← История

История · id 14789

الفتح القسي في الفتح القدسي = حروب صلاح الدين وفتح بيت المقدس

العماد الأصبهاني الكاتب

Полный текст (312 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وجهه لوجاهه السفير، وأحل محل التوقير والتوفير. وتبلج له صبح التبجيل، وتأمل منه نجح التأميل. ثم حضر عنده، وقد أخلى مجلسه لي وله وحده. فأدى الأمانة في مشافهته، ووجه مقاصده في مواجهته. وأحضر التذكرة، وقد جمعت المعرفة والنكرة. فقرأتها عليه بفصولها وفصوصها، وألزمته حكمي عمومها وخصوصها، ووفقته على ظواهرها ونصوصها. وكانت في الكتب غلظة عدت من الكاتب غلطة، وخيلت سقطة، وجلبت سخطه. وقال إن الإمام أجل أن يأمر بهذه الألفاظ الفظاظ، والأسجاع الغلاظ. فقد أمكن إيداع هذه المعاني في أرق منها لفظا وأرفق، وأوفى منها فضلا وأوفق. ومعاذ الله أن يحبط عملي، ويهبط أملي. وامتعض وارتمض، ثم اعرض عما عرض. ورجع إلى الاستعطاف وانتجع بارق الاستسعاف. وقال أما ما تمحله الأعداء وعدا به المتمحلون، وتنفق به المتقولون؛ وتسوق المبطلون؛ فما عرف مني إلا الاعتراف بالعارفة، وما هززت منذ اعتززت أعطاف العز إلا لما يعزني من العاطفة. وإن شرفي بالنعمة السالفة؛ يوجب أنفي من هذه الآنفة. وأما النعت الذي أنكر، ولبه على موضع الخطأ فيه وذكر، فهذا من عهد الإمام المستضيئ رضوان الله عليه وجرى لتحققه منى على الألسنة، ومتى عد سيئة ما عد من الحسنة. والآن كل ما يشرفني به أمير المؤمنين من السمة فإنه أسمى الذي هو أسمى وأشرف، وأطرأ وأطرف، وأرفع وأعرف. وما زاده ذلك العتب إلا خلوص ولاء، وخصوص اعتزاز واعتزاء ثم قال كل ما اعتمده من نصرة الدين وقهر أعداء أمير المؤمنين فإنما طلبت به وجه الله ورضاه، ما تعبدت به سواه. فإني أفترض الطاعة الامامية للدين لا للدنيا، وما التقوى فيها إلا بالتقوى. وما في عزمي إلا استكمال الفتوح لأمير المؤمنين، وقطع دابر المنافقين والمشركين. وإذا عادت عواطفه عطفت علي في الحسن العوائد، وقطفت الفوائد، وصفت الموارد، روفت المقاصد، وبعد الأباعد، وبعد الحاسد الحاشد. وهجر هجر الساعي وأجرى أجر الداعي. وعلم جهل الواشي، وعذر ذعر الخاشي، وجرب غش الغاشي، وخرب عش العاشي. وذوت هموم ذوي الهمم، وأوليت كرامة أولى الكرم. وما زال السلطان مدة مقام أخي عنده، يوري في إعظامه زنده ويأمر بإكرامه جنده. فكنت أشفق من تكدر ذات البين بعود الأنس والوصلة إلى الوحشة والبين. وأن جماعة من الأكابر اجتمعوا بالسلطان، وقالوا له قد نسب حقك إلى البطلان، ورميت بالبهتان، ولمحت طاعتك بعين العصيان. فكيف خفت وما عفت، والفت وما أنفت، ورغت وما غرت، وصبرت وما سبرت، وأغضيت لما أغضبت، وأعتبت لما عوتبت، وراقبت وما روقبت. فقال تذللي للديوان العزيز تعزز به أدين، وتوسلي إلى مرضاته توصل بالله فيه استعين. فتواضعي ترفع، وتخشعي تورع. وحبل حبي

стр. 72

متين، ومكان قربي مكين. ومما قلت له وأوضحت له يبله إنا كنا بطاعة أمير المؤمنين نطول ونصول، ونزاول بها الملوك وعنها لا نزول. وهذه فضيلتنا التي رجحت، ووسيلتنا التي نجحت. وكنا بها مسعودين، وعليها محسودين. وقد شملت بها بركاتها، وكملت حسناتها. وصفت مشارع يمنها، وصفت مدارع حسبها. فلا نلتفت إلى من يلفتك، ولا تتثبت لمن لا يثلتك. وأعرض عمن تعرض لمذهب الخلاف، وانهض لمن ينهضك للائتلاف. فقال هذا ديني وديدني، وبه أعني واعتني، ولنوره ونوره أجتلي واجتني. ثم ندب مع أخي من سار في خدمته لزيارة القدس، وأمر بأن يقف به على مواقف الطهر التي طهرت من أهل الرجز والرجس، ثم ودعه وتودعه من شفاهه كل ما في النفس. وبالغ في إبداء التضرع والتذوع، وإظهار التخشي والتخشع. وأنشأت عنه إلى الديوان كتبا معه وبعده، ضمنتها كل ما حلا وجلا جدة وجدة. وكل ما يبطل سوق المتفقين، ويعطل نفاق المتسوقين، ويهجن خلق المختلقين، ويزيل تلفيق الساعين، ويزيح سعاية الملفقين. ويتعرف إلى العوارف الغزر بالشكر، ويستعطف العواطف الغر بالعذر. ويجتهد في استفراغ المجهود للاستغفار. وينفض عن وجه البشر ما عليه من الغبار. وظهرت بعد ذلك بالقبول آثار الرضى، ومضى ما مضى. وقضى القدر من إعزاز الديوان قدر السلطان بما قضى. وفي هذه السنة استشهد الأمير (شمس الدين بن المقدم) بالموقف في عرفه، لإبداعه رسما ما عرفه. فذهب غلطا، وعطب فرطا. وذلك أن أمير الحاج (طاشتكين) أنكر عليه ضرب الطبل فامتنع، فندب إليه من به وبأصحابه أوقع. فتمت من هذه الفتنة فترة ونمت قفرة. ولما نمى الخبر إلى السلطان؛ لم يبد منه سوى الإذعان. وقال لا شك أن طاشتكين طاش، وقصد بعد الإيناس الايحاش. وعد الديوان العزيز عزله هذا من ذنوب طاشتكين حتى عزله واعتقله بجرائمه بعد سنين. نسخة كتاب جامع للفتح القدسي الأيمن أنشأتها إلى سيف الإسلام أخي السلطان باليمن صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس السامي ضاعف الله علاءه، وظاهر آلاءه، وضافر نعماءه وأظفر بالنجح رجاءه، وأضعف حساده وأعز أولياءه، وأذل أعداءه. ولا زالت أيامه بالأيامن مسفرة، ولياليه بالمحاسن مقمرة، ومكارمه بالمحامد مثمرة، وعهود مواليه بشكر النعم محكمة ومعاهد معاديه بقهر النقم مقفرة. دالة على البشرى بالفتح الأكبر، والنجح الأزهر، والنصر الأشهر، والعصر الأبهر، والفضل الأكثر، والإفضال

стр. 73

الأوفر، واليوم الأنور، واليمن الأنضر، والفجر الأسفر، والفخر الأظهر، والجد الأشم الأشمخ، والمجد الأبلج الابلخ. والعز الاسمق الأسمى، والنور الأنم الانمى. والظفر الأجل الأجلى، والوطر الأحل الأحلى. والشرف الاسنم الأسنى، والعزم الأغنم الأغنى، والسعد الأجد الأجدى، والصيت الأبدى الأبدى. وهو الفتح الذي تفوح بمحابه مهاب الفتوح، وتبوح بسر روحه وملكه سرائر الملائكة والروح، وتروح وتغدو غوادي النعم وروائحها إلى روض الهدى المروج، وتلوح تباشير بشراه في لوح الدهر لكل مؤمن يتلقاها بالوجه السافر والصدر المشروح، وتنوح ناعية الكفر في كل ناحية ولكل نادبة للأسى على قتيلها وأسيرها ندوب في القلب المقروح. وهو فتح بيت الله المقدس الذي غلق نيفا وتسعين سنة مع الكفر رهنه، وطال في أسره سجنه، واستحكم وهنه. وقوى نكره، وضعف ركنه. وزاد حزنه، وزال حسنه، وتجدبت من الهدى أرضه، واخلف مزنه، وواصله خوفه، وفارقه أمنه، واشتغل خاطر الإسلام بسببه، وساء ظنه، وذكر فيه الواحد الأحد، الذي تعالى عن الولد، أن المسيح ابنه، وأربع فيه التثليث فعز صليبه وصلبه، أفرد عنه التوحيد فكاد يهي متنه. ودرج الملوك الأقدمون على تمني استنفاذه فأبى السلطان غير استيلائه واستحوتذه، وكان في الغيب الإلهي أن معاده في الآخرة إلى معاذه وأن نفاد ليل الشرك بإسفار صبح أمرنا وإشراق مطالع نفاذه. ودخر الله هذه الفضيلة لنا ولهذا العصر، وأنزل على نصلنا نص النصر، واطلع لليل عزمنا فجر الفخر، ووفقنا لوصل أسباب الإسلام وقطع دابر الكفر. وذلك أنا استفتحنا سنة ثلاث وثمانين بقمع أهل التثليث، وأصرخنا الإسلام بالجد المنجد والعزم المغيث. وخرجنا من دمشق في المحرم، في العزم المصمم، والرعب المجهز إلى الكفر والبأس المقدم. وكنا أشفقنا على طريق الحج من قصد الفرنج فشغلناهم عن القصد بقصدهم، وتصدينا لجهادهم بردهم عن المراد وصدهم. وأقمنا بظاهر بصري مخيمن على ست الكرك، وقدمنا الطلائع إلى المناهل ونظمنا سلك إمدادهم في ذلك المسلك حتى وصل الحاج سالما، وذل الكفر عن قصده راغما. ولما فرغ القلب من شغله؛ وفاز كل بجمع شمله بأهله؛ سرنا إلى الكرك في الأمراء والمفردين الخواص، وشفعنا للجهاد في سبيل الله الفاتحة بالإخلاص. وقد كنا استدعينا العساكر والجموع للجهاد من جميع الجهات، وترقنا توافيهم بالميقات. وامرنا ولدنا الملك الأفضل أن يقيم برأس الماء. ويكون في خدمته جميع الأمراء. وسرنا إلى الكرك والشوبك فأخربنا عمارتها، واحرقنا غلاتها، وقطعنا ثمراتها. وأزعجنا ساكنيها، وأخفنا آمنيها، وأجلينا عنها فلاحيها، وأقمنا النوائح عليها في نواحيها.

стр. 74

ووصل إلينا ونحن بالقريتين العسكر المستدعى من الديار المصرية، فقويت به قلوب الأمة المحمدية. واجتمع بالمخيم الأفضلي، برأس الماء من وصل من العساكر الشامية والفراتية، والجزرية والموصلية والديار بكرية. فانتهز ولدنا هناك فرصة الإمكان، وأنهض إلى الكفر سرية سرية من أهل الإيمان. فساروا سارين، وأغاروا غارين واخذوا ونهبوا، وسبوا وسلبوا. فلم يشعروا إلا وجموع الكفر قد سدت عليهم الطريق، وأخذت دون خروجهم إلى السعة المضيق، فثبتوا ثبوت الجبال بالرياح العواطف، وشرعوا إلى عرانين الكفر أسنة الرماح القواصف. وكان مقدم عسكرنا (مظفر الدين بن زين الدين) ومعه مملوكنا (قايماز النجمي صارم الدين). فلقيا بصدريهما صدور العوامل، وحملا في عسكرنا على الفارس والراجل. وحصل الفرنج منهم في دائرة الردى، وخذل الضلال ونصر الهدى. وكثر من الفرنج القتلى والأسرى، وعاد المسلمون بالمسرة العظمى والمبرة الكبرى، واتصلت بنا ونحن في بلاد الكرك البشرى، وشكرنا الله على نصرته الأولى وقلنا هذه مقدمة الأخرى. ولما قضينا الوطر من تلك البلاد، ووفينا بإحراق افوات أهل النار بالنار حق الجهاد، اجتمعنا بأصحابنا القادمين من مصر، وتناصرت لدينا دلائل الظهور وتظاهرت إمارات النصر، وعدنا إلى الشام؛ وقد تكاملت به جموع الإسلام؛ وزخر بحر الفضاء بأمواج الأعلام وطفا على اثباج لجة حباب الخيام؛ وقد فض الفضاء ختام القتام. وعلق بالفلق من ذلك الفيلق غرام الرغام. فخيمنا بعشترا شهرا؛ وقد أعدنا بشهر بنات الغمود سرها جهرا؛ وخطبنا من الله الكريم فتح بكر جعلنا بذل المهج لها مهرا. وقد سمع الفرنج بجمعنا فجمعوا؛ ونادوا في بلادهم فأسمعوا. واجتمعوا على صفورية من صفر، وحشروا في تلك الأشهر من جمعهم في المحشر جموع سقر. واخرجوا صليب الصلبوت، وقائد أهل الجبروت. فتهافت إلى شعلة ناره فراشهم، وتوافى إلى ظلة ضلاله خشاشهم. وقاموا وقيامة رعبهم قائمة، وسوابح جردهم في بحر العجاج عائمة. وطلائعهم سارية وسراياهم طالعة، ومقدمات رعبهم منا السائرة لجنوبهم وقلوبهم مقضة خالعة. فلما تكامل منا الجمع؛ وأخذ بعجاجه وعجيجه على الآفاق البصر والسمع؛ عرضنا عساكرنا في يوم يذكر بيوم العرض، ويتلو مشاهده لنزل الملائكة (والله جنود السماوات والأرض)، في رايات خافقة كقلوب الأعداء، عالية كهمم الأولياء، وسرنا في جموع ضاق بها واسع الفضاء، وسار في كتائبها نازل القضاء، وسحب ذيل الأرض بمثار نقعها على السماء. وقطعنا الاردن وتأييد الله مواصل، وقدره بأقدارنا على الأعداء كافل. فما ألمنا بطبرية حتى فتحناها بالسيف،

стр. 75

ودخلناها دخول المغير لا دخول الضيف. وتسلمنا المدينة، ونازلنا قلعتها البكر الحصينة. وذلك يوم الخميس الثالث والعشرين من شهر ربيع الآخر، والخميس يوم الخميس. وأسد الوغى قد اتخذت من وشيجها العريس. هذا والملك العادل عنا غائب، ومعه أيضا بمصر كتائب، وتوفيق الله له مصاحب. وكنا عزمنا قبل قصد طبرية، أن نلاقي الفرنج على صفورية. في مركزهم ومجتمعهم، ونلابسهم في مخيمهم. فحين نزلنا من الثغر بالاقحوانة؛ وتمكنا من الله بالاستنجاد والاستعانة، ركبنا قبل قصد طبرية إلى الفرنج في مجمعهم، وأشرفنا عليهم في موضعهم. فما برحوا من مكانهم، ولا تحركوا برجالهم ولا فرسانهم. وارتدنا في صحراء لوبية موضعا للمصاف واسعا، وفضاء لمازق الجمعين جامعا. وبتنا هناك بأطلاب الأبطال ميمنة وميسرة، ووجدنا بتأييد الله أسباب الظهور ميسرة. وجئنا في خواصنا والجاندارية، ونزلنا في العدة المجردة على طبرية. وأخذ النقابون ساعة النزول في النقب، فصرع قائم سورها للجنب، ودخل الناس إليها ليلا للنهب. وكانت ليلة مدلهمة معتمة، وأرجاء المدينة مظلمة، فأشعلوا وأوقدوا، ودخلوا الدور وتفقدوا ما لم يفقدوا. وكانت بها حواصل من زفت وكتان علقت بها النار، فاحترقت تلك المساكن والديار. وتحصن أهلها بقلعتها، وتمنعوا بمنعتها. فأصبحنا على حصرها، وسلكنا جدد الجد في أمرها. فجاءت رسل الأمراء أن الفرنج قد تحركت، وانزعجت لكون عقيلتهم من طبرية تملكت، وأدركهم الندم كيف تركت وما أدركت. وأنها قد عبت جنودها، وشبت وقودها، ولبت نداء جموعها، وصبت عليها ماء دروعها. وغاضت في غدران سوابغها السابرية، وفاضت ببحار سوابحها الاعوجية. وأن جمرهم قد استعر، وأن بحرهم قد زخر، وأنهم قد أتوا في عددهم وعديدهم، وحدهم وحديدهم، وخيلهم ورجلهم، وطلهم ووبلهم، وفارسهم وراجلهم، وأحزاب ضلالهم وأبطال باطلهم. وأنهم حين عرفوا استيلاءنا على طبرية؛ وسبقنا بفضيلة فتحها البرية، غاروا على العقيلة السبية؛ وأشعلت نخواتهم نار الحمية، وساقوا (أنفسهم) إلى معترك الردى وملتقى المنية. ولما عرفنا قربهم؛ قصدنا حربهم. وزحفنا اليهم، وأشرفنا عليهم. واللجب الساري كالجبل الراسي، وقد أفاض الحديد من قبله على الحجر القاسي. ولمعت بوارق بيارقه، وراعت طوارق طوارقه. وبرقت قوانس قوامصه، وارتعدت فرائض فرائصه. وأمكنت فرائس فوارسه، وباح الحديد على عوابسه بوساوسه. وماجت بحار سلاهبه، واشتعلت نيران قواضبه. وشدت الاجادل دون صوار صوارمه وسدت بعرض أفواجه فجاج مخارمه، وقرنت الالفات بلاماته، وظهر من خشره يوم الحشر بعلاماته.

стр. 76

فاغتنمنا الفرصة في اللقاء، وهجنا إلى الهجاء. وأسرعت الأعنة، وأشرعت الأسنة. ونقع اوام الجو، وأجاب الصدى دوى الدو. وجال الجاليش، وطار السهم المريش. وعصفت رياح السوابق، واستعبرت عيون البوارق. ولقيناهم في عرموم عارم، ومحر جار وعوامل جوازم، وصواهل صلادم. وضراغن ضوار، وجوارح جوار. وأسود قد اعتقلت اساود، وجياد قد حملت أجاود. وسوابح قد أقلت بحورا، وصقور قد ركبت صقورا. وأوقفناهم نهار يوم الجمعة وساكنهم لا يتحرك، وبازلهم لا يبرك. وصفهم لا ينفض، وجدارهم لا ينقض. وبنيانهم مرصوص، وطائرهم عن الطيران محصوص. حتى دخل الليل، وقر في الوادي ذلك السيل. وبات الفريقان على تعبيتهما، وإجابة داعي الموت بتلبيتهما. وأصبحنا يوم السبت وأهل الأحد على حالهم، لم يريموا موضع قتالهم. وما زالت الحملات تتناوب، والاسلات تتواثب وتتثاوب. والسواعد بقرع الظبا سواع، والرواعف في زرع الطلى رواع. والمنايا تئن، والحنايا تحن. والبيض تصافح البيض صفاحها، والذكور لتاج الحرب العوان بالفتح البكر عند اللقاء لقاحها. والذوابل في اشاجع الشجعان ذواب، والصوارم بجوامح النيران شواب. وضمائر الغمود قد باحت بأسرارها، ونواظر الجفون قد تخلت عن غرارها. ولما أحسوا بأسنا؛ وإمرار أمراسنا؛ والهجير يتلظى وقد وقع عليهم بناره، والاوام يتوقد ولا يتوقى اجراقهم بأواره، مالوا إلى طلب الماء، وأخذوا طريق البحيرة للاوتواء. فأخنا قدامهم ووقفنا أمامهم. وحلأناهم عن الورد، وألدأناهم إلى الردى بالرد. فاعتصموا بتل حطين وصرنا بهم محيطين. وتحكمت فيهم قواضي القواضب، ونشبت من النشاب بهم نيوب النوائب. وكان جمعهم جمرا وقد وقد، فصب عليهم السيف نهرا فخمد. وفضوا بالفضاء، وفرشوا بالعراء، وعب دأماء الدماء، وغصت الفجاج بالقتلى والأسراء. وأسر الملك وأخوه، والابرنس الكركي ومؤازروه، ووجوه الكفر ومقدموه. ومقدم الداوية وأعوانه، وصاحب جبيل وأعيانه. وهنفري ابن هنفري وابن صاحب اسمندرونه وصاحب مرقية. ولم يفلت إلا ابن بارزان والقومص، وتم لهما من الورطة المخلص. وكان كلاهما ملهما عند اللقاء بالقتال، وعند الفرار بالاحتيال. فأما القومص فإنه لما مر بطرابلس أدركه الموت في برجه المشيد، ونقله القدر المبيد إلى عذابه المؤبد. وذل ذلك اليوم أهل الجبروت، وحيز صليب الصلبوت، وبار وباد أولياء الطاغوت، وهلك عبدة الناسوت واللاهوت، وملك عليهم القدر كتاب الأجل الموقوت. وقدمنا الابرنس وضربنا وفاء بالنذر، وعجلنا به إلى النار مأوى أهل الغدر، وألحقنا به الداوية والاسبتارية، وأدرنا عليهم صبرا كؤوس المنية. وروينا ظماء الظبي من نجيعهم وقرينا سيد الفلا من صريعهم.

стр. 77

وعدنا إلى طبرية فتسلمنا قلعتها، وحللنا عقدتها، وفرعنا ذروتها، وافترعنا عذرتها. ثم سرنا إلى عكاء ففتحناها بالأمان، وأعلنا بها شعار الإيمان. واستقرينا بعدها البلاد الساحلية من جبيل وحد طرابليس إلى الداروم غير صور فإنها امتنعت بسورها، ولم يبق في كأس انكفر غير سورها، وإنها وجدت فسحة في أيام اشتغالنا بفتح أخواتها، وكثفت من عدد المحاصرة آلاتها. وكنا لما فتحنا عسقلان بدأنا بالنزول على القدس، وذلك يوم الجمعة ثالث عشر رجب، فرجف بها قلب الكفر ووجب. وظن أهلها أنهم يعتصمون، وأنهم من بأسنا يسلمون. فنصبنا عليهم منجنيقات هدت أحجار السور بسورة أحجارها، وآذان ركوعها بسجود الأبراج في إجبارها. ووفت الصخور باصراخ الصخرة، وعثرت تلك القلل بإقالة ما دام بها من العثرة. وكشف النقب ونقب الأسوار. ورمت الجنادل جوانب ذلك الجدار، وعلم الكفار لمن عقبى الدار، وأيقنوا بالقتل والإسار. فخرج مقدومهم متذللين بالاذعان، مبتهلين في طلب الأمان. فأبينا كل الاباء، الاسفك الدماء من الرجال وسبى الذراري والنساء. فخوفوا بقتل الأسراء، وإخراب العمران وهدم البناء. فأمناهم على قطيعة موازية لأثمانهم لو أسروا أو سبوا. فأمنوا من أن يسلبوا وهم على الحقيقة قد سلبوا. ومن وفي منهم بالقطيعة حرج بحكم العتق، ومن عجز عن أدائه دخل تحت الرق. وعاد الإسلام بإسلام البيت المقدس إلى تقديسه، ورجع بنيانه من التقوى إلى تأسيسه. وزال ناموس ناقوسه. وبطل بنص النصر قياس قسيسه. وفتح باب الرحمة لأهلها، ودخلت قبة الصخرة لفضلها. وباشرت الجباه بها مواضع سجودها، وصافحت أيدي الأولياء آثار القدم النبوية لتجديد عهودها. وشوهد مقام المعراج وموطئ براقه، ورئى نور الإسراء ومطلع إشراقه. ودنا المسجد الأقصى للراكع والساجد، وامتلأ ذلك الفضاء بالأتقياء الاماجد. وطنت أوطانه بقراءة القرآن ورواية الحديث وذكر الدروس، وجليت هدى الهدى من الصخرة المقدسة جلوة العروس. وزارها شهر رمضان مضيفا لها نهار صومها بالتسبيح، وليل فطرها بالتراويح. وشفى الله بسقيا هذا الفتح كان دهم القلوب لأجلها من تيار التباريح. فالبيت الحرام مساو للبيت المقدس، مفدى منا كلاهما من المهج والأنفس بالأنفس. وانه من المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال والرجال. ويضيق عن وصف شرفها في حلبة البيان المجال. وهو للحرمين ثالث ولا تثليث في حرم توحيده، فتجدد جد الإسلام بتجديده. ولما فرغ البال من تدبيره؛ وقضينا حق تقديسه وتطهيره؛ صرنا إلى صور، ونازلناها بعسكرنا المنصور. وفي صور سور الكفر وبقيته، وقد تحصن بسورها ومنعته

стр. 78

شرذمته. وهي مدينة حصينة، متوسطة في البحر كأنها سفينة. وقد نصبنا عليها المنجنيقات فنكأت فيها، ورمت من أعاليها، وهدمت من مبانيها. ولم يبق في جعبة الكفر سوى نشابها، وإن جمحت علينا فنصرة الله وعوائد تأييده لنا تؤذن بإصحابها، وإذا تسلمناها تسلمنا - بإذن الله - كل بلد للفرنج باق، وما لهم من عذاب الله واقع بهم واق. ثم رأينا أن حصار صور يطول، وأن مسألة بيكار العسكر فيها تعول. وأن فتحها لا يفوت، وله وقته الموعود ووعده الموقوت. وكان العسكر قد ضجر ومل، وأعيا وكل. وقد دخل الشتاء وبرد الهواء. وجادت السماء، وتوترت الأنواء، وتواصلت الانداء. ولابد من استئناف جمع العساكر في أيام الربيع، واستمداد النصر الذي يضم لاستجداد الفتح شمل الجميع. ورحلنا عنها بعد أن رتبنا ولها، في الثغور المجاورة لها؛ من يديم شن الغارات عليها، ويواضب على النهوض إليها. وفسحنا لأجنادنا في الاستراحة مدة شهرين إلى النيروز. فإن في تلك الأيام تتوفر العزائم على المبارزة والبروز. وقد جرت المواعدة على المعاودة، والمعاقدة للمعاضدة والمعاهدة للمساعدة. فليس في الفرنج من يقاتل الآن على الخيل، والنهار عليهم في إظلام الليل، والعز متقلص الظل عنهم والذل ضافي الذيل وقد حزب حزبهم من حربنا مثير للحرب والويل. وقد اشتمل الفتح على البلاد المعينة، والمعاقل المبينة، وهي: طبرية، عكاء، الزيب، معليا، اسكندرونة، تبنين، هونين، الناصرة، الطور صفورية، الفولة، جينين، زرعين، دبوريه، عفر بلا، بيسان، سمسطية نابلس، اللجون، ريحا، سنجيل، البيرة، يافا، ارسوف، قيسارية، حيفا، صرفند، صيداء، قلعة أبي الحسن، جبل جليل، بيروت، جبيل، مجدل يابا، مجدل حباب، الداروم، غزة، عسقلان، تل الصافية، التل الأحمر، الاطرون، بيت جبريل، جبل الخليل، بيت لحم، لد، الرملة، قرتيا، القدس، صوبا هرمس، السلع، عفرا، الشقيف، ولم نذكر ما تخللها من القرى والضياع، والأبراج الحصينة الجارية مجرى الحصون والقلاع. ولكل واحدة من البلاد التي ذكرناها أعمال وقرى ومزارع، وأماكن ومواضع. قد جاس المسلمون خلالها، واسترعوا ثمارها وغلالها. وقد كنا عند قصدنا البلاد؛ وعرضنا للجهاد الاجتاد؛ كاتبنا أخانا الملك العادل سيف الدين أن يدخل بالعساكر المصرية من ذلك الجانب، وينتظر كتابنا بنصر هذه الكتائب. فلما بشر بكسر الفرنج طبرية وعكا، والظفر الذي أضحك الأولياء وأزعج الأعداء وأبكى؛ وتلى عليه (قد أفلح المؤمنون) و (قد أفلح من تزكى)؛ كان وصل إلى السوادة قس سواده وبياضه، وبحار جيشه وبراضه وورد من مورد النصر إلى حباضه. فجاش بجيوشه، وجاز العريش بعريشه، وزار دار الداروم بدمورها، وأجفلت

стр. 79

قدامه البلاد في كل من اعتمد عليه بأمورها. ووصل إلى يافا ففتحها عنوة، ونال العسكر منها بالنهب والسباء خطوة. ثم حضر مجد يابا وحصرها، وطلبت منه الآمان فأنظرها. وكتبنا إليه بالإقامة في ذلك الجانب، ماضي العزائم قاضي القواضب. وأن يستفتح من البلاد ما يتعجل فتحه، ويقدم من الرجاء ما يتيسر نجحه، إلى أن نفتح ما في جانبنا من البلاد ونتسلمه، وننتهز فرصة الإمكان فيما نحن بصدده ونغتنمه. وقد كنا أنهضنا إلى كل بلد من الناصرة وصفورية؛ وحيفا وقيسارية؛ من يتولى افتتاحه، ويستقبل من مهب النصر أرواحه. فنصرهم الله على الناصرة وقيسارية قسرا، وتسلمت البواقي سلما، ورأى من كان فيها سلامته غنما، ورضى بالغرم رغما. وتسلمنا نحن تبنين وبيروت بالأمان، بعد أن قاتلنا أهلهما قتالا شديدا ألجأهم إلى الإذعان. فأما صيداء فإن صاحبها أذعن إلى التسليم، بعد أن بات منا بليله السليم. وأما جبيل فقد سلمنا صاحبها وخلص من الأسر، ورأى ربح خلاصة فيما تعجله من الحسر، وحينئذ سرنا واجتمعنا بالملك العادل على عسقلان، وهان لنا كل ما استصعب منها ودان، وظهر لنا منها وجه الفتح وبان، وأمكن كل ما تعذر واشتد ولان. وزاحمنا مناكب أبراجها من المنجنيقات بمناكب، وأصبنا فوائدها لما رميناها بمصائب. وأصمينا مقاتل الأسوار بسهام قسيها، وعاقبناها بحبالها وعصيها، واقتدنا بخزائم الكرة أنف الطاعة من عصيها، وصافحنا ببيض الصفائح يد الرضى من أبيها. وباشرت سهام المجانيق بسواكها ثنايا الشرافات فهتمتها، ونهضت أحجار الرماة إلى أحجار البناء فهدتها وهدمتها. وغنى فيها معول النقاب، فرقصت للاضطراب لا فلإطراب. وعادت الحجارة إلى اصلها من التراب. ولما أيقن أهلها بالعطب، لاذوا بالضراعة والطلب. وخرجوا مسلمين مستلمين، وانقادوا مستكينين مذعنين. وأسلم البلد وأسلم، وجدع أنف الكفر وأرغم. وعاد منه الإيمان الغريب إلى وطنه، وقر منه الإسلام القريب في مسكنه. وعند ذلك تسلمنا غزة، وأعدنا إليها العزة. وأتينا على الرملة ولد والنطرون، وفتحنا بيت جبريل وجبل الخليل وجميع تلك المعاقل والحصون. ثم ختمنا فتوحات هذه السنة بفتح الأرض المقدسة، والحمد لله على نعمه المفرجة للكروب وألطافه المنفسة. وقد جعلنا هذه البشارة القدسية بما هنأه الله من الموهبة السنية، وسناه من المنحة الهنية؛ لمملوكنا حسام الدين سنقر الخلاطي، وأمرناه أن يسير فيها من أصحابه منيقوم فيها بحق منابه. والمجلس السامي يشيع ميامنها ببلاد اليمن، ويجلو عروسها البكر في حسنها الحالي وحليها الحسن. ويشكر نعمة الله التي خصنا بها وعمت الأمة ويديم شكرها فإن دوام الشكر يديم النعمة، لا زال المجلس مشكور الشئمة، عالي الهمة، منصور العزم إن شاء الله.

стр. 80

ودخلت سنة أربع وثمانين وخمسمائة والسلطان صلاح الدين مقيم بعكا وربيب الربيع رضيع، ووشى الروض وشيع، وصنيع القدر نصيع، وشمل الظفر جميع، وفضاء الفضائل وسيع، ومراد المراد مريع، ونسيم الأسحار لأسرار الأزهار مذيع، وأريج الجو العليل في شفاه غليل الجوى شفيع. والدهر قد ثمل وأفاق، والزهر قد شمل الآفاق. وللمحاب مهاب، وفي الشعاب أعشاب. وخدود الشقائق محمرة، وثغور الأقاحي مفترة، وعيون النرجس مصفرة، وشفاء المنابع مخضرة. وأحداق الحدائق الناضرة ناظرة، ووجنات الجنات الزاهية زاهرة. وعذبات المنابت متموجة، وحافات المناهل متدبجة. وجباه الغدران متغضنة، وجفون النوار متوسنة، والأفنان مورقة والورق متفننة. وخد الخيري مورد، وحد العرار مجرد. وعرف البهار قد تأرج، ووجه الجلنار قد تدرج. وعذار البنفسج قد بقل، وعذر الزمان قد قبل. وشارب النبت قد طر وهارب البرد قد فر. وسر الصيف قد سرى وسر، وطبى الطيب قد حفل ودر. وتقاضى السلطان غريم عزمه بدين الدين، وآن أن يصحر ليث بأسه الخادر من العرين. فأبرز مضاربه، وجهز كتائبه. وضرب سرادقه، وعرض فيالقه، ونشر بيارقه، وحشر رواعده وبوارقه. وانفق حزائنه، وأنفذ دفائنه. وبذل في صون الدين ديناره، وأشعل في حفظ ماء الهدى وعلى العدا ناره. وسار على سمت حصن كوكب، وعن قصده ما تنكب. ونزلنا عليه في العشر الأوسط من المحرم، وما منا إلا من بقتال العدو فيه لهج المحب المغرم، ولعزمه وهج اللهيب المضرم. فوجدنا كوكب في سمائها كأنها الكوكب، وظن الفرنج أنها لا تنكأ ولا تنكب، وهي من المصاعيب التي لا تبرك ولا تركب. فأحطنا بالحصن وخيمنا حوله، واستمددنا قوة الله وحوله. وزحف إليها الرجال، وتناوب علبه القتال. وركب إليه السلطان ورازه، واستصعب احتيازه. ورأى أن مقاتلته تطول، وأن مسألته تعول. وأن محاولته في مطاولته، ومصابه في مصابرته، واضافته في مضايقته. وأن ما في هذه الحال اقتضى تعذر اقتضاض عذرته، ولا مطمع الآن في فرع ذروته، ولا قرع مروته. وكان في خواصه وأهل استخلاصه، لم تتجمع عساكره، ولم تتموج زواخره. فأقام هناك بالتدبير مشتغلا وللاشتغال مدبرا، وبالاستظهار متأيدا وبتأييد الله مستظهرا، حتى رتب على قلعة صفد خمسمائة فارس، من كل محرب للحرب ممارس. وسلمهم إلى (طغرل الجاندار)، لمرابطتها بالليل والنهار. ووكل بكوكب (قايماز النحمي) في خمسمائة مقاتل، من كل ناصر للحق وللباطل خاذل. وكان (سعد الدين كمشبه الاسدي) بقلعة الكرك موكلا، وبحفظها مكفلا.

стр. 81

ذكر حال الكرك من أول الفتح وقد مضى ذكر وقوع ابرنس الكرك في الشرك، بمعتكر يومه في المعترك. وافتتاح الفتح بحتفه، وبسط كف الانتقام عليه بقبضه وكفه. وأنه أخذ رأسه، وقطعت أنفاسه، وقلعت أساسه. وكانت زوجته ابنة فليب صاحبة الكرك بالقدس مقيمة، ولحفظ معاقلها مستديمة. وحصل ولدها (هنفري بن هنفري) في قبض الاسار، وقيد الخسار، وغمة الانكساف والانكسار. فلما يسر الله فتح البيت المقدس، وأصبح الإسلام عالي اليد والكفر غارم المعطس؛ خرجت صاحبة الكرك متعرضة للخضوع، متضرعة بالخشوع، وبرزت مسكينة مستكينة، مستعطفة مراحم السلطان مستلينة. رافعة عقيرتها بالابتهال، شافعة في فك ولدها من الاعتقال. معفرة خدا شأنه التصعر، مسفرة عن وجه من عادته التخدر. حاسرة حسرى، باسرة لحزنها بأسرى. والدة تنشد ولدها، والهة دخل الرعب خلدها. مطلقة ميسورها، مستطلقة مأسورها. ثانية عطف العطف لواحدها، رانية بعين الذل في خلاص ساعدها. سائلة في فلذة كبدها، جائلة بجذوة كمدها، باسطة يدها لقبض يدها. ناثرة خرزات دموعها، عاثرة بحزازات ولوعها. خافضة جناح استعطافها، ناهضة في نجاح استسعافها. راجزة بنوحها، عاجزة عن بوحها. وخرجت معها زوجة ابنها الملك، كأنها من بنات الفلك، باديا صبح وجهها اليقق في ليل شعرها الحلك. مشرقة من أوجها، مشفقة على زوجها. محترقة على فداء الحليل، مقترحة به شفاء الغليل. خادرة قد اصفرت من مطالعها وأصحرت، حادرة عبرة في مدامعها طحرت. ناهدة متنهدة، واجدة متوجدة. معتزة متذللة، مهتزة متململة. باكية متلهفة، شاكية متأسفة. مستدعية مستعدية، عاطية مستعطية. ساكبة عبراتها، راكبة عثراتها. خامشة وجناتها، خادشة بشراتها. وحضرت الملكة في زوجها الملك خاطبة، ولقرمها الندب نادبة. قد أذعنت وعنت لفكاك عانيها، وطلبت بطلها الذي هو عامر دار عزها وبانيها. فاكرم السلطان وفادتهم، ووفر إفادتهم، وقرب إرادتهن، وقرر زيارتهن. ووهب ولأتباعهن وأشياعهن ما كان يلزمهن ويلزمهم من مال القطيعة، ووصلهن بصلاته الرفيعة. وخصهن بما لاق بكرمه من حسن الصنيعة، ووثقهن بنجح الذريعة. وأما الملكة فإنه مكن محلها، وجمع بالملك شملها. وتقرر مع صاحبة الكرك إطلاق ابنها على تسليم قلعتي الشوبك والكرك، ودخولهما في معاقلنا وخروج أصحابهما منهما في الدرك. فاستحضر ابنها هنفري من دمشق إليها، وأقر برؤيته عينيها. وسار معهم من الأمراء الأمناء من يتسلم منهم تلك المعاقل، ويحوز من تلك

стр. 82

العقيلة العاقلة تلك العقائل. فمضت إليها مع ولدها، حسنة الظن بأهل بلدها. فلما وصلت قاطعوها، ودافعوها عن حصونها ومانعوها. وأخلفوا ظنها وخالفوها، حيث ما ألفوها كما ألفوها. وجنحوا وجمحوا، واجترأوا عليها واجترحوا. وعصها وأقصوها، وعددوا عليها الذنوب وأحصوها. وأفحشوها في خطأ الخطاب، وأوحشوها بالتنحي عن صوب الصواب. وسبعوها، وإلى موافقة الإسلام نسبوها. وكلما لاينتهم خاشنوها، وكلما قاربتهم باينوها. فوجدت نبوة نوابها، وعدمت أصحاب اصحابها، وذكرتهم بحقوقها، وحذرتهم من عقوقها. ولا فغلظوا، واسترضتهم فاحفظوا، واسترعتهم العهد فما حفظوا، ونبهتهم لأمرها فما استيقظوا. وانفصلت عنهم مخفقة، هائبة مشفقة. تخشى من ورد ولدها إلى السجن، وعودها من الاصحار إلى الدجن. ومضت إلى الحصن الآخر. فحصلت منه على صفقة الخاسر. فإنها لما ألمت بالشوبك ألمت من شوب كدرها، وأملت نفعها فعادت بضررها. ولقيت من نوابها نوائب، وفي موارد المراد منها أقذاء وشوائب، فآبت بالأمل الخائب والعمل العائب، والخوف الصادق والرجاء الكاذب. فلما رجعت قبل السلطان عذرها، وأزال ذعرها. وأعلمها بأن ولدها محفوظ، وبالرعاية ملحوظ، وبالعناية به محظوظ، وهو في حصن السلامة إلى أن نتسلم الحصون، وإذا بذل مصونها بذلنا لك منه المصون. فسكنت إلى الوعد، وسكنت بعكاء في ظل الرفه والرفد. ثم انتقلت قبل خروجها من عكاء إلى صور، واستودعت السلطان ابنها المأسور. وأمد السلطان (سعد الدين كمشبه) في حصار الكرك والشوبك، وبأمراء يساعدونه في الحفظ واليزك. فأقام على كل قلعة من يكفي لمحاصرتها، ويفي بمصابرتها، ويلبث في مقابلتها، ولا يعبث. بمقاتلتها فإنها تبقى على قوتها ما لم تقو من قوتها، وتدوم على طغيانها ما لم يذل عز طاغوتها. فلما رتب السلطان هذه المراتب، ورب هذه المآرب، أقام حتى وثق باستمرارها وتحقق حق استقرارها. ذكر ما دبره في عمارة عكاء اختلفت الآراء في أمر عكاء فإنها كانت مدينة متخرقة، وبيوتها متفرقة. وسورها غير معمور، ومعظمها بلا سور. ورأوا أن في إبقائها خطرا، وأن في إخلائها ضررا. فمن أصحابنا من أشار بخرابها وحفظ الحصون، وبناء قلعة القيمون. ومنهم من قال: إذا ضنيت عكاء؛ ملك البحر، وهلك الكفر. وكانت على البلاد الساحلية قفلا، وكانت بها بلاد الكفر غفلا. فمن قائل بإبقاء برج الداوية لحفظ ميناها، ومن قائل نختصرها

стр. 83

من أدناها، ومن قائل نجدد سورها، ونحكم أمورها، ونبقيها بحالها، ونعمرها بكمالها. على أن أسوار هذه البلاد سيوفها التي هي عند الفتوح مفاتيح أقفالها. وأجالوا الفكر فيمن يجلى غوائلها، ويحلى عواطلها. ويتوحد بتدبيرها، ويتفرد بتعميرها، ويجتهد في تسويرها. ذكر وصول بهاء الدين قراقوش لتولي عمارة عكاء فقال السلطان ما أرى لكفاية الأمر المهم؛ وكف الخطب الملم، غير الشهم الماضي السهم، والمضيء الفهم، الهمام المحرب؛ النقاب المجرب؛ المهذب اللوذعي؛ المرجب الألمعي؛ الراجح الرأي؛ الناجح السعي؛ الكافي الكافل بتذليل الجوامح؛ وتعديل الجوانح؛ وهو الثبت الذي لا يتزلزل؛ والطود الذي لا يتحلحل؛ (بهاء الدين قراقوش) الذي يكفل جأشه بما لا تكفل به الجيوش. وهو الذي أدار السور على مصر والقاهرة، وفات وفاق الفحول بآثار مساعيه الظاهرة، فنأمره أن يستنيب هناك من يستكفيه لتمام تلك العمارة، ونؤمره لهذا الأمر فهو جدير بالأمر والإمارة وكوتب بالحضور، لتولي الأمور، وعمارة السور. فوصل متكفلا بالشغل، متحملا للثقل. منشرح الصدر بالعمل، منفسح السر والأمل. مبتهجا بالأمر، ملتهجا بالشكر. وقد استصحب معه كل ما يفتقر إليه من أسباب العمارة وآلاتها، وأدويتها وأدواتها، وأنفارها وابقارها، ورجالها وعمالها وعمارها، ومهندسيها ومؤسسيها، وحجاريها ومعماريها. والأسارى والصناع، والنحات والقطاع. والمال الكثير للنفقة، والذهب الإبريز والرقة. ومثل بالخدمة لسلطانية على كوكب، وحضر الموكب. وشرف بأسنى الخلع وأعطى الملبس والمركب. وفوض إليه وقلده، وأسعفه من عنده وأسعده. وقوى جانبه، وأعذب مشاربه، وأوضح مذاهبه، وأنجح مآربه. وأيد يده، وأجد جدده، وكثر مدده، ووفر عدده وعدده وخصه بعطاياه، واستخلصه لوصاياه. فتوجه إلى عكاء وشغله متوجه، وعزمه متنبه، وسره مترفه، وفكره في رياض الهدى متنزه. وأمره ماض، وحكمه قاض، والله عنه راض. وقام بما أقيم له، ونهض بالعبء وحمله، ومشى بكفايته عمله. وشرع في التعمير والتسوير، وتسوية الأمور بحسن التدبير. وسيأتي شرح ما جرى بعد ذلك في مكانه. وما ظهر من حسن إيالته وإحسانه. ذكر وصول سلطان الروم قليج أرسلان وغيره من الرسل لما شاع خبر السلطان باستيلائه على البلاد؛ واستعلائه في الجهاد؛ وتأرجت

стр. 84

الأرجاء بعرف عرفه، وأرخت السير بمحاسن وصفه؛ عنت الأمصار لمصره، وأذعنت الأملاك لملكه، وانقادت الأمراء القادة بأمره. وعادت مهاب المحاب تفوح بما له من الفتوح، وشروح إيراده وإصداره تحل في صدر الزمان المشروح. فتهيبه بالضراعة كل عظيم، وتأهب له بالطاعة كل الأقاليم. ورهبه ملوك الأطراف، وتعلق باستزادة الشرف منه أمل الأشراف. فكاتبوه مستسعقين، وخاطبوه مستعطفين. وراسلوه بالتحايا، وواصلوا بالهدايا. ورغبوا في امتراء خلف الامتزاج، والاتشاح والالتحاف بحلف الاتشاح. وخطبوا الوصلة، وطلبوا الصلة. وكل يطلب لبلده منه أمانا، وليده وقدمه من تمكينه وتأييده إمكانا ومكانا. ويتوصل ويتوسل، ويتلطف ويتطفل، ويرسل ويسترسل. ويترجى مواهبه، ويتخشى عواقبه. ويديم التردد للتودد، والقصد لبلوغ المقصد. فما يعود رسوله إلا بسوله، ولا يقبل عليه منه إلا بقبوله. ومن جملة الملوك المتقربين بالوداد؛ المتسببين إلى حصول الاتحاد؛ سلطان الروم (قليج ارسلان بن مسعود بن قليج ارسلان). فإنه بذل الإذعان وسأل الإحسان. وأدى في المودة الأمانة، وأبدى للرغبة الاستكانة. واستنهض في سفارته السفير الألب، وندب الندب. وأنفذ أكبر أمرائه؛ وأعظم سفرائه؛ وهو (اختيار الدين حسن بن غفراس). وكان في دولته مقدما، وفي مملكته محكما، وعند أهل ولايته معظما. وقد استعلى عليه واستولى، واستبد بالتدبير عليه كأنه بملكه أولى. ولا تصرف له في ملك ولا مال إلا بتصريفه، ولا تعرف له عن حادث وحال إلا بتعريفه. فوصل هذا الكبير بنفسه لتمهيد القواعد، وتشييد المقاصد. وتحديد العهود، وتأكيد العقود. وقدم مكرما وأكرم قادما، وخدم حاضرا وحضر خادما. وقبل البساط وبسط وجه القبول، وتمثل له الشرف فتشرف بالمثول. وحيا تحية المماليك للملوك، وحفظ الأدب ولم ينتكب فيه عن النهج المسلوك. فتلقاه السلطان بالبشر والترحيب، والبر والتقريب. وأعزه بنزوله في ذراه، وأوعز بنزله وقراه. ووسع عليه من الأنعام بما ضاق عنه أمله، وواصله من الجميل بما راقت تفاصيله وجمله، وشفع رسالته بالإصغاء، ودفع مقالته عن الإلغاء. وسمع ما جاء به واجابه، وأبعد بإدناء مآربه ما رابه. وشافهه بشفائه، وأرواه بروائه، وأولاه لولائه، وعرفه بالتعرف إلى آلائه. ونصبت له خيمة مسردقة، شهادات الإقبال الناصري لها مصدقة، ووجوه الكرامات بها محدقة، وسحب المبرات لها مغدقة. فأقام أياما بأيامن مقيمة، ومحاسن من إحسان الشيم السلطانية مشيمة. فلما استقام أمره استقل، واستدر له بارق البر من سماء السماح واستهل. وما رام حتى نال ما رام، ووثق لإحكام المواثيق الأحكام. ووصل في تلك المدة أيضا (الصلاح قتلغ ابه) وهو أتابك قطب الدين سكمان

стр. 85

بن محمد بن قرا ارسلان، وافيا موافيا بإحسان الخطبة وخطبة الإحسان. راغبا في تتميم الوصلة، آخذا لصاحبه ملك ديار بكر عهدا محكما، وعقدا من الميثاق مبرما. وقد أحضر قضاة بلاده شهودا، واقتضى لصاحبهم بحضورهم عهودا. وكان قد خطب لصاحبه ابنة الملك العادل، ومت بكثرة الشوافع والوسائل. وكان خائفا على آمد فإنها من فتوح السلطان، ووهبها لأبيه (نور الدين بن قرا ارسلان). فأشفق من استرجاعها بالحق بعد وفاة والده، ورأى الأمن عليها وعلى جميع بلاده من أكبر مقاصده. ورغب في المصاهرة للمظاهرة وأن يفتح بها باب المزاورة للموازرة. فآواه الملك العادل إلى ظل هذه المواشجة، وثبت بعقد المزاوجة حكم الممازجة. فتم أمنه، وعم يمنه، وزاد قربه، وزال رعبه. وجلس السلطان، وحضر عنده الأماثل والأعيان. ووكلني وكان وكيل أخيه الغائب، في إنشاء العقد مع وكيل الزوج الراغب. فلما تم العقد بأركانه؛ اعتضد ملك ديار بكر بمكانه. وسار صاحبه بالمسار مصحوبا وعاد ذيله بالفخار مسحوبا، وقال له قد وجدت الحزن فلا تحزن، واشتد ركنك فإلى سواه لا تركن. وما من كبير أو أمير إلا وقد وصل من أكبر أمرائه، لينتظم بعهد السلطان في زمرة أوليائه. ذكر رحيل السلطان صوب دمشق وأقمنا على كوكب إلى آخر صفر، ننتظر منها يمن كفر الظفر. ثم رأينا أنه يطول حصرها، ولا يفوت أمرها. وأن الفتح يبطئ وأن كان السهم لا يخطئ. فأمر الأمراء الموكلين بها وبغيرها من الحصون؛ في المقام عليها وابتذال سرها المصون. ورحل السلطان نحو دمشق طاهر الشيمة، ظاهر العزيمة. سامي اللواء، هامي الأنواء، نامي الأنوار في مطالع المضاء. ودخل إليها يوم الخميس سادس شهر ربيع الأول، بالصدر الأرحب والباع الأطول. وتلقاه أهل البلد بوجوه لإقباله متهللة، وألسنة بالدعاء له مبتهلة، وعيون لأنواره مجتلية، وقلوب بولائه ممتلية، وأسماع لأمره مستمعة، وأيد إلى الله في نصره مرتفعة، وصدور بأيامه منشرحة، وآمال في إنعامه منفسحة، ونفوس على طاعة الله في طاعته كجبولة، وأعمال في رضا الله لمراضيه مبرورة مقبولة. ودخل المدينة، وأدخل إليها السكينة. فوجدت الروح بسلطانها، وعادت الروح إلى جثمانها وقرت به عيون أعيانها، وأقرت له بحسنها وإحسانها. وابتدأ بالجلوس في دار العدل، وبحضرة القضاة والعلماء من أهل الفضل. واسترفع قصص المتظلمين، واستمع (إلى) غصص المتآلمين. وكشف الظلامات المظلمة، وفصل الحكومات المستحكمة.

стр. 86

وقرأ كل قصة، وقرأها بكل حصة. وحقق الحقوق، ورتق الفتوق، وأقام للشرع السوق، وأتم لرجال الرجاء بعدله الوثوق. وحل بإنصافه كل مشكلة، وطب بإسعافه كل معضلة. وأصحت سماء السماح، وأصحب جماح النجاح. وأعدى المستعدى، وأروى الصدى، وحيا الحي وأردى الردى، ومجد المجدي، ومهد الحق حتى قيل والمهدى. فما انقضى ذلك اليوم؛ وانفض أولئك القوم؛ إلا عن مظلوم أجير بالحق، ومعلوم أجرى من الرزق وعالم أعين، وطالم أهين. وهاد زين، وعاد شين، ومختل سدد، ومنحل عقد. ومعتل شفى، ومعتر كفي. وما حل جيد، وآمل زيد، وركن حق شد وشيد، وخدن باطل ابير وابيد. وراج أدنى فوزه، ولاج اسنى عزه. وجلس يوما آخر للأكابر، والأماثل، والأكارم والأفاضل. فأضاء النادي، وفاضت الأيادي. وغدق الندى، وصدق الهدى. وكر الكرم، وفر العدم. وحفل الدر، ودر الحفل، وشمل النظام وانتظم الشمل، وصان العلماء بالبذل، وأعان بافضاله أعيان أهل الفضل. وفاز بالحمد وحاز الثناء. وأجاز الشعراء، وأكرم الكرماء، وروج الرجاء، وأولي النعماء، ونعم الأولياء. وتقاضاه عزمه بالحركة؛ لاستفاضة البركة، واستفاضة المملكة إلى المملكة فلم تستقر به دار، ولم يدر به قرار، ولم يثبت في جفنيه غرار. ولم يبت إلا وبين جنبيه لقاء العدا أهل النار نار. وكان (الصفي بن القابض) قد استجد للسلطان على بعض أبراج القلعة دارا؛ وأذهب في نضارتها ذهبا ونضارا. وهي متطاولة بين البروج، مطلة على المروج. مشرفة على موازاة الشرفين، كاشفة غطاء النظر عن الغوطتين. صحيحة البناء، فسيحة الفناء. بهية البو شهية الزهو، مجددة لأهل الجد ذكرى اللهو. فرشها بماء الورد، وفرشها بالورد. وبسط بسطها وعلق ستورها، وأعلى نورها، وحبر حبورها. وسر سرورها. وسنى أنواع نمارقها وأسمى أنوار مشارقها. وتوصل إلى حضور السلطان بها وجلوسه، وذهبت تباشير بشره بخطوب الزمان وعبوسه. واحضره كل مقرظ بقريض وكل مؤمل بتصريح وتعريض. وكل ناشد ضالة رجائه بنشيد، وكل قاصد جلالة أرجائه بقصيد. وكل مغرد مغرب، وكل مطر مطرب. وظن أن السلطان تروقه تلك الحلية والحالة، وتلك الجلوة والجلالة. وتلك البقعة المؤسسة، وتلك الرقعة المقدسة. وذلك المشرف العالي، وذلك المشرف الحالي. وانتظر نظر استحسانه لإحسانه، وتوقع تمكينه لموقع مكانه. فما أعاره لحظا، ولا إزاره حظا. ولا لمحه بطرف استطراف، ولا منحه حرف استعطاف. بل أعرض بنظره عن تلك النضارة، وأغضى عن تلك الغضارة. وغض عن تلك الغضاضة، واشتعل عن تلك

стр. 87

الرياض بالرياضة. فالعاقل من لا يتخذ في دار الوائر معقلا، ولا يجد في منازل التوازل منزلا. ولا يركن إلى فناء الفناء لبيب، ولا يسكن في غار الغرور أريب. وكيف يبني العمران والعمر إلى الهدم، والغنم في الدنيا الدنيئة عين الغرم. وقال السعيد من يبني دار الآخرة، وينجو من أمواج الدنيا الزاخرة. ثم صرف في تلك الأيام (الصفي) عن ديوانه، وأبقاه في شغل الخزانة على مكانه. وسمعته يقول في بعض محافله، وقد أجرى له حديث من يفرح بمنازله كان من ذنوب الصفي عندي أنه بنى لي تلك البنية، فدل على أنه لم يوافق منه الأمنية. وقال ما يعمل بالدار من يتوقع المنية وما خلقنا إلا للعبادة، والسعي للسعادة. وما يخطر لنا في هذه خلود بالخلد، وما لنا وللمقام في البلاء والبلد. وما جئنا لنقيم، وما نروم إلا أن لا نريم، وما تحركنا إلا للسكون، وما أسهلنا إلا للعود إلى الحزون. فما بجني ثمر الراحة إلا من مغرس التعب، وما يجبى نصيب المغنم إلا من مغرم النصب. فأين الأين، الذي تقر به العين، وما يحصل السكون في المسكن ولا يكمل الوطر في الوطن. لا سيما والدين يطالبنا بدينه، والكفر يستغرب منا حين حينه. والبلاد سائبة، وللبلاء هائبة. فلا تفوح الفتوح إلا بهبة بنا، ولا ينزل النصر إلا بركوبنا، وغدا للحزم متمما، وللعزم مصمما. ووصل الخبر بوصول عسكر الشرق بالغرب الماضي، والحد القاضي. والجمع الوافر الوافد، والجمر اللافح الواقد. وأن (عماد الدين زنكي ابن مودود بن زنكي) قد أقبل بقبيله، ووصل برعيله. وقدم بجده، وأقدم بحده. وأنه حل بحلب ثم سار عنها مسارعا، وجاء معه الجيش للنجدة والجدة جامعا. فارهف العزم السلطاني خبر وصوله، وحل بالشد للرحيل عقد حلوله. وكان القاضي الأجل الفاضل ذو الجلالة والفضل؛ والنباهة والنبل، متأخرا في بيته لشكلة أقام في غيرها، واستقام مزاجه الكريم منها وهو في ترقب زوال أثرها. والسلطان بنجح سعيه متبرك، وبنصح رأيه متمسك، وبطوله عالم، وبقبوله عامل، وبعبارته قائل، ولا شارته قايل. فأراد السلطان أن يقدم بلقائه الاجتماع، وبرأيه الانتفاع. ويستنير بنوره، ويستشيره في أموره. ويفاوضه في تفويضاته، ويقلده في تقليداته، ويتبرك بميامينه ويتيمن ببركاته. فإنه طالما اجتلى سني السعادة من مطالعه، واجتنى جنى الإرادة من صنائعه. وافتتح الأقاليم بمفاتح أقلامه، وأحكم المملكة بثبوت أحكامه. ووافاه لإمداد السؤدد الوافي سواد مداده، وجاءه بالوجاهة في دينه ودنياه لإسعافه وإسعاده. وكان قد خرج إلى جوسق بالشرف الغربي الأعلى، ليتفرغ هناك للعبادة ويتخلى. فأصبح السلطان بكرة يوم الثلاثاء حادي عشر ربيع الأول على الرحيل،

стр. 88

وقصده لإبرام ما وجده في مملكته من الأمر السحيل. وأقام عنده في الجوسق إلى الظهر، مستظهرا به على الدهر حتى كشف مهماته، ورشف شفاه مشافهاته. وانتجى معه في الآراء والآراب. وانتجع لريه من رأيه صوب الصواب، وارتجع وديعة سر الغيب ممن عنده علم من الكتاب. ثم استودعه الله وودعه، ودعا له الأجل الفاضل وشيعه. وبات تلك الليلة مخيما بالعرادة. محتما بالسعادة، راجح السيادة، ناجح الإرادة. ثم سلك في جبل يبوس إلى عين الجر إلى الدلهمية على البقاع. وهو مطيع أمر الخالق ومتبعه والخلق تابع أمره المطاع. واتى بعلبك المحروسة، وخيم بمرج عدوسة. وأقام حتى أمر أمرها، وأدر درها وقسم لها من عدله، وعدل بها من قسمه، وحكم فيها بفضله، وافضل عليها بحكمه. وكشف الظلم والمظالم، وصرف المكاره وصرف المكارم، ورفع من المعالي المعالم، وأجرى رسوم الأجر والمراسم. وأمر الرعاة برعاية أمر الرعية، وحكم على القضاة بالحكم في كل قضية بالجهة الشرعية المرعية. ثم رحل على سمت اللبوة، معصوم النوبة من النبوة. مصون الكتيبة من الكبة والكبوة. ثم اوجه إلى الزراعة وزرع الظفر قد توجه، وشرع النصر الصافي الشرعة من الكدر قد تنزه، وقد كحل عثير العسكر طرف الجو الأمره. وقد آن لعين الشمس الراقدة من الهبوة أن تعاود الهبة وتتنبه، وزرع بالزراعة من السمر المركوزة والبيض المهزوزة نبات الحظ وقتاد الخرط، وضاق ذلك الفضاء الواسع بحط رحال الرهط. ذكر وصول عماد صاحب سنجار والاجتماع به ووصل الخبر بأن عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي وصل جامعا من الاداني والأقاصي، ونزل طائعا على العاصي. وخيم على قدس، وخيمه قد تقدس، والدين بدنوه تأنس، والكفر بقدومه تعكس. وأنه ينتظر قدوم السلطان والاتفاق معه على قهر الشرك ونصر الإيمان. فركبنا وابن ذكاء في أسفاره، والصبح قد زحف على الليل برايات أنواره والفجر قد فجر انهار نهاره. وسرنا بصدق النزاع وقصد الاجتماع. فلقيناه قد ركب مستقبلا، وقرب مقبلا. ولما رآه السلطان حياه، ولقيه بالكرامة وأكرم ملقاه. ونزلا فتعانقا، ثم ركبا وتوافقا وتساوقا. وخيمنا بقرب مخيمه، وجثمنا عند مجثمه، وحططنا هناك رحالنا، وخلطنا برجاله رجالنا. وتساعد الجندان، وسعد الجدان، وجد السعدان. وانتظم الجمعان، واجتمع النظمان. واتحدت الكلم، وأنأدت الهمم. وسأل السلطان أن يوازره ويزوره، ويحضره بحضوره حبوره، فساق معه إلى مضربه. وضافه في موكبه. وانقلب إلى قربه، وتقرب إلى قلبه وارتفع في صدره، ورفع من قدره.

стр. 89

وصار العسكران مختلطين، وجلسا منبسطين، ووقف الأمراء والعظماء سماطين كالسمطين. وقرأ القراء، وأورد الشعراء، وتجاذب بينهم أطراف الطرف والآداب الفضلاء والعلماء. وكان مع عماد الدين شاعره (السنجاري ابن الهائم)، ومن عادته ايراد المدائح في مثل تلك المواسم. فأنشد مدحا، ونشد منحا. ثم بسط السماط وسمط البساط. ومدت الموائد، وعادت العوائد، ونضد الخوان وكونت الألوان، ولونت الأكوان، وصفت الجفان. واحضر الطهاة في كل حاجة وباجة، وخروف ودجاجة. وحلو حامت وحامز وحامض، وتفه وقابض. ومطبوخ ومشوي، ومصنوع ومقلي - ما طاب مذاق مذقه ومحضه، وطالت الأيدي في بسطه وقبضه. فلما رفع من ناديه القرى، وفرع بأياديه الذرا، قدم ما أعده للهدايا، والتحف السنايا من الجياد المقربة، والثياب المذهبة، والعدد المعجبة، والأسلحة المذربة. وكل ما يروق ويروع، ويضيء ويضوع. ثم انفض النادي عن ندى منفض، وسدى لبكر الشكر مقتض. وعين السلطان يوما لحضور عماد الدين عنده، وأنه يستضيف فيه خواصه وأمراءه وجنده. فوسع سرادقه، ووشع نمارقه. وضرب بيت الخشب له لحسب بيته، وأسميت (الحسنى) بحسن سمته وسمته، واحتفل بحفله، وأجل لأجله. وأرجت أرجاء النادي بالند. وراق مد النواظر النواظر في ذلك الرواق الممتد، وبسط على البسط ما حضر من الياسمين والورد. وفاح النشر، ولاح البشر. وفرش الثرى، وشرف البرى. ورفع الحجاب، وأشرعت القباب، وتوجهت الأسباب، وتنزهت الألباب. وتضوعت نوافح النوافج، ووضحت مناهج المباهج ووضعت المطارح والمساند، والأسرة والوسائد. وجاء عماد الدين في خواصه وأمرائه وصحبه، فتلقاه السلطان برحبه، وقرب له السرير وسر بقربه، وأجلسه إلى جنبه، وحباه بحبه، وأقبل عليه بوجهه وقلبه، وجلس من جرى بالجلوس رسمه، وسما في الرءوس اسمه. ووقف لأمراء والحجاب، والعظماء والأصحاب، على مراتبهم في مواقفهم ودب للاعتزاز الاهتزاز في معاطفهم. وكان النادي مهيبا، والندى مجيبا، والذرا رحيبا، والقرى قريبا. والظل ممدودا والفضل مورودا. والحفل حافلا، والشمل شاملا، والبساط مقبلا، والنشاط مقبلا. والمرئي حاليا، والمروى عاليا. والمسموع مطربا، والمجموع مغربا. والمنظر والمخبر جليلا جميلا، والمطلع والمطلب منيرا منيلا. والمكان عليا، والزمان جليا. والربيع في انتهائه، والصنيع في اشتهائه، والمصيف في ابتدائه، والمضيف في انتدائه. والنعيم في نضرته والكريم في نصرته. والأريب في أربه، والطروب في طربه، والضريب من الخلق الحسن في ضربه.

стр. 90

وكانت أيام المشمش وقد وصلت من دمشق أحمالها، وحلت في تلك الحالة حالها، واقدم الجذل قدومها، وطلعت في أبراج الأطباق نجومها. كأنها كرات من التبر مصوغة، أو بالورس مصبوغة. صفر كأنها ثمار الرايات الناصرية حلا ذوقا، وأحل شوقا، ولو نظم جوهره لكان طوقا. وهو أحلى من السكر، واعبق من العبهر، وأحسن هيئة من النارنج الأحمر، والليمون المركب المدور، وقد زفت عروسه في الثوب المعصفر، والخمار المزعفر. كأنما خرط من الصندل، وخلط بالمندل. وجمد من الثلج والعسل، فهو الذي يضرب بضربه مثل الثمل، ويقضب من قضبه لقب القبل. ونظر ما نضر، وما حظر ما حضر. ورثى هناك لقطوفه قطاف، ولطوافيره طواف. ولعقوده مصارف، ولنقوده ضيارف. فكأنها وجوه العشاق اكتست اصفرارا، أو جمرات تشتعل نارا وتبدى شرارا، وقد أعاد لجينها صواغ القدرة الإلهية نضارا. بل هي أحداق الحدائق، وقلوب البوارق. ووجنات الجنات صبغها بلونه البرق، وصفرها من خوفه الرعد، ودورها بوقده الودق. لا بل اصفرت من مهابة الجنات الجناة، وانتظمت من جواهر الحيا للحياة، واضطرمت لهاها شوقا إلى فتح اللهاة. ثم صرفت الأطباق، ونظفت الآفاق. وبسط المكان، وسمط الخوان. ونبهت أجفان الجفان للقدور الرقود، وشبهت المراجل لغليانها بصدور ذوي الحقود. وتزيد مقال النشاشة، وتزينت مقار المقاري بالبشاشة. ومادت أعطاف الموائد بالألطاف، وتهادت اكناف السرادق بموشى الافواف. وهناك المسموط والمسلوخ، والمخطوب المطبوخ. والمقلو المقلوب، والمحبو المحبوب. والأغذية واللحمان، والأشوية والحملان، والألبان والألوان. والجوابي والروابي، والصواني والأواني. وقد صفت البوادر، وصفت الموارد. وتنوقت الطهاه، وتنوعت المشتهاه. وحلت الأطعمة، وعلت الأسنمة. وجاش جاش الجاشنكير الرابط، وعاش إخوان الخوانسلار الغابط. وتداولوا وتناولوا النوالات، والحوالات، والحلاوات والحالات. وكان يوما مشهودا، وحوضا مورودا، وروضا معهودا، ورواقا ممدودا، ورواءا مودودا، وجمعا مسعودا، وصنعا محمودا. ولما فرغت الموائد، وبلغت المقاصد احضر السلطان لعماد الدين هداياه وحياه بأحسن من تحاياه، من خيل صفون، وحصن كحصون. وعراب جياد من طرائف الطريفيات، وسوابق سوابح من العتاق الاعوجيات والمذاكي المنسوبات. من كل مطهم مطهر الخيم وكريم من نسل الكريم، وصافن صافي الأديم. ومعرب مقرب، ومجنب مكرب، وسكب مشذب، وفيض سلهب، وبحر جموم وطرف لهموم وسرحوب شيظم. ويعبوب صلدم. واجرد قوود. وضامر قيدود. وأقب نهد، وجواد ورد. ومسح رفل طمر. وأشق امق غمر. ومفرع طموح. وعتيق غير جموح. وهيكل

стр. 91

عال وعنجوج ذيال. فاختار منها كل طرف. قد حط من قدره إذا قوم بألف. من كل أشهب قرطاسي، وأشعل سوسني، وأغر صنابي. وأدهم غيهبي. وأحم أحوى. وأشقر مدمي. وأبرش مدثر، وكميت مضمر. وأخضر وأدبس، وسمند أغبس. ثم أحضر له ما يناسبها من التحف اللائقة، والطرف الرائقة، والعدد الرائعة، والأسلحة المانعة. والسابريات السابغات، والدروع والزرديات، والرؤوس والرانات. والخوذ والترائك، والبواتر البواتك. والدلاص الموضونة، والنصال المسنونة. ومن المستعملات المصرية الذهبية والحريرية. والملحم والدبيقي والمصمت والمغربي والعراقي. ومن نسج تونه وتنيس؛ كل ثمين ونفيس. وما شاكله من أنواع الطيب، على النمط والترتيب. ثم انصرف وعرف حمده متضرع، وعرف جده متنوع. وشدو شكره وعطف فخره مترنم مترنح، وأمره متحبر متربح، ووده مترج مترجح. ودعاؤه صالح، وثناؤه صادح. ولسانه داع، وجنانه واع، وعهده راع، وسعده ساع. وتصاحب هو والسلطان في الركوب والجلوس، والتناجي بما في النفوس والتدبر فيما يقدم ويؤخر ويقرر، ويورد ويصدر. وتكررت المشاورة في الموضع الذي يبدأ بقصده، ويوفي العزم فيها الجهاد حق جهده. واتفقوا على عرقا وعرقها وعقرها. والزول بعقرها. وإنها إذا ملكت ملكت طرابلس. وأسفر عن صبح فتحها الغلس، وأقام العسكر أياما على (قدس)، وبقبس النصر قد تأنس، ولسناء الظفر قد توجس. وأتى العرب، وواتى الأرب. واجتمعت الجيوش وجاشت الجموع، وآن لليل العزم المدلج من صبح النجح الطلوع، ونبعت الفيوض من النعم وفاض الينبوع، وأينعت ثمار وطابت الينوع. ثم رحلنا أول شهر ربيع الآخر إلى البقيعة تحت حصن الأكراد، وخيمنا على الربا والوهاد، وصوبنا إلى الجهاد هوادي الجياد، وأدنينا قطاف ألطاف الله لاجتناء الأجناد. وكانت الأعشاب بالشعاب واصية، والشوائب من المشارب قاصية، والقضب للقرب في طاعة الله عاصية. وطار الرعب، وثار العجم والعرب، وخاف الكفر، وطاف الذعر، وقال نفر الشرك نفر ولا نستقر. وتشوروا، وتشاوروا، وحاروا وتحاوروا. كأنهم في قبور حصونهم أموات، لا ترتفع لهم من الوهل والوله أصوات. واجمعنا على دخول بلد الساحل على التجريد للتجريب، وجوس خلال البعيد والقريب. ثم تجرد العسكر عن الأثقال، وتجزأ على أخذ أهبة القتال. وسار السلطان ومعه عماد الدين زنكي وسيفه بصقالة يضحك وبدم الكفر يبكي. (ومظفر الدين كوكبوري) وهو الذي حين يواري صارمه المشهور في نجيع العدا لزند الظفر يوري. وصحبه من فرسان العرب كل فارس معرب، ومن شجعان

стр. 92

الأكراد كل فاتك محرب. ومن فتاك الأتراك كل قسور قاسر، ومن صيد الصناديد كل كسروى كاسر. وكل كمى كميش، واكديش على اكديش. وقارح على قارح، وخضم على سابح، وجرى جار جارح. وبهمة وبطل، وجبل على جبل، وفحل على فحل، وذمر نكل. وورد على ورد، مرد على جرد. وحلس وحلبس، وباشر بالموت معبس. وأهيس اليس، وأحمى احمس. وغشمشم همام، وأيهم مقدام. وباسل ذي باس، وعاسل عاس. ورئبال على رئبال، ومشتمل على شمال. وبحر على بحر، وصقر على صقر. وركبوا اسلاهبهم، وجنبوا جنائبهم. وجروا على الساحل سيولا، وجروا بالذوابل ذيولا. وطارابليس طرابلس بخوافي لخوف، ودام الجوى في رعب أهلها بدم الجوف. وما سار إلا من خف في نهضته، ونهض بخفته. وأحس حصن الأكراد بالأكدار، وصفت على صافيثا بوارق البوار. وقطع عرق (عرقا) وعقرت، وتعرمت (العريمة) وتعرقت، ومزعت تلك الاعمال ومزقت، وارهقت وأزهقت. ونفرت انفارها، وبقرت ابقارها، وملئت بالدوائر ديارها. وسيقت مواشيها، وحشيت بالنيران أوساطها وحواشيها. ونزل السلطان على حصن يحمور فما قدروا يحمونه، وابتذل مصونة، واستخرج مكنونه. وفتحه ومتحه، ومساه بالدمار وصبحه. وأقام في تلك الديار عشرة أيام يجوسها ويدوسها، وقد حيزت له نفائسها ونفوسها. ثم رحل إلى مخيمه، وعاد العسكر مسرورا منصورا محبورا موفورا، قد اطلع من تلك البلاد على العورات، واضطلع بالغنائم من تلك الغارات، ونكأمنها في الأعمار والعمارات. وانقضى شهر ربيع الآخر، وذلك المرج يموج بالعساكر موج البحر الزاخر. وقد وصل قاضي جبله يحث على قصدها، ويحض على إنجاز وعدها، ويحرض على إعذاب وردها، ويحقق أن الظفر في هذه السنة يبتدئ من عندها. ويقول إن الاشتغال بطرابلس مع احترازها واحتراسها؛ وكثرة ناسها؛ وتدرعها بلباس باسها؛ واستعدادها للحصار، وتجنبها عن الاصحار؛ يذهب الزمان، ويفوت الإمكان. وهذه جبلة وما وراءها من المعاقل، قنيصة للحابل، وفرصة للمتناول، ولهنة للآكل، ونغية للناهل وأمنية للعاقل. فما دونها مانع، ولا عنها مدافع. وهي على غرتها وغرورها وغفلتها وفتورها؛ لم بفترع عذرة أمنها ذعر، ولم يفثأ سورة نفعها ضر، ولم يقر باب يسرها عسر. فإن سلكنا سبيلها، ملكنا سلسبيلها. وأن جزنا ساحتها، حزنا راحتها. وأن استقدنا ملكها ملكنا قيادها، وأن اعتدنا حواءها حوينا عتادها. وأن افتتحنا بها فتحناها. والمسلمون بجبلة مجبولون على التسليم مؤملون أن يتبدل شقاؤهم منكم بالنعيم فعرفناه بصحة نصحه، ورفعناه بحجة نجحه. وأصغى السلطان إلى قوله،

стр. 93

وأصغى له ورد طوله، وأقبل عليه وقبله، وأجزل له العطاء وأكمله. وكان قد وصل له مقدمو جبل بهرا، فوفر لهم رواتبهم وأجرى. وخلع عليهم وشرفهم، وأسعدهم بالمواهب وأسعفهم. فندبوا إلى أتباعهم، وكتبوا إلى أشياعهم. وأجمع السلطان على دخول الساحل بتلك العساكر والجحافل. ورحل يوم الجمعة رابع جمادى الاول، حافل الجحفل سامي القسطل. ماضي المنصل. فسرنا في آجام مؤتشبة، وآكام معشبة. وحزون وسهول، وشعاب وتلول. ومعالم ومجاهل، رواب وهواجل. ومغايض وغياض، وارتفاع وانخفاض. حتى خرجنا إلى ساحة الساحل، ونزلنا بها ومبارك مبارنا مواحي رسوم تلك النواحي المواحل. ومعنا أحمال واوساق وأثقال وأسواق. وأزواد وإمداد، وعدد وإعداد. والخيل عرموم، والسيل عرم. والمجر لجب، والغيل أشب، والأسد في عريس من الاسل العراص، والفوارس الصلاد في غدران من السوابغ الدلاص، وقد نشأ العجاج كعجاج النشاص. فانحلت بحلولنا معاقد المعاقل، واعتلت باستيلاء فحولنا عقائد العقائل. وحلت لخطبة سيوفنا كرائم الحوالي والعواطل. ونحن في استباحة واستباء واصطلام واصطلاء، وارتياد وارتياء، وفتك بأعداء، وسفك لدماء. وبتك لرقاب ذوي الفجور، وهتك لحجاب ذوات الخدور. ننال من العدو كل نيل، وندير عليه في داره دائرة كل ويل. فما نقطع إلا واديا يغيظ الكفار، ولا نحضر الا ناديا نزيدهم به الدمار. وسرنا الساحل الساحل، في ثلاث مراحل. حتى وصلنا إلى انطوطوس يوم الأحد سادس الشهر. فأحدقنا بها من البحر إلى البحر. وزحف إليها الناس، وحفز عليها الباس، وخاب رجاء رجالها وخب نحوها الياس. وقاتلناها ساعة، فلم يجد أهلها للدفاع استطاعة. ودخلت من جوانبها، وتخللت من مذاهبها، وأصابتها نوائبها، ونابتها مصائبها، وفل غربها وجب غاربها. وقتل من لحق من رجالها، ونهب ما وجد من أموالها، ونقل ما صودف من غلالها، وسبى من أخذ من نسائها وأطفالها. واعتصم من نجا ببرجين اعتصما بالامتناع، وهما هناك من أحكم القلاع. وفي أحدهما الداوية جمرة الكفر، ومعهم مقدمهم الذي أطلق من الأسر. وفي البرج الآخر المنهزمون الناجون، والفارون إليه اللاجون. فنزل على هذا البرج مظفر الدين بن زين الدين، فأبدى لمن استتر فيه وجه التأمين، وحركهم إلى الخروج بالتسكين. ووثقوا بأمانه وأمنوا بميثاقه، ومكن كل منهم لسلاكته من تسلم مكانه. فلما ظفر مظفر الدين بالبرج هدمه وهده، وحل من أحكامه ما الكفر شده. وركب النقب على ركنه العالي، ونكبه في ذلك اليوم بما تنكبت عنه نواكب الليالي. وخرب إلى أساسه سوره، ورمى إلى البحر صخوره. وامتنع برج الداوية لدائها الدوى، واتبع مردتهم في التمرد هوى طاغوتهم الهوى. وأقام العسكر حتى نقض أسوار انطرطوس وقوضها، وربضنا بها إلى أن عفينا ربضها.

стр. 94

ولما امتنع البرج تركناه، وما كانت فيه فرصة لو أدركناه. وكيف كنا نشتغل بفتح برج عن فتح البلاد، وللفرص أوقات هي لها بالمرصاد، ومن يسلك الجدد اللاحب لا يعرج على بنيات الطرق، ولا يستغنى مدلج الليل بالداراري عن الفلق. ورحلنا عنها رابع عشر الشهر، شاهرين على الأعداء سيوف القهر. ونزلنا على مرقية وقد خلت من أهلها وتخلت، وتشعشعت عمارتها واختلت. وكان جوازنا إلى جبلة على الساحل تحت حصن المرقب، وهو معقل للاسبتارية عالي المنكب، سامي المرقى والمرقب، ضيق المذهب، عسر المطلب. فلم يكن بد من عبور ذلك المضيق، وسلوك تلك الطريق. وقد صفت الفرنج في البحر المراكب، وسدوا المذاهب، وردوا الراجل والراكب. وفوقوا الجرخ للجرح، وسددوا الزنبورك للقرح والطرح. فعثر العبور، وكثر العثور. وامتنع الجواز، ووجب الاحتراز، واعوز الظهور وظهر الاعواز. وذلك أن صاحب صقلية؛ رام أن يكشف عن الفرنج البلية. فجهز أسطولا بجهازه مستطيلا، وحمله من عدد القتال وعدد الرجال عبثا ثقيلا، واتفق وصوله في تلك الأيام في ستين قطعة، تحسب كل واحدة منها قلعة أو تلعة. من كل شيني من شأنه شن الغارة، ومن عادته العادية تشيعت العمارة. مع طاغية يقال له المرغريط، قد عرف منه التوريط، من أرجس الطواغيت، وأنجس العفاريت. فوصل إلى طرابلس بطوله وأسطوله وصولة وصوله. فما أحلى ولا أمر، ولا نفع ولا ضر، ولا استقل ولا استقر. ولا نقض ولا أمر. بل صار على الفرنج وبالا، وأحدث لهم بما يسومهم من مئونته إمحالا، وما خفف عنهم بل زادهم على الثقل أثقالا، ووجد الكفر في أوان توانيه، فلم ينتفع ولم يرتفع شأن شوانيه. وصار إلى صور ثم رجع إلى طرابلس، وتردد في البحر وتلدد وأبلس. وتفرقت جماعته، وتجنبت شجاعته. واضطرب في البحر اشتهرا، لا يظهر له رأى ولا يرى له مظهرا فتقطعت اقطاعه، وتتابعت في الفرا اتباعه. حتى عاد في عدة يسيرة، وشدة عسيرة. وكان هذا الطاغية قد حضر يوم عبورنا تحت المرقب بمراكبه، مصفوفة في البحر من جوانبه. قد ضيق الطريق، ولم يطرق المضيق، فأمر السلطان يحمل الجفاتي إلى هناك وتصقيفها، والستائر وتأليفها، والتراس وترصيفها، وأقعد من ورائها على مقابلة سفن القوم وازائها؛ الكماة النخية، والرماة الجرخية. حتى تباعدت تلك السفن، ودب اليها الوهن، وتمت عليها المحن، وأنحت الإحن. ورحل العسكر فعبر آمنا وأمن عابرا، وسار ظاهرا وظهر سائرا. وجزنا على مدينة يقال لها بلنياس، وقد أجفل عنها الناس. ونزلنا على أرضها، وخمينا في طولها وعرضها، وأنسنا بنهرها وزهرها غب الارواء والرواء، وحسبنا على نواظر رياضها نواظر الارتضاء. وبتنا ونفحات النادي

стр. 95

مريضة. وجنبات الوادي مريضة. والنسيم العليل بليل، والعزم الصحيح دليل، ورسم العدو محيل، ولقدح الفوز من تأييد الله لنا مجيل. وأصبحنا على الرحيل مبكرين، فساء صباح المنذرين. وسرنا وسرنا في سرور، وسفرنا في سفور. وجمعنا في اجتماع، وجدنا في ارتفاع، ونهجنا في اتساع، وركننا في امتناع. وعارضنا نهر عريض عميق، ما فيه طريق. وهو مطرد من الجبل إلى البحر، فازدحم العسكر عند ذلك النهر، وتواقعت الأحمال والأثقال عند العبر، وليس عليه إلا قنطرة واحدة فتصادموا على ذلك الجسر. وسار السلطان من فوق على سفح الجبل وعبر، واسابع من عسكره بعد الزمر الزمر. ونزل عشية الخميس على بلدة. وعانت الأثقال من تخلصها من الشدة الشدة. وتكامل نزولها حين انتصف الليل، ووصل إلى القرار السيل. وهذه بلدة كاسمها بلدة على شاطئ هذا النهر، وساحل البحر حصينة البناء، مصونة الفناء. قد حصنها الاسبتار، وحسنها الاستظهار. وقطعوا عنها سلوك الطرق، بتعميق ذلك النهر المخترق. وألفينا بلدة أيضا خاوية على العروش، حاوية للوحوش. خالية من الأنس والإنس، (كأن لم تعن بالأمس). وقد انزعج أهلها، وتشت شملها. وتخوف آمنوها، وعدم السكون ساكنوها. ذكر فتح جبيل وأشرفنا على جبلة يوم الجمعة ثامن عشر الشهر، وقد اشتهر موسم النصر، وأشتد على الكفر رهق القهر. وكان قاضي جبلة قد تقدم في السابقة وسبق في المقدمة، وأقدم على قصدها بالعزيمة المصممة. فلما بصر مسلمو البلد؛ بما وضح في الجد من الجدد؛ وسنح من الظفر المتضافر المدد؛ خرجوا مستسلمين مسلمين، ومستمسكين بعز الإسلام معتصمين. وعلت على السور الرايات الناصرية المنصورة، والتهجت بحمد الله الألسن الشاكرة وابتهجت القلوب المحبورة. وتحصن الكفرة من الحين، ولجؤا في التحين إلى الحصنين، فمن لاذ بالحصن الذي المينا، قال إنه بحصانته يحمينا. وعاد معظمهم الأكثر، بحصن البلد وهو المعقل الأكبر، وتوسط لهم قاضي جبلة في أخذ الأمان بعد قبض الرهائن. على أن يعيدوا من استرهنوه في إنطاكية من أهله ويجمعوا شملهم بشمله. ويسلموا إلينا كل ما لهم من سلاح وعدة، وخيل وذخيرة وغلة. وتسلمنا الحصنين يوم الخميس، وعادوا مأهولين من الإسلام بالأنيس، وكرمت بالكرام جبلة جبلة، ونفت عنها بالفئة المقبلة الشقية المختبلة. وسعد أهلها بعد الشقاء، وتعوضوا من الشدة بالرخاء، وأفضى اليأس بهم إلى الرجاء، وفاءوا إلى الوفاء.

стр. 96

وانتقل أهل الجبل إلى جبلة طائعين بعد العصيان، مصافحين بالمصافاة بالأيمان أهل الايمان. وكان حصن بكسراييل قد تسلم من قبل واتصل بفتحه الجبل، فرتب فيه من حكم على ذلك الجانب وأهله، وكانوا لقاضي جبلة مذعنين، بإيمانه مؤمنين، ولدعائه ملبين، ولبقائه محبين. ونجوا من العار والتبار، وضيم الكفار، وتناجوا بالاستبصار والاستنصار، والاستغفار والاستنفار، وآضت تلك الولاية لإحسانها والية، وتلك الناحية على سكانها حانية، وتلك المدينة لأهل الدين دائنة دانية، وتلك الجنة العذبة الجنى لورد دم الجناة من شوك القناجانية. وتلك البنية لمعالم المعالي في هدم أساس الإساءة بانية، وتلك الهضبة راسية، والتربة كاسية، والرتبة سامية، والربوة رابية، والذروة عالية، والحالة حالية. وأقام السلطان بها أياما حتى أزال شعثها، وأزاح خبثها، ورأب صدعها، ورب ربعها، وشاد ركنها، وشد حصنها، وجب كفرها، وجبر كسرها، وجد بها جدبها، وخص بها خصبها. وبالعدل عمرها، وبالفضل غمرها. وبالرعاية ملأها، وللرعية كلأها. وبجل قاضي جبلة وشرفه، وحبس عليه ملكا نفيسا ووقفه، وصرفه في أملاك آبائه، وحكمه في ولاية حكمه وقضائه. ذكر فتح اللاذقية ورحل ثالث عشري الشهر يوم الأربعاء، منشور اللواء، منصور الأولياء، ومشكور المضاء، عالي القدر قادر العلاء. ناجح الآراب راجح الآراء. وسار برعب إلى العدو يقدمه، وعزم على الغزو يصممه، وأمر بأمراء الأحكام يحكمه. وجد على تدبير الدين يقفه، وحد في تدمير الماردين يرهفه. وسعادة تؤيده، وتأييد من الله يسعده. وسطوة على الكفار يرسلها، وجذوة في أهل النار يشعلها. وجيش للوثبات ينشطه، وجأش للثبات يربطه. وهيبة تروع الخواطر، وهيئة تروق النواظر. وبتنا تلك الليلة بالقرب من اللاذقية معرسين، وبات الكفرة مبلسين. قد لاذوا من حصن اللاذقية بجبل عاصم، وعروة كل قلب لهم من الرعب في يد فاصم. والخوف عليهم مستول، والذعر فيهم مستعل. والأفئدة منهم خافقة، والأندية بهم متضايقة، والمهج في سوق الردى نافقة. ونحن طول الليل من السوابغ في جر الذيل، ومن السوابق في إجراء الخيل. ومن نشاط العزم في اهتزاز، ومن احتياط الحزم في احتزاز. ومن انتخاب الاجواد والجياد في انتخاء، ومن انتقاد العتاق والرقاق في انتقاء، ومن انتهاض الرياح بالهواضب في انتهاء، ومن اقتضاب الأرواح بالقواضب في اقتضاء، والمقربات تسرج والسريجيات تقرب، والمقانب تكتب والكتائب تقنب. والصوارم تنتضي، والصرائم تقتضي. والقوارح تضمر، والقرائح تخمر. والضوامر تجري،

стр. 97

والبواتر تعرى. والصلاد تلجم، والدلاص تستلأم. والحنايا توتر، والمنايا تؤثر. والجاليشية تعبى، والجاووشية تلبي حتى أصبحنا يوم الخميس والخميس مصبح، والمتجر مربح، والمفخر متوضح، وللجاش فرح، وللجيش مرح وقرح، والعدو مقترح، وزند الفتح مقتدح، وباب السماء لنزول ملائكة النصر مفتتح. وأحدقنا بالقلاع وقلعنا الأحداق، وخطنا بابر السهام من موقها الآماق، وأخرجنا منهم بالإرهاق الارماق، وأنهضنا إليها الحجار والنقاب والزراق. وأطرنا النشاب إلى أوكار المقل، وأزرناهم رسل النصال بكتاب الأجل، وسمعنا من ضوضائهم زجل الوجل، ورأيناهم تغلي صدورهم بنار الحقود مراجل الغلل، وأشرفوا من الشراريف قلقين متقلقلين ما بين تلك القلل. وجدوا في القتال، وشدوا على الرجال، ومدوا ظلال الضلال، واحتدوا بالنصال في النضال، وردوا النبال بالنبال، وسدوا مذاهب الأهواء بالأهوال. وهناك في الزنبورك بورك، فإنه بالجرخ دورك، وقلنا للكفر أخرج لندخل إلى دورك، وأي دار فيها التوحيد بأهل الشرك شورك، وطالما سكنت دارنا فاخرج، ودرجت إليها فادرج. وما زلنا نقاتلهم بسوادنا بياض النهار، ونغطي سنى يومنا بليل الغبار، ونرفع من السور حجابه بالحجار، حتى فزنا بتمكن النقاب والحجار، وأخذت عليهم النقوب، ووقذت منهم القلوب. وبلغ النقب من الشمال في الطول ستين ذراعا، وأربع أذرع في العرض اتساعا. وهي ثلاث قلاع متلاصقات، على طول التل متناسقات. كأنهن على رأس راس راسخ، وذروة أشم شامخ. فسهل الله لنا فرعها، وشرعنا نستأصل أصلها وفرعها. وناوبنا عليه القتال، وجاوبنا بالنصال، واوضعت بنات الكنائن بظغائن الضغائن، وأثارت من مكامن الأحقاد كوامن الدفائن. ودام الرماء، ومريت الدماء. وانتجع النجيع، ووقع ذلك الرفيع، فاستبطئ السريع، وتخطى الصريع. وابصروا ما لا عهد لهم بمثله، وعاينوا ما عانوه من غريم الموت المطل في مطله. وفتح الحتف بابه، وحفز الزحف أصحابه، وكشر الشرك نابه، وصادف الكفر لدمه المطلول مصبه ومصابه. ونفر الناس إليهم، واستطالوا عليهم. وطمعوا فيهم، والأجل يظهرهم والوجل يخفيهم. وهم من وراء أسوارهم، بواء في بوارهم. ووبل النبل هام، وأهل الجهد في ضراب وضرام، وجمر الجمع في التهاب والتهام. ووقع منهم الزمع، ومنا فيهم الطمع، ومنا فيهم الطمع. حتى ازدحم على التل الصغار والكبار، واستشعروا منا وزال منا الاستشعار. وكان لي مملوك صغير قد زحف، وأرهق وارهف، فقبل خده سهم، فرجع وإذا وجهه طلق لا جهم، وهو بقرحه فرح، وللفرح بالشهادة مقترح، وقد عدله الجرح، وحسنه القبح. فلما عرفوا أنهم مدركون؛ وأنهم يؤخذون ولا يتركون؛ صاحوا الأمان؛ واسماحوا الأيمان. وذلك في يوم الجمعة الخامس والعشرين من جمادى الأولى عشية،

стр. 98

وكان فتح ذلك المعقل من الله مشية. فإنه موضع ما فيه مكمع، ولم يكن للكفر غيره مفزع. وصعد إليهم قاضي جبلة يوم السبت غدوة، وكان ذلك الفتح صلحا أشبه عنوة. وطلع السنجق المنصور، وانجلت الظلمة وتجلى النور، وأشرق الفلق وزهق الديجور، وبدأ الفجر وباد الفجور، وسرت القلوب وأقبل السرور. وسلموا القلاع بما فيها من عدة وذخيرة، وأسلحة وخيل ودواب كثيرة. وأمنوا على أنفسهم وأموالهم، وانصرفوا بنسائهم ورجالهم، وذريتهم وأطفالهم، وخفوا من أثقالهم. ودخل جماعة منهم في عقد الذمة، تمسكوا بحبل العصمة. وانتقل الباقون إلى إنطاكية، وأيقنوا أنهم وجدوا بعد رسوم السلامة العافية العافية. ورتب السلطان جماعة من خواص مماليكه، وأخرج من القلاع أهل الكفر واسكنها التوحيد مصونا من الإشراك وتشريكه، ثم ولى بها سنقر الخلاطي مملوكه، وقد عرف حسن سيرته وأحمد سلوكه. فتولى الرعية كافة بالرعاية والكفاية، وانتهى إلى الغاية في نهى اولى الغواية، وأقام جاليا للغاية، عالي الرأي والراية. وركب السلطان إلى البلد وطافه، وهز إلى إحسانه اعطافه، وأدنى إلى عدله قطافه، ووفر ألطافه، وأصفى نطافه، وأمنه بعد ما أخافه. ورأيتها بلدة واسعة الأفنية، جامعة الأبنية. متناسبة المعاني، متناسقة المغاني، قريبة المجاني، رحيبة المواني. في كل داربستان، وفي كل قطر بنيان، وقد أبى الله أن يكون للكفرة منها جنان. أمكنتها مخرمة، وأروقتها مرخمة، وعقودها محكمة، ومعالمها معلمة، ودعائمها منظمة، ومساكنها مهندسة مهندمة، وأماكنها ممكنة، ومحاسنها مبينة، ومراتبها معينة. وسقوفها عالية، وقطوفها دانية. وأسواقها فضية، وآفاقها مضية، ومطالعها مشرقة، ومرابعها مونقة. وأرجاؤها فسيحة، وتهواؤها صحيحة. لكن العسكر شعث عمارتها، وأذهب نضارتها، وأزعج ساكنيها، وأخرج قاطنيها. وملك دور المشركين للموحدين، وطهرها من رجس الكفر واظهر الدين. ووقع من عدة من الأمراء الزحام على الرخام، ونقلوا منه أحمالا إلى منازلهم بالشام. فشوهوا وجوه الأماكن، ومحوا سني المحاسن. وبظاهر اللاذقية كنيسة عظيمة، نفيسة قديمة، بأجزاء الاجزاع مرصعة، وبألوان الرخام مجزعة، وأجناس تصاويرها متنوعة، وأصول تماثيلها متفرعة. وهي متوازية الزوايا، متوازنة البنايا. قد تخيرت بها أشبح الأشباه، وصورت فيها أمواج الأمواه، وزينت لإخوان الشيطان، وعينت لعبدة الصلبان. ولما دخلها الناس اخرجوا رخامها، وشوهوا أعلامها، وحسروا لثامها، وكسروا أجرامها، وأهدوا الأسى لهد أساسها، وأفاضوا عليها لباس ابلاسها، وحكموا بعد

стр. 99

الغنى بإفلاسها. وافتقرت واقترت، وخربت وتربت. ثم لما طابت النفوس؛ وتجلى عن البلد بفتحه البوس؛ عاد إلى هذه الكنيسة بالأمان القسوس؛ وهي متشوهة متشعثة، مستمسكة بأركانها وقواعدها متشبثة. ولقد كثر أشفى على تلك العمارات كيف زالت، وعلى تلك الحالات الحاليات كيف حالت، ولكنما زاد سروري بأنها عادت للإسلام مرابع، ولسروحه مراتع، ولجموعه مجامع، ولشموسه مكالع. فلو بقيت بحليتها وحالتها بعد ما تبدلت رشدها من ضلالتها، لشاقت وراقت، وكما أفاقت فاقت. وشأت البلاد إذا شاءت، لكنها ساءت لما أساءت. ثم أعادها الإسلام إلى أحسن حالة، وجلا لها في السناء اسنى جلالة. ورغب في إعطاء الجزية سكان البلد من النصارى والأرمن، حبا للوطن وسكونا إلى السكن. فآض مأمول الجنى مأهول الجناب، وعاد بتجار البحار مملوء الرحاب. وتبدل بالابدال الأخيار، والأرباب الأبرار، من بعد الكفار الفجار، والأشرار أهل النار. وكانت شواني صقلية قد قابلت في البحر اللاذقية طمعا في امتناعها، وطلبا لذيادها عنها ودفاعها. فلما خابت نارها، وباخ اوراها، وقصدت لجلها اخذ مركب من يخرج من أهلها، لكونهم شغلوا عن صونها ببذلها. فامتنعوا عن الانتقال، وأمنوا بعقد الذمة على النفس والمال. وكان السلطان يوم الرحيل من اللاذقية راكبا عند ميناها، وقد حصل من ترتيب العمارة مناها. فطلب مقدم تلك الشواني أمانه، ليصعد ويشاهد سلطانه، فأمنه حتى صعد، ولو اسلم ذلك الشقي لقلت سعد. ولما حضر الكافر عفر وكفر، وتروى ساعة وتفكر. وأحضرها الترجمان، وأدى عنه البيان وقال أنت سلطان عظيم، وملك كريم، وملك رحيم. وقد شاع عدلك، وذاع فضلك، وقهر سلطانك، وظهر إحسانك. فلو مننت على هذه الطائفة الخائفة فأمنت؛ أفضلت عليها وأحسنت؛ لملكت قيادها إذا أعدت بلادها. وساروا لك عبيدا، وأطاعوك قريبا وبعيدا. وأن أبيت غير الغيرة والإباء، ودمت على إرهاق الدهماء وإهراق الدماء؛ جاء من وراء السبعة البحار من يسد فضاء السبع الطباق، وأفاق للتناصر على دفع هذا الخطب نصارى الآفاق. وثار الروم لروم الثار، وخرج الفرنج أنفارا للاستنفار وسار ملوك ذوي الاقانيم، من سائر الممالك والأقاليم. وأتى الآتي، ولا يقاوم القدر الماتي. وهؤلاء أهون منهم، فاتركهم واصفح عنهم. فقال السلطان قد أمرنا الله بتمهيد الأرض، ونحن قائمون في طاعته بالفرض. وعلينا الاجتهاد في الجهاد، وامتثال أمره فيه بالانقياد، وهو الذي يقدرنا على فتح البلاد، ولا تكترث الآساء بكثرة النقاد، ولو اجتمع أهل الأرض، ذات الطول والعرض، لتوكلنا على الله في اللقاء، ولم نبال بأعداد الأعداء. فلما سمع ما فهمه من نجهه، ذهب بعد أن صلب على وجهه، وركب بكربه، وكر بركبه، ولم يغن خطابه عن خطبه.

стр. 100

ذكر فتح حصن صهيون ورحلنا ظهر يوم الأحد السابع والعشرين من جمادي، والهدى في نصره بين أنصاره يتهادى، وقد تيقنا أن الفتح لا يتمادى، وأن العزم عن الفداء بالمهج في سبيل الله لا يتفادى. وأخنا على سمت صهيون، وهو حصن بفوق الحصون. ويفوت العيون، وطلبناه كما يطلب الدائن المديون، ونحن للكفر مميتون، وللإسلام محيون. وكان الطريق إليه في أودية وشعاب، ومنفذ صعاب، ومضايق غير رحاب. وأوعاث وأوعار، وأنجاد وأغوار. وقطعنا تلك الطرق في يومين، ووصلنا ليلة الثلاثاء بليلة الاثنين، وخيمنا على صهيون يوم الثلاثاء التاسع والعشرين، ورزقنا الله التأييد والتمكين. وهي قلعة على ذروة جبل في مجتمع وأدين، بها محيطين من جانبين. والجانب الجبلي قد قطع بخندق عميق، وسور وثيق. والقلعة ذات أسوار خمسة كأنها خمس هضاب، بذئاب سغاب، وأسد غضاب. وأحاط العسكر بها يوم الأربعاء من نواحيها الأربع، وهي ممتنعة علينا بالركن الأمنع، والسمو الأمتع. ونقل السلطان خيمته إلى جانب الجبل بكرة اليوم، وشرع في محاصرة الفوم، وقامت أسواق الأقواس للمنون في مغالاة السوم. وتوفرت سهام لبسهام من المقل، وتبدت بنات الكائن من الدم القاني حمر الحلل. وأسقطت حوامل المنجنيقات أجنة الصخور، وكشفت صدور الكنانيات أكنة الصدور، وظهر سر السراء، وكثر مراء الرماء. وزخر دأماء الدماء. وطارت الحجارات وحجرت الطيارت. ودارت حميا الحمام على أولئك، واستنجدت ملوكنا الملائك، وأدامت إليهم المجانيق والجروخ والقسي الرمي المتدارك. وأقام الملك الظاهر غازي صاحب حلب منجنيقين، ونهج بهما من جانب الوادي إلى ردى الأعادي طريقين. وكان له في فتح هذه القلعة الجد العالي، والجد الوالي. والعزم الماضي، والحزم القاضي. والسعي الناجح، والرأي الراجح. والبأس البالغ، والسطو الدامغ. فإنه أتصل بنا قبل الوصول إلى جبلة من طريق حماه، وقد استصحب الكماة الحماة. ومعه الرجال الحلبية، والمنجنيقية والجرخية، والجاندارية والخراسانية. فأظهر على صهيون اليد البيضاء، وكسب الذكر والثناء، وأنار فضاء الفضائل وأضاء. ودام القتال على المكان من جانبه ومن جانب السلطان. والملك الظاهر في تظاهر ملكه. وتضافر سلكه، وريعان إقباله، وعنفوان جلاله، وشباب رهان مجاراته، وشبا رهان مباراته، وإيراق عوده، وإشراق سعوده، وغرة عزته، وميعة منعته، وصدر تصدره، وشرخ تأمره وتشمره. وقد وصل في أول نشاطه، ونشوء اغتباطه، وفتاء فتوته، ورواء رويته. وارتقاء ارتفاعه، وإيفاع يفاعه. وترعرع سنه، وتعرعر ركنه، وتسامى سيادته، وتراقي سعادته. وأجد لعز العزم الجد، وأعد لري الرأي العد. واستلذ في سبيل الله

стр. 101

نصبه، ورفع المنجنيق ونصبه، وجعل لرجاله نوبا، ولأحواله رتبا، وألقم أفواه كفاته حجرا، وأجرى في الحق من الحجارات الجاريات من منابعه نهرا، ورجم الحصن الزاني رجم المحصن، وأحسن إلى الإسلام وأساء إلى الكفر فلله در المسيء المحسن. وما زالت المجانيق من جانبه وجانبنا ترمى؛ والحنايا بسهام المنايا تصمر؛ حتى قتلت مقاتلة الحصن، وهان بما دب فيه من الوهن. وأصبحنا بكرة يوم الجمعة جمادى الآخرة، وطما بحر العسكر بأمواجه الزاخرة، وازدحم الناس في الزحف كأنهم في الحشر بالساهرة. وهاج الشباب، وماج العباب. وتسابق ذوو الجرأة والقوة، وتلاحق ذوو الحمية والنخوة. وكان في قرنة الخندق عند خرقه إلى الوادي موضع لم يكمل تعميقه، ولم يتم توثيقه. فتطرقوا من تلك القرنة إلى القنة. وتسوروا السور وتسلقوا، وتقلعوا إلى القلعة وتعلقوا. وتملكوا الذروة وأمسكوا العروة. واستولى على أهلها الرعب، واستشرى بهم الكرب، فتعادوا إلى القلة، وتفادوا من الخوف لا من القلة. وملكت عليهم ثلاثة أسوار، بما فيها من متاع وشوار، ونعم وابقار، وصاحوا: الأمان! وبذلوا الإذعان. ونادوا، مكنونا من السلامة، وتسلموا المكان!. فما أمنوا على المال والنفس، حتى قررنا عليهم مثل قطيعة القدس. وأغلقت دونهم الأبواب. وسير إليهم النواب. وما استقر خروجهم حتى استخرج منهم القرار. وجبى الدرهم والدينار، وعم الكبار والصغار الصغار. وتولى ذلك (شجاع الدين طغرل الجاندار). ثم سلم حصن صهيون بجميع اعماله؛ وسائر ما حواه من ذخائره وأمواله؛ إلى الأمير (ناصر الدين منكورس بن خمارتكين)، أسد العرين وأمير المجاهدين. المقدام الهمام، والمطعان المطعام. فالتقى الثغر سداده بسداده، وامرع به مراد مراده. ذكر فتح الحصون المذكورة والرحيل وتسلم يوم السبت قلعة العيذو. ويوم الأحد قلعة الجماهريين. ويوم الاثنين حصن بلاطنس. وندب إلى كل حصن من تسلمه، وسلكه في سلك الفتوح ونظمه. ذكر فتح حصني بكاس والشغر وسار السلطان ثاني يوم فتح صهيون على سمت القرشية، ومشية الله جارية على موافقة ما له من المشية. ونزل على (العاصي) في طاعة الله والنصر قد نزل؛ والكفر قد انخذل؛ يوم الثلاثاء سادس الشهر، ويحور السوابح في غدران السوابغ مائجة على ذلك النهر، وحكم السلطان في القهر ماض بأذن الله على الدهر. وتسلم حصن بكاس يوم الجمعة تاسع الشهر المذكور، وشكا الشرك نكاية حد

стр. 102

بأسنا المشكور. وحول خيمة خفيفة إلى الجبل لحصار قلعة الشغر، وهي قلة شامخة من أعلى القلل على هضبة منقطعة، عالية مرتفعة. ومن نواحيها واد، خاف من العمق غير باد، في أعماق ووهاد. وقد قطعت من الجبل حتى اتصل بالوادي خندقها، وأخذ من العوادي موثقها. فما إليها طريق ولا عليها طروق، ولا فيها للطمع علوق، ولا للسهم إليها مروق. ولا للزحف فيها مطمع، ولا للذر نحوها مطلع. ولا للطير في مراحها وكر، ولا للمكر في افتتاحها مكر. ولا للوهم في توقلها مجال، ولا للفهم من تصورها منال، ولا لها بمن يحتفل بها احتفال، وما عليها للنازلين عليها قتال ولا نزال، ولا يتغير مع تغير الأحوال حال. وصعب شغل الشفر واشتغل فكر الكفر. ولم ير السلطان طريقا غير الرمي من المنجنيق، لعله ينال جمعها بالتفريق. وداومها بالحجارات اياما، ولكم سدد بها مرمى ومراما. ولم تعبأ بأعبائها، فإنها ترامت عن رمائها. وأبت إلا ثباتها، وأْعياد إعضال دائها، واستفحال بلائها، وخام الرجاء بالأرجاء عن أرجائها. ولو لم يضجر حاميها لضجر راميها، وسئم سائمها لتساميها. ولكنه وهي جلده؛ وهوى خلده، وخار قلبه، وحار لبه، وخاف من الإقامة، وخاب من السلامة. وارتاح إلى الراحة، وسما إلى السماحة. وعاج إلى الانزعاج، وعاد لداء خوفه في الاستئمان يطلب العلاج. ودعا إلى الدعة، والخروج من الضيق إلى السعة. فبينما نحن في ترو وتفكر؛ وتخير للرأي وتدبر؛ ونقول: هذا حصر يشتد وأمر يمتد؛ وعمل يصعب، وأمل؛ يتعب؛ ومعقل لا يختل، ومعقد لا يحتل؛ ومقصد لا يدرك؛ ومورد لا يملك؛ ومكان لا إمكان لفتحه؛ ورجاء يطول الزمان في تطلب نجحه؛ إذ خرج من الحصن؛ من يضرع في الأمان ويمتري ضرع الأمن. فشكرنا الله على تسهيل المتوعر، وتيسير المتعسر، وتحصيل المتعذر، وتلقيح الرجاء من الياس، وتنقيح مناط حكم الصحة عند اضطراب علة القياس. وكان ذلك ثالث عشر الشهر يوم الثلاثاء، وسألوا في مهلة أيام والأرجاء، ليخبروا صاحب إنطاكية ويستأذنوه، ويبلوا عنده العذر ويخرجوا من الحصن ويسلموه. فأصبحنا يوم الجمعة وصباح الجمع مسفر، وجناب الشرك مقفر. والشغر شاغر، والكفر صاغر، وفم القهر منا لهم فاغر، والإسلام قد ثلم ثغر من هو له مثاغر. والحصن البكر مفترع، والدين المتأصل بشعب النصر متفرع. وطلع العلم إلى ذلك العلم الطالع، وانتقم الهدى الضليع من الضلال الظالع. وكأنما عذبات تلك الراة مقاول الداعين، وكأنما أبراج تلك القلعة مسامع الواعين. وعاد الحصن آهلا بأهل الإحصان، وصافح بأيدي الأيد إيمان ذوي الإيمان. فابتسم عن النصر ثغر الثغر، وفرغ القلب من شغل الشغر. وسلم هو وحصن بكاس، إلى (غرس الدين قليج الساقي) - عدوه الموت - بكاس الباس.

стр. 103

وانتقل السلطان يوم السبت إلى مخيمه، والإقبال جائم في مجثمه. وسرى ولده الملك الظاهر إلى علقة سرمانية، وارهق فيها الفجرة الجانية، واستطلق منها العانية، وقطف مجانيها الدانية، وأخلى مغانيها الغانية. وما قطع قرارها حتى قرر عليها قطيعة، وكلفها ما كانت له من المال مستطيعة، ولم تزل عاصية فصارت كرها مطيعة. ثم خربها حتى خر بها عاليها، وعطل حاليها، وانجلى ثاويها، وانتأى جاليها. وبقيت دمنة دائرة، ودمية عاثرة. ورسما عافيا، ورقما خافيا، وربعا باليا، وصقعا خاليا. وعادت دارا دارسة، مستوحشة بعد أن كانت آنسة، وكان فتحها في يوم الجمعة الثالث والعشرين، فأخلى الله من السباع الضواري ذلك العرين. ومن نوادر ألطاف الله تيسير هذه الفتوحات الخمسة المتتالية، في أيام الجمع الخمس المتوالية. باء فيها لنصر أهل الجمعة بذل أهل السبت أهل الأحد. وأصبح التوحيد على التأنيث قاهر الأيد، ظاهر اليد. ذكر فتح حصن برزيه وسرنا إلى قلعة برزيه وسرنا سار، ودر الظفر لنا دار. وهي أحصن القلاع وأفرعها، وأحسن التلاع وأرفعها، وأسمق الرواسي وأسماها، وأسنم الرواسخ وأسناها. وكان السلطان سبق إليها وأشرف عليها. ثم استدعى الثقل واستحضر، وجمع بالفضاء تحتها العسكر. وذلك رابع عشري الشهر يوم السبت، وقد تهيأت في العدو أسباب الكبوة والكبت. ثم تجرد يوم الأحد في العدد والعدد. ورقى إلى الجبل، مع أبطاله النبل. فرأيناها قلعة شماء في الذرا، لا تكاد من سموها ترى. وهي على سن من الجبل عال مترامية في السماء ارتفاعا، وقيل قدر علو ثلثه فكان خمسمائة ونيفا وسبعين ذراعا. فأحدقنا بها وبالجبل، وقطعنا عنها متصلات السبل. ونصبنا عليها المجانيق في ذلك السفح، فلم تصافحها صفائحها وأبدت لنا صفحة الصفح. فقد بعد مرام مرماها، وحارت الأوهام فيها وقلنا ما أعلاها وما اسماها. وتحاجزت عنها الحجارة فلها من أجازتها بها الإجارة. فما بلغت إلى القلعة قلائعها، ولا طلعت إلى التلعة طلائعها، هذا والنجم يلامع بلامعها، وتقارن طوالعه طوالعها. فكأن الصخور سلم نحورها، فإن سورتها تنكسر تنكسر دون الوصول إلى سورها. ولما رأى السلطان أنه لا وصول إلى نيقها بالمنجنيق؛ وأن الاشتغال به يطيل زمان التعويق؛ مال إلى الزحف، ولاحف جموعه في ذلك اللحف. وذلك في السابع والعشرين من الشهر يوم الثلاثاء، فقسم الناس ثلاثة أقسام على السواء، وجعل النوبة

стр. 104

الأولى لعماد الدين صاحب سنجار الليث الهصار، والغيث المدرار، والبحر الزخار. والسيد الحلاحل، والملك العادل. في صحابه الصباح، كفاة الكفاح، وعفاة الصفاح. ونفاة الهام، بثبات الأقدام في الإقدام، وشفاة الاوام بعلة الانتقام من الأقوام، وأساة ذوي الإساءة بإحسان الحسام، وكساة عرى العراء أردية القتام. ورقاه أراقم اللهاذم، وسقاه حوائم الصوارم. والمزاق في حومة الردى رداء المآزق، والسباق في حلبة الهدى بهوادي السوابق. من كل شارب ماء الوريد بشفاه الشفار، وضارب هام المريد ببتار التبار، ولاسع بحمة في الاسل العاسل عاسل، ولابس لباس الباس كالأسد الباسر باسل. ومعقد للدين بالرديني معتقل. ومعتد على العدو بعادى معتدل. ومجتاب لبوس البوس على الموت العبوس مجتاز، ومجتب لحب المنون لرهون نفائس النفوس محتاز. فانقضوا على الهضب، وعضوا على العضب. ودام الصفا يدهده، والصدى يقهقه. والزاحف يتقدم ويتقهقر، والحافز يخفى ويظهر. والرجال تتعالى، والحجار تتوالى. والمصاعد ترقى، والمصاعب تلقى. والمضايق تولج، والبوائق تحرج. والآكام تفرع، والرجام تقرع، وللصخور ترديد، والجلاميد تميد. وما زالت هذه النوبة تتنازل وتقاتل، وتناضل وتطاول، وترمى وترمى، وتدمى وتدمى، وتصمى. وترد وترد، وتصد وتصد، وتصدم وتصدم، وتقدم وتحجم، وتصدع وتصدع، وتحمل وترجع، وتذكو وتنطفي، وتبدو وتختفي، حتى كلت وملت، وانحلت وتخلت، وكانت غلبت لولا أنها لغبت، وسمت لولا أنها سئمت. وألفيت هذه النوبة خاصة، بأهل الحصن حاصة. فإنهم تولوا بأجمعهم القتال ولم يقصدوا للتناوب الاستبدال. ولما ظهرت في التوبة النبوة؛ وكاد جوادها تناله الكبوة؛ تقدم السلطان بنفسه في النوبة الثانية، والسطوة الدانية، والعزمة الناوية غير الوانية. وخف في الثقال من الرجال، وزحف إلى الجبل بالجبال، وتضافروا فتطافروا في الاوعار كالأوعال. وجروا كالسيول في تلك المسائل، وجروا ذيول السوابغ على تلك الهواجل. وترقوا في ذراها، وقروا على قراها. وتلبسوا بجوانبها، وتوجسوا من مثاعبها، وتدرجوا في مدارجها، وعرجوا في معارجها، وخرجوا في مداخلها ودخلوا في مخاربها. وصارت الجروخ تجوزهم، والجروخ لا تحوزهم. والسهام تعبرهم، والآكام تسترهم. والنخوة تحميهم، والحمية تنخيهم. وقد نشط السلطان لتسليطهم وتنشيطهم، والتحذير من توريطهم وتفريطهم. فمن انقبض بسطه، ومن أعرض ضبطه، ومن أقبل أربطه، ومن أدبر أسخطه. ومن تقدم قرظه، ومن تقاعس أحفظه، ومن تناعس أيقظه. وكلما شاهدوا السلطان يشاهدهم تسلطوا، وكلما اغتبطوا بما فرعوه من تلك الفوارع ارتبطوا.

стр. 105

فمنهم من تمكن من الطلوع، ومنهم من تمكن للولوع. وتقبلوا في تلك المخارم كالقلوب بين الضلوع. وعرا أهل الحصن العناء والعياء، وعمهم البلاء وأدركهم الشقاء. فأنهم ما زالوا يقاتلون يومهم من غير مناوبة جميعا، فمنهم من صد صديعا، ومنهم من صار صريعا. وظهر فيهم الفتور، وبدا منهم القصور. وجاءت النوبة الثالثة تالية، وأقدمت إمدادها متوالية متعالية. وعادت النوبة الأولى لنشاطها، وزادت في انبساطها. فبلغوا وغلبوا، والتهموا والتهبوا. وتعلفوا بالسور، وتسلقوا كالنسور. وطلعت القلعة، وقلعت الطلعة. واقتضت العذرة، واقتضيت النصرة. وأعان القدر فقدر الأعوان، ونتجت بالفتح البكر الحرب العوان. وأن أهل القلعة لما أيقنوا انهم ملكوا، طلبوا الأمان حتى لا يهلكوا. فلما سمع أصحابنا بالأمان صياحهم، وعرفوا للضراعة التياعهم والتياحهم، كفوا انتظارا لما يأمرهم به السلطان، وإشفاقا من سبى من يشمله الأمان. وكان جماعة من دهاة الخواص عارفين بطرق الاقتناص، فأظهروا أن السلطان آمن أهل القلعة، وأنه يدافع عنهم في هذه الدفعة. وجمعوهم في مواضع وكنائس، وأحرزوا النفوس والنفائس. وعاد عنهم من حضرهم، على ظن أن السلطان منهم وحظرهم. وبقي أولئك الأفراد بهم متفردين، ولتجريدهم للسبي متجردين. وصار ما بالقلعة ومن فيها لهم كسبا وسبيا، وما رأوا لحق من شاركهم في السعي رعيا. وحرموا ما ارتفقوا به وحرموا الرفقاء؛ وحازوا دون الغانمين النهب والسباء. وملك واحد مائة، وحاز الري وحلأ عنه رفقة ظمئه. ولما تسنى ذلك الفتح وتهنأ؛ وتسهل ذلك الصعب وتهيأ؛ عاد السلطان إلى خيامه، وعاذت الايامن بأيامه. وكانت صاحبة حصن برزيه - أخت زوجة الابرنس صاحبة إنطاكية - وقد سبيت وخبئت. فما زال يطلبها حتى أظهروها وأحضروها، وكان بعد هتك سترها ستروها. فمن عليها بالإعتاق من الإرفاق، وحل عنها وعن زوجها قيد الوثاق، وأحضر أيضا ابنة لهما وزوجها وعدة من أصحابهم وأدخلهم معهم في الإطلاق. وجمع شملهم بعد الشتات، ووصل حبلهم بعد البتات. وشعبهم وقد تصدعوا، وأشبعهم وقد تجوعوا، وحظرهم وقد استحلوا، وكثرهم وقد استقلوا، وحرمهم وقد استبيحوا، ومنعهم وقد استميحوا. وأحياهم بعد ما هلكوا، وعصمهم بعد ما هتكوا. وحواهم وأغناهم وقد افترقوا وافتقروا، وجبرهم ونعشهم وقد انكسروا وعثروا. وسير معهم إلى إنطاكية من أوفدهم على ستها، فسرت بأختها، وأعلنت بمقتها من سر مقتها، وأذاعت من مضمر بغضها بمظهر حبها، وجاءها الفرح في غمها والفرج في كربها، وتشكت لأخذ بلدها، وتشكرت لترك أختها وولدها.

стр. 106

وانعم السلطان بهذا الحصن على (عز الدين بن المقدم) - الكريم المكرم، والمقدام المقدم، والعظيم المعظم، والماجد الممجد - (إبراهيم ابن محمد). فإن هذه القلعة لثغر افامية الجارية في اقطاعه متاخمة، وهي لها في السلم مقاسمة، وفي الحرب مزاحمة. وسرت هذه البشرى وسارت، ودرت هذه النعمى ودارت، وطارت كتب البشائر، وسرحت على جناح الطائر. وفيما كتبت إن هذه البشرى بما أجده الله من الفتح العزيز؛ والنصر الوجيز؛ بفتح حصن برزيه الذي برزت له الأرض في قشب أثوابها، وتفتحت له السماء لتنزل الملائكة من أبوابها، بل سفرت به عرائس الأيام في حلى أيامنها، وأشرقت من أقمار الليالي في أنوار محاسنها. وهذا الحصن لا يمكن وصف ما هو عليه من الحصانة، وكأن حجره في حجر حضن للحضانة. وقد عرف ما فتحناه من البلاد والحصون، وسلبنا أهل الكفر بها من السلامة والسكون. وفتحنا كل مرتج لم يكن فتحه مرتجى، ولم يجد من حصل في أسر الدهر به مخرجا. حتى أتت أيامنا، وداني فيه مرامنا، فجاءه عصرنا، وفجأة أمرنا، ووصل إلينا ما هو في الأزل ذخرنا، وكمل بهذه الفتوحات فخرنا. وذلك أنا فتحنا من حدود طرابلس إلى حد انطاكية، وسقينا بماء الحديد الجاري في انهار دم أهل النار مغارس الهدى الزاكية، وجلونا بها ثغور الثغور الضاحكة وعيون العدو الباكية. وهذه الحصون التي فتحناها، والمعاقل التي استبحناها، لو وكلنا الله إلى اجتهادنا في فتح أحدها لنعذر ولو أنجدت عساكر الدنيا يمددها. لكن الله سهل ويسر، وفتح ونصر، وأنزل الظفر. وأن حصن برزيه لم يكن عليه قتال، ولا للوهم فيه مجال. ولا منصب عليه لمنجنيق، ولا مسلك إليه لسالك طريق. وحضرنا لحصره، متوكلين على الله في امره، غير طامعين في فتحه، ولا راجين لنجحه. انقاد جماحه، وانخفض جناحه، وساء صباحه، وكمل سلاحه. وتوقل الرجال في ذروته توقل النجوم في الأفلاك، ونصر الله أهل التوحيد على أهل الإشراك. وفتحناه بالسيف عنوة، ودجا يوم المثلث عليه يوم الثلاثاء ضحوة، فانا لما توكلنا على الله في منازلته، واستعنا به في مقاتلته؛ نظر الله إلى النيات، وأعان ذوي العزائم والثبات. فتعلقوا في الجبل، وتسلقوا إلى القلل، وسعوا إلى الأجل، في طلب تسنى الأمل. فكان كما قال الله تعالى (وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر) حتى من الله بالظفر، وأصفى والصدر من الكدر. وقد بقيت إنطاكية وما لها بقاء، ولا لها في الاعتصام رجاء. وقد نقصنا أطرافها، واستبحنا اكنافها، وشفهنا نطافها، وعضدنا من رؤوس أهلها بحدود الصوارم قطافها. ولم يبق من معاقلها إلا القصير، ودربساك، وبغراس، وقد تقدم إليها الفاتحان، الرعب والبأس.

стр. 107

ذكر فتح حصن دربساك ورحل السلطان وقد نجحت آماله، ورجحت اعماله، وجل اقباله، وأقبل جلاله، وعبر عند (شقيف دركوش) إلى شرقي العاصي. وقد دانت ودنت له المقاصد العواصي القواصي. وأقام أياما على جسر الحديد حديد الجسارة، شديد الاستظهار بما ظهر للمؤمنين من الربح وللمشركين من الخسارة. ثم قصدنا دربساك وجددنا بتأييد الله في حصره الاستمساك، ووجدناه حصنا مرتفع الذرا ممتنع الذرا، قد جاوز الجوزاء، وناجت أرضه السماء. وكان عش الداوية بل عرينهم، وطالما أطال في التعدي أيديهم وعرانينهم، وكانوا قد نزلوا منذ أنزلناهم من ظهور الحصن بطون الحصون، وركنوا بسكنى هذا المعقل إلى السكون، فلما أشرفنا عليهم اشرفوا على المنون. ونزلنا عليه يوم الجمعة ثامن من رجب، وقلب الكفر قد وجب. ووفرت المنجنيقات سهامهم من سهامها، وصوبت إليهم مسددات مراميها ومراميها، وراميناهم بها ليلا ونهارا، وأرسلنا إليهم أمثال قلوبهم ووجوههم أحجارا. وكدنا لا نذر في أرضها التي هي في السماء من الكافرين ديارا. وتركنا ناسه بالحجارة صرعى، واسمنا من نحورهم ووجوههم بيض النصال في حمر المرعى. وأصبحنا يوم الثلاثاء تاسع عشر رجب، وقد شارف الفرنج الشجا والشجب، ووجه نجاتهم قد احتجب، وقد وقع بالنقب برج من السور إلى الخارج، وظهر فيه عروج للدارج، ودروج للعارج. فطلبوا على مراجعة إنطاكية الأمان، وأن ينزلوا ويتركوا بكل ما فيه المكان. فأجيبوا إلى ذلك على قطيعة، وردوا ما كان للإسلام معهم من وديعة. وتسلم الحصن بما فيه ثاني عشري الشهر يوم الجمعة، واصحب بهذا الفتح جماح الحصون الممتنعة. ذكر فتح حصن بغراس وتوجهنا بكرة يوم السبت إلى بغراس، وقد ضايقنا الأعداء وضيقنا منهم وعليهم النفوس والأنفاس. وهي قلعة من إنطاكية قريبة، وإنها في الشدائد لدعائها مجيبة. ورأيناها راسخة على رأس راس، شامخة على عاص عاس. أرضها في السماء، وجوازها على الجوزاء. متوغلة في الشعاب. متوقلة على الهضاب. منسحبة في السحاب، مضببة بالضباب. مربة على الرباب. متعلقة بالنيرين، متسلقة إلى الفرقدين، محلقة إلى النسرين. ولا مطنع نحوها لطالع، ولا مطلع فيها لطامع. ولا مطمح للامح، ولا ملمح لطامح. وهي للداوية وجار ضباعها، وغاب سباعها. ودار دوائرها،

стр. 108

وغار مغاورها. وغيل غوائلها، ومنزل نوازلها. وجعبة نبالها، وهضبة رئالها، ومذب ذئابها، ومدب ذبابها، وكوارة زنابيرها، ومغارة خنازيرها، ومرقب صقورها، ومرقد نسورها، ومكنس وحوشها، ومعرس جيوشها. فخيمنا بقربها في المرج، وقد أنارت من مشرعات أسنتنا في ظلماء نقع خيلنا مشعلات السرج. وتقدم من العسكر جمع كثير، وجم غفير. وخيم بين إنطاكية وبينها، ووكل بها ناظر يقظته وأرقد عينها. فأقام على سبيل اليزك، ودخل في حفظ جانبها في الدرك. وصار يركب كل يوم ويقف تجاه إنطاكية صفا، ويسومها من الغارات عسفا. وليس بينه وبينها إلا النهر، ومقابل رجسها منه الطهر. وصعد السلطان في جريدة عسكره إلى الجبل، ووقف بازاء الحصن وقوف المشتاق على الطلل. فنصب عليه المجانيق من جميع جهاته، وصوب لقم الحجر إلى لهاته، ووافق آمريه بالإذعان على خلاف نهاته، وقلنا للمقيم به خذ الأمان وهاته. وما زالت الحجارات تناوبه؛ وصدى الصفا بالنكاية يجاوبه؛ والصخور فيه تتواقع؛ والبلايا إليه تتابع. فما شعرنا إلا بانفتاح بابه، وألجأ جماح أصحابنا عليه جماحه إلى أصحابه. وخرج مقدم الجاوية يستأذن في الحضور، ويسأل الأمن من المحذور، والحل من المحظور. ويقول إنما قنينا بغراس القنا، وبنينا على حصونها من القنطاريات أحصن البنى. والمعاقل لا يحميها إلا معتقلوها، والبلاد لا يحفظها إلا أهلوها. وما في هذا الحصن إلا مقدمان، وما لنا بمقاومتكم يدان. وعاد إلى أصحابه من السلطان بالأمان. وتسلمت القلعة كما تسلمت أختها دربساك بالأمس، وسلمها الداوية طائعين فعجبنا من انقياد أولئك الشمس، وأباحوها لنا وكانوا بغارون عليها من طلوع الشمس. وأنار في مطلعها سنى السنجق المنصور، وآذن المتطاول فيها من تطاولنا بالقصور. وذلك في ثاني شعبان، والنصر فيه شاع وبان. وسلم السلطان الحصين دربساك وبغراس إلى (علم الدين سليمان) وكان صاحب حصن عزاز وقد حاز الغنى به وفاز، وما كان في الأمراء الأكابر من لا يدعي سواه الأعواز. فألزمه بهما ليعتني بحفظهما، وحضه من عصمتهما على حظهما. فتسلمهما بذخائرهما، واطلع من النفائس على مستودعات ضمائرها. وكانت حينئذ إنطاكية قد أسعر غلتها غلاء سعر الغلة. وقل ساكنوها لما كانوا فيه من القلة. والغرارة تساوى اثني عشر دينارا، والقوم قد شارفوا فيها تبارا وبوارا. وحزنا ما في بغراس خاصة من الغلة؛ سوى ما فيها من تفصيل الأقوات والجملة، فكان تقدير اثني عشر ألف غرارة، فحصل سليمان من منبع هذا الملك على غزارة عن غزارة. فقلت: كأني به وقد نقل هذه الغلة إلى إنطاكية وباعها، وأعرض عن متاعب

стр. 109

الآخرة وحوى من الدنيا متاعها، وأذهب الغلة بذهب يغله. ويستحلى مر هذا السحت ويستحله، ثم يستعفي من حفظ الثغر ويشير بتخريبه، ووقع لي فيه من الظن ما كان بعد سنين فكشف عنه علم تجريبه. ذكر عقد الهدنة مع إنطاكية فلما فرغ السلطان من شغل الحصون؛ وظفر من فتوحها بالسر المصون؛ عول على قصد إنطاكية فإنها كانت مرسضة على شفا، ورسم قوتها قد عفا، وخلق ثيابها قد انتفى، والدهر قد انتقم منها واشتفى، ووجه الفلاح عن أهلها قد اختفى. فلو صدقها وتصدها، لحص دعائمها وحصدها. وكان الابرنس صاحبها قد عجل بإرسال أخي زوجته، يسأل في سلم يعود ببقاء بهجته، وسلامة مهجته. وعقد الهدنة على بلدة؛ وأمن على ما في يده؛ وذلك لثمانية أشهر من تشرين إلى آخر أيار، ووافق من السلطان الاختيار. لكون انقضاء الهدنة قبل إدراك الغلة وأوان حصادها، فلا يقدر الفرنج على تحصيلها ونقلها وإعدادها. ولم يكن له رغبة في إتمام هذا الصلح، لكمال الغبطة لنا في الحرب ووفور الربح لكن العسكر الغريب مل الإقامة، وأبدى السآمة، وأراد السلم والسلامة وقيل بهذه المدة من الهدنة لا تزاد إنطاكية قوة ولا تستجد جدة ولا ترجو لها عدة منجدة، ونحن نضرب للعود إليها مع انقضاء عدتها عدة. وأما حصونها فقد حصلنا على عسلها، وقتلنا نحلها، وأما هي فنعمل فيها بقول الله تعالى (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها). وشرط على صاحب إنطاكية إطلاق من في الأسر من المسلمين. واستوفى رسولها على عقد الهدنة اليمين. وسار رسولها مع (شمس الدولة بن منقد) للأسارى منفذا، وللأوامر منفذا، وعلى المقاصد مستحوذا. وسار السلطان ثالث شعبان على سمت حلب، والإسلام قد غلب، وفاز من الفتوح بما طلب، واستغنى بما جمعه من السبي والغنيمة وسلب وخلب. ذكر وداع عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي وعساكر البلاد وعود السلطان إلى دمشق لنجح المراد ولما رحل من بغراس وقف لعماد الدين ودعاه لوداعه، وشيعه بكرامة كرام أشياعه، وخصه بعد ما سير له من الخيل والخير بخلع خواصه واتباعه، وأناله منه حسن اصطفائه وحسنى اصطناعه، ولم ينفصل منهم إلا من وصل بصلة، وخلعه مجملة،

стр. 110

وحرمة مكملة. ووعد جميل يرغب في العود، وجود جزيل منسكب الجود. وذلك سوى ما غنموه من كسب وكسبوه من غنم، واستطلقوه من رسم، واستجزلوه من قسم. وملكوه من ورق سبى، وأدركوه من حق سعى. وأجدوه من غرض، وأدوه من مفترض. واحيوه من حسنة النصر، وامتنوه من سيئة الكفر. واستفافوه من فتح، واستفاضوا به من نجح. وسار السلطان في عسكره حامدا لله في مورده ومصدره. وارتاح إلى العبور على ارتاح، وامتار لها اليمن بافتقادها وامتاح. ووصل إلى (حلب) وحلب احتفالها بوصوله حافل. والملك بها للاهتزاز بقدومه في ملابس البهاء رافل. ودخلناها وقد خرج كل من بها للتلقي، مستبشرين بالإقبال المتضاعف المترقي. وشاهدنا من النظارة عيونا للمحاسن ناظرة، ووجوها ناضرة، وقلوبا حاضرة، وألسنا شاكرة، وأيديا في بسطها إلى الله للابتهال بالدعاء متظاهرة. واقتضت حركتنا إلى الشهباء، لساكنيها سكون الدهماء. وأقام بقلعتها أياما يسيرة، وألفى ولده الملك الظاهر أسر إحسانا وأحسن سيرة. وقام به وبالعسكر مدة المقام، واتسقت الأمور بأوامره على النظام، ولم يرحل إلا وقد خص عوامنا وخواصنا بالأنعام الخاص والعام. وأبان عن كل منقبة، وأعان بكل موهبة فما رآه والده مذ حل بحلب إلا في أجمل حلبة وأكمل حالة، وأجلى بهجة وأبهى جلالة. وقد أجد لعينه ولنفسه قرة وقرارا، وأعد لعزمه واحزمه استنصارا واستبصارا. ثم انفصلنا عن حلب منقطعين إلى مواصلته بالدعاء، قاطعين طرقنا المتصلة بدليلي الشكر والثناء. وتنكبنا طريق المعرة، بسلوك طريق المعرة وأوفيناها بالمبرة الموفية المبرة. وتيمن السلطان بزيارة الشيخ الفقيه الزاهد التقي (أبي زكريا المغربي) - وهو مقيم في مسجده، عند قبر عمر بن عبد العزيز. ومشهده. وقصده السلطان علي الفراسخ، ولقي منه في الحلم والوقار الطود الراسخ. واهتدى بسجاياه، واقتدى بوصاياه. ووصلنا إلى حماه وبتنا بها ليلة واحدة، ولم نر رعيتها لما شملها من الرعاية جاحدة. فإن (الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب) قد كشف عنها بايالته الكروب، وملك القبول من أهلها والقلوب. وأعاد لها بالعمارة عمرا جديدا، ومد عليها من مهابته ومحبته ظلا مديدا. وكانت قلعة حماه لا تعد في القلاع المعدودة المحمية، ولا تذكر مع المعاقل المرعية المرضية. وهي ذات تل متبطح، غير مترفع ولا متسفح. فلما تولاها تقي الدين قطع من التل ما كان متواطيا، واتلع من التلعة جيدا عاطيا. وعمق خندقها في الصخر، وحصنها على الدهر. وبنى فيها الدور المرخمة، والأروقة المهندسة المهندمة. وحصنها واعلاها، وحسنها وحلاها. وزينها بكل زينة، وأعاد حماة ذات قلعة حصينة، فاضلة
следующие страницы →