← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 147912

ثلاث صلوات عظيمة مهجورة فأحيها يا عبد الله

عدنان العرعور

Полный текст (136 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ثلاث صلوات مهجورة عدنان بن محمد آل عرعور

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [مقدمة الطبعة الثالثة الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله ﷺ أما بعد: فقد مضى على انتشار الكتاب أكثر من عقد من الزمن، لم نتلقَّ فيه ردّاً علمياً، سوى أني سمعت بعضهم يُسأل في الإذاعة عن حكم صلاة التسابيح فقال: ((هذه موضوعة، والدليل على ذلك: أنها مهجورة، ولو كانت سنة لما هجرت))! ! قلت: لو صدر هذا الكلام من عامِّيِّ لكان مقبوحاً، فكيف إذا صدر ممن تنصب للفتوى! ! ؟ وقباحة الأمر أن يجعل الهجران دليلاً على البطلان، فهل هذا هو الدليل عنده .. ؟ ! وهل هذا جهل بمعنى ((الدليل)) ... ؟ ! أم زفرة متعصب، أم نفثة مقلد؟ ! أليس هذا هو بعينه دليل المبتدعة الذين إذا قيل لهم: هذه سنة، قالوا: لا أحد يفعلها، وإذا قيل لهم: هذه بدعة، قالوا: كل الناس يفعلونها .. ؟ ! ومتى كان هجران الشيء أو فعله دليلاً على مشروعيته أو بدعيته؟ فكم سنة صحيحة هجرت، وكم من بدعة مقبوحة انتشرت، فهل كان الهجران دليلاً على بطلان السنن الصحيحة؟ وهل كان انتشار البدعة دليلاً على مشروعيتها! ؟ ففي أثر ابن مسعود: ((كيف أنتم إذا لبستكم فتنة، يهرم فيها الكبير، ويربو فيها الصغير، إذا ترك منها شيء قيل تركت السنة، قالوا: ومتى ذلك؟ قال: إذا ذهب علماؤكم، وكثر جهلاؤكم، وكثر قراؤكم، وقلت فقهاؤكم، وكثرت أمراؤكم، وقلت أمناؤكم، والتمست الدنيا بعمل الآخرة، وتفقه لغير الدين)) (١) وقال ابن عباس: ((ما من بدعة تحيى إلا وسنة تموت)). (٢) واعلم أن سرَّ هذا الانحراف، هو فقدان التأصيل، ومنه فقدان معرفة ((الدليل))، وعدم التزامه، وتقديم الهوى والتقليد عليه. (٣) هذا هو أحد أسرار الانحراف، ويضاف إليه في هذه المسألة، جهلٌ بعلم الحديث تصحيحاً وتضعيفاً، الأمر الذي دفعه إلى إلقاء الكلام على عواهنه. وإذا كان هذا هو منهج المفتي المربي! ! فما حال المتربين والمستفتين .. ؟ ؟ وفاقد الشيء لا يعطيه ... أعان الله أمة هؤلاء مفتوها، لا يفقهون معنى الدليل، ولا يلتزمون بمقتضاه. وإن كنت تعجب من هذا فأعجب منه أن هؤلاء الذين فقدوا معنى الدليل، من الذين يرون أن الهجران دليل على البطلان، يرون كذلك أن من الأدلة على انحراف الناس، اتخاذهم حرفة يتكسبون بها رزقهم بعد فضل الله، يرون أن هذا دليل على جهلهم وابتداعهم، وما علم هؤلاء المساكين: أن دليلهم هذا هو دليل على جهلهم هم، بل دليل على كبْرهم، فمن ازدرى الناس بحرفهم كان متكبراً، كما بين ذلك رسول الله ﷺ بقوله: (الكبر غمط الناس وبطر الحق) (أخرجه مسلم) ثم .. أما علموا أن الأنبياء كانوا أصحاب حرف، وأنهم كانوا يرعون الأغنام، وأن منهم الحداد والنجار؟ ! فانظر كيف اجتمع الجهل المركب: جهل بمعنى الدليل، وجهل بالسنة وسيرة الأنبياء، وفوق ذلك كبر يظهر جلياً بالسخرية من المسلم لمهنته، ورد للحق الذي معه، لأنه ليس من قبيلته أو من بلده؟ ؟ ! فقاتل الله العصبية، وقاتل الله الجاهلية، كم أعمت أبصاراً، وأضلت أقواما .. ولا عجب من ذلك فقد قيل: من فقد الدليل ضل السبيل .. هذا وقد أعدت طباعته بعد أن نفدت الطبعة الثانية، سائلاً المولى أن يسدد أقوالنا، وأن يصلح أعمالنا، وأن يتقبله منا إنه سميع مجيب .. والحمد لله رب العالمين. عدنان بن محمد العرعور شعبان ١٤٢٢] [*]

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الثانية الحمد لله تعالى، والصلاة والسلام على رسوله الكريم. أما بعد: جلست في غرفة الانتظار بعيادة أحد الأطباء، فلفت نظري وجود كتاب ((ثلاث صلوات مهجورة)) بين مجموعة من الكتب، قد عرضت للمطالعة، وقد كتب أحدهم على غلاف الكتاب: ((لا يُلتفت إلى ما في هذا الكتاب من أن صلاة التسبيح صحيحة، فقد أفتى فلان وفلان بأنها صلاة غير صحيحة)). فتعجبت مما وصل إليه حال المسلمين من ردّ البحث العلمي المبني على الأدلة، بقول فلان! أو بفتوى فلان! مخالفين بذلك الحق الذي أمرنا به ديننا الحنيف، من اتباع الدليل، وطلب البرهان وذلك واضح جلي في مثل قوله تعالى ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون﴾ (١) وقوله: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ (٢) واضطرّرت - ساعتئذ - أن أعلق على كتابة الأخ: بأن ديننا دين دليل .. لا دين: قال ((فلان))، وأفتى ((فلان))! ومن كان عنده ردّ علمي فليتفضل. وكذلك لما خرج الكتاب أول ما خرج، انهالت العتابات، وقذفت الاستنكارات لتصحيحنا حديث صلاة التسبيح .. ! ! دفعهم إلى ذلك،

стр. 4

ما هو مشاع من بطلان هذه الصلاة، لفتوى بعض الأفاضل في ذلك، مقلدين بذلك بعض العلماء الذين قالوا ببدعيتها ... ! ! وكانت حجة المنكرين ... ((الرجال))، وكان بعض إخواننا يطلبون منهم رداً علميا حديثياً، قائلين لهم: إن عندنا من الرجال الذين صححوا حديث صلاة التسبيح ما هم أعلم بحديث النبي ﷺ صحيحه وسقيمه من الذين ضعفوها، وإذ قابلنا الرجال بالرجال ... سقطت الحجة عند الجميع، وعلى المنكرين - حينئذ - أن يردوا رداً علمياً مبنيّا على الأدلة والبراهين، ولما مضى على الكتاب سنوات، ونفدت الطبعة، ولم نتلقَّ أي رد علمي على الإطلاق، أعدنا طباعته، دون تغيير فيه يذكر، غير تصحيح الأخطاء المطبعية الكثيرة التي وقعت في الطبعة الأولى. والله أسأل أن ينفع به، وأن يجعله خالصاً لوجهه، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً، ويرزقنا اجتنابه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. كتبه: عدنان العرعور صفر ١٤١٤ هـ

стр. 5

المقدمة الحمد لله الذي شرع لعباده ما ينفعهم، في دينهم ودنياهم وآخرتهم، وأشهد أن لا إله إلا الذي له الخلق والأمر، والصلاة والسلام على معلم الناس الخير، ومرشدهم إلى طريق البر ... فما ترك أمراً يقربهم إلى الله تعالى إلا أرشدهم إليه، ولا أمرًا يبعدهم عن الله تعالى إلا حذرهم منه. أما بعد: فبين يديك - أخي المسلم - بيان ثلاث صلوات عظيمات مباركات، قد هجرها المسلمون إلا من رحم الله تعالى. أما الأولى: فهي صلاة الاستخارة .. التي يستخير فيها العبد ربه، ويستشير خالقه، ويحقق بها العبد لله تعالى عبوديته .. وينبئ عن صدق يقينه، وثقته بربه. فيا لها من صلاة روحية عظيمة، تهب للمسلم الطمأنينة، وتزيده إيماناً مع إيمانه، بحكمة الله البالغة، وشريعته الباهرة، فضلاً عن منحها الاستقرار، والرضى والتسليم بقضاء الجبار، فما أعظمها من صلاة .. وما أجلّها من عبادة. وأما الثانية: فهي صلاة التوبة .. التي يمحو الله بها الخطايا، ويكفر بها الذنوب .. ومن منا لا يذنب؟ ومن منا لا يخطئ؟ وصدق رسول الله ﷺ ((كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)) (١). فبهذه الصلاة المباركة، تظهر العبودية الحقة لله تعالى، وإيمان العبد بربه، وأن مصيره بيده سبحانه، ويظهر فيها خوف العبد من عذاب ربه، وطمعه في غفرانه وجنته.

стр. 6

فلو لم يكن في هذا الصلاة إلا إظهار الذل، والاعتراف بالذنب، والإنابة إلى الرب، لكفى بها خيرا عظيماً، وتوفيقاً كبيراً، فسارع إليها - يا عبد الله - تكن من المفلحين إن شاء الله تعالى. وأما الثالثة: فهي صلاة التسابيح .. وإن شئت فسمها صلاة الغفران .. وإن شئت فسمها صلاة التكفير .. أو صلاة التوبة، أو صلاة الإنابة. ففيها كل هذه المعاني السامية، والثمار اليانعة، فسارع إلى قطافها، فقد أصبحت في زماننا هذا نسياً منسياً، وصلاة مهجورة .. ! فاغتنم شبابك قبل هرمك .. وصحتك قبل مرضك .. وفراغك قبل شغلك .. وقدرتك على العبادة قبل العجز .. وقبل أن تندم يوم لا ينفع الندم. هذا؛ ولم أشأ أن تكون رسالة جامعية مفصلة، أتتبع فيها مذاهب الفقهاء، واختلاف العلماء، إنما أردت أن تكون ميسورة بين يدي كل مسلم، بعيدة عن التحقيقات الحديثية المطولة، والتفريعات الفقهية المستفيضة، والتخريجات المفصلة، إلا ما كان منه ضرورياً، كالتفصيل في طرق أسانيد حديث صلاة التسبيح، للاختلاف الواقع فيها، ومع ذلك لم أتتبع الطرق كافة، إذ الغاية الوصول إلى صحة الحديث من أقرب الطرق، وتقرير الحكم بأسهلها، كيما تكون رسالة سهلة لدى جمهور المسلمين، مفهومة لدى عامتهم، تجيب عن أسئلتهم، وتحل إشكالاتهم. ولذلك رتبت أبوابها ترتيباً يناسب عموم المسلمين، فموضوعها يخص كل مسلم - متعلم وغير متعلم - فهي صلوات تجمع خير الدنيا والآخرة،

стр. 7

فمن منا يستغني عن استخارة ربه؟ ومن منا لا يحتاج إلى توبة من ذنبه؟ هذا؛ والله أسأل أن يجعلنا وإياكم من المستخيرين حقًا، والتائبين صدقًا، والمسبحين حمدًا، والموفقين عملاً وقبولاً، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. كتبه ... عدنان العرعور ... رمضان ١٤١٠ هـ

стр. 8

الصلاة الأولى صلاة الاستخارة عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سعادة المرء: استخارته ربه، ورضاه بما قدر، ومن شقاوة المرء تركه الاستخارة، وسخطه بعد القضاء)) (١).

стр. 9

[بين يدي الاستخارة] [*] يتعرض المرء في حياته لكثير من الأمور الغيبية النتائج، ويَقْدُم على أمور مجهولة العواقب .. لا يدري خيرها من شرها .. ولا نفعها من ضرها. ويصاب بالتردد: أيقدم على هذه العمل .. أم لا .. ؟ أيخطب هذه الفتاة .. أم تلك .. ؟ أيشارك هذا الرجل أم ذاك .. ؟ أيطلق زوجته أم يبقيها عنده .. ؟ أيدرس هنا أم هناك .. ؟ أيسافر .. أم لا .. ؟ . ماذا يعمل .. ؟ وماذا يذر .. ؟ أين الخير .. ؟ يسأل القريب والبعيد .. والصغير والكبير .. والعالم والجاهل .. لعلهم ينصحونه .. وإلى الخير والصواب يرشدونه. ويعيش حالة من الصراع الترددي .. والقلق النفسي .. وكثيرًا ما يصيبه الهم، ويغشاه الغم، فتشل حركته .. ويعطل تفكيره .. فلا يدري ماذا يفعل، ولا يدري ماذا يذر، حتى يقع أسير الخوف والتردد .. وسجين القلق والحيرة، وحبيس الغيب والمجهول .. لهذا كله شرع الله صلاة الاستخارة علاجاً لتردده .. وحلاً لمشكلته حتى ينقلب التردد ثباتاً، والهم فرجاً، والشك يقيناً، والقلق اطمئناناً .. لِمَ لا .. ؟ وقد استخار العبد ربه الذي يعلم السر وأخفى، ويعلم ما يضره وما ينفعه، وهو القادر على أن يصرف عنه كل سوء .. ويجلب له كل نفع. ﴿قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شئ قدير﴾ (١). فحين تستقر هذه المعاني في نفس المستخير الصادق، يصبح مطمئن النفس، هادئ البال، لما سيكون من أمره. ﴿قل لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء﴾ (٢). وحين يطمئن بهذا قلبه، يبيت راضياً بما قدر له، ولو كان ظاهر المقدر شراً، ووقع مخالفاً لرغبته، فالمرء لا يعلم حقيقة الأشياء كما يعلمها الله، ولا يدرك كنه الأمور على ما أرادها الله، ولا يعقل تأويل الحوادث وحقيقة نتائجها. قال تعالى: ﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ (٣) وقال ﴿يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا﴾ (٤). وها هنا تظهر حقيقة الايمان بأن الله لا يُقدِّر للعبد المؤمن إلا الخير ولا يريد

стр. 10

له إلا الخير. فحري بالمرء العاقل أن يسارع إلى استخارة ربه، وأن لا يغادر أمراً إلا بعد سؤال خالقه.

стр. 11

كيف تكون الاستخارة الشرعية؟ أو كيف يستخير العبد ربه ؟ لما كان العبد ضعيفاً في تصوره، جهولاً في غيبه، متردداً في تصرفاته، شرع الله له إذا عَرض له عارض، أو عُرض عليه عمل، أو همَّ بأمر أن يستخير ربه ويشاور فيه خالقه، فهو سبحانه أعلم بحقائق الأمور ونتائجها، ونافعها من ضارها، وخيرها من شرها، في الدنيا والآخرة، وهو أعلم بالغيب. ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ [الأنعام ٥٩] سبحانه هو العليم بما يصلح العباد، وهو الخبير بما ينفع البلاد، وهو اللطيف الخبير .. وهو على كل شيء قدير ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ [الملك ١٤] اعلم - رحمني الله وإياك - أن العبد إذا همَّ بأمر، أو عزم على مسألة، أو خطر بباله قضية فأحب فعلها، أو عُرض عليه عمل، فعليه أن يستخير ربه، قبل البدء به وذلك على النحو التالي: أولاً: أن يأتي بشروط صلاة النافلة، وهي شروط الصلاة ما عدا دخول الوقت. ثانياً: يصلي ركعتين نافلة، بنية الاستخارة، ولا يتلفظ بشيء غير التكبير، لأن النية محلها القلب، والتلفظ فيها أمر محدث، لم يفعله رسول الله ﷺ ولا صحابته، ولا أحد من الأئمة المعتبرين. ثم يقبل على الله تعالى بقلبه - في صلاته - خاشعاً، متضرعاً.

стр. 12

ثالثاً: يدعو بدعاء الاستخارة، وذلك بعد الانتهاء من الصلاة، وهو: ((اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علاَّم الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر [ثم يسميه] (١) خير لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري، عاجله وآجله، (٢) فاقدره لي ويسّره لي، ثم بارك لي فيه. وإن كنت تعلم أن هذا الأمر [يذكر الأمر ويسميه] شرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، عاجله وآجله، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به)). رابعاً: يجب أن تكون ثقته بالله كبيرة، وتوكله عليه صادقاً، موقنًا بالهداية، منتظرًا الإجابة، غير مستعجل لها. خامساً: أن يكون متجنبًا موانع استجابة الدعاء جميعها. هل للاستجابة موانع .. وما هي ؟ نعم؛ إن لاستجابة الله موانع، إذا ما حصلت، كانت حائلاً دون استجابة دعاء العبد، وتلبية طلبه. والاستخارة دعاء، فعلى المسلم تحقيق شروط الدعاء، والالتزام بآدابه، واجتناب موانع استجابته، كي يستجاب له في استخارته، وتقضى له حاجته. واعلم أن كثيراً من الناس يدعون فلا يستجاب لهم، وذلك لإخلالهم بالشروط، أو فعلهم بعض الموانع التي تحول دون الاستجابة. ومن موانع استجابة الدعاء فيما يخص الاستخارة ما يلي:

стр. 13

١ ـ أن يكون في كسب الرجل حرام، من اغتصاب حق أو تعامل بالربا، أو أكل أموال الناس بالباطل، أو ظلم، أو غش، أوعدم وفاء بالعقود التجارية، والصناعية، أو غير ذلك، فيدخل عليه المال الحرام، فيأكل منه، ويشرب منه، ويلبس منه، فلا يستجيب الله له. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أيهَا الناسُ! إن الله طيبٌ لا يقبلُ إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمرَ به المرسلين، فقال: ﴿يا أيهَا الرسل كلوا منَ الطيِّبات واعمَلُوا صالحًا إنِّي بما تعملون عليم﴾ [المؤمنون ٥١] وقال ﴿يا أيهَا الذينَ آمنُوا كلوا منْ طيِّبات ما رزقناكُمْ﴾ [البقرة ١٧٢] ثمَّ ذكرَ الرجل يطيلُ السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجابُ لذلك؟ )) (١). ٢ ـ أن تكون الاستخارة والدعاء في إثم أو ظلم، فإن كانت في مثل ذلك فلا يستجاب له، كأن يستخير في أمر يكون فيه أذية مسلم، أو سببًا في ظلم مؤمن. عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ما على الأرض مسلم يدعو بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم)) فقال رجل من القوم: إذن نكثر؛ قال: ((الله أكثر)) (٢). أي: الله أكثر استجابة وعطاء من العبد مهما دعا وطلب.

стр. 14

٣ ـ ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: من موانع استجابة الدعاء، هجر المسلم نصيحةَ إخوانه المسلمين، فلا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر! وكيما يستجيب الله الدعاء، ينبغي على المسلم أن يكون مستقيم الحال، صادق المآل، يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أوسع من أن تكون له هيئة مختصة به، أو جماعة تقوم به، بل هو من واجبات كل مسلم في بيته وأهله، وفي ماله وإخوانه، وفي من حوله، بشرط العلم والاستطاعة والحكمة، وعدم جر مفسدة أكبر مما ينهى عنه. عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكنَّ الله أن يبعثَ عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم)) (١). ٤ ـ أن يعتدي في دعائه، كأن يرفع صوته، أو يحدث فيه بدعة، أو يشرك في دعائه أحدًا من خلقه، أو يصرف قلبه تلقاء أحد من عبيده. قال تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخفية، إنه لا يحب المعتدين﴾ [الأعراف: ٥٥] فمن اعتدى لم يحبه الله ولا يستجيب الله لمن لا يحب. وقال ﷺ : ((سيكون قوم يعتدون في الدعاء)) (٢). ٥ ـ أن يكون الداعي غافلاً عن الله، معرضًا عن دينه، ناسيًا أوامره، مرتكبًا نواهيه.

стр. 15

حتى إذا ما أصيب بالضراء، وكان من قبل يعصي الله في الرخاء، قال: يا رب يا رب .. فأنى يستجاب له. ومن نسي الله في الرخاء، نسيه الله في الشدة .. والجزاء من جنس العمل .. ولا يظلم ربك أحدًا. قال ﷺ : ((من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب، فليكثر الدعاء في الرخاء)) (١). وقال ﷺ : ((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاهٍ)) (١). ٦ ـ مخالفته لبعض الأحكام الشرعية، ومنها: ١ ـ سكوته عن سوء خلق زوجته، وعدم تطليقها. ٢ ـ إقراضه مالاً دون إشهاد، إلا لمن غلب على الظن أنهم من أهل الوفاء. ٣ ـ دفْعه مالاً للسفهاء، ولو كانوا أولاده أو إخوانه. قال ﷺ : ((ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم: رجلٌ كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل كان له على رجل مال فلم يشهد عليه، ورجل آتى سفيهًا ماله، والله تعالى يقول: ولا تؤتوا السفهاء أموالكم)) (٢).

стр. 16

هل من أسباب يفعلها العبد، تكون سبباً في قبول استخارته لما أشبهت الاستخارة الدعاء، بل هي دعاء على صورة مخصوصة، كان الراجح أن ما يرتجى فيه قبول الدعاء، هو ما يرتجى بسببه قبول الاستخارة. ويرتجى قبول الدعاء بما يلي: أولاً: أن يكون المسلم موقنًا بالإجابة، واثقًا بالله تعالى، صادقًا في دعائه. وقد مر معنا قوله ﷺ : ((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة .. )) الحديث. فلا يستجيب الله لمن لا يوقن بالاستجابة ولا يثق بمن يناجيه، ولا يتوكل على من يلبي طلبه، ويقضي له حاجته. ثانيا: أن يدعو مخلصًا لله وحده، لا يشرك معه في دعائه أحدًا. فمن دعا مع الله أحدًا، أو أشركه بقول أو عمل، فقد بطل دعاؤه، وفسد عمله. قال تعالى: ﴿وأنَّ المساجدَ لله فلا تدعوا معَ الله أحدًا﴾ [الجن، ١٨]. وقال تعالى: ﴿وادعوهُ مخلصينَ له الدينَ﴾ [الأعراف، ٢٩]. وقال تعالى: ﴿قل إنما أدعو ربي ولا أشركُ بهِ أحدًا﴾ [الجن، ٢٠]. فلا يحل لمسلم أن يعلق قلبه - مجرد التعليق - بأحد غير خالقه، ومدبر شئونه، فهو الوحيد القادر على إنفاذ ما يريد، فلا راد لقدره، ولا مانع

стр. 17

لقضائه، إن كان خيرًا، أو كان سوءًا. ﴿قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءًا أو أراد بكم رحمة .. ﴾ [الأحزاب ١٧]. فلا يدع معه أحدًا، كائنًا من كان، ولا يشرَك معه رسول أو إمام، ولا شيخ أو ولي، ولا عظيم أو كبير، بل يوجه العبد وجهه وقلبه ودعاءه كله لله وحده. قال ﷺ : ((وإذا سألتَ فاسأل الله)) (١) الحديث. فما خلقنا الله تعالى إلا لعبادته، وما أوجَدنا إلا لسؤاله. ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات، ٦٥]. والدعاء والسؤال هما: العبادة. قال ﷺ : ((الدعاء هو العبادة)) (٢). وما ابتلانا الله إلا للتضرع إليه. قال تعالى: ﴿فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون﴾ [الأنعام، ٤٣]. ثالثا: أن يكون منيبًا إلى الله، تائبًا إليه، متذللاً بين يديه، خائفًا متضرعًا. ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ [البقرة، ٢٢٢].

стр. 18

وقال تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدين﴾ [الأعراف، ٥٥]. رابعا: أن يكون راضيًا بقضاء الله وقدره، قبل وقوعه، وبعد وقوعه، كيفما وقع، وعلى أي صورة قُضي. وأن يعتقد أن الأمر ما قدر له إلا لخير يعلمه الله، وما صرف عنه إلا لخير يعلمه الله. [قال ﷺ : (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا المؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) (١).] [*] هل لكم أن تضربوا مثلاً في صفة الدعاء كيف تكون ؟ نضرب مثلاً لرجل أراد أن يخطب فتاة .. يصلي ركعتين، بنية الاستخارة، ثم يدعو بهذا الدعاء: ((اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم: أن زواجي من فلانة بنت فلان، خير لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري عاجله وآجله، فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه. وإن كنت تعلم أن زواجي من فلانة بنت فلان، شر لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري عاجله وآجله، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به)). ما الدليل عليها ؟ لا يحل لمسلم أن يفعل أي عبادة كانت، مهما صغرت في عينه أو كبرت، وظن أن بها خيرًا، إلا أن تكون تلك العبادة مشروعة، وقد فعلها رسول

стр. 19

الله ﷺ أو أمر بها، أو فعلها أصحابه رضوان الله تعالى عليهم، وما عدا ذلك فهي بدعة، وكل بدعة ضلالة. قال ﷺ : ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) (١). وأما دليل مشروعيتها: فما رواه البخاري في صحيحه قال، حدثنا مطرف بن عبد الله أبو مصعب حدثنا عبد الرحمن بن أبي الموال عن محمد بن المنكدر ((عن جابر ﵁ قال: كان النبي ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: في عاجل أمري وآجله - فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال في عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضّني به. ويسمي حاجته)) (٢). ما معنى الاستخارة ؟ المعنى اللغوي: استخار: طلب الإرشاد إلى الخير.

стр. 20

خار الأمرُ: صار فيه خيرًا (١). وخرتُ الأمرَ: انتقيته لما فيه من الخير. وعندي: أن ((اختار)) بمعنى: انتقى، غير أن ((اختار)) لا تستعمل إلا في الخير ((وانتقى)) تستعمل في الخير وفي غيره. قال تعالى: ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار﴾ [القصص: ٦٨] وقوله ﷺ في حديث الإسراء: ((فاخترت اللبن)) (٢) بدل الخمر. وقوله ﷺ : ((المدينة كالكير تنقي خبيثها [ويَنْصع طيبها)) قال في النهاية (٥/ ١١١): ((الرواية المشهورة بالفاء وقد جاء في رواية بالقاف (٣) فإن كانت مخففة ... أي تستخرج خبثها، وإن كانت مشددة فهو من التنقية، وهو إفراد الجيد من الرديء)) اهـ] [*] واستخرت: طلبت الأمر الذي فيه خير، أو طلبت انتقاء الأمر الخير. واستخار الرجل الله تعالى: طلب منه الإرشاد والهداية إلى الخير، أو اختيار ما فيه خير له. والاستخارة: اسم لهذا الطلب أو الفعل. والاستخارة الشرعية: أن يستخير العبد ربه، على ما وصف له رسول الله ﷺ ، من صلاة ركعتين من غير الفريضة، ثم دعاء مخصوص بعدهما، لفعل أمر مباح، أو تركه، أو في الواجب والمستحب المخيّر. من معاني هذا الدعاء العظيم قول جابر بن عبد الله: ((كان النبي ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها)): يأتي شرحه في باب ما هي الأمور التي يستخار فيها؟ قوله: ((كالسورة من القرآن)): أي يعلمهم حفظ دعاء الاستخارة وإتقانه، كما كان يعلمهم سور القرآن وآياته وإتقانها (٤).

стр. 21

ويؤيد هذا المعنى؛ ما ورد عن النبي ﷺ في تعليمه دعاء النوم، وأمره بالالتزام بنص الدعاء، ويأتي تفصيل الجواب في باب هل يلتزم بالدعاء. قوله: ((إذا هم أحدكم بالأمر)): أي إذا خطر الأمر بباله، ثم عزم عليه، أو إذا عُرض عليه، ثم نوى فعله، أو عرض له عارض لا يدري مخرجه. قوله: ((اللهم إني أستخيرك بعلمك)): أي أطلب إليك أن تختار لي ما هو خير لي. وأستعين على حاجتي هذه، وأتوسل إليك بعلمك، الذي لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء. والاستعانة بعلم الله الذي هو صفة من صفاته سبحانه، والتوسل إليه بها، من أنسب الاستعانة وأجلها في هذا المقام، لأن حاجة المستخير متعلقة بالغيب، والغيب من علم الله، لذا كانت صفة علم الله الذي وسع كل شيء، وأحاط بكل شيء، هي الصفة المناسبة للاستعانة بها، والتوسل إلى الله تعالى بها. قوله: ((وأستقدرك بقدرتك)): أي: أطلب منك العون على ما تقدره لي، وأتوسل إليك بقدرتك، وما يقال في التوسل بصفة العلم، يقال هنا بصفة القدرة .. فإن أمر الله وفعله سبحانه لا يكون إلا بعلم وقدرة، ولذلك ناسب بعد توسله إليه بالعلم، أن يتوسل إليه بالقدرة. والاستقدار بالقدرة، والاستخارة بالعلم، يتضمن الاستعانة والتوسل وهما من أجل أنواع الاستعانة والتوسل المشروعين، والله أعلم. قوله: ((وأسألك من فضلك العظيم)): بعد أن استشفع بصفة العلم، وتوسل إليه بصفة القدرة، ناسب أن يسأله من فضله الذي لا ينفد، وكرمه الذي لا يحجب. أي أنت الذي يعلم ما غاب من الخير والشر، وأنا جاهل ذلك لا أعلمه، فاختر لي الخير بعلمك، ويسره لي بقدرتك، وبارك لي فيه بفضلك. فلا أحد يعلم الغيب غيره، إلا بإذن منه سبحانه. والإذن إذنان: إذن عن طريق الوحي والكلام، وهو خاص بالرسل والأنبياء. قال تعالى: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا إلا من ارتضى من رسول فإنه

стр. 22

يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا﴾ [الجن ٢٦ - ٢٧]. وإذن من الله لمعرفة الغيب، بإدراك السنن الكونية، واكتشاف الحقائق العلمية. وما عرفه البشر وسيعرفه، مؤمنهم وكافرهم، من الأمور التي كانت غيبًا من قبل، كاكتشاف الكهرباء، ومعرفة الذكر والأنثى في بطن أمه، وغير ذلك مما يعتمد على العلم لا على الخرافة والدجل، فهو من هذا الباب، باب الغيب المؤقت الذي أناطه الله بأسباب، فهو يغيب بغياب أسبابه، ويظهر بظهورها، وليس من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، ولم يأذن باكتشافه ومعرفته. قوله: ((اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لي ... .. وإن كنت تعلم ... .. )) [وبعد أن تم التمهيد للدعاء، بمنتهى الحكمة، وحصلت التوطئة للطلب بالتوسل المشروع، شرع السائل بطلب مقصوده .. ولما كان ذلك متعلقاً بعلم الله لا بعلمه، وباختيار الله لا باختياره، علق السائل الأمر بالله أي: لما كنتَ أنت الذي يعلم عواقب الأمور، خيرها من شرها، فقد فوضت الأمر إليك، لتختار لي ما هو خير، وتصرف عني ما هو شر. ثم لما كان يُخشى من عوائق تعيق هذا الأمر، ولا يزيلها إلا بالله، بادر بسؤاله التيسير، فقال: فاقدره لي ويسره لي.] [*] فجماع مقام الاستخارة منوطٌ بثلاثة: - علم الله، لمعرفة ما هو خير. - تقدير هذا الخير، وقضاؤه الذي يحتاج إلى قدرة. - فضل الله الذي لا ينفد، وكرمه الذي لا يرد. لذا كان من التوفيق العظيم، والحكمة البالغة، أن يجمع بين هذه الثلاثة في دعائه. فيستفتح دعاءه متوسلاً إلى الله بعلمه، مستعينًا به على اختيار الخير له، ثم أتبع ذلك بما يحتاج إليه بعد الاختيار، من القدرة على الفعل، والإعانة على العمل، لذا استغاث بقدرة الله، وتوسل إليه بهذه الصفة العلية. ثم ختم ذلك بسؤال الله من فضله وكرمه، كيما يبارك له في المختار، وينفعه به. وفي هذا تحقيق للتوحيد، بسؤاله بصفاته سبحانه ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ [الأعراف ١٨٠] قوله: ((فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب)) هذا إقرار بصفات عظيمة من صفات الله، وبوء بعجز العبد في مقابلها، وفي هذا تحقيق للتوحيد، واستعطاف الضعيف القويَّ، واسترشادُ الجاهلِ العليمَ. وفي هذا غاية الأدب بالاعتراف بضعف العبد ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾ [فاطر ١٥]، وإقرار بكمال العرفان بفضله وكرمه ﴿واسألوا الله من فضله﴾ [النساء ٣٢]. فإن من أدب الدعاء، أن يحقق العبد العبودية فيه، وأن يقر بذلك في نفسه، وينطق بلسانه، بعلم الله الواسع، وقدرته العظيمة، وأنهما صفتان عظيمتان من صفات الرحمن. وإن من كمال العبودية، أن يتبع ذلك

стр. 23

اعتراف العبد بالعجز والجهل، وأنه لا غنى له عن ربه، لذلك قال: ((فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم)). قوله: ((وأنت علام الغيوب)). ثم لما كان العبد قصير النظر، مضطرب الأحوال، لا يرضى بما قُسم له، ولا يقتنع بما قدر له، كان من المناسب جدًا أن يختم دعاءه بطلب الرضى بما سيقدر له، فهبة الرضى من أعظم الهبات، لأن فيها اطمئناناً للقلب، ورضىً عن الرب. [إزالة إشكال: وقد يشكل على بعضهم قوله: (إن كنت تعلم) إذ كيف يقول العبد لله: إن كنت تعلم، وهو يعتقد أن الله يعلم. قلت: لا إشكال في ذلك: إذ ليس لها مفهوم أن الله لا يعلم، وليس من مقتضى قوله: إن كنت تعلم، أي: وإن كنت لا تعلم. وإنما هذا تعليق بما يعلم الله من خير في الأمر فييسره، وما يعلم من شر في الأمر فيصرفه، وعلى هذا فليس الأمر معلقاً بعلم الله وعدمه، وإنما هو معلق بعلم الله بخير الأمر، أو بعلم الله بشره .. فالمقصود: تعليق الأمر بعلم الله بالخير المقابل لعلم الله بالشر، وليس المقصود تعليق الأمر بعلم الله أو عدمه، وهذا النوع من التعليق يحتاج إلى مثل هذا الأسلوب من التعبير، فتنبه. مثاله: أن يسأل عاملٌ ربَّ عملٍ خبيرٍ صادقٍ عن أمر دنيوي، فيقول له: إن كنت تعلم أن في عملي هذا ربحاً فادفعني إليه، وإن كنت تعلم أن فيه خسارة لي فلا تجعلني عاملاً فيه، أو كمن يقول للطبيب: إن كنت تعلم أن هذا الدواء خير لي من ذاك فالأمر مفوض إليك. فهذا كله من باب واحد، وهو تعليق الأمر بعلم المسئول بخير الأمر أو شره، لا بعلم المسئول أو عدم العلم. حقاً إنه دعاء عظيم: ] [*] مما سبق يتبين: أن هذا دعاء عظيم، حوى أمورًا جليلة، ودقائق لطيفة، وفوائد ظاهرة وخفية. ففيه الإقرار بتوحيد ربوبيته، والخضوع لألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته ودعائه بها، وفي ذلك أداء العبد لعبوديته، من توكل واستعانة، وسؤال واستغاثة، بعلمه وفضله، وقدرته وكرمه، ثم طلب منح الرضى والقناعة، فمن رضي عن ربه ورضي عنه ربه، فقد نال المفازة، وجاوز السور والقنطرة. ولو لم يكن من الاستخارة إلا تحقيق ما في هذا الدعاء العظيم، من المعاني العظيمة، لكفى بها خيراً عظيمًا، فكيف إذا زاد على ذلك رضىً قلبياً؟ ! فسبحان من شرع لعباده خيري الدنيا والآخرة. ما هي الأمور التي يستخار فيها ؟ الأمور التي تعرض للعبد، تدور مع الأحكام الخمسة: الواجب والمستحب والمباح والمكروه والمحرم. فالواجب والمستحب والمكروه والمحرم، لا يستخار في أصل فعلها أو تركها. لأن الواجب: واجب الفعل، محرم الترك، سواء استخار العبد أم لم يستخر.

стр. 24

والمحرم: محرم الفعل، واجب الترك، سواء استخار العبد، أم لم يستخر، فلا يستخار في صلاة ولا حج ولا شرب خمر ولا في فعل أي معصية أو تركها. أما المباح، فهو الذي يستخار فيه: كالأعمال الدنيوية، والسفر، والأمور المجهولة النتائج، والوسائل، والأمكنة، والأزمنة المخير فيها، والشركات، والتجارات، والزواج، وما شابه ذلك. وكذلك يستخار في وسائل الواجب والمستحب وفي نوعها المخير فيه. فطلب العلم مستحب، وبعضه واجب، فيستخار في النوع والوقت والمكان. لأن العبد مخير في المكان، فيستخير فيه، ومخير في الجهة، فيستخير فيها، ومخير في المدرسة والجامعة، فيستخير في ذلك وهكذا. ولا يستخار في طلب العلم الشرعي نفسه. وأما طلب العلم الدنيوي فمستحب، لكن العبد مخير بين تلك العلوم، فيستخير في نوع العلم، لا في أصله. والحج واجب، فيستخار في الرفقة، وفي وسيلة الوصول، وفي زمن الانطلاق. والجهاد واجب، ولكن يستخار في الزمن، والخطة، والمكان، والجهة، وتعيين الأمير، وتنظيم الجيش. والزواج واجب، لكن الرجل مخير في النساء، والمرأة مخيرة في الرجال، فيستخير الرجل في عين المرأة، والمرأة تستخير في عين الرجل، لا في أصل الزواج وهكذا. كما يستخار عند تعارض واجبين، أو تعارض مستحبين، أيهما يفعل، أو أيهما يقدم، أو يؤخر ..

стр. 25

ومثال تعارض الواجبين: كالزواج والحج، لمن لا يملك سوى ما يكفي أحدهما. ومثال تعارض المستحبين: كتعارض جهاد كفاية مع طلب علم كفائي، أو مع حج تطوع، ويستخير في نوع الصدقة، أيضعها في بئر أو وقف مستثمر وما شابه ذلك. وقد تكون الاستخارة في مستحب فيه احتمال وقوع مفسدة، كالتبرع بالدم وما شابه ذلك. والخلاصة: أن الاستخارة تكون في كل أمر مباح، وتكون في الواجب والمستحب المخير، لاختيار الزمان، أو المكان، أو الوقت، أو العين، وفي الوسائل، وعند تعارض مستحبين، أو واجبين. وبهذا يتضح قول جابر ﵁: ((كان يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها)). قال ابن أبي جمرة: هو عام أريد به الخصوص، فإن الواجب والمستحب لا يستخار في فعلهما، والحرام والمكروه لا يستخار في تركهما، فانحصر الأمر في المباح، وفي المستحب إذا تعارض فيه أمران، أيهما يبدأ به ويقتصر عليه ... )). قال العسقلاني معقبًا: ((وتدخل الاستخارة فيما عدا ذلك في الواجب والمستحب المخير، وفيما كان زمنه موسعًا، ويتناول العموم العظيم من الأمور، والحقير، فرب حقير يترتب عليه الأمر العظيم)) (١). وتكون في جميع هذه الأمور، سواء كان مترددًا فيها أو غير متردد، إذ غاية الاستخارة طلب التوفيق لا مجرد قطع التردد، والعزم على الأمر لا ينافي الاستخارة (٢) هل تكون الاستخارة في الأمور المعروفة النتائج ؟ نعم تكون في الأمور الدنيوية المعروفة النتائج،

стр. 26

لأن معرفة حقائق النتائج، لا يعلمها إلا الله تعالى. فمهما ظن العبد مِن ظن، فليس كل أمر ظاهره خير، هو في حقيقته خير، وليس كل أمر ظاهره شر، هو في حقيقته شر. فكم من أمر ظن صاحبه أن فيه خيرًا عظيمًا، فكان فيه هلاكه، وكم من أمر ظن صاحبه أن فيه شرًّا، فكان فيه نجاته، وحسبنا قول الله تعالى: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم، وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لَّكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ [البقرة ٢١٦]. قال ابن القيم في ((الفوائد - ٢٤٧)): ومن أسرار هذه الآية أنها تقتضي من العبد التفويض إلى من يعلم عواقب الأمور، والرضا بما يختاره له ويقضيه له، لما يرجو فيه من حسن العاقبة. ومنها: أنه لا يقترح على ربه ولا يختار عليه ولا يسأله ما ليس له به علم، فلعلَّ مضرَّته وهلاكه فيه وهو لا يعلم، فلا يختار على ربه شيئًا بل يسأله حسن الاختيار له، وأن يرضّيه بما يختاره فلا أنفع له من ذلك)). ما هي الفائدة أو الحكمة أو الجدوى من الاستخارة ؟ للاستخارة فوائد عظيمة، ومنافع جمة، هي أعظم من استجابة دعائها، وتلبية طلب صاحبها. أولى هذه الفوائد: تحقيق معنى العبادة لله ، المتضمن الخضوع له، وإظهار الضعف والذل بين يديه، والحاجة واللجوء إليه، واستعطافه، وطلب الخيرة منه، ولو لم يكن فيها إلا هذا .. لكفى بها خيرًا عظيمًا.

стр. 27

وفي هذا تحقيق لتوحيد الألوهية، الذي هو ركن من أركان التوحيد، وشرط من شروط الإيمان. ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات ٥٦]. فقد كان أهل الجاهلية، يستقسمون (أي يستخيرون) بالأزلام، فيقعون في الابتداع والشرك فكان هذا الدعاء رداً على المشركين، وتعويضاً للمؤمنين عن أفعال المشركين، بدعاء كله توحيد وعبودية وطلب ممن بيده المطلوب، وافتقار لمغنٍ رحيم .. وسؤال لمعطٍ كريم، بيده خزائن السماوات والأرض، فشتان بين استخارة المشركين بأعواد أو لأحجار، وبين استخارة القدير العليم المنان، فسبحان من أبدل بالشرك توحيداً، وبالابتداع اتباعاً، وبالعصيان طاعة، وبالتردد والقلق .. اطمئناناً وسكينة، ولا ينال هذا إلا المتبعون الصادقون. الفائدة الثانية: تحقيق معنى الإيمان، بأن الله بيده مقاليد الأمور، ويعلم غيب السموات والأرض، ويحب لعبده الخير، ويختار له ما ينفعه، وفي هذا تحقيق لتوحيد الربوبية، والأسماء والصفات. قال تعالى: ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار﴾ [القصص ٦٨]. وقال تعالى: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ [الأنعام ٥٩]. قال ابن القيم ﵀: ((فتضمن هذا الدعاء، الإقرار بوجوده سبحانه، والإقرار بربوبيته، وتفويض الأمر إليه والاستعانة به، والتوكل عليه، والخروج من عهدة نفسه، والتبري من الحول والقوة إلا به، واعتراف العبد بعجزه عن علمه بمصلحة نفسه، وقدرته عليها، وإرادته لها، وأن ذلك كله بيد وليه وفاطره، وإلهه الحق)) (١). الفائدة الثالثة: الثقة بالله، والرضى بقضائه بعد الاستخارة وقبلها، والتوكل عليه، وتفويض الأمر إليه، بدل الحيرة والتردد، والقلق الذي يضعف النفس، وينهك البدن، ويولد الهموم،

стр. 28

[والاطمئنان للنتائج كيف ما كانت، الأمر الذي يقوي النفس، ويطرد الهم، فتنشرح النفوس ويطمئن القلب، وهو مطلب من المطالب العظيمة.] [*] قال ابن القيم في الفوائد (٢٤٧): ((إذا فوّض [أمره] إلى ربه ورضي بما يختاره له، أمدَّه فيما يختاره له بالقوة عليه والعزيمة والصبر، وصرف عنه الآفات، التي هي عرضة اختيار العبد لنفسه، وأراه من حسن عواقب اختياره له ما لم يكن ليصل إلى بعضه، بما يختاره هو لنفسه. ومنها: أنه يريحه من الأفكار المتعبة في أنواع الاختيارات، ويفرغ قلبه من التقديرات والتدبيرات التي يصعد منها في عقبة وينزل في أخرى، ومع هذا فلا خروج له عما قدر عليه، فلو رضي باختيار الله، أصابه القدر، وهو محمود مشكور ملطوف به فيه، وإلا جرى عليه القدر)). ففي الاطمئنان والرضى بقضاء الله تعالى، تحقيق عظيم لركن من أركان الإيمان، وأجر عظيم عند الديان، عدا عن أن فيه جلاء للهموم، واطمئناناً للقلوب، وهدوءاً للنفوس. ومن رزق الاطمئنان، والرضى بقضاء الله وقدره، فقد رزق خيراً كثيراً، وما يشعر بهذا إلا المؤمنون الموقنون. ولما وثقت أم موسى بالله ، واطمأنت بقدره، ألقت فلذة كبدها، وسواد عينها في اليم، تتلاطمه الأمواج، ويسوقه الماء إلى أمر يظن الرائي أن لا رؤية له بعد هذا .. فهو أمر يفطّر الأكباد، ويمزق المهج، ويحرق النفوس .. أن تلقي أمٌّ ولدَها - فيما يظهر - إلى التهلكة، ولما أيقن إبراهيم وزوجه هاجر بالله، ورضيا بقضائه، تركها وابنهما وحدهما في الفلاة، لا طعام ولا ماء ولا شجر يستظلانه، وهذه أفعال تحرق النفوس، وتقطع القلوب .. لا يفعلها إلا من اطمأن قلبه بالإيمان ورضي بقضاء الرحمن، ووثق بالله العظيم، والتوكل عليه، ومن ذاق طعم الرضى بقضاء الله وقدره أيًا كان، وكيف كان، استأنس بالمصيبة وصبر عليها، واستوحش القلق والحيرة وأعرض عنهما. الفائدة الرابعة: توفيق الله لعبده المستخير: إذا ما قدر الله للعبد المستخير التوفيق، ففي ذلك نعمتان:

стр. 29

الأولى: استجابة الله دعاء عبده، وفي هذا خير عظيم، ودليل على ما عند العبد من صلاح، إن لم يكن استدراجًا. الثانية: توفيق الله لعبده في الأمر المستخار فيه، واختيار الخير له، وتوجيهه وإرشاده إليه، بدل ضياعه وضلاله عنه. ماذا يفعل العبد بعد الاستخارة؟ أو كيف يعرف نتيجة الاستخارة ؟ بعد أن يستخير المستخير الاستخارة الشرعية، ما عليه إلا أن يعزم على أي أمر يراه، بعد أن يتوكل على الله حق توكله. ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ [الطلاق ٣]. ﴿فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين﴾ [آل عمران ١٥٩]. وأن لا يغفل عن الإخلاص في النية، والصدق مع الله في العمل المستخار فيه. ﴿فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرًا لهم﴾ [محمد ٢١]. فإذا تحقق ذلك فليفعل ما بدا له، من غير تردد ولا أسف، ولا تلكؤ ولا وجل، سواء انشرح صدره أم لم ينشرح، وسواء كان هذا الانشراح قبل الاستخارة أو بعدها، لأن الأمر لا يتعلق بانشراح الصدر وعدمه، وإنما يتعلق بتيسير الله وتوفيقه وتقديره. فربما انشرح صدره للأمر، والله لا يريده له، فلا ييسره، ولو أقدم عليه. وربما لم ينشرح صدره للأمر، وأراده الله له، فيقدره وييسره له. فمناط المسألة أمران:

стр. 30

الأول: صدق العبد مع الله ويقينه به، وتحقيقه شروط استجابة الاستخارة. الثاني: استجابة الله تعالى للعبد في استخارته. فإذا تم ذلك؛ فلا يقدم انشراح الصدر وغمته شيئًا ولا يؤخره، ولا يقدِر مخلوق كائنًا من كان أن يمنع خيرًا أراده الله تعالى له، أو يصرف سوءًا قدره الله تعالى عليه. ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو. وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم﴾ [يونس ١٠٧]. قال العز بن عبد السلام ((يفعل ما اتفق)) (١). وبهذا تعرف عدم صواب ما قاله الحافظ في الفتح: ((والمعتمد أنه لا يفعل ما ينشرح به صدره، مما كان له فيه هوى قوي قبل الاستخارة)). قلت: المسألة لا تتعلق بالعبد ولا بهواه، ولا بانشراح صدره وميل نفسه، وإنما هي متعلقة بما يعلمه الله ويقدره ويقضيه، سواء كان له فيه هوى أو لم يكن له فيه هوى، وسواء كرهه أو أحبه. وقد يكون مما قدره الله له، وكان له فيه هوى ومصلحة وخير، فأي مانع من ذلك؟ ! ثم إن أراد أن يفعل ما كان له فيه هوى .. ولم يقدره الله فلا ييسره الله له وإن قدره الله فييسره .. فلم تعد هناك فائدة للقول: لا يفعل ما كان له فيه هوى .. وأما حديث أنس الذي فيه .. ((ثم انظر إلى ما يسبق قلبك، فإن الخير فيه)) فهو ضعيف جدًا، ويأتي تخريجه إن شاء الله تعالى. ومراحل الاستخارة هي: الهمُّ بالأمر، ثم الاستخارة ثم التوكل، ثم العمل بما يراه المستخير، [ولا يخدش ذلك أن يشاور، أو يكون قد شاور أهل الرأي.] [*]

стр. 31

إذن ما شأن رؤية منام، أو تبييت استخارة، وغير ذلك من الأمور ؟ كما أسلفنا في الجواب السابق: أن الأمر متعلق بتيسير الله وتوفيقه، لا بانشراح صدر، ولا بمنام يراه المرء، ولا غير ذلك، مما لم يثبت في السنة النبوية، ولا عن أحد من صحابة رسول الله ﷺ ، ولا الأئمة الأعلام. وعلى المستخير أن يمضي فيما يشاء، ولن يمضي إلا فيما قدر له، ((كل ميسر لما خلق له)). ثم هب أنه رأى منامًا، فما يدريه أن هذا المنام من الرحمن، أو من الشيطان، أو من حديث النفس. قال ﵊: ((الرؤيا ثلاثة: فرؤيا الصالحة بشرى من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث المرء نفسه)) الحديث (١). وقال ﷺ : ((الرؤيا ثلاثة: منها تهاويل من الشيطان ليحزن ابن آدم، ومنها ما يهمُّ به الرجل في يقظته فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة)) (٢). وعلى أي حال، سواء رأى رؤيا أم لم ير، فالأمر فيها كانشراح الصدر وعدمه سواء، فلا تقدم الرؤيا شيئًا، ولا تؤخره، بل ربما كانت من الأسباب التي قدرها الله لما يريد، من التيسير أو الصرف، والله يقدر ما يشاء كما يشاء.

стр. 32

هل يجوز تكرارها في الأمر الواحد ؟ النوافل على أنواع: إما أن تكون محض تعبد كالوتر وركعتي الفجر. وإما أن تكون تعبدية، ولكنها مناطة بسبب كتحية المسجد. وإما أن تكون صلاة حاجة، أي: مناطة بحاجة للعبد عند ربه، لكنها مقرونة بدعاء، كصلاة الاستسقاء والاستخارة. فإن كانت الصلاة عبادة محضة، فلا يجوز تكرارها البتة، كركعتي الفجر والوتر. وكذلك إن كانت ذات سبب مخصوص، فلا تكرر إلا مع تكرر السبب. وأما إن كانت ذات حاجة بصفة مخصوصة، فجمهور أهل العلم يجيزون تكرارها، فقد أجاز الأئمة - مالك والشافعي وأحمد وغيرهم ﵃ تكرار صلاة الاستسقاء (١). وصلاة الاستخارة أشبه ما تكون بصلاة الاستسقاء، من حيث إنها صلاة حاجة، وُتشابهها من حيث ارتباط الصلاة بالدعاء، وهذا النوع من الصلاة أشبه أن يكون، دعاء بصورة مخصوصة، فإذا انضم إلى هذا المعنى اللغوي للصلاة، استحباب الإكثار من الدعاء ظهر أن الراجح جواز تكرارها. وقول بعض الإخوة الأفاضل بعدم التكرار، لعدم ورود التكرار، ولأنه دعاء مخصوص عقب صلاة مخصوصة، لا يكفي لمنع تكرارها، لأنه ليس من باب الابتداع في شيء، وإذ لم يكن كذلك، جاز التكرار لانتفاء المانع.

стр. 33

وكذلك صلاة الاستسقاء: لم يرد ذكر التكرار، وهي دعاء مخصوص، عقب أو قبل صلاة مخصوصة، ومع ذلك أجاز جماهير أهل العلم تكرارها (١). كما يستأنس لتكرارها، بتكرار صلاة الكسوف والخسوف حتى ينجلي الشمس أو القمر، فهي - أي صلاة الكسوف أو الخسوف - صلاة ذات سبب وحاجة وفيها دعاء، فشابهت صلاتي الاستخارة والاستسقاء. فعن المغيرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، لا ينكسفان لموت أحد، ولا لحياته، فإذا رأيتموهما، فادعوا الله تعالى، وصلوا حتى ينكشف)) رواه البخاري (٩٩٦) ومسلم (٩١٥). فقوله ﷺ : ((حتى ينكشف)) فيه دليل واضح على مشروعية تكرار الصلاة حتى يتم الكشف. واعتراض المانعين - على تكرار الاستخارة - بأنها صلاة ودعاء مخصوص، فالجواب عنه أن: صلاة الاستسقاء كذلك، وما كان جوابهم عن تكرارها، فهو جوابنا عن تكرار صلاة الاستخارة. ومهما قيل فيها فهي دعاء، والدعاء يستحب تكراره، والإلحاح فيه، سواء كان مخصوصًا أو غير مخصوص. نعم لو كانت صلاة الاستخارة، مجرد ذات سبب، لقلنا بمنع التكرار، وأما أن تكون صلاة حاجة، فهي أقرب للدعاء منه إلى غيره، لذلك نرجح قول من قال بالتكرار والله أعلم. فممن ذهب إلى جواز تكرار الاستخارة، بل استحبابها الحافظ العراقي، ومال إلى ذلك الشوكاني في النيل فقال: ((قد يستدل للتكرار بأن النبي ﷺ كان ((إذا دعا دعا ثلاثًا))، الحديث الصحيح، وهذا وإن كان المراد به تكرار الدعاء في الوقت الواحد، فالدعاء الذي تسن الصلاة له تكرر الصلاة له كالاستسقاء)). وممن يفتي بذلك - من المعاصرين - شيخنا العلامة عبد العزيز بن باز، وكذلك شيخنا المحدث الألباني، غير أنه قيد التكرار بقيد: (من لم تطمئن

стр. 34

نفسه لصلاته الأولى) .. وأما من استدل على التكرار بحديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا أنس إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات .. )) الحديث، فهو حديث ضعيف جدًا، قد اتفق الحفاظ على تضعيفه. راجع تخريجه في فصل (تخريج الأحاديث الواردة) من هذا الكتاب. ثم بعد كتابة ما تقدم، وقفت على قول عبد الله بن الزبير ﵁ في صحيح مسلم، بعدما احترقت الكعبة: ((لو كان أحدكم احترق بيته، ما رضي حتى يُجِدَّه، فكيف ببيت ربكم (١)، إني مستخير ثلاثًا، ثم عازم على أمري)) (٢). فلما وقفت عليه فرحت به، لما فيه من مرجح قوي، لما ذهبت إليه، من ترجيح قول من قال بالتكرار، والله الهادي إلى سبيل الصواب.

стр. 35

هل لها وقت معين أو مفضل ؟ ليس لها وقت معين، ولا مخصوص، بل يؤتى بها في أي وقت كان. وإن تحرى أوقات استجابة الدعاء، فلا بأس بذلك، لما قدمنا من أن صلاة الاستخارة هي صلاة حاجة ودعاء. ومن الأوقات المفضلة للدعاء، والتي يرجى فيها القبول: ١ ـ وقت ما بين الأذان والإقامة. لقوله ﷺ : ((الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة)) (١) ٢ - ساعة نزول الغيث. لقوله ﷺ : ((ثنتان ما تردان: الدعاء عند النداء ووقت المطر)). وفي رواية: ((وتحت المطر)) (٢). ٣ - الثلث الأخير من الليل. لقوله ﷺ : ((ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ )) (٣). ٤ - الساعة الأخيرة من يوم الجمعة. لقوله ﷺ : ((إن في الجمعة لساعة لا يوافقها مسلم قائم، يصلي يسأل الله خيرًا إلا أعطاه إياه)) (٤).

стр. 36

وجمهور أهل العلم على أنها آخر ساعة، لقوله ﷺ : ((التمسوها آخر ساعة بعد العصر)) (١). وفسرت الصلاة بانتظار الصلاة. قلت: ولا يبعد أن تكون الصلاة هنا بمعناها اللغوي، وهو الدعاء، والله أعلم. ٥ - في حالة السفر. لقوله ﷺ : ((ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد على ولده، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم)) (٢). ٦ - ليلة القدر. لقوله تعالى: ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ [القدر ٣]. وقوله ﷺ : ((التمسوها في العشر الأواخر من رمضان)) رواه البخاري (١٩١٧) عن ابن عباس ومسلم (١١٦٥) عن عبد الله بن عمر ﵄. هل تجوز صلاة الاستخارة في أوقات النهي؟ وما هي تلك الأوقات ؟ الأصل: منع الصلاة النافلة في أوقات النهي، إلا أن العلماء تنازعوا في صلاة ذوات الأسباب (*)، في أوقات النهي. والصواب الذي عليه المحققون، جواز تلك الصلوات، كتحية المسجد، وسنة الوضوء، وصلاة الاستخارة، وبخاصة إذا ضاق عليه الوقت، أو كان مضطرًا.

стр. 37

وإن تَرَك الاستخارة في تلك الأوقات، كان ذلك أبعد عن مواطن الخلاف، وأرجى للاطمئنان، فقد قال ﷺ : ((دع ما يريبك إلى مالا يريبك)). (١) وأوقات النهي هي: ـ من بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وترتفع. ـ ووقت استوائها في كبد السماء حتى تميل. ـ وحين تصفر الشمس حتى تغرب. عن عقبة بن [عامر] ﵁ قال: ((ثلاث ساعات نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا، حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تضيَّف للغروب حتى تغرب)) (١). وعن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس)) (٢). هل هناك زمن محدد قبل الأمر المستخار له ؟ لا يوجد زمن محدد قبل الأمر المستخار له، وإنما عليه أن يستخير بعد الهم، وتبييت النية، والقصد له، وقبل البدء بالفعل، وذلك لقوله ﷺ : ((إذا هم أحدكم بالأمر)). فإن شرع في مقصوده، كأن خطب أو رأى مخطوبته، ثم تذكر الاستخارة، استحب له ذلك، ما لم يتم الأمر له. فإن فاتته الاستخارة، فليدع بخير أن يجعل الله تعالى له في الأمر الحاصل خيرًا، وأن يجنبه شره.

стр. 38

هل من دعاء مأثور بعد حصول المطلوب ؟ نعم؛ إذا كان عينًا، كزواج وشراء بيت، وامتلاك دابة، وما شابه ذلك .. فإنه يدعو بما جاء في الحديث .. قال ﵊: ((إذا اشترى أحدكم الجارية، فليقل: اللهمَّ إني أسألكَ خيرَها، وخيرَ ما جبلْتها عليه، وأعوذُ بكَ منْ شرِّها، وشرِّ ما جبلتها عليه، وليدعُ بالبركة، وإذا اشترى أحدكمْ بعيرًا، فليأخذ بذروةِ سنامه، وليدعُ بالبركةِ، وليقل مثل ذلك)) (١). وفي رواية: ((إذا تزوج أحدكم امرأة، أو اشترى خادمًا، فليأخذ بناصيتها وليسم الله ، وليدع بالبركة)). لذا يسن وضع اليد على مقدمة الشيء، ثم التسمية، والدعاء بالبركة، وبالدعاء المأثور، ثم قس على ذلك، كالسيارة وغيرها. هل لصلاة الاستخارة قراءة معينة ؟ لا .. ليس لصلاة الاستخارة قراءة مخصوصة من القرآن الكريم، وما استحسنه بعض أهل العلم في قراءة بعض السور مردود، لأن الاستحباب حكم شرعي يحتاج إلى دليل، وهو هاهنا مجرد استحسان بالعقل والرأي يفتقر إلى دليل، ولم يرد شيء من ذلك في السنة النبوية، وخير الهدي هدي رسول الله ﷺ ، وما ترك خيرًا إلا أرشدنا إليه. هل دعاء الاستخارة قبل السلام أم بعده ؟ دعاء الاستخارة يكون بعد السلام من الركعتين المخصوصتين، لقوله ﷺ : ((فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل .. ))

стр. 39

ففيه إشارتان: الأولى: ((ليركع ركعتين)) أي ليتم صلاتهما. الثانية: ((ثم ليقل)) فإن ((ثم)) تفيد التعقيب والتراخي، وفي هذا المقام تفيد الفعل مع المتابعة، وذهب بعض أهل العلم إلى أن الدعاء قبل السلام، لكن ما قدمنا من ظاهر الرواية يرد عليهم، والله أعلم. إذا نسي المستخير دعاء الاستخارة عقب الصلاة، ثم تذكر ذلك فماذا يفعل ؟ ينبغي أن يكون دعاء الاستخارة عقب الصلاة مباشرة، دونما فاصل، فإن نسي الدعاء وهو ما يزال جالسًا، ما لم ينصرف أو يحدث (١) فيدعو به، فإن قام وانصرف، فعليه إعادة الركعتين ثم الدعاء بعدها، إن شاء أن يأتي بالاستخارة على وجهها المشروع. ففي قوله ﷺ : ((ثم ليقل)) إفادة الترتيب والتعقيب. كما يستأنس لهذا بما رواه البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة، وتقول الملائكة: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه حتى ينصرف أو يحدث)) (٢). قال الشوكاني: ((قوله ((ثم ليقل)) فيه أنه لا يضر تأخر دعاء الاستخارة عن الصلاة ما لم يطل الفصل)) (٣).

стр. 40

هل يشرع دعاء الاستخارة بعد صلاة فرض ؟ في قوله ﵊ في حديث الاستخارة ((فليركع ركعتين من غير الفريضة)) دليل على أن الدعاء ينبغي أن يكون بعد صلاة نافلة لا فرض، وإلا لم يتحقق المقصود من سنة الاستخارة. فإن دعا به بعد فريضة، كان دعاؤه كأي دعاء آخر، ولا يكون والحال هذه قد أتى بسنة الاستخارة على الوجه المشروع، ولم يحقق الاتباع فيها، وإنما يكون قد أتى بدعاء ليس إلا. هل تشرع الاستخارة في صلاة نفل راتبة، أو ذات سبب ؟ لا شك أن إتيان المستخير بصلاة مستقلة، هو الأولى، وهو أدعى للقبول، وأقرب للاستجابة، وأبعد عن الخلاف. غير أن ظاهر الحديث يفيد جواز ذلك. قال النووي ﵀: ((قال العلماء: تستحب الاستخارة بالصلاة - أي مستقلة - والدعاء المذكور، وتكون الصلاة ركعتين من النافلة، والظاهر أنها تحصل بركعتين من السنن الرواتب، وبتحية المسجد وغيرها من النوافل)) (١). قلت: ولكن يشترط عقد نية الاستخارة قبل الشروع بالصلاة، ثم إن الحافظ اعترض على إطلاق النووي فقال: ((كذا أطلق وفيه نظر)) (٢).
следующие страницы →