← История

История · id 14789

الفتح القسي في الفتح القدسي = حروب صلاح الدين وفتح بيت المقدس

العماد الأصبهاني الكاتب

Полный текст (312 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ابن لاون، وأعطاه عشرين مقدما من أكابر أمرائه ليكونوا معه حتى يصل إلى المأمن رهائن. وأمر الناس بمبايعتهم على ما يسومونه، وأن يعاوضوهم من الخيل والعدة بما يرومونه. وأقام لهم الأسواق، وعرض عليهم الأمتعة والاعلاق. فساروا في رفه ورفق، وتقو بلا توق. فلما وصل الملعون إلى بلاد الأرمن غدر بالرهائن، وساقهم محمولين مع الظغائن. وتأول عليهم بأن التركمان سرقوا منهم في طريقه، ونكث جميع مواثيقة. ووصل (ليفون بن اسطفانة بن لاون) مقدم الأرمن إلى خدمته، ودخل في طاعته، وكان بمفرده خاليا من عسكره بمجرده. وذلك في طرسوس فتمكثوا بها ليربحوا بها النفوس. وقيل عن لكلب الألمان أن يسبح في النهر، ويميط عه ما عراه من الوضر والضر. وكان شيخا مسنا قد عاد لكبر سنه شنا. وحسب إنه إذا سبح سحب ذيل الاستراحة، فكان موته في تلك الراحة وهلكه في تلك السباحة. فإنه عام في الماء البارد، وتورط منه في أصعب الموارد. وخرج وبقى مريضا إلى أن خرج من ثوب البقاء، وتحول إلى فناء الفناء. وتلقاه مالك بالزبانية، وحملوه إلى نار الله الحامية. وسمعت نصرانيا يقول في معناه: كنت معه لما سلك فهلك، وأعجله مالك النار عما ملك. وذلك أن النهر ما كان فيه إلا عبر واحد، والعسكر فيه متزاحم متوارد. فقال ملك الألمان: هل تعرفون موضعا يمكن فيه العبور، ويؤمن فيه العثور. فقال له واحد: هاهنا مخاضة ضيقة من احترز فيها عن التيامن والتياسر عبر، ولا يعبر فيها إلا واحد بعد واحد إذا تثبت واستظهر. فبدر إلى تلك المخاضة، ذات الجرية الفياضة. ودخل الماء فطغى على ذلك الناري الطاغي، وأعجل ذلك الباغي عن المباغي. ورماه في جريانه إلى شجرة شجت جبينه وجبنت جاشه، وعثرته بحيث لم يؤمل انتعاشه. فتعبوا في إخراجه، وأيسوا من علاجه. ومات عدو الله شر ميته، وبلى شمله بتشتيته، وحبله بتبتيته. وخلفه ولده على خلف من أصحابه وأجناده، لمكان الولد الذي خلفه في بلاده. وقيل إنهم سلقوا ذلك الهالك في قدر حتى تخلص عظمه، وتهلاي لحمه. ثم جمعوا في كيس عظامه، وراموا بذلك إكرامه وإعظامه. ليحملوه إلى كنيستهم بالقدس قمامة، ويدفنوه على ما كان أوصى به ورامه. ولما عرف ابن لاون بهلاكه، وسكون حراكه؛ وما جرى من الاختلال والاختلاف بموته؛ وانه لا تلافى لما فرط من تلفه وفوته؛ فارقهم إلى بعض قلاعه، واتصل الضر بهم لانقطاعه. ووصل كتاب من الكاياغيكوس صاحب قلعة الروم يرغب ويرهب ويبرق ويرعد، ويقول ويعدد، ويدهده ويهدد. ويرى إنه ناصح، وللقصة شارح، وإن الأمر واضح، وإن الخطب فطيع فاضح. وإن هذا الملعون أول ما

стр. 177

خرج من بلده؛ أوصى فيه إلى ولده. ثم جاء إلى بلد الهنكر فدخله غصبا، وأوسعه نهبا. حتى أذعن له وانقاد، وبلغ بطاعته المراد وإنه أخذ من ماله ورجاله ما اختار، وتزود من عنده وامتار. ثم وطئ أرض ملك الروم وداسها، وتوسط ديارها وجاسها، وفتح بلادها، وملك قيادها. وأحج ملك الروم إلى طاعته، والرمه بما دخل في استطاعته. وأخذ منه من الذهب خمسين قنطارا ومن الفضة خمسين، ومن الثياب الطلس المعدنية ما بلغ الألوف وتجاوز عن المئين. وأخذ على سبيل الرهائن أربعين من خلصائه، ومعروفي كبرائه. وأخذ كل سفينة غصبا، وسحب على ذلك البحر في التعدية من مراكبه سحبا. وأنه لما عبر وفرغ من الخروج، تلقاه بالخيل والدواب والأبقار والأغنام (تركمان الاوج). ثم وقع بين التركمان وبينهم، وجالوا حولهم ثلاثة وثلاثين يوما يرومون حينهم. وهم في طريقهم سائرون، وعلى مقاتلتهم صابرون. حتى قربوا من (قونية) فاعترضه قطب الدين ولد قليج ارسلان، والتقى الأقران بالأقران، وهزمه ملك الألمان. ولما أشرف على قونية خرج إليه جموعها، وطالت إليه بالحرب بوعها، ثم اندفعت حيث ضم على الروع روعها، وأنه هجم على قونية عنوة، ونال حظوة. وأقام خمسة أيام حتى استقرت بينه وبين قليج ارسلان قاعدة اكيدة، وحصلت لكل منهما فائدة مهيدة. وأخذ منه رهائن عشرين، من أكابر دولته المتميزين. وقدم كتابه إلى ابن لاون بالجواز في بلاده، فتلقاه بما أعده لإرفاده. ونزل حين وصوله إلى طرسوس على بعض الأنهار. ونام ساعة بعد تناول الطعام، ثم انتبه وتشوق إلى الاستحمام. فحرك عليه الماء البارد مرضا، وتشكى أياما قلائل مضضا، ثم قضى وانقرض أربه وانقضى. وخلفه ولده بعده واستمال جنده. وكان ابن لاون قد سار قاصدا للقاء أبيه، فلما عرف موته وجلوس ولده، اضرب عن تلقيه. وعرض عسكره في اثنين وأربعين ألف مجفجف، من كل سرحان اهرت وذئبا غضف. وأما الرجالة فلكثرتهم تعذر العرض، وغص بهم طول الأرض والعرض. وقد لبسوا الحديد للحداد على البيت المقدس، وهجروا الثياب، ولزموا المصاب، وداوموا الاكتئاب. وهم صابرون على الشقاء والتعب، لأمل الظفر بالطلب. ولما بلغت هذه الاخبار، اضطربت الديار، وارتاعت الانجاد والأغوار. وقالوا: هذا جانب لا يطاق، وأي جانب قصده عنه لا يعاق. ولا شك إنه يتوسط بلاد الشام، ويثلم ثغور الإسلام، ويشغلنا عما نحن فيه من هذا الاهتمام. وعزم السلطان على استقبالهم بالردى والرد، وصدهم عن القصد. ثم ثبت على رأى الثبات، وتنظر الأوقات بما يتجدد من الحادثات. وتقلقلت عزائم الذين بلادهم

стр. 178

على طريق القادم، وأنه يعود كل منهم إلى مكانه أخذا بحكم الحازم. فأول من سار (ناصر الدين محمد) ولد الملك المظفر صاحب منبج، ليجمع على طريق العدو ويزعج ويرهج. ثم (عز الدين بن المقدم) الباسل المعلم. ثم (مجد الدين بهرامشاه) صاحب بعلبك، ليجمع ويأخذ على العدو المسلك. ثم (سابق الدين عثمان) صاحب شيرز، الليث الهمام القسور. ثم (الياروقية) أسد الهياج، ونجوم ليل العجاج. ثم رحل (الملك الأفضل) وقد عرض له ألم، ثم (بدر الدين) وإلى دمشق وقد ألم به سقم، ثم سار (الملك الظاهر صاحب حلب) لاضطرابها بغيبته وبهذا الخبر، والخوف الناس فيه أنهم على الخطر. حتى غلت الأسعار واستعرت الغلة، وخلت الأماكن وتمكنت الخلة. ثم رحل (الملك المظفر تقي الدين) لحفظ ثغر اللاذقية وجبلة، ويثبت بقدومه عليها الرعية الخائفة المجفلة، وكان هو آخر من سار ليلة السبت التاسع من جمادى الآخرة. ورتب السلطان منازل العساكر الحاضرة. وخفت الميمنة برحيل معظم من كان فيها مقيما، ولحفظ النوب في اليزك مستديما. فانتقل الملك العادل إليها، وجاء إلى منزلة الملك المظفر ونزل عليها. واستقام الترتيب وترتب المقام، واعتز الصادقون وصدق الاعتزام. ثم مرض أكثر العسكر وخام للوخم، وألم بالبعد للألم. وكان بحمد الله المرض سليم العاقبة قريب العافية، مستعقبا لألطاف الله الواقعية الوافية. ووقع المرض في الفرنج وكان المبيد المبير، والمدنى لأصحاب السعير. وعم فيهم الموت والوبا، وكثر عن نبواتهم النبا. وتقدم السلطان بهدم سور طبرية وهدم يافا وأرسوف وقيسارية وهدم سور صيداء وجبيل ونقل أهلهما إلى بيروت. عاد حديث ملك الألمان وأما ولد ملك الألمان فانتحس، مرض أياما في بلد الرمن واحتبس. وهلك أصحابه جوعا، ومنهم من عزم رجوعا. ووقع الموت في حيلهم، فآذن ذلهم بقلوص ذيلهم. وقدم لمرضه؛ والتياث جوهره بعرضه؛ جموعه قدامه، وساروا أمامه. وخرجوا لكثرتهم في ثلاث نوب، في بيض وسمر وبيض ويلب. ومعظم رجالهم حملة عصا وركاب حمير، غير عارفين بطريق ولا متحفظين في مسير. والناس يلتقطونهم ويتخطفونهم، ويتألفون عن مسالكهم ويتلفونهم. ووصلوا إلى إنطاكية ووصل إليها الملك، بعد أن ضاق به وبجمعه إليها المسلك. وضاق به الابرنس صاحب إنطاكية ذرعا، ولم يجد لهم عنده مطمعا ولا مرعى. وطلب منه القلعة فأخلاها له ونقل إليها ماله وأثقاله. وسأله أن يجعل طريقه على حلب فخاف، وأبدى له الخلاف. وقبل وصوله إلى إنطاكية فلت جموعه وجنوده،

стр. 179

وبليت بحشد التركمان حشوده. واجتازت الفرقة الأولى منهم تحت قلعة بغراس، فلقيت البؤس والبأس. وخرج رجالها عليهم على قلتها، وصدمتهم ببسالتها. وأسرت منهم زائدا على مائتين، وطمعت فيما وراءهم من الفئتين. وقيل: أنهم حسبوا أن بغراس باقية بحالها مع الدلوية، فجاءوا إليها سحرا بأحمالهم وأموالهم السنية. (فلم يشعروا إلا بالبغال على الباب واقفة)، والجنى دان يرقب أن يكون له أيد قاطفة. فخرج إليها وتسلمها بغير طعن ولا ضرب، وتخلى عنها أصحابها لما عرفوا الحال. ولم يعرجوا على حرب. فاستغنى الوالي من ذلك اليوم، من مال القوم. ثم أنكر حتى لا يطالب بشيء منه، وغفلت الأيام عنه. وذكر (الأمير علم الدين سليمان بن جندر) في كتابه؛ إنه انهض جماعة من أصحاب أمراء حلب وأصحابه؛ ليقتفوا آثارهم، ويكشفوا أخبارهم. فوقعوا على خلق عظيم منهم، فخالطوهم ولم يرجعوا عنهم. وانقضوا عليهم انقضاض البزاة على الحجل، وزأروا فيهم زئير الأسد في النقاد وزاروهم بالأجل. وأسر كل واحد من أصحابنا ثلاثة واربعة، وتركوهم متمزقة متمزعة. وعادوا بالأسارى إلى حلب وباعوهم في الأسواق، وامتلأت بالأسلاب منهم والاعلاق. فطابت قلوب الرعايا، وأنست من الله بما ظهر من ألطافه الخفايا. وطمع فيهم أهل القرى، والتقطوهم من الوهاد والذرا. وما صدقوا بالسلامة حتى آواهم الابرنس إلى إنطاكية، وأراح من آلامها الألمانية. وذابوا في هذه الطرقات ذوبا، وصب عليهم العذاب صبا إذا أخذوا صوبا. وهلك بإنطاكية الكند الكبير مقدم العسكر، وتبعه إلى سقر كبير من ذلك المعشر. وحصل الابرنس بتلك الأموال المجتمعة؛ والذخائر المودعة؛ حتى قيل إنه إنما غرب في الوصول إلى بلده؛ ليحصل على سبده ولبده. فأخلى له قلعته، لينقل إليها خزانته. ففعل وما رجع اليها، واحتوت يد الابرنس عليها. ثم ساروا على طريق الساحل، بالفارس والراجل. وخرجت عليهم خيل جبلة واللاذقية، وسقتهم كئوس المنية، وألقتهم على البوس والبلية. فأغذوا في السير حتى وصلوا إلى طرابلس وقد نقص نصفهم، وتم بعواصف البلاد نسفهم، وبلغ أمدهم وانتهى مددهم. وجبن الملك عن المسير على الطريق، لما لقيت جموعه في طرقاتها من التفريق. فركب البحر في عدد يسير لا يزيد على الف، برعب قلب وقصور يد ورغم أنف. واختلط مع الفرنج على عطاء فسقط اسمه، وسخط حكمه. وهلك بعد قليل، ولم يحظ بنقع غليل. وسألم بذكر حالاته في مواضعها، وذكر مصارف جماعته ومصارعها.

стр. 180

وكتبت إلى الديوان العزيز فصلا بخبر ملك الألمان عند إرعاب الإرجاف به قد وصل الخبر بالداهية الدهياء، والغمة الغماء، والنكبة النكباء، والشدة الدهماء، والليلة اليلاء. وهي أن ملك الألمان ومعه ملوك الإفرنجية وحشودها، وقوامصها وكنودها، وأحزاب الشياطين وجنودها، وألوية اللاواء وبنودها. وصل جارا على السماء ذيول قتامه، مجريا في الأرض سيول لهامه. ثاثرا باطلابه لطلاب ثاره، سائرا بخيله ورجله كالسيل إلى قراره. وأنه في عصائب صلبان في عصبيتها متصلبة، واتباع شياطين لإرضائها متغضبة، وأسراب سراجين على سرح الإسلام متوثبة. وأنه في مئين من الآلاف الألاف تلمنون، وأقطاب الإعطاب الدائرة لدوائر سوئها رحى الحرب الزبون. وقد أوقدوا للشر شرارا، وأضرموا للشرك الداعي إلى النار نارا. فإن حسرتهم على (قمامتهم) دائمة، وقيامتهم قائمة. والموت يدعوهم إلى المقبرة التي يدعونها، والآجال تلبيهم لمناياهم التي يدعونها. وكان خبر وصوله متداولا على السنة الأراجيف، وتشيعه أعداء الله من قبل للترهيب والتخويف. واستعدت العساكر الإسلامية للتوجه إلى بلاد الروم في الربيع، ليقع التساعد مع عساكرها على دفع تلك الجموع باتفاق الجميع. وانتظر ورود خبر صحيح، ويقين بأمر صريح. حتى إذا صح الخبر؛ سار العسكر. ثم انقطعت الأخبار، وتمادى الانتظار، ومضت شهور الربيع آذار. ونيسان وأيار. وكانت كتب سلطان الروم قليج ارسلان وأولاده ورسلهم متواصلة بما ينبئ عن التعاضد، ويبنى أمر الوفاء والوفاق منه على التعاون والتعاقد. وهم بإنهاء ما يصح عندهم، ويزعمون أنهم في رد الواردين وأدائهم مساعدون. فأخلف ذلك الوعد، وضيع ذلك العهد. ووصلت كتبهم بغتة في هذا الأوان، بما تأخر به الخبر عن العيان. وقالوا: أنهم قد توسطوا بلاد الإسلام، وإنهم على قصد الشام. ثم ورد الخبر بأنهم صالحوهم وصانعوهم، وأخلوا لهم الطريق ووادعوهم. ووسعوا لهم في المضايق، وسعوا في أمن طرقهم من الطوارق. وهذا حادث كارث، وباعث فاجئ فاجع لأهل الحمية في الدين باعث. وناكب لعقود العقول في تعاظم ضرره؛ وتفاقم خطره ناكث. وقد تعين الجهاد على كل مسلم، وما في الوجود مؤمن يكون له هذا الملم مؤلم. والاهتمام بدفعه من افرض المهام وأهم الفروض، والخادم منفرد في حمل عبء هذا الفادح الباهظ بالنهوض. وهو واثق بأن بركات الدار العزيزة تدركه ولا تتركه، وأن الذي يستبعد من النصر القريب يتسق ويتسع به ومسلكه - إن شاء الله -.

стр. 181

فصل فيه في جواب أمير عرفنا خبر العدو المشئوم، الواصل من جانب الروم. وهذه هدية أهداها الله إلينا، وفضيلة خصنا الله بها. حيث أقامنا في مقابلة أعدي أعدائه، وأقدرنا على مقاتلة من نازعه في كبريائه. وقد ساقهم الموت إلى المقبرة التي يدعونها، ولبتهم المنايا التي يدعونها ولا يدعونها. ومعاقلنا بحمد الله قوية، وصوارمنا من دماء أعداء الله روية. فيجب أن يكون في جميع أموره محتاطا، ويظهر بما يغنمه الله من أسلابهم وأشرئهم اغتباطا. فصل من كتاب الاستنفار قد عرف إن العدو الألماني المخذول قد وصل فما لقعوده عن هذا المقام معنى، وما لمن تأخر عن نصرة الإسلام من ثمر السعادة مجتى. وهذا وقت نهوضه بجميع أهل بلاده، وأوان بذل وسعه وجده واجتهاده. فإنه محضر لا يغيب عنه إلا من ليس له عند الله خلاق، وموقف يفي بعهد الله فيه من سبق له معه في السعادة ميثاق. وإنها لغنيمة أوفدها الله علينا، وهدية أهداها الله إلينا، وفضيلة خصنا الله بها، وأسعدنا بسببها. بل بلية جلا وجه النعمة فيها، بل قضية وفى الله في النجح بموعود توافيها. بل ملمة اختارها الله لدفعها، وطاغية استدعى أولياءه بقمعها، ونائرة كلفنا الله بإطفاء جمرها وأرداء جمعها. فلينهض نهوض الكريم إلى مساعدة الكرام، وليخطب اهتمام العظيم بملابسة الخطوب العظام، وليثب وثوب الأسد على الفريسة، ولينتخ للإسلام انتخاء ذوى الأنفس الأبية والهمم العلية النفيسة. وليكن أول سابق في مضمار الجد، وأسعد طالع في أفق الجد، فإن الإسلام في انتظاره، والمطالع مستشرفة إلى إشراق أنواره. ولا زالت الأقدار جارية في إسعاد الدين والدولة بأقداره. فصل من كتاب قد أحاط العلم بما عرا من المللم، وعرض من الخطب المدلهم. ووصل من العدو الثائر، ونزل من النازلة التي هي أم النوازل، والدائرة التي هي أم الدوائر. وقد آن للإسلام أن يسلم، وللأيمان أن يعدم، والتثليث أن يعلن، والتوحيد أن يكتم، وللكفر أن يقدم، وللهدى أن يحجم. فقد قذف البحر من الفرنج بزبده، والبر أتى أتيه من كل بلد للكفر بسبده ولبده، ووصل الألماني - المخذول - بعدده وعدده. وهذا خطب قد دهم، وعدو قد هجم، وشر قد نجم. وجمر داهية قد وقد، وجمع طاغية قد وفد. في جيوش جائشة، وجموع طائشة. وجنود محشورة، وبنود منشورة، وخيول مجفجفة، وسيول

стр. 182

مجحفة. وهذا أوان تحرك ذوى الحمية، ونهوض أهل الهمم الأبية العلية. فإن القوم في كثرة، ولا يقاتلون إلا بالكثرة. وهم مغترون بعلوهم، معتزون بعتوهم. مستنون في طريق العثرة. والسيل إذا وصل إلى الجبل الراسي وقف، والليل إذا بلغ إلى الصبح المسفر انكشف. والمجلس أولى من تولى تفريج هذه الغمة، وكشف هذه الملمة. حتى تخلف أماني الألماني، وتبطش إيمان الإيماني، وتخذل أنصار النصراني، ونجني وتبز رؤوس الجنوي والبيزاني. فأين المؤدون فرض الجهاد المتعين؛ وأين المهتدون في نهج الرشاد المتبين؛ وأين المسلمون؟ - وحاشا أن يكونوا للإسلام مسلمين! وأين المقدمون في الدين؟ - ومعاذ الله أن لا يكونوا في نصرته على الموت مقدمين! ولولا التقيد بهذا العدو الرابض؛ لأطلقت أعنة النهضة إلى العدو الناهض. ولا بد من لقائه قبل تلفق الجمعين، وإراءة الملاعين وجوه حتوفهم ملء العين. فصل فيه قد سد طريق الفلق فيلقه الطارق، وزحف إلى الحق الثابت باطله الزاهق. وجال بالوجل وجاء بالوجيب، وثار لثار الصليب السليب. وقد جمر جمعه، ورتق فتق الصبح رقع نقعه. وما فض الفضاء ختام قتامه، حتى ختم على ضوء نهار الهدى ليل الضلال بظلامه، والرجاء محقق أن الألماني مخفق بالمامه، والإسلام مشفق من إسلامه، والدين موفق بنصره إمامه، وعصمة الله الواقية الوافية من ورائه وأمامه، والله الكافل بإعلاء أعلامه، وإحكام أحكامه. ذكر الوقعة العادلية كان الفرنج لما صح عندهم وصول ملك الألمان إلى البلاد، وأنه ملأ أحشاء الربا والوهاد بالأحشاد، قالوا إنه إذا جاء لا يبقى لنا حكما، والصواب أن نشيع لنا قبل شيوع اسمه اسما، لا سيما وقد خفت عساكر الإسلام، وقفل أكثرها إلى الشام. فنحن ننتهز الفرصة، ونحرز الحصة، ونهتبل الغرة، ونهجم عليهم هذه الكرة، ونذيقهم المرة المرة. ونفرغ من شغلهم قبل مجيء القادم، ونمت بعز العزائم، ونفل حدودهم بحدود الصوارم. فخرجوا ظهر يوم الأربعاء العشرين من جمادى الآخرة، في حشر يذكر بحشر الساهرة، واسود بياض النهار من سوادهم، وتراءت الآجام لنا متوافية بآسادهم. وامتدوا إلى الخيم العادلية، واشتدوا بما استصحبوه من البلية. في كل ذئب أمعط، وسيد قد تورط. وسرحان سرح، وأفعوان كلح. وجهنمي تجهم فهجم، وجحيمى أقدم وما أحجم. وسعيري ناري استعار حدمة النار. وسقري قسوري عاد بعادة الاقتسار،

стр. 183

وباروني طالب للبوار، واستباري راغب في التبار. وداوى معضل الداء، وتركبولي غير تارك للبلاء. وسرجندي كرا، وفريري غير فرار، وفارس يفرس الرجال، وراجل يرجل الفرسان الأبطال. وازرق زرقة الموت الأحمر، وأنمشى يمشي واليوم أغبر. وأشقر وهو أشقى، وأبقع إذا غوى في الوغى ما ترك ولا أبقى. ودخلوا الحيم العادلية وتجاوزوها، وقد كانت أخليت قبل أن يجتازوها. ووقف الملك العادل بطلبه، وعن يمينه ويساره أمراء الميمنة الذين بقربه، مثل: صارم الدين قاسماز النجمي وعز الدين جرديك النوري وجماعة من المعروفين بالشهامة، الموصوفين بالصرامة. ولبث الملك العادل لبث المخادع المختال، حتى يطلع من العدو على المقاتل. فقادتهم الأطماع إلى الانتشار، وأفضى بهم الاعتزاز إلى الاغترار. فحينئذ بدأ بالحملة ولده الأكبر - شمس الدين مودود، وهو في كل وقعة يحضرها جاد مجدود، فعضده والده، وولده مساعده. وحمل معه العسكر الحاضر، قبل أن يتصل به العساكر. فكسر الفرنج كسرة فرشتهم على الأرض، وذكرت الواقعة العارضة بوقوعهم في النار يوم العرض. وكانوا قد بعدوا أكثر من فرسخ، وأجفلوا ولم يلتفت أخ إلى أخ. وركبت العادلية أكتافهم، وفلوا فيهم أسيافهم. وعقروهم وعرقوهم، وبجوهم. وحكموا في الرقاب الغلاظ كمهم الرقاق، وضربوا ممن اعنقوا إليهم الأعناق. وأشبعوا اللتوت من لحوم الليوث، وبثوا بعوث المنية في تلك البعوث، حتى رتعت في كلأ الكلى صوار الصوارم، وارعد وابرق بصواعق بوائقهم غمام الغماغم. وتعلقت بذوائبهم ذوائب الذوابل، ووصلت بهم إلى النجاح منى المناصل. فلم تترك اللهاذم لها ذماء، وغادرنا شلها بالعراء أشلاء. ورأيناها كأنها أعجاز نخل خاوية، وما أحسن أجسام أهل الهاوية وهي هاوية. فكم جثة بلا رأس، وبنية بلا أساس. ونحر قد نحر، ودم قد أنهر. ويد قد بتت، وكبد قد فتت. وعنق قد قطع، وأنف قد جدع. وودج وجد مفريا، وظهرقد ظهر مبريا. وحلقوم قد حلق، وغلصوم قد فرق. وداوى قد دوى، وبالدم روى. وصليبي كسر صلبه وقلب على صدره قلبه، وحربي أتاه الحرب، وغرب في نبع عينه النبع والغرب. وكان السلطان قد ركب، وخشي أن جانب الميمنة نكب، وسير جماعة من كماة المماليك والأمراء على مقدمته، وانظر الميسرة لتنهض في خدمته. فوصل إلى الوقعة سنقر الحلبي في العصبة العزيزية، وفاز من الغزوة بالحظوة السنية. وجاء علاء الدين ابن صاحب الموصل في أثناء المعركة فعرف بركة سرعة تلك الحركة، لأنه أخذ حظا وافرا، ولقي من النصرة وجها سافرا. وانقضى الحرب ولم يركب بعد من رجال الميسرة أحد، ولم تمتد منها إلى قتال الكفرة يد. ووصل السلطان وشاهد من مساءة

стр. 184

الفرنج ما سره، وعرف لطف الله وبره ونصره. وعاين هنالك مصارع الأعداء، ومشارع البلاء. وكانوا مفروشين في مدى فرسخ على الأرض، وهم في تسعة صفوف من تلال الرمل إلى البحر بالعرض. وكل صف يزيد على ألف قتيل، وشاع القتل من الفرنج في كل قبيل. ولما وصل السلطان رأى عماد الدين وابن زين الدين وأمراء الميسرة قد عزموا على الدخول اليهم والهجوم عليهم. فإنهم ندموا على ترك الإسراع، فراموا أتباعهم ليأخذوا بنصيب الفتك بهم والإيقاع. فصدهم السلطان وردهم، وشكر عزمهم وقصدهم. وأشفق من مضرة تشوب، ومعرة تنوب. فإن الدائرة كانت على العدو، وقد فاز بالنصر الحلو والصفو المرجو. وكانت النوبة لا نائبة، والغزوة بلا شائبة. وقتل منهم زهاء عشرة آلاف ولم يبلغ من استشهد من أتباع العسكر عشرة، فاغتنمها تجارة رابحة وغنيمة ميسرة ولما عرفت بالواقعة؛ والنصرة الجامعة، صدرت ثلاثين أربعين كتابا بالبشارات، بأبلغ المعاني وأبرع العبارات. وقلت إذا نزل السلطان وجد الكتب حاضرة، ولأرى البشائر شائرة. وركبت أنا والقاضي بهاء الدين بن شداد، لمشاهدة ما هناك من أشلاء صرعى وأجساد. فما أعجل ما سلبوا وعروا، وفروا وفروا. وقد بقرت بطونهم، وفقئت عيونهم. ورأينا امرأة مقتولة لكونها مقاتلة، وسمعناها وهي خامدة بالعبرة قائلة. وما زلنا نطوف عليهم ونعبر، ونفكر فيهم ونعتبر؛ حتى ارتدى العشاء بالظلام، فعندنا إلى الخيام. وأخذت الكتب التي نمقتها، وبالبشائر التي حققتها. وجئت وإذا السلطان قد استبطاني، وعدم إجابتي لما دعاني. فما صبر ولا انتظر، ولا ترقبني أن أحضر. ولا أمهل أن أعطي البشارة حقها، وأجلوا بأنوار المعاني أفقها، وأبلغ بالبلاغة مداها، وأسبغ بتقليص الضلالة ثوب هداها. وأصف بحدود الأقلام ما صنعته حدود السيوف، وأروج نقودي عند السلطان وأغنيه عن الزيوف. فأبصرت عنده مشرفي المطابخ والأبيات، ومدوني الجرائد بالإثبات. وقد كتبوا تلك البشارة الثقيلة الجليلة في رقاع خفيفة، بعبارات سخيفة. وقد عطلت الحسناء من حليتها، وعروها من بزتها، وشوهوا جمالها، وأحالوا حالها. فذهب بها المبشرون، وسار القاصدون. فما كان لتلك الوقعة عند من وقف عليها وقع، ولا تم لغليل من رام الاطلاع على حقيقتها نقع. وأرادوا بدمشق قراءتها على المنبر فما استحسنوها، ولو وردتهم بزينة عبارتي وبراعتي زينوها. وفي تلك الحالة التفت السلطان إلى وقال: أكتب بهذه البشارة إلى بغداد، وعجل بها الإنفاذ. فقلت على سبيل العتب: أنتم ما تريدون ما اكتبه، ولا ترغبون فيما أرتبه وأهذبه.

стр. 185

فقال: كأنك كتب البشائر فهاتها، حتى تهدى إلى طرقاتها. فقلت: ما فات فات، وهيهات هيهات وأخرجت له ما بقي من بشارات البلاد التي أنشأتها، بالألفاظ والمعاني التي ابتدعتها وابتدأتها. فسارت فسرت البعيد والقريب، وخصت جدها بالخصب الجديب. وصدحت بأسجاعها المنابر وصحت بسماعها المفاخر. وظهرت بعباراتها العبر، وبهرت بزبرها الزبر. وعمرت بمعانيها المغاني، وعمت مباهجها مناهج الأقاصي والأداني. فما أصحها كسرة، وما أسحتها نصرة، وما أبينها محجة، وما أثبتها حجة، وما أفرجها مسرة، وما أسرها فرجة، وما أبرحها بالكفر صرعة، وما أوضحها للإسلام شرعة. فصل في ذكر حالهم لما عرف الفرنج انفصال جماعة من الأكابر؛ ومفارقة عدة كثيرة من العساكر؛ خرجوا متجاسرين وامتدوا متقاطرين، وانتشروا متغاورين، وأغاروا للواء اللاواء ناشرين. ووصلوا في الميمنة إلى الخيم العادلية فأخليت حتى دخلوها، وتفرقوا فيها بجموعهم وتخللوها. فركبنا اليهم، وحملنا عليهم. وتركناهم صرعى بالعراء، فوضى بالفضاء، فما بكت عليهم الأرض ولا السماء. ورويت السيوف من دمائهم، قبل أن تشبع الوحوش من أشلائهم، وظهرت لنا نعمة الله في بلائهم، وجبى الإسلام بهلاكهم، وضمتهم إشراك الردى برداء إشراكهم. وانجلت المعركة عن أكثر من عشرة آلاف قتيل كافر، وثبت حكم إدالة الإسلام وظهوره بأوضح دليل ظاهر. ولو اتفق خروجهم من مراكزهم بأسرهم، لكنا فرغنا من شغلهم وأخلينا بالنا بتأييد الله من أمرهم. والآن قمع انطفاء جمرتهم؛ وصحة أمزجة العزائم بكسرتهم؛ وتطرق القلة إلى كثرتهم؛ نرجو من الله أن يسهل أمرهم العسير، ويهون خطبهم الخطير. وأن ظهورنا عليهم قطع ظهورهم، وعثور هذه الوقعة بهم حقق عثورهم، والله تعالى يحقق تبارهم ودحورهم. فصل فيه وصلوا إلى الخيم العادلية في الميمنة الميمونة، واشتغلوا باستباحة أحوالها المصونة. فأطلقنا عليهم الأعنة، وشرعنا إلى نحورهم الاسنة، وبعنا النفوس لنتسلم ثمنها الجنة. وفرشناهم على الأرض، وأدينا بإرادائهم بإرائهم بعض الفرض. وانجلت المعركة عن عشرة آلاف قتيل مشرك، وشملتهم المنون فكأنهم جاءوا على موعد مهلك. واروينا من دمائهم ظمأ السيوف، وجعلنا أشلاءهم قرى الوحوش لا الضيوف. وأمن

стр. 186

الإسلام بحمد الله من المخوف. وأدرك الله بأخذ أرواحهم رمق الدين الملهوف. وهذا دليل ظاهر على ركود ريحهم، وخمود مصابيحهم. فصل حملت عساكرنا عليهم، وأحاطت بهم من حواليهم. ورضتهم بالدبابيس واللتوت، وتركتهم صرعى بتلك المروت. وساحت بتلك الساحة دأماء الدماء؛ واكتسى عرى العراء بتلك الأشلاء، وأفضى بذلك الفضاء جمرهم إلى الانطفاء، وأمرهم إلى الانقضاء. ورتعت ثعالب الرماح من كلأ كلاهم في المرعى. وانجلت المعركة عن مهلكة عشرة آلاف (فترى القوم فيها صرعى). وطابت من نتن جيفهم ريح النصر، وحسنت من سماجة مرآهم وجوه الدهر. والآن ألان الله شدة شكتهم، وقط شوك شوكتهم، وهبت نكباء نكبتهم. ونرجو أن يسهل من أمرهم ما تصعب، ويؤلف بصدعهم من الإسلام ما تشعب. فصل وصلوا إلى الخيم العادلية فدخلوها، وتفرقوا فيها بجمعهم وتخللوها. وكان ذلك قبل تكامل ركوب العساكر، وتموج بحارها الزواخر. فحمل الملك العادل ومن هو قريب من الأمراء والمماليك؛ كولدنا الحسام ابن لاجين وصارم الدين قايماز النجمي وبشارة وجرديك. وعطفوا عليهم عطفة صدتهم عن الانعطاف، وصرفتهم عن الانصراف، وثارت آثارهم بواتر البواتر، واحتوت عليهم الضوامر احتواء الضمائر على الأسرار بالحوافر الحوافر. وفضتهم بالفضاء، وعرتهم من كسوة الحياة بالعراء. وتمت نعمة الإسلام ببلائهم، وشفى الدين بدائهم، وكان بقاؤه في فنائهم، ولو لحقت الميسرة لتكمل قطع دابرهم، وأتى القتل على أولهم وآخرهم. وانجلت المعركة من الكفار عن عشرة آلاف قتيل، ملأت كل واد وسدت كل سبيل. وقد ذلت عوتهم، وضعفت قوتهم، وعجزت قدرتهم ولما انقضت هذه الوقعة؛ وتم لناهضين إلينا الرجعة؛ رأيت أحد مماليكي ونصله قد خضب، وعزمه قد رضى بعد ما غضب. فسألته كم قتل؛ وإلى أين وصل؛ فقال: أما أنا فما أبقيت، وخضت البحر وما توقيت. وهذا غلامي قتل تسعة، وشام من عارض نجيعهم نجعة. وكان الذين حملوا، وهزموا وقتلوا وقتلوا أقل من ألف. فقتلوا أضعافا مضاعفة، وعدموا ممن وراءهم مساعدة ومساعفة. وحكى من نوادر هذه الوقعة أن فرنجيا عقر فجثا للصرعة، فعثر به راكب برذون

стр. 187

بغير رفيق ولا عون. فعرقب الفرنجي فرسه بسيف في يده، فنزل بجده مستنا في جدده. وقتل ذلك الفرنجي وروى من دمه الهندي، وحل من وسطه ثمانين دينارا. فانقلب ربحا ما عده خسارا. وامتلأت الأيدي بالأسلاب والاكساب، وحصل من العدد ما لم يكن في الحساب. وبيعت الزرديات - ذوات الأثمان - بالرخص، وزادت أرباح أهل السوق بذلك النقص. وفي يوم الخميس الحادي والعشرين من جمادى الآخرة؛ ورد في عصره نجاب من حلب بعد خمسة ايام، بكتاب يتضمن نجح كل مرام. ويخبر بأن عسكرا مجرا من الكفار؛ خرج للغارة على الأطراف والأقطار فخرج إليه العسكر وأخذ عليه الطريق، وطلب ذلك الجمع في الهزيمة المضيق. فلم يصح لهم رشد في منهاج، ولم ينج منهم ناج. فعضد ذلك الخبر هذا العيان، وقاموا بهوان الكفرة البرهان. وسر الخواص والعوام وخص وعم السرور، وأنارت المطالع وطلع النور. وشرح الفرنج في الخداع؛ والمراسلة في أمر للجانبين عام الانتفاع. وسألوا في الصلح، والخروج من ليل الحرب في السلم إلى الصبح. وأذن لهم السلطان في الخروج، للنظر إلى أولئك الصرعى بتلك المروج. وهي قد تورمت وأنتنت وجافت، وحميت الشمس على جيفها وحافت، وضافتها القشاعم والخوامع وعليها أطافت. فساءهم ما سرنا، ونفرهم ما أقرنا. ذكر ما تجدد للفرنج من الانتعاش بوصول الكندهري بالمال والرياش وما اعتمده السلطان من الاحتياط إشفاقا من التفريط والإفراط وما زال الفرنج في وهن وضعف؛ وتوزع بينهم وخلف، حنى وصل في البحر يقال له هرى؛ وهو عندهم عظيم القدر. فكمل بمن وصل معه نقصهم، وأحيا بعد موت نفوسهم حرصهم. وأفاض عليهم الأموال، وحلى منهم بعد عطلها الأحوال. ورصع بالرجال مراكز من صرع، وقرع السن ندامة على من قلع وقرع، وانفسخ عزمنا عما كان فيه شرع. فقد كان العزم بل الحزم أن نبادرهم على ضعفهم، قبل أن يمدهم البحر يضعفهم. فكان من تقدير الله تأخير ما وجب تقديمه، والتواني فيما تعين تتميمه. ولما وصل هذا الكند وتمكن، وقوى أهل بكل ما أمكن، اظهر إنه يكبس عسكرنا ليلا على غرة، وبدت منه إمارات كل شره وشرة. وشاع هذا الخبر على السنة الجواسيس والمستأمنين، فأحضر السلطان أمراءه وخواصه المؤمنين الميامين. واستشارهم فيما يقدمه من الصواب، ويفتحه في المصالح الراجحة من الأبواب. فأشاروا بايساع الحلقة، وإدارتها كالمنطقة. والتنفيس عن العدو بالتأخر عن قربه، حتى يأنس إلى

стр. 188

الخروج لحربه، فوافقهم السلطان على هذا الرأي وحسن في قلبه، فرحل يوم الاربعاء السابع والعشرين من جمادى الآخرة إلى منزله الأول بالخروبة، واشتغل بالتدبير في الفوز بالنصرة المطلوبة. ونزل العسكر على تلك الهضاب وحوالي سفوحها. واحتوت كل جثة خيمة ممن جل فيها على روحها. ورتب اليزك في المنزلة الأولى كل ألف فارس بالنوبة في يومين، وضويق بأهل الصدق منهم أهل المين. وتدبر الترتيب وترتب التدبير، وعرف في اليزك أوقات نوبته وأوبته الصغير والكبير. وأما عكاء فالكتب مترددة إليها ومنها مع السباح، والحمام إليها ومنها تحم البطاقات على الجناح. والمراكب تدخل إليها وتخرج، واليها وعنها تعوج وتعرج. وأخبار ملك الألمان متواصلة؛ بأن أنصاره له خاذلة؛ وأنه ضعف ووهى، وأنه إلى إنطاكية انتهى. وأنه تعوق هناك، ونوقع من مرامه الإدراك. وتوقف عن المسير، واعتاض التعسير من النسبير. ووقع الفناء في جمعه، وتعجل قمعه قبل أن يصل إلى محل قمعه. وانه قد اشتغل بالإنفاق في رجال الاستجناد والاستجناد، والاحتشاء والاحتشاء. وأن أصحابنا يأسرونهم ويتلفونهم، ويتلقطونهم من الطرقات ويتخطفونهم. ووصل من ملك قسطنطينية كتاب يتضمن استعطافا واستسعافت، ويجمع قطافا ونطاقا وألطافا. ويذكر تمكينه من إقامة الجمعة في جامع المسلمين بقسطنطينية والخطبة، وأنه مستمر على المودة راغب في المحبة. ويعتذر عن عبور الالماني، وانه قد فجع في طريقه بالأماني. وأنه لاقى من الشدة، ونقص العدة؛ ووصل المشقة؛ وقطع الشقة؛ ما أضعفه وتوهده، وألهبه وألهاه. وأنه لا يصل إلى بلادكم فينتفع بنفسه أو ينفع، ويكون مصرعه هناك ولا يرجع. ويمت بما به كاده، وانه بلغ في أذاه اجتهاده. ويطلب سولانا، يدرك به من السلطان سولا. فأجيب في ذلك إلى مراده، ووقع الاعتداد بما ذكره من اعتداده. ذكر حريق المنجنيقات وفي رجب من السنة أنفق الكندهري بعد وصوله؛ ما وصل معه من المال في الرجال، فأعطى عشرة آلاف راجل في يوم واحد ليجدوا معه في القتال. وضايق مدينة عكاء أشد مضايقة، وأخذ القومص والكنود بذلك موافقة. ونصب عليها كل منجنيق، ومن الرمي غير مفيق. رجومه للشهب بالشياطين، ونجوم الحجارة تنقص من أرض الكفر إلى سماء الدين. فهي مجانيق مجانيق، وميادين ثعابين، ومسارح سراحين. فاشتد على أصحابنا بالبلد وقعها، واحتد على صقعهم صقعها. وقالوا:

стр. 189

كيف نجد من مناصبها المناص، وهل نلقى من شؤم خصائلها الخلاص؟. فأجمعوا على الإقدام وأقدموا على الاجتماع، وأخذوا بالارتياء في ترك الارتياع. وخرجوا بالفارس والراجل، وأموا بالحق أمة الباطل. وجاوزوا تلك المجانيق المنصوبة والستائر المضروبة إلى خيامهم، وخلفوها من ورائهم واللقاء من قدامهم. فلما خلت المنجنيقات ممن يحميها، خرج الزراقون من البلد ورموا النار فيها، فاحترق جميعها، وغرق في بحر النار صريعها. وقتل في ذلك اليوم من الفرنج سبعون فارسا في اللقاء، وقطع الواصلون إليهم عليهم طريق البقاء. وأسر منهم خلق كثير، من جملتهم أربعة من المعروفين، فبهم فارس كبير. فما أمهلوه حين أخذوه، حتى قتلوه ونبذوه. فطلبه منهم الفرنج بالأموال، ولم يعرفوا بالحال. فأخرجوه إليهم فتيلا، فأكثر الفرنج عليه بعد التعويل عويلا. فباتوا يندبونه نوحا، ويذيعون سر تقدمه فيهم بوحا. فخمدوا بعد ذلك الضرام، وكدوا بعد هبوب ريح المرام. وضربت عليهم الذلة، وشجتهم عقودهم المنحلة، وعقولهم المعتلة. وطمع فيهم الناس، وعرا طمعهم اليأس. وصارت الخنادق تهجم؛ والستائر نهتك وتضرن؛ والحدود بالمصال تثلم؛ والخدود بالنصال تلثم؛ إلى ليلة شعبان من السنة، فآبت بالحالة الحسنة. فإن أصحابنا خرجوا على غرة، ومضوا إلى القوم بإنكاء مضرة. واحرقوا منجنيقين كبيرين قد نصبا بعد كل استظهار، وانفق على أحدهما كندهري ألفا وخمسمائة دينار. وكانت الليلة الأولى من شعبان مباركة، ونعم الله لنا نقم الله على العدو فيها متداركه. ذكر وصول بطسة بيروت في العشر الأخر من رجب قد تواردت الشكوى من البلد أن الذخيرة قد فنيت، وأن الأفكار باستدعائها عنيت، وأن الأجسام لفقدان قرتها ضنيت. وأبطأ على السلطان وصول البطس المستدعاة من مصر بالغلات، فرأى أن ذلك من تقصير الولاة. وأفكر فيما يعجل به قوة وقوتا، ويجعل له أجلا موقوتا. فكتب إلي وإلى بيروت - عز الدين أسامة - أن يهجر في كل ما به عز الدين السآمة. ويعطى ويتزكى، ويحتال في إنقاذ ميرة إلى عكا. فعمر بطسه كبيرة واعدها، وأجد من عزيمته الماضية فيها جدها. وتولاها بخلق سمح، وملأها بأربعمائة غرارة قمح. ونقل إليها أنواع الطعام، وأصناف الادام، وقطيعا من الأغنام. وهذه بطسة من الفرنج مأخوذة، وهي بساحل بيروت منبوذة. فأمر السلطان بترميمها وتتميمها، وإخفاء البغية منها وتكتيمها. وأزيحت منها العلة، ونقلت إليها الغلة. ملئت بالشحوم واللحوم، وبكل ما تدعو إليه الحاجة من المشروب والمطعوم. وحمل فيها من أحمال النشاب والنفط ما جمع به فيها بين القوة والقوت، ورتبت

стр. 190

فيها رجال مسلمون ونصارى من أهل بيروت. وأرادوا أن تشتبه ببطس العدو في البحر، وألا ينكشف للفرنج ما لها من الستر، فتصوروا رهبانا، وصوروا صلبانا. ومسحوا لحاهم، ومسخوا حلاهم. وتملطوا وتكوفوا، وتشبهوا بهم في كل بزة لئلا يتخوفوا. وشدوا زنانير، واستصحبوا خنازير. وساروا بها في البحر بمراكب الفرنج مختلطين، وإلى محاجثتهم ومجاذبتهم منبسطين. والقوم لجهلهم، لا يشكون أنهم من أهلهم. ونسوا الحادث وأنسوا بالحديث، وتصور الطيب بصورة الخبيث. فلما حاذوا بعل عكاء صوبوها نحوها، والريح تسوقها. والفرنج تدعوهم من مراكبها وتقول ما هذه طريقها، وهي كالسهم النافذ قد سدد فوقها، وقد عقت رفقتها؛ وهي تكاد تعوقها. فدخلت الثغر، وأدخلت إليه كل خير، وعجب الناس منها ومما تم لها من حيلة في سير. واجتزأ البلد بها شهرا، ووجد منها لكل كسر جبرا. فيا لها من لطيفة قضينا منها الأرب، ولم نقض منها العجب. ذكر وصول بطس الغلة من مصر إلى عكاء ظهر يوم الاثنين رابع عشر شعبان كان السلطان قد كتب إلى النواب بالإسكندرية على وجه الاستظهار، بأن يشرعوا في تجهيز البطس الكبار. ويملئوها بالغلات وأصناف الأقوات، ويعمروها بالكماة الحماة الرماة. ويرسلوها عند موافقة الريح إلى الثغر، فإن خلصت إليه ولو واحدة منها أغنته بعد الفقر. وتمادت الأيام على هذا الأمر، واستبعد وصولها مع امتلاء البحر بمراكب الكفر. وكاد اليأس يغلب، والرجاء يضطرب. ووردت كتب أصحابنا بعكاء إنه لا يبقى لنا ليلة نصف شعبان قوت، ولاشك أن كتاب أجلنا إلى هذا الأمد موقوت. فأشفقت النفوس، واستشعر البوس. وألمت القلوب، وألمت الكروب. ولجأنا إلى الله الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ولا يخيب من رجاه، ولا يضيع من استرعاه. فلما كان ظهر يوم الاثنين رابع عشر شعبان، ظهرت من أقصى اللجة ثلاث بطس كأنهن الاعلام، واستبشر بظهورها الإسلام، وقد زفت عرائس جواريها الحسان، وخفت رواسي سواريها الثقال، وذكرت بقوله تعالى (وهي تجري بهم في موج كالجبال). والريح تطردها طرد النعام، والماء يرسلها على رغم أهل النار الذين هم أضل من الأنعام. فما تراءت حتى استقبلتها مراكب الفرنج وشوانيها، وأحاطت بها تقاتلها من أقاصيها وأدانيها. وهي تشق عليها وتشقها، وتعوقها عنها وتعثها، حتى برت منها لبر الإيمان. وهزأت بتلك الأكمات المطيفة بها جبالها الرعان. وعبرت

стр. 191

والكفر خزيان ينظر، ونهضت بالعز والعدو في ذيل الذل يعثر. ووصلت الثلاث وهي سالمة، والمثلثة راغمة، والموحدة غانمة. وقد فرج الله بها غمة الثغر، ودفع ما ألم به من الضر. وحمدنا الله على الموهبة التي أدركت الارماق، وأدرت الأرزاق. وتلافت الأرواح من التلف، وحملت على النفوس المشفية مشاق الكلف. فصل من كتاب إلى سيف الإسلام في هذا المعنى كان كتب إلينا أصحابنا بعكاء أننا حسبنا؛ والى ليلة نصف شعبان لا يبقى لنا شيء نقتاته؛ وبقاؤها ببقاء القوت وفواتنا فواته. فبينا نحن في هذا المهم مفكرون؛ ومن هذا الهم متنكرون، إذا ظهرت للعيون بالقرة، وللقلوب بالقرار والمسرة، ثلاث بطس على ثبج البحر مستقرة. يبعثها لطف الله بعثا، وتحثها الريح القوية حثا. كأنها جبال بإقبالها تروع، وتسور أجنحتها القلوع. وشعر الفرنج بها فضاقت مذاهبها، وبرزت مراكبها، ودبت عقاريها. وقربت من البطس شوانيها، وقويت في البطش أمانيها. وحمى ما فيها من فيها من الرجال، (وهي تجري بهم في موج كالجبال). وكأن جواريها عرائس يزففن بما لهن من الجهاز، وكأن البحر المتموج ثوب بتلك الأعلام المنشئات معلم الطراز، بل كأنها تجار تحمل الصدقات إلى ذوي الاعواز. فجاءت فجأة متسقة موسقة، وأتى الآتي بها موافقة موفقة. فلم يقدر على مقاربتها ومقارنتها شبني شانئ، وكانت كلاءة الله وعصمته لها خيرا من كل كالئ. وجازت والكفر خزيان ينظر، وفازت بالعز والعدو بذيل الذل يعثر. وكان وصولها أوان انفضاض الازواد وإنفادها، فملأت المدينة بغلاتها وأزوادها، وعصمت أرماقها، ودسمت أمراقها، وقسمت أرزاقها، واشبعت جوعها، وشعبت صدوعها، وأنالت آرابها، وأزالت أجدابها، وخصتها بخصبها، وصحت لها بسحبها. فأفاقت من الفاقة وأفرقت من الفرق، وسكنت بعد القلق، وعاد إليها بعد الغسق أسفار الفلق. والحمد الله المغنى بعد الإعدام، المدني السني بعد الاطلام، المفنى بأوليائه أعداء السلام. ذكر عيسى العوام وما تم عليه في العشر الآخر من رجب وكان رجل يعرف بعيسى العوام؛ قد تردد بالكتب والنفقات؛ إلى عكاء ومنها في ذلك العام. وكان ناصحا أمينا، بحفظ الأسرار ضمينا، يسبح ليلا في البحر، ويعبر على مراكب أهل الكفر، ويصل بما معه إلى الثغر. ولكم خاطر بنفسه فسلم، واعتورته أسباب المتالف والآلام فما ألم. واتفق إنه عام ذات ليلة غير مكترث بما في طريقه من أخطار، وعلى وسطه ثلاثة أكياس فيها ألفا دينار. ومعه من نفقات الأجناد ودائع،

стр. 192

ومحقرات بضائع. فعدم ولم يتسمع له خبر، ولم يظهر له أثر. فظنت به الظنون، وما تيقنت المنون. وكانت له ولا شك عند الله منزلة، فلم يرد أن تبقى حاله وهي مجملة محتملة. فوجد في مينا عكاء ميتا قد رماه البحر إلى ساحلها، وأذهب حق اليقين من الظنون بباطلها. وبرأه الله مما قالوا. وأحال الذي عليه أحالوا. فقد وجدت على وسطه تلك الأكياس، وتعجب من حاله الناس. فلم يذهب بذهابه الذهب الذي صحبه، وطهره الله من الرجس وعنه أذهبه. ذكر وصول ولد ملك الألمان الذي قام مقام أبيه إلى الفرنج بعكاء ذكرنا حديث الألماني وملم حادثه، وما أداه إليه من دواعي كفره وبواعثه، وكان مسيره من إنطاكية يوم الأربعاء خامس عشري رجب، ولقي في طريقه على اللاذقية الشجى والشجن والشجب. وأذن ضعف خيلهم، بضعف ويلهم. ووجدت لهم ما بين اللاذقية وجبلة ستون سبعون فرسا قد عطبت، وعلى أعواد عظامها سود الغرابيب خطبت. وقد استقبله المركيس، وقصده التأنيس. وأن يهديه بضلاله إلى الطريق التي تؤمن طوارقها، ويتسع عليه فيها مجال الأمن وإن سلكت مضايقها. فوصل به إلى طرابلس في الشعر الأول من شعبان، ووصل خبر وصولهم في سادسه إلى السلطان. وحزرهم من شاهدهم في الطريق بخمسة عشر الفا، وسمعنا في حزرهم بالقليل والكثير خلفا. ثم انتقل في البحر، إلى عكاء في موضع الحصر. ووصل آخر النهار سادس شهر رمضان، بعد أن عاين في البحر من اختلاف الهواء الهوان. فلم يبق له وقع، ولم يحصل لخرق القوم به رقع. وأقام بين جنودهم، كأحد كنودهم. وقال الفرنج: ليته لم يصل إلينا، ولم يقدم علينا. فإنه لو أقام في موضعه، وامجنا بفيضه من منبعه، لهيبت عظمته، وعظمت هيبته. وأرعب روعه، وراع رعبه، ورجى منا وخشي من المسلمين قربه. وقد قطع بنا منذ وصل، وحص لنا جناح نحاج حصل. ووصل في البحر وحده، ولم يستصحب جنده. ثم وصل إليه الأصحاب، (وتقطعت بهم الأسباب). ثم رام أن يظهر لمجيئه وقعا، ويبدى له نفعا، ويثير بنقع غلة ناره نقعا. فقال: إلام القعود عن القوم، وما بقي إلا النهوض إليهم من اليوم، وإني على الخروج إليهم لأدفعهم. فقالوا له: أنت ما أرثت وهج قتالهم، ولا أثرت نهج نصالهم، ولا حربت بحربهم، ولا كربت بكربهم، ولو حزبت بحزبهم، لأصحب جماحك صحبهم. فأبى ونبا، وشب الشبا. فلما عرفوا جهله، وإن صعب الأمر عنده ساوى سهله، قالوا له: نبتدئ بالخروج إلى اليزك، فلعلنا نوقعهم عند الإحاطة بهم في الشرك. فدبوا في راجل كرجل الدبى، وخيل أغصت الوهاد والربا. ومرجوا في المرج، وطووا تلك المدارج على

стр. 193

الدرج، وأشعلوا الخرصان في ليل النقع عوض السرج. وقربوا من تل العياضية، وعليه خيم اليزكية، والنوبة فيها للحلقة المنصورة الناصرية، والعصبة الموصلية. فلما بصرت بهم ثارت إليهم، ودارت عليهم. وأنهضت بنات الحنايا من خدودهم إلى الخدور، وأوردت ظماء منهم ماء التامور. وأنبعت بالنبع من عيونهم العيون. واستخرجت بالضرب من أعناقهم الديون. وطيرت بإطارة السهام إلى الإحداق بهم الإحداق، وخاطت الآماق وما أخطأت الارماق. وصار كل سهم شهم، وخطر في محل خاطر أسرع من وهم. وركب السلطان من خيمته وتقدم إلى تل كيسان، ووقف ينهض بعد الفرسان الفرسان، فلم تزل وجوه البيض تحمر، وثنايا السمر تفتر، وذيول النقع تنجر، وصفحات الجو تغبر، وأرجاء رجاء النصر تخضر، إلى أن جن الظلام، وكف الكفر وسلم الإسلام. وكانت الدائرة على الكفرة، فاعرضت بالوجوه المتنكرة، وابنا بالأنوار المسفرة. ومر الألماني متألما، ومن ظلمة حاله متظلما، وبكلوم قلبه متقلبا متكلما. وقد عاين ما عاناه من العناء، وشق عليه ما شق مرائره من الشقاء، وبلى مما بلى به من البلاء. وعلم ما جهله، واستصعب ما استسهله وذاق ما ضاق به ذرعه، وكاد يتم في القتلى رصعه لو تم صرعه، لكنه تجزع من الغصص ما سهل عليه الموت جرعه. وتاب وما ثاب، وأبى الرجوع إلى اللقاء لما آب. وحينئذ جدوا في قتال البلد وحصاره، واتباع ليل الجد فيه بنهاره. ذكر برج الذبان وعند ميناء عكاء في البحر برج يعرف ببرج الذبان، وهو في حراسة المينا عظيم الشان. وهو منفرد عن البلد، محمي بالرجال والعدد. وقصد الفرنج حصاره قبل مجيء ملك الالمان، في الثاني والعشرين من شعبان. ببطس كبار جهزوها، ومراكب عظام وآلات أبرزوها. ومكر مكروه، ودبر دبروه. وبغى غي بلغوا غاياته، وريب رأى رفعوا راياته. وشر شرك ألهبوا شراره، وأيد كيد أرهفوا غراره. وعنان عناد أطلقوه، ولسان ضرام أذاقوه. ويد بطش بسطوها، وعقلة معالقة أنشطوها. وأحد تلك المراكب قد ركب برج على رأس صاريه، لا يطاوله طود ولا يباريه. وقد حشي حشاه بالنفط والحطب، وضيق عطنه لسعة العطب. حتى إذا قرب من برج الذبان والتصق بشرافاته، أعدى إليه بآفاته. ورميت فيه نار فاحترق، واحترق من الستائر والأخشاب ما به التصق، واستولت النار على مواقف المقاتلة فتباعدوا عنها، ولم يقربوا منها. فسهل عليهم فيه التسلق، ولم يصعب به التعلق. وملئوا بطسة أخرى بأحطاب، يسري فيها

стр. 194

النفط ويسرع بإلهاب. حتى يوقدوها، وعلى السفن التي لنا بالمينا يوردوها. فيعدى عدوانها، وتنير وتسدى فيها نيرانها. وهم في مراكب من ورائها للحرب مستعدون، وللشر مستمدون. حتى إذا تم برجائهم في البرج والمينا مناهم، نالوا من الاستيلاء والاستعلاء غناهم. فلما قدموا البطسة ذات البرج المعمور، وصار الصاري ملاصق السور، جاء الأمر بعكس ما قدروه، وأخفق ظنهم للأدبار فيما دبروه. فإن الهواء كان شرقيا، فلم تجد نارهم في مطار برج الذبان رقيا. بل اشتعل برج الصاري وتراجعت ناره إلى أهلها، وعاملت ذوى الجهل بجهلها، وأوقدت بطسة الحطب من ورائها، وتطايرت إليها شعل إذكائها. وعادت على الفرنج فالتهبوا، وحمى عليهم الحديد فاضطرموا واضطربوا. فانقلبت بهم السفينة فاحترفوا وغرقوا، والناجون منهم فارقوا وفرقوا. وأحمى برج الذبان فلم يطر من بعدها عليه ذباب، ولم يفتح للعدو في الكيد له باب. فصل مشبع في المعنى من حصار برج الذبان مرة بعد أخرى من كتاب إلى سيف الإسلام باليمن وأفكر الإفرنج في أمرهم، وأجالوا قداح الرأي في مكر مكرهم. هذا البرج المعروف ببرج الذبان، منفرد عن البلد بوسط البحر منقطع المكان، فإذا أخذناه تسلطنا على مراكبهم التي في المينا، وإذا لم نؤثر بمجيئنا تأثيرا فلأي سبب جينا ومن حديث هذا البرج إنه يحيط بالبحر من جوانبه، وهو قفل مينا الثغر على مراكبه. وقد رفعناه وأعليناه، وبالعدد والرجال قويناه. وبالجرخية والرماة والزراقين والمنجنيقية ملأناه، وبكلاءة الله وعصمته إياه عصمناه وكأناه. وقد حاموا حوله حولا، فلم يجدوا على نيل غرض منه قدره ولا حولا. فعمدوا إلى أكبر بطسة وانخذوا فيها مصقالا كأنه سلم، وهو في مقدمها مركب مقدم. وقد جعلوها بحيث إذا قربت إلى البرج ركب رأس السلم على شراريفه، فصعد الرجال إليه في تجاويفه. وتعبوا في ذلك أياما، وأشبعوه توثيقا وإحكاما. وهو بمرأى من الأصحاب ينظرونه وينتظرونه ويبصرونه، ويستنجدون الله عليه ويستنصرونه. والقوم قد أصبحوا بتلك البطسة زاحفين، وعلى ذلك السلم بعددهم واقفين. حتى إذا التصق بالبرج التصقت به قوارير النفط، وتوالت أمطار البلايا من الجروخ والحجارات والمنجنيقات على أولئك الرهط. ووجدت النار بسطة ولم يسلم السلم، وناب القوم من فجيعتهم بها المصاب الذي ألم بهم وآلم. وقتل منهم من باشر القتال، ونزل العذاب بمن حاول النزال. والحمد لله الذي آيات ظهور دينه متناصرة، ودلائل نصر أوليائه متظاهرة.

стр. 195

ثم عمل الفرنج برجا عاليا في اكبر مركب، وحشوه بالحطب. وعملوا على رأس صاريه مكانا يقعد فيه الزراق، ويتأتى له فيه الإحراق. وقدموه إلى برج الذبان، وسلطوا على جانبيه النيران. وقصدهم بذلك إحراق ستائر أبراج المنصور، ورأوا أن في ذلك هدم بنيانه المعمور. وحسبوا أن الستائر إذا وقت فيها النار، تعذر على رجاله القرار، تعذر على رجاله القرار، وتعجل منهم للحذار الفرار. وكادت الستائر تشمل، والخواطر تشتغل، والحال تضرب، والبال يلتهب. والقلوب تضطرم والكروب تحتدم. فأهب الله من مهب لطفه نكباء نكبت النار عن البرج المحروس، وأكبت الفرنج على الوجوه والرءوس. وتعس جدهم وتعكس قصدهم. وانقلبت الريح التي لهم عليهم، وصوبت مراني العذاب إليهم. فصل في المعنى ولما وقم الله القوم، قالوا لا طاقة لنا اليوم. وعادوا وقد غرموا ورغموا، واخلف ما عزموا وزعموا. واشتغلوا بملْ بطس لهم شحوما وأحطابا، وأدهانا وأخشابا. وأشعلوا فيها النار وألهبوها، وأرسلوها إلى مراكبنا في يوم ريح عاصف وصوبوها، وأدنوها منها وقربوها. وكادت سفننا تحترق، ومراكبنا تفترق. فأنزل الله الفرج وقت الشدة، وآمن من المخافة المحتدمة المحتدة. وانقلبت الريح عليهم وعادت مخالفة لهم بعد أن كانت موافقة، وحالة تلك الحالة للعادة خارقة. فاحترقوا بنارهم، وشرقوا بعارهم. وجذبت بطس أولئك الكلاب بالكلاليب، وتوالت ألطاف الله في تلك النوب المتناسقة مطردة الأنابيب، مستهلة الشآبيب. ذكر الكبش وحريقه بعد تعب العدو في أحكامه وتسوية طريقه واستأنف الفرنج عمل دبابه هائلة، وآلة للغوائل غائلة. في رأسها شكل عظيم يقال له الكبش، وله قرنان في طول رمحين كالعمودين الغليظين، أقفال الأسوار المعلقة بها نفش. فكم سور إذا نطحته طحنته، وكم معقل حصنه الدهر حصته وصحنته. وهذه الدبابة في هيئة الخربشت الكبير. وقد سقفوها مع كبشها بأعمدة الحديد، وكملوا لها أسباب الأحكام الشديد. ولبسوا رأسي الكبش بعد الحديد بالنحاس، وكسوها حذرا عليها من النار سائر البأس. فلم يبق للنار إليها سبيل، ولا للهعب عليها دليل. وشحنوها بكماة المصاع، وحماة القراع. ورماة الحدق، وكساة الحلق. وعفاة الحتف، وجفاة الزحف ومجتابي الزغف، ومجتبي العسف. من كل سرحان لا ينظر إلا من جلد أرقم، وكل شيطان لا يقتحم من الحرب إلا جهنم. وكل

стр. 196

شجاع لا يعتقل الا شجاعا، ولا يرى لغير النجيع القاني ولا انتجاعا. فلما استدفت لهم هذه الدبابة، وماجت بالحديد لدتها العبابة، وأطافت بذلك الكبش تلك التيوس النبابة وآمنوا عليها الحريق، وأموا بها الطريق، سووا بين يديها الأرض، ومهدوا الطول منها والعرض. وصحبوها حتى سحبوها، وقروا بها أعينا بل أنفسا وقربوها. فجاءت صورة يزعج مرآها، وروضة يعجز مرعاها، وآلة تروق هيئتها، وعدة تروع هيبتها. وبلى البلد من دنوها بالبلاء الداني، وتغاشت وتعاشت دونها نفس الرامي وعين الراني. وقال أصحابنا: هذه ما في دفع خطرها حيلة، ولا لبارق الظفر بها مخيلة. فكيف العمل، وفيم الأمل؟ ومن للكبش العظيم وقطع رأسه؟ ومن لبناء الحديد ونقص أساسه؟ فإن كانت هذه الدبابة الأرض فما هذا أوانها، وما حان زمانها. ولقد قامت بها قيامة الحشر فقام برهانها. ونصبوا على صوبها مجانيق، ورموا بالحجارات الثقيلة ذلك النيق. فأبعدت رجالها من حواليها، وطردت المطرقين بين يديها. ثم رموها للحزم بحزم الحطب حتى طموا ما بين القرنين بجزره، وقذفوها بالنار فترنم في أثنائها عجا اللهب برجزه. ودخلت من باب الدبابة فاشتعلت نار ضلوعها وشرع من فيها في الخروج بعد دخولها وشروعها. وجاء الفرنج تلك الليلة فباتوا بالبتيات، يطفئون بالخل والخمر تلك الشعل المستوليات. فأطفئوا نار الظاهر ولم يعلموا بر الباطن، ولم يحسوا بما تمكن من أضلاعها من الحرق الكوامن. وحين أخمدوا الجمر، احمدوا الأمر. ورجعوا ولم يزل اللهب يأكل سقوفها، حتى ترك على ما غطى الخشب من الحديد وقوفها. وحينئذ خسفها المنجنيق، فانهد ذلك النيق، وصوح ذلك الروض الأنيق، ووهن ذلك التركيب الوثيق. ونفقت تلك الدابة واحترقت تلك الدبابة، وخرج من بالعثر المحروس، باشري الوجوه طيبي النفوس. وقطعوا رأس الكبش، واستخرجوا ما تحت الرماد من العدد بالنبش. وحمل كل من الحديد ما أطاق حمله، واستطاب لثلج صدره وبرد يقينه خره واستخف ثقله. وقدر ما نهب من الحديد بمائة قنطار، فقل في آلة لبست بهذا المقدار وهو أعظم مقدار. وعاد أصحابنا على عدوهم ظاهرين، ولحزب الكفر قاهرين. وكلهم ينشد وهو ينشئ وينشد جدا وجدا. نازلت كبشهم ولم ... أر من نزال الكبش بدا وقنط الكافر وكفر القانط، وسخط الشيطان واستشاط الساخط. وعلم الفرنج حين حبطت أعمالهم؛ وهبطت آمالهم؛ أن الشقاء أدركهم؛ والشقاق أهلكهم. وأن مدبرهم مدبر، وأن ترتيبهم مدمر. وأن آلاتهم غير نافعة، وأن نهلاتهم غير ناقعة. والحمد الله ذي الطول العميم، والفضل الجسيم. الذي نعش عثار الثغر بعد أن تل للجبين فتلونا قوله تعالى: (وفديناه بذبح عظيم). وكان ذلك في يوم الاثنين الثالث عشر رمضان واحترقت البطسة يوم الأربعاء خامس عشر.

стр. 197

وفي هذا اليوم وهو يوم الاثنين قدمت عساكر الشمال، يقدمهم ذو القبول والإقبال وهو الملك الظاهر صاحب حلب، وقد استصحب معه الأجناد وجلب. فجاء عشية وجدد بلقاء والده عهده، ثم عاد وعاد بكرة الثلاثاء يقدم جنده. ومعه سابق الدين عثمان صاحب شيرز، وقد استكثر معه واستظهر، وعز الدين بن المقدم ذو القدر الافخم، والنجر الأكرم. وحسام الدين حسين باريك، وجماعة من الأمراء من ذوي المكانة والبسالة والغناء. وقدم الملك الأمجد مجد الدين بهرا مشاه بن فرخشاه بن شاهنشاه ابن أيوب صاحب بعلبك، وقد استصحب غلمانه الاكاديش ومماليكه الترك. وكان لذلك اليوم روتق، وصفاء لم يشبه رنق. واتفق في يوم الاثنين هذا من العدو على البلد الزحف الشديد، في الخلق العظيم، جحيمين يلتهبون بنار الجحيم. وتركتهم أصحابنا حتى قربوا من السور. وأقدم العدو إقدام المتهور الجسور. فلما ازدحموا وكثؤوا؛ واضطرموا واستعروا؛ غنت لهم الأوتار برنين القسي فطاشت لها السهام، ودعت إليهم الأقدار بجنين الحنايا فلباها في لباتهم الحمام. وزارتهم من الزيارات الجروخ، وأخذت نيرانهم تبوخ. ورشتهم المجانيق بالأحجار، وآذنت عيون نجيعهم بالانفجار. وخرج أصحابنا عليهم فشلوهم إلى الخيام، وفلوهم بحد الإقدام. وأفضى الخرق إلى الخرق، وأخلقت بجدة جدنا جدة أولئك الخلق. ذكر حوادث تجددت ومتجددات حدثت وصل الخبر في سادس عشر رمضان من حلب أن صاحب إنطاكية أغار على غرة بشره وبشرة، ووصل الجاسوس بخبره، وبما البلاد مشرفة عليه من خطره. فرتب أصحابنا له كمينا، ثم خرجوا عليه شمالا ويمينا. فقتلوا اكثر رجاله، وأفلت وباله في وباله. وإنهاض من تلك النهضة، وضعف من تلك العضة. وفي هذا التاريخ ألقت الريح إلى ساحل الزيب بطستين خرجتا من عكاء بجماعة من الرجال والصبيان والنساء للتغريب. وفيها امرأة محتشمة، غنية محترمة. فأخذتا وأخذوا وأخذت، وجد الفرنج في استنفاذها فما استنقذت. وسرنا ما ساء العدو، وآتانا الله من إحسانه المرجو. وفي عشية الاثنين تاسع عشر رمضان رحلنا إلى منزل يعرف بشفرعم، وخص بهذا الرحيل النفع وعم. وكان سبب ذلك إنه كثر المستأمنون إلينا من الفرنج، وأخبروا أنهم في عزم الخروج إلى المرج. هائجين للثار ثائرين إلى الهيجاء، مائجين من دأماء الدماء لحب اللقاء. وصح هذا الخبر وصدق، ووضح الحق وتحقق. فأحضر السلطان الأمراء الأكارم؛ ورجال الحقائق الضراغم؛ الذين هم له أعوان صدق لساعات أيامه،

стр. 198

وذخائر نصر عند اعتزامه. فاستشارهم واستثار كوامن سرائرهم، واستنبط دفائن ضمائرهم. واستكشف منهم الصواب، وتعرف من جانبهم الجواب. فقالوا الصواب أن يفسح لهم عن هذه المروج، حتى يكون دخولهم إليها يوم الخروج. فنصبحهم في اليوم الآخر، ولا يتعذر بهم إحداق العساكر. وإنما لا يقدرون على القصد دفعة واحدة؛ إلا إذا كانت أيديهم متساعدة، وآراؤهم متعاقدة. فإن انفردوا عن الراجل وساقوا؛ كسرناهم وأسرناهم. وإن توقفوا للراجل، قصدناهم حيث نزلوا ولقيناهم وصددناهم. وأجمعنا على أن نرحل إلى شفرعم ونخيم على هضابه، ونبطل على العدو ما كان من البيات في حسابه. فخيمنا هناك على أحسن تعبية، وسنينا أسباب اللقاء أتم تسنية. ورحبت المنازل، وعذبت المناهل، وعادت معالم تلك المجاهل. وحللنا التلاع والآكام، وركزنا بتلك الأعلام الأعلام. ونزلنا لمقام الشتاء مستعدين، ولأسباب التوقي من الأمطار مستجدين. وأضحينا على تلك الاطواد موطدين، وعند تلك الأوتاد موتدين. وتسمنت تلك الفروع وفرعت تلك الأسمنة، وتمكنت تلك البنى وبنيت تلك الأمكنة. وتحركت تلك الجبال بسكانها، وأحبت الرجال التوطن بها وسلت عن أوطانها. ودارت الأسواق، ودرت الأرزاق، وأنارت الآفاق. وصهلت الصلادم على معالفها، وصقلت اللهاذم لمراعفها. ونوب اليزك بحالها تدور وترود، وتعيج رسم الحفظ والحماية وتعود. والحرب تتناوب، والزحف يتعاقب. والأقران تتواقع والوقائع تتقارن، والأعوان تتعاضد والاعضاد تتعاون. والعتاق بصهيلها لحب الطراد تحمحم، والرقاق بصهيلها لشوق الجماجم تجمجم. والمقربات للأجراء صوافن، والضوامر للشد ضوامن. ومنى المناصل صلة القطع، ورجاء الرجال نبع النصر في قرع النبع بالنبع. والتوحيد للتثليث منازل، والإيمان للكفر مقاتل. وى كلام إلا للكلام، ولا سلام إلا بالسلام. فلا يسمع إلا: أسرج وألجم، وتقدم وأقدم، وأصم وصمم، وأضر وأضرم. ولا تله حتى تلهب، ولا تعج حتى تعجب. واقطع وصل، واكتل بصاع المصاع وكل، ولا تقلق والق وقلقل. ولكل داع إجابة، ولكل ساع إصابة. ولكل في المرمى فوق، ولكل شهم في المرام سوق. ولكل صعدة في الطعان صدعة، ولكل قعدة للرماء قدعة. ولكل عقدة بالضرب حل، ولكل عقدة في الحرب فل. ولكل عضب عض، ولكل ذي حظ حض. ومن له نصيب في الشجاعة نصب في التشجيع، ومن له جرأة الهيجاء هاج إلى الصريخ بالجسد السريع. والأيام منا على هذه الحالة مندرجة، ومياه الحديد بامواه الوريد ممتزجة، والفرج منتظر والنواظر متفرجة، وتباشير صباح الصفاح في دياجير القتام متبلجة. ولله نعمة في كل بلية، وسر في كل قضية.

стр. 199

ذكر وفاة زين الدين صاحب إربل في ليلة الثلاثاء ثامن عشري شهر رمضان وما جرى بعده من الحال قد جرى ذكر هذا الأمير، وما يتحلى من الكرم والخير. وهو (يوسف نيالتكين بن علي كوجك). ومن سعادة جده ما طلب غاية في الكرم إلا أدرك. وما كان أسره يوم الحضور، وأحظره يوم وفاته السرور. فلقد كان جارا للكتائب، بارا بالأباعد والأقارب. سارا بإسداء المواهب، دارا بأخلاف الرغائب، مارا في سبل المناقب، قارا على قلق النوائب. وكان في ريعانه الرائع، وشعاعه الشائع. وشبابه الطرى طرير الشبا، وحبه لعقد السؤدد معقود الحبا. فمرضت الأيام بمرضه أياما، وتلهبت القلوب منا للتلهف عليه وقد أمست مراضا ضراما. وعدته بطبيب السلطان فلم يأنس به، ولم يسكن إلى طبه. لما كان يعلم من منافسة أخيه مظفر الدين في موضعه، وأنه بنتعش بمصرعه. فاكتفى بصاحب له يطبه، يوافقه على ما يحبه. وهو جاهل بمزاجه، ذاهل عن علاجه. فشب الحمام في حمى شبابه ناره، وأذوى غصنه قلنا ما أزهى أزهاره، وما أنضر نضاره! ونقله الله من جانب الحياة إلى حياة الجنان، وعجل به ليجازيه لإحسانه بالإحسان. وحوله من بين الأتراب إلى التراب، ومن دار الاغترار والاغتراب إلى موطن الثواء بالثواب، وآذن الزمان بعد الأجداد بإجداب. ولزمه أخوه مظفر الدين حتى فارقه، وما ظهر عليه الغم حتى قيل إنه سره موته ووافقه. وقصدناه معزين على ظن إنه جلس للعزاء، فإذا هو في مثل يوم الهناء. وهو في خيمة ضربها في مخيم أخيه، واحتاج على جميع ما يحويه. ووكل بالأمراء أصحاب القلاع ليسلموها، وخشي أن يعصوا فيها إذا رجعوا إليها ويحموها. وخدم بخمسين ألف دينار حتى أخذ إربل وبلادها، ونزل عن حران والرها وسمسياط والبلاد التي معه وأعادها. وزاده السلطان شهرزور وأحكم بمسيره الأسباب والأمور. فاستمهل إلى حين وصول الملك المظفر تقي الدين لينزل في منزلته بجنده وصحبه الميامين. فوصل يوم الأحد ثالث شوال، فحلى بعد العطل الأحوال. وكان قد أنفصل صاحب الجزيرة - معز الدين سنجرشاه - وذهب مغاضبا وكان السلطان له في الانفصال عاتبا. فأعاده تقي الدين من الطريق، وقبح له ما استحسنه في ترك الموافقة من عدم التوفيق. وكان هذا سنجرشاه دخل يوم العيد بكرة للهناء، فاستأذنه في الانكفاء. فخرج على حالته وسار وتبعه أصحابه، ولج جماحه وتعذر أصحابه. فلما اجتمع به تقي الدين رده، وبذل في صيانة منزلته عند السلطان جهده. وطال على الملك عماد الدين صاحب سنجار المقام. وجد في الاستئذان في الرحيل منه الاهتمام في الرحيل منه الاهتمام، وصدق الاعتزام. وتقرر ملاله، وتكرر سؤاله. فكتب إليه السلطان.

стр. 200

من ضاع مثلى من يديه ... فليت شعري ما استفادا فلما قرأ هذا البيت ما راح في الخطاب ولا غادي. وغلت الأسعار عند الفرنج واستعرت الغلل، وأعلهم ما عراهم وعرتهم العلل. وباءوا بالوباء، وبلوا من البلاء، وغلوا من الغلاء، وتضوروا من الضراء، وشق مرائرهم استمرار الشقاء. وعمت المجاعة الجماعة، وعدموا الطاعة والاستطاعة. وزاد جوعهم، وزاد جوعهم، وزال هجوعهم، وقصرت عن القرار بوعهم، وامحلت ربوعهم، واستحال رتوعهم. واستحال رتوعهم. وبعثهم الرهب على الهرب، والقحط على الشحط. لكنهم أقاموا على الموت، واستناموا إلى الفوت. وبلوا بأمور صعبة، وهرب إلينا منهم عصبة بعد عصبة. وقد بادوا من الضعف البادي، واعداهم الضر العادي. فمن سألناه عن مقتضى فراره؛ ومقض قراره، يخبر إنه طواه الطوى، فنوى النوى حين التوى، من حذر التوى. وقد أنساه المحل الذحل، وأبغض إليه حب السلامة الولد والأهل. وكانت الغرارة من الغلة قد بلغت أكثر من مائة دينار، والسعر من الزيادة لديهم في استعار. فما جاء الأكل ضعيف لا يقوى على النزاع والنزال، ولا مسكه لاعتلاق رمقه من الاعتلال. فقبلناهم وأنفقنا فيهم، وألفناهم بما يكف ضررهم ويكفيهم. فتقوتوا وتقووا، واثروا بعد ما أقووا. فمنهم من أسلم وخدم، ومنهم من ند وتندم. ومنهم من غدا بجريرة وعاد، ومنهم من ناصح فاستاد. ذكر نوبة رأس الماء وخروجهم بعزم اللقاء ولما ضاق بالقوم ذرعهم؛ وأشرقهم جرعهم؛ وعرقهم قرعهم؛ وأخلفهم خلف عيشهم، وضرهم ضرعهم؛ وعيل صبرهم؛ وعال ضرهم قالوا: نخرج ونبلى، ونصل ونصلي. ونقصد ونصدق؛ ونلقى ونقلق؛ ونفل ونفلق. ونعز ونعزم، ونهز ونهزم. ونجري ونجتري، ونبري ونبتري ونزحف ونحفز، ونزعج ونعجز. ونجهد ونجهل، ونحمي ونحمل، ونقطع ونوصل. ونثور ونثير، وندور وندير. وننتصف وننصف، ونعفر ونرعف. ونقرح ونحرق، ونعقر ونعرق. ونخرج ونحرج، ونلج ونلجج. ونضري ونضرب، ونغلي ونغلب. ونحن ونجني، وننيف ونفني. ونرد ونردي، ونقد ونقدم، ونعدو ونعدم. ونصد ونصدع، ونقد ونقدع، ونجد ونجدع، ونصر ونصرع ونسل ونسلب، ونرعب. ونبدو ونبيد. ونتصدى ونصيد. ونظهر ونظفر، ونرهق ونقهر، ونقسو ونقسر، ونسكر ونكسر. فخرجوا في عدد خارج عن العدا؛ واستقاموا مع الاعوجاج على جدد الجد؛ وذلك يوم الاثنين حادي عشر شوال، بعد أن رتبوا على البلد من لازم القتال. وأخذوا معهم عليق أربعة أيام وزادها، واستصحبوا أنجاب الكريهة وأنجادها. وكان اليزك على

стр. 201

تل العياضة فركبوا، وأشعلوا القوم بنيران النصال وألهبوا. فنزل العدو تلك الليلة على آبار كنا حفرناها عند نزولنا هناك، والحمية الحامية المنبعثة على تلك البعوث ما تركت الأتراك. فباتوا حول القوم يرمون ويدمون، ويشوون ويصمون. ولما اتصل خبرهم بالسلطان رحل الثقل إلى ناحية القيمون، وثبت الله القلوب على الأمن والسكون. وبقى الناس على خيلهم جرائد، وقد استعذبوا من مر الكريهة الموارد. وركب العدو يوم الثلاثاء سائرا، وقد عب عبابه زاخرا، وهب غابه زائرا. وطما بحره مائجا، وسما جمره مارجا. وعساكرنا في أحسن تعبية، ولدعاء القراع في أوحى تلبية. وقد امتزجت زجرات الجاووش! بنعرات الجيوش. والميمنة إلى الجبل ممتدة، والميسرة إلى النهر بقرب البحر وصفوفها مشتدة مستدة. والسلطان في القلب كالقمر في الهالة، عليه إكليل من أنوار الجلالة. فسار حتى وقف على تل عند الخروبة، على المهابة الحالية والحالة المحبوبة. ومقدمو ميمنته عظماء دولته، صاحب دمشق ولده المبجل الملك الأفضل وصاحب حلب الملك الظاهر، وصاحب بصرى ولده الملك الظافر، وأخوه الملك العادل في آخرها، والأمراء بعساكرها. يلي حسام الدين بن لاجين، قايماز النجمي صارم الدين، والأمير بشارة صاحب بانياس، وهو الذي لا يرجو منازلته إلا من فيه بان الياس. ثم بدر الدين دلدرم الياروقي صاحب تل باشر؛ وقد طالما بشر الإسلام بما باشر. وعدة كثيرة من الأمراء يطول ذكرها، على إنه يطيب نشرها. وعظماء الميسرة ومقدموها، وأمراؤها ومقدموها، والملك عماد الدين صاحب سنجار - وهو العادل للإسلام وعلى الكفر جار. وابن أخيه معز الدين سنجر شاه صاحب الجزيرة، والملك المظفر تقي الدين ذو السطوة المبيدة المبيرة. وسيف الدين علي المشطوب الذي تشب بناره الحروب، وتصب على العدا منه الكروب. والهكارية، والمرانية، والحميدية، والزرزارية. وأمراء القبائل من الأكراد؛ أقتال القتال وأجادل الجلاد. ورجال الحلقة المنصورة واقفون في القلب لابسي الحلق السرد خائضي بحر الحرب. من كل فارس فراس، وهرماس رماس. وضيغم ضاغم، وضرغام غارم. وليث قضقاض، ملوث بفضفاض وقسور قاسر، وهربز زابر زائر. وأسد في غاب الأسل، وقارع في القراع باب الأجل. وقار ثعالب الخرصان، وذباب الظبا من دم الأقران، وقار على ثبات الشجعان. وقارئ (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم) ثقة بوعد القرآن، وقارن حج النجح بعمرة عمره وبذله في الجهاد؛ للتمتع بعمر الجنان. وسابق إلى حلبة الشهادة، وسامق على ذروة السعادة. وملابس للروع مباسل، وعاسل كالذئب إلى ذب العدا عن الهدى بعاسل. وسار الفرنج شرقي النهر لنا مواجهين، وللكريهة غير كارهين. حتى وصلوا إلى

стр. 202

رأس النهر، وأشفقوا من باس القهر، فانتقلوا إلى غريبه ونزلوا على التل بينه وبين البحر. والجالشية الرماة منا جولهم جائلة، وعيون أعيانهم على نصالنا سائلة. وجرح في ذلك اليوم وهو الثلاثاء خلق من أهل التثليث، وما نبا عن كثير منهم ناب النائب الكريث. والسلطان في خيمة لطيفة بحيث يشاهد، ولله منه الجاهد المجاهد. وأصبح الفرنج يوم الأربعاء راكبين، وعن سبيل اللقاء ناكين. ووقفوا على صهوات الخيل إلى ضحوة النهار، والراجل مطيف محدق بهم كالأسوار. وأصحابنا قد قربوا منهم حتى كادوا يخالطونهم، وأرادوا يباسطونهم. والسلطان يمد الرماة بالرماة، والكماة بالكماة. وهم ثابتون نابتون، ساكنون ساكتون. ونحن نقول لعلهم يحملون، ويغضبون فيجهلون، فنتمكن من تفصيل جملتهم بحملتهم، وتفريق جماعتهم، وتفريج الغمة بنزع جمعتهم. وأحس العدو بالضعف، وأنه متورط في الحتف. فسار موليا، ولعذره لذعره مبليا. ومضى على مضض، ومر بأشد مرض. والنهر عن يمينه والبحر عن يساره، وقد أيقن أن صح منه الثبات بانكساره. وعسكرنا يصافحهم بالصفاح، ويكفهم بالكفاح. ويشعلهم بجمرات السهام، ويلهبهم بحدمات الضرام. ويحرقهم ويشويهم، ويصميهم ويشويهم. ويفيض على غدران السوابغ منهم جداول القواضب، ويخيض في دأماء منهم سوابح السلاهب. ويغيض في ماء الوريد منهم ماء الفرند، ويغيظ بني الكفر في الجمع بين الأختين عليهم ابنتي الغمد والزند. وأدبروا مولين، وأرخصوا من مهجهم ما كانوا له مغلين. وعسكرنا يتبعهم، ويعلق ويقلعهم. وهم مجتمعون في مسيرهم، محتمون في تقديمهم وتأخيرهم. يتحركون في سكون، ويتظاهرون في كمون، ويتطلعون في غروب. ويتذوبون في جمود، ويتلهبون في خمود. وكلما صرغ منهم قتيل حملوه وستروه، وطموا مدفنه وطمروه. حتى يخفى أمرهم، ولا يصح لدينا كسرهم. ونزلوا ليلة الخميس على جسر دعوق، وقطعوا الجسر حتى يمنع عبورنا إليهم ويعوق. وأبلى المسلمون في ذلك اليوم في الجهاد بلاء حسنا. وأتوا كل ما كان فيه مستطاعا ممكنا. وقام (إيتز الطويل) في ذلك اليوم مقاما اقعد فيه من الكفرة كل قائم، وانبه به من العزائم كل نائم. وكان مقداما هماما، وأسدا ضرغاما. يطير وحده إلى الروع إذا أبدى له ناجذيه، ويجيب المستصرخ ولا يسأله عما يدعوه إليه. وهو في كل يوم يصبح في سلاحه شاكيا، وبنار عزمه ذاكيا، ويقف بين الصفين، ويدعو إلى المبارزة والحين. فما يبرز إليه إلا من يصرع، ولا يصل إليه إلا من يقطع. فعرفه الفرنج وتحاموه، فما راموه بعد ذلك ولا راموه. وبذل هذا اليوم جهده، وفل في فل حدهم حده. وأصابته جراحات، وأصابتهم اجتراحات.

стр. 203

وكذلك سيف الدين يازكوج أبلى في الجهاد ذلك اليوم، ووقم بنصاله ونضاله القوم. وخرج وبه جرح، وفي قلب العدو وعينه من مهابة انتقامه وإصابة سهامه قرح. وأصبحوا بكرة الخميس، وقد بكر الخميس، وحمى الوطيس، وسار في أسده العريس. فأشرنا عليهم وإذاهم داخلون إلى مخيمهم، سائرون إلى مجثمهم. فعاد السلطان إلى سرادقه، حامدا خلائق خلائقه، مسفرا في ليل العجاج فلق فيالقه. واستعاد الأثقال إلى معسكره، واستزاد من الله له الإقبال في مورده ومصدره. وفخر بتفرد عن ملوك الأرض بعون ملائكة السماء وتفرد بمفخره. وكان مع الفرنج الخارجين المركيس والكندهري، وأقام ملك الألمان على عكاء يبرى ويفرى. فصل في كتاب المعنى خرج الفرنج يوم الاثنين حادي عشر الشهر؛ واثقين من ملوكهم الحاضرين بالظهور وقوة الظهر. وفي مرج عكاء؛ عين غزيرة الماء. يجرى منها نهر كبير إلى البحر، فخرجوا إلى شرقي النهر. وباتوا بالقرب من مخيمهم على البلد، وقد تخلف حصره ألوف من أهل الجلد. ثم أصبحوا يوم الثلاثاء والنهر عن يمينهم، والأسد سائرة بالأسل في عرينهم، والحمية مشتعلة في عيونهم وعرانينهم. ونزلوا رأس العين، وتطرق بها إليهم من عساكرنا المنصورة طارق الحين. ولما أصبحوا وجدوها بهم محدقة، وبنيران النصال والمناصل لهم محرقة. وكنا نقول انهم يتحركون للمصاف والأمر بالخلاف، وانهم لسهام المنون من الأهداف، وما دارت بهم إلا الجاليشية تجول وتصول، وتصيب وتصوب، وتطيل وتطول. وكانت الاطلاب واقفة تنتظر حملاتها، وتستعد لوثباتها وثباتها. فلما أبصر الفرنج ما حل بهم من العذاب؛ عدوا الغنيمة في الإياب، وشرعوا في طريق الذهاب. فعادوا من غربي النهر راجعين؛ وساروا صوب خيامهم مسارعين. وأصحابنا زراءهم يرمونهم، ويشوونهم ويصمونهم. وقتل منهم خلق، وسرى في حجب حياتهم خرق. ونزلوا تلك الليلة على الجسر وقطعوه، وباتوا خائفين هائبين، ورحلوا سحرا خاسئين خائبين. وخيولهم الناجية مجرحة، وقلوبهم الراجفة مقرحة، وأشلاؤهم من كسرة الحياة عارية وبالعراء مطرحة. وعرفوا أن حركتهم للهلكة، وأن هلكتهم في الحركة. وأقاموا على الضر والزاد معدوم، والبلاء لكل منهم منفرد وعليهم مقسوم. ولا طعم لهم إلا من لحوم الخيل، وهم يدعون بالثبور والويل. ومع كثرتهم قلوا عناءا، وضلوا رجاء، وذلوا بلاء، واعتلوا جدبا وغلاءا. ولما عاد الفرنج إلى خيامهم؛ خافقين من مراميهم؛ مخفقين من مرامهم، وابصر المقيمون بها أصحابنا وراءهم؛ يطلبون ارداءهم؛ متعطشين إلى دمائهم، يرمون إرواءهم؛

стр. 204

وثبوا على جسادهم، وثاروا لمراد مرادهم، ولاقوا اجمعنا بأجمعهم، وفاضوا لفيضنا من منبعهم. فاندفع الأصحاب حتى تبرزوا، ثم ردوا عليهم الكرة فأثخنوا وأجهزوا. وقتل في تلك المعركة كند كبير، وشيطان لنار شره من سعيره مستعير. وطلبوا بعد انفصال الحرب جثته فأعطوها، والتمسوا هامته فلم يجدوها. وكان رجلا يعد برجال، وسلبه قوم بأموال. ولولا ما اتفق من التياث مزاج السلطان، ما سلك من سلم حزب الشيطان. ولله في كل قضية سر، وفي كل بلية بر. ذكر وقعة الكمين وما زال السلطان موفقا في آرائه، مشرقا بلألاء آلائه، ومن آرائه الراجحة؛ ومساعيه الناجحة؛ ومتاجره الرابحة؛ إنه رأى أن يرتب على العدو كمينا، وعلم ان الله يكون ينجحه ضميعا. فجمع يوم الجمعة الثاني والعشرين من شوال منتخبي رجاله، ومنجبي أبطاله، وخواص اتراكه، وعوام فتاكه. فانتخب منهم كل من عرفت سابقته، وسبقت معرفته، وأحمدت في الجلاد جلادته، وفي لقاء العدا عاداته، وعلمت في الفتك جهالته. وأمرهم بأن يكمنوا على ساحل البحر بقرب المنزلة العادلية القديمة، فمضوا وكمنوا ليلة السبت متنبهي الهمة متيقظي العزيمة. وخرجت منهم عدة يسيرة بعد الصباح، منادية بحي على الفلاح. ودنوا من خندق القوم، ونادوا لا قعود بعد اليوم. ومطروهم سهاما، وأسعروهم ضراما. فطمع الفرنج فيهم، وظنت أنها تلاقيهم. وخالتهم صيدا قد سنح، وسربا قد سرح. فقطعت خنادقها، وبتت علائقها، وحثت سوابقها. وأخاضت بحر الحرب سوابحها، وقد أفاضت سوابغها، وشامت صفائحها. وتجردت عن رجالتها، وتفردت بضلالتها، وحملت بجهالتها، وأقبلت بإدلالها لا بدلالتها. وتطارد اصحابنا أمامها، وانهزموا قدامها. حتى وقفوها على الكمين، وأوقعوها في الهلك المبين. فخرج الكمين عليها، وتبادر إليها. فلم يستطع فارس منها فرارا، ولم يطق من غرته أن يمضي غرارا. وكانت في مائتي قنطارى، من كل مقدم باروني وبطل داوي واسبتاري. فقتل معظمهم، ووقع في الأسر خازن الملك، وعدة من الافرنسيسية ومقدمهم. وملكوا وسلبوا وملك سلبهم، وتقطع بهم سببهم، وما وصلهم أربهم. وجاء الخبر الينا، فركب السلطان وركبنا. وسار ووقف على تل كيسان، فشاهد من الله هنالك الإحسان. وجاءه مماليكه يقودون أولئك الأعزة بخزائم الذل، ويجودون بما استخلصوه من ذلك القل. ويقدمون المقدمن من سراة الاسارى، وتلونا لما شاهدناهم، (وترى الناس سكارى وما هم بسكارى) فقد رضتهم اللتوت، وقضقضتهم الليوث، وبعثتهم إلى مصارعهم الظاهرة من مكامن الآجال البعوث.

стр. 205

وترك السلطان الأسلاب والخيول لآخذيها. وكانت بأموال عظيمة، فما أعارها نظرة ولا تردد أمره فيها. وفيها حصن كأنها حصون، وزرد موضون، وخوذ منها مذهب ومدهون، وسيوف ذكور تتولد منها المنون. وملابس رائقات تحار فيها العيون. وأبنا بالملوك مصفدينا، وحمدنا الله الذي بإرشاده هدينا. وجلس السلطان في خيمته على دست ملكه، وقد انتظم له عقد النصر في سلكه. فمن كان عنده أسيرا تحضره، فأنعم عليه وشكره. وكنت عند السلطان جالسا؛ ولحبير الحبور لابسا؛ وقد جمع عنده أولئك الأسراء، وما أسعد الله إلا في تلك الساعة أولئك الأشقياء. (ودامت محاورته لهم مشافهة)، وأطعمهم بعد ما آنسهم فاكهة. ثم بسطهم ببسط الخوان وأشبعهم وارواهم، ثم أحضر لهم كسوة وكساهم. والبس المقدم الكبير فروته الخاصة؛ فقد كان الزمان قد برد، وفصل الشتاء قد ورد. وأذن لهم في أن يسيروا غلمانهم لإحضار ما يريدون إحضاره وإعلام من يؤثرون أن تعرف معارفه أخباره. ثم نقلهم إلى دمشق للاعتقال، وحفظهم بالقيود الثقال. فصل من كتاب بشرح الحال ووصف المقام مع الاعتلال ولما كانت ليلة السبت ثالث عشري شوال؛ كانت نوبة اليزك لأخينا الملك العادل؛ فأشار بإنفاذ عدة إليه تكون في الكمين، وتقيم في المكمن إقامة خادرات الأسود في العرين. فأنفذنا إليه من مماليكنا سرية سرية سرت سرا واستسرت وسرت، وقرت في مكمنها إلى أن طابت الأنفس بصنعها وقرت. ولما أصبح الفرنج يوم السبت خرجوا على العادة عادين، وللمنايا إلى ناديهم منادين. فاستطرد من حضر من العرب واليزكية قدامهم، واظهروا أنهم قد ظهروا عليهم وهربوا ورهبوا إقدامهم. وما زالوا ينهزمون وهم وراءهم، يقوون فيهم رجاءهم، حتى أبعدوهم عن المأمن، وعبروا بهم عن المكمن. فخرج عليهم الكمين من خلفهم، وفتح عليهم أبواب حتفهم، واروهم وجوه المنايا في مرايا غرر الجياد، ونزعوا عنهم لباس الجلد الجلاد. فلقوا البيض بالبيض، وفلحوا الحديد بالحديد، وأشعلوا نار الظبا في ماء الوريد. وفضوهم بالفضاء، وعروهم بالعراء، ولتوهم باللتوت، وبتوا أعناقهم من حبل الوتين المبتوت. فلم ينج منهم ناج، ولم يبق منهم للبقاء راج. وأسرت عدة من مقدميهم، ومعروفيهم ومحتشميهم. وكانت هذه بحمد الله نوبة بغير نبوة، وكرة بغير كبوة، وغزوة آنت بأوفر حظوة، ووقعة أدنت بل أجنت كل نصرة نضرة عذبة حلوة. والحمد لله الذي تزكو أنعمه بسقيا الحمد، وتوضح عوارفه لساكريها جدد الجد. ولولا مرضنا في النوبة الأولى التي خرجوا فيها بأجمعهم؛ لما نجوا بحشاشتهم بل تعجل مصيرهم إلى

стр. 206

مصرعهم. لكنا ما قدرنا في ذلك اليوم على الركوب، وجلسنا على تلعة قريبة من المعركة ننتظر ما يكون من العسكر المندوب، والآن بحمد الله قد توفرت حصة الصحة، ولزمت منة المنحة. وكذلك مرضنا عام أول شهرين، والحمد له على المهلة في السنتين. فأقمنا مع السقام، وسقمنا في المقام. وصبرنا وصابرنا، وجاهدنا وجاهرنا. ومقامنا في هذه المدة المديدة في بلد الغور، والوخم فيه يقضي على ماء الصحة بالغور. وما منا إلا من التاث، فأعانه الله بغيث فضله المديمة ديمته الالثاث، والحمد لله الذي أعان وأغاث. ذكر هجوم الشتاء ومقام السلطان على الجهاد وعود من سار من العساكر إلى البلاد على رسم الاستراحة والاستعداد ولما تشتت شمل الصيف الرفيق؛ بشمول الشتاء العنيف؛ وانحرف حريف الحريف؛ كانحراف مضيف المصيف؛ واشتعلت رؤوس الجبال شيبا للثلج؛ وحل الوحل جيشه المجر بالمرج، والتحفت كل هضبة يبرد البرد؛ واكتست الغدران من الجليد بالزرد السرد؛ ولبست سود الذرا بيض الفرا؛ وجر السيل الذيل وجرى؛ وطمر المطر هوادي الوهاد؛ وقبض أنامل الأنام عن البسط للجهاد، وجمد الخمر؛ وخمد الجمر؛ وارتعدت الفرائض، وارتدعت الاخامض، وقرست الأيدي، وأمسى الجو بالجوى المسيء يعدو ويعدى؛ وحل الهواء بالوهاد عقود القوى؛ وعقد المترفون على حب الاصطلاء الحبا؛ واشتغل الملوك بملازمة المشاتي؛ ومنادمة المواتي، ومناقلة المناقل، ومعالقة العقائل ومعاقرة العقار؛ ومسامرة السمار؛ ومداناة الدنان؛ واجتناء الجنان؛ ومناغاة الغواني؛ ومناجاة المثالث والمثاني؛ وملابسة السوالف والسلاف وملامسة اللطائف واللطاف: فلت نار عزم السلطان حد الشتاء العاتي؛ ووقف مع عزائمه الماضية وهجر من مشيي إلى المشاتي. وما صده البرد عن مقصده، ولا رده عن مورده. ولم يحتفل باحتفاله، ولم يبال ببلاله. ولم يكترث بكارثه، ولم يحدث أمرا لحادثه. فاعتاض الاصطلاء بحر الحرب عن الاصطلاء بناره، وجرى على عادته في مصابرة الأعداء والجري لها في مضماره. وما لها عن الله ولا رفض فرضه، وسما إلى سماء الآلاء وأرضاه لما طهر بدم أنجاس أعدائه أرضه. واستمر على بذل جهده في الجهاد، ووفى بعهده ولم يثنه جفاء العهاد. وقال: إنما أربأ بهذا الأرب، وأرى راحتي في هذا التعب. ويقيني يقيني في ثلج صدري بلطف الله عنف الثلج، وما يبرد قلبي مع تقلب الحر والبرد إلا برد النصر والفلج. لكنه رأى أن مقام العساكر بجمعها وصرفها عن

стр. 207

العود إلى البلاد ومنعها، يوذن بملالها، واختلال أمورها وانحلالها. والفرنج قد أمنت غائلتها، وتكفي في مداومة قتالها في نوبها مقاتلتها. فأذن للجماعة في الانصراف على المواعدة في المعاودة في الربيع، والرجوع إلى مراد الروع المريع. وليأخذوا أسباب الاستعداد لأوقات الاستدعاء، وليستكثروا من الرجال المحققين في نصرة الحق للرجاء، من أهل الغنى والغناء، والمضارب والمضاء. فسار صاحب سنجار - عماد الدين زنكي - خامس عشرى شوال يوم الاثنين، وتلاه صاحب الجزيرة - ابن أخيه سنجر شاه - ليكونا مصطحبين. وسار بعدهما - ابن صاحب الموصل - علاء الدين غرة ذي القعدة وما انصرفوا إلا بالتشريف والخلع المعدة. وشيعهم السلطان بكل مكرمة شائقة شائعة، وخلعة رائقة رائعة. ومستعملات مصر، ومصوغات تبر. وخيل عتاق، وخير وإطلاق. فصل من كتاب إلى صاحب الموصل عند عود ولده إليه وينعت بالملك السعيد علاء الدين ما كان أسعدنا بقرب الملك السعيد؛ وما أجد بإنارة نوره، وأوفر حبورنا بحضوره، وأصدق شهود صدق ولائه بحكم شهوده! وما أبهج الإسلام بنصرة ناصره؛ ونجده وليه وودوده! ولقد تمت بأيامن أيامه وبركات مقامه في العدو نكايات، وظهرت لأولياء الله من ألطاف كفاياته آيات، ووقعت بالمشركين روعات، وراعت وقعات. وقد أردنا أن نستظهر بمرافقته، ونبني الأمور على موافقته. فما أيمن سعده، وما أسعد يمنه! وما أوقر وزنه، وأغزر مزنه! لكنا عرفنا شوق المجلس إلى اجتلاء سناه، بمقتضى آدابه التي استكمل بها أدوات الارتقاء في مطالع علاه. فقد فاق بسداد رأيه الكهول، وما أزكى الفروع الطيبة إذا أشبهت الأصول. وما أسعد الملك بالملك السعيد علاء الدين، أدام الله علاءه، وسر بفضائله أولياءه. وقد توجه والقلوب معه متوجهة، والنفوس لغيبته متكرهة، والعيون لترقب ورود البشائر عنه متنبهة، والأيام لظلمة الاستيحاش بالليالي متشبهة، والموارد إلى أن يمن الله بعود الأنس بعودته مستنهة، والألسن بذكر أخلاقه الطاهرة والإفاضة في شكر محاسنه الزاهرة متفوهة. والخواطر فيما تمثلته أيام الاستسعاد به من مبهجات آلائه متنزهة. ولا شك إنه يصف بلهجته الفصيحة، ما اقتناه من المتاجر الربيحة، وقدمه من المساعي النجيحة، واستنجحه في الغزاة من مغازيه الصحيحة، وأبداه في البأس من بسالته المشيحة. واطلعه في ليل العجاج من صبيحة بهجته الصبيحة. وله في كل نصرة وهبها الله للإسلام أوفى نصيب، فقد أصمي مقتل الكفر بكل سهم مصيب، وهو لمسترخ الهدى أسبق ملب وأسرع مجيب، وإن الله له بسفور صبح سعادته ووفور نجح إرادته افضل مثيب.

стр. 208

ذكر ما تجدد بعد ذلك في هذه السنة لما هاج البحر وماج؛ واظهر الارتجاج والانزعاج، نقل الفرنج سفنهم خوفا عليها إلى صور فربطوها بها، وأخلوا ساحل عكاء من إرعابها وإرهابها. وخلا لنا وجه البحر، وغابت عن الساحل مراكب الكفر. فاشتغل السلطان بإنفاذ البدل إلى البلد، من الثابتين في الجلاد على الجلد. فانتقل الملك العادل بمخيمه إلى جانب الرمل، ونزل نهر حنيفا في سفح الجبل، لتسهيل طريق من يسيره إلى البلد من البدل. فإن المقيمين في عكاء شكوا أمراضا معترضة، وأعراضا ممرضة. وكثرة السواد، مع قلة النفقة والزاد. وكان في البلد زهاء عشرين ألف رجل من أمير ومقدم وجندي، وأسطولي وبجري. ومتعيش وتاجر وبطال، وغلمان ونواب وعمال. وقد تعذر عليهم الخروج فسكنوا، وإذا عاينوا خوفا على الموضع موهنا عاونوا وما وهنوا. فرأى السلطان أن يفسح لهم في الخروج رفقا بهم ورأفة، وما أفكر أن في ذلك مخافة وآفة. فقد كان فيه أمراء أمروا الأمر، وألفوا الصبر، وما تعوا الحصر، واجترءوا وتجاسروا، وصبروا وصابروا، وحاربوا وحربوا، وجاروا وجربوا، وزالوا وأزالوا، وحاولوا وأحالوا، وعرفوا مكامن المكايد، وكشفوا كوامن المقاصد. وأخذ كل موضعه في الحرص على الحراسة؛ وشاعوا بالسماحة والحماسة. وكان فيهم من يطعم وينفق، ويجمع الرجال وقلوبهم بما عليهم يفرق، مثل حسام الدين أبي الهيجاء السمين، فإنه أنفق ما ادخره من الألوف والمئين. مستمرا على إنفاق، لا تعتريه فيه خشية إملاق. وهناك ستون أميرا ومقدما، وكلهم يرى المغرم في سبيل الله مغنما. وكانوا ينتفعون بالعوام وكثرة الناس في جذب المجانيق، والإعانة على ما يتفق في الحصر من التضييق. فلما خرج الخواص خرج معهم العوام، وتبدد بتبدد نظمهم النظام. والزم السلطان جماعة من الأمراء بالدخول، فخدموا على أن يعفيهم بالبذول. فلم يقبل منهم بذلا، والزم بنقل الازواد لبعض سنتهم كلا. فلم يدخلوا إلا بعد لاي، وقد بلغوا في غي الرأي إلى أقصى غاي. وأكثرهم صرف رجاله المعروفين المستخلصين، وامتنع بمن استجد استخدامه من المسترخصين. وأذهبوا الأيام بالمدافعة، وأبطئوا عن فرض المسارعة. والملك العادل هناك يحثهم ويحضهم ويحرضم، ويعينهم على تحصيل المراكب لهم وينهضهم. حتى لم يبلغ من دخل عشرين أميرا مقدمهم الأحمد سيف الدين المشطوب على بن أحمد. وأمر السلطان بالمناداة في الأبطال البطالين، ليحضروا لقبض النفقات؛ وكان يحضر الجاووش في كل يوم مئين، ويصبح نواب الديوان في أمرهم مرتبين. لحرصهم على توفير الدرهم، وبخلهم بالنفقة ويعدونها من المغرم. ومعظم من نصارى مصر، ومن هو مصر في نصرة النصارى، وفي تعسير ما يجب تسهيله وتعقيد ما يحب تحليله؛ لا يجارى ولا يبارى.

стр. 209

وكل واحد منهم للقبط قطب، وفي الخبط خطب. وللشر شرك، وفي الحس حسك. وللمشرك مشارك، وللدين تارك فارك. ولهم أخلاق أخلاق، وطباع بالطبع إغلاق. تأوي للبخل والتبخيل إلى التأويل، وتقلي لتكثير السوء في الخير سوى التقليل، وهم جالبون للغي، طالبون للبغي، كاسبون للذم، مناسبون للضم. والمسلم فيهم متولي الخزانة، يرى الشح بما يجود به السلطان من الأمانة. وأصنعهم في الكفاية عندهم امنعهم للاطلاق، وأعذقهم بالحذق أقذعهم، وأعقدهم للحق أقدعهم. وأجودهم ارداهم، وأضلهم أهداهم. وهم متفقون فيما بينهم على الخيانة، مختلفون في الظاهر لإبداء الصيانة. وكان يحضر هؤلاء البطالين واستخدامهم، ويوحشونهم بخطابهم وينفرونهم بكلامهم. ويقابلونهم بالجبة، ويعاملونهم بالنجه. ويواجهونهم بالسوء ويسوءونهم في الوجه. ويشتطون في طلب الضمان. ويشترطون ما ليس في الإمكان ويطردونهم بقبيح الزجرة، ويكسونهم في صحيح الأجرة. والسلطان يجود جود السحاب، ويأمر بالعطاء الحساب، ويجد حث النواب، ويجد في بعث الأصحاب، ويقول: أنفقوا ولا تخشوا إقلالا، وانهضوا الرجال خفاقا وثقالا، ولا تؤخروا شغل اليوم إلى غد إمهالا أو إهمالا. ولا تقدموا على هذا الفرض فرضا ولا نفلا، ولا تعتقدوا أن لنا أهم من هذا الشغل شغلا. ونواب الديوان على عادة جهالتهم، وعادية ضلالتهم. فما قبل العطاء غير مضطر فقير، وما دخل الثغر الا قليل من كثير. وما صح من البدل إلا بعضه، وما قضى حق الواجب المتعين فرضه. وكان هذا من أقوى أسباب الضعف، وأوفق دلائل الخلف. وسيأتي ذكر ذلك في موضعه في سنة سبع، فإنه عاد كل ما دبر بضرر على الثغر لا بنفع. وأقام الملك العادل على البحر لإزاحة علل الداخلين، وإراحة قلوب الواصلين. حتى عاد الفرنج بمراكبهم، وانقطع بوصولهم الطريق من جانبهم. واقتنع البلد بمن إليه تحول، وعلى حفظه من الله بعصمته عول. وبتاريخ يوم الاثنين ثاني ذي الحجة، صلت من مصر بالغلة بطس سبع. وكان لها للحاجة إليها وقع، وقيل قد تم بها للجائعين شبع. وانقلب أهل البلد إلى البحر لمشاهدتها، ومعاونة جماعتها ومساعدتها. ونقل ما فيها من بضائع وحوائج، وسلع روائج. ومأكول ومطعوم، ومشروب ومشموم. فقد طال بذلك كله عهدهم، وانتهى إلى الغاية جهدهم. فلما تسامعوا بالبطس؛ تسارعوا إلى الملتمس. فعلم الفرنج بانقلاب أهل الثغر إلى جانب البحر فزحفوا زحفا شديدا، وحملوا جندلا وحديدا. وأتوا بسلالم لينصبوها على الأسوار، وصارت عكاء وهم حولها كالمعصم في السوار. وترقوا في سلم واحد متزاحمين، وللضيق متصادمين. فاندق بهم السلم المنصوب.

стр. 210

وسطا بعصابتهم المعصوب بها النصب سوط العذاب المصبوب. وتدارك الناس، وتلافوا وتلاقوا، وتعاطوا كؤوس وتساقوا. ورأوا غمرات الموت فزاروها، وداروا حول رحى الحرب وأداروها. واستحلوا شهد الشهادة فشاروه، وألفوا الأجل كامنا فأثاروه. وتواثبوا عليهم تواثب السباع على الضباع، ورفعوا لقرى العواسل الجياع نار القراع، وأطالوا بشبا العوالي للعوافي باع الإشباع. وأنبعوا عيون النجيع من عيون الجميع على جداول البيض، وأفاضوا فيوض الدم القاني بالصارم المفيض. وقتلوا وسفكوا، وفتكوا وهتكوا. وردوهم على أعقابهم ناكصين، ومن حسابهم ناقصين. ولأشغال الناس بكشف ماعرا من الغمة؛ وأظل من الظلمة؛ والتهائهم بثقل الغلة، عن نقل الغلة؛ وتركوا البطس بحالها، مملوءة بغلالها، حتى هاج البحر فضرب بها الحشف، وأذهب بكسرها كل ما فيها واتلف. وغرق من كان فيها، واتى الغرق على الأمتعة التي تحويها. حتى قيل هلك بها زهاء ستين نفسا، عدموا ولم نجد لهم حسا. ناموا والقدر منتبه، وذهلوا وحكم القضاء إليهم متوجه. وفي ليلة السبت سابع ذي الحجة وقعت قطعة عظيمة من سور عكاء على فضيلها فهدمته؛ وثغرت الشغر وثلمته. فبان منها الضوء لأهل الظلمة، فتبادروا إليها طمعا في هجم الثلمة. فجاء أهل البلد وسدوها بصدورهم، وصدوا عنها بنحورهم. وبنوها بأبدانهم إلى أن بنوا ذلك البدن، وعمروا ما خرب وثقوا ما وهن. وقتلوا وجرحوا من العدو خلقا، وأوسعوا بالمضايقة في كل ذي خرقا، فانجلت الحرب عن طريح صريع، وجريح إلى الهزيمة سريع، وطليح للعقير قريع. وعاد الثغر أقوى مما كان وأحكم، وكل ذلك بجد بهاء الدين قراقوش حيث كان المقدام المقدم. وهذا الأمير قراقوش لما ضجر الأمراء وضجوا؛ وطلبوا الخروج ولجوا؛ أقام ولك يرم، ولم ينحل عقد ثباته ولم ينخرم. وفي ثاني عشر ذي الحجة هلك ملك الألمان بمرض الجوف، ولعله من عرض الخوف، وأدرك أباه في الدرك الأسفل من النار، وأبصر في جهنم مصاير أمثاله من الكفار. وزاد بهلاكه ألم الألمانية، وانسدت بموته فرج الفرنجية. وتبعه في السفر إلى سقر؛ كند كبير يقال له - كند تيباط، دافع القدر فما قدر. وهلك منهم بالأمراض المختلفة العدد الكثير، واشتعلت بهم الجحيم واشتعلت عليهم السعير. وفي يوم الاثنين ثاني عشري ذي الحجة عاد المستأمنون من الفرنج الذين أنهضهم السلطان في براكيس، ليغزوا في البحر ويكونوا ايضا لما جواسيس. فرجعوا وقد غنموا وغلبوا، وكسروا وكسبوا، وسروا وأسروا، وقسروا فظفروا. وذكروا أنهم وقعوا بحراقة كبيرة ومعها براكيس، وفيها تجار فرنج ومعهم من المال الجليل النفيس.

стр. 211

وأسر التجار وأخذ المال وحيزت تلك المراكب وجذبت إلى الساحل، فإذا هي مشحونة الكرائم الجلائل. من كل آنية مطبوعة ذهبية، وحلية مصوغة نضارية، وآلة فضية، وأباريق وأكواب وأقداح، وأطباق وموائد وسبائك وصفاح، وكاسات وطاسات، ومرافع وشربات. فوفر السلطان عليهم هذه الاكساب، ولم يحرمهم حيث حرموا لكفرهم الثواب. وأظهروا لهذه النهضة أنهم مناصحون، وليمين الإيمان مصافحون. فلما أكرموا بتلك المكرمة؛ أثنوا على اليد المنعمة. وأسلم منهم شطرهم، وحسن بيننا ذكرهم. وببركات الكرم السلطاني كرموا، وأنسوا وأسلموا وكانوا قد أحضروا برسم الهدية مائدة فضة عظيمة وعليها مكبة عالية، ولها قيمة غالية. ومعها طبق يماثلها في الوزن، ويتعذر وجود ذلك للملوك في الحزن. ولو وزنت تلك الفضيات قاربت قنطارا، فما أعادها السلطان طرفه احتقارا. وقال لهم: خذوها فأنتم بها أولى. وكان أول من أسدى هذا المعروف وأولى. وكنت عنده جالسا، وبلطفه مستأنسا، فقلت له: ما أظن في الوجود ملكا يسمح بمثل هذا المال، خصوصا وقد أغنمه الله من الحلال. فتبسم لقولي غير معجب به، وما قضيت العجب مما قضاه كرمه من أربه. وفي الرابع والعشرين من ذي الحجة أخذ من الفرنج بروكوسان فيهما نيف وخمسون نفرا، فجلا لنا نصرا، وعلا نجحا وحلا ظفرا. وفي الخامس والعشرين منه أخذ أيضا بركوس، فيه من الفرنج مقدمون ورءوس. وهم وعشرون؛ منهم أربعة خيالة، ضمتهم من الأسر حبالة ومعهم ملوطة؛ مكللة باللؤلؤ منطوطة، وبأزرار الجوهر مربوطة. قيل أنها من ثياب ملك الألمان، وأسر فيه رجل كبير قيل إنه ابن اخته؛ وهو كبير الشان. وفي هذا الشهر قدوم القاضي الأجل الفاضل، رب الفضائل والفواضل من مصر؛ فأشرقت المطالع، وأشرفت الصنائع. وبشرت المطالب بنجاحه، وغزرت المواهب بسماحه. وغابت بحضور مكارمه المكاره، ونزع بلبسه أفضاله لباس الخمول ذوي الفضل النابه، وأعاد روح السلطان بإعادة الروح إلى سلطانه، وسر بمكانه، واقترن لحسانه بإحسانه. وظهرت في وجهه به الطلاقة، وفي قلبه العلاقة، وروى رأيه برى رايه، وتلقن آيات النصر من نص آية. وانتعش عثارى بمقدمه، وانتقش خط فخارى بكرمه. وحلى عطلى، وحيا أملى، وقوى عملي. ووضح منهاج مناي، وصح مزاج غناي. ونبه قدري، ونوه بذكري. وسعى في رفع رتبتي وزيادة راتبي، وسن غربي. اقرني وقربني، واستكتب الخطوط بالحظوظ كما كان استكبني. فعشت ونعشت، وفرشت بساط الغنى فرشت. ولولا أنني قويت به لأقويت، ولولا إنه أولاني عارفته لما عرفت ولا توليت، فأنا شاكر نعمه عمري، وعامر كرمه بشكري.

стр. 212

ذكر جماعة من المستشهدين في هذه السنة استشهد في عكاء سبعة من الأمراء كل منهم سبع، ما في لقائه للقرن طمع. ومن جملتهم (سوار) من المماليك الخواص، ومن ذوي الاستخلاص وكان هذا (سوار) في كل حرب مياورا. ولكل هول مباشرا، وبكل بوس عبوس باشرا. فجاءه سهم عائر، فإذا هو إلى الجنة سائر. وكذلك عدة من أمراء الأكراد، كانوا من الآساد، فازوا بحظ الاستشهاد. وخرج أسطولنا في هذه السنة، بشوانيه المعجمة المحسنة. ليكبس شواني الفرنج في مواضع الربط، وإحراقها بقوارير النفط. فخرجوا إلى شوانينا بشوانيهم ولقوا بعواديهم. وظفرت أساطيلنا وطالت، ووصلت إليها وصالت، ونالت من الظفر ما نالت. وأحرقت للكفر شواني برجالها، وغرقتها بأبطالها. وكان عند العود تأخر لنا شيني مقدمه أمير مبارز، كالأسد الخادر. لا يصحر إلا للفريسة ولا يبرز. وهو يعرف بجمال الدين محمد بن ارككز. فشين الشيني وشانه، وما أعانه أعوانه، وامتلأت بالأعطاب اعطانه، واضطربت للإنكار أركانه، واضطرمت بأهل النار نيرانه. فتواقع من فيه إلى الماء، واحترزوا من البلاء بالبلاء. ووقف الأمير على قدم جلده بجالد، ويجد ويجاهد، وقد أثقله بلبس البسالة الحديد، وخف به العزم الشديد السديد، وقد دعاه إلى أمنية المنية الذكر الحميد، والأجر العتيد. فما ارتاع للروع ولا استطاع الانقياد بالطوع. ولا مكن العدو من مكانه، وأخذ مع الشانئ بشنآنه. ولولا أن ملاحيه جبنوا وفروا، ومناصحيه خذلوا وما قروا، لجنى بسيفه ثمر النجلة، لكن الأجل قطع عليه طريق الحياة، فاجتمعت على مركبه مراكب الجمع، وسدوا عليه سبل البصر والسمع. وقالوا: خذ منا الأمان واستأسر، وهون الأمر عليك ولا تعسر ويسر. فالعاقل يختار البقاء على الفناء والوجود على العدم. وأنت في عين الهلاك أن لم تعطنا اليد وثبت على هذه القدم. فقال: ما أضع يدي إلا في يد مقدمكم الكبير، ولا يخاطر الخطير إلا مع الخطير. فسموا له كندا أرضاه، وأراد أن يشركه فيما الله قضاه. فلما دنا ليأخذه لزمه وعانقه. وقوى عليه وما فارقه. ووقع إلى البحر وغرقا، وترافقا في الحمام واتفقا، وعلى طريقي الجنة والنار افترقا. فارتوى الشهيد السعيد بماء النعيم، وصلى الكند الكنود بنار الجحيم. واستشهد أيضا في ذلك اليوم الأمير نصير الحميدي، جرح فمضى حميدا، وشهد مقامه في الجنة شهيدا، وسعى دهره حتى قضى سعيدا. ولم تخل وقائع هذه

стр. 213

السنة من استشهاد جماعة من أمراء العسكر، وسعداء المعشر، وكرماء المحشر، وندماء الكوثر، وحلفاء المفخر. واستشهد يوم تاسع جمادى الأولى (القاضي المرتضى ابن قريش الكاتب). وكان صدرا تتجمل به المراتب. وجريا جارى القلم، بليغا بالغ الحكم. مهيبا يخشى، مرهوبا لا يغشى. وهو في أهبة من المهابة، وكتيبة من الكتابة. صوبه في الصواب منتجع، وخطابه في الخطب مستمع. ولرأيه رى وريا، وتدبيره للأمور بتنفيذ الأوامر السلطانية دينا ودنيا. ولم يكن له في الكفاية كفء. ولم يزل لخروق الخطوب بقلمه رفء. وكان رجل دمشقي بنابلس له ملك بدمشق قد تركه، ورغب في ابتياعه (القاضي المرتضى) ليملكه، فتقاضى قاضي نابلس مرارا بإحضاره، فلما حضر رغبه في البيع على إيثاره، بأضعاف الثمن ونقد ديناره. فانفصلا على التراضي، ونجح سعي القاضي للقاضي. وبكر البائع إلى سلام المشتري، ووثب وثوب المجتري. وطعنه بمديته، وهو آمن في خيمته. وفتك به فتك اللعين أبي لؤلؤ بالفاروق، وخرج من الخيمة كالسهم في المروق. فلقي قاضي نابلس فقتله، ومضى يسلك سبله. فأدركه الناس وقتلوه، وكاد يفلت لو لم يعاجلوه، ففجع المنصب بمصابه، وناب عنه أخوه مع نوابه.

стр. 214

دخلت سنة سبع وثمانين وخمسمائة ودخلت سنة سبع وثمانين، والشتاء لم يشمله شتات شمله، وعقد البرد لم يقرب محل حله. وللغيث عيث، ولزور الربيع ريث. وللسحب سح، وللضح شح. ولعين الشمس غض، ولوجه الغيم ومض، ولأيدي العارض بسط وقبض، ولنواظر البرق تنبه وغنض، ولنواجز البرد كشر وعض، ولفص الفصل ختم وفض. وكل صاد في بحر كانون كنون، وكل ماء بالجليد كأنه زرد مسنون. والأوحال أحوال، وللأهواء أهوال. وللشمال شمول، وما للقبول قبول. وللجنوب ذنوب، وللدبور في أدبارها وإقبالها هبوب. وللصبا صبابات وصبُابات، وللندى الندى جنايات وسرايات، وللجو الجوى آيات ونكايات. وللغمائم غماغم؛ ولهام الربا من هامي الرباب عمائم. وللنكباء نكبات، ولشبا شباط شبات. والرواعد رواعف، والهواتن هواتف. وللألواح رواح وغدو، وحركة وهدو. ومحبة وسلو، ونزول وعلو، ونصفة وعتو. وللرعايا العرايا من الرياح الحيارى رذايا اذايا، وخبايا المروج النابتة في زوايا الثلوج النازلة خفايا. والعواصف القواصف عواص غير قواص، والعارض عارض للحب في العراص عراص، والقوارس قوارص، والخوالس خوالص. والبحر في هيجانه، والغيم غي هطلانه. والسلطان مقيم بمخيمه على شفرعم، ولطف الله به قد خص وعم. والملك العادل سيف الدين نازل على الساحل عند نهر حيفا، لتجهيز البدل في المراكب إلى عكا. والسفن تدخل إليها بازواد، وتعود وترجع إليها بالأجند. ويحرص ويحرض، ويرسل إلى السلطان ويستنهض، والسلطان يفاوض النواب في ذلك واليهم يفوض. وفي كل يوم يعرض الرجال، وينفق فيهم الأموال. والأمر مستمر، والقرار مستقر. واليزكية زكية، وسنتهم في المناوبة سنية، ولوافح عزماتهم ذاكية ونوافح مكرماتهم ذكية. والمماليك الخواص، ومن خصهم وعمهم الاستخلاص؛ يغادون القتال ويراوحونه، ويكافئون العدو ويكافحونه، ويجاورونه ويجارحونه، ويبرحون به لا يبارحونه. والعدو على عكاء حاشد، ولضالة ضلاله ناشد. يحتمون ويحمون، ويرامون ويرمون، ويذبون ويشبون، ويخبون إلى الكفرة بسوط العذاب ويصبون. وقد قسموا الأسوار على الأجناد والأبراج على الأمراء، واستقبلوا النعمة في البلاء، والسعادة في المشقة التي تعدها الأشقياء من الشقاء، إن وجدوا غرة اهتبلوها، أو استوعروا كرة استسهلوها، أو صادفوا ملمة صدفوها، أو لقوا غمة كشفوها، أو صرفوا أوجههم إلى نائبة صرفوها.

стр. 215

ذكر ما تجدد من الحوادث وتكرر للعزائم من البواعث في يوم الأربعاء تاسع المحرم، سار الملك الظاهر لقصد بلد صافيثا؛ بالعزم المصمم، والرأي المحكم. وفي ثالث صفر؛ عزم من بقي من أصحاب الأطراف السفر. فإن السلطان رخص لهم في ذلك، فانتهجوا في عودهم إلى بلادهم المسالك. وأقام السلطان في أصحابه. وخواصه وملازمي بابه، وملابسي جنابه، ورجال رجائه، وخلص اوليائه، ومقربي أمرائه. وفي هذا اليوم رحل الملك المظفر تقي الدين ليتسلم ما في شرقي الفرات من البلاد التي كانت مع مظفر الدين، مضافة إلى ميافارقين. فصارت معه جبلة واللاذقية والمعرة وحماه وسلمية والرها وحران وسمياط والموزر وميافارقين. وشرط معه أن يحافظ على عهد صاحبي آمد وماردين. والبلاد المظفرية كانت قد بقيت إلى هذه الغاية. مع كثرة الطالبين لتلك الولاية. مضنونا بها على الخطاب، غير مسموح بشيء منها للطلاب. فإنه ما رامها من الملوك، أخي السلطان وأولاده، إلا من بشرط الفسحة له في استضافة ديار بكر إلى بلاده. ويقال له: لا سبيل إلى قصد أحد، ولا انتزاع بلد، ولا إزالة يد. فإن أرباب البلاد أكثرهم لنا معاهد، وعلى ودنا معاقد، وفي شغلنا مساعد. فأما من هو عنا متقاعد؛ ومنا متباعد؛ فما هذا أوان مطافأته، ولا زمان كف آفاته، وهو منا في حصر مخافانه. وهذا العدو الكافر شغلنا به مستغرق، وعزمنا في قمعه متحقق. فلا نثير علينا من المسلم الكاشح؛ والحاسد الحاشد؛ من يشغلنا عن هذا المهم الفرض، والرأي الراشد. فقال تقي الدين: أنا لي في ذلك الجانب ميافارقين، فإذا أخذت حران وسمسياط والرها؛ ادركت من تكثير العساكر وتقويتها المشتهي، وبلغت المنتهى. وأنا أدخل على الشرط وعنه ولا أخرج، وأجمع العساكر وإلى نصركم أعرج. وآتيكم بعد أشهر بأوفى عسكر، وأكرم معشر، من لابسي سنور، وملابسي مورد في الروع ومصدر. وما زال يسعف السلطان عمه، ويسترهف في تخصيصه الولاية عزمه؛ ويسأل ويتوسل، ويرسل ويتوصل؛ حتى أخذ دستوره، وأستكتب منشوره. وسار على إنه يسرع إيابه، وبحكم في العود أسبابه. وإنما يلبث ريثما يقسم تلك البلاد على مقطعيها، ويرسم ترتيب نوابه فيها. ثم يطلع علينا طلوع السحاب، ويأتي بالآتي العباب، ويعرض عساكر لا تدخل في الحساب. وسارع إلى الرحيل وسار، بعد ما استشار، والله استخار. وفي يوم السبت رابع صفر؛ وصل كتاب الملك المجاهد؛ الجواد الماجد؛ أسد الدين شيركوه بن محمد بن شيركوه؛ وهو الجري الذي إذا جارى أضرابه من الملوك في حلبة المجد لم يدركوه، ولم يشركوه. ومضمون الكتاب: إنه خرج في آخر محرم، على جشير
следующие страницы →