← История

История · id 14789

الفتح القسي في الفتح القدسي = حروب صلاح الدين وفتح بيت المقدس

العماد الأصبهاني الكاتب

Полный текст (312 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الدلالات. قالوا: دون مقبرة ربنا نموت، وعلى خوف فوتها منا نفوت، وعنها ندافع، وعليها نقارع. وما لنا لا نقاتل! وكيف لا ننازع ولا ننازل! ولأي معنى نتركهم حتى يأخذوا! وندعهم حتى يستخلصوا ما استخلصناه منهم ويستنفذوا!. وتأهبوا وتباهوا، وما انتهوا بل تناهوا. ونصبوا المجانيق أمات الاسواء على الأسوار. وستروا بظلمات الستائر وجوه الأنوار. واستشاطت شياطينهم، وسرحت سراحينهم، وطغت طواغيتهم، واصلتت مصاليتهم، ونشرت طواميرهم، وتسعرت مساعيرهم. وهاج هائجهم، وماج مائجهم، ودعت دواعيهم، وعدت عواديهم، وسعت أفاعيهم. وحضتهم قسوسهم، وحرضتهم رءوسهم، وحركتهم نفوسهم، وجاءتهم بجوى السوء جواسيسهم. وأخبرتهم بإقبال العساكر الناصرية منصورة الجنود، منشورة البنود، موصولة القواطع بالاشاجع، مهجورة الغمود. مشهورة القواضب، مشهودة الكتائب. مقودة الضوامر إلى ثار العدا. موقدة الضمائر بنار الهدى. مشبوبة العزائم، مجنوبة الصلادم. مسلولة الظبا، مطلولة الربا. مجنونة أجنة اغمادها، مسنونة أسنة صعادها. مطلقة جيادها، محققة مظنة طرادها. قد سالت الوهاد بآكامها، وجالت الأعلام في أعلامها. وسدت الفجاج أفواجها، ومدت العجاج أمواجها، وحجبت الغزالة عقبانها، والهبت الذبالة خرصانها. وجرت بالجبال رياحها، وجرت كالحبال رماحها، واشتمل على الضراغم غيلها. واقبل بالعظائم قبيلها. ووافى كل واف بعهد ربه، كاف لكف خطبه، شاف لهم قلبه، ضاف بفيض شربه، خاف في لبوسه، ناف لبوسه، باسل بباسه، عاسل بأمراسه، ناسل بنت الغمد من جفنه، غاسل نبت الحد بدم قرنه. واصل بيض الهند بسواعده، فاصل خطاب الخطوب ببوارقه ورواعده. حاد بجده، جاد بحده. وكل شاب بنار الحرب شاب، ورب دين لدين الرب راب، وكل جيش كالبحر عباب. وكل سال ذي ذباب عن الهدى ذاب. وكل قائل بالآخرة للحياة الدنيا قال، سائل من الله الشهادة عن حب البقاء سال مائل في سبيل الله إلى إنفاق مال. وأقبل السلطان بإقبال سلطانه، وأبطال شجعانه، وأقيال أولاده وإخوانه. وأشبال مماليكه وغلمانه. وكرام أمرائه، وعظام أوليائه. في مقانب بالمناقب مقنبة، وكتائب بالمواكب مكتبة. وذوابل بالكواكب منصلة، وجحافل بمضاء المضارب محفلة. وألوية صفر للاواء بني الأصفر. بيض وسمر تزرق زرق العدا من الموت الأحمر. وقباب وقبائل، وقنا وقنابل، وصوافن وصواهل، وعوامل وعواسل. وفوارس فوارس، وكل من يبذل للشح بدينه النفوس والنفائس. واصبح يسأل عن الأقصى وطريقه الأدنى وفريقه الاسنى. ويذكر ما يفتح الله عليه بحسن فتحه من الحسنى.

стр. 37

وصف البيت المقدس وقال: إن أسعدنا من الله على إخراج أعدائه من بيته المقدس فما أسعدنا، وأي له عندنا إذا أيدنا. فإنه مكث في يد الكفر إحدى وتسعين سنة، لم يتقبل الله فيه من عابد حسنة، ودامت همم الملوك دونه متوسنة وخلت القرون عنه متخلية. وحلت الفرنج به متولية. فما ادخر الله فضيلة فتحه إلا لآل ايوب، ليجمع لهم بالقبول القلوب. وخص به عصر الإمام الناصر لدين الله ليفضله به على الاعصار، ولتفخر به مصر وعسكرها على سائر الأمصار. وكيف لا يهتم بافتتاح البيت المقدس الأقوى؛ والمسجد الأقصى المؤسس على التقوى؛ وهو مقام الأنبياء، وموقف الأولياء، ومعبد الأتقياء، ومزار إبدال الأرض وملائكة السماء. ومنه المحشر والمنتشر، ويتوافد إليه من أولياء الله بعد المعشر المعشر. وفيه الصخرة التي صينت جدة إبهاجها، ومنها منهاج المعراج، ولها القبة الشماء التي على رأسها كالتاج. وفيه ومض البارق ومضى البراق. وأضاءت ليلة الإسراء بحلول السراج المنير فيه الآفاق. ومن أبوابه: (باب الرحمة) الذي يستوجب داخله إلى الجنة بالدخول الخلود، وفيه (كرسي سليمان) و (محراب داود)، وله (عين سلوان) التي تمثل لواردها من الكوثر الحوض المورود. وهو أول القبلتين، وثاني البيتين، وثالث الحرمين. وهو أحد المساجد الثلاثة التي جاء في الخبر النبوي أنها تشد إليها الرحال، ويعقد الرجاء بها الرجال. ولعل الله يعيده بنا إلى أحسن صورة، كما شرفه بذكره مع أشرف خلقه في أول سورة، وقال عز من قائل (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) وله فضائل ومناقب لا تحصى. وإليه ومنه كان الاسراء، ولأرضه فتحت السماء، وعنه تؤثر أنباء الأنبياء، وآلاء الأولياء، ومشاهد الشهداء، وكرامات الكرماء، وعلامات العلماء. وفيه مبارك المبار، ومسارح المسار. وصخرته الطولى، القبلة الأولى. ومنها تعالت القدم النبوية، وتوالت البركة العلوية. وعندها صلى نبينا ﷺ بالنبيين، وصحب الروح الأمين، وصعد منها إلى أعلى عليين. وفيه محراب مريم ﵍ الذي قال الله فيه (كلما دخل عليها زكريا)، ولنهاره التعبد ولليله المحيا. وهو الذي أسسه دتود ووصى ببنائه سليمان. ولأجل إجلاله أنزل الله سبحان، وهو الذي افتتحه الفاروق وافتتحت به سورة الفرقان. فما أجله وأعظمه، وأشرفه وأفخمه، وأعلاه وأجلاه، وأسماه وأسناه. وأيمن بركاته وابرك ميامنه، وأحسن حالاته وأحلى محاسنه، وأزين مباهجه وأبهج مزاينه. وقد اظهر الله طوله وطوله، بقوله (الذي باركنا حوله). وكم

стр. 38

فيه من الآيات التي أراها الله نبيه، وجعل مسموعنا من فضائله مرئية. ووصف السلطان من خصائصه ومزاياه، ما وثق على استعادة آلائه مواثيقه وآلاياه. واقسم لا يبرح حتى يبر قسمه، ويرفع بأعلاه علمه، وتخطوا إلى زيارة موضع القدم النبوية قدمه. ويصغي إلى صرخة الصخرة، ويبغي بالبشرى بشر أسرة الأسرة. وسار واثقا بكمال النصرة، وزوال العسرة، وحسر الفرنج قناع الحسرة. ونزل على غربي القدس يوم الأحد خامس عشر رجب، وقلب الكفر قد وجب، وحزب الشرك قد شارف الشجى والشجب، والقدر قد اظهر العجب. وكان في القدس حينئذ من الفرنج ستون الف مقاتل، من سائف ونابل، وبطل للباطل، وعاس عاسل بالعاسل. قد وقفوا دون البلد يبارزون ويحادزون، ويعاجزون ويناجزون، ويرمون ويدمون، ويحمون ويحمون، ويحتدون ويحتدمون. ويضطرمون. ويذودون ويذبون، ويشبون ويسبون. ويصرخون ويحرضون، ويلهثون ويتغوثون. ويلوذون ويلوبون، ويجولون ويجوبون، ويقدمون ويحجمون، ويتململون ويألمون. ويتعاوون ويتضاعون، ويحترقون للبلايا، ويقترحون المنايا. وقاتلوا أشد قتال، وناضلوا أحد نضال، ونازلوا أجد نزال. وطافوا بصحاف الصفاح لإرواء الظبا الظماء من ماء الأرواح، وجالوا بالاوجال، وأجالوا قداح الآجال، وصالوا لقطع الأوصال. والتهموا والتهبوا، وتأشبوا ونشبوا. واستهدفوا للسهام، واستوقفوا للحمام. وقالوا كل واحد منا بعشرين، وكل عشرة بمائتين. ودون القمامة تقوم القيامة، ولحب سلامتها تقلى السلامة، ودامت الحرب، واستمر الطعن والضرب. فانتقل السلطان يوم الجمعة العشرين من رجب إلى الجانب الشمالي وخيم هنالك، وضيق على الفرنج المسالك، ووسع عليهم المهالك. ونصب المجانيق، ومرى من آفاتها الافاويق. وأصرخ الصخرة بالصخور، وحشر حشر السوء منهم وراء السور. فما عادوا يخرجون من السور الرءوس، إلا ويلقون البوس، واليوم العبوس، ويلقون على الردى النفوس. فللداوية دوى، وللبارونية من البوار في الهاوية هوى. وللاسبتار تبار، وما للفريرية من الموت فرار. وما بين الحجار المحلقة وبين المرمى إليهم ححاب، وفي كل قلب من الفئتين من نار حرصه التهاب. إذ الوجوه لقبل النصال مكشوفة، والقلوب بالقتال ملهوفة. والأيدي على قوائم السيوف المفتوحة مضمومة، والنفوس لاستبطاء الهمم في الاهتمام مهمومة، وقواعد السور ونواجذ شراريفه بالأحجار الخارجة من الكفات مهدومة مهتومة. فكأن المجانيق مجانين يرامون، ومناجيد لا يرامون. وجبال تجذبها حبال، ورجال تنجدها رجال. وأمات الدواهي والمنايا، وحوامل تلد البلايا. لا حجر عليها في حجر، ولا أمن عندها

стр. 39

من حذر، ولا تحظر سهامها إلا بالخطر. ولا يفطر مرورها إلا مرارات ذوي الفطر. فكم نجم من سسمائها ينقض. وصخر من أرضها يرفض! وجمر من شرارها ينقض! وما شيء كآفات كفاتها، وآيات نكاياتها، ودركات ادراكاتها، ولفتات فلتاتها، وجذبات عذباتها. فما زالت تقلع بمقالعها، وتقرع بمقارعها. وتمتح بأشطانها. وتمرح في أرسانها. وتصدم وتهدم، وتصرع وتصدع، وتنهز بدلائها، وتجهز ببلائها، وتحل تركيب الجلاميد بأفراد جلاميدها، وتفل شمل المباني بتفريقها وتبديدها، وتقوص القواعد بضربها من أساسها، وتنقض المعاقد بحذبها في امراسها، وتشفه الموارد بشربها من كأسها. حتى تركت السور سورا، وجعلت الذاب عنه محسورا، وعاد العدو من نظمه المبتور متبورا. وخرق الخندق وحفز الزحف، وظهر للإسلام الفتح وللكفر الحتف. واخذ النقب، وسهل الصعب. وبذل المجهود، وحصل المقصود. وكمل المراد، وكلم المراد. وثغر الثغر، وأمر الأمر. وأربى الأرب، واستتب السبب. وخاف القوم الوقم، واستعاضوا من الصحة السقم. واسلم البلد وقطع زنار خندقه، وبرز (ابن بارزان) ليأمن من السلطان بموثقه. وطلب الأمان لقومه، وتمنع السلطان وتسامى في سومه. وقال لا أمن لكم ولا أمان وما هوانا إلا أن نديم لكم الهوان. وغدا نملككم قسرا، ونوسعكم قتلا وأسرا. ونسفك من الرجال الدماء، ونسلط على الذرية والنساء السباء. وأبى في تأمينهم إلا الإباء. فتعرضوا للتضرع، وتخوفوا وخوفوا عاقبة التسرع. وقالوا إذا أيسنا من أمانكم؛ وخفنا من سلطانكم؛ وخبنا من إحسانكم؛ وأيقنا أنه لا نجاة ولا نجاح؛ ولا صلح ولا صلاح؛ ولا سلم ولا سلامة، ولا نعمة ولا كرامة، فإنا نستقتل فنقاتل قتال الدم؛ ونقابل الوجود بالعدم. ونقدم إقدام المستشري بالشر، ونقتحم اقتحام المستضري من الضر، ونلقي أنفسنا على النار، ولا نلقى بأيدينا إلى التهلكة والعار. ولا يجرح واحد منا حتى يجرح عشرة. ولا تضمنا يد الفتك حتى ترى أيدينا بالفتك منتشرة. وأنا نحرق الدور ونخرب القبة، ونترك عليكم في سبينا السبة. ونقلع الصخرة، ونوجدكم عليها الحسرة. ونقتل كل من عندنا من اسارى المسلمين وهم ألوف، وقد عرف أن كلا منا من الذل عزوف، وللعز ألوف. وأما الأموال فإنا نعطبها ولا نعطيها، وأما الذراري فإنا نسارع إلى إعدامها ولا نستبطيها. فأية فائدة لكم في هذا الشح، وكل خسر لكم في هذا الربح، ورب خيبة جاءت من رجاء النجح، ولا يصلح السوء سوى الصلح، ورب مدلج أضله ظلام الليل قبل إسفار الصبح. فعقد السلطان محضرا للمشورة، واحضر كبراء عساكره المنصورة. وشاورهم في الأمر، وحاورهم في السر والجهر، واستطلع خبايا ضمائرهم واستكشف خفايا

стр. 40

سرائرهم. واستورى زندهم، واستعلم ما عندهم. وراوضهم على المصلحة المترجحة، وفاوضهم في المصالحة المربحة. وقال إن الفرصة قد أمكنت فتحرص في انتهازها. وأن الحصة قد حصلت ونستخير الله في إحرازها. وإن فأنت لا تستدرك، وإن أفلتت لا تملك. فقالوا قد خصك الله بالسعادة، وأخلصك لهذه العبادة. ورأيك راشد، وعزمك لضالة النصر ناشد، وأمرك لأشتات المنائح وأسباب المناجح حاشد، وكلنا لك في اغتنام فتح هذا الموضع الشريف مناشد. واستقر بعد مراودات ومعاودات؛ ومفاوضات وتفويضات؛ وضراعات من القوم وشفاعات؛ على قطيعة تكمل بها الغبطة، وتحصل منها الحوطة. واشتروا بها منا أنفسهم وأموالهم، وخلصوا بها رجالهم ونساءهم وأطفالهم. على أنه من عجز بعد أربعين يوما عما لزمه؛ أو امتنع منه وما سلمه؛ ضرب عليه الرق، وثبت في تملكه لنا الحق. وهو عن كل رجل عشرة دنانير، وكل امرأة خمسة، وكل صغير أو صغيرة ديناران. ودخل ابن بارزان والبطرك ومقدما الداوية والاسبتار في الضمان. وبذل ابن بارزان ثلاثين ألف دينار عن الفقراء، وقام بالأداء ولم ينكل عن الوفاء فمن سلم خرج من بيته آمنا. ولم يعد إليه ساكنا. وسلموا البلد يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب على هذه القطيعة، وردوه بالرغم رد الغضب لا الوديعة. وكان فيه أكثر من مائة ألف إنسان، من رجال ونساء وصبيان. فأغلقت دونهم الأبواب، ورتب لعرضهم واستخراج ما يلزمهم النواب، ووكل باب أمير ومقدم كبير. ويحصر الخارجين، ويحصى الوالجين. فمن استخرج منه خرج، ومن لم يقم بما عليه قعد في الحبس وعدم الفرج. ولو حفظ هذا المال حق حفظه؛ لفاز منه بيت المال بأوفر حظه. لكنما تم التفريط، وعم التخليط. فكل من رشا مشى، وتنكب الأمناء نهج الرشد بالرشا. فمنهم من أدلى من السور بالحبال، ومنهم من حمل مخفيا في الرحال. ومنهم من غيرت لبسته فخرج بزي الجند، ومنهم من وقعت فيه شفاعة مطاعة لم تقابل بالرد. وكانت في القدس ملكة رومية مترهبة. في عبادة الصليب متصلبة، وعلى مصابها به ملتهبة، وفي التمسك بملتها متصعبة متعصبة. أنفاسها متصاعدة للحزن، وعبراتها متحدرة تحدر القطرات من المزن. ولها حال ومال وأشياء وأشياع، ومتاع واتباع. فمن عليها السلطان وعلى كل من معها بالافراج، وأذن في إخراج كل مالها في الأكياس والإخراج. فراحت فرحى، وأن كانت من شجنها قرحى. وكانت زوجة الملك المأسور - ابنة الملك أماري - مقيمة في جوار القدس مع مالها من الخدم والخول والجواري. فخلصت هي بمن معها ومن تبعها. من ادعى انه ممن صحبها وشيعها. وكذلك الابرنساسة ابنة فيليب ام هنفري؛ أعفيت من الوزن، وتوفر

стр. 41

مالها عليها في الخزن واستطلق صاحب البيرة زهاء خمسمائة أرمني، ذكر أنهم من بلده. وإن الواصل منهم إلى القدس لأجل متعبده، وطلب مظفر الدين ابن علي كوجك) زهاء ألف أرمني ادعى أنهم من الرها، فأجراه السلطان من إطلاقهم له على ما اشتهى. وكان السلطان قد رتب عدة دواوين، في كل ديوان منها عدة من النواب من المصريين ومنهم من الشاميين، فمن أخذ من أحد الدواوين خطا بالأداء انطلق مع الطلقاء، بعد عرض خطه على من بالباب من الأمناء والوكلاء. فذكر لي من لا أشك في مقاله؛ أنه كان يحضر في الديوان ويطلع على حاله، فربما كتبوا خطا لمن نقده في كيسهم، ويلبس أمر تلبيسهم. فكانوا شركاء بيت المال لا أمناه. وخانوه على ما حصل لكل من الغنى والنفع وما أضر غناه، ومع ذلك حصل لبيت المال ما يقارب مائة ألف دينار، وبقي من بقي تحت رق وأسار، ينتظر به انقضاء المدة المضروبة، والعجز عن الوفاء بالقطيعة المطلوبة. ذكر يوم الفتح وهو سابع عشري رجب واتفق فتح البيت المقدس في يوم كان في مثل ليلته منه المعراج، وتم بما وضح من منهاج النصر الابتهاج، وزاد من الألسنة بالدعاء والابتهال الالتهاج. وجلس السلطان للهناء، للقاء الأكابر والأمراء، والمتصوفة والعلماء. وهو جالس على هيئة التواضع وهيبة الوقار، بين الفقهاء وأهل العلم جلسائه الأبرار. ووجهه بنور البشر سافر، وأمله بعز النجح وافر ظافر وبابه مفتوح، ورفده ممنوح. وحجابه مرفوع، وخطابه مسموع ونشاطه مقبل، وبساطه مقبل. ومحياه يلوح، ورياه يفوح. ومحبته تروق ومهابته تروع، وآفاته تضيء وأخلاقه تضوع. ويده لفيض امواه السخاء، وفض أفواه العطاء؛ ظاهرها قبلة القبل، وباطنها كعبة الأمل. قد حلت له حالة الظفر، وكأن دسته به هالة القمر. والقراء جلوس يقرأون ويرشدون، والشعراء وقوف ينشدون وينشدون. والأعلام تبرز لتنشر، والأقلام تزبر لتبشر. والعيون من فرط المسرة تدمع، والقلوب للفرح بالنصرة تخشع، والألسنة بالابتهال إلى الله تضرع، والكاتب ينشى ويوشى ويوشع، والبليغ يسهب ويوجز ويضيق ويوسع. فما شبهت قلمي إلا بشائر أرى البشائر، ولا وجهت كلمى إلا لطائف وحي اللطائف. وما أرسلت يراعى ألا ليرعى الرسائل، ويوشع الفضائل، ويشيع الفواضل. ويشبع القول، ويسبغ الطول. ويطول بالحجة وإن كان في طوله قصر، ويصول باللهجة وأن كان في حجمه حصر. ويسمن الملك به وهو نحيف، ويثقل الجيش به وهو خفيف. وبدى بياض الغرة من سواد الدهمة، ويجلو بهجة الضياء من محجة الظلمة. ويجرى بالآجال والأرزاق، والمنع والإطلاق، والخلف

стр. 42

والوفاق، والإرفاق والإعتاق. والعدة والإنجاز، والجدة والاعواز. والفتق والرتق، والرقع والخرق. وهو الذي يجمع الجيوش، ويرفع العروش. ويوحش المستأنس، ويونس المستوحش. وبه بنعش العاثر، ويعثر المنتعش ويجرى بالأعداء على الأعداء، وبالإيلاء للأولياء. فبشرت بأقلامي أقاليم البشر، وعبرت بأعاجيبي عن عجائب العبر، وملأت البروج بالدراري والدروج بالدرر. ورويت تلك البشرى حتى اطابت ريا (الري) وسمر (سمرقند)، وأطربت وحلت حتى (فاقت القنديد والقند). وعلقت بفتح القدس بلاد الإسلام وزينت، وشرحت فضيلتها وبينت، وأديت فريضة زيارتها وتعينت. ذكر حالي في العود إلى الخدمة وكنت قد انقطعت من الصحبة؛ لما عرض لي في المرض من النوبة. فأقمت بدمشق أداوي مزتجي؛ وأداري منهاجي؛ وأعالج تدبيري وأدبر علاجي؛ إلى أن وصل الخبر بأن السلطان نزل على القدس، فوجدت خفة في النفس، وأنست بابلالي بعض الأنس، وأمنت لوثوقي بالصحة والاستقامة من النكس. فأوجهت إلى تلك الجهة، وسرت بطاعة النفس المتنزهة، وعصيان الطبيعة المتكرهة. واخترت تعب السفر على راحة الإقامة، ورأيت في ركوب طريق العطب وجه السلامة. ووصلت بكرة السبت ثاني يوم الفتح بالسعد واليمن والنجح. فوصلني السلطان عند وصولي بأجبى بشاشة، وأحلى هشاشة. وسرى عنه وسر، وأبر وبر. وقال أين كنت ولما أبطأت، وحيث أصبت في المجيء فما أخطأت. وقد كنا في انتظارك، والسؤال عن أخبارك. وهذا أوان إحسانك، فأين إحسان أوانك، فأجر بنانك بجرأة بيانك، وأجر في ميدانك. وما للبشائرإلا واصفها، وللفرائد إلا راصفها. وللفصاحة إلا قسها، وللحصافة إلا قيسها. وكان قد جمع أمس كتاب دواوينه على إنشاء كتب ما ارتضاها. واقتضاب معان ما اقتضاها. وكانوا سألوه في كتاب الديوان العزيز فقال لهذا من هو أقوم به، وعساني، فلما رآني ناداني واستدناني، فصرفت إلى امتثال أمره عناني. وسلم إلى الكتب التي كتبوها بالألفاظ التي رتبوها. وقال غيرها ولا تسيرها وغرضه أني أعدل معوجها، وأبدل مثبجها وافترع المعنى البكر للفتح البكر، وأوشح ذكر آياته بآيات الذكر. فاستجديتها فما استجدتها، واستلمحتها فما استملحتها. وشممتها وبها سهك، وكشفتها وسترها هتك، وكانوا قد تعاونوا عليها وفيها لهم شرك. فتسرعت في افتضاض الأبكار، واقتضاء الأبكار، واقتضاء الأفكار. واقتراح القريحة، واقتراء رحاب الكلم الفصيحة الفسيحة.

стр. 43

وافتتحت في بشرى الفتح بكتاب الديوان العزيز، وأوردت المعنى البليغ في اللفظ الوجيز. ووشحت ووشعت، وشعبت وأشبعت. وأطلت وأطبت، وصبت وأصبت، وأعجزت وأعجبت، وأطريت وأطربت. وأبعدت وأبدعت، ورصعت وصرعت. وطابقت وجانست، ووافقت وأنست. وبينت فضل عصر الإمام على الاعصار السابقة، بالأبصار الصادقة. وأن هذا الفتح ادخره الله لزمانه، ومكن منه لمكانه، وسلط عليه بسلطانه، وحسنه لنا بإحسانه. وقد عبرت القرون الماضية على حسرته، وظفر هو وأشياعه بمسرته. وما حصل لنا إلا ببركة أيامه، وحركة اعتزامه. وذكرت من هذا كل ما راق وشاق، ونور الآفاق. وأن هذه الفتوح تفوح بأرج نشره، وتحيا بحيا بره. فما أيمن أيامنا بأيامه، وما أسعد آمالنا بإنعامه. وكتبت إلى كل ذي طرف بمعنى طريف، ولفظ فثيح حصيف وسهرت تلك الليالي حتى نظمت اللآلى، وحليت المعالي، وقرحت المعادي وفرحت الموالي. وسارت شواردي إلى المشرق والمغرب، معربة عن هذا الفتح المعرب عن النصر المذهب. وبشرت المسجد الحرام بخلاص المسجد الأقصى. وتلوت (شرع لكم من الدين ما وصى). وهنأت الحجر الأسود بالصخرة البيضاء، ومنزل الوحي بمحل الإسراء، ومقر سيد المرسلين وخاتم النبيين بمقر الرسل والأنبياء. ومقام إبراهيم بموضع قدم محمد المصطفى صلى الله عليه وعليهم أجمعين، وأدام أهل الإسلام بشرف بيتيه مستمتعين. وتسامع الناس بهذا النصر الكريم، والفتح العظيم، فوفدوا للزيارة من كل فج عميق، وسلكوا إليه في كل طريق، واحرموا من البيت المقدس إلى البيت العتيق، وتنزهوا من أزهار كراماته في الروض الأنيق. ذكر ما جرت عليه حال الفرنج في خروجهم من القدس وشرع الإفرنج في بيع الامتعة، واستخراج ذخائرهم المودعة. وباعوها بالمجان في سوق الهوان، وتقاعد الناس بهم فابتاعوها بأرخص الأثمان. وباعوا بأقل من دينار كل ما يساوي أكثر من عشرة، وجدوا في ضم ما وجدوا من أمور لهم منتشرة. وكنسوا كنائسهم، وأخذوا منها نفائسهم. ونقلوا منها الذهبيات والفضيات من الأواني والقناديل، والحريريات والمذهبات من الستور والمناديل. ونقضوا من الكنائس الكنائن، واستخرجوا من الخزائن الدفائن. وجمع البطرك الكبير كل ما كان على القبر من صفائح التبر ومصوغات العسجد ومصنوعات اللجين، وجمع ما كان في قمامة من الجنسين والنسجين. فقلت للسلطان هذه أموال وافرة، وأحوال ظارة، تبلغ مائتي ألف دينار، والأمان على أموالهم لا أموال الكنائس والاديار. فلا تتركها في أيدي هؤلاء الفجار، فقال إذا

стр. 44

تأولنا عليهم نسبونا إلى الغدر، وهم جاهلون بسر هذا الأمر. ونحن نجريهم على ظاهر الأمان، ولا نتركهم يرمون أهل الإيمان بنكث الإيمان، بل يتحدثون بما أفضناه من الإحسان. فتركوا ما ثقل وحملوا ما عز وخف، ونفضوا من تراب تراثهم وقمامة قمامتهم الكف. وانتقل معظمهم إلى صور. وكتفوا بالديجور، وبقي منهم زهاء خمسة عشر ألفا امتنعوا من مشروع الحق، فاختصوا بمشروط الرق. فأما الرجال وكانوا في تقدير سبعة آلاف فإنهم ألفوا ذلا لم يكونوا له بألاف. فاقتسمتهم أيدي السبي أيدي سبا، وتفرق الغانمون بجمعهم في الوهاد والربا. وأحصيت النساء والصبيان ثمانية آلاف نسمة، عادت بيننا مقتسمة، وأصبحت ببكائها وجوه الدولة مبتسمة. فكم محجوبة هتكت، ومالكة ملكت، وعزباء نكحت، وعزيزة منحت، وبخيلة تسمحت، وحيية توقحت، ومجدة مزحت، ومصونة ابتذلت، وفارغة شغلت، وعقيلة امتهنت، وجميلة امتحنت، وعذراء افترعت، وشماء قرعت، ولمياء رشفت، وظمياء فرشت، وريضة أصبحت ورضية اصخبت. فكم تسرى منهن سرى، وتجرأ عليهن جرى. وقضى وطره عزب، ونفى نهمه سغب، وفثأ سورته شغب. وكم غانية استخلصت، وغالية استرخصت. ووالية اعتزلت، وعالية استنزلت. ووحشية صيدت، وعرشية قيدت. ولما تقدس القدس من رجس الفرنج أهل الرجز؛ وخلع لباس الذل ولبس خلع العز؛ أبي النصارى بعد أداء القطيعة أن يخرجوا، وتضرعوا في أن يسكنوا ولا يزعجوا. وبذلوا خدما وخدموا ببذول، وقابلوا كل ما ألزموا به بالتزام وقبول. وأعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وشحت أفواههم بما شجاهم فزاد شجاهم وهم فارغون. ودخلوا في الذمة، وخرجوا إلى العصمة، وشغلوا بالخدمة، واستعملوا في المهنة، وعدوا المجنة في تلك المحنة. ذكر ما أظهره السلطان في القدس من الحسنات ومحاه من السيئات ولما تسلم السلطان القدس أمر بإظهار المحراب. وحتم به أمر الإيجاب. وكان الداوية قد بنوا في وجهه جدارا وتركوه للغلة هريا، وقيل كانوا اتخذوه مستراحا عدوانا وبغيا. وكانوا قد بنوا من غربي القبلة دارا وسيعة، وكنيسة رفيعة. فأوعز برفع ذلك الحجاب، وكشف النقاب، عن عروس المحراب. وهدم ما قدامه من الابنية، وتنظيف ما حوله من الأفنية. بحيث يجتمع الناس في الجمعة في العرصة المتسعة.

стр. 45

ونصب المنبر واظهر المحراب المطهر. ونقض ما أحدثوه بين السواري، وفرشوا تلك البسيطة بالبسط الرفيعة عوض الحصر والبواري. وعلقت القناديل، وتلي التنزيل، وحق الحق وبطلت الأباطيل، وتولى الفرقان وعزل الإنجيل. وصفت السجادات، وصفت العبادات، وأقيمت الصلوات، وأديمت الدعوات، وتجلت البركات، وانجلت الكربات، وانجابت الغيايات، وانتابت الهدايات، وتليت الآيات، وأعليت الرايات. ونطق الأذان وخرس الناقوس، وحضر المؤذنون وغاب القسوس، وزال العبوس والبوس، وطابت الأنفاس والنفوس، وأقبلت السعود وأدبرت النحوس. وعاد الإيمان الغريب منه إلى موطنه، وطلب الفضل من معدنه. وورد القراء وقرئ الاوراد، واجتمع الزهاد والعباد، والابدال والأوتاد. وعبد الواحد ووحد العابد، وتوافد الراكع والساجد، والخاشع والواجد، والزاهي والزاهد، والحاكم والشاهد، والجاهد والمجاهد، والقائم والقاعد، والمتهجد الساهد، والزائر والوافد. وصدح المنبر وصدع المذكر، وانبعث المعشر وذكر البعث والمحشر. وأملى الحفاظ، وأسلى الوعاظ. وتذاكر العلماء، وتناظر الفقهاء، وتحدث الرواة وروى المحدثون، وتحنف الهداة وهدى المتحنفون. واخلص الداعون ودعا المخلصون، وأخذ بالعزيمة المترخصون، ولخص المفسرون وفسر الملخصون. وانتدى الفضلاء، وانتدب الخطباء. وكثر المترشحون للخطابة، المتوشحون بالإصابة، المعروفون بالفصاحة، الموصوفون بالحصافة. فما فيهم إلا من خطب الرتبة، ورتب الخطبة، وأنشأ معنى شائقا، ووشى لفظا رائقا، وسوى كلاما بالموضع لائقا، وروى مبتكرا من البلاغة فائقا. ومفيهم من عرض على خطبته، وطلب منى نصبته. وتمنى أن ترجح فضيلته، وتنجح وسيلته، وتسبق منيته فيها أمنيته. وكلهم طال إلى الالتهاء بها عنقه، وسال من الالتهاب عليها عرقه. وما منهم إلا من يتأهب ويترقب، ويتوسل ويتقرب. وفيهم من يتعرض ويتضرع، ويتشوف ويتشفع. وكل قد لبس وقاره ووقر لباسه، وضرب في أخماسه أسداسه، ورفع لهذه الرياسة رأسه. والسلطان لا يعين ولا يبين، ولا يخص ولا ينص. ومنهم من يقول ليتني خطبت في الجمعة الأولى، وفزت باليد الطولى. وإذا ظفرت بطالع سعدى؛ فما أبالي بمن يخطب بعدي. فلما دخل يوم الجمعة رابه شعبان؛ أصبح الناس يسألون في تعيين الخطيب السلطان. وامتلأ الجامع، واحتفلت المجامع، وتوجست الأبصار والمسامع، وفاضت لرقة القلوب المدامع، وراعت لحلية تلك الحالة وبهاء تلك البهجة الروائع، وشاعت من سر السرور بلبس حبر الحبور الشوائع، وغصت بالسابقين اليها المواضع. وتوسمت العيون، وتقسمت الظنون. وقال الناس هذا يوم كريم، وفضل عميم، وموسم عظيم.

стр. 46

هذا يوم تجاب فيه الدعوات، وتصب البركات، وتسال العبرات، وتقال العثرات. ويتيقظ الغافلون، ويتعظ العاملون. وطوبى لمن عاش، حتى حضر هذا اليوم الذي فيه انتعش الإسلام وارتاش. وما أفضل هذه الطائفة الحاضرة، والعصبة الطاهرة، والأمة الظاهرة. وما أكرم هذه النصرة الناصرية، والأسرة الامامية، والدعوة العباسية، والمملكة الايوبية، والدولة الصلاحية. وهل في بلاد الإسلام أشرف من هذه الجماعة، التي شرفها الله بالتوفيق لهذه الطاعة. وتكلموا فيمن يخطب، ولمن يكون المنصب. وتفاوضوا في التفويض، وتحدثوا بالتصريح والاعريض. والأعلام تعلى، والمنبر يكسى ويجلى. والأصوات ترتفع، والجماعات تجتمع. والأفواج تزدحم، والأمواج تلتطم. وللعارفين من الضجيج، ما في عرفات للحجيج. حتى حان الزوال، وزوال الاعتدال. وخيعل الداعي، وأعجل الساعي. فنصب السلطان الخطيب بنصه، وأبان عن اختياره بعد فحصه، وأوعز إلى القاضي (محي الدين أبي المعالي بن زكي الدين علي القرشي) بأن يرقى ذلك المرقى، وترك جباه الباقين بتقديمه عرقي، فأعرته من عندي أهبة سوداء من تشريف الخلافة، حتى تكمل له شرف الإفاضة والإضافة. فرقى العود، ولقي السعود. واهتزت أعطاف المنبر، واعتزت أطراف المعشر. وخطب وأنصتوا، ونطق وسكتوا. وأفصح وأعرب، وأبدع وأغرب، وأعجز وأعجب، وأوجز وأسهب. ووعظ في خطبتيه، وخطب بموعظتيه. وأبان عن فضل البيت المقدس وتقديسه، والمسجد الأقصى من أول تأسيسه، وتطهيره بعد تنجيسه، وإخراس ناقوسه وإخراج قسيسه. ودعا للخليفة والسلطان وختم بقوله تعالى (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) ونزل وصلى في المحراب، وافتتح بسم الله من أم الكتاب. فائتم بتلك الأمة، وتم نزول الرحمة، وكمل وصول النعمة. ولما قضيت الصلاة انتشر الناس، واشتهر الإيناس، وانعقد الإجماع واطرد القياس. وكان قد نصب للوعظ القبلة سرير، ليفرعه كبير. فجلس عليه (زين الدين أبو الحسن علي بن نجا)، فذكر من خاف ومن رجا، ومن سعد ومن شقي ومن هلك ومن نجا، وخوف بالحجة ذوي الحجا وجلا بنور وجلا عظاته من ظلمات الشبهات ما دجا. وأتى بكل عظة، للراقدين موقظة، وللظالمين محفظة، ولأولياء الله مرققة ولأعداء الله مغلظة. وضج المتباركون، وعج المتشاكون. ورقت القلوب، وخفت الكروب وتصاعدت النعرات، وتحدرت العبرات. وتاب المذنبون، وأناب المتحوبون، وصاح التوابون، وناح الاوابون. وجرت حالات جلت، وجلوات حلت، ودعوات علت،

стр. 47

وضراعات قبلت، وفرض من الولاية الإلهية انتهزت وحصص من العناية الريانية أحرزت. وصلى السلطان في قبة الصخرة، والصفوف على سعة الصحن بها متصلة، والأمة إلى الله بدوام نصره مبتهلة، والوجوه الموجهة إلى القبلة علية مقبلة. والأيدي إلى الله مرفوعة، والدعوات له مسموعة. ثم رتب في المسجد الأقصى خطيبا استمرت خطبته، واستقرت نصبته. وصف الصخرة المعظمة عمرها الله وأما الصخرة فقد كان الفرنج قد بنوا عليها كنيسة ومذبحا، ولم يتركوا فيها للأيدي المتبركة ولا للعيون المدركة ملمسا ولا مطمحا. وقد زينوها بالصور والتماثيل، وعينوا بها مواضع الرهبان ومحط الإنجيل، وكملوا بها أسباب التعظيم والتبجيل. وأفردوا فيها لموضع القدم قبة صغيرة مذهبة، بأعمدة الرخام منصبة. وقالوا محل قدم المسيح، وهو مقدم التقديس والتسبيح وكانت فيها صور الأنعام مثبتة في الرخام. ورأيت في تلك التصاوير أشباه الخنازير. والصخرة المقصودة المزورة، بما عليها من الأبنية مستورة، وبتلك الكنيسة المعمورة مغمورة. فأمر السلطان بكشف نقابها، ورفع حجابها، وحسر لثامها، وقشر رخامها، وكسر رجامها، ونقض بنائها، وفض غطائها. وإبرازها للزائرين، وإظهارها للناظرين. ونزع لبوسها، وزفاف عروسها. وإخراج درها من الصدف، واطلاع بدرها من السدف. وهدم سجنها، وفك رهنها، وإراءة حسنها، وإضاءة يمنها. وإبداء وجهها الصبيح، وجلاء شرفها الصريح. وردها إلى الحالة الحالية، والقيمة الغالية، والرتبة العالية. وهي التي حليها عطل، وعطلها حلى، وعريها كسوة وكسوتها عرى. فعادت كما كانت في الزمن القديم، وشهدت حين شوهدت بحسبها الكريم، وسيم بهاء حسنها الوسيم. وما كان يظهر منها قبل الفتح إلا قطعة من نحتها، قد أساء أهل الكفر من تحتها. وظهرت الآن أحسن ظهور، وسفرت أيمن سفور، وأشرقت القناديل من فوقها نورا على نور. وعملت عليها حظيرة من شبابيك حديد، والاعتناء بها إلى الآن كل يوم في مزيد. ورتب السلطان في قبة الصخرة إماما من أحسن القراء تلاوة، وأزينهم طلاوة. وأنداهم صوتا، وأسماهم في الديانة صيتا. واعرفهم بالقراءات السبع بل العشر، وأطيبهم في العرف والنشر. وأغناه وأقناه، وأولاه لما ولاه. ووقف عليه دارا وأرضا وبستانا، وأسدى إليه معروفا دارا وإحسانا. وحمل إليها وإلى محراب المسجد الأقصى مصاحف وختمات؛ وربعات معظمات؛ لا تزال بين أيدي الزائرين على كراسيها مرفوعة، وعلى أسرتها موضوعة. ورتب لهذه القبة خاصة؛ وللبيت المقدس

стр. 48

عامة؛ قومة لشمل مصالحها ضامة. فما ترتب إلا العارفون العاكفون، والقائمون بالعبادة الواقفون. فما أبهج ليلها وقد حضرت الجموع! وزهرت الشموع! وبان الخشوع! ودان الخضوع! ودرت من المتقين الدموع! واستعرت من العارفين الضلوع! فهناك كل ولي يعبد ربه ويأمل بره، وكل (أشعث أغبر لا يوبه له لو أقسم على الله لأبره) وهناك كل من يحيي الليل ويقومه، ويسمو بالحق ويسومه. وهناك كل من يختم القرآن ويرتله، ويطرد الشيطان ويبطله. ومن عرفته بمعرفته الأسحار، ومن الفته لتهجده الأوراد والأذكار. وما أسعد نهارها حين تستقبل الملائكة زوارها، وتلحف الشمس أنوارها، وتحمل القلوب إليها أسراها، وتضع الجناة عندها أوزارها، وتستهدي صبيحة كل يوم منها أسفارها، وما أظهر من تولى اطهارها! وأطهر من باشر إظهارها! وكان الفرنج قد قطعوا من الصخرة قطعا وحملوا منها إلى قسطنطينية، ونقلوا منها إلى صقلية. وقيل باعوها بوزنها ذهبا، واتخذوا ذلك مكسبا. ولما ظهرت؛ ظهرت مواضعها؛ وقطعت القلوب لما بانت مقاطعها؛ فهي الآن مبرزة للعيون بحزها، باقية على الأيام بعزها، ومصونة للإسلام في خدرها وحرزها. وهذا كله تم بعد انفصال السلطان والشروع في العمران. وأمر بترخيم محراب الأقصى، وأن يبالغ فيه ويستقصى. وتنافس ملوك بني أيوب فيما يؤثر بها الآثار الحسنة، وفيما يجمع لهم ود القلوب وشكر الألسنة. فما منهم إلا من أجمل وأحسن، وفعل ما أمكن، وجلا وبين. وحلا وزين. وأشفق وأنفق، وأغنى وأقنى، واعتنى وابتنى. ووفى وأوفى، وأصفى وأضفى. وأتى (الملك العادل سيف الدين أبو بكر) بكل صنع بكر، موجب لكل شكر. وكل فعل جميل، ورفد جزيل، ومن جلى ومنح جليل. ومكرمة حميدة، ومحمدة كريمة. وفضيلة بها تلاجح، وووسيلة بها (تنجح). وأتى (الملك المظفر تقي الدين عمر) بكل ما عم به العرف وغمر، ونهى وأمر، وبنى وعمر. ومن جمله أفعاله المشكورة، ومكرماته المشهورة؛ أنه حضر يوما في قبة الصخرة، مع جماعة من السراة والأسرة ومعه من ماء الورد أحمال، ولأجل الصدقة والرفد مال. فانتهز فرصة هذه الفضيلة التي ابتكرها بالافتراض، وتولى بيده كنس تلك الساحات والعراص. ثم غسلها بالماء مرارا حتى تطهرت، ثم اتبع الماء بماء الورد صبا حتى تعطرت. وكذلك طهر حيطانها، وغسل جدرانها. ثم أتى بمجامر الطيب فتبخرت، وتضوعت وتعرفت. وفغمت مناشق أهل الهدى، وأرغمت آناف العدا. وما زال مع قومه؛ في تطهير البقعة المباركة طول يومه؛ حتى تيقنت طهارتها؛ وبينت عمارتها،

стр. 49

وراقت نضارتها، ووقفت عليها الاستحسان نظارتها. ثم فرق ذلك المال فيها على ذوي الاستحقاق، وافتخر بأن فاق الكرام بالإنفاق. وجاء (الملك الأفضل نور الدين علي)؛ بكل نور جلى، وكرم ملي، وإحسان سني، وأنعام هني، وعرف زكي، وعرف ذكي. وعطاء مبتدع، وسخاء مخترع. وجود مبتكر، ورفد معتبر. واتى بكل ما خلد الأثر الحسن، وانطق بحمده الألسن. وبسط بها الصنيعة، وفرش فيها البسط الرفيعة. وهدى وأهدى، وأعاد بعد ما أبدى، وأنار وأسدى. وأفاض الندى، وفض الجدا. ونفض الأكياس، حتى خلنا به الانفاض والإفلاس. وسيأتي ذكر ما اعتمده من بناء أسوار القدس وحفر خنادقه، وأعجز بما اعجب من سوابق معروفة ولواحقه؛ ما لم يشق أحد فيه غباره، ولا ملك سابق في مضماره. وأما (الملك العزيز عثمان)؛ فإنه أتى بالإحسان الذي استظهر به الإيمان. وذلك؛ أنه لما عاد إلى مصر وقد شاهد الفتح والنصر؛ ترك خزانة سلاحه بالقدس كلها، ولم ير بعد حصولها به نقلها. وكانت أحمالا بأموال، وأثقالا كجبال. وذخائر وافية، وعددا واقية. ودروعا سوابغ، ونصولا دوامغ. وخوذا وترائك، ورماحات ونيازك. وقنا وقنابل، وصواقل وذوابل. وجروخا وقسيا، ويمانيا وهنديا ويزنيا، وردينيا ومشرفيا. وجفاتي وجنويات، وطوارق وقنطاريات. ورانات حديد وزانات. وآلات وزيارات وزراقات، ونفاظات وقطاعات. وعدد النقوب، وجمع أدوات الحروب. فاستظهرت بها المدينة، وتوثقت بها عراها المتينة. وكان من جملة ما شرط على الفرنج أن يتركوا لنا خيلهم وعدتهم، ويخرجوا قبل أن يستوفي الباقون في أداء القطيعة مدتهم. فتوفرت بذلك عدد البلد، واستغنى بذلك عما يصل من المدد. ذكر محراب داود ﵇ وغيره من المشاهد الكرام وتبطيل الكنائس وإنشاء المدارس وأما محراب داود ﵇ خارج المسجد الأقصى؛ فإنه في حصن عند باب المدينة منيع، وموضع عال رفيع. وهو الحصن الذي يقيم به الوالي، فاعتنى السلطان بأحواله الحوالي. ورتب له إماما، ومؤذنين وقواما. وهو مثابة الصالحين. ومزار الغادين والرائحين. فأحياه وجدده، ونهج لقاصديه جدده. وأمر بعمارة جميع المساجد، وصون المشاهد، وإنجاح المقاصد؛ وإصفاء الموارد، للقاصد والوارد. وكان. موضع هذه القلعة دار داود وسليمان ﵉، وكان ينتابهما فيها الأنام. وكان الملك العادل نازلا في كنيسة صهيون، وأجناده على بابها مخيمون.

стр. 50

وفاوض السلطان جلساؤه من العلماء الأبرار والأتقياء الأخيار؛ في مدرسة للفقهاء الشافعية، ورباط للصلحاء الصوفية. فعين للمدرسة الكنيسة المعروفة بصند حنة - عند باب أسباط. وعين دار البطرك وهي بقرب كنيسة قمامة - للرباط. ووقف عليهما وقوفا، وأسدى بذلك إلى الطائفتين معروفا. وارتاد أيضا مدارس للطوائف، ليضيفها إلى ما أولاه من العوارف. وأمر بإغلاق أبواب كنيسة قمامة، وحرم على النصارى زيارتها ولا الإلمامة. وتفاوض الناس عنده فيها، فمنهم من أشار بهدم مبانيها. وتعفية آثارها، وتعمية نهج مزارها. وإزالة تماثيلها، وإزاحة أباطيلها، وإطفاء قناديلها، وإعفاء أناجيلها، وإذهاب تساويلها، وإكذاب أقاويلها. وقالوا إذا هدمت مبانيها؛ وألحقت بأسفلها أعاليها؛ ونبشت المقبرة وعفيت؛ واخمدت نيرانها وأطفيت؛ ومحيت رسومها ونفيت؛ وحرثت ارضها؛ ودمر طولها وعرضها؛ انقطعت عنها إمداد الزوار، وانحسمت عن قصدها مواد أطماع أهل النار. ومهما استمرت العمارة؛ استمرت الزيارة. وقال أكثر الناس لا فائدة في هدمها ولا هدها، ولا يؤذن بصد أبواب الزيارة عن الكفرة وسدها. فإن متعبدهم موضع الصليب والقبر لا ما يشاهد من البناء، ولا ينقطع عنها قصد أجناس النصرانية ولو نسفت أرضها في السماء؛ ولما فتح أمير المؤمنين عمر ﵁ القدس في صدر الإسلام أقرهم على هذا المكان، ولم يأمرهم بهدم البنيان. ومما كتبته إلى الديوان العزيز مجده الله للبشرى بفتح القدس مع الرسول ضياء الدين الشهرزوري من رسالة: وقد سبقت البشائر بما من الله به من الفتح العظيم، والنصر العميم، والعهرف الجسيم، والفضل الوسيم، واليوم الأغر الأعز الكريم. والشرف الذي ذخره الله لهذا العصر ليفضله على الاعصار، وأراد تأخير فخاره إلى هذه الأيام ليكون بها تاريخ الفخار. فقد أعجز الملوك عن اقتضاء نصرته، وافتضاض عذرته، وخص من أجراه على يده بسمو قدره ونمو قدرته. وأعاد به القدس إلى قدسه، وأظهره وطهره من رجز الكفر ورجسه. وقد رجع الإسلام الغريب منه إلى داره، وخرج قمر الهدى به من سراره، وذهبت ظلم الضلالة بأنواره. وعادت الأرض المقدسة إلى ما كانت موصوفة به من التقديس، وأمنت المخلوف فيها وبها فصارت صباح السرى ومناخ التعريس. وقد أقصى عن المسجد الأقصى الأقصون من الله الابعدون، وتوافد إليه المصطفون الاقربون، والملائكة المقربون. وخرس الناقوس بزجل المسبحين، وخرج المفسدون بدخول المصلحين. وقال المحراب لأهله مرحبا وأهلا،

стр. 51

وشمل جماعة المسلمين من إقامة الجمعة والجماعة ما جمع للإسلام فيه شكلا. ورفعت الأعلام العباسية على منبره فأخذت من بره أوفى نصيب، وتلت بألسنة عذبها (نصر من الله وفتح قريب). وغسلت الصخرة المباركة بدموع المتقين من دنس المشركين. وبعد أهل الأحد من قربها بقرب الموحدين. فذكر بها ما كاد ينسى من عهد المعراج النبوي، وقامت بدلالتها براهين الأعجاز المحمدي. وصافحت الأيدي منها موضع القدم، وتحدد لها من البهجة والرسالة ما كان لها في القدم. فهو ثاني المسجدين، بل ثالث الحرمين. فليهن البيت الحرام خلاص أخيه البيت المقدس من الأسر، وإسفار صبح الإسلام بعد طول اعتكار ليل الكفر. وتطهير مواقف الأنبياء صلوات الله عليهم من ادناس الأرجاس، وتضوع ارج الرجاء في أرجائه بعد اليأس. فالحمد لله الذي أبدل الايحاش بالايناس، ونزع عنه بإفاضة خلع الرحمة عليه لباس البأس. وجعل عصر مولانا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - على الاعصر مفضلا، وكمل بهذا الفتح الشريف شرف زمانه، فأصبح فخر الدين والدنيا به مكملا. ويسر ببركات أيامه فتح البلاد الساحلية بأسرها، وعجل هلاك هذه الطائفة الطاغية من الفرنج بقتلها وأسرها. ولقد حل الكفر عروة عروة، وهد ذروة ذروة. وعادت حباله رثاثا، وعقوده انكاثا، ومساكنه أجداثا، وصار حديثا بعد أن شوهد أهل الذمة أحداثا. فالرتاج مستفتح، والرجاء مستنجح. والبلاد مستخلصة، والقيم الغوالي منها بسوم العوالي مسترخصة. والعقائل مقتضة، والمعاقل منفضة، ومناهل المنى بمياه النجاح مرفضة، ونجوم الرجوم على شياطين الكفر بسيوف أهل الإيمان منقضة. والثغور مبتسمة، والأمور منتظمة، والحصون متسلمة، وارض الكفر ينقصها الإسلام كل يوم من أطرافها، بل يستولي على أوساطها وأكنافها، ويعيد إلى الطاعة كرها مذهب خلافها. ولقد أينع زلاعها وثمرها من رؤوس المشركين، وهذا أوان حصادها وقطافها. والنعمة بحمد الله عظيمة، والموهبة وإن خصت هذا الإقليم فهي في جميع أقاليم المسلمين عميمة. ولو شرح ما لهذا الفتح من جلالة العظمة؛ ودلالة المكرمة؛ لكبا قلم البليغ في مضمار البيان ولم يبلغ مدى (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا)، والقاضي ضياء الدين القاسم الشهروزوري، قد توجه لهذه النعمة واصفا، وعند ما يؤمر به من إنهاء البشرى بها واقفا، وأولى من وصف العرف من كان بأوصاه عارفا. وأحق من شرح الحق والحقيقة من تفي بشرح الصدور مصادر شرحه، وبفتح على الإسلام أبواب الهناء بإنهاء ما تسنى من فتحه. ويحدث وهو الضياء بإسفار صبحه.

стр. 52

عاد الحديث إلى ما جرى بعد فتح القدس وأقام السلطان على القدس حتى تسلم ما بقربها من حصون، واستباح كل ما للكفر بها من مصون. ورحل ولده الملك الأفضل قبله إلى عكاء عائدا، وعن حوزتها ببأسه وجوده ذائدا. ثم تبعه الملك المظفر فرحل، وسار إلى عكاء وبها نزل. ثم عمد السلطان إلى ما جمعه ففرقه، وأخرجه في ذوي الاستحقاق وأنفقه. وفرضه بعوارفه، وفضه في مصارفه. فسد خلة المعيل، وأسهم منه ابن السبيل. وحمل به عن الغارم. وأحيا به سنن المكارم ووضعه في أهله، وأحله في محله. وصرفه في حله. وقدم التوسعة على ذوي الإضافة، والإنفاق من أهل الفاقة. وأجنى الأجناد منه مقاطف، وجعل للمجاهدين منه وظائف. وأبقاه بأفنانه ذخرا للآخرة، وكسبا للمحامد الفاخرة. فأكثروا عذله على بذله، واستكثروا ما فضه بفضله. فقال كيف امنع الحق مستحقيه، وهذا الذي أنفقه هو الذي أبقيه، وإذا قبله مني المستحق فالمنة له على فيه. فإنه يخلصني من الأمانة ويطلقني من وثاقها، فإن الذي في يدي وديعة احفظها لذوي استحقاقها. فما عاد الوفد إلا بوفر ودثر، والإفاضة في نظم من حمده ونثر. وحاز كل ذي فضيلة منه فضلا، وتفيأ كل فئة من فيئة ظلا. وكثر السائلون بالفضائل، والقائلون بالوسائل. والقاصدون بالقصائد، والوافدون بالفوائد، والواردون بالفوارد. والسابقون بالشوافع، والشافعون بالسوابق. والسالكون للطرائق، والمالكون للحقائق. فما ترى إلا فارئا باللسان الفصيح، وراويا للكتاب الصحيح. ومتكلما في مسألة، ومتفحصا عن مشكلة. وموردا لحديث نبوي، وذاكرا لحكم مذهبي، سائلا عن لفظ لغوي. ومعنى نحوي. أو مقرضا بقريض، أو معرضا بتصريح أو مصرخا بتعريض. أو جالبا لمدحه، أو طالبا لمنحة. أو مستضعفا بفاقة، أو مستسعفا بإفاقة. أو ناشدا بنشيد، أو مسمعا بتغريب وتغريد. وما فيهم إلا من أحظى بسهم، أو أرضى بقسم. وأصيب بنصيب وأجيب، وأجيز بتقرير وتقريب. فقيل له لو ذخرت هذا المال للمال لشفيت به ما يقع من الاعتلال. وكفيت بالحقيقة ما يسنح من الاختلال، فقال أملي قوي من الله الكافل بنجح الآمال وجمع الإسراء المطلقين، وكانوا ألوفا من المسلمين. فكساهم وأساهم، ووواساهم وأذهب أساهم. فانطلق كل منهم إلى وطنه ووطره، ناجيا من ضرره ووضره. ومكث السلطان عليه مقيما، للنظر في مصالحة مستديما. فقيل ما قعودك عن صور؟ فانهض إليها عسكرك المنصور. وأنت تدخلها يوم وصولك، وتحظى منها بمرادك وسولك.

стр. 53

فانو السير واحو الخير. وأحصر الخير، واحظر التأخير. وفي تعجيل النهضة تحصيلها في القبضة، وفي بدار الإلمام بدارها بشرى أهله الفتوح المقمرة بابدارها. فأسر بالعسكر وأسرع، وأقطع عن الكفر تلك الأعمال وأقطع؛ واكثر من كان يستحثه؛ وعلى النهوض يبعثه؛ الأمير (علي بن أحمد المعروف بالمشطوب). وكان من أكابر الأمراء الكافين للخطوب، الكافين في الحروب. وكانت معه صيداء وبيروت وهما بقرب صور وقد أشفق أن فتحها يفوت. فرأى الحظ في الحض، وحرض على الفرض، ولم يفكر في قوتها بانتقال رجال الساحل اليها، وأنه يشق في هذا الوقت التزول عليها. وكان المركيس عند اشتغالها بالقدس بإحكام صور مشتغلا، وعلى الاستهتار بتحصينها مشتعلا. وقد استجد قدامها من البحر إلى البحر خندقا، وجعل الطريق إليها مضيقا. وأحكم أسباب الأحكام، وأخذ بالحزم في الاهتمام. ذكر رحيل السلطان عن القدس على قصد حصار صور ورحل السلطان عن القدس يوم الجمعة الخامس والعشرين من شعبان، وقد عنا لأمره كل قاص ودان. وودعه ولده عزيز مصر في أول منزلة، وسايره لكراهية فراقه مقدار مرحلة. ثم وصاه وشيعه، واستصحب أخاه الملك العادل معه. مستظهرا بإخائه، مستبشرا بآلائه، مستبصرا بآرائه، مستنصرا بمضائه، مستغنيا بغنائه، موفيا بوفائه. وهو بعقده يعقد وبحله يحل، وبشده يشد وبحلوله يحل. والعساكر بالفضاء فائضة، وللخطوب الربضة رائضة، وإلى استنهاض النضر لأنصارها ناهضة، ومن هواها أنها في دأماء الدماء من أهل الكفر خائضة. فوصل إلى عكاء في أول شهر رمضان فخيم بظاهرها ظاهرا بخيمه. باهرا بتأخيره وتقديمه. قاهرا بشباه المبير، زاهرا بسناه المنير. جاهزا بسره، ظاهرا في بحره. وأقام أياما يتفكر ويتدبر. ويستشير ويستخبر. والمشطوب يستعجله ولا يمهله. ويحرص بالعبث، ويحذر من المكث، ويقول الفرصة تدرك بالحث، وتفوت باللبث. . فسار لندائه ملبيا، ولجيش النصر معبيا ولرأيه مقلدا، وبالله متأيدا. فوصل إلى صور تاسع شهر رمضان يوم الجمعة بالجحافل المحتفلة، والجموع المجتمعة. فنزل بعيدا من سورها، سعيدا في ترتيب أمورها. مضرولة قبابه، مجنوبة عرابه. نحجوبة بالبنود والجنود أرضه وسماؤه، منشورة غاياته. منصورة آراؤه. خافقة على الأعداء عذبات عذابه، دافقة في ثرى النجح في الأنحاء ثرات صوب صوابه. قد كست خيامه عرى العراء، وفضت أشعة بيضه وسمره الفضة بالفضاء، واحتوت مضاربه

стр. 54

المضيئة بآلائه وآرائه على مضارب المضاء، وباحت استباحة حمى المشركين للموحدين بسر السراء. فمكث أياما حتى تواصل المدد، وتكامل العدد. واستحضر آلات الحصار، واستكثر من المجانيق الصغار والكبار. ثم تقدم إليها وخيم عليها الثاني والعشرين من الشهر يوم الخميس، (وفي خميس يسير في الوشيج كالأسد في الخيس). ونزلت النوازل المركسة من نزوله ونزاله بالمركيس، فوقع في الدردبيس، والعذاب البئيس. فكأنما نفخ في صور (صور). فحشر أهل جهنم وملئوا السور. واتصلت زيارة الزيارات للجروح بالجروح وتوافت مناجاة المجانيق بالخدوش والشدوخ، وأرسلت الحجارات حاجرة حاجزة، وألسنة أهل الرجس والرجز بالفحشاء راجزة. وكانت صور على السوء مستوية، وعلى كل من خرج من القدس وبلاد الساحل محتوية. فضجوا وارتجوا، وعاجوا وعجوا، ولجئوا ولجوا. ونصبوا على كل نيق منجنيقا، وشدوا من كل جانب ركنا وثيقا. وشدوا في الجبال ومدوا في الحبال. ورموا من الشرافات بالشرور والآفات، وسلب الحجار حجاها وأمت الأمة وجاءها وجاها. فكم من رؤوس أطارت! ونفوس ابارت! وبرخسفت، وبدركسفت، وبحر نزفت، وطود نسفت. فحول السلطان إلى قربها له خيمة صغيرة، وأنهض بنات الحنايا بالمنايا عليها مغيرة. وصف الجفاتي، فصدف أتيها الآتي. وعارض بحرها بعرض بحره، ورد كيد الكفر من المنجنيق بما نصبه من المنجنيق في نحره. فأحبط أعمالهم بأعماله، وأهبط رجالهم برجاله. وقابل الأبراج بالأبراج، وحاول بالردى علاج الاعلاج. ووالاها حجارات وصخورا، حتى جعلت سور صور سورا. وجد في أمرها، وأجاد في حصرها. ووصل إليه في تلك الأيام من قوى به ظهر الإسلام؛ ولده (الملك الظاهر غياث الدين غازي)، وهو الذي جل في سماحته وحماسته عن الموازن والموازي. فقدم مبارك القدم، متدارك النعم، عالي الهمم، غالي القيم. ومعه عسكر مجر لحب، جلبه من حلب، قد استصحب البيض والسمر والبيض واليلب. فظهر من الملك الظاهر ما ملك به قبول القلوب، وأغرى سيفه بسفك دم الكفر المطلول المطلوب. ورأى نصب خيمته وراء خيمة أبيه المنصوبة، وجد في استرجاع مدينة الإسلام المغضوبة. وقدم بين يديه كل حجار راجح، وكل نقاب ناجح، لصم الصفاح مصافح. وكل جاندار جان در الردى للكفار، وكل زراق رزق الجسارة على أهل النار بالنار. وكل من جنانه تقتبس ذباله البسالة، وكل جرخى رخى البال بالهدى إصماء أهل الضلالة. وكل رام رام النجم في الأفق فراماه، وكل همام هم بالخطب النازل فتحاماه. وكل مقدام قرنه دام، وكل ضرغام صريعه في غرام. وكل قمقام ضارب بصمصام، وكل حام شارب بكأس حمام. وكل ذمر مشيح، لذمار الكفر

стр. 55

مبيح، ولروح الجد مريح، ولذماء المزاج مزيج. وكل فاتك لحبل الوريد باتك، ولستر الحياة هاتك، ولعدم العداة سافك. وكل شجاع إلى الموت داع، وإلى المجد ساع، وللإسلام راع، وللإشراك ناع. وكل فارس للفوارس فارس، وللذوابل في النحور غارس، وفي اليوم العابس غير عابس. وكل راجل لقهر العدو راج، وبسر البأس مناج، ومن شر الناس بشجاعته ناخ، وبباغت المنون لمن يلاقيه شاج. وكل عتال عات، ونجار ونشار ونحات، وحداد وقين، وكل زائر للعدا بحين. فاجتمعوا وزحفوا، وجفوا على القوم ورجفوا. وأصموا وصمموا، وأوقدوا نارا وأضرموا. وأطاروا من أعشاش الأقواس إلى أوكار الأحداق افراخا، واستصرخوا الأقدار لأقدارهم فحبتهم حين أحبتهم إصراخا. وغلظوا على الرقاب الغلاظ بالرقاق، وأولوا الشقاء لأولى الشقاق. وتساعدوا وتناصروا، وتطاولوا وما تقاصروا. وما فيهم إلا من أبان عن جد، وأبان بحد. وألان الشديد، وأعان السديد، وأفلح ففلح الحديد بالحديد، وجد الجديد، ومد المديد. وصور مرتجة أبوابها، مرتجة أربابها، مغتصة جوانبها، مرتصة عصائبها، مشحونة أبراجها، مسجونة أعلاجها، محصورة كلابها، محسورة ذئابها، محشورة ثعالبها، محشودة كتائبها. والمركيس بها متجهم، وإبليس عليه متحكم. وقد سقط في يده، وسخط لبلده، وارتبط بجلده، واختلط بكمده. وغلت مراجل غلوائه، وعدت غوائل عدوائه. وطاش وجاش، واوخش الأوباش والاوخاش. وتوشح بالشر وتوحش، وترشح للردى وتحرش. واشتعل بجمره، وبعل بأمره، وضرى بضره، وجال بوجله في مكر مكره، وكر في وكره. وعشا عشه، وغشى غشه. وثبت على لجاجه، ونبت في إجابه. وتسعر وتعسر، وتربص وتصبر. والسلطان مصيب حكمه، صائب سهمه، ماض عزمه، قاض حزمه، بار حده، جار جده، وار زنده، سار وفده. باتك غربه، فاتك ضربه. قاطع شبا باسه، ساطع سني إيناسه. قد اتسقت أسبابه، واتسعت رحابه، واجتمع أصحابه. فازدحم على بابه، وحول قبابه؛ كل مبارز بار، وكل ضارب ضار، وكل حجار جار. وكل رامح ورام، وكل حامل سلاح وحام. وكل سائف حائف، وكل عاصف قاصف. وكل آكل للحرب شارب، وكل طالع بالضرب غارب. وكل هاجم هائج، وكل راجم رائج. وكل معتقل متقلد، وكل مجرب مجرد. وكل ذكر مذكور، وكل غضنفر مشكور. وكل ليث ملاث وكل غيث غياث، وكل سفاك لدم الكفر سفاح، وكل جراد لسيف الفتك جراح. وكل مكتتم في درعه، مكتمن في نقعه. ملثم بزغفه، مثلم بحرفه. مقنع بلأمه، ملفع بقتامه. سابح في بحر الموت بسابحه، سامع في الصباح صوت صائحه. فجمع إليه امراءه، واستحضر عظماء ملكه وخبراءه.

стр. 56

وقالوا هذا بلد حصين، ومكانه من الأرض مكين. في البحر ثلاثة أرباعه، وفي السماء ارتفاع يفاعه. وطريقه الذي يسلك من البر إليه، قد أحاط به البحر من جانبيه. وقد قطعوه بخندق في عرضه، وعمقوه ونزلوا في أرضه. وكان من إحكام الحزم؛ وإتمام العزم؛ تكميل الآلات وتتميمها، وتحصيل المنجنيقات وتقديمها. وتركيب الأبراج والدبابات وتأليفها، وتقريب الجفاتي والجنويات وتصفيفها، وتسوية مناصب المجانيق وتسقيفها، وتنجية أثقال العسكر وتخفيفها، وتنخية نخب الرجال وتصريفها. وتسنية الاسباب، وتهيئة الأخشاب. واستحضار كل ما يراد للحصار. واستنفار كل ما يرام من الأنصار. فإذا حضرت هذه الأشياء والأشياع، وتيسرت وتوفرت الأصول والاتباع، رحب الذرع في الحصر والمضايقة وطال الباع، وإذا حالت الأحوال وضاعت الأوضاع؛ اختل واعتل النزال والنزاع. وأمر السلطان بإزاحة العلل، وإزالة الخلل، وشغل الصناع بالعمل، ونقل الأمل إلى طريق الذل. وتقدم بقطع أشجار الغياض، وحمل ما بتلك النواحي من الأنقاض. فاجتمع هناك كل ألة، وذباب وذبالة، وقضيب ومقبض، ومجرب ومحرب. وسهم وشهم، وشهب ودهم. وأحمال وأثقال. ونظمت الستائر من القضيب، وصفت من سور صور بالمكان القريب. وكمت من ورائها الكماة، واستترت بالجفاتي قدامها الرماة. واشتغل كل صانع بصنعه، وكل جامع بجمعه، وكل دافع مانع بمنعه ودفعه. فمن جان بمنجنيق، ودان إلى نيق. وداب بدبابة، وذاب بذبابة. ونازع في حنيه، وناز بمنية. وقاذف بشرارة، وحاذف بحجارة، وهاتك من ستارة، وفاتك بجسارة. وجاذب في حبال، وجالب لوبال. ومرو في قلع ومسو لمقلاع، ومدبر بايجاف ومدمر بايجاع. ولم تزل المنجنيقات ترمى، والحجارات تدمر وتدمى، والدبابات تطير من أوكارها عقبان الجروخ، وأطباق البروج تبنى وتغطى بالسلوخ حتى امتد الزمان، واشتد الحران. وضاق الحصر، وأعتاق النصر. وكان العسكر قد ألف تيسر الفتح، وتسرع النجح. فصعب عليه حين صعب، وتبع هواه لما تعب. ولم يألف الناس إلا إرواء ظمائهم بنهلة، والحصول على إكساب سهلة، وفتح ما يقصدونه من البلاد بغير مهلة. فلما توقف هذا الفتح توقفوا، وملوا وضجروا وتأفقوا. والسلطان مع ذلك يزداد في حده حدة، وفي شده شدة، وفي جده جدة، يثبتهم بحثه ويحثهم على الثبات، ويقويهم بجوده ويوجدهم القوات، ويقول إن الله أمر بالمصابرة، ولا مصابرة الا بالمثابرة. فاصبروا تفلحوا، وصابروا تفتحوا.

стр. 57

ذكر ما تم على الأسطول وكان السلطان قد نفذ من صور، وأحضر إليها من عكاء ما كان بها من مراكب الأسطول المنصور. فوصلت منها عشر شوان، على العدا جوان، وللردى لهم جوان. فعمرها بالرجال، وجهزها للقتال. واتصلت بها مراكب لنا من بيروت وجبيل، فاستشعر المركيس وأشياعه منها الويل. وعمروا لهم مراكب، ورفعوا بها مناكب. وسفننا بالساحل عندنا مربوطة، وبحفظنا مضبوطة محوطة. ودامت تدب عقاربها، وتذب سواريها، وتجري سواربها، وتسري جواريها، وتطير للقنص بزاتها، وتغير للفرس غزاتها. وتكسر بكواسرها وتدور بدوائرها. وتلاطم الأمواج بأمواجها، وتزاحم الاثباج بأثباجها. وترفع شرع الهداة بشراعها، وتقلع عرش الغواة بأقلاعها. وتنقض على شياطين الكفر شهبها، وترفض بشآبيب الذعر سحبها. فكأنها الاساود السود، ركبتها الأسود. من كل افعوان يحمله أفعوان، وشجاع امتطته شجعان، وغراب بشتات العدا ناعق، وسحاب بوميض الهدى بارق. فيا لها من اغربة دارت بعقبان، وادنحة طارت بظلمان. ورواس سوار، وغواز بغوار. وقد ملئت برماه الحدق، وحماة الحلق. وزراقي النار، وطراقي الثار. والخاطفين بالخطاطيف، القاذفين بالمقاذيف. والكالمين بالكلاليب، والسالبين بالاساليب، والحاربين بالمحاريب. والراجمين بالرجام، والمعلمين على الأعلام. فانشقت مرائر الفرنج، وأزاحت سفنها عن النهج. وقرنصت بزاة البيزانية، وتقلصت جناة الجنوية. وكرثت أدواء الداوية، وكثرت اسواء الاسبتارية، وزادت آلام الألمانية، وعادت أسقام الافرنسيسية. وصارت مراكبهم في المينا لا تبين، وشدتهم بشد شوانينا تكاد تلين. وقد ربطوا عندهم السفن، فلو خرجت كانت جبالا نسفن. وأنس أصحابنا بعلو الأمر، وخلو البحر. وأمنوا من الخوف، وأدمنوا على الطوف. ودام تطوافهم، واستقام ايجافهم. واغتروا بالسلامة، وسروا بالاستقامة. وباتت لنا شوان خمس، لها بزوال الوحشة أنس. وربطت بقرب ميناء صور راصدة، ولأخذ ما يخرج من شوانيها قاصدة. والدياجي مدلهمة، والدواهي ملتمة. وعيون الزهر راقدة، وعيون الكفر ساهدة. وللمكايد مصايب، وللعوادي عوائد، وللغوائل طوائل، وللمسائل دلائل وللمقادير مقاد، ولأولئك المراد مراد. فحفظ أصحابنا إلى السحر الحرس، وسهروا إلى أن شارفوا الغلس، وكل منهم لما استأنس نعس، وغاص في النوم وما تنفس. فما انتهبوا إلا وسفن الفرنج بهم محدقة، ونيرانهم محرقة. فولجوا في البحر والتجوا، وتطافروا إلى الماء لينجوا. وعدت العداة، وأخذت تلك الشواني الشناة. واسروا منها عدة، ولقي الباقون شدة. فاغتم السلطان

стр. 58

بسبب هذه النكبة، وفرح الكفار بتلك الضربة. وكانت تلك أولى حادثه كرثت وكارثة حدثت. ونائبة رابت، ورائبة نابت. فضاقت القلوب، وضاقت الكروب. وحصلت تجربة الغارين، واتصلت حركة الفارين. واستيقظ الناعس، واستوحش الآنس. وهب الراقد، ودب الراكد. وذاب الجامد، وشب الخامد. وهاج الزائر، وماج الزاخر. وتحرك الساكن، وتورك الراكن. وعقل من غفل، وذهن من ذهل. وتيقظ من غفا، وتحفظ من هفا. وتقبض من انبسط، وتقيد من نشط، ووهم من عف، وألم من كف. ورجفت الآفاق بالمرجفين، وطالت ألسنة المعنفين. فمنهم من يؤنب ويذنب، ومنهم من يقول ويطنب، والعاقل يتجنب، ويقيم العذر لمن يذنب ويقول هذه من الله موعظة، وآية لنا موقظة. وأشار الناس بإنفاذ الشواني البواقي، وقطعوا بأن هذه القطع لا تكفى لملاقاة من يلاقى. فجهزوها نهارا، وصيروا سرها جهارا. وأمروا بتسييرها إلى بيروت، ورجوا أن تسبق وتفوت. وركب العسكر في الساحل يباريها، وهي بالقرب تجارية في البحر وهو في البر يجاريها. فأبصر ملاحوها شواني الفرنج لمبارزتها مبرزة، وللإجهاز وراءها مجهزة. وكانوا رجالا من بحرية مصر مجمعة، وأصبحت قلوبهم بما جرى على أنظارهم مروعة. فتواقعوا إلى الماء. وخافوا على دمائهم في الدأماء. وخرجوا إلى البر على وجوههم، وخافوا مكرهم في مكروههم. وفروا وفاروا، وطاروا وثاروا. ولم يلفت أحد منهم ليتا ولم يزدهم دعاؤهم إلى التجمع إلا تشتيتا. فظهر بهذه النوبة الواقعة، والنبوة الرائعة، أن نواب مصر لم يجر منهم بالأسطول احتفال، ولم يرتب فيه على ما يراد رجال. وإنما حشدوا إليها مجمعة مجهولة غير عارفة ولا معروفة، ومستضعفة غير آلفة ولا مألوفة. فلا حرم لما شاهدوا الروع ارتاعوا، ولما أنزموا بالطاعة ما استطاعوا. وكان في حملة شوانينا قطعة يتولاها رئيس (جبيل) كأنها جبيل، وفيها بحرية من ذوي التجربة والتجري والتجربة ما لها جبل ولا ميل. فطال بأسلحة الدفاع، وطار بأجنحة الشراع. وفاز بالسبق وفات، وهيهات أن يدرك هيهات. فنجا النجباء، وآب بهم الآباء. فبقيت المراكب الباقية وقد أخلاها حماتها الواقية. فرفعناها إلى البر، ورأينا الصحة منها في الكسر. وفرغنا من شغل المراكب في البحر. هذا والمنجنيقات ترميهم، والمفوقات الموفقات تعميهم وتصميهم. والقتال قائم، والنزال دائم. والصخور تفلق، والصدور تقلق. والأحجار تقلقل، والأسوار تحلحل. والأطواد تضعضع، والأبراج القيام تسجد وتركع. والأصلاد تقدح، والاجلاد تقرح. والألواح تصدع، والأرواح تودع. والخدود لشفاه الشفار ملثومة، والحدود بضراب الاضراب

стр. 59

مثلومة. والجروح بين أكفاء الكفاح مقسومة، والقروح بها قوارح القوارع موسومة. والحنايا واترة موترة، والمنايا مأثورة مؤثرة. وظعائن الضغائن تحدى بصليل البواتر، وصهيل الضوامر. وحقوق الحقود تقتضي بألسنة الأسنة وعنت الأعنة من الغريم الكافر. والأوداج شاخبة كالعيون البواكي، والابشار دامية من الزنبوركات والناوكات النواكي. وهناك العقل معزول بالتهور، والرأي مشغول عن التدبر. والعلم والحلم خالطهما الجهل والسفاه، والجرخى يبتدئ ببسم الله، والمنجنيقي يختم بلا اله إله الله. والزراق بالنار يطيب القارورة، ويحرق الساتورة، والسابق إلى المضمار يساور السور ويباشر الباشورة. ذكر خروج الفرنج للقتال ولما عثر الفرنج على تلك العثرة؛ وظنوا فينا الفتور لأجل تلك الفترة؛ وقالوا مراكبهم أنحل تركيبها، وكتائبهم أختل ترتيبها، وستجرى بها عنا الندامة التي يحدثنا تجريبها. وهم الآن على صوت لهم مخيف، وفوت بهم مطيف. فلا معنى لتقاعدنا عنهم، ولا وجه لتباعدنا منهم. فلو خرجنا صدمناهم، وأقدمنا عليهم وهزمناهم. وخرجوا يوما قبل العصر، في عدة كالليل خارجة عن الحصر. قد التأموا واستلأموا، وانضموا وانتظموا وتقدموا، واقدموا للطوارق حاملين. وللجمالات مطرقين، وعلى الفرق مجتمعين وللجماعات مفرقين، وبالرهق حادين وبالجد مرهقين. وللعقود حالين، ومن الغمود سالين. وللمناصل منتضين، وللطوائل مقتضين، وللسيوف مجردين، وللسيول مجرين، وبالزغف ملتثمين، وفي الحتف مقتحمين. وبالقنطاريات طائرين، وبالزيارات زائرين. من كل مغوار وار، ومحضار ضار، وفجار جار، وجبار بار، وعدو عنود، وكند كنود. وداوي ذي دوي، وباروني غوى. ومن كل مصمم إذا وتر، مصم إذا اوتر، مصم إذا نعر، مصر إذا ذعر، هائج إذا استعر، مائج إذا ذخر، متنمر إذا زأر، متذمر إذا زحر. فتناوبوا وتواثبوا، وتجاواوا وتجاوبوا. ودنوا من متارس المنجنيقات، وجنوا من مغارس الجنويات. وبنوا أمرهم على أن الناس ناسون غارون، وأن أهل البأس في خيمهم هاجمون قارون. فتلقاهم منا كل ضارب للهام، ضار بالحمام، جار إلى الأقدام. ملب للصوت، محب للموت. مشتهر بالغناء، مشته للقاء، مستهتر بالبلاء. ماض بالمواضي، منقاض بالقواضب القواضي. وكل أبيض بالبيض ضراب وللبيض رضاض، وأغلب للمغلب قضقاض، والى الحرب نهاض. وكل

стр. 60

معتقل رماحه، معتقد مراحه. مهتز لطرب الشهادة، معتز بأرب السعادة. متمن للمنون، متجن على الجنون. مضرم نار الحديد في ماء الوريد، مغرم في تفريق العدا بجمع العديد. مفرغ ماء الظبا على نار النجيع، مبلغ تلبية إلى الصريخ السريع. قد تلثم باللام، وتلفع باللثام. تقنع بالزرد، وتدرع بالجلد. وتجوشن بالصبر، وتخشن بالزبر وصال بالقضب، وجال بالهضب. وطال بالهندي على الفرنجي، وخاض من دم الشرك في البحر اللجي. فلم يسمع إلا أنين الحنية، لحنين المنية، ورنين الاوتار، من كنين الأوتار. وهفيف السهام لذفيف اللهام. وصليل بنات الغمود، من غليل أبناء الحقود. وهمهمة الابطال، وغمغمة الاقتال. وزثير الضرغام، وزفير الضرام. وقرع الظبا بالظبا، ووقع الشبا على الشبا. وضجة الحديد من الحديد، وعجة الشديد من الشديد. وجعجعة رحى الحرب، وقعقعة أداة الطعن والضرب. وجرجرة الفحول، وزمجرة الذحول: وهديل حمام الحمام، وهدير قروم الأقدام. ووعوعة ذئاب الوغى ومعمعة التهاب اللظى. ودعدعة صاع المصاع، وجلجلة سباع القراع. وصلصلة الزبر، وولولة الزمر. وحيعلة دعاة النصر، وهيضلة رعاة الكفر. ورفرفة المريشات الراشقة. وهسهسة الطعنات الفاهقة. وهزهزة أعطاف المران، وزهزهة أصوات الشجعان. ونعير الغالبين، وصخب السالبين، ولجب الجالبين، وزجير الطالبين. ونهيت الأسود، وقصيف الرعود. وهدة الاركان، ودهدهة الرعان، وقهقهة الأقران. وقرقرة الكماة، وصرصرة بزاة الغزاة. وكشيش صلال الضلال، ونشيش مراجل الرجال. وهزيز ريح الباس، وهزيم رعد المراس. وإرنان المعاجس، وارزان القناعس. وهيعة الصارخ، وصيحة النافخ. وزعقة المستفرع، ونعقة المستنزع. وشعشعة الخرصان، وزهزمة النيران. وهينمة الأجل، وجمجمة الزجل. وتكبير المؤمنين، وتهليل المؤمنين. وصرير أبواب الجنان للشهداء، وصريف أنياب الجنان للأعداء، والدعاء إلى اللقاء، والنداء إلى الأرداء. وارتفعت الاصوات، واشتبهت الأحياء والأموات. ووقع أصحابها فيهم وقوع النار في الحطب، واروهم في مرايا البيض وجوه العطب، وولوا مدبرين، بعد ما تولوا مدبرين. وجنودنا تشلهم، وحدودنا تفلهم. ولتوتنا ترضهم، ونيوثنا تفضهم. وعادوا إلى البلد، عادمي الجلد. وفيهم ندوب وعليهم نوادب، وأيدي الردى بهم لواعب ومنهم لواغب. ودخل الليل، وعمهم الويل. وأسرنا منهم مقدمين، ثبتوا على الموت مقدمين. وممن أسر فخسر قومص عظيم، بل شيطان رجيم. فترك في قيد الاسار، ليكشف عن حاله بالنهار، وكان (الملك الظاهر غازي) لم يحضر فيما تقدم من المغازي. فرأى أن يحقق

стр. 61

اسمه بقتله، فضرب عنقه بحد نصله. وكان للمركيس شبيها، وفي الفرنج وجيها. فظنوا أنه هو للشبه، وبات أهل الكفر بالعمى والعمة. ثم عرف أن المركيس في نفسه لم ينكأ ولم ينكب، ولما عطب أشياعه لم يعطب، وندم على ما قدم، ومن تقدم على غرة تندم. ذكر ما دبروه من الرأي ورأوه من التدبير ولما امتنع البلد؛ وارتدع الجلد؛ وارتتج العدو ولج؛ ضجر العسكر وضج. واجتمع أمراء يحبون الإفلات، ولا يكرهون الفوات. وقالوا مطاولة ما نقصر عنه تتعب، ومزاولة ما لا يزول تصعب. ومحاولة الممتنع محال، ومطال غريم هذا الفتح مطال، وما يتسع لنا في هذه الحلبة الضيقة مجال. وهذا السلطان جلد على المصابرة، مجد في المكابرة لا يكترث بالكارث، ولا يدخل سمعه حديث الحادث. ولا يبالي بمن بلى، ولا يفكر فيمن ولى أو ولى. ولا راحة له إلا في التعب، ولا يعلم له نصيب سلامة إلا من النصب. وكل كا جرى إلى اليوم منا ومن القوم لم يرعه ولم يردعه، وقد قيل: إذا لم تستطع شيئا فدعه. فكيف السبيل إلى استعطافه؟، وما التدبير في استسعافه؟. وبم نتوسل ونتوصل؟ وإذا عرفناه أن الداء يعضل، والخطب يشكل، لعله يجتوي الإقامة ويرحل. فاطلع على ما أسروه، ومر به ما أمروه. وأهمه ما به هموا، وآلمه ما به ألموا. فراسلهم بالهبات، ووواصلهم بالصلات. ورغبهم فيما عند الله من الزلفى، ووعدهم بكل ما على أملهم أوفى. وقال لهم: كيف نخلي هذا المكان، وما استفرغنا في شغله الإمكان. وما استنفدنا في مضايقته الوسع، ولا أحسنا بعد في محاضرته الصنع، ولا زحف إليه الجمع، ولا حفز منه المنع. ولا أصابنا من مكر أهله مكروه ولا ورد الصبر منه بشفاه شفاهه مشفوه. وكيف تجري بنا الخيل عنه قبل التجريب، وهذا الأرب ما يخطر بخاطر الأريب. وما عذرنا إلى الله والى المسلمين إذا تركناه، وكيف نقول فاتنا هذا القنص وما أدركناه. (والفرصة إذا فاتت لا تدرك، والبغية إذا واتت فحقها تملك). ونواظر الناس إلى ما سيكون منا في صور صور، وهذه الظلمة المدلهمة لا يجلوها إلا نور (ومن لا يتعب لا يستريح، ومن لا يحترق من الوجد لا يقترح). وأن تجدوا تجدوا، وإن تردوا على المنهل العدى تردوا. وأن تصبروا تصيبوا، فارجعوا إلى الله وأنيبوا. وهذا الرجل متواصل، والغرض به حاصل. ونحن نقسمه على المجانيق ونوبها، ونلزم كلا منهم ملازمة البقعة التي هو بها، وهذا البرج قد ارتفع، والوسع قد اتسع. وقد امتلأت بالرجال طبقاته، وتوالت منها في الكفر رشقاته، والنصر قد آن أن تطيب نشقاته، والمركيس أبعده الله قد قرب أن تخونه ثقاته. ورأينا طول الأرواح، لا التطاول إلى الرواح. وفي التثبت على المقام، التوثب على المرام.

стр. 62

ثم أخرج المال وصبه من أكياسه، وفرقه على ناسه، وأنفقه في أهل باسه، وواصل البذل، وهجر العذل. وملأ الأيدي بالغنى، وروج للرجاء نججح المنى. وأمر فامتثل، وقال فقبل. ونادى فسمع، وحشر فجمع. وعادت عادة الحصار، وأسعدت سعادة الأنصار. ذكر فتح حصن هونين وورد الخبر عن هونين إنها هانت، ودنا أمرها ودانت، وأن طريق فتحها بانت، وأنها عنت فإن ألطاف الله أعانت، وأنها بذلت ما صانت، ولم تبق للكفر على ما كانت، وأن شدتها لانت. وكان السلطان قد وكل بها بعض أمرائه، وأمده بمددي جنده وعطائه. فلبث إلى هذه الغاية، يصميها بسهام النكاية. حتى طلب أهلها الأمان على الوفاء بما يشترطون، ويشطون منها ولا يشتطون، فأول ما قالوا أمهلونا حتى نعلم ما يكون من صور، ونكشف هذه الأمور، فإن أخذتموها أخذتم هذه، وشفعنا أمر السلطان بنفاذه. وأن خليتموها فيا هوان هنين!. ونحن نجعل على هذا عدة من الأصحاب مرهونين. فندب السلطان (بدر الدين دلدرم الياروقي) وهو من أكابر عظمائه، وأكارم أمرائه؛ وأمره باستنزالهم واستذلالهم، والأمان لنسائم ورجالهم. فمضى ورغبهم في الأمن والسلامة، وخوفهم عقبى الحسرة والندامة. وقال لهم أنتم بين حصنين هما تبنين وبانياس، وماذا تصنعون إذا خاب رجاؤكم وبان الياس. وإذا أبيتم التسليم عدمتم سلامتكم، وأقمتم قيامتكم، واستباحكم السلطان واستباكم، وكرهكم وأباكم، وحل بالقتل حباكم، وفل شباكم. فما زال يغرب ويرهب حتى رغبوا ورهبوا، وأخذوا الأمان على أن يذهبوا. ووصل الخبر إلى السلطان وهو على محاصرة صور مقيم، ولمقاتلة أهلها مستديم، وإلى ما عند الله من نصره مستنيم. وتسلمت هنين بما فيها من عدة وذخيرة، وقوة وميرة، وآلات وأدوات كثيرة. وتسلمها (بيرم) أخو صاحب بانياس، واستشعر الفرنج منها الياس. وكانت قد بقيت من الحصون التي تعذر فتحها؛ وبرح بالقلوب برحها؛ من عمل صيداء: قلعة أبي الحسن وشقيف ارنون، ومن عمل طبرية والغور: صفد وكوكب وهما من أحكم الحصون. وقد وكل بهما أميرين، من خواصه كبيرين. وقد ضيقا على من بهما من العلوج، ومنعا من الدخول والخروج. وأقام السلطان على صور محاصرا، وللدين الحنيف ناصرا، وليد الشرك بمطاولته قاصرا. يقاتلها بكل سلاح؛ ويقابلها بكل كفاح؛ حتى كادت تستكين؛ وشدتها

стр. 63

تلين، وأبيتها تدين، وسريرها يبين. وكان قد دخل كانون، وظهر من سر الشتاء المكنون. وقبض البرد الأيدي عن الانبساط، وأعدم الهمم دواعي النشاط. وعادت العزائم المتوهجة تبرد، والصرائم المتأججة تخمد. والنخوات المتحركة تجمد، والحميات المتيقظة ترقد. والضرام المحتدم يخبو، والحسام المخذم ينبو. والطباع تتكره، والسباع تتأوه. ومناوبة القتال تختل، ومعاقدة النزال تنحل. فلحاهم السلطان على ما لاح، وعرفهم أن في الصبر الفلاح. وأمرهم بالمقام والاستقامة على الأمر، وأنه لا ظفر إلا مع الصبر، وأن الظلم تنجلي عند تجلي الفجر. وكان في الأمراء جماعة منتخبون منتخون، أبت أمانتهم في حمية الدين أن تخون. مقيمون على الكريهة ولا كراهة منهم للمقام، ويحبون أن تقام وظيفة الانتقام. ويؤثرون بأنفسهم في طاعة الله وموافقة السلطان، وعصيان الشيطان في مفارقة المكان. فإذا أرجف بالرحيل رجفوا، وسخفوا رأي المشير به وضعفوا. واضطربوا واضطرموا، وتذمموا وتلوموا. وقالوا كيف نترك ما حويناه، ونعوج ما سويناه، وننشر كفرا طويناه، ونهجر خيرا نويناه. ونداوي توحيدا شفيناه، ونشفي إشراكا أدويناه. وما للراحة اليوم طالب؛ ألا وهو غدا بالتعب مطلوب. ومن أمسى وهو الآن غالب، يوشك إذا ولى أن يصبح وهو مغلوب. وهذه صورة صور قد تشوهت، وموارد قوتها شفهت، وإذا أخلينا عنها وخليناها ترفهت واستفرهت، وإذا حلمنا عنها سفهت، وهبت من غشية خشيتها وتنهبت. وتارك المصابرة مصاب، والآخذ بالمثابرة مثاب. فمنهم الأمير طمان بن غازي ما اطمأن يوما في الغزو ولا سكن. وعز الدين جرديك النوري كم جرد على أعناق المشركين سيفه الذي به تمكن، وهما همامان مقدمان مقدامان، من عادتهما الوثبات على ثبات العداة يرومان الثبات ولا يريمان. وجماعة أخر بهما يتشبهون، وبالكريهة لا يتكرهون. وأما الباقون فأنهم أحبوا البقاء، وأبغضوا اللقاء، واتقوا الاتقاء، وأبوا ألا الإباء. وقالوا قد لغبنا وما بلغنا، وجرحنا وما رجحنا، فلو رحنا استرحنا، ثم عجنا ورجعنا. وما نحن بأول واضع للاصر، راجع عن الحصر. معتف للعقل، مستعف من الثقل. عامل بمحض الحزم، عالم بوقت العزم. هذا وقد علم ما عرا من ضروب الكروب، وتلثم ما برى من غروب الحروب. وبقدر ما هدم من مباني البلد، هدم أكثر منه من مباني الجلد. فقال السلطان بل نجد في القتال اياما، ونقدم بأسا وإقداما. ونزحف بجميع رجالنا، ونصدقهم في نزالنا. ونقاتلهم من جميع النواحي، فإن تعذر لاح العذر للاحى. وأصبح العسكر وقد استعد، وامتد قبالة البلد من البحر إلى البحر والنصر استمد.

стр. 64

وركب الأمراء بأجنادهم ووقفوا، وأثمر لهم ورق الحديد الأخضر فقطفوا. وتناوبوا في الزحف، وتعاقبوا على الحتف. وكلما ترجلت طائفة قاتلت ثم رجعت، وجاءت الطائفة الأخرى فصدقت وصدعت، وقارعت وقرعت، وصارعت وصرعت. فلم ير أشد من ذلك اليوم، في وقم القوم. واجترأ أصحابنا وراض جماحهم أصحابنا. وخاضت خيلنا في البحر خلف منهزميهم، وأقدم من أحجم منا لإحجام مقدميهم. فحينئذ طارت للحين من السهام زنابيرها، وأسعرت الحرب بضرام الضراب مساعيرها. وامتلأت السعير بقتلاهم وقالت: هل من مزيد، وفتحت الجنة لمن باع نفسه بها فقالت: هل من شهيد. وانقضى ذلك اليوم وقد كلت الأسلحة، وملت الأجنحة. وانهاضت قوادم الانهاض، وانفضت الجموع من إقواء القوى والانفاض. وبات الناس على ضجر وضجاج، ولجب ولجاج. فلو عاودنا البلد بمثل ذلك اليوم أياما، لنلنا من فتحه مراما. لكنهم أصبحوا على سأم، والموا بإبداء ألم. وقالوا قلت كثرتنا، فلو أقيلت عثرتنا لانجبرت كسرتنا وفينا الجريح والطليح، وحتى متى لا نستريح! وقد توالت الأمطار فلا مطار، وعلينا هذا الحصار صار!. وكانت الجراحات كثيرة، والاحتياجات بها مثيرة. ومنع البرد من العمل، وامتنع سد الخلة وتسديد الخلل. وما زالوا يراسلون السلطان ويشيرون بالرحيل، ويقولون لا تتعب على تحصيل المستحيل ولا تذهب الأيام في إبرام السحيل. ودعنا نستجد دعة، ونسترد قوى عند لطف الله مودعة. ونشتغل بفتح الأيسر وهو أكثر، ونؤخر التشاغل بما لعله يتعسر. وكان السلطان في تلك المدة، أنفق أموالا كثيرة على تلك الآلة والعدة. وما أمكن نقلها، ولا نكن من نقلها ثقلها. ولو أبقاها لقوى بها الكفر، واشتغل بسببها الفكر. فرأى نقضها، وفك بعضها. واحرق منها ما تعذر حملها، وشتت بعد التجمع شملها. وحمل بعضها إلى صيداء، وبعضها إلى عكاء، وجرت أعاجيب ما تكاد تحكى، وسر ذلك الرحيل قوما وساء قوما فأضحك وأبكى. وتأخر السلطان وتباعد عن قرب صور إلى المنزلة الأولى، ويد أيده على جميع الأحوال طولى. فشرع العسكر في الانصراف، وتزود للانكفاء والانكفاف. وأخذ الجمع في الافتراق، وانتشر في الآفاق. وذهب من ذهب على مواعدة في المعاودة، ومسارعة في الرجوع إلى المساعدة. وودع (الملك المظفر تقي الدين) من هناك، وأوعد بوعد عوده الإشراك. وسار على طريق هونين إلى دمشق مغذا، وفارق الغزو وكان له ذلك المغزى مغذى. وسارت معه عساكر الموصل وسنجار وديار بكر، وكل طير منهم اشتاق إلى وكر. وما عرفوا أن هذه الراحة القليلة تعقبهم تعبا كثيرا، وأن هذا الهدو الذي مالوا إليه يصير لحثيث حركتهم مثيرا.

стр. 65

وبقى السلطان يتلهف على ما تركه، ويتأسف على الفتح الذي ما أدركه والذين أشاروا بهذا الرأي يسهلون الصعب، ويهونون الخطب. ويقولون نمضي ونعود، وتستعدنا السعود، وتنجدنا الجنود، وتتجدد الجدود، ويورق العود، وتصدق الوعود. وإذا أبقل الربيع، اقبل الجميع. وطاب الزمان، ووفى الضمان، وأمكن الإسعاد وساعد الإمكان. وما زالوا بنا حتى رحلنا، وعلى الرأي الرائب منهم أحلنا، ولو أقمنا لنقمنا، وقمعنا العدو ووقمنا. لكن الله قدر وقدره محتوم، وسر غيبه المكتوب في اللوح المحفوظ مكتوم. وأراد ولا مرد لمراده، وقضى ولا محيد لما قضاه في عباده. أن تبقى صور في تلك الحالة للكفر وكرا، وللمكر مكرا، وللشرك شركا، ولنار جهنم دركا. وقدمنا عن صور الارتحال آخر شوال غرة كانون الثاني، وعم البرد في القاضي والدانيز وتوحمت السماء من حوامل السحائب، وتوحلت الأرض من سوائل المذانب. والنكب الرياح عواصف عواسف قواصم قواصف، والسحب الدلاح هوامل هوامر رواعد رواعف والبرد قارص قارس، والماء جامد جامس. والشتاء شتات بتات، وما مع مقامه وثباته مقام وثبات. وسرنا عباديد في لبابيد، وبين جليد وجلاميد. على الناقورة وطريقها، والأثقال قد ازدحمت في مضيقها. والأحمال تتواقع، والأجمال تتقاطع. والسبل تنسد، والسابلة ترتد. وسلكت الخيل الجبل، وقطع العسكر طريقه إلى المخيم ووصل. وتأخر الثقل إلى أن تخلص، وتقدم من سبق وتملص. ووصلنا إلى عكاء في ثلاث مراحل، وقد غطى بحر عسكرنا الساحل. وخيم السلطان على باب البلد بجانب التل، سامي المحل، نامي الفضل. دائم الفكر في تدبير الأمر، وتدمير الكفر، واثقا من الله بإنجاز عدة النصر. ذكر الحادثة التي تمت على محمود أخي جاولي حتى استشهد هو وأصحابه ويوم رحيلنا من صور نعى (محمود أخو جاولي)، وكان من جملة الأمراء أعف ولى ولي. وعاش مجاهدا زاهدا وعيشه زهيد، وقضى صابرا مصابرا وهو سعيد شهيد. وسبب ذلك، أن السلطان لعلمه بديانته وأمانته؛ وبأسه وبسالته؛ ويقظته ونهضته وحزامته؛ وكله يحصن كوكب الذي على الغور وكانت فيها جمرة الاسبتارية القريبة الجور البعيدة الغور. وقد تمنعوا بشدتهم، واشتدوا بمنعتهم. وهو حصن لا يرام، وركن لا يضام، ومعقل لا يسامى ولا يسام. وذروة لا تفرع، ومروة لا تقرع، وعقيلة لا فترع. وبكر لا تخطب، وقلعة لا تطلب. ولما ملك الساحل، وهلك الباطل، ونظمت الحصون في سلم الحصول وظفر

стр. 66

الإسلام بالفتح المأمون المأمول، وافتتحت طبرية وأعمالها، وتملكت أغوار تلك البلاد وجبالها، تمنعت قلعتا صفد بالداويه وكوكب بالاسبتارية وتعذر فتحها، وتعثر منحهما، ووقف أمرهما، وأعدى البلاد ضرهما، فرتب على صفد جماعة يعرفون بالناصرية، من أهل الأبية والنخوة والحمية. ومقدمهم (مسعود الصلتي) أصلتت سعادته منه سيفا إصليتا، لا يلفت عن لقاء العدو ليتا. ورتب على كوكب هذا (محمودا)، وكان بهما أمر الحفظ محمودا. وذلك بعد الكسرة، وصحة النصرة. فأحاطا بالحصنين واحتاطا، وظهرت كفاية كليهما بما تعاطى. وكان الحفظ مستمرا والاحتياط مستقرا. حتى انس محمود بضعف أهل الحصن، وظن انهم في غاية الوهن. وسكن إلى سكونهم، وأغمضت عينه لتوهم إغماض عيونهم. واسترسل فيما حزب، واستسهل ما صعب. وأخل بالحزم، وخلا من العزم. واحتقر عدوه، وحسب من العجز هدوه. وكان مقامه بحصن قريب من كوكب يقال له عفر بلا، قد أقام به جاما جامعا فيه ما أمر وحلا. وكان ذا دين متين، ومكان من النسك مكين. وهو يسهر أكثر ليله متجهدا، وقد جعل منزله مسجدا. وأصحابه من حوله، يحفظونه بقوة الله وحوله. فلما كان آخر ليلة من شوال، وهي ليلة ذات أهوال، مظلمة مدلهمة كافرة مكفهرة، ليلاء قتماء، باردة مقشعرة، أنوارها بائدة، أنواؤها جائدة، وهزيع جنحها دجوجى، وهزيم ودقها لحي، وسحبها سحم، وأقطارها دهم. وصبيرها صيب، وصنبرها مشيب، لا يفرق فيها السماء من الأرض (ظلمات بعضها فوق بعض) خرج أهل كوكب فوق السحر، ومضوا إليه وقد رقد بعد طول السهر. والناس رقود، والحراس هجود، والجنود جمود، والأنفاس خمود، والهمم رقود. والسيوف أسرار أضمرتها الغمود، والعدم قد دنا منه الوجود. فما أحس محمود المحمود، وأصحابه الهمود، إلا بالفرنج وقد سلكوا إليهم، وبركوا عليهم. فقصروا عن الامتناع، ولم يقدروا على الدفاع. فجاءتهم السعادة، وفجأتهم الشهادة. وبقى الأمير حتى استشهد محصورا، (وكان أمر الله مقدورا). ونقلوا إلى القلعة ما وجدوه من سلاح ومتاع، وخيل وكراع. فلما عرف السلطان ما أصابهم؛ أحتسب عند الله مصابهم؛ وأحمد إلى الجنة مآبهم. فندب إلى كوكب (صارم الدين قايماز النجمي) - الصارم المخدم، والحازم المقدم. والعضب البتار، والندب المغوار. والأسد الأسد. والأحمى الأحمد. في خمسمائة فارس من ذوي النجدة، والبأس والشدة. فسد الطريق بمضايقتها عنها، ومنع من الدخول إليها والخروج منها. ولم يزل عليها ولحصرها مستديما؛ إلى أن يسر الله فتحها؛ وسهل للآمال فيها نجحها. وسنذكر ذلك في موضعه، وكيف أشرق صبح النصر من مطلعه.

стр. 67

ذكر ما جرى بعد نزول السلطان على عطاء بعد عوده من صور استأذن (الملك الظاهر) والده في العود إلى حلب فإذن له وودعه؛ بعد ما أمره بكل ما يجب تقديمه من الاستعداد فامتثله واتبعه. وودع (الملك العادل) وأوجه إلى مصر، مستقبل الظفر والنصر. وأقام (الملك الأفضل) بعكاء مستقلا بالآراء، مستهلا بلألاء، مستبدا بتدبير أسباب الهدى، مستعدا لتدمير أحزاب العدا. وأقمنا بالمخيم لخدمة السلطان ملازمين، ولإقامة شرائطها مداومين. وكل يطلب إذنا في الانصراف، ويستقيم على نهج الانحراف. حتى خف من عندنا من الجند، وثقل علينا عبء البرد. وتناوحت الهوج، وتراوحت الثلوج، ورجت الدروج، ونجت النووج. وارتجز عجاج الودق، وارتجس ثجاج البرق. وجفت الحرجف، وطفح الاوطف. وتقطعت الخيام وتقلعت الاوتاد، وتجللت بأبراد الجليد من البرد الآكام والوهاد. ومال بل وقع عمود السرادق، ودام تواصل البوارح والبوارق. ودخل السلطان إلى المدينة، وسكن بها في كنف السكينة، مستقيما على المحجة المستبينة، مقيما للحجة المتينة. وشرع في إعداد العدد، واستمداد المدد. وإبرام معاقد الحل والعقد، وإحكام قواعد الدين والمجد. وإحياء سنة السماح والفضل، وإعلاء سناء الإحسان والعدل. وإفادة الكرام وإكرام الوفود، وإعادة ما بدا به من إفاضة الجود. وإجازة الراجين. وإجارة اللاجين، وإسعاف العافين، وإبعاد العادين. ودناه أهل العلم. وإغناء ذوي العدم. وإنجاح المقاصد، وإنجاز المواعد. ذكر رسل وردوا في هذا التاريخ وكانت رسل الآفاق من الروم وخراسان والعراق، عاكفين على بابه، قاطفين جنى جنابه، واقفين لرفع حجابه. مستعفين لنعمائه، مستعطفين لإبائه. متعرضين لنوابه، متضرعين في خطابه. وكلهم يهنئه بها افرده الله بفضيلته، وخصه بنجح وسيلته، وأقدره عليه وقد عجز عنه الملوك، وهداه إلى سبيله وقد تعذر بهم إليه السلوك، وهو فتح القدس الذي درج على حسرته القرون الأولى، وتقاصرت عنه أيدهم المتطاولة وتمكنت منه يده الطولى. فما منهم إلا من يعترف بيمنه ويغترف من يمه، ويقر بحكم التنزيل له وينزل على حكمه. ويخطب الصداقة ويخاطب في الصدق، ويحقق المظاهرة لإظهار الحق، ويتقرب بالوفاء والوفاق، ويتباعد عن الشقاء والشقاق. ومن جملتهم رسول صاحب الري (قتلغ ابنانج بن بهلوان)، ورسول (قزل ارسلان) المستولي على ممالك همذان وأذربيجان وأران - وهو (عز الدين الطالبي) - الطالب للعز، الراغب في

стр. 68

الفوز. فما من يوم يمضي؛ وشهر ينقضي؛ ألا ويصل منهم ؤسول، ويتصل به سول. وتنجلي غمة، وتتجلى نعمة. وتتجه بشرى وتستبشر وجوه، ويكف مكر ويكفى مكروه. ونظر في أحوال عكاء فربتها، وفي أمورها فهذبها. وفي مضارها فأذهبها، وفي منافعها فقربها. وولى (عز الدين جرديك) بها واليا، وأعاد عطلها بفضل ولده الملك الأفضل حاليا. ووقف بها وقوفا، وأجنى المستحقين منها قطوفا، وأسدى معروفا، وأعطى ألوفا، وأرغم من الأعداء أنوفا، وكانت فتوحه لهم حتوفا. ووقف نصف دار الاسبتار رباطا للمتصوفة، وللوافدين من أهل الطريقة والمعرفة، ونصفها مدرسة للمتفقهة، ولطلبة المتعففة المتنزهة. فجمع بين العلم والعمل، والنجح والأمل، وكتب الرزق لهم إلى كتاب الأجل. واتخذ لطلب مرضاة الله دار الأسقف بيمارستان المرضى وأتى بكل ما بحبه الله وبه يرضى. فلم يبق سنة إلا خلدها، ولا منة إلا قلدها. ولا أجرا إلا أجراه، ولا هدى إلا أهداه. ولا أمرا إلا امره، ولا ددرا إلا أدره. ولا فريضة إلا أداها، ولا فضيلة إلا أتاها. ولا فرصة صواب إلا انتهزها، ولا حصة ثواب إلا أحرزها. ولا رمم فواضل إلا أنشرها ونشرها، ولا أمم فضائل إلا حشدها وحشرها. وما ترك قارئا إلا قراه، ولا راويا ألا أشبعه وأرواه. ولا حافظ حديث أحفظه من الحدثان، ولا محسن صنعة إلا اصطنعه بالإحسان. ولا ناظم مدائح إلا نظم له المنائج. ولا موافيا بقريض إلا وفي قروضه، واعجز عن القيام بحمل حمده نهوضه. وتقدم إلى الوالي بالتردد في الأعمال، وتفقد الأحوال. وسد الخلة وتسديد الاختلال. وتعليل السقيم وتسقيم المعتل، وتحليل العقد وتعقيد المنحل. فاستقرت بولايته الولاية، واستمرت لرعيته الرعاية. ودرت افاويق الآفاق، ودارت أسواق الأرزاق. ذكر وصول أخي تاج الدين أبي بكر حامد من دار الخلافة للرسالة في العتب على أحداث ثقلت. وأحاديث نقلت. ووشايات أثرت وأرثت. وسعايات في السلطان عثت. في الأحوال وشعثت وذلك في شوال. ونحن على حصار صور ونزاع ونزال (ذكر السبب في ذلك) لما تم الفتح الأكبر؛ وخص وعم النجح الأظهر؛ وقطع دابر المشركين؛ وحط إقبال المسلمين أوزار أدبار الكفر بحطين؛ أمرني السلطان بإنشاء كتب البشائر إلى الآفاق، وتقديم البشرى به إلى العراق. فقلت هذا فتح كريم، ومنع الله عظيم، وملك عقيم، وسمو وسيم، فلا يجب أن يكون مبشر دار الخلافة، بما أنزل الله لنا من الرحمة

стр. 69

والرآفة؛ إلا من هو عندنا أجل وأجلى، وأعلم وأعلى، واجمع لفنون الفضائل، وأعرف بأداء الرسائل. فلا توجه بهذه الكرامة إلا الكريم الوجيه، ولا تنبيه لهذه المقامة إلا القويم النبيه. ولا ترفع العظيم إلا بالعظيم الرفيع، فإن الشريف ينضع شرفه بمقارنة الوضيع. فقال هذه نصرة مبتكرة بكرت، وموهبة ميسرة بدرت وندرت. فنحن نعجل بها بشيرا، ونؤخر للإجلال كما ذكرت سفيرا. وكان في الخدمة شاب بغدادي من الأجناد، قد هاجر للاسترفاد. وتوجه بعد وصوله، ونبه بعد خموله. فسأل في البشارة إلى بغداد. وزعم أنه يداوم إليها إلا غذاذ. وشفع له جماعة من الاكابر، حتى خص بأشرف البشائر. فقلت هذا لا يحصل له وقع، ولا يصل إليه نفع. والواجب أن يسير في هذا الخطير خطير، وفي هذه النصرة الكبرى كبير. فإن الرسول من يندب للتفهيم والتفخيم، ويرتب في الأمر العظيم للتعظيم. ثم سار المندوب، وشغلت عن إرسال سواه الفتوح والحروب. ولما فتح البيت المقدس أرسل ببشارنة نجاب، ونفذ بها كتاب. ووصل البشير الجندي فلم تجل به كفؤ الجلالة من الهدى الهدى. وحقروه وما وقروه، فإنه كان عندهم بعين فنظروه بتلك العين، وحبوه بما يليق به من الرقة والعين. ونقم على السلطان إرسال مثله، وأنه لم يعصب المنصب في تلك الرسالة بأهله وتسمح المندوب بكلام أخذ عليه، وبدرت منه أحاديث نسبت إليه. وقال في سكره وحالة نكره، ما يعرض عن ذكره. فخيل وموه؛ وتنكر وتكره. وظن أن لكلامه أصلا ولقطعه منا وصلا. وأنهيت إلى الغرض الأشرف مقالاته، وعلمت جهالاته. وتجنى على السلطان بإرساله، وطرق إلى هداه ما أنكروه من مقال المذكور وضلاله. ووجد الأعداء حينئذ إلى السعاية طريقا، وطلبوا لشمل استعداده بالخدمة تفريقا. واختلفوا أضاليل، ولفقوا أباطيل. وقالوا: هذا يزعم أنه يقلب الدولة، ويغلب الصولة. وأنه ينعت بالملك الناصر. نعت الإمام الناصر، ويدل بما له من القوة والعساكر. فأشفق الديوان العزيز على السلطان من هذه، وبرز الأمر المطاع بإرسال أخي وإنفاذه، وقالوا: هذا تاج الدين أخو العماد، يكفل لنا في كشف سر الأمر بالمراد. فإن أخاه هناك مطلع على الأسرار، وهو منتظم في سلك الأولياء الأبرار. وعول عليه الديوان العزيز في السفارة، ورد معه جواب البشارة. وكتبت له تذكرة بموجبات مقاصد العتب، ومكدرات موارد القرب. والمخاطبة فيها وأن كانت حسنة خشنة، والمعاتبة مع شدتها للعواطف الأمامية لينة. ونشر الأعتاب في طي العتاب، وروح الإرضاء في شخص الإغضاب. وبرد الموهبة في برد المهابة يرد ظن الخطأ إلى يقين الإصابة. وشرف من الديوان الأخ، فصار وهو يبذخ. وقد أصحب خيلا. وأسحب من التشريف والإنعام ذيلا، وألحف من نور الأهبة العباسية نهارا وليلا.

стр. 70

فوصل السير بالسرى، وقطع الوهاد والذرا. وجاء إلى دمشق بشارة رائقة وبشارة رائعة، وإشارة رادعة. وشعار مهيب، وشرع مصيب. وهيبة روعة امامية، وهيئة عصمة عصامية. وفرند نبوي لا ينبو، وزند ورى لا يكبو. ولسان في الصرامة جرى، وجنان بالشهامة حرى. وبلاغة بإبلاغ ما ليس بلاغ. وفئة وافية، وصيغة بصياغة كل غريبة قول ورغيبة طول كافلة كافية. وسنى نور وقار يستعير منه سنير، وثبات خلق يتخلق به ثبير. وكان قد عاد المندوب نادبا عاديا، جاحدا للنعمة شاكيا. ذاكرا أنه عدم الحفاظ، ووجد الاحفاظ. وأكثر الكلام فما حرك شمام. وقال أخو العماد قد وصل بكل عتب ممض، وخطب مقد وغضب مغض. ولفظ فظ. وحض على غير حظ. ومعه الملامات المؤلمات، والظلامات المظلمات فقلت له اسكت واصمت، وبمالك من وسم الوصم مت، ولا تدخل هذا الباب وأخرج، وليس هذا بعشك فادرج. وقلت للسلطان سمعا وطاعة لأمر الديوان، فإن إظهار سر العتب لك من غاية الإحسان. فقال نعم ما قلت، وقد طلت بإرسال أخيك وطلت، وما أسعدني إذا شرفت بالعتاب، وأسعفت بالخطاب، والمملوك ينفعه التأديب، ويزعه التهذيب. على أننا لم نأت إلا بكل ما قوى الهدى واضعف العدا، وكف الكفر وأدنى الدين، وما زلنا في طاعة أمير المؤمنين مجدين. أما فتحنا مصر وقد باضت بها دعوة الدعي وفرخت، أما استأنفنا بها تاريخ الدولة العباسية بعد أن كانت سنين بسواها أرخت. أما استخلصت اليمن وللدعي بها داع، وللهدى فيها ناع، وللضلال راع. أما أرحت من رق الشرك الساحل، أما أزحت عن حق الملك الباطل. أما فتحت البيت المقدس وألحقته بالبيت الحرام، وألحفته رداء الإكرام، وأعدت إلى الوطن منه غريب الإسلام. أما رعت الغرب بغرب عزمي، ووزعت الشرق بشرع حكمي. وما تعبدت إلا بالعبودية للدار العزيزة، وهذه الفطرة متمكنة مني في الغريزة. فأهلا وسهلا بالرسول وبالسول، وحبا ومرحبا بالإقبال والقبول. وما أتى إلا بالحبو الحبور، ولإمراء الأمور، ولإظهار سر السرور. والبارق يشام إذا رعد، والصادق يرام إذا وعد. وما أسرنا بالواصل وأوصلنا بالمسرة. وأبرنا بالجد وأجدنا بالمبرة. وسمعت منه كل ما هدى سمعي، وأبدى لمعي، وجمع شملي وشمل بالعز جمعي. ولما قرب أخي، أصبحت لقدومه انتخى. فأمر السلطان الأمراء على مراتبهم باستقباله، وتقدم لجلاله قدومه بإجلاله. ثم ركب وتلقاه بنفسه، وخصه من تقريبه بأنسه. ولم يزل حتى أراه مواضع الحصار، ومصارع الكفار. ومواطئ أقدام ذوي الاقدام، ومواطن بسالة أهل الإسلام. ثم نزل وأنزله بالقرب، وعقد له بالحباء حبا الحب. وسفر

стр. 71

وجهه لوجاهه السفير، وأحل محل التوقير والتوفير. وتبلج له صبح التبجيل، وتأمل منه نجح التأميل. ثم حضر عنده، وقد أخلى مجلسه لي وله وحده. فأدى الأمانة في مشافهته، ووجه مقاصده في مواجهته. وأحضر التذكرة، وقد جمعت المعرفة والنكرة. فقرأتها عليه بفصولها وفصوصها، وألزمته حكمي عمومها وخصوصها، ووفقته على ظواهرها ونصوصها. وكانت في الكتب غلظة عدت من الكاتب غلطة، وخيلت سقطة، وجلبت سخطه. وقال إن الإمام أجل أن يأمر بهذه الألفاظ الفظاظ، والأسجاع الغلاظ. فقد أمكن إيداع هذه المعاني في أرق منها لفظا وأرفق، وأوفى منها فضلا وأوفق. ومعاذ الله أن يحبط عملي، ويهبط أملي. وامتعض وارتمض، ثم اعرض عما عرض. ورجع إلى الاستعطاف وانتجع بارق الاستسعاف. وقال أما ما تمحله الأعداء وعدا به المتمحلون، وتنفق به المتقولون؛ وتسوق المبطلون؛ فما عرف مني إلا الاعتراف بالعارفة، وما هززت منذ اعتززت أعطاف العز إلا لما يعزني من العاطفة. وإن شرفي بالنعمة السالفة؛ يوجب أنفي من هذه الآنفة. وأما النعت الذي أنكر، ولبه على موضع الخطأ فيه وذكر، فهذا من عهد الإمام المستضيئ رضوان الله عليه وجرى لتحققه منى على الألسنة، ومتى عد سيئة ما عد من الحسنة. والآن كل ما يشرفني به أمير المؤمنين من السمة فإنه أسمى الذي هو أسمى وأشرف، وأطرأ وأطرف، وأرفع وأعرف. وما زاده ذلك العتب إلا خلوص ولاء، وخصوص اعتزاز واعتزاء ثم قال كل ما اعتمده من نصرة الدين وقهر أعداء أمير المؤمنين فإنما طلبت به وجه الله ورضاه، ما تعبدت به سواه. فإني أفترض الطاعة الامامية للدين لا للدنيا، وما التقوى فيها إلا بالتقوى. وما في عزمي إلا استكمال الفتوح لأمير المؤمنين، وقطع دابر المنافقين والمشركين. وإذا عادت عواطفه عطفت علي في الحسن العوائد، وقطفت الفوائد، وصفت الموارد، روفت المقاصد، وبعد الأباعد، وبعد الحاسد الحاشد. وهجر هجر الساعي وأجرى أجر الداعي. وعلم جهل الواشي، وعذر ذعر الخاشي، وجرب غش الغاشي، وخرب عش العاشي. وذوت هموم ذوي الهمم، وأوليت كرامة أولى الكرم. وما زال السلطان مدة مقام أخي عنده، يوري في إعظامه زنده ويأمر بإكرامه جنده. فكنت أشفق من تكدر ذات البين بعود الأنس والوصلة إلى الوحشة والبين. وأن جماعة من الأكابر اجتمعوا بالسلطان، وقالوا له قد نسب حقك إلى البطلان، ورميت بالبهتان، ولمحت طاعتك بعين العصيان. فكيف خفت وما عفت، والفت وما أنفت، ورغت وما غرت، وصبرت وما سبرت، وأغضيت لما أغضبت، وأعتبت لما عوتبت، وراقبت وما روقبت. فقال تذللي للديوان العزيز تعزز به أدين، وتوسلي إلى مرضاته توصل بالله فيه استعين. فتواضعي ترفع، وتخشعي تورع. وحبل حبي

стр. 72

متين، ومكان قربي مكين. ومما قلت له وأوضحت له يبله إنا كنا بطاعة أمير المؤمنين نطول ونصول، ونزاول بها الملوك وعنها لا نزول. وهذه فضيلتنا التي رجحت، ووسيلتنا التي نجحت. وكنا بها مسعودين، وعليها محسودين. وقد شملت بها بركاتها، وكملت حسناتها. وصفت مشارع يمنها، وصفت مدارع حسبها. فلا نلتفت إلى من يلفتك، ولا تتثبت لمن لا يثلتك. وأعرض عمن تعرض لمذهب الخلاف، وانهض لمن ينهضك للائتلاف. فقال هذا ديني وديدني، وبه أعني واعتني، ولنوره ونوره أجتلي واجتني. ثم ندب مع أخي من سار في خدمته لزيارة القدس، وأمر بأن يقف به على مواقف الطهر التي طهرت من أهل الرجز والرجس، ثم ودعه وتودعه من شفاهه كل ما في النفس. وبالغ في إبداء التضرع والتذوع، وإظهار التخشي والتخشع. وأنشأت عنه إلى الديوان كتبا معه وبعده، ضمنتها كل ما حلا وجلا جدة وجدة. وكل ما يبطل سوق المتفقين، ويعطل نفاق المتسوقين، ويهجن خلق المختلقين، ويزيل تلفيق الساعين، ويزيح سعاية الملفقين. ويتعرف إلى العوارف الغزر بالشكر، ويستعطف العواطف الغر بالعذر. ويجتهد في استفراغ المجهود للاستغفار. وينفض عن وجه البشر ما عليه من الغبار. وظهرت بعد ذلك بالقبول آثار الرضى، ومضى ما مضى. وقضى القدر من إعزاز الديوان قدر السلطان بما قضى. وفي هذه السنة استشهد الأمير (شمس الدين بن المقدم) بالموقف في عرفه، لإبداعه رسما ما عرفه. فذهب غلطا، وعطب فرطا. وذلك أن أمير الحاج (طاشتكين) أنكر عليه ضرب الطبل فامتنع، فندب إليه من به وبأصحابه أوقع. فتمت من هذه الفتنة فترة ونمت قفرة. ولما نمى الخبر إلى السلطان؛ لم يبد منه سوى الإذعان. وقال لا شك أن طاشتكين طاش، وقصد بعد الإيناس الايحاش. وعد الديوان العزيز عزله هذا من ذنوب طاشتكين حتى عزله واعتقله بجرائمه بعد سنين. نسخة كتاب جامع للفتح القدسي الأيمن أنشأتها إلى سيف الإسلام أخي السلطان باليمن صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس السامي ضاعف الله علاءه، وظاهر آلاءه، وضافر نعماءه وأظفر بالنجح رجاءه، وأضعف حساده وأعز أولياءه، وأذل أعداءه. ولا زالت أيامه بالأيامن مسفرة، ولياليه بالمحاسن مقمرة، ومكارمه بالمحامد مثمرة، وعهود مواليه بشكر النعم محكمة ومعاهد معاديه بقهر النقم مقفرة. دالة على البشرى بالفتح الأكبر، والنجح الأزهر، والنصر الأشهر، والعصر الأبهر، والفضل الأكثر، والإفضال

стр. 73

الأوفر، واليوم الأنور، واليمن الأنضر، والفجر الأسفر، والفخر الأظهر، والجد الأشم الأشمخ، والمجد الأبلج الابلخ. والعز الاسمق الأسمى، والنور الأنم الانمى. والظفر الأجل الأجلى، والوطر الأحل الأحلى. والشرف الاسنم الأسنى، والعزم الأغنم الأغنى، والسعد الأجد الأجدى، والصيت الأبدى الأبدى. وهو الفتح الذي تفوح بمحابه مهاب الفتوح، وتبوح بسر روحه وملكه سرائر الملائكة والروح، وتروح وتغدو غوادي النعم وروائحها إلى روض الهدى المروج، وتلوح تباشير بشراه في لوح الدهر لكل مؤمن يتلقاها بالوجه السافر والصدر المشروح، وتنوح ناعية الكفر في كل ناحية ولكل نادبة للأسى على قتيلها وأسيرها ندوب في القلب المقروح. وهو فتح بيت الله المقدس الذي غلق نيفا وتسعين سنة مع الكفر رهنه، وطال في أسره سجنه، واستحكم وهنه. وقوى نكره، وضعف ركنه. وزاد حزنه، وزال حسنه، وتجدبت من الهدى أرضه، واخلف مزنه، وواصله خوفه، وفارقه أمنه، واشتغل خاطر الإسلام بسببه، وساء ظنه، وذكر فيه الواحد الأحد، الذي تعالى عن الولد، أن المسيح ابنه، وأربع فيه التثليث فعز صليبه وصلبه، أفرد عنه التوحيد فكاد يهي متنه. ودرج الملوك الأقدمون على تمني استنفاذه فأبى السلطان غير استيلائه واستحوتذه، وكان في الغيب الإلهي أن معاده في الآخرة إلى معاذه وأن نفاد ليل الشرك بإسفار صبح أمرنا وإشراق مطالع نفاذه. ودخر الله هذه الفضيلة لنا ولهذا العصر، وأنزل على نصلنا نص النصر، واطلع لليل عزمنا فجر الفخر، ووفقنا لوصل أسباب الإسلام وقطع دابر الكفر. وذلك أنا استفتحنا سنة ثلاث وثمانين بقمع أهل التثليث، وأصرخنا الإسلام بالجد المنجد والعزم المغيث. وخرجنا من دمشق في المحرم، في العزم المصمم، والرعب المجهز إلى الكفر والبأس المقدم. وكنا أشفقنا على طريق الحج من قصد الفرنج فشغلناهم عن القصد بقصدهم، وتصدينا لجهادهم بردهم عن المراد وصدهم. وأقمنا بظاهر بصري مخيمن على ست الكرك، وقدمنا الطلائع إلى المناهل ونظمنا سلك إمدادهم في ذلك المسلك حتى وصل الحاج سالما، وذل الكفر عن قصده راغما. ولما فرغ القلب من شغله؛ وفاز كل بجمع شمله بأهله؛ سرنا إلى الكرك في الأمراء والمفردين الخواص، وشفعنا للجهاد في سبيل الله الفاتحة بالإخلاص. وقد كنا استدعينا العساكر والجموع للجهاد من جميع الجهات، وترقنا توافيهم بالميقات. وامرنا ولدنا الملك الأفضل أن يقيم برأس الماء. ويكون في خدمته جميع الأمراء. وسرنا إلى الكرك والشوبك فأخربنا عمارتها، واحرقنا غلاتها، وقطعنا ثمراتها. وأزعجنا ساكنيها، وأخفنا آمنيها، وأجلينا عنها فلاحيها، وأقمنا النوائح عليها في نواحيها.

стр. 74

ووصل إلينا ونحن بالقريتين العسكر المستدعى من الديار المصرية، فقويت به قلوب الأمة المحمدية. واجتمع بالمخيم الأفضلي، برأس الماء من وصل من العساكر الشامية والفراتية، والجزرية والموصلية والديار بكرية. فانتهز ولدنا هناك فرصة الإمكان، وأنهض إلى الكفر سرية سرية من أهل الإيمان. فساروا سارين، وأغاروا غارين واخذوا ونهبوا، وسبوا وسلبوا. فلم يشعروا إلا وجموع الكفر قد سدت عليهم الطريق، وأخذت دون خروجهم إلى السعة المضيق، فثبتوا ثبوت الجبال بالرياح العواطف، وشرعوا إلى عرانين الكفر أسنة الرماح القواصف. وكان مقدم عسكرنا (مظفر الدين بن زين الدين) ومعه مملوكنا (قايماز النجمي صارم الدين). فلقيا بصدريهما صدور العوامل، وحملا في عسكرنا على الفارس والراجل. وحصل الفرنج منهم في دائرة الردى، وخذل الضلال ونصر الهدى. وكثر من الفرنج القتلى والأسرى، وعاد المسلمون بالمسرة العظمى والمبرة الكبرى، واتصلت بنا ونحن في بلاد الكرك البشرى، وشكرنا الله على نصرته الأولى وقلنا هذه مقدمة الأخرى. ولما قضينا الوطر من تلك البلاد، ووفينا بإحراق افوات أهل النار بالنار حق الجهاد، اجتمعنا بأصحابنا القادمين من مصر، وتناصرت لدينا دلائل الظهور وتظاهرت إمارات النصر، وعدنا إلى الشام؛ وقد تكاملت به جموع الإسلام؛ وزخر بحر الفضاء بأمواج الأعلام وطفا على اثباج لجة حباب الخيام؛ وقد فض الفضاء ختام القتام. وعلق بالفلق من ذلك الفيلق غرام الرغام. فخيمنا بعشترا شهرا؛ وقد أعدنا بشهر بنات الغمود سرها جهرا؛ وخطبنا من الله الكريم فتح بكر جعلنا بذل المهج لها مهرا. وقد سمع الفرنج بجمعنا فجمعوا؛ ونادوا في بلادهم فأسمعوا. واجتمعوا على صفورية من صفر، وحشروا في تلك الأشهر من جمعهم في المحشر جموع سقر. واخرجوا صليب الصلبوت، وقائد أهل الجبروت. فتهافت إلى شعلة ناره فراشهم، وتوافى إلى ظلة ضلاله خشاشهم. وقاموا وقيامة رعبهم قائمة، وسوابح جردهم في بحر العجاج عائمة. وطلائعهم سارية وسراياهم طالعة، ومقدمات رعبهم منا السائرة لجنوبهم وقلوبهم مقضة خالعة. فلما تكامل منا الجمع؛ وأخذ بعجاجه وعجيجه على الآفاق البصر والسمع؛ عرضنا عساكرنا في يوم يذكر بيوم العرض، ويتلو مشاهده لنزل الملائكة (والله جنود السماوات والأرض)، في رايات خافقة كقلوب الأعداء، عالية كهمم الأولياء، وسرنا في جموع ضاق بها واسع الفضاء، وسار في كتائبها نازل القضاء، وسحب ذيل الأرض بمثار نقعها على السماء. وقطعنا الاردن وتأييد الله مواصل، وقدره بأقدارنا على الأعداء كافل. فما ألمنا بطبرية حتى فتحناها بالسيف،

стр. 75

ودخلناها دخول المغير لا دخول الضيف. وتسلمنا المدينة، ونازلنا قلعتها البكر الحصينة. وذلك يوم الخميس الثالث والعشرين من شهر ربيع الآخر، والخميس يوم الخميس. وأسد الوغى قد اتخذت من وشيجها العريس. هذا والملك العادل عنا غائب، ومعه أيضا بمصر كتائب، وتوفيق الله له مصاحب. وكنا عزمنا قبل قصد طبرية، أن نلاقي الفرنج على صفورية. في مركزهم ومجتمعهم، ونلابسهم في مخيمهم. فحين نزلنا من الثغر بالاقحوانة؛ وتمكنا من الله بالاستنجاد والاستعانة، ركبنا قبل قصد طبرية إلى الفرنج في مجمعهم، وأشرفنا عليهم في موضعهم. فما برحوا من مكانهم، ولا تحركوا برجالهم ولا فرسانهم. وارتدنا في صحراء لوبية موضعا للمصاف واسعا، وفضاء لمازق الجمعين جامعا. وبتنا هناك بأطلاب الأبطال ميمنة وميسرة، ووجدنا بتأييد الله أسباب الظهور ميسرة. وجئنا في خواصنا والجاندارية، ونزلنا في العدة المجردة على طبرية. وأخذ النقابون ساعة النزول في النقب، فصرع قائم سورها للجنب، ودخل الناس إليها ليلا للنهب. وكانت ليلة مدلهمة معتمة، وأرجاء المدينة مظلمة، فأشعلوا وأوقدوا، ودخلوا الدور وتفقدوا ما لم يفقدوا. وكانت بها حواصل من زفت وكتان علقت بها النار، فاحترقت تلك المساكن والديار. وتحصن أهلها بقلعتها، وتمنعوا بمنعتها. فأصبحنا على حصرها، وسلكنا جدد الجد في أمرها. فجاءت رسل الأمراء أن الفرنج قد تحركت، وانزعجت لكون عقيلتهم من طبرية تملكت، وأدركهم الندم كيف تركت وما أدركت. وأنها قد عبت جنودها، وشبت وقودها، ولبت نداء جموعها، وصبت عليها ماء دروعها. وغاضت في غدران سوابغها السابرية، وفاضت ببحار سوابحها الاعوجية. وأن جمرهم قد استعر، وأن بحرهم قد زخر، وأنهم قد أتوا في عددهم وعديدهم، وحدهم وحديدهم، وخيلهم ورجلهم، وطلهم ووبلهم، وفارسهم وراجلهم، وأحزاب ضلالهم وأبطال باطلهم. وأنهم حين عرفوا استيلاءنا على طبرية؛ وسبقنا بفضيلة فتحها البرية، غاروا على العقيلة السبية؛ وأشعلت نخواتهم نار الحمية، وساقوا (أنفسهم) إلى معترك الردى وملتقى المنية. ولما عرفنا قربهم؛ قصدنا حربهم. وزحفنا اليهم، وأشرفنا عليهم. واللجب الساري كالجبل الراسي، وقد أفاض الحديد من قبله على الحجر القاسي. ولمعت بوارق بيارقه، وراعت طوارق طوارقه. وبرقت قوانس قوامصه، وارتعدت فرائض فرائصه. وأمكنت فرائس فوارسه، وباح الحديد على عوابسه بوساوسه. وماجت بحار سلاهبه، واشتعلت نيران قواضبه. وشدت الاجادل دون صوار صوارمه وسدت بعرض أفواجه فجاج مخارمه، وقرنت الالفات بلاماته، وظهر من خشره يوم الحشر بعلاماته.
следующие страницы →