أسر أسيراً شريفاً فقيل له: إنك لذو جد قال: فعندي من هو فوقه، رجل من كنانة. فقيل له: إنك لذو جدين. وقيل إنه سبق في سبقين من الخيل، فقيل له ذاك.
والأول أصح. وعوف بن محلم بن ذهل بن شيبان هو الذي يقال فيه: لا حر بوادي عوف. أي لا يقرب واديه إلا بذمته وجساس بن مرة بن ذهل بن شيبان يسمى حامي الديار أي أنه يحمي ما إن ضيعه لزمه منه الذم وهو اللؤم، وهو الذي قتل كليب بن وائل أخو ربيعة في لقحة جارته. قال الشاعر:
كليب لعمري كان أكثر ناصراً ... وأعظم جرما منك ضرج بالدم
رمى ضرع ناب فاستمر بطعنة ... كحامشة البرد اليماني المسهم
وبسطام بن قيس بن مسعود بن قيس خالد بن عبد الله ذي الجدين. وفي بسطام يقول قابوس الشاعر:
стр. 94
اسبق وفودك إما كنت ساقيها ... وابدأ بكأس ابن ذي الجدين بسطام
ينمى به من بني شيبان أسرتها ... حامى الحقيقة عن أعراضها رامي
ما زال قيس بن مسعود ووالده ... سدا الملوك به أيام أيام
فارضوا بما صنع الرحمن في مضر ... وفي ربيعة من تقديم أقوام
قد كان بالشام بسطام فقدمه ... قبل الوفود جهاراً صاحب الشام
والحوفزان هو الحارث بن شريك من بني همام بن مرة، وجده الصلت بن عمرو. أجمعت على تقديمه بكر، ولولده شريك. يقال:
يا شريك بن عمرو ... وهل من الموت محاله
يا أخا كل مصاب ... يا أخا من لا أخا له
وإنما قيل له الحوافزان لأن قيس بن عاصم المنقري حفزه بالرمح في وركه فعرج منها.
وقال جرير يعيب بني شيبان بإنكاحهم الفرزدق:
غاب المثنى ولم يشهد نجيكم ... والحوفزان، ولم يشهده معروق
يا رب قائلة بعد البناء بها ... الصهر راض ولا ابن القين معشوق
والمثنى بن حارثة من بني ذهل بن شيبان. أجمعت عليه بكر، فغزا سواد الكوفة، فكان عمر بن الخطاب ﵁ يسميه: مؤمر نفسه. ومعروق من بني شيبان أيضاً. وهانئ بن قبيصة من وجوههم. والنعمان بن شريك هو أخو الحوفزان. والمزدلف هو عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان. ولده حارثة ذو التاج كان على بكر بن وائل حين
قاتلوا المنذر بن ماء السماء يوم أوارة.
стр. 95
والصريان واحدها صري يقال: صري الماء والدمع فهو صر إذا اجتمع ولم يجر. وقوله: بقل وجهه أي خرج شعر وجهه. وصفاها: لونها، يريد أن مقاتله بادية. والصفا الحجر الصلد الأملس، والدر: الدفع. ويريد هاهنا دفاع السيل أي شدته. والزمعات واحدتها زمعة، وهي شبه أظفار الغنم في الرسغ، في كل قائمة زمعتان، يكون ذلك لكل ذي ظلف. وقيل الزمعة الزائدة من ذوي الظلف. والنافغة من الرجال هو الداهية. أفصحتم بالرد تبينتموه، ولم تمجمجوه. يقال للأعجم إذا تكلم بالعربية، وحسنت لغته: قد أفصح. وللرجال إذا تكلم
دخل أعرابي مسجد الكوفة، فرأى خالد بن سلمة المخزومي فقال له: ممن الرجال؟. قال: من تيم الرباب. قال للرجال: مت أنت من حنظلة الأكرمين ولاسعد الأكبرين، ولا عمرو الأشدين، فسأل الأعرابي عنه فقيل له: مخزومي فقال: ولست والله يا خالد من بني هاشم المرسلين، ولا من بني أمية المستخلفين، ولا من بني عبد الدار المستحجبين. قال خالد: ولكن من ريحانة قريش. قال الأعرابي: شوه لك، ما كنت أظنك تتزين بهذا، إنما أسميتم ريحانة قريش لحظوة نسائكم عند الرجال. فقال خالد: أعطى الله عهدا إن عبت أحداً بعدك.
стр. 96
باب ومن حكماء قريش في الجاهلية عتبة بن ربيعة
قالوا: لم يعرف له قط كلمة رفث إلا كلمتان قالهما يوم بدر. قال لأبي جهل بن هشام - لعنة الله - ستعلم يا مصفر إسته. وقال حمزة: أنا أسد الله، وأسد رسوله، فقال عتبة: أنا أسد الحلفاء. وقال الفرزدق:
إن الذي سمك السماء بني لنا ... بيتا دعائمه أعز وأطول
بيتا زرارة محتب بفنائه ... ومجاشع وأبو الفوارس نهشل
بيتاً بناه لنا الإله وما بنى ... ملك السماء فإنه لا ينقل
أحلامنا تزن الجبال رزانة ... وتخالنا جنا إذا ما نجهل
يلجون بيت مجاشع وإن احتبوا ... ترزوا كأنهم الجبال المثل
يمشون في حلق الحديد كما مشت ... جرب الجمال بها الكحيل المشعل
يحمى إذا اختط السيوف نساءنا ... ضرب تطير له السواعد أرعل
стр. 97
ويقول فيها:
ومحرق جمعوا إليه يمينه ... بصفاد مغتصب أخوه مكبل
ملكين يوم بزاخة قتلوهما ... وكلاهما تاج عليه مكلل
محرق هذا من ملوك غسان أغار هو وأخوه في طوائف من العرب من إياد وتغلب على بني ضبة بن أد وهم بزاخة، فاستافا النعم، وأتى الصريخ ضبة، فركبوا واقتتلوا قتالا شديداً، ثم إن زيد الفوارس حمل على محرق فاعتنقه وأسره، وأسروا أخاه أيضاً ثم قتلوه.
قالت الرواة: لولا شعر الفرزدق لذهب كثير من أخبار العرب وأيامها. وهذه الأبيات من قصيدة طويلة يفتخر فيها، ويذكر علمه بالشعر، ويذكر الشعراء فيها فيقول:
وهب القصائد لي إذ مضوا ... وأبو زيد وذو القروح وجرول
والفحل علقمه الذي كانت له ... حلل الملوك كلامه لا ينحل
وابنا أبي سلمى زهير وابنه ... وابن الفريعة حين جد المقول
وأخو بني قيس وهن قتلنه ... ومهلهل الشعراء ذاك الأول
стр. 98
وأخو بني أسد عبيد إذ مضى ... وأبو دؤاد قوله يتنحل
والجعفري وكان بشر قلبه ... لي من قصائده الكتاب المجمل
والأعشيان كلاهما ومرقش ... وأخو قضاعة قوله يتمثل
والحارثي أخو الحماس ورثنه ... صدعاً كما صدع الصفاة المعول
ولقد ورثت لآل أوس منطقاً ... كالسم خالط جانبيه الحنظل
يصدعن ضاحية الصفا عن متنها ... ولهن من جبلي عماية أثقل
دفعوا إلي كتابهن وصية ... فورثنهن كأنهن الجندل
فيهن شاركي المصادر بعدهم ... وأخو هوازن والشامي الأخطل
أراد بالنوابغ نابغة بني ذبيان، وهو زياد بن عمرو من بني سعد بن ذبيان بن بغيض، والنابغة الجعدي وهو قيس بن عبد الله بن كعب بن صعصعة. النوابغ كما يقال الفراقد، وأبو يزيد هو المخبل، وأسمه ربيعة بن مالك من بني قريع ثم من بني سعد بن زيد مناة بن تميم. وذو القروح امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الحراب بن عمرو المقصور بن حجر آكل المرار الكندي. وجرول هو الحطيئة بن أوس من بني عبس بن بغيض، وعلقمة هو بن عبدة من بني مالك بن زيد مناة بن تميم. وإنما سمى الفحل لأن في بني عبد الله بن دارم
стр. 99
علقمة الخصى. وزهير ابن سلمى، وأبو سلمى ربيعة بن رياح من بني مازن بن مزينة. وابن الفريعة حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام الأنصاري، وأخو بني قيس طرفة بن العبد من بكر بن وائل. قتله عمرو بن هند حين هجاه. ومهلهل بن ربيعة أخو كليب ابن ربيعة من بني تغلب بن وائل. وعبيد بن الأبرص بن جشم من أسد بن خزيمة. وأبو دؤاد حارثة بن حمران الإيادي، وبشر بن أبي خازم من بني أسد. والأعشيان أحدهما الأسود بن يعفر بن نهشل بن دارم، والآخر ميمون بن قيس بن حنيفة بن قيس بن ثعلبة، وأخو قضاعة أبو الطمحان حنظلة بن الشرقي أحد بني القين بن جسر. وأخو الحماس النجاشي، وهو قيس بن عمرو بن جحيح بن حماس. وأوس بن حجر من بني عمرو بن تميم بن مر، والمساور بن هند بن قيس بن جذيمة من عبس، وأخو هوازن عبيد الراعي بن حصن بن نمير بن عامر بن صعصعة. الأخطل غياث بن عوف بن الصلت من بني تغلب.
وقال أوس بن حجر الأسدي:
ومستعجل مما يرى من إبائنا ... ولو زينته الحرب لم يترمرم
وما الملك الجبار حين نكيده ... بكيد على أرماحنا بمجرم
لعمرك ما المغتر يأتي بيوتنا ... لنمنعه بالضائع المتهضم
وما ضيفنا القرى بمدافع ... ولا جارنا في النائبات بمسلم
بني ومالي دون عرضي وقاية ... وقول كوقع المشرفي المصمم
وقال آخر:
هلا سألت عن الذين تبطحوا ... كرم البطاح وخير سرة واد
وعن الذين أبوا فلم يستكرهوا ... أن ينزلوا الولجات مسنداد
стр. 100
يخبرك أهل العلم أن بيوتنا ... منها بخير مضارب الأوتاد
وقال الأعشى لعمرو بن عبد الله:
فما أنت من أهل الحجون ولا الصفا ... ولا لك حق الشرب في آل رمرم
فقال له عمرو: لكنك يا أبا بصير وقومك منهم. يهزأ به. فقال الأعشى:
وما بوا الرحمن بيتك في العلا ... باحياد شر في الصفا والمحرم
فقال له عمرو: ولكنك يا أبا بصير عريض المباهاة بها.
ورأى رجل من قريش رجلا من بني تغلب له هيئة فوقف له وهو يطوف بالبيت فقال: أني أرى رجلين قل ما وطئا البطحاء، فقال التغلبي: البطحاوات ثلاث: بطحاء الجزيرة، وهي لي دونك وبطحاء ذي قار أنا أحق منك بها، وهذه البطحاء سواء العاكف فيها والبادي.
قال أبو عبيدة: قدم الفرزدق على عمر بن عبد العزيز وهو على المدينة فأكرمه وأحسن ضيافته، وبلغه عنه أنه زنى، فقال لجارية له: انطلقي إلى الفرزدق فاغسلي رأسه وبعث معها ألطافاً، وهو يريد أن يختبره، فاتت الجارية إلى الفرزدق وعمر ينظر من خوخة إلى ما يصنع الفرزدق، فذهبت الجارية لتغسل رأسه، فوثب عليها فركلته فإذا هو على قفاه، ثم قالت: لعنك الله من شيخ، وخرجت حتى أتت عمر، فنفاه عمر. فلذلك قال جرير:
خرجت من المدينة غير عف ... وقام عليك بالحرم الشهود
فإن ترحم فقد وجبت حدود ... وحل عليك ما لقيت ثمود
فلما رحل الفرزدق قال:
وكنت إذا نزلت بأرض قوم ... رحلت بخزية وتركت عارا
стр. 101
قال: ثم قدم جرير بعد ذلك على عمر، فصنع به كما صنع بالفرزدق، وقالت له جارية: قم فاغسل رأسك، فقام فاتزر، وقال للجارية: تنحى. فقالت: سبحان الله. إنما بعثني سيدي لأخدمك. قال: لا حاجة لي في خدمتك. فأخرجها من الحجرة، وأغلق الباب، فغسل وعمر ينظر إليه من حيث بعث الجارية إلى أن أخرجها من الحجرة. وجرير لا يعلم. فلما راح أهل المدينة إلى عمر حدثهم بفعال الفرزدق وجرير وقال: عجباً لقوم يفضلون الفرزدق على جرير مع عفة بطنه وفرجه.
стр. 102
باب في ذكر الهيبة
ومما يستجاد في ذلك قول أبي عبادة الوليد بن عبيد الله البحتري:
ولما وردنا سدة الأذن أخرت ... رجال عن الباب الذي أنا داخله
فأفضيت من قرب إلى ذي مهابة ... أقابل بدر ألتم حين أقابله
إلى مسرف في الجود لو أن حاتماً ... لديه، لأمسى حاتم وهو عاذله
بدا لي محمود السجية شمرت ... سراويله عنه وطالت حمائله
كما انتصب الرمح الرديني ثقفت ... أنابيبه للطعن واهتز عامله
وكالبدر وافته لقدرٍ سعوده ... وتم سناه واستهلت منازله
فسلمت واعتاقت جناني هيبة ... تنازعني القول الذي أنا قائله
فلما تأملت الطلاقة وانثنى ... إلي ببشر آنستني مخايله
ذنوت فقبلت الندى في يد امرئ ... جميل محياه سباط أنامله
صفت مثل ما تصفو المدام خلالة ... ورقت كما رق النسيم شمائله
стр. 103
وقال ذو الرمة في بلال بن أبي بردة بن أبي موسى:
تقول عجوز مدرجة متروحاً ... على بيتها من عند أهلي وغاديا
أذو زوجة بالمصر أم ذو خصومة ... أراك لها بالبصرة العام ثاويا
فقلت لها: لا إن أهلي لجيرة ... لأكثبه الدهنا جميعاً وماليا
وما كنت مذ أبصرتني في خصومة ... أراجع فيها يا ابنة الخير قاضيا
ولكنني أقبلت من جانبي قسا ... أزور فتى نجداً كريماً يمانيا
من آل أبي موسى ترى القوم حوله ... كأنهم الكروان أبصرن بازياً
مرمين من ليث عليه مهامة ... تفادى الأسود الغلب منه تفادياً
فما يغربون الضحك إلا تبسماً ... ولا ينبسون القول إلا تناجيا
لدى ملك يعلو الرجال بضوئه ... كما يبهر البدر النجوم السواريا
وما الفحش منه يرهبون ولا الخنا ... عليهم، ولكن هيبة هي ماهيا
لمستحكم جزل المروءة مؤمن ... من القوم لا يرضى الكلام اللواغيا
стр. 104
في السن كهل العلم يسمع قوله ... يوازن أدناه الجبال الرواسيا
قوله مرمين: أي مطرقين، والغلب: الغلاظ الرقاب، واحدهم أغلب ويتفادى يتقى بعضها ببعض، وأغرب: أكثر من الضحك. ويقال ما نبس بكلمة أي ما تكلم بها. والتناجي: السرار.
وقال مهلهل بن ربيعة:
أنبئت أن النار بعدك أوقدت ... واستب بعدك يا كليب المجلس
وتقاولوا في أمر كل عظيمة ... لو كنت حاضرهم بها لم ينبسوا
أبني ربيعة من يقوم مقامه ... أم من يرد على الصريخ ويحبس
وإذا تشاء رأيت وجهاً ناعماً ... وذراع باكية عليها برنس
جزعاً عليك ولست لائم حرة ... تبكي عليك بعثرة وتنفس
ولقد شفيت النفس من سرواتهم ... والخيل تعثر في الدماء وتعبس
وتركت جساساً ينوء بصعدة ... سمراء يقدمها سنان مدعس
أكليب لو حدثت كيف عقوبتي ... علمت عظامك إذ علاها المرمس
أن لست زيراً حين ششت وقودها ... في الحرب يوم عنانها لا يسلس
قوله: (وذراع باكية عليها برنس) يعني أنهن كن نصارى، يلبسن البرانس. وزير النساء. أي يلزم مجالستهن.
стр. 105
وقال آخر:
إذا بدر احتبى بالسيف دان له ... شوس الرجال خضوع الحرب الطالي
كأنما الطير منهم فوق هامهم ... لا خوف ظلم ولكن خوف إجلال
وقال كثير:
شهدت ابن ليلى في مواطن قد خلت ... يزيد بهذا الحلم حلماً حضورها
فلا هاجرات القول ينطقن عنده ... ولا كلمات النصح مقصى مشيرها
ترى القوم يخفون المواعظ عنده ... وينذرهم عود الكلام نذيرها
وإني لآتي فترة فمسلم ... وإن لم تكلم حفرة من يزورها
وقال الفرزدق: وقيل هي لداود بن سلم في قثم بن العباس. وقيل للفرزدق في علي بن
الحسين ﵉:
يغضي حياء ويغضي من مهابته ... فلا يكلم إلا حين يبتسم
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقي النقي الطاهر العلم
إذا رأته قريش قال قائلها ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذاما جاء يستلم
وفي قثم بن العباس بن عبد المطلب يقول الأخطل:
ولقد غدوت على التجار بمسمح ... هرت عواذله هرير الأكلب
لذ تغلبه التعيم كأنما ... سحت ترائبه بماءٍ مذهب
لباس أردية الملوك تروقه ... من كل مرتقب عيون الربرب
خضل الكياس إذا تثنى لم تكن ... خلفاً مواعده كبرق الخلب
وإذا تعوورت الزجاجة لم يكن ... عند الشراب بفاحش متقطب
стр. 106
قوله: لذ هو الرجل يشتهى اللذات. ويقال إن الأبيات الأولى للعين المنقري. وإنما سمى اللعين لأن عمر ﵁ كان في صلاة حتى دخل اللعين، فقال: ألقت مراسيها يدا الزمزام
فلما سلم قال: من هذا اللعين؟. فسمى بذلك.
وقال أشجع السلمي:
لا يصلح السلطان إلا شدة ... تغشى البريء بفضل ذنب المجرم
ومن الأنام مفخم لا يتقى ... والسيف تقطر شفرتاه من الدم
منعت مهابتك النفوس حديثها ... بالأمر تكرهه وإن لم تعلم
قال عبد الكريم: ولي أبيات من قصيدة ذكرت فيها الهيبة. وهي:
ومجلس موفور الجلالة تنثني ... عيون الورى عنه وينبو خطابها
ترى فيه رفع الطرف خفضاً كأنما ... لحاظ الرجال ريبة تسترابها
نثرت به غر المعاني كأنها ... قلائد در زان جيداً سخابها
إذا حكتها ظلت نواسج عبقر ... حواسد مدسوساً إلي عتابها
على ملك تهدى إلى مكرماته ... عقائل أشعار يرف شبابها
همام دعت كفاه قاصية العلا ... فلباه منها صفوها ولبابها
وكيف بها إلا عليه طريقها ... وأين بها إلا إليه ذهابها
إذا ورد المنصور أرضاً تهللت ... وجوه رباها واستهل ربابها
إذا اغبرت الآفاق بلت سماؤه ... ثراها بأيد ما يجف رغابها
стр. 107
كان الغوادي الزرق عنه مضاؤها ... وخضر السحاب من نداه عيابها
فمن يوله سعداً ينله ومن يرد ... به شقوة تخلع عليه ثيابها
يحل ثياباً حلها البر والتقى ... ويخضر من بعد اصفرار جنابها
وما بلدة لم يأت بالطوع أهلها ... بآمنة إلا تدك هضابها
تحط بها الأسد الضواري خواضعاً ... لديك ولو أن الكواكب غابها
ولو أنها عاصتك غير مجيبة ... أجابتك من تحت السيوف رقابها
تهابك آفات الخطوب فتنتهي ... ولا تنتهي عن خطة فتهابها
رماحك أحناء الضلوع ثقافها ... وخيلك تامور النفوس شرابها
ترى كل نهد أعوجي حجوله ... كما محت الزرق العوالي حجابها
أعوجى منسوب إلى أعوج، كان لكندة فأخذته سليم في بعض أيامهم، ثم صار لبني هلال قال أبو عبيدة كان الوجيه والغراب والوفا بها تفتخر بما صار إليه منها.
قال الأصمعي: هما أعوجان، فالأكبر منهما لغنى، والأصغر لبني هلال، وذكر أن شبل هي أم أعوج. وأنها كانت لأعوج. وذو العقال لبني رياح. ومنها جلوى، وكانت لبنى ثعلبة بن يربوع. ومنها الحنفاء، وهي أخت داحس لأبيه وأمه، من ولد ذي العقال، ومنها الغبراء. كانت لقيس بن زهير، وهي خالة داحس، واخته لأبيه. وإذا قالوا بنات أعوج، فإنما يريدون الذكران من الخيل، وما لم يكن من الناس يقال للذكور منه بنات.
стр. 108
باب في الجهارة وخلافها
العرب تستحسن أن يكون الرجال جهيراً بليغا، جميلا. قال يونس بن حبيب: ليس لعي مروة؛ ولا لمنقوص البيان بهاء، ولو بلغ عنان السماء.
ونظر عمر إلى جبلة بن سلمى فقال: ما أجود قناتك! فقال: سنانها أجود يريد: قلبه. وقال بعضهم:
فلا تذهبن عيناك في كل شرمح ... طوال فإن الأقصرين أمازره
المزير: العاقل. قال كثير:
ترى الرجال النحيل فتزدريه ... وفي أثوابه أسد مزير
ويعجبك الطرير إذا تراه ... فيخلف ظنك الرجل الطرير
طر شاربه: أي نبت.
وقال غيره:
وفي الصمت ستر للعيي وإنما ... صحيفة لب المرء أن يتكلما
وقال أعرابي: رأيت عورات الناس بين أرجلهم وعورة فلان بين فكيه. يريد من العيى.
خطب رجل جميل قليل المال امرأة، وخطبها رجل آخر دميم له مال فتزوجت الدميم لماله فقال:
ألا يا عباد الله ما تأمرونني ... بأصبح من صلى وأقبحه فعلا
يدب على أحشائها كل ليلة ... دبيب القريبانات يقرونها سهلا
стр. 109
وقال آخر:
وما حسن الرجال لهم بفخر ... إذا ما أخطأ الحسن البيان
كفى بالمرء عيباً أن تراه ... له وجه وليس له جنان
وقال المتنبي:
وما الحسن في وجه الفتى شرفاً له ... إذا لم يكن في فعله والخلائق
وما بلد الإنسان غير الموافق ... ولا أهله الأدنون غير الأصادق
ضحك المعتصم من عبد العزيز المكي لما دخل عليه، وكان مفرط القبح، فقال المكي
للمأمون: مم يضحك هذا؟. ما اصطفى الملك يوسف لجماله، وإنما اصطفاه لبيانه. قال الله : (فلما كلمه قال إنك اليوم لدنيا مكين أمين). فبياني يا أمير المؤمنين أحسن من وجهي، فأعجب المأمون قوله. وقالوا: أفضل اللفظة بديهة أمن وردت في مقام خوف. وقال الشاعر:
سأرفض ما يخاف علي منه ... وأترك ما هويت لما خشيت
لسان المرء يغني عن حجاه ... وعي المرء يستره السكوت
وكان عمرو بن معدى كرب جميلا وسيما، فارساً، شاعراً، وكان يختار للوفادة لجماله وبيانه. وهو القائل:
стр. 110
ظللت كأني للرماح ذريئة ... أقاتل عن أبناء جرم وفرت
وجاشت إلي النفس أول وهلة ... وردت على مكروهها فاستقرت
ولو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرت
قال: والبيت الأول من أمض ما هجى به أحد. والبيت الثاني من أصدق ما قاله فارس. ولا أعلم لعمرو في الجاهلية أسير منه، وهو يقدم على زيد الخيل في البأس والنجدة. وقد شهد حرب القادسية وفتوح فارس كلها، وأبلى فيها بلاء حسنا، وكان له مائة سنة.
وكتب عمر إلى سعد أن يستشير عمراً وطليحة بن خويلد الأسدي الذي كان يتنبأ ثم أسلم في الحرب، ولم يولهما من أمر المسلمين شيئاً. وسيف عمرو الصمصامة يضرب المثل به، ويقال إنه كان لعمرو بن ذي قيفان قتل به عمرو وقتل به، فوهبه عمرو لخالد بن سعيد أيام على اليمن فقال فيه:
خليلي لا أهبه على قلاه ... ولكن التواهب للكرام
خليلي لم أخنه ولم يخني ... كذلك ما خلاني أو ندامى
حبوت به كريماً من قريش ... فسر به وصين عن اللئام
ووصل الصمصامة بعد ذلك إلى موسى الهادي، فقال العتابي:
حاز صمصامة الزبيدي عمرو ... من جميع الأنام موسى الأمين
سيف عمرو وكان فيما سمعنا ... خير ما طبقت عليه الجفون
وقيل إن المتوكل طلبه في الآفاق فقيل له إنه وصل إلى أفريقية، فبعث فيه، فقيل له إنه
وصل إلى اليمن، فوجه في طلبه حتى أخذ له بمال كثير فصقله، فأعجبه، ودفعه إلى باغص التركي، وكان شجاعاً، فيقال إنه قتله به حين دخل عليه مع الذين اتفقوا على قتله غدراً مع المستنصرية.
следующие страницы →