Полный текст (312 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وآخرون صودفوا عند التل. فجاءتهم السعادة، وفجأتهم الشهادة. وهؤلاء سوى من وقع في الوقعة، وذهب قبل الرجعة.
وأجمع السلطان وذوو الآراء أنه يصبح القوم، ويباكر في طلب أرواحهم السوم. وقال: هؤلاء قد أضعفنا قوتهم، وأعجزنا قدرتهم، وفثأنا سورتهم، وأخمدنا فورتهم، وقتلنا مقاتلتهم، وأدوينا داويتهم. فإن تركناهم بلعوا الريق، وبلغوا في الاحتزاز والاحتراس الطريق. فنحن نوافيهم غدا، ونوفيهم رجى. ونكيلهم بصاع المصاع، ونذرعهم بباع السباع، ونقيسهم بذراع اليراع ونوسعهم قرى القراع. وتذيقهم حر الحرب، ونسيغهم في كعم الطعن ضرب الضرب. ونعين من عيونهم للسهام سهاما، ونتخذ لأرواح النصال من أجسامهم أجساما. ونغرقهم بماء الهند وانيات، ونحرقهم بنار زند اليمانيات. ونوجد من عدمهم النصر، ونطيب من نتنهم
النشر. ونقطع دابرهم، ونلحق بأولهم آخرهم.
فلما اتفقت الآراء على إمضاء هذا العزم؛ وإجراء هذا الحكم، تفقدوا العسكر فإذا هو قد غاب، لما ناب من الأمر وراب. وذلك أن غلمان العسكرية وصحابها؛ وأوباش الجمع وأوشابها؛ طنوا تلك الفورة هزيمة، فنهبوا الأثقال والأحمال وعدوها غنيمة. وانهزم من انهزم من الجند، وثبت من ثبت من أهل الجد فمن عاد إلى رحله وجده منهوبا مسلوبا، وكان ظنه أنه فرغ من لقاء خطب فلقي خطوبا. فمضوا وراء الغلمان، وبلوا بسوء دين السودان. وأصبحنا وإذا العسكر غائب، والعازم عازب. والقاصم قاص، والطائع عاص. والجمع متفرق، والثابت قلق، والآمن فرق. والغنى معدم، والجريء متندم. فهذا خلف ما ذهب من ماله ذاهب، وهذا لمن طلب الطريق بأثقاله طالب. فتفتقر ذلك العزم، وتأخر ذلك الحكم.
وانتعش الفرنج في تلك المدة، وانتشلوا من تلك الشدة. واستطالوا بعد الاقصار، وفرغوا لشغل الحصار. وجاءتهم في البحر مراكب أخلفت من عدم، وبنت ما هدم. فكمل بالمدد ما نقص من العدد. ولولا أن الله تعالى قدر بقاءهم، لكنا عاودنا صباح تلك الليلة لقاءهم. فإن الفرصة ما امكنت، والحصة تعينت. والجو خال، والضو عال، والحال جميلة والجمال حال. فقضى الله بما قضى، وعرانا المضض بما مضى.
وبقيت تلك الجيف منتنة مبتثة، وتلك الجثث محينة مخبثة مجتثة. تعرفنا أن نشورها من حواصل النسور، وأن قبورها بطون الضباع والنمور. فشكونا نتن رائحتها، وشكرنا بمن جائحتها. فجعل السلطان حملها على العجل إلى النهر، ليشرب من صديدها أهل الكفر. فحمل إلى الماء أكثر من خمسة آلاف جثة، بعث إلى النار قبل يوم البعثة. فما عبر بها إلا من اعتبر، واستشفى من أقبل بمن أدبر. وسلم الله من أسلم، وكف ورد بالردى من كفر.
стр. 142
ذكر ما اعتمده السلطان في استرجاع ما نهب من الثقل واستدراك ما حزب من الخلل
تقدم الأمر إلى المقدمين والأمراء، بعد النداء وأعلام الجهلاء. بإحصاء كل ما نهب، وإحضار كل ما سلب. وأنه من لم يرد ما أخذه أخذ بالردى، واعتدى عليه بمثل ما اعتدى، فأحضر كل ما عنده، وبذل في الكشف جهده، وجمعوا ما تفرق منه في الخيام في خيمة السلطان، وضاقت عن كثرته سعة ذلك المكان.
وجلس السلطان يوم الجمعة لسبع بقين من شعبان، فكل من عرف من ماله شيئا أخذه بعد إحلافه، وحلا في مذاق الشكر قطاف الطافه. وسعى في معانا ذوى الأخلاق الصعبة على سهولة أخلاقه، وشفى العلل والغلل بالنهل والعلل من إشفاقه. وقمش ذلك القماش، وحصل من ذلك الوبل الرشاش، وصح بعد العرى والعثار الارتياش والانتعاش.
وكتب إلى الولاة بالأمصار والنواحي، والأقطار والضواحي؛ بحث البحث وجد الكشف، واستخلاص كل ما يوجد ويؤخذ بالرفق والعنف. وتراجع الناس، وتتابع الإيناس. وعادت مضارب الغرائم إلى مضائها، وقضاة القواضب إلى اقتضابها واقتضائها. وغار الآنف وأنف الغيران، وتسلط الهزم وعزم السلطان. وثار الحنق وحنق الثائر، وطار العلق وعلق الطائر. وطلبت الطلى نكاح بنات الخلل الذكور، وأشرأب للشرب نبات الأسل إلى ماء النحور. وحمى ذوو الحمية للتقاضي، وقالوا حتى متى التراضي بالتغاضي.
ذكر مجلس عقد ورأي عليه اعتمد وصواب افتقد وقد فقد
وحضر أكابر الأمراء عند السلطان يوم الخميس التاسع والعشرين من شعبان. فقال: اعلموا أن هذا عدو الله وعدونا قد أجلب بخيله ورجله، وأناخ بكلكل كله، وقد برز بالكفر كله الإسلام كله. وجمع حشده وحشد جمعه، واستنفد وسعه. وأن لم نعالج الآن فريقه، والبحر قد منع طريقه، أعضل داؤه، وتعذر غدا لقاؤه، فإنه إذا سكن البحر، واستسهل ركوبه السفر، تضاعفت أعداد الأعداء، فظهر الإعدام من الأعداء، وخرج الداء عن قبول الدواء.
ونحن ما وراءنا نجدة ننتظرها، ولا قوة نستحضرها. وما بلى بهذا المعشر إلا معشرنا، وما بازاء عسكر الكفر إلا عسكرنا، وما في المسلمين من ينجدنا، وما في بلاد الإسلام من يسعدنا. وعساكرنا حاضرة، وعزائمنا للتواني حاظرة، وعيون اسنتنا إلى الفتك بالعدا ناظرة، وما يعوزنا إلا حضور أخينا الملك العادل سيف الدين. ولا بقاء للنقاد إذا أصحر منه ليث العرين. فالرأي كل الرأي في المناجزة، قبل وقوفهم على محاج المحاجزة.
стр. 143
ثم قال: ليشر كل منكم برأيه، ولا يقدم على قول ورأيه من ورائه. فتجاذبوا حبل الاضطراب، واختلفوا في الآراء بحسب اختلاف الآراب. وركب كل منهم هواه، وأعلن بما نواه. ومنهم من قال: هذا ثالث عشر تشرين الثاني لا الأول، وقد دفعنا إلى الخطب الاعضل، والتعب الاطول، والنائب الأعصى والناب الاعصل، وما نزلنا عن الخيل منذ خمسين يوما، وما طعمنا في هذه الليالي نوما، ولا سمنا لطارق طيف غمضا، ولا شمنا إلا لبارق سيف ومضا، ولكم قذفتنا المنايا وقد دخلنا لهواتها وكأن أبا الطيب عنانا بقوله؛ (وكأنما خلقوا على صهواتها). وقد كلت الضوامر، وفلت البواتر، وملت العساكر. وهذا الشتاء قد أقبل، والعدو قد
استقتل، والشر قد استحفل. وما يتأتى قلعه إلا لمن يتأنى، وبالصبر يدرك الأريب ما يتمنى. وهم بالمصابرة مصابون، ونحن على المثابرة مثابون. وهؤلاء لا يتمكن منهم إلا بالجمع الجم، والسيل لا يغلبه غير الخضم. والصواب أن نصابرهم هذه الشتوة، ونستجد لنا ولخيلنا القوة. ونتأخر عن هذه المنزلة، لتحصيل هذه المصلحة المؤملة، ونوكل بهم مناوبة من يمنعهم من الخروج. وإذا انقضى البرد نرجع إلى معالجة هؤلاء العلوج. ونعيد السريجيات إلى سلها والسلاهب إلى السروج. والصواب الأخذ بالاحتياط ونقيم الكتب والرسل إلى الأطراف والأوساط. ومكاتبة دار السلام، وأعلام الإمام - عليه أفضل السلام - بما دفع إليه الإسلام بالشام. فإن المسلمين لا شك بنجدون، ويقومون بالنصرة ولا يقعدون. ولا يترك استنفار التركمان، وترغيبهم بالبر والإحسان. واستدعاؤهم بالعطايا، والتشريفات السنايا. وينفذ إلى بلاد الشام القاصية والدانية في تحريك الهمم والعزائم الوانية. إلى أن تملئ بالجموع ساح الساحل، وتغلى بنار الحميات بها مراجل الراجل.
فحينئذ ينتهي أمد المصابرة، ونصمم على المكابرة مع المكاثرة. ونباديهم ونفاتحهم قبل انفتاح البحر، ونغاديهم ونراوحهم على اقتراح القهر. وننسفهم ولو أنهم جبال، وننزفهم ولو أنهم بحار، ونعدمهم حتى لا يطرق جفن بلد منهم خيال. ولا يلم بجفن طارق لهم غرار.
وما زلنا في مشاورة ومحاورة؛ ومجاذبة ومجاوبة، ومناظرة ومساورة؛ حتى تنخل الرأي وتمخض، وخالوا أنه تبين الصواب وتمحض. ومالوا إلى الدعة؛ والخروج من الضيق إلى السعة. ومن نزال الحرب إلى المنزل الرحب. ومن المعترك المعتكر إلى المبرك المبتكر.
فلم تعجبني هذه الحالة، ولم توافقني هذه المقالة. وقلت: لعمري أتيتم بمصلحة، ولكنها غير مترجحة. فإن الفرنج إلى الآن لم يتمكنوا من الحصار، ولم يحدقوا
بجميع الأسوار. فإذا رحلنا وتنحينا عنهم أرخينا خناقهم، وأطلنا إلى مرادهم أعناقهم. وباب عكاء من
стр. 144
جانب البحر مفتوح، والمقيم بها منا بكاس تفقدنا إياه مغبوق مصبوح. والطريق إليها سابلة، والذخائر إليها في كل يوم داخلة. والفرنج عن قطع الطريق عاجزة، وعزائمنا على مصابحتها ومماساتها لها دون قصدها محاجزة. وأن تأخرنا تقدموا، وأن هونا أحكموا، وأن نقضنا ابرموا. وأن قعدنا قاموا، وأن بعدنا حاموا. ومتى رمناهم تحفظوا، ومتى نمنا عنهم تيقظوا. وما دمنا نشغلهم فإنهم لحصر البلد لا يتفرغون، وإلى أمد الأمل لا يبلغون.
فقالوا: هذا أمر هين، ومما ذكرناه صواب متعين، ووجه الصلاح فيه بين. وما مقصودنا إلا أن ينتشروا ويخرجوا من مضاربهم وبصحروا. فإذا أنسوا بالرجاء، لم ييأسوا من الأرجاء. وأرخينا لهم حبل الانطار، حتى استمروا على الانتشار. وحينئذ نصحهم على غرة، ونعاجلهم كرة بعد كرة. وننقض عليهم إنقاض البزاة على البغاث، ونصدهم بالباعث الباغت لهم عن الانبعاث. وكان السلطان متكرها لما أبدوه من الرأي الملتاث، لولا ما عرض لمزاجه من الالتياث.
ذكر الرحيل إلى الخروبة عند خيم الأثقال المضروبة
كان السلطان مع ما ألم به من الألم، غير مبد وجه الملل والسأم. وهو في كل يوم يركب وعلى العسكر يطوف، ويقف مستطيلا على العدو ويطول منه الوقوف. ويعود وقت الظهر، وعليه أثر الضر من الصبر. فليم على فعله، وخصه الطبيب بعذله. فانتقل إلى الثقل ليلة الثلاثاء رابع شهر رمضان، وخلى المنزل الأول وأخلى العسكر ذلك المكان. وتقدم إلى من بعكاء بإغلاق الباب، وسلوك نهج الاحتراس والاجتناب. وجرى الأمر على ما كنت قلته، وتحقق من الخلل ما خلته.
فإن المركيس رحل وشغل الجانب الذي كان خاليا، ورخص عنده ما كان من سوم خوفه غاليا.
وشرع الفرنج في حفر خندق على معسكرهم حوالي عكاء من البحر إلى البر، واخرجوا ما كان في مراكبهم من آلات الحصر. وفي كل يوم تأتينا اليزكية بخبرهم، وبما ظهر من أثرهم، والجد في تعميق الخندق وتتميم محتفرهم. والعسكر هاجم، كأنه واجم، والظن فيه راجم، وشر الكفر ناجم، وما فينا لعود الأمر عاجم.
وقلت يوما للسلطان يركب العسكر إليهم، ويركض عليهم. فلعله ينال ظفرا، ويقضى من عسكر العدو وطرا. فقال ما يعمل العسكر شيئا إلا إذا كنت معه راكبا، ولعمله مشاهدا مراقبا. ولقد صدق في مقاله، فإنه كان اعرف برجاله. فإنهم كانوا يبذلون معه المهج، ويخوضون من بحر الحرب اللجج، ويوسعون لهزم العدو المأزق اللجج. وكان من قضاء الله أنا أغفلناهم، وأمهلناهم. حتى عمقوا الحفور، ووثقوا من ترابها
стр. 145
السور. وملئوه بالستائر، ومنعوه من الطير الطائر. وبنوه وأسسوه، وستروه. وترسوه ورتبوا عليه رجالا، ولم يتركوا إليه لواغل مجالا. وتركوا فيه أبوابا وفروجا، ليظهروا منها إذا أرادوا خروجا.
ولما فرغوا من هذا الأمر اشتغلوا بالحصر. ونحن نقول: لا مبالاة بهم ولا اكتراث، وما أسهل إذا عزمنا عليهم لأصولهم الاجتثاث، وبسيول سيوفنا نغسل تلك الاخباث. وأي وقت قصدناهم وجئناهم وجأناهم، ونكأنا قرحهم ونكبناهم. وما فوارسهم لنا إلا فرائس، وما خنادقهم لهم إلا رموس دوارس. وما حفروا إلا قبورهم، وما دبروا إلا ثبورهم. ومتى قصدناهم كذبت ظنونهم، وصدقتهم منونهم. وامتلأت بأشلائهم خنادقهم، وأظلمت عليهم بغربنا مشارقهم، وبيتتهم بوائقهم وتبت علائقهم.
ذكر رأي رائب، عن النظر في الغاي غائب، أسفر عن داء دائب وأبان عن غرارة بغرائب
وقع لبعض الأكابر فثنى عليه خنصره، ووكل بإتمامه سمعه وبصره. لما تمت على الفرنج تلك المقتلة، وعمت فيهم الهلكة، وضمت أشلاءهم المعركة، وشوهدت على الربى حجب نحورهم المهتكة. وخمدوا وخملوا، وأهلكهم الله بما عملوا. وقع لبعض الأكابر أنه لم يبق للقوم انتعاش من تلك المعاثر. وأنهم قد عدموا القرار، وعزموا الفرار. ولو قدروا على النجاة لخلصوا، ولو فتحنا طريقهم ما تصبروا ولا تربصوا.
وقال للسلطان: ارحلوا عنهم حتى تروا ما يكون منهم. فإنهم يرهبون ويهربون، ويبعدون إلى صور ومن بعدها ومن عكاء ر يقربون. فمال قوم إلى مقاله، وتخيلوا مثل خياله. وأشار بقطع طريق البلد، والصدر عن ورد الرصد، والجد في تعمية الجدد. وأن يفتح لهم ما سد من الطريق، ولا يعوقهم فإنهم تعوى من التعويق.
ولما بلونا رأيه، وتلونا آية، أخلف ظنه، وبدا وهنه. وما زاد الفرنج الاثباتا، ولم نعرف لشملهم على ما توهمه شتاتا. وكنا نتحدث بذلك الرأي الفائل، ونقول ما أعجب قبولنا قول هذا القائل.
ذكر ما جرى بعد ذلك من الحوادث، وتجدد للعزائم من البواعث
أقام السلطان بالمخيم لإصلاح مزاجه، وإيضاح منهاجه. ومداراة ألمه، ومداواة سقمه، فوهب الله له العافية، وكمل له عصمته الكافية، ومنته الشافية، ونعمته الوافية، وأبدى له ألطافه الخافية. وقوى قلبه على المقام بنية الانتقام. وصرف الأجناد الغرباء
стр. 146
ليرجعوا في الربيع، ويستريحوا في مرابعهم لوقت الرجوع. وأقام في مماليكه وخواصه، ورجال حلقته المنصورة من ذوي استخلاصه. ورتب
بالنوبة على الفرنج يزكا ضمنه دركا، وأدار بهلاك القوم منه فلكا.
وكان في مماليكه كل مقدم مقدام، وكل همام همام. وكل ليث ذي لوثة وكل حدث محسن له حسن أحدوثة، وكل ضيغم ضاغم، وكل أسد عرين ليس إلا عرنين قرنه براغم. وكل ريبال ذي بال، وكل بطل من ولاية الهيجاء غير بطال. وكل مغير للنصر مريغ، وكل مسيء إلى العدو لكأس الحمام مسيغ. وكل تركي للرماء غير تارك، وللاصماء غير فازك قوسه في ظفر الهدى موتر على الوتر، وسهمه من مقل العدا طائر إلى الوكر، وسيفه في رداء الردى حال بدم الكفر. وكل (حميدي) في الروع حميد؛ وبالحرب عميد. وكل (هكارى) على القرن عكار، وفي الوغى كرار، وللقنا جرار. وكل (زرزاري) بالأسد زار، وللبسالة كاس ومن العار عار، وكل (مهراني) في القتال ماهر، وللرجال قاهر، وعلى الأبطال ظاهر. وكل كمى كميش، واكديش على اكديش.
فما خلا يوم من وقعة، وما صار من بارزهم إلا إلى صرعه، وما عاد من نجا ومن زنابير سهامهم إلا للسعة، وما حصلت شفاه شفارهم من طلاء من طاولهم إلا على لطعة. وما تبقى على لتوتهم ليت، ولصوتهم في النزال كل صباح ومساء صيت. وبلى الفرنج منهم بالمبير المبيد، وإعتاق بهم مراد العدو المريد.
وما زال هذا دأبهم في الركوب، ومباركتهم ومراوحتهم إلى مواقف الكروب. فكم اقروا منا أعينا بأيديهم، وثبتوا عدل النصر بتعديهم، وصلوا شر الشرك بتصديهم، وحركوا ما سكن وهدأ من عزائم الهداة بتهديهم.
وفي يوم الاثنين ثالث شهر رمضان أخذ أصحابنا بعكاء مركبا للفرنج إلى صور مقلعا، واجتلينا به من سنى النصر مطلعا. وكان المركب محتويا على ثلاثين رجلا وامرأة واحدة ورزمة من الحرير. وجاءت حظوة حلوة، وغنيمة صفوة، ونشوة أعقبت صحوة. وصبيحة استصحبت ضحوة. وقوة من وهن العدو، ومحبة فكت
رهن السلو. فقد كان أنكسر نشاطهم، وانقبض انبساطهم، وانخفض اغتباطهم. وفترت عزمتهم وقصرت همتهم، وخمدت فورتهم، وركدت ثورتهم.
فلما عثروا بالمركب انتعشوا وانقشوا، وتنغموا وتنغشوا. ودب الروح، وشب المروح. وتحرك الساكن، وتدرك الضامن. وصارو يخرجون ويحرجون، ويقتلون ويجرحون، ويمسون على القتال ويصبحون ويكافحون ويدافعون، ويقارعون ويواقعون. والعسكر في المنزلة هاجم، وجم جمعه واجم. واليزكية زكية، والعيون ذكية. والنوب راتبة، والعدة المعينة المعينة في كل يوم راكبة.
стр. 147
ذكر وصول ملك الألمان
ونما الخبر بوصول ملك الألمان إلى قسطنطينية في عدد دهم دثر، ونظم من خيله ورجله ونثر. وهو على قصد العبور إلى بلاد الإسلام، وقطع بلد الروم والأرمن إلى الشام. وأنه في ثلاثمائة ألف مقاتل، من كل سالب باسل، وطالب باطل. وجهم جهنمي، وأشقرى سقرى، وأنمش افعواني، وصل صليبي صلائي. وأرقش حنشي، ومستعر سعيري. ومحرب لظوي، ومغوار ناري. وضار بالقرن ضار، وجار للدرع جار. وكل ذئب عاسل، ذاب بعاسل. وأزرق لأبيض مشتمل، وأصهب لأسمر معتقل. وكل جحيمي جاحم، وجمري فاحم. وحربي بحري، وبار برى. وقاطع في طريق الوصول، وراحل بقصد الحلول. وناز إلى النزال، وصال بنار الصيال. ومشمر على الموت متمرن، ومتحين إلى المنون متخنن.
وفيهم ستون ألف فارس مدرع مقنع، ما له سوى السوء من مقنع. وأنه مع الألماني ملوك وكنود، وكل شيطان لربه كنود. وكتب صاحب قلعة الروم مقدم الأرمن وهو في قلعة على الفرات؛ ومن أهل الذمة في المأمن. يبدى تنصحا واشفاقا، وتخوفا على البلاد واحترافا. ويقطع بأن الواصلين في كثرة، وأن الناهضين إلى طريقهم في عثرة. وأبرق في كتابه وأرعد، وأبدع بخطابه وأبعد.
ولا شك أنه إلى جنسه النجس مائل، وبملاءة أهل ملته قائل.
ولما وصل هذا النبأ وقيل إنه عظيم؛ وورد هذا الخبر وخيل أنه اليم؛ كاد الناس يضطربون، على أنهم يصدقون ويكذبون، ومن طرف كل حبل من الرأي يجذبون. وقلنا: أن وضح هذا الخطر؛ وصح هذا الخبر؛ فالمسلمون يقومون لنا ولا يقعدون، ويغضبون لله ولا يرضون أنهم لا يعضدون. على أن ناصرنا ومؤازرنا ومظاهرنا.
وحققنا بإظهار القوة لمن استوحش التأنيس، وبثثنا بالإرسال إلى بلاد الروم عيونا وجواسيس. وندبنا رسل الاستنصار، وبعثنا كتب الاستنفار إلى جميع الأمصار والأقطار. وقلنا: ما هذه المرة إلا مرة، ولا يسيغها إلا كل مريء أبى، وما هذه الكرة مثل كل مرة، ولا يحضرها إلا كل كميش كمى.
ذكر رسالة دار الخلافة
وعول السلطان على (القاضي بهاء الدين بن شداد، يوسف بن رافع ابن تميم) ليكون كتابه إلى الديوان العزيز مع رسول كريم. وقال له: ما احتاج أوصى، وأنت تستوفي القول وتستقصى. وجعل له إلى كل ذي طرف في طريقه رسالة، وأودعه إليه مقالة.
فسار من عندنا في شهر رمضان مغذا، يبذ خيل العزم بذا، وبجذ حبل السير جذا. ووصل إلى حلب والقاضي ضياء الدين القاسم بن يحيى ابن عبد الله
стр. 148
الشهرزوري رسول السلطان ببغداد قد عاد، وذكر أنه قد بلغ المراد، وأنه استجدى واستجاد، واستفاد واستزاد، وأنه استكمل للعدة الاستنجاز، وللعدة الاستنجاد.
فما هذا الرسول ارائح. وربما أعرضت لتلك الحزائج الجوائح. وإذا اختلف الحديث حدث الاختلاف ومتى ألفى غير ما ألقى ألغى الائتلاف. فما هذا لعجل، ومم الوجل. فصدقه الملك الظاهر غازي صاحب حلب، عن كل ما أبان عنه
وأعرض.
وكتب إلى والده، بذكر مقاصده، وقال: أنا لا أقدر على صد من للخدمة تصدى، ولا رد من بثوب الرسالة تردى، وأنت تمضي إلى السلطان، بما أوضحته من البرهان. وهو يحكم ويحكم، ويعقد ويبرم. ويقول فتسمع، ويأمر فتتبع. ولعلك تعود سريعا، وتجد شمل ما الفته جميعا.
فوصل ضياء الدين الشهرزوري وهو مغتاط، وسجاياه السجاح غلاظ. وتغير على، ونسب إنفاذ القاضي بهاء الدين إلى، فإنه كان مخاللي ومخالطي ومباسطي. فأزلت عنه كل طن، واعتذرت إليه بكل فن؛ فما بسط عذر؛ ولا قبض ذعر. فإني على أسبابي ببغداد خائف، ودون رضى كل سائر إليها واقف. واسترضيته فما رضي، ومضيت إليه مرارا قبل أن يمضي.
ثم اجتمع بالسلطان وندمه على ما قدمه، وأعلمه بما علمه. وقال له: الشغل قد فرغ، والمقصود قد بلغ، والسؤال قد أجيب، والسؤل قد أصيب. والمخطوب بزمامه نحوك مخطوم، وكل ملك سواك لأجلك من رضاع رضاهم مفطوم. فكن للإمام يكن لك، وأقبل أمره ليقبلك.
واجتمع بالسلطان دوني، واتفق بجماعة شاركوه وأفردوني. وقرروا معه سرا أمرا، وحذروه أن يصير جهرا. ولو كنت معهم لعرفتهم أن الأمر الذي أبرموه غير مبرم، وأن الرأي الذي احكموه غير محكم. وما زالت أوكد الأمر حتى يؤمن انتفاضه، وأتعرض دون الرأي حتى لا يمكن اعتراضه. وأتيقن أن الأمر ما فيه خلاف، وأن الوعد ما له إخلاف. فما فعل الرسول يتلبث، ولا أمهل بتمكث، بل جعل على المجاز لا الحقيقة مجازه، وزعم فيما دبره نجاحه ونجازه. وسلك فيما تقرر نهج العجب، وأسرع العودة على النجب.
فلما انفصل عن السلطان، بما وصله من الإحسان، جمع السلطان الأمراء على
المشورة، ووقفهم على المعنى والصورة. وقال لهم: قد وعدت الخليفة على لسان الشهرزوري بشهرزور، واستدعيت عسكره المنصور، وربما قدم الينا الحضور، فيكمل لنا النصر والحبور. فقالوا: هذا رأى رائب، وشأو شائب، وأمر عنه الصواب ناء، وكيف تعد الإمام بما لا يقرن بوفاء. وكيف ينجز هذا الرعد وينجح هذا القصد! ودونه أيحاش من هو في طاعتك! فكنت تبذل ما يدخل في استطاعتك. أما صاحب
стр. 149
الموصل طلبها فمنع، وصاحب اربل عنها دفع، ومملوكك بها لمن يجاوره خائف، وكل إيوائي لحدها وحقها حائف. وما من هؤلاء إلا من بذل عنها أموالا وأحوالا، والتزم من الجنود والنقود انجادا خفاقا وحمولا ثقالا. فإذا عرف أنك أخرجتها لمن له الأمر؛ دخل عليهم الضر. وملك مالك الأمر أمرهم، وأبدوا في انقطاعهم عنك عذرهم. وانقطع الواصل، وارتفع الحاصل. وما جاءنا من المذكورين فارس واحد، ولا ساعد على ما نحن فيه بعدها مساعد. فأما هذا بكتمر في خلاط قد جمع الأخلاط؛ وجهر بالعداوة؛ وأقام على الغيابة والغباوة.
فقال السلطان: الخليفة ملك الخليقة، وهو مالك الحق والحقيقة. فإن وصل إلينا أعطيناه هذه البلاد، فكيف شهرزور! وسيحدث الله بعد الأمور الأمور.
ولما وصل ضياء الدين الشهرزوري إلى بغداد؛ وصادف بها القاضي بهاء الدين بن شداد. فلم يسفر أمر سفارته عن سداد. وقيل له: جواب ما أتيت فيه مع ضياء الدين نسيره، ونندبه فيما نتخيره. وشرف بهاء الدين وأعيد، وزين ضياء الدين وزيد. وذكر ما جرى فتم الاعتداد، ونم الاحماد. وسيأتي ذكر ما آلت إليه نوبته، حين كانت أوبته.
ذكر وصول الملك العادل سيف الدين أخي السلطان والاستظهار بجموعه والاجتماع بظهوره لنصرة الإيمان
ووصل الملك العادل سيف الدين من مصر منتصف شوال، في جيش آل، وجمع حال. وشوكة رائعة وشكة رادعة، وشارة سارة، وديمة من البأس دارة. وعدة منتخية منتخبة، وعدة منتقاة مهذبة. من كل أجدل على مرقب، وأجود على جواد مقرب. وصاف عتيق على صافن عتيق، وطود على طود ونيق على نيق، وصقر على سوذنيق. وبحر على صابح، وجذع على قارح. ومن كل رئبال على تتفل، وأغر محجب على أغر محجل. ومن كل أبيض ضرب بالبيض ضراب، وكل أسمر باسل بالسمر سلاب، وكل أروع يحمل يراعا، وكل شجاع يعتقل شجاعا. وكل أحمى أحمس، وكل أفرى أفرس. ومن كل أسد خادر، وقسور قاسر. وضيغهم ضاغم، وقمقام واقم. وليث به لوثة، وحدث له في الشهامة أحدوثة.
وأحضر معه من سودان مصر كل ذمر كأنه العبسي عابس، وكل مغامر للموت مغامس. وكل غربيب حلكوك، وكل سرحان صعلوك. وكل ضرغام غريفي، ومقدام ريفي. وكل خارج لثار، وكل مارج من نار. وكل اسود سالخ، وكل رأس في الشر راسخ.
وجاءوا بالغبسة القبطية، والترسة اللمطية، والصلال القفطية.
والإلال النوبية، والحراب الحربية، والصعاد الصعيدية. والصوارم المذروبة، والصرائم المشبوبة. والأسنة المسنونة، والصوابغ الموضونة.
стр. 150
والسراحين السارحة، والثعابين الجارحة. والتماسيح المزدردة، والشياطين المتوقدة. والزانات والزنيات، والهنديات واليمانيات.
وكان يوم وصول العادل مشهودا، لم يترك في كل ما يراد من القوة مجهودا.
وأقبل في روع ظاهر وضوع باهر. وبشر ذائع، ونشر ضائع. وحبور تام، وسرور عام. وهزة وطرب، وعزة وأرب. وقلنا: سيف الدين المنتضى، وناصر الإسلام المرتضى، وغياث الأنام المرتجى، وسلطان جيوش المسلمين المجتبى. لقد نص النصر، وكف الكفر. وسلم الإسلام، ونام الأنام. وأمن الإيمان، وتسلط السلطان. وحليت الأحوال وفرغ البال، وبلغت الآمال، ونيل رجاء الرجال، وأزيل إبطاء الأبطال. ووردت زناد الأجناد، ورويت ظماء الصعاد. فما بعد اليوم إلا بعد القوم. وإدراك ما استقام من النهج، وهلاك من أقام من الفرنج.
ونزل الملك العادل في مخيمه، وقدم اليمن بمقدمه. وتقدم السلطان إلى راجل دمشق والبلاد فحضر، وضايق الفرنج به وحصر. ولم يخل العدو في كل حين من حين، وفي كل وقت من مقت؛ وفي كل شأن من شين. وفي كل بقعة من وقعة، وفي كل صقع من صقعة. وفي كل ليلة من بلية، وفي كل سحرة من كيسة بالكناية فيهم ملية. والملك العادل يركب في كل يوم ويبلى ومن جهده في القتال لا يخلى. والفرنج على البلاء صابرون، وللعناء والعناد مكابرون لا يبرزون ولا يبارزون، ولا يجاوزن خنادقهم وهم فيها متحادزون.
ذكر فصل إلى الديوان العزيز واشتمل على مجاري الأحوال
قد تقدمت المطالعة بمنازلة العدو المنازل بالنوازل، ومجاولة أهل الغواية بالغوائل، ومقاتلة طواغيت الكفر الواصلة في البحر بعدد أمواجه إلى الساحل. وقد نزلوا على عكاء المحروسة، براياتهم المنكوسة، وآرائهم المعكوسة. وحشودهم المجموعة، وجموعهم المحشودة، وظلال الضلال الممدودة، وإقدام الأقدام المصدودة المسدودة.
وقد مضت ثلاثة أشهر شهر بها التثليث على التوحيد سلاحه، وبسط الكفر جناحه، وحصل الشرك على قروحه وعدم اقتراحه. وقتل من الفرنج وعدم في الوقعات التي روعت؛ والروعات التي وقعت؛ أكثر من عشرين ألف مقاتل، من فارس وراجل، ورامح ونابل. فما اثر ذلك في نقصهم، ولا أرث إلا نار حرصهم. وما فلل حد حديثهم الحادث، ولا قلل عدد كثيرهم الكارث. ولا غضوا عيون أطماعهم، ولافضوا ختوم اجتماعهم. ولا ردوا وجوههم عن مواجهة الردى، ولا قطعوا أملهم عن الوصول إلى المدى، ولو قطعوا بالمدى، وهم لمواضعهم ملازمون، وفي مصارعهم جاثمون، وعلى
стр. 151
الموت صابرون، وإلى الحمام صائرون. وبالخنادق من البوائق محتمون، وبالطوارق من الطوارق معتصمون، وعندهم أنهم للبلد محاصرون، وهم على الحقيقة وإن كانوا لكثرتهم غير محصورين محصوون، وأن جندنا لهم المنصورون.
وللعساكر الإسلامية فيهم كل يوم نكاية شديدة، وفتكة مبيدة. ووقعة ناكية، وجمرة ذاكية، وصدمة صادعة، وحدمة رادعة.
ولما امتنع الدخول عليهم؛ وتعذر الوصول إليهم؛ جمع راجل البلاد؛ وحشد إلى حشودهم ذوو الاستعداد. حتى نقاتل الراجل بالراجل، والفارس بالفارس؛ ونقترع جمعهم بكر الفتح العانس. وقد وصل الأخ العادل وفقه الله للمراضي الشريفة، بالجموع الكثيرة الكثيفة. ولعل الله أن يجعل حتف هؤلاء الفرنج فتحا لأبواب الفتح، ويعجل لليالي آمال المسلمين بطلوع صبح النجح. وليس هذا العدو بواحد فينجع فيه التدبير، ويأتي عليه التدمير. وإنما هو كل من وراءالبحر، وجميع من في ديار الكفر. فإنه لم يبق لهم مدينة؛ ولا بلدة ولا جزيرة؛ ولا خطة صغيرة ولا كبيرة؛ إلا جهزت مراكبها، وأنهضت كتائبها. وتحرك ساكنها، وبرز كامنها، ونفضت خزائنها، وانفضت معادنها، وحملت ذخائرها، وبذلت أخايرها. وثار
ثائرها، وسار سائرها، وطار طائرها. ونثلت كنائن كنائسها، واستخرجت دفائن نفائسها.
وخرج بصلبانها أساقفتها وبطاركها، وغصت بالأفواج فجاجها ومسالكها. وتصلبت للصليب السليب، وتغضبت للمصاب المصيب. ونادوا في نواديهم بأن البلاء دهم بلادهم، وأن إخوانهم بالقدس أبارهم الإسلام وأبادهم. وأنه من خرج من بيته مهاجرا؛ وبحرب الإسلام مجاهرا؛ ولتعبده مستردا؛ ولجده في النخوة لدينه مستجدا، فقد وهبت له ذنوله، وذهبت عنه عيوبه.
ومن عجز عن السفر بعدته وثروته من قدر. وبذل البدر لمن بدر. فجاءوا لابسين للحديد بعد أن كانوا لابسين للحداد؛ وتواصلت منهم الأمداد بالإمداد، وتوالت أنجاد الانجاد. وهم على النقص يزيدون، وعلى الأبد يبيدون، وبالمهج يجودون، وعن اللجاج في خوض اللجج لا يعودون.
وهؤلاء هم الواصلون في البحر القاطعون اثباجه، المكاثرون أمواجه. فأما ملوكهم الواصلون في البر فقد تواترت أخبارهم، بأن خلت منهم ديارهم؛ ورمتهم إلى أغراضهم البعيدة أوتارهم. وبهم يستفحل الشر، وبعضل الأمر. ويصول الكفر ويجول؛ ويتطاول الشرك ولكنه لا يطول. فإن لدين الله من خليفته ناصرا لا يسلمه، ورازقا لا يحرمه. وما تمسك بحبل طاعنه الا من فاز قدحه وحاز السناء قدحه، وأسفر صبحه، ووفر نجحه. وبدا علوه، وباد عدوه. والخادم بقوة رجائه في العوارف الامامية؛ والعواطف النبوية؛ وشدة استظهاره بالنصرة الظاهرة الناصرية، آن أن يفرق الجمعين ويجمع للفريقين القمعين. ويعيد البر بحرا من دماء وافدي البر والبحر، ويقطع دابرهم دابر الكفر.
стр. 152
ذكر وصول الأسطول المنصور من مصريوم الثلاثاء سادس عشر ذي القعدة في المراكب المستعدة المستبدة بالبأس والشدة وكانت عدته خمسين شينيا
كان السلطان منذ وصول الفرنج إلى عكاء قد كتب إلى مصر بتجهيز الاسطول؛ وتجزية حباله، وتزجية أمور رجاله. وتكثير عدده، وتوفير عدده. وإصلاح شئون شوانيه. وإسناء رواسي سواريه. فتولى (حسام الدين لؤلؤ الشيخ) أمره، وشرح لإيراده وإصداره صدره. وأنفق من ماله ما جمع به شمل رجاله.
وهذا لؤلؤ قد اشتهرت في الكفر فتكاته، وشكرت في العدو نكاياته. وقد تفرد بغزوات لم يشاركه فيها أحد، ولم يكن فيها على الإسلام لغيره يد. وما سلك نهجا إلا ملك، ولا طلب غاية إلا أدرك. وهو ميمون النقيبة، مشكور الضريبة. وهو الذي رد الفرنج عن بحر الحجاز، ووقف لهم على طرق المجاز. ولم يترك منهم عينا تطرف؛ ولم يبق لهم دليلا يعرف. وغزواته مشهورة، وفتكاته مذكورة. وأمواله مبذولة، وأكياسه أعقد الإنفاق في سبيل الله محلولة.
فتولى الأسطول، وجمع به الطول والطول. ووصل به. وللفرنج من شوانيها على وجه البحر عقارب تدب، ولواسب سوالب ما تغيب وما تغب. وسفن حمالة ومقاتلة، وبطس للأزواد والمير ناقلة.
فصدمتها مراكبها بمناطبها، واستطال الأسطول المنصور على اساطيلها، وجاء حقه بإزهاق أباطيلها. واطلعت في سماء البحر كواكب مراكبنا نجوما، وقذفت لشياطين الكفر رجوما. وأقبلت سواريها بالرواسي، مبرمة الامراس محكمة المراسي. وقطعت اللجة بأشباه أمواجها، وسدت فجاجها بألإواجها، ونكست أعلام الأعلاج عن أثباجها. ووافت اساودها السود بالأسود، وسدت عقبانها الآفاق بأجنحة الرايات والبنود. وطارت بقوادم المجاذيف وخوافيها، وزارت بجوارح المقاذيف وعوافيها.
فجاءت وسفن العدو كالجبال تمر مر السحاب، وتطوى اللجة كطي السجل للكتاب.
فصدتها وصدعتها، وردتها وردعتها. فكأنما عبت غربانها بين أحبة الكفر أعاديها، وأناخت ظعائن الضغائن على شواتي شوانيها، وعادت قوامص الفرنج فيها قنائص جوارح جواريها.
فأول ما ظهر الأسطول المنصور بشينى للفرنج عظيم الشان، عاد طاغ بأهل الطغيان والعدوان. فقتل مقاتليه، وتبع ما يليه. فوقعت بطشته الكبرى ببطسة كبيرة، تشتمل على ميرة لهم زذخيرة وامتعة كثيرة.
وتفرقت سفن الفرنج أيدي سبا، وأصلد زندهم وكبا. وعادوا محصورين محسورين قد دفعت مراكبهم التي دافعت عن مباركهم، وأيقنوا أنهم تورطوا في مهالكهم. وسيرت بوصول الأسطول كتب إلى الأقطار، وبشر المسلمون بما حصل به من الاستظهار.
стр. 153
ذكر فصول أنشأتها فيها منها فصل
ولما رأينا أمدادهم في البحر متضاعفة، وجموعهم متكاثفة، استدعينا الأسطول المصري المنصور فجاءنا فجاءة، وأمتد اسطرا على طرس البحر أعيت متأملها قراءة، وأقبلت جواريه جوارح من قنائصها القوامص، وصدمت شوانيه شواني الشناة فعادت مراكبهم وهي نواكص. وطارت غربانا ببين أحبة الكفر أعداء الإسلام ناعبة، واطردت على طرائد الفرنج فطردتها غالبة لا لاغبة.
وظفرت أول يوم الورود بسفن للعدو معمرة، وألهبت في الماء على أهل النار كل نار للنكال مسعرة. وانقطعت طرق الفرنج البحرية فاستطالت بها أساطيلنا فذهبت وجاءت، وعملت ما شاءت، وتبعتهم مرارا، وبالغنائم فاءت، وأعشت أعين الرائين كلما تراءت. فضاقت بها العداة ذرعا، ولم تجد من بعدها مطمعا ولا مرعى.
فصل من كتاب
صدر الكتاب بورود الأسطول المصري، وبالسطو الشديد والبأس القوي. فارتاع الكفر من وصوله وصوله الرائع؛ وذل جمع الكفر لعزه الجامع؛ وجاء بكل شيني شانئ. لشائن الدين واجئ، مفاجع للعدو بالهلاك مفاجئ. مفرق لمراكب الشرك المجتمعة؛ مضيق لمناهج مضارها المتسعة. فطحن مناكب مراكبها، ووسع معاطن معاطبها. واستولى منها حالة وروده على عدة للملاقاة مستعدة، ولا مداد إعانتها ممن وراءها مستمدة. وقتل من فيها من الرجال؛ وغنم ما وجد فيها من العدد والأموال.
فصل من مكاتبة أخرى
وصل الأسطول المنصور في كل شيني شانئ للشرك شائن، زائد لبهجة الإسلام زائن. زائر بكل أسد زائر، سائر بكل مقدام إلى مقام الأقدام سائر.
وكانت الفرنج قد جهزت مراكبها، وأرهفت غروبها وسنمت غواربها. وملأتها برجال أيديها على قوائم القواضب قوابض، وارجلها على الثبات في روابي متون سفنها روابض. وهم على انتظار الأسطول. ليطاولوه؛ ويلقوه وبالمدافعة يجاولوه.
فلما وصل وصال؛ وراع أمره وهال؛ وجلا عليهم الاوجال والآجال؛ بتوا المراسي والحبال، وانهزموا بسفنهم، وآذنت قوتهم بوهنهم. واستولى على عدة منها بالعدد والرجال والذخائر والأحمال مملوءة، وسلبهم كل ما أعدوه فيها من قوت وقوة.
والفصول كثيرة وإنما ذكرت منها ما وصف صورة الحال على جلبتها، وأعرب عن حقها وحقيقتها.
стр. 154
ذكر ما اعتمده السلطان من تقوية البلد ونقل الرجال والذخائر والعدد
ولما اشتد البرد وتوالت الغيوث؛ وتبحرت السهول والوعوث؛ وحالت الأوحال؛ ولاحت على خلاف المراد الأحوال؛ وتعذر الخروج إلى تلك المروج؛ وامتنع على السالك قصد أولئك العلوج؛ وزال حكم النزال؛ واستقال من استقل بالقتال؛ شرع السلطان فيما هو أنفع وأجدى، وأنجع وأنجى، وأرجع بالاحتياط والحزم وأرجى؛ وهو تقوية عكاء بالميرة والذخيرة، والأسلحة الكثيرة. والرجال الحماة، والأبطال الكماه.
فنقل إليها في المراكب جماعة من الأمراء الاملئاء بأجنادهم، فدخلوا إليها بعددهم وأزوادهم. واستظهر البلد أيضا برجال الأسطول ورؤسائه وقواده، فما دخل أحد فيها إلا بزيادة في زاده. وكانوا زهاء عشرة آلاف بحرى حربى، على الجري إلى الموت جرى. فامتلأ البلد بكل منتخب منتخ، ومرخص مهجته الغالية للإسلام مصرخ. وانتفع بهم في جذب المنجنيقات، والرمى في العرادات، والحذف بالنفاطات، والإحراق بالزراقات؛ والزرق بالمحرقات. وإلقاء القوارير، وإذكاء المساعير. وتطريح النار؛ وتطويح الأحجار؛ ومواصلة القطاعات، والزيارة بالزيارات. وتوتير الجروخ والزنبوركات، وتطيير الناوكات النواكي من مقاتل العدو إلى الوكنات. ومناشبة الفرنج في كل وقت بالأخذ والوقذ، والجد في الجد والجذ. وطروقهم ليلا على سبيل التلصص، وسوقهم من سوقهم على وجه التصيد والتقنص.
وكبسوا ليلة سوق الخمارات والعواهر، وسبوا عدة من المستحسنات الفواجر. واستنصروا بذلك واستبشروا؛ واجترأوا منه على ما أجروا.
وكذلك من عندنا يدخل إليهم الرجال متسوقين، ويأتونهم من كل جانب مجتمعين ومتفريقين. فمن قدر على حصان أخذه وأخرجه، ومن تعذر عليه إخراجه عقره وبعجه. ومنهم من يهجم على الرجال في خيمته ويرهبه بمد مديته. ويسلبه سكونه
بسكينه، ويجعله أن لم ينجذب معه من حينه على يقينه. فيقوده بخطام القهر، ويجذبه بخدام الأسر.
ووقع القوم من هذا في بلاء مبل، وعناء عن حب الحياة مسل. فقد كثر إليهم الاجتياز ومنهم الاحتياز، وشق عليهم الاحتراس والاحتراز. وتحيل الناس في اغتيالهم بكل طريق، وازداد فرقهم من كل فريق. وأعدت الحال من الليل إلى النهار، والمكابرة والجهار، حتى كان رجالنا يختفون بالحشيش في أجراف الأنهار، فإذا صادفوا فارسا ورد الماء فاجئوه بالقتل أو الإسار.
ذكر حال نساء الفرنج
وصلت في مركب ثلاثمائة امرأة إفرنجية مستحسنة، متحلية بشبابها وحسنها
стр. 155
متزينة. قد اجتمعن من الجزائر، وانتدبن للجرائر. واغتربن لإسعاف الغرباء، وتأهبن لإسعاد الأشقياء، وترافدن على الإرفاق والأرفاد، وتلهبن على السفاح والسفاد. من كل زانية نازية، زاهية هازية، عاطية متعاطية، حاظية خاطية، متغنية متغنجة، متبرزة متبرجة، نارية ملتهبة، متنقشة متخضبة، تائقة شائقة، فائقة رائقة، راتقة فاتقة، راقعة خارقة، مارقة رامقة، قاسرة سارقة، فارجة فاجرة، فاتنة فاترة، مشتهاة متشهية، ملهاة متلهية، متفننة متفتية، ناشية منتشية، متشوقة متسوقة، مقترحة محترقة، متحببة متعشقة. حمراء مرحاء، نجلاء كحلاء، عجزاء هيفاء، غناء لفاء، زرقاء ورقاء، متخرقة خرقاء.
تسحب غفارتها، وتسحر بنضارتنا نظارتنا. وتتثنى كأنها غصن، وتتجلى كأنها حصن. وتميس كأنها قصيب، وتزيف وعلى لبتها صليب. وهي بائعة شكرها بشكرها، باغية كسرها في سكرها.
فوصلن وقد سبلن أنفسهن، وقدمن للتبذل أصونهن وأنفسهن. وذكرن أنهن قصدن بخروجهن تسبيل فروجهن. وأنهن لا يمتنعن من الغربان، ورأين أنهن لا يتقربن
بأفضل من هذا القربان، وتفردن بما ضربنه من الخيم والقباب، وانضمت إليهن أترابهن من الحسان الشواب. وفتحن أبواب الملاذ، وسبلن ما بين الأفخاذ. وبحن بالإباحة، ورحن إلى الراحة؛ وأزحن علة السماحة، ونفقن سوق الفسوق، ولفقن رتوق الفتوق. وتفجرن بينابيع الفجور، وتحجرن بنزو الفحول منهن على الحجور، وعرضن الإمتاع بالمتاع، ودعون الوقاح إلى الوقاع.
وركبن الصدور على الأعجاز، وسمحن بالسلعة لذوي الاعواز، ودمن على تقريب خلاخلهن من الإفراط، ورمن فرشهن على بساط النشاط. وتهدفن للسهام، وتحللن للحرام. وتعرضن للطعان، وتضرعن للأخدان. ومددن الرواق، وحللن حين عقدن النطاق. وصرن مضارب للأوتاد واستدعين النصول منهن إلى الأغماد. وسوين أراضيهن للغراس، واستنهضن الحراب إلى التراس. واستفرن المحاريث إلى الحرث، ومكن المناقير من البحث. وأذن للرءوس في دخول الدهاليز، وجرين تحت راكبيهن على ضرب المهاميز. وقرين الأشطان من الركايا، وفوقن النبال في اعجاس الحنايا، وقطعن التكك، وطبعن السكك.
وضممن الأطيار في أوكار الأوراك، وجمعن قرون كباش النطاح في الشباك. ورفعن الحجر عن المصون، وترفعن عن ستر المكنون. ولففن الساق بالساق، وشفين غليل العشاق. وكثرن الضباب في الوجار، وأطلعن الأشرار على الأسرار. وطرقن إلى الأودية، والسيول إلى الأودية. والجداول إلى الغدران، والمناصل إلى الأجفان. والسبائك إلى البواتق، والزنانير إلى المناطق والاحطاب إلى التنانير، وذوي الإجرام إلى المطامير والصيارف إلى الدنانير. والأعناق إلى البطون، والأقذاء إلى العيون.
وتشاجرن على الأشجار، وتساقطن على الثمار. وزعمن أن هذه قربة ما فوقها
стр. 156
قربة، لاسيما فيمن اجتمعت عنده غربة وعزبة. وسقين الخمر، وطلبن بعين الوزر
الأجر. وتسامع أهل عسكرنا بهذه القضية، وعجبوا كيف اعبدوا بترك النخوة والحمية.
وأبق من المماليك الأغبياء؛ والمدابير الجهلاء؛ جماعة جد بهم الهوى، وأتبعوا من غوى، فمنهم من رضي للذة بالذلة، ومنهم من ندم على الذلة فتحيل في النقلة. فإن يد من لا يرتد لا تمتد، وأمر الهارب إليهم لاتهامه يشتد؛ وباب الهوى عليه يستد. وما عند الفرنج على العزباء إذا أمكنت منها الأعزب حرج، وما أزكاها عند القسوس إذا كان للعزبان المضيقين من فرجها فرج. ووصلت أيضا في البحر امرأة كبيرة القدر، وافرة الوفر، وهي في بلدها مالكة الأمر. وفي جملتها خمسمائة فارس بخيولهم وأتباعهم، وغلمانهم وأشياعهم. وهي كافلة بكل ما يحتاجون إليه من المؤونة، وزائدة بما تنفقه فيهم على المعونة. وهم يركبون بركباتها، ويحملون بحملاتها، ويثبون لوثباتها، وتثبت ثباتها لثباتها.
وفي الفرنج نساء فوارس، لهن دروع وقوانس. وكن في زي الرجال، ويبرزن في حومة القتال، ويعلمن عمل أرباب الحجا وهن ربات الحجال. وكل هذا يعتقدونه عبادة، ويخلن أنهن يعقدن به سعادة، ويجعلنه لهن عادة. فسبحان الذي أضلهن، وعن نهج النهى أزلهن.
وفي يوم الوقعة قلعت منهن نسوة، لهن بالفرسان اسوة، وفيهن مع لينهن قسوة، وليست لهن سوى السوابغ كسوة. فما عرفن حتى سلبن وعرين، ومنهن عدة استبين واشتربن. وأما العجائز امتلأت بهن المراكز؛ وهن يشددن تارة ويرخين، ويحرضن وينخين. وقلن أن الصليب لا يرضى إلا بالإباء، وأنه لا بقاء له إلا بالفناء؛ وأن قبلا معبودهم تحت استيلاء الأعداء. فانظر إلى الاتفاق في الضلال بين الرجال منهم والنساء. فهن للغيرة على الملة مللن الغيرة، وللنجاة من الحيرة ناحين الحيرة. ولعدم الجلد عن طلب الثأر تجلدن، ولما ضامهن من الأمر تبلهن
وتبلدن.
ذكر ما أهداه عز الدين مسعود ابن مودود بن زنكي بن آقسنقر صاحب الموصل من النفط الأبيض والرماح والتراس
ولما عرف صاحب الموصل ما شرع فيه السلطان من تكثير العدة؛ وتقوية النجدة؛ لكل ما يمكنه من أسباب البأس والشدة؛ سير من أعمال النفط الأبيض مع عزة وجوده ما وجده. ومن التراس والرماح من كل جنس أحكمه وأقومه وأجوده. وشاع الاعتداد، وذاع الإحماد؛ ودل ذلك على اتشاج الوداد؛ والامتزاج والاتحاد.
стр. 157
وكتبنا في شكره
وصل السلاح، وتم للإسلام من قروح الكفر الاقتراح، واستجيدت التراس والرماح، وفارقت للقائها أجسام الأعداء الأرواح. واتصل بالنفط الواصل من أهل النار الاحتراق، وطعنت وضربت منهم النحور والأعناق. وقد هدأ بما أهداه النصر إلى الهدى، والردى إلى العدا. وأجود الأكارم وأكرم الأجاود من جاد بما أجدى وأهدى ما هدى، وعاد من المكرمة بما بدا.
لا أخلى الله المجلس من يد يتخذها، وأياد يسيرها وينفذها، ومحمدة يستخلصها لنفسه ويستنقضها، وحمية للدين يقم بها حماة الشرك ويقذها. ونخوة للإسلام تمهى حدود الهمم النابية وتشحذها.
وما طلب من العدة ما طلب إلا للحاجة الحاقة، والضرورة الشاقة. فإن الحروب المتطاولة المدد، أتت على جميع العدد. فالسمر متحطمة، والبيض متثلمة، ووجوه الصفاح بلثام النجيع متلثمة. وعيون النصال عن حواجب القسي إلى مقل الأقران رامقة مارقة، وحمام الحمام في مريشات السهام بكتب الكبت من حنايا المنايا
السائقة سابقة.
وقد أفنى المصال النصال، والنضال النبال. والرماد الافواق، واللقاء العتاق. والمصاع المناصل، والقراع الذوابل، والصيال الصواهل، وعمل الجهاد الدائم العوامل. فلا ضامر إلا وهو وأن كان غالبا لاغب، ولا صارم إلا وهو في دم العدو الفائض ناضب. ولا جارح إلا وهو مجروح، ولا قارح إلا وهو مقروح. ولا جامح إلا وهو مصحب، ولا باشر إلا وهو مقطب.
فبأية عدة من هذه العدد انجد، غار الحمد وأنجد، وتأسس الشكر لأنعامه وتمهد. ومن العجب أن العدة تفنى ولا تفنى العداة، وتنمو على الحصاد وكأنها النبات، ويتسارع إلى إمدادها الموت والهلاك ويخلفها في إبدالها الحياة. فإن البحر يمدهم، والكفر إلى الردى يردهم، وكلما أخلقتهم الأيام فإن الليالي تجدهم. وما جمعهم القدر إلا ليفرقهم، وما حمل أهل النار في الماء إلا ليغرقهم في دمائهم وبنار البواتر يحرقهم.
ذكر عماد الدين صاحب سنجار وما عزم عليه من تجهيز ولده
ورد الخبر بأن عماد الدين قد جهز عسكره، وقدم عليه قطب الدين ولده وسيره. فقال السلطان هذه أيام الشتاء، ولا ينتصف فيها من الأعداء. ونحن محتاجون إلى العسكر في الربيع، واستنهاض الجموع إلى شمل النصر الجميع فكتب بتأخيره، والتمهل في تسييره. فتأثر قلب عماد الدين برد ولده، ورجوعه بعد المسير من بلده.
فكتب إليه السلطان من مكاتبة
كان لما انتهى إليه صدق اهتمام المجلس بأمره؛ والتقدم بتجهيز العسكر إلى
стр. 158
نجدته بكل ما يعود بسرور سره؛ وانشراح صدره؛ وعرف مسير قطب الدين أدام الله له مضاعفة العلاء؛ وأقر بأنواره عيون الاولياء؛ وظن أنه لم يقدم حركته المقرونة بالحسنات؛ ولم يقرب من عبر الفرات؛ أشفق عليه من التعب، ليكون عسكره مستريحا عند الطلب. فإن الحاجة إليه في الربيع أدعى، ومصلحة الإسلام في ذلك الأوان أولى أن ترعى.
ولو عرف أن الركاب القطبي قد دنا؛ لبشرته السعادة بنجح المنى ولا ستقبله بالنفوس والأرواح؛ وتلقته القلوب بالقبول العبق بنشر الانشراح وأن اشتغل القلب بما فاته من حظ الاستسعاد بوفوده؛ فقد بشر أمله بنضارة عود نجحه عند عوده ونجاز وعوده.
وفي آخر هذه السنة السلطان الرسل إلى الأقطار والأمصار؛ للاستنفار والاستنصار. وبث الكتب وكتب بالبث، وحث الرسل وراسل بالحث، وبعث المسرعين لاستبطاء البعث. وأنهض بالتبليغ كل بليغ، وجرع كأس التدبير في حسن السفارة كل مشيع مسيغ. وسرح (عدنان) النجاب إلى سيف الإسلام باليمن، وشرح في الكتاب إليه ما جرى من حوادث الزمن. ووصفت له جلية الحال. وما نحن عليه من دوام القتال، وطلبت منه الإعانة بالمال. واستعين واستنجد. واستلين واسترفد. وحض على حظه من انجاد الإسلام، وأن يكشف بسنى طلوعه ما غشيه من الإظلام. وأرشد إلى نهج السماح، وتسيير كل ما يقدر عليه من العدد والسلاح. وتجريد الجرد العناق، وتوفير الحمول التي تخرجها في سبيل يد الإنفاق.
وكوتب (قزل ارسلان) بهمذان، بما دنا منه عزمه ودان، وحكم على كل ملك بحجة الإيمان، وهدى إلى محجة الإحسان.
ذكر وصول رسول سلطان العجم
ركن الدنيا والدين طغرل بن ارسلان بن طغرل بن محمد بن ملكشاه بالالتجاء إلى ظل السلطان. وارتجاء ماله من فضل الإحسان
ورد من عند طغرل سلطان العجم أمير من خواصه هو (ايلدكز) أمير العلم. فضرب له من الخيم الخاصة سرادق، ووفرت في الضيافة له المنافع والمرافق. ومضمون رسالته: أنه خانته من أمرائه ومماليكه العامة والخاصة، وخصته في سفراته ونكباته الخصاصة. وأن عمه - أخا أبيه من أمه - قد استولي هاة مماليكه، وضيق عليه سعة مسالكه. وألجأه إلى هذا الالتجاء، وهو بقوته من هذا الجانب قوى الرجاء. وقد وصل إلى حد مملكتك بقرب اربل، واراد الوصول إلى الموصل. ولكنه نزل في بيوت (عز الدين حسن بن يعقوب بن قفجاق). ينتظر منكم الاصراخ والإشفاق. وعز الدين حسن من
стр. 159
خدم دولتك، والمستمسكين بعصمتكم، والمستوثقين بذمتكم. وأنا عنده مقيم، وعلى سنن الأمل مستقيم. فإن استقدمتني إليك قدمت، وإن أمرت أمراء أطراف ولايتك بمشايعتي ودت من النصر ما عدمت. وأنا الآن هزيل عامك، ونزيل إنعامك
ووصل معه كتاب بخطه، قد بث حزنه فيه بشرحه وبسطه. وأبدى الاستكانة، واستدعى الإعانة، وأردف رسولا برسول، وكرر سؤالا فيما التمسه من سول.
فاعتذر السلطان بما هو فيه من شغل الجهاد الشاغل، وأنه لا مطمع ما دام العدو ملازما لنا في مفارقة الساحل. فكتب إلى زين الدين يوسف صاحب اربل وإلى (حسن بن قفجاق) وإلى نائبه بشهر زور بالتوفر على خدمته، والارتياد لمصلحته، وإشاعة معونته.
ثم ندب كبيرا للسفارة بينهم وبين مظفر الدين قزل ارسلان وهو (جمال الدين أبو الفتح إسماعيل بن محمد بن عبد طويه نسيبي)، ليكون القيام بهذا الأمر من نصيبي. وسعى في المصلحة والمصالحة، والمصافاة على صفقة المودة
والمصافحة، وحفظ حرمة تضرعه وتذرعه. وسيأتي ذكر من آل إليه الأمر في موضعه.
وتوفي الفقيه (ضياء الدين عيسى الهكاري) بمنزل الخروبة سحرة يوم الثلاثاء تاسع ذي القعدة سنة خمس وثمانين وخمسمائة. ولقد كان من الأعيان، ومن مقربي السلطان، ومن أهل الجد في نصره الإيمان، فنقله الله إلى الجنان. وحمل من يومه إلى القدس فدفن به.
وكانت في هذه السنة وفاة الفقيه الكبير (شرف الدين أبي سعد عبد الله ابن محمد بن أبي عصرون بدمشق، يوم الثلاثاء حادي عشر شهر رمضان، وهو شيخ المذهب الذي لم يخلفه مثله. ودفن معه فضله. وكان موالده في أوائل سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة.
وكانت وفاة الأمير (عز الدين موسك بن جكو) بكرة يوم الجمعة النصف من شعبان منها، وكان من الأبرار الاخيار، والعظماء الكبار.
стр. 160
دخلت سنة ست وثمانين وخمسمائة
ودخلت سنة ست وثمانين والسلطان مقيم بعسكره بمنزلة الخروبة. وكل من الملك العادل والملك الأفضل والملك المظفر في خيمته المضروبة. وعكاء محصورة، وجموع الفرنج إلى حصارها محشورة، وعلى تعذرها عليهم محسورة.
وخرجت هذه السنة والحصر مستمر، والسلطان في ملازمة القتال مستقر، وحيا النصر في الأحيان مستدر. وقد تسنت للإسلام مباهج، ووضحت للسعادة مناهج، وبانت للقتال مداخل ومخارج، وانقطعت بين الوشيج وأرحام الأرواح وشائج، واشتدت لتباريح الأشواق إلى لقاء الأعداء لواعج، وتألفت في الإقدام مقدمات ونتائج، ولمناجح المنى منا في مدى الرجاء مدارج، ولخطباء الظبا في منابر الطلى معارج، وللجهاد جهات؛ وللعزمات ازمات، واتفقت حسنات، وحسنت اتفاقات. وكانت لنا مسرات هي لأعدائنا مساءات.
ووقعت عجائب، وأعجبت وقائع، وأبدعت غرائب، وأغربت بدائع. واجتمعت كتائب، ونابت نوائب، وصفت تارة وكدرت مشارب. وساعدت الأقدار، وتباعدت الأكدار. وهلك من الفرنج المحاصرين في الوقائع عدد لا يقع عليه الحصر، ولكم أسفر صبح اصحب فيه جماح الظفر وسفر النصر.
وسيرد حديث كل حادث بمفرده، ويجدد ذكر كل كتجدد بمجرده.
ذكر وقعة الرمل
كان السلطان يركب أحيانا للصيد، بعد أن يحذر على ما يظهر للعدو من الكيد. وهو لا يبعد من الخيم، ولا يقرب من مسائل الديم.
وركب يوما في صفر عاى عادته فتصيد، وطاب له قرب القنص فأبعد. واليزكية على الرمل وساحل البحر من الميسرة، على الحالة المحتاطة المستظهرة. فخرج الفرنج وقت العصر، في عدد لا يدخل في الحصر. وتسامع أصحابنا بهم فزحفوا اليهم، وحملوا عليهم، وطردوهم إلى خيامهم، وأخذوا عليهم من خلفهم وأمامهم. وما زالت بينهم حملة وحملة، وشلة وشلة، وسلة وسلة، وركضة وركضة، ونفضة ونفضة، ومشقة ومشقة، ورشقة ورشقة، وجذبة وجذبة، وضربة وضربة، وشدة وشدة، وردة وردة، وضمة وضمة، ولمة ولمة.
وأصحابنا طاهرون، والمراد ظافرون. ولهم في كل دفعة من العدو قلائع، والفرنج في كل كرة على الرمل مصارع. حتى فني النشاب وبقي الانتشاب، وشاع نداء الأصحاب باستدعاء النشاب. والفرنج لا يعجزهم إلا الرماء، ولا يهلكهم إلا الاصماء. ولا ينفرهم إلا رنة الأوتار، ولا ينذرهم إلا أنه القسي بالدمار والبوار.
فلما انسوا بخلو الجعاب،
стр. 161
تجاسروا على الدنو من تلك الشعاب. وحملوا حملة واحدة ردوا بها أصحابنا إلى النهر، وكادت تعبث بهم يد القهر، فثبت من العادلية
في وجوه القوم صف مرصوص البنيان، واشرعوا نحور تلك الذئاب ثعالب الخرصان.
واستشهد جماعة من الشجعان، استحلوا طعام الطعان، وشاقهم جنى الجنان. وذلك أنهم ردوا الفرنج قلعوا فرسانا، وصرعوا أقرانا. فنزلوا بعد فرسهم، لسلب لبسهم. فمرت بهم الحملة في الأوبة، وأعجلتهم عن الركبة والوثبة. واظلم الليل فافترق من معاركها الجمعان، واجتمع في مراكزها الفريقان. وكثر التأسف على من فقد، وكان الحاجب (أيدغمش المجدي) ممن استشهد. وزاد التلهف على فوات الفرصة، وكيف أغفل ذلك القنص عن تلك القنصة، فإن العدو صار عرضة للصرعة في تلك العرصة.
ومن نوادر هذه الوقعة؛ وطرائف هذه الدفعة؛ أن مملوكا للسلطان يقال له (سراسنقر)؛ وهو يتطاول في كل معترك ولا يقصر؛ عثر به جواده، وثبت على الجرأة فؤاده، ورجله عثاره، وأسلمه أنصاره. فقبض من أسره شعره ليجذ به، وسل آخر سيفه ليضربه، فضرب يد قابض شعره فسيبه. واشتد سراسنقر يعدو ناجيا، وللخلاص راجيا. وهم يعدون وراءه ليمسكوه ويهلكوه، وفاتهم بعون الله فلم يدركوه. وهذا قذفته المنون من لهاتها بعد ازداده، وانتضاه الحمام لمضاء غراره بعد إغماده.
ذكر فتح شقيف أرنون
وفي يوم الأحد خامس عشر ربيع الأول تسلم بالأمان شقيف ارنون، واستمر الحصار عليه منذ نزولنا في السنة الماضية بمرج عيون. وصاحبه ارناط - صاحب صيداء - في دمشق لأجله معتقل، وباب خلاصة دون فتح (شقيفة) مقفل. وذلك أن الشقي في الشقيف فني زاده، وعز اجتهاده، ومرد عليه في الحفظ مراده، وخانه في الصبر ارتياؤه وارتياده، ونخب من الرعب فؤاده، وأصلد
باليأس زناده، وامتنع عليه إصداره وإيراده. فيلمه على أن يسلم صاحبه، وتخلص في النجاة مذاهبه، وخرج هو ومن معه وترك الشقيف بما فيه، وتركه للإسلام بما يحويه، وأفرج عن صاحب صيداء وصار إلى صور، ولبس من التشريف والتسريح حبير الحبور.
ذكر حال عكاء ودخول العوامين إليها ووصول الكتب على أجنحة الطير منها
كان السلطان اغتنم هيجان البحر، وحضور مراكب الأسطول من مصر. فما زال يقوى عكاء بتسيير الغلات والأقوات والقوات إليها في المراكب، وقد ملأها بالذخائر
стр. 162
والأسلحة والكماة المساعير والحماة المحارب. فلما سكن البحر، وأمن غائلته الكفر، عادت مراكب الفرنج إلى مراسيها، ودبت عقاربها وأفاعيها، وشدت مراكبنا في موانيها. وانقطع عنا خبر البلد، وامتنع عليه دخول المدد والعدد. فانتدب العوام للسباحة، وحملتهم السماحة لهم بالرغائب على وضع المهج في ميزان السماحة.
وعلموا أنهم إذا سبحوا ربحوا، وإذا سلموا فراحوا فرحوا. حتى صاروا يحملون نفقات الأجناد على أوساطهم، ويخاطرون بأنفسهم مع احتياطهم. ويحملون كتبا وطيورا ويعودون بكتب وطيور، ونكتب إليهم ويكتبون إلينا على أجنحة الحمام بالترجمة المصطلح عليها سر الأمور، ويودع المكتوب والمكتوم ما نطلعهم عليه من الخفي المستور.
وكان في العسكر من اتخذ حماما تطوف على خيمته وتنزل في منزلته. وعمل لها برجا من خشب، وهرادى من قصب. ويدرجها على الطيران من البعد، ويوردها لشعبها وريها أحب الحب وأعذب الورد. وكنا نقول: ما هذا الولع بما لا ينفع،
والوله بما لا ينجع. حتى جاءت نوبة عكاء فنفعت، وشفت الغلل ونقعت. وأتت بالكتب شارحة سارحة، ووفت بمفاتيح الغيب بالبشرى مفاتحه.
فصرنا نحبو صاحب الطيور بالإطراء، ونخصه بالمدح والثناء. ونأمره بالاستكثار، ونطلبها منه مع الليل والنهار. حتى قل وجودها عنده لكثرة الإرسال، وكنا تعرف بها جلية الأحوال. ونعلم أن الله علمه ذلك البر، وألهمه ذلك السر. فإنه اطلع على ما يدفع إليه أهل الإسلام، فحمى حمى هداهم بهداية الحمام. فإنها أمينة على الأسرار، ضمينة بالأخبار، ضنينة بالأسفار. قمينة بكرامة الأحرار، مصونة من بين الأطيار، جريئة على الأخطار، بريئة من الأعذار، معدودة من الأذخار، مودودة مع الأخيار.
وحمام البلد إلينا مع العوام محمولة، وعقود الأكياس عليهم محلولة. فلا ينكر على المحتاج أن عام بالأنعام. ومعولة التحرز من الضلال، والتخفي بستر الظلام. والضرورة تحمل على تحمل الضرر، والغرارة تبعث على الانبعاث إلى الغرر، والفقر يدعو إلى ركوب الخطر. وفيهم من سلم مرارا من القوم، فاجترأت نفسه وأنس بالعوم. ولقد عطب عوامون، بالأمانة قوامون، فما ارتدع الباقون، وما قالوا أنهم لما لقي رفقاؤهم لاقون.
ذكر ما دبره السلطان عند انحسار الشتاء وانكسار البرد في الانتهاء
ولما انحسر الشتاء وانكسر، وانتشى الربيع وانتشر، أمر السلطان عساكره بالعود، فتوافت إمداد اجوادهم توافي إمداد الجود.
فكان أول من وصل الملك المجاهد (أسد
стр. 163
الدين شيركوه بن محمد ابن شيركوه) صاحب حمص والرحبة وهو بأكمل العدة، وأحسن الأهبة. وسابق الدين عثمان
(صاحب سيرز) وهو الذي ببسالته يقسر الليث القسور، و (عز الدين بن إبراهيم بن المقدم) المقدام، والهمام ابن الهمام، والكريم ابن الكرام، والأسد الضرغام، والسيد القمقام.
ووفد معهم جموع من الأجناد والأعيان، وحشود من العرب والتركمان. ففاض بهم الفضاء، واكتسى برياشهم العراء. وكثرت الجنود، وانتشرت البنود. وحلقت عقبان الألوية، وتلاحقت ذؤبان الأودية. ولمعت بوارق البيارق، وارتفعت عوائق البوائق. وحملت بواسق السوابق، وثبتت وثائق العلائق، وثبتت شقائق العقائق، ونظرت أحداق الحدائق، وتيسرت طرائق الطوارق.
وأعجبت أزهار الرايات، وانتهت غايات الغيايات، ونزلت بحسن الصنيع نصوص النصول، ودارت بيد الربيع فصوص الفصول. وعلت الأعلام. وحلت الأحلام. وومضت الموتضي ومضت، واقتضت القواضب القواضي وقضت.
وعريت البيض من الحلي، وغريت السمر بالكلى، واشتاقت لدات اللدان إلى العناق، وتاقت شفاه الشفار إلى لثم الأعناق، وتحدث الأحداث في المجاراة بإجراء العتاق. وطالت رقاب الرقاق إلى غلاظ الرقاب، وأعجم عن جمجمة الجماجم إعراب العراب. وحمى عزم البطل، ومحى رسم الملل. وعاد الجد إلى جدته، والحد إلى حدته، وخرج البرد من عدته، وفاز النصر بعدته، وجليت بنت الغمد في زي الهند ورى الفرند، وقطف ورد الورد للشد إلى الورد.
وقال الناس: إلام ننتظر، وعلام نصبر، ولم لا نشتغل، وكيف لا نشتغل، وحتام القعود، ومم الركود؟ ولماذا الرقود، وقد نظرت السعود، ونضر العود، وصدقت من أصحابنا الوعود؟.
فرحل السلطان وتقدم، وعزم على طلب العدو وصمم، ونزل على تل كيسان يوم الأربعاء ثامن عشر ربيع الأول، في الفصل الاعدل، والفضل الأكمل. وتدانى
العسكران، وتعالى العثيران، وتقارب القرنان، وتحارب الحزبان.
وترتب العسكر الإسلامي في نزوله ميمنة وميسرة وقلبا، وفي ركوبه على ترتيب منازلهم طلبا طلبا. فكان الملك المظفر تقي الدين في آخر الميمنة الميمونة، والملك العادل في آخر الميسرة المنصورة المصونة، والملك الأفضل في أول ميمن القلب، وأخوه الملك الظافر في أول ميسرته على الجنب.
والكتائب مكتبة، والمقانب مقنبة، والسماء بالنقع الثائر منقبة، والأرض بوقع الحافر مثقبة. والعساكر مترادفة، متوافرة متوافدة، متتابعة متواردة. متسابقة متلاحقة، متناسبة متناسقة، متوالية متوافية، متجارية متبارية، منقضة كالبزاة، منفضة إلى العداة. داعية إلى الانتصار، عادية على الكفار.
стр. 164
ذكر وصول رسول دار الخلافة مع ضياء الدين الشهرزوري في جواب رسالته
ووصل يوم الاثنين سادس عشر ربيع الاول رسول دار الخلافة، بالنجدة والعارفة والرحمة والرآفة؛ وهو (الشريف فخر الدين) نقيب مشهد باب لتين بمدينة السلام، فتلقاه السلطان بالاحترام والإكرام. واحتفل لوصوله، واستقبله لقبوله. وتلقاه الأمراء على الترتيب، فمنهم من تقدم نحوه إلى البعيد؛ ومنهم من وقف له القريب. ثم أخوه السلطان وأولاده واحدا بعد واحد، وماجدا بعد ماجد، وبادئا بعد عائد.
ثم ركب السلطان إليه عند القرب من سرادقه، وأدناه إليه بتعانقه. ثم سار معه قليلا، وأصحبه من خواصه وأمرائه قبيلا. حتى نزلوا به في باركاه له مضروب، وخصه بصنوف من الألطاف وضروب. ووصل معه حملان من النفط الطيار، وحملان من القنا الخطى الخطار، وتوقيع بعشرين ألف دينار تقترض على الديوان العزيز من التجار، وخمسة من الزراقين النفاطين المتقنين صناعة الإحراق بالنار.
فاعتد السلطان بكل ما احضره، وأخلص الدعاء للديوان العزيز وشكره، غير إنه أبدى رد التوقيع مع ود الصنيع، وقال: كل ما معي من نعمة أمير المؤمنين وعارفته، ولقد نعشني ما شملني من عاطفته. ولعل الله يوفقني للقيام بالفرض، ويغنيني عن الالتزام بالقرض.
وأركب الرسول مرارا معه واراه مبارك النزال، ومعارك القتال، ومصارع الرجال، ومجامع الابطال، ومطالع اللقاء. ومواضع الهيجاء. ومصالت الاقدام، ومنابت الأقدام. ومواقف الصفوف، ومصاف الوقوف. وأماكن البعوث، ومكامن الليوث. وتل الفضول، وبقية التلول. حتى يشهد بما يشاهد، ويبين له المجتهد والمجاهد، واراه ما لم يره ليأثر أثره، ويخبر بجملته ويجمل خبره.
وأقام الرسول طويلا، وأقام له السلطان من طوله دليلا، ووفر له عطاء جزيلا، وعرفا جميلا. حتى استأذن في العود فعاد، واستصحب الشكر والاحماد.
ذكر مقاتلة الفرنج عكاء بالأبراج والأعجاز بها والإزعاج
وكان الفرنج منذ نزلوا للحصار؛ شرعوا في عمل الأبراج الكبار. وركبوها من الأخشاب الطوال، والعمد الثقال. وبنوها وقدموها، ونصبوها وأحكموها. وسقفوها طباقا، وسمروها بالحديد وجعلوا لها منه أطواقا، ووثقوها شدا وشدوها وثاقا. ولبسوها بالسلوخ، وملئوها بالجروخ. وزحفوا بها إلى السور، وكشفوا بالرمى منها بعض سقوف الدور. وتساعدوا على طم، الخنادق، وتفتيح الطرائق.
ووصل من المدينة عوام، يخبر بأن التلف بها حوام. وأن البلد قد اشرف، والخطر قد أسرف، والأبراج علت،
стр. 165
والأسوار خلت، والبلاد قد عم، والخندق قد طم. وأنتم إن تم هذا عراكم العار، وأظلم على الدنيا والدين بليله النهار.
فاحتمى السلطان واحتد، وشد واشتد. وكرب وركب، وكان يحسب هذا فجاء كما حسب. وزحف إلى الفرنج ليشغلهم عن الزحف، ويصرفهم عن الفتح بالحتف. وذلك في العشرين من ربيع الأول يوم الجمعة، بالجحافل المجتمعة، والغماغم المرتفعة، والصوارم الملتمعة، والصلادم الممتنعة، والأسنة المشرعة، والأعنة المسرعة. والحوائم المنتجعة من النجيع، والبيارق المختفقة كأزهار الربيع.
واتفق في هذا اليوم وصول عماد الدين صاحب دارا (محمود ابن بهرام الارتقي)، بالجمع الوافر الوفي، والعسكر النخى النقي. وسار إلى القتال على حاله، بخيله ورجاله. وضايقهم السلطان مضايقة عظيمة، ولم تزل جادة الجد في مقاومتهم مستقيمة، حتى دخل الليل، ولغبت الخيل. فقوى تلك الليلة اليزك، وألزمهم في الحفظ والدرك. ورجع إلى مخيمه ساهدا ساهرا، مجاهدا بالبكور نحوهم مجاهرا.
فلما أصبح يوم السبت صبحهم بالحرب، وسبحهم على بحر الكر والكرب. ورجل الرجال اليهم، وأنزل النوازل عليهم. وانتزج بياض النهر بسواد النقع، واتسع خرق الواقعة على الرقع. وانقضى اليوم وقد انقرض القوم. وتفرق الجمعان وقت العشاء، عن قتيل غريق في الدماء، أو جريح على بقية الذماء. وبات الناس في السلاح شاكين، وبنار المذاكي ذاكين، ولما تم منهم وعليهم حاكين.
ورجع السلطان إلى خيمة ضربت له على تل العياضية، وقد ألزمته البسالة الطبيعية، بالرتوع في رياض الأخلاق الرياضبة. وأصبح يوم الأحد راجعا إلى قتال أهل الأحد، واستن من الجد على أنهج الجدد، وأمر بانتقال السوق إلى قربه ليقرب من العسكر، وأيده الله بالنصر الأظهر والظهور الأنضر. وأقام كذلك وهو في كل يوم يغدو وينازل، ويعدو ويقاتل.
ثم نقل يوم الأربعاء الخامس والعشرين الأثقال إلى المخيم لئلا يغيب حاضر، ولا يصاب عن الورد صادر. وليكون غلمان العسكر للحرب مباشرين، ولمعشر الكفر
بإدارة كؤوس الردى عليهم معاشرين. فانتدب منهم إلى الحرب كل مجترئ للوقائع مجترع، وكل محترق على نار الهيجاء للهياج مقترج. وكل وقاح بالحراب وقاع، وكل ضرار بأرداء الكفرة نفاع. وكل غلام له من هيجان الحمية لغام، كل أسد غدا إلى الشد له في حومة المأزق زئير وبغام. وكل متلاف للغيرة متلاف، وكل جاف عن سوى السوء متجاف. وأخذوا من بيت السلاح السيوف والتراس، وطلبوا بقصد العدو والاقتناص والافتراس. وأبلوا بلاء حسنا، وأوضحوا بالنكاية في العدو سننا.
ووصل في صبيحة يوم الخميس السادس
стр. 166
والعشرين؛ عوام من البلد يخبر بقوة المشركين المحاصرين. وأن البلد قد ضويق، وأن العدو المخذول يحيق به كيده أن حوقق. فتقدم السلطان ليشغل العدو عن قتال البلد بقتاله، ويكفه بنزاله عن نزاله. وجدد الكتب إلى الأمصار، بالاستنفار والاستنصار.
أول من وصل؛ ولده الملك الظاهر صاحب حلب، وقد جمع وجلب. وتقدم عسكره يوم الجمعة وانفرد بوصوله، وحظي من نظر والده بسوله. وذلك يوم الجمعة السابع والعشرين. ثم عاد إلى معسكره، وجاء يوم السبت في حسن منظره، وإحسان أثره. في منظر ناضر، ورونق حاضر، وجمع كثيف، وحشد لفيف. وبهجة رائعة، وروعة مبهجة وهيئة معجزة، وهيبة للعدو مزعجة. وصولة دائلة، ودولة صائلة، وميامن رائقة، ومحاسن شائقة. وبحر من الحديد مائج، ومجر من العديد هائج. ورقاق وذوابل، وعتاق وصواهل، وعوابس وعواسل، وشعوب وقبائل.
وقدم في هذا اليوم (مظفر الدين بن علي كوجك) وهو صاحب حران جريدة، وقد استأنف للجهاد عزيمة جديدة. ثم عاد إلى عسكره ليقدم به، ويحضر بجنده وتركمانه وعربه.
ذكر وقوع النار في أبراج الفرنج الثلاثة واحتراقها وتلف كل ما كان ومن كان في طباقها
ولما كان بعد الظهر من هذا اليوم؛ وهو السبت الثامن والعشرون، تتابعت بظهور دلائل النصر؛ وتناصر أسباب الظهور المبشرون. فنظرنا والنار من أحد الأبراج في السماء بشعلها متسامية، وفي الجو بشرارها مترامية. وما يدري ما سبب هذا التوفيق.
وأحدقت النار بالبرج فإذا هو كشجرة من نار، وقلوب المشركين لاستعارها في استعار، ووجوه المؤمنين لأنوارها في استبشار. ثم رأينا البرج الثاني وهو يحترق، والنار في أثنائه تخترق. ثم نظرها إلى البرج الثالث فإذا هو يشتعل، وبألسنة النيران يبتهل. فما برحنا حتى سقطت ثلاثتها. وبلغت إلينا من صدماتها وحدماتها استغاثتها.
وركب السلطان ونحن معه ونزلنا نكتب بشائر النار، ونسير بطاقاتها على أجنحة الأطيار. والعجب أن الأبراج كانت متباعدة غير متدانية، وقد أبعدها الفرنج لمسافات متنائية. فكل واحد منها على جانب من البلد قد كشفه، وخسف أسواره وكسفه. فاحترقت على تباينها في وقت واحد وقدر من الله وارد. فلم يكن ذلك إلا سرا إلهيا، ولطفا ربانيا. وفرجا بعد الشدة، وثلجا لصدور المؤمنين بتلك الوقدة.
وكان سبب حريقها أن رجلا يعرف بعلي - ابن عريف النحاسين بدمشق - كان استأذن السلطان في دخول عكاء للجهاد، وأقام فيها باذلا للاجتهاد. وغرى بعمل قدور النفط وتركيب عقاقيره، وتعيين كل نوع وتعيير مقاديره، وتقديره معاييره.
стр. 167
والناس يضحكون منه، ويغضون عنه. ويقولون: هذا يضيع ماله فيما لا يعنيه، وما هذا الهوس الذي وقع فيه. وهو يعد لذلك العمل الآلات، ويجد في تلك
الأدوات، ويكثر القدور، ويرتب الأمور.
فلما قدمت إلى البلد تلك الأبراج؛ وحصل من الامتزاج الامتراج؛ قوتلت بكل فن، وأدنى إليها من النفط كل قدرون. ورميت بكل قارورة محرقة، وكل نفاطة مرهقة. وبالغ في صنعته الزراق، فلم يتم في شيء منها احتراق. ووقع الياس، واستسلم الناس. فمضى ابن العريف، بل ابن العريف، إلى بهاء الدين قراقوش - الأمير. وقال: قد رأينا ما اعترض من التدبير، وما عرض من التقدير. فأفسح لي في رمى هذه القدور؛ فلعل الله يأتي منها بشفاء الصدور. فأذن له على كره، وقال: ما أرى لإحراق هذه البروج على يده من وجه، فإن الصناع قد أبلسوا، والزراقين العارفين بالصناعة يئسوا.
فلما وجد الإذن، وزن القدور وعيرها، ورمى بواحدة منها إلى أحد الأبراج في المنجنيق وعبرها واعتبرها. ثم لما استوت رمايته، وصحت في الإصابة درايته. رمى بقدور نفط لا نار فيها، وهو يصبها على أعالي البرج ويسقيها. والفرنج يعجبون من البلل، ولا يدرون بما وراءه من الشعل. ثم قذف ناريه، متشعبة بكل بلية، فوقعت في الطبقة الوسطى، ورمى أخرى فوقعت في السفلى، فاشتعل البرج من طرفيه الأدنى والأعلى. وتعذر على من فيه الفرنج الخلاص وكانوا سبعين، فاحترقوا أجمعين. ودخل إليه جماعة لاستفاذ ما فيه فاحترقوا بدروعهم وسيوفهم، وتقلبت الجحيم غيظا لاستبطاء حتوفهم.
وتحول ابن العريف إلى مقابلة البرج الثاني، ولم يلحقه في إحراقه التواني. وانتقل إلى الثلث فاحرقه، وما كان ذلك بصنعة منه بل لأن الله وفقه، وما زالت تحترق الثلاثة وتتقد اتقادا، حتى عاد جمرها رمادا، وبياض نارها واحمرارها في السماء على الأرض سوادا. واحترقت المجانيق والستائر التي كانت بقربها.
(فبهت الذي كفر) وأسف على نصبه في نصبها. وخمد الكفار بذلك الضرام،
وسلوا عما كانوا فيه غرام العرام. وحبطت أعمالهم، وخابت آمالهم. وركدوا بعد جريهم، وركنوا إلى خزيهم. وضلوا في سعيهم، وتورطوا في بغيهم، وسقط في أيديهم بسقوط ايدهم، وحيق مكرهم بهم، وكيدوا بكيدهم.
وخرج رجالنا من البلد فنظفوا الخندق وسدوا الثغر، واظهروا بظهور القدر القدر. وجاءوا إلى مواضع الأبراج وأماكنها، واستخرجوا الحديد من مكانها. ونبشوا الرماد عن الزرديات التي انسبكت، وكشفوا عن الستائر التي تهتكت.
فأخذوا ما وجدوا، وحصلوا على ما نشدوا. وأترب من ترب من تراث ذلك التراب، وعمرت قلوب المسلمين بذلك الخراب. وبردت من حر تلك النار، وشفى أوامها بذلك الأوار.
والحمد لله الذي جعل تلك النار لأوليائه بالبرد والسلام ابراهيمية، وعلى اعدائه بالحر والضرام جحيمية.
стр. 168
ذكر فصول أنشأتها من كتب البشائر بالنار
صدرت مبشرة بما أجده الله من الجد، وأنجزه من الوعد، وأجزله من الرفد، وأعذبه حال الظمأ البرح من الورد. وذلك ما ظهر يوم السبت ثامن عشر ربيع الأول من الاتفاق الحسن، والنصر الذي يقصر عن وصفه ذوو اللسن.
وهو أن أصحابنا بعكاء رموا بقدور النفط عدد العدو المدحور، واحرقوا جميع ما لهم من المذخور. واحترقت ثلاثة أبراج كانوا قدموها، ودبابات قربوها، ومنجنيقات نصبوها. ولهم منذ تسعة أشهر يجمعون هذه الآلات، ويستسهلون عليها الغرامات. حتى أقاموا أبراجا أعلى من أبراج السور بضعف سمكها، وقربوها ناكية في الثغر المحروس بفتكها. وشحنوا بالرجال المقاتلة طباقها، واطالوا على مناكب البلد أعناقها. فأشفق الإسلام من نكاياتها، وأظلمت الآفاق من غياباتها.
وكشفت من البلد جانبا، وجبت من سوره غاربا. فأقدر الله على إحراق ما عمل
في تلك المدة المديدة في ساعة، وأمسى العدو بقلوب وأفئدة مرتابة مرتاعة. وما أفصح السن النيران على تلك الأعواد خاطبة، وما أبسط أيديها على من كان فيها من الرجال للأرواح ناهبة سالبة.
فصل
هذه المكاتبة مبشرة بالظفر الذي ورت زناده، والنصر الذي قرب ميعاده. وذلك أن اصحابنا بثغر عكاء استظهروا وظهروا، وصبروا فانتصروا. ورموا من البلد أبراج الفرنج المنصوبة عليه بقدور النفط، وأنزلوها من سماء الرفعة إلى أرض الحط. وأطالوا بها السن النار المضرمة، ودبت من الأبراج المقربة إلى الدبابات المقدمة. وعلم العدو أن كرته خاسرة، وأن يده عن نيل المنى قاصرة.
فصل
هذه مبشرة بالظفر الهنى، والنجح السني. والنور اللامع من النار، والنصر الواري الزناد الطائر الشرار. وهو ظهور أصحابنا بعكاء يوم السبت ثامن عشري ربيع الأول، وقد خصهم الله بالنجح الأفضل الأكمل. وقد كان العدو قدم أبراجه، وسلك في المضايقة منهاجه، ولزم في الزحف الدائم لجاجه. فاستظهر الأصحاب عليهم وقت الظهر، ورموهم لقدور النفط المحرقة من الثغر. فطالت ألسنة النيران تدعو على أهلها بالبوار، وتبدى في تضرمها تضرعها إلينا للاعتذار. وشاهد أهل النار ما أعد لهم في سقر، وتلونا قول الله سبحانه فيهم (كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ).
стр. 169
فصل إلى الديوان العزيز
ولما كان يوم السبت أهل الجمعة على أهل الأحد، ورمى الأصحاب المحصورون المنصورون عدد العدو وأبراجه بقدور النفط من البلد، فخطبت السنة النيران على تلك الأعواد، بل على تلك الأطواد، وألحفتها رداء الردى وألحقتها بالوهاد،
وفرشت رمادها لمأتم أولئك المراد.
فكانت تلك النار على الكفر ضراما، وعلى الإسلام بردا وسلاما. واحترقت الأبراج الثلاثة على معتقدي التثليث، ودبت النار إلى الدبابات بصدمة التأثير وحدمة التأريث. وما أطول ألسن النار وأفصحها بالدعاء على أهلها بالتبار، وقد أبدت إلى الإسلام بتضرمها وتضرعها وجه الاستبشار. وما أحسنها وهي (ترمى بشرر كالقصر). ويكسو سنى لهبها وجوه المؤمنين بمشر النصر.
وما أقطعها لدابر المشركين وقد خصت بإحراق تلك الآلات عن البلد أجنحة الحصر، وبسم بعد عبوس البوس باسم الله ثغر الثغر. وقد بغتت هذه الفجيعة فجأة من حوته تلك البروج، ودخل إلى طبقاتها قوم لإطفاء النار فتعذر عليهم الخروج. وهلك فيها أكثر من ثلاثمائة دارع، وخرج من أهل البلد لما حق الفرج كل مسابق إلى الغنيمة مسارع. وكسبوا من الدروع والمناصل والسيوف، كل ما وجدوه خلل رماد تلك الحتوف.
وكان القوم قد اعتصموا بالأبراج وثوقا بوثاقتها، واشتدوا بشدتها فيما علق بهم من علاقتها، ووصلوا بها اجتحتهم، وذخروا فيها أسلحتهم. فأخفقت ظنونهم، وسخنت عيونهم (وخسر هنالك المبطلون، فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون).
فصل من كتاب إلى اليمن في وصف الأبراج وإحراقها
استنفد الفرنج أموالهم في عدد أعدوها، وآلات أجدوها. وأحكموا أبراجا شامخات، ومجانيق شادخات، وزاد غرامهم بالغرامات، واستقلوا على عمل الأبراج كثرة الخسارات. ومكثوا مدة على لجاجهم، يطرقون بين يدي أبراجهم، ويمهدون الأرض لتسوية منهاجهم.
فلما قدموها بعد لأي؛ وأحكموا بأحكامها كل تدبير ورأى؛ وأشرفوا منها على سور البلد بأسوار ذات أسواء؛ وجاءوا بآلات علات وأدوات أدواء وأشفى البلد من
بلائها وأشفق؛ ووجل كل قلب وفرق، واحتجنا لمزاولة هذا الخطب الجليل، ومداواة الأمر العليل إلى أن نشغلهم بحصرنا أباهم عن التفرغ للحصر؛ وتضرعنا إلى الله في إنزال ملائكة النصر؛ فكان من لطف الله ما لم يكن في السحاب، وأتى الله المجرمين بالعذاب. وألهم أصحابنا ما داووا به المرض، وأدركوا به الغرض. وأظهرهم ظهر يوم السبت الذي خصهم فيه بالظهور، وأقدرهم على رمي
стр. 170
تلك الأبراج بالنفط في القدور وظهر من سر صنع الله ما كان في المقدور.
فتسلطت النار على عمل أهل النار، وتصاعدت زفرات غيظها بأنفاس الشرار. ولمع نور النصر الساطع من خلال ظلمة ذلك الدخان، وكان كما قال الله ﵎ (يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنصران).
وعادت تلك الأكم وهادا، وذلك الجمر رمادا. وتحلحلت تلك الجبال وتحلل تركيبها، ولصق بالتراب ترتيبها، وتنكس منها صليبها. وكانت ثلاثة أبراج شاهقة، فلعبت في ملاعبها النيران فإذا هي زاهقة، وتنقلت نجوم الشعل في تلك البروج، وعجز شياطينها برجمات جمرات شهبها عن الخروج. وتسلط الحضيض على يفاعها، وباد الدارعون فيها بأدراعها. وأضحك الله ثغر الثغر بما أطابه من أرج الفرج، وأخمد باشتعال ذلك الوهج ما أكرب قلوب المؤمنين من الوهج، وصان مهج أهل التوحيد بما أراده لأهل التثليث من المهج.
فصل
تقدم المشركون بالأبراج إلى البلد فقربوا الأسوار من أسواره. وألصقوا منها جدرانا بجداره، وأشرف الثغر على الخطر العظيم من جواره. فأظهر الله ما كان خفيا من سر أقداره، وأحرق عمل أهل النار بناره.
وكان أصحابنا لما عاينوا ما دهمهم وهمم، وخصهم من الحطب وعمهم، نصبوا مجانيق الأبراج، وصدعوها بها صدع الزجاج. ورموها منها بقدور النفط
فاشتعلت رءوسها وشابت وشبت، ومشت النار في أطرافها وأعطافها ودبت، وأرسل الله في تلك الساعة بعذابها ريحا بها هبت، فأمست أجنحتها قد حصت، وأسنمتها قد جبت، وسقط في أيديها وجبت جنوبها؛ وكبت على وجوهها في النار وكبت، فما افصح السنة النيران وقد نادت بنصرنا ولبت، وألفت منها قلوبنا بما ألفت من نقع غبيلها وأحبت، والحمد لله على ألطافه التي ما غابت ولا أغبت.
وقصدنا بذكر هذه الفصول ذكر الأحوال التي جرت بحقها وحقيقتها، وحليتها وجليتها. فإنه يشتمل كل فصل على تمام ما أغفل في غيره، ومقصودنا استيعاب كل حادث بذكره.
ذكر تاريخ وصول الأكابر في هذه السنة
وفي يوم الثلاثاء ثاني عشر ربيع الآخر، قدم (عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي) بمن استنهضه من العساكر. وكان أول من استقبله حين ظهرت راياته من العسكر كتابه وقضائه. ثم لقيه (الملك المظفر تقي الدين) بتل كيسان؛ ولقيه بعده (الملك الظافر
стр. 171
خضر) و (المعز إسحاق) ولدا السلطان. فنزل لهما ونزلا له، وتعمدا إعظامه وإجلاله. ثم تلقاه الملك الأفضل أدنى من ذلك فتعانقا على فرسيهما، إعفاء له من النزول، وتلاقيا بالإقبال والقبول.
ثم وصل إليه السلطان بالوجه الضاحك، واللطف المتدارك. واعتنقا على ظهر، واتفقا على بشر ونشر. وكان (الملك العادل) تأخر فلحق واظهر من ارج سجاياه ما بنشره عبق، وبحبه علق، وسار مع السلطان بأطلابه وابطاله؛ وحماته ورجاله؛ حتى وقف قبالة العدو بصفوفه، ووقف عليهم طول الرعب بطول وقوفه.
ثم رده السلطان إلى خيمته على رسم الضيافة، وترفرفت ألطافه عليه بالاطافة. ووقف ساعة مع الملك العادل حتى دخل السلطان سرادقه وجلس، وحضر الملك العادل بعماد الدين وبسط لفرشه ثوبا أطلس. وأكرمه السلطان بإجلاسه إلى جنبه
على الطراحة. وآنسه ببشر السماحة والسجاحة. ووقف الأمراء والخواص والأولياء صفين. وأنشد الشعراء من المدح والنسيب صنفين.
ثم أحضرت المائدة فماد نحوها الحضور، وعقد الحبا لهم الحبور.
ثم رفع الخوان وارتفع الإخوان؛ وحسن الخبر والعيان، وخلا المكان وحلا الإمكان. فأمر السلطان له بإحضار عشرة من العتاق العراب؛ وخمس عشرة رزمة من كرائم الثياب. ثم نهض وهو يعبئ الشكر ناهش، ولوجه العذر عارض. ونزل في خيمته وقد ضربت على النهر بعد المضارب العادية، وملأ تلك المروج بعساكره الملية.
ثم وصل من بعده ابن أخيه (معز الدين سنجر شاه بن غازي بن مودود) صاحب الجزيرة؛ بعساكره الكثيفة الكثيرة؛ وذلك يوم الأربعاء سابع جمادى الأولى، بالأيد الأطول واليد الطولى. فالتقاه السلطان وأخوه وأولاده على قاعدة عمه، وأجراه في الضيافة والكرامة والنزول بالخيمة السلطانية على حكمه، ولكنه يقصر في القاعدة عن رسمه. ونزا بخيمته في فناء السرادق العمادي، وقد استكثر من العسكر الجهادي. فكأن ذلك المرج بحر أمواجه الخيم والمضارب، أو سماء كواكبها ما أشرعته من صعادها الكتائب. أو غيل آساده في آجام القنا الفوارس، أو غدير من السوابغ حبابه الترائك والقوانس. أو سحاب بروقه الصوارم الرقاق، أو هاد آكامها الصواهل العتاق.
ثم وصل (الملك السعيد علاء الدين خرم شاه) ابن صاحب الموصل (عز الدين مسعود بن مودود) وهو كوالده مسعود مودود، وفي شهامته وصرامته مشكور محمود. وذلك تاسع جمادى الأولى يوم الجمعة؛ بالمحاسن المتنوعة، والمفاخر الأصلية المتفرعة، والصنائع المبدعة، والبدائع المصنعة وجيشه للقوة ضابط، وجأشه على الحمية رابط، وبأسه ليد الأيد باسط، وجنانه على الكفر ساخط.
وهو شاب أول ما بقل خطه، وابتهج بكماله رهطه. وكان أبوه قد عزم على الوصول بنفسه، وإذهاب وحشة
стр. 172
الخطب الملم بأنسه. ثم رأى المصلحة في الإقامة وتقديم ولده المشكور المشهور الشهامة، فأنهض العسكر المجر معه، ثم اتبعه بمن حشده وجمعه. فورد ورود السحاب الكنهور، ونور المطالع بسنى السنور، وأطلع بطلوعه على معنى البأس المصور.
واحتفل السلطان بقدومه احتفاله بقدوم عمه، وحافظ من الكرامة على توفير سهمه. وأنزله في سرادقه وأضافه. وأهدى له خيله وألطافه. وأمر بإنزاله في الميمنة بين ولديه الملكين الأفضل والظاهر، وضاق ذلك البر الواسع ببحر العساكر.
ولم يبق في أهل السلطان إلا من اقتدى به في الاحتفال بقدوم هؤلاء، واعتماد ما قام به البرهان على المخالصة في الولاء. والمسارعة إلى الضيافة والإهداء، والإعادة إلى المكارمة بعد الإبداء.
فصل من كتاب إلى صاحب الموصل في شكره على سيير ولده
الحمد لله الذي نصر الدين بأهله، وعجل بأنصاره جمع شمله، ووفق أسد عرين الملك أن يحمي خوزة الإسلام بشبله. وللمجلس في طوله اليد الطولى، والمنة الثانية التي اربت على الأولى. حيث حث همته العلية، وحض لحظ دينه عزمته الماضية المضية، وشرف بولده علاء الدين من تقلد بوروده أوفى منة، وتعجل من وفوده أقوى منة وأوقى جنة. فلقد ورد إلى الساحل بحرا، وطلع في ليل القساطل بدرا، وأسفر لمرتقبي صباح النصر فجرا، وجلا وجوه المؤمنين ببشراه بشرا، وملأ صدر الإسلام أمنا وقلب الكفر ذعرا.
ثم وصل (زين الدين يوسف بن زين الدين على كوجك) صاحب اريل، يوم الأربعاء في العشر الأخر من جمادى الأول، ذو السماح المؤمل والمجد المؤثل،
لجيش كالسحاب المسبل. فدرت إخلاف النصر بحفول ذلك الجحفل. وورد بكل ورد هنى، وجد سنى. وقدم بكل مقدام، وزأر خيس الجيش بكل ضرغام، وزأر بكل همام بالمنون همام. ووصل بكل واصل لسبب النصر، قاطع دابر الكفر. ووفد بكل وافد باليمن الوافي، والنجح الكافي، والعز الصافي، والعزم الشافي. وطلع بكل طالع بالسنى، جامع للمنى، فارع بالغنى، فارك للخنى، سافك دم الشرك بالظبا والقنا. وكان هذا أول يوم لقائه للسلطان، وأحسن بالإكرام وزاد في الإحسان. وكان يجمع بين الحماسة والسماحة، والبشاشة والرجاحة. والتودد إلى الناس، والتشدد بالبأس. والتواضع مع الكرام، ودنو الود مع علو الهمم. ماله مبذول، ونواله مأمول، وسيفه على الكفر مسلول وأمره بالطاعة في رعيته ومن في جملته مقبول. وهو مرجو مخشى، وكريم مغشى. ومهيب مرجو، ومحسن بسنى الحمد مجلو. وكان معه خلق كثير، في
стр. 173
سلك الاتساق ومسلك الاتساع نظيم نثبر. وأنزل بقرب أخيه مظفر الدين في الميسرة، وتمكن الرعب بما تم من الجمع في قلوب الكفرة.
ذكر وصول الأسطول من مصر
كان السلطان قد أمر بتعمير أسطول آخر من مصر تصل فيه الذخيرة والميرة، والعدد الكثيرة. فلما كان ظهر يوم الخميس ثامن جمادى الاولى؛ ظهر الأسطول، وتم بظهوره النصر المأمول. فركب السلطان في جحافله، وسدد سهام الردى إلى العدو ومقاتله. وأحدق به حول خنادقه، ليوسع عليه الهلاك في مضايقه. وليشغل الفرنج عن قتال الأسطول، ويسهل عليه بتشاغلهم طريق الوصول. فعمر الفرنج أسطولا، وصف شوانيه على البحر عرضا وطولا. وقد إنه يلاقى الأسطول المنصور، ويحظر بسد الطرق عليه وصدها العبور. فجاءت مراكبنا ونطحت مراكبهم وطحنتها، وأوهت منتها وأوهنتها. وأخذنا لهم مركبا، واخذوا لنا مركبا،
وكان تقصير الرؤساء في حفظه لأخذه سببا. واتصل الحرب في البر إلى حين غروب الشمس، وعاد المسلمون بحبور القلب وسرور النفس. وقتل من الفرنج عدة وافية، وكلاءة الله لنا ولأصحابنا واقية. ووصفت هذه الحالة في مكاتبة كتبتها لتعرف منها الصورة وتكشف القضية المستورة وهي هذه المكاتبة مبشرة بما سناه الله من النصر الهنى، وهناه من النجح السنى، وأجنى المسلمين من ثمر الظفر الجنى.
وذلك بوصول الأسطول الثاني المصري المنصور؛ ظهر يوم الخميس متظاهرا بإمداد الظهور، متوافرا بوفود الوفور، ودخوله سالما غانما إلى ثغر عكاء المحروس المعمور، فأثرى البلد بعد انفاضه، واجتمع إليه مدد القوة بعد انفضاضه. واستجد جدة وافية، وعصمة واقية، وذخيرة كافية.
وكان الفرنج عند وصول أسطولنا المنصور قد جهزت مراكبها، وأبرزت مناكبها، وحمت بالرجال والعدد جوانبها، وسنمت غواربها، ورفعت هضابها وهواضبها، وسحبت على ثبج البحر سحائبها، وأدبت إلى عقبان أساطيلنا المحلقة بعقابها ثعابينها وعقاربها، وظنت أنها تستطيل على رواسي أساطيلنا بسواريها، وإنها تواجه عرائسها المجلوة بجور جواريها. فلما جاء الحق زهق الباطل، وصال الواصل، وحاص العدو من الحاصل. وانحل تركيب تلك المراكب، وحطت تلك المناكب بما أحاط بها من النواكب.
وخرج الأسطول الأول من الثغر مستبشرا بدخول الثاني، واجتمع شمل الشواني بالشواني. وتفرقت سفن العدو شذر مذر، وعذر حين ذعر فحذر. وكسبت شوانينا ست بطس
стр. 174
لهم فكسرتها، ووجدت فيها عدة من الرجال المقدمين والنساء فأسرتها، وكانت الفرنج حملت فيها تجائر وذخائر تطلب ربحها فخسرتها.
فصل آخر
وصل الأسطول ظهر يوم الخميس ظاهرا خميسه، ثائرا بألسد عريسه. في شوان للعدو شوائن، وشلنديات لشله وفله ضوامن. وحراريق لأهل النار بنارها محرقة، وعقبان مراكب في مطار العقاب على المجرمين محلقة. وسواري هواضب كرواسي هضاب، وسحاب بوائق كبوارق سحاب.
من كل مركب للنصر مركب، ومفرد من الشدة والبأس مركب. وقطعة لنياط قلب العدو قاطعه، وقلعة لأساس أهل الكفر قالعة. وتلعة في ذروة العزة تليعة، وذروة في مرقى الهدى راقية منيعة. وجاءت في البحر أمواجا في الأمواج، ودخلت إلى الثغر أفواجا بعد الأفواج.
وكان العدو قد أبرز أباطيله، وجهز أساطيله. وشب عواديه ودواعيه، وأدب عقاربه وأفاعيه. وأسمى مناكب مراكبه، وجد في امهاء غروبه وتسنيم غواربه.
ولما وصل الأسطول طال وصال، ولاح للعدو صده بحيلة من حال فحال، وامتنع مراده واستحال. وأخذ الأسطول من مراكبه الكبار ست قطع قطعت أسبابها، وقصمت من عبدة الصليب أصلا بها، وخيبت حسابها.
فصل
وصل الأسطول إلى البلد، مستطيلا بالجلاد والجلد. وأثرى به الثغر بعد الانفاض، واجتمع به شمل الرجاء بعد الانفضاض. ودخل إليه ما خرج عن حد الحصر، من ذخيرة وميرة توجب كثرتها قلة المبالاة بالحصر، فإن الرايات المنصورة علت فجلت في الآفاق رياضا، والمراكب الإسلامية انقضت فقضت للمسلمين أغراضا. ووافت ووفت فأعادت جواهرها مراكب العدو إعراضا.
وجاءت سواريها كالرواسي، وجواريها محكمة المراسي. ومن شأن شوانيها شن الغارات على الشناة، ومن عادة شلندياتها شل أندية العداة. ومن شيمة حراريقها شيم بوارق لإحراق أهل النار في الماء، ومن عمل مراكبها الحاف مناكب الكفار
رداء الأرداء. من كل جبل يمر مر السحاب، وضامر يشد شد العراب، وعقاب محلق على الشرك في مطار العقاب، وغراب ناعب في أعداء الله بين الأحباب، وهضبة موفية على الهضاب، وقطعة وافية من الكافرين بقطع الرقاب.
وما أحسنها وقد زفت عرائس، وجليت أوانس، وطلعت بأهل الإيمان بواشر، وعلى أهل الكفر عوابس، وعادت بها رسوم مراكب الفرنج دوارس. وخلا وجه
стр. 175
البحر من سفن الضلال، وتقلص مالها من الظلال.
ولما شوهد الأسطول ساطيا؛ وجيد النصر منه عاطيا؛ وأخذ البحر من الأعداء بحقه؛ وأشرق سنى النجح في افقه؛ ركب العسكر المنصور للقتال وأخذ أهبة النزال، وزحف الرجال إلى الرجال، والتقى الأبطال بالأبطال، وشفيت بدم الكفر غلة المناصل والنصال. واحمرت البيض الظامئات ورويت من نجيع الزرق، وبشرت جياع العواسل من اليراع العاسل بعاجل الرزق.
وظل أهل الضلال وقد كفهم الكفاح، وفكهم القتل والجراح. وأقوى الأقوى من الثبات، وبطل بطلهم بما لأثخنه من الجراحات، وبات المسلمون واثقين من الله بأن جمع الكفر قريب الشتات، وأدرك المشركين ما فاتهم من الآفات.
ذكر قصة ملك الألمان وصحة الخبر المتواتر بوصوله
صح الخبر أن ملك الألمان عبر من قسطنطينية الخليج. وخطب في تلك المروج بمروجه الخطب المريج وأنه وصل بجمعه إلى مضايق صعب عليه منها العبور، وعمهم في نهضاتهم العثور. فقيل إنهم أقاموا في قفار ومواضع شهرا، عدموا فيها الطعام ولم يجدوا بها إلا ضرا. وكان التركمان الاوجية على طريقهم يمنعون بغربهم من تشريقهم. فاضطروا إلى المقام بغير زاد، وهم في جهد وضر
واجتهاد. فصاروا يذبحون خيلهم ويأكلونها، ويكسرون قنطارباتهم لفقدان الخطب ويشعلونها.
فترجلت منهم ألوف، ورغمت أنوف. وكان ذلك في البرد الشديد، وزمان الثلج والجليد. فجمدوا وخمدوا، وتجلدوا وتبلدوا. وعدموا دواب لحمل الأثقال، ونقل عدد الرجال. فدفنوا وأحرقوا منها، وتركوها وسلوا عنها، وكان ذلك من الله لطفا، وأمست قوتهم صعفا.
وكانوا في خلق لا يعد، وجمع لا يحد. فما أثر فيهم ذلك النصب، ولا صدهم عن مقصدهم ذلك التعب. وما زالوا يسيرون والاوجية تبدى إليهم للوبال في أوجها أوجها، والإفرنجية لا تنتهي حتى تبلغ إلى ما لها من منتهى. حتى بلغوا إلى بلاد (قليج ارسلان بن مسعود) ومسلكها دونهم غير مصدود ولا مسدود. وقليج ارسلان محكوم عليه من ولده (قطب الدين ملكشاه) وهو يدبر أمره ويتولاه، ويسومه الإكراه. فعارضهم لما قربوا وتعرض لقتالهم، وطاردهم ليضيق عليهم سعة مجالهم. ثم اندفع من بين أيديهم وتعدى عن جانب تعديهم.
ودخلوا قونية دار ملك المسعودية. واعتصم قليج ارسلان بقلعتها المحمية، وتراسل هو وملك الألمان واتفقا في الباطن على ما كان بينهما من المواثيق والإيمان. وحمل ملك الألمان له وفرا وافرا، وأشبه المسلم بالكف عن الكافر كافرا.
ووافقه على العبور إلى الأقاليم الشامية، والبلاد الإسلامية. وعلى أنه يسير في بلده إلى بلد
стр. 176
ابن لاون، وأعطاه عشرين مقدما من أكابر أمرائه ليكونوا معه حتى يصل إلى المأمن رهائن. وأمر الناس بمبايعتهم على ما يسومونه، وأن يعاوضوهم من الخيل والعدة بما يرومونه. وأقام لهم الأسواق، وعرض عليهم الأمتعة والاعلاق. فساروا في رفه ورفق، وتقو بلا توق.
فلما وصل الملعون إلى بلاد الأرمن غدر بالرهائن، وساقهم محمولين مع الظغائن.
وتأول عليهم بأن التركمان سرقوا منهم في طريقه، ونكث جميع مواثيقة. ووصل (ليفون بن اسطفانة بن لاون) مقدم الأرمن إلى خدمته، ودخل في طاعته، وكان بمفرده خاليا من عسكره بمجرده. وذلك في طرسوس فتمكثوا بها ليربحوا بها النفوس.
وقيل عن لكلب الألمان أن يسبح في النهر، ويميط عه ما عراه من الوضر والضر. وكان شيخا مسنا قد عاد لكبر سنه شنا. وحسب إنه إذا سبح سحب ذيل الاستراحة، فكان موته في تلك الراحة وهلكه في تلك السباحة. فإنه عام في الماء البارد، وتورط منه في أصعب الموارد. وخرج وبقى مريضا إلى أن خرج من ثوب البقاء، وتحول إلى فناء الفناء. وتلقاه مالك بالزبانية، وحملوه إلى نار الله الحامية. وسمعت نصرانيا يقول في معناه: كنت معه لما سلك فهلك، وأعجله مالك النار عما ملك. وذلك أن النهر ما كان فيه إلا عبر واحد، والعسكر فيه متزاحم متوارد. فقال ملك الألمان: هل تعرفون موضعا يمكن فيه العبور، ويؤمن فيه العثور. فقال له واحد: هاهنا مخاضة ضيقة من احترز فيها عن التيامن والتياسر عبر، ولا يعبر فيها إلا واحد بعد واحد إذا تثبت واستظهر. فبدر إلى تلك المخاضة، ذات الجرية الفياضة. ودخل الماء فطغى على ذلك الناري الطاغي، وأعجل ذلك الباغي عن المباغي. ورماه في جريانه إلى شجرة شجت جبينه وجبنت جاشه، وعثرته بحيث لم يؤمل انتعاشه. فتعبوا في إخراجه، وأيسوا من علاجه. ومات عدو الله شر ميته، وبلى شمله بتشتيته، وحبله بتبتيته.
وخلفه ولده على خلف من أصحابه وأجناده، لمكان الولد الذي خلفه في بلاده. وقيل إنهم سلقوا ذلك الهالك في قدر حتى تخلص عظمه، وتهلاي لحمه. ثم جمعوا في كيس عظامه، وراموا بذلك إكرامه وإعظامه. ليحملوه إلى كنيستهم بالقدس قمامة، ويدفنوه على ما كان أوصى به ورامه.
ولما عرف ابن لاون بهلاكه، وسكون حراكه؛ وما جرى من الاختلال والاختلاف بموته؛ وانه لا تلافى لما فرط من تلفه وفوته؛ فارقهم إلى بعض قلاعه، واتصل الضر بهم لانقطاعه.
ووصل كتاب من الكاياغيكوس صاحب قلعة الروم يرغب ويرهب ويبرق ويرعد، ويقول ويعدد، ويدهده ويهدد. ويرى إنه ناصح، وللقصة شارح، وإن الأمر واضح، وإن الخطب فطيع فاضح. وإن هذا الملعون أول ما
стр. 177
خرج من بلده؛ أوصى فيه إلى ولده. ثم جاء إلى بلد الهنكر فدخله غصبا، وأوسعه نهبا. حتى أذعن له وانقاد، وبلغ بطاعته المراد وإنه أخذ من ماله ورجاله ما اختار، وتزود من عنده وامتار.
ثم وطئ أرض ملك الروم وداسها، وتوسط ديارها وجاسها، وفتح بلادها، وملك قيادها. وأحج ملك الروم إلى طاعته، والرمه بما دخل في استطاعته. وأخذ منه من الذهب خمسين قنطارا ومن الفضة خمسين، ومن الثياب الطلس المعدنية ما بلغ الألوف وتجاوز عن المئين. وأخذ على سبيل الرهائن أربعين من خلصائه، ومعروفي كبرائه. وأخذ كل سفينة غصبا، وسحب على ذلك البحر في التعدية من مراكبه سحبا. وأنه لما عبر وفرغ من الخروج، تلقاه بالخيل والدواب والأبقار والأغنام (تركمان الاوج). ثم وقع بين التركمان وبينهم، وجالوا حولهم ثلاثة وثلاثين يوما يرومون حينهم. وهم في طريقهم سائرون، وعلى مقاتلتهم صابرون. حتى قربوا من (قونية) فاعترضه قطب الدين ولد قليج ارسلان، والتقى الأقران بالأقران، وهزمه ملك الألمان.
ولما أشرف على قونية خرج إليه جموعها، وطالت إليه بالحرب بوعها، ثم اندفعت حيث ضم على الروع روعها، وأنه هجم على قونية عنوة، ونال حظوة. وأقام خمسة أيام حتى استقرت بينه وبين قليج ارسلان قاعدة اكيدة، وحصلت لكل
منهما فائدة مهيدة. وأخذ منه رهائن عشرين، من أكابر دولته المتميزين.
وقدم كتابه إلى ابن لاون بالجواز في بلاده، فتلقاه بما أعده لإرفاده. ونزل حين وصوله إلى طرسوس على بعض الأنهار. ونام ساعة بعد تناول الطعام، ثم انتبه وتشوق إلى الاستحمام. فحرك عليه الماء البارد مرضا، وتشكى أياما قلائل مضضا، ثم قضى وانقرض أربه وانقضى. وخلفه ولده بعده واستمال جنده. وكان ابن لاون قد سار قاصدا للقاء أبيه، فلما عرف موته وجلوس ولده، اضرب عن تلقيه. وعرض عسكره في اثنين وأربعين ألف مجفجف، من كل سرحان اهرت وذئبا غضف. وأما الرجالة فلكثرتهم تعذر العرض، وغص بهم طول الأرض والعرض. وقد لبسوا الحديد للحداد على البيت المقدس، وهجروا الثياب، ولزموا المصاب، وداوموا الاكتئاب. وهم صابرون على الشقاء والتعب، لأمل الظفر بالطلب.
ولما بلغت هذه الاخبار، اضطربت الديار، وارتاعت الانجاد والأغوار. وقالوا: هذا جانب لا يطاق، وأي جانب قصده عنه لا يعاق. ولا شك إنه يتوسط بلاد الشام، ويثلم ثغور الإسلام، ويشغلنا عما نحن فيه من هذا الاهتمام.
وعزم السلطان على استقبالهم بالردى والرد، وصدهم عن القصد. ثم ثبت على رأى الثبات، وتنظر الأوقات بما يتجدد من الحادثات. وتقلقلت عزائم الذين بلادهم
стр. 178
على طريق القادم، وأنه يعود كل منهم إلى مكانه أخذا بحكم الحازم.
فأول من سار (ناصر الدين محمد) ولد الملك المظفر صاحب منبج، ليجمع على طريق العدو ويزعج ويرهج.
ثم (عز الدين بن المقدم) الباسل المعلم. ثم (مجد الدين بهرامشاه) صاحب بعلبك، ليجمع ويأخذ على العدو المسلك. ثم (سابق الدين عثمان) صاحب شيرز، الليث الهمام القسور. ثم (الياروقية) أسد الهياج، ونجوم ليل العجاج.
ثم رحل (الملك الأفضل) وقد عرض له ألم، ثم (بدر الدين) وإلى دمشق وقد ألم به سقم، ثم سار (الملك الظاهر صاحب حلب) لاضطرابها بغيبته وبهذا الخبر، والخوف الناس فيه أنهم على الخطر. حتى غلت الأسعار واستعرت الغلة، وخلت الأماكن وتمكنت الخلة.
ثم رحل (الملك المظفر تقي الدين) لحفظ ثغر اللاذقية وجبلة، ويثبت بقدومه عليها الرعية الخائفة المجفلة، وكان هو آخر من سار ليلة السبت التاسع من جمادى الآخرة.
ورتب السلطان منازل العساكر الحاضرة. وخفت الميمنة برحيل معظم من كان فيها مقيما، ولحفظ النوب في اليزك مستديما. فانتقل الملك العادل إليها، وجاء إلى منزلة الملك المظفر ونزل عليها. واستقام الترتيب وترتب المقام، واعتز الصادقون وصدق الاعتزام. ثم مرض أكثر العسكر وخام للوخم، وألم بالبعد للألم. وكان بحمد الله المرض سليم العاقبة قريب العافية، مستعقبا لألطاف الله الواقعية الوافية. ووقع المرض في الفرنج وكان المبيد المبير، والمدنى لأصحاب السعير. وعم فيهم الموت والوبا، وكثر عن نبواتهم النبا. وتقدم السلطان بهدم سور طبرية وهدم يافا وأرسوف وقيسارية وهدم سور صيداء وجبيل ونقل أهلهما إلى بيروت.
عاد حديث ملك الألمان
وأما ولد ملك الألمان فانتحس، مرض أياما في بلد الرمن واحتبس. وهلك أصحابه جوعا، ومنهم من عزم رجوعا. ووقع الموت في حيلهم، فآذن ذلهم بقلوص ذيلهم. وقدم لمرضه؛ والتياث جوهره بعرضه؛ جموعه قدامه، وساروا أمامه. وخرجوا لكثرتهم في ثلاث نوب، في بيض وسمر وبيض ويلب. ومعظم رجالهم حملة عصا وركاب حمير، غير عارفين بطريق ولا متحفظين في مسير. والناس يلتقطونهم ويتخطفونهم، ويتألفون عن مسالكهم ويتلفونهم.
ووصلوا إلى إنطاكية ووصل إليها الملك، بعد أن ضاق به وبجمعه إليها المسلك. وضاق به الابرنس صاحب إنطاكية ذرعا، ولم يجد لهم عنده مطمعا ولا مرعى. وطلب منه القلعة فأخلاها له ونقل إليها ماله وأثقاله. وسأله أن يجعل طريقه على حلب فخاف، وأبدى له الخلاف. وقبل وصوله إلى إنطاكية فلت جموعه وجنوده،
стр. 179
وبليت بحشد التركمان حشوده.
واجتازت الفرقة الأولى منهم تحت قلعة بغراس، فلقيت البؤس والبأس. وخرج رجالها عليهم على قلتها، وصدمتهم ببسالتها. وأسرت منهم زائدا على مائتين، وطمعت فيما وراءهم من الفئتين. وقيل: أنهم حسبوا أن بغراس باقية بحالها مع الدلوية، فجاءوا إليها سحرا بأحمالهم وأموالهم السنية. (فلم يشعروا إلا بالبغال على الباب واقفة)، والجنى دان يرقب أن يكون له أيد قاطفة. فخرج إليها وتسلمها بغير طعن ولا ضرب، وتخلى عنها أصحابها لما عرفوا الحال. ولم يعرجوا على حرب. فاستغنى الوالي من ذلك اليوم، من مال القوم. ثم أنكر حتى لا يطالب بشيء منه، وغفلت الأيام عنه.
وذكر (الأمير علم الدين سليمان بن جندر) في كتابه؛ إنه انهض جماعة من أصحاب أمراء حلب وأصحابه؛ ليقتفوا آثارهم، ويكشفوا أخبارهم. فوقعوا على خلق عظيم منهم، فخالطوهم ولم يرجعوا عنهم. وانقضوا عليهم انقضاض البزاة على الحجل، وزأروا فيهم زئير الأسد في النقاد وزاروهم بالأجل. وأسر كل واحد من أصحابنا ثلاثة واربعة، وتركوهم متمزقة متمزعة. وعادوا بالأسارى إلى حلب وباعوهم في الأسواق، وامتلأت بالأسلاب منهم والاعلاق. فطابت قلوب الرعايا، وأنست من الله بما ظهر من ألطافه الخفايا. وطمع فيهم أهل القرى، والتقطوهم من الوهاد والذرا. وما صدقوا بالسلامة حتى آواهم الابرنس إلى إنطاكية، وأراح من آلامها الألمانية. وذابوا في هذه الطرقات ذوبا، وصب عليهم العذاب صبا إذا
أخذوا صوبا. وهلك بإنطاكية الكند الكبير مقدم العسكر، وتبعه إلى سقر كبير من ذلك المعشر. وحصل الابرنس بتلك الأموال المجتمعة؛ والذخائر المودعة؛ حتى قيل إنه إنما غرب في الوصول إلى بلده؛ ليحصل على سبده ولبده. فأخلى له قلعته، لينقل إليها خزانته. ففعل وما رجع اليها، واحتوت يد الابرنس عليها.
ثم ساروا على طريق الساحل، بالفارس والراجل. وخرجت عليهم خيل جبلة واللاذقية، وسقتهم كئوس المنية، وألقتهم على البوس والبلية. فأغذوا في السير حتى وصلوا إلى طرابلس وقد نقص نصفهم، وتم بعواصف البلاد نسفهم، وبلغ أمدهم وانتهى مددهم. وجبن الملك عن المسير على الطريق، لما لقيت جموعه في طرقاتها من التفريق. فركب البحر في عدد يسير لا يزيد على الف، برعب قلب وقصور يد ورغم أنف. واختلط مع الفرنج على عطاء فسقط اسمه، وسخط حكمه. وهلك بعد قليل، ولم يحظ بنقع غليل.
وسألم بذكر حالاته في مواضعها، وذكر مصارف جماعته ومصارعها.
стр. 180
وكتبت إلى الديوان العزيز فصلا بخبر ملك الألمان عند إرعاب الإرجاف به
قد وصل الخبر بالداهية الدهياء، والغمة الغماء، والنكبة النكباء، والشدة الدهماء، والليلة اليلاء. وهي أن ملك الألمان ومعه ملوك الإفرنجية وحشودها، وقوامصها وكنودها، وأحزاب الشياطين وجنودها، وألوية اللاواء وبنودها. وصل جارا على السماء ذيول قتامه، مجريا في الأرض سيول لهامه. ثاثرا باطلابه لطلاب ثاره، سائرا بخيله ورجله كالسيل إلى قراره.
وأنه في عصائب صلبان في عصبيتها متصلبة، واتباع شياطين لإرضائها متغضبة، وأسراب سراجين على سرح الإسلام متوثبة. وأنه في مئين من الآلاف الألاف تلمنون، وأقطاب الإعطاب الدائرة لدوائر سوئها رحى الحرب الزبون. وقد
أوقدوا للشر شرارا، وأضرموا للشرك الداعي إلى النار نارا. فإن حسرتهم على (قمامتهم) دائمة، وقيامتهم قائمة. والموت يدعوهم إلى المقبرة التي يدعونها، والآجال تلبيهم لمناياهم التي يدعونها.
وكان خبر وصوله متداولا على السنة الأراجيف، وتشيعه أعداء الله من قبل للترهيب والتخويف. واستعدت العساكر الإسلامية للتوجه إلى بلاد الروم في الربيع، ليقع التساعد مع عساكرها على دفع تلك الجموع باتفاق الجميع. وانتظر ورود خبر صحيح، ويقين بأمر صريح. حتى إذا صح الخبر؛ سار العسكر. ثم انقطعت الأخبار، وتمادى الانتظار، ومضت شهور الربيع آذار. ونيسان وأيار.
وكانت كتب سلطان الروم قليج ارسلان وأولاده ورسلهم متواصلة بما ينبئ عن التعاضد، ويبنى أمر الوفاء والوفاق منه على التعاون والتعاقد. وهم بإنهاء ما يصح عندهم، ويزعمون أنهم في رد الواردين وأدائهم مساعدون. فأخلف ذلك الوعد، وضيع ذلك العهد. ووصلت كتبهم بغتة في هذا الأوان، بما تأخر به الخبر عن العيان.
وقالوا: أنهم قد توسطوا بلاد الإسلام، وإنهم على قصد الشام. ثم ورد الخبر بأنهم صالحوهم وصانعوهم، وأخلوا لهم الطريق ووادعوهم. ووسعوا لهم في المضايق، وسعوا في أمن طرقهم من الطوارق. وهذا حادث كارث، وباعث فاجئ فاجع لأهل الحمية في الدين باعث. وناكب لعقود العقول في تعاظم ضرره؛ وتفاقم خطره ناكث.
وقد تعين الجهاد على كل مسلم، وما في الوجود مؤمن يكون له هذا الملم مؤلم. والاهتمام بدفعه من افرض المهام وأهم الفروض، والخادم منفرد في حمل عبء هذا الفادح الباهظ بالنهوض. وهو واثق بأن بركات الدار العزيزة تدركه ولا تتركه، وأن الذي يستبعد من النصر القريب يتسق ويتسع به ومسلكه - إن شاء الله -.
следующие страницы →