← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 147912

ثلاث صلوات عظيمة مهجورة فأحيها يا عبد الله

عدنان العرعور

Полный текст (136 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وجمهور أهل العلم على أنها آخر ساعة، لقوله ﷺ : ((التمسوها آخر ساعة بعد العصر)) (١). وفسرت الصلاة بانتظار الصلاة. قلت: ولا يبعد أن تكون الصلاة هنا بمعناها اللغوي، وهو الدعاء، والله أعلم. ٥ - في حالة السفر. لقوله ﷺ : ((ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد على ولده، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم)) (٢). ٦ - ليلة القدر. لقوله تعالى: ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ [القدر ٣]. وقوله ﷺ : ((التمسوها في العشر الأواخر من رمضان)) رواه البخاري (١٩١٧) عن ابن عباس ومسلم (١١٦٥) عن عبد الله بن عمر ﵄. هل تجوز صلاة الاستخارة في أوقات النهي؟ وما هي تلك الأوقات ؟ الأصل: منع الصلاة النافلة في أوقات النهي، إلا أن العلماء تنازعوا في صلاة ذوات الأسباب (*)، في أوقات النهي. والصواب الذي عليه المحققون، جواز تلك الصلوات، كتحية المسجد، وسنة الوضوء، وصلاة الاستخارة، وبخاصة إذا ضاق عليه الوقت، أو كان مضطرًا.

стр. 37

وإن تَرَك الاستخارة في تلك الأوقات، كان ذلك أبعد عن مواطن الخلاف، وأرجى للاطمئنان، فقد قال ﷺ : ((دع ما يريبك إلى مالا يريبك)). (١) وأوقات النهي هي: ـ من بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وترتفع. ـ ووقت استوائها في كبد السماء حتى تميل. ـ وحين تصفر الشمس حتى تغرب. عن عقبة بن [عامر] ﵁ قال: ((ثلاث ساعات نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا، حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تضيَّف للغروب حتى تغرب)) (١). وعن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس)) (٢). هل هناك زمن محدد قبل الأمر المستخار له ؟ لا يوجد زمن محدد قبل الأمر المستخار له، وإنما عليه أن يستخير بعد الهم، وتبييت النية، والقصد له، وقبل البدء بالفعل، وذلك لقوله ﷺ : ((إذا هم أحدكم بالأمر)). فإن شرع في مقصوده، كأن خطب أو رأى مخطوبته، ثم تذكر الاستخارة، استحب له ذلك، ما لم يتم الأمر له. فإن فاتته الاستخارة، فليدع بخير أن يجعل الله تعالى له في الأمر الحاصل خيرًا، وأن يجنبه شره.

стр. 38

هل من دعاء مأثور بعد حصول المطلوب ؟ نعم؛ إذا كان عينًا، كزواج وشراء بيت، وامتلاك دابة، وما شابه ذلك .. فإنه يدعو بما جاء في الحديث .. قال ﵊: ((إذا اشترى أحدكم الجارية، فليقل: اللهمَّ إني أسألكَ خيرَها، وخيرَ ما جبلْتها عليه، وأعوذُ بكَ منْ شرِّها، وشرِّ ما جبلتها عليه، وليدعُ بالبركة، وإذا اشترى أحدكمْ بعيرًا، فليأخذ بذروةِ سنامه، وليدعُ بالبركةِ، وليقل مثل ذلك)) (١). وفي رواية: ((إذا تزوج أحدكم امرأة، أو اشترى خادمًا، فليأخذ بناصيتها وليسم الله ، وليدع بالبركة)). لذا يسن وضع اليد على مقدمة الشيء، ثم التسمية، والدعاء بالبركة، وبالدعاء المأثور، ثم قس على ذلك، كالسيارة وغيرها. هل لصلاة الاستخارة قراءة معينة ؟ لا .. ليس لصلاة الاستخارة قراءة مخصوصة من القرآن الكريم، وما استحسنه بعض أهل العلم في قراءة بعض السور مردود، لأن الاستحباب حكم شرعي يحتاج إلى دليل، وهو هاهنا مجرد استحسان بالعقل والرأي يفتقر إلى دليل، ولم يرد شيء من ذلك في السنة النبوية، وخير الهدي هدي رسول الله ﷺ ، وما ترك خيرًا إلا أرشدنا إليه. هل دعاء الاستخارة قبل السلام أم بعده ؟ دعاء الاستخارة يكون بعد السلام من الركعتين المخصوصتين، لقوله ﷺ : ((فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل .. ))

стр. 39

ففيه إشارتان: الأولى: ((ليركع ركعتين)) أي ليتم صلاتهما. الثانية: ((ثم ليقل)) فإن ((ثم)) تفيد التعقيب والتراخي، وفي هذا المقام تفيد الفعل مع المتابعة، وذهب بعض أهل العلم إلى أن الدعاء قبل السلام، لكن ما قدمنا من ظاهر الرواية يرد عليهم، والله أعلم. إذا نسي المستخير دعاء الاستخارة عقب الصلاة، ثم تذكر ذلك فماذا يفعل ؟ ينبغي أن يكون دعاء الاستخارة عقب الصلاة مباشرة، دونما فاصل، فإن نسي الدعاء وهو ما يزال جالسًا، ما لم ينصرف أو يحدث (١) فيدعو به، فإن قام وانصرف، فعليه إعادة الركعتين ثم الدعاء بعدها، إن شاء أن يأتي بالاستخارة على وجهها المشروع. ففي قوله ﷺ : ((ثم ليقل)) إفادة الترتيب والتعقيب. كما يستأنس لهذا بما رواه البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة، وتقول الملائكة: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه حتى ينصرف أو يحدث)) (٢). قال الشوكاني: ((قوله ((ثم ليقل)) فيه أنه لا يضر تأخر دعاء الاستخارة عن الصلاة ما لم يطل الفصل)) (٣).

стр. 40

هل يشرع دعاء الاستخارة بعد صلاة فرض ؟ في قوله ﵊ في حديث الاستخارة ((فليركع ركعتين من غير الفريضة)) دليل على أن الدعاء ينبغي أن يكون بعد صلاة نافلة لا فرض، وإلا لم يتحقق المقصود من سنة الاستخارة. فإن دعا به بعد فريضة، كان دعاؤه كأي دعاء آخر، ولا يكون والحال هذه قد أتى بسنة الاستخارة على الوجه المشروع، ولم يحقق الاتباع فيها، وإنما يكون قد أتى بدعاء ليس إلا. هل تشرع الاستخارة في صلاة نفل راتبة، أو ذات سبب ؟ لا شك أن إتيان المستخير بصلاة مستقلة، هو الأولى، وهو أدعى للقبول، وأقرب للاستجابة، وأبعد عن الخلاف. غير أن ظاهر الحديث يفيد جواز ذلك. قال النووي ﵀: ((قال العلماء: تستحب الاستخارة بالصلاة - أي مستقلة - والدعاء المذكور، وتكون الصلاة ركعتين من النافلة، والظاهر أنها تحصل بركعتين من السنن الرواتب، وبتحية المسجد وغيرها من النوافل)) (١). قلت: ولكن يشترط عقد نية الاستخارة قبل الشروع بالصلاة، ثم إن الحافظ اعترض على إطلاق النووي فقال: ((كذا أطلق وفيه نظر)) (٢).

стр. 41

قلت: والنظر، أن صلاة النافلة أنواع بحسب سبب مشروعيتها، فإن كانت ذات سبب مجرد، كتحية المسجد وسنة الوضوء، فينوي المستخير بها الاستخارة، فيحصل المقصود من ذات السبب، إذ المقصود من تحية المسجد عدم الجلوس قبل الصلاة، فيحصل هذا بأي صلاة .. سواء كانت صلاة فرض، أو نافلة راتبة، أو ضحى. وأما جمع الاستخارة مع الرواتب ففي النفس من ذلك شيء. قال العراقي: وإن نوى بالراتبة سنة الصلاة وسنة الاستخارة فيحتمل حصولهما، ويحتمل أن لا يحصل للتشريك)) (١) قلت: وأما في غير ذلك من النوافل، كالخسوف والاستسقاء، فلا نرى إجزاء ذلك، والله أعلم. إذا شرع العبد بصلاة، أو انتهى منها، ثم تذكر أن يستخير، فهل يجزئه ذلك ؟ الظاهر لمن شرع بالنافلة دون نية الاستخارة، ثم أراد أن يعقد النية وهو في الصلاة، أن هذا لا يجزئه، وعليه إتمام الصلاة، ثم استئناف صلاة جديدة، بنية معقودة للاستخارة، وذلك لقوله ﷺ : ((إذا هم أحدكم بالأمر)) ففيه دلالة واضحة على أن الهم وبالتالي النية لصلاة الاستخارة، إنما تكون قبل الشروع بالصلاة. قال العراقي: ((إنما أمَره ﷺ بذلك بعد حصول الهم بالأمر .. وقد يقال: إن لم

стр. 42

ينو بالركعتين الاستخارة بعدها، لم تحصل سنتها بذلك)) (١). وكذلك قال الحافظ في الفتح: ((ويبعد الإجزاء لمن عرض له الطلب بعد فراغ الصلاة، لأن ظاهر الخبر أن تقع الصلاة والدعاء بعد وجود إرادة الأمر)) (٢). قلت: فإن فعل ذلك، وعقد النية بعد الشروع بالصلاة، ثم دعا فلا حرج، إذ على أقل تقدير، تحسب له دعاء. لكنه لم يأت بسنة الاستخارة على وجهها المشروع، والأكمل. هل تجزيء الاستخارة بالدعاء دون الصلاة ؟ لا شك أن الأكمل أن يأتي المستخير بالصور الشرعية من الصلاة، ثم الدعاء، فإن اضطر العبد، أو ضاق به الوقت، فلم يقدر على أداء الركعتين، جاز له الدعاء بلا صلاة، على اعتباره دعاء. قال النووي: ((ولو تعذرت عليه الصلاة استخار بالدعاء)) (٣). ويكون الدعاء والحال هذه كأي دعاء حاجة آخر، حتى ولو كان الدعاء دعاء مخصوصًا بصلاة، فقد استسقى رسول الله ﷺ بدعاء دون صلاة، والمسنون الصلاة والدعاء. وينبغي للمسلم دائمًا، أن يأتي بالعبادة على وجهها الأكمل، وذلك

стр. 43

بعدًا عن الخلاف والريبة، وأدعى لاستجابة الدعاء، وقبول العبادة. وقد تكون ((الحكمة في تقديم الصلاة على الدعاء، أن المراد بالاستخارة، حصول الجمع بين خيري الدنيا والآخرة، فيحتاج إلى قرع باب الملك، ولا شيء لذلك أنجع ولا أنجح من الصلاة، لما فيها من تعظيم الله، والثناء عليه، والافتقار إليه، مآلاً وحالاً)) (١). هل يجب الالتزام بنص الدعاء ؟ نعم، يجب الالتزام بنص الدعاء المخصوص، ودعاء الاستخارة دعاء مخصوص. ففي الصحيحين: أن رسول الله ﷺ علَّم البراء بن عازب ﵁ دعاء الإيواء إلى الفراش، وفيه: ((آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت))، فلما أعاد البراء الدعاء للاستذكار، قال (( .. وبرسولك الذي أرسلت)). فقال ﷺ : ((لا، وبنبيك الذي أرسلت)). (٢) فدل هذا: على وجوب الالتزام بنص الدعاء في الأدعية المخصوصة، والله أعلم. قال النووي ((فإن ألفاظ الأذكار يحافظ على الثابت عن النبي ﷺ )) (٣). هل يلقن الدعاء من لا يحفظه أو يقرأه من كتاب .؟ لا نرى مانعًا من تلقين الدعاء من لا يحفظه، ليدعو به، أو قراءته من ورقة أو كتاب، لقوله تعالى ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ [البقرة ٢٨٦].

стр. 44

وقوله: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن ١٦]. وعلى المسلم، القادر على حفظ الدعاء، أن يحفظه لما في حفظه من خير عظيم، إذ قلما يمر بالمسلم زمن، إلا ويعرض له عارض، أو يهم بأمر، فيستخير بذلك ربه من حفظه. فربما كان في سفر، أو مكان، وليس بين يديه الدعاء، وهو مُقْدِمُ على أمر عظيم، فيخسر استخارة خالقه، ومن إلى الخير يرشده. ما حكم الاستخارة .. ؟ ظاهر الأمر من قوله ﷺ : ((فليركع ركعتين)) الوجوب، لكن أحداً من أهل العلم لم يقل بذلك، فيما نقل إلينا. قال العراقي: ((ولم أجد من قال بوجوب الاستخارة)) (١). ثم إن القول بالوجوب فيه من المشقة والحرج مالا يعلمه إلا الله، لأن الحديث عام في كل شيء يهم المسلم به. والمسلم يهم في اليوم بعشرات الأمور، من شراء وبيع، وذهاب وإياب، فإذا كانت الاستخارة واجبة، حصل من الإحراج والعنت، ما نص الشارع على رفعه عن المؤمنين، قال تعالى: ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج ٧٨] ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة ٢٨٦]. فليس من وسع الإنسان، إذا ما أراد أن يشتري أي حاجة، وأن يفعل أي أمر أن يجعل له ركعتين ودعاء، وهذا مما تعم به البلوى، ويقع فيها من الإحراج ما لا يقبله يسر الإسلام وسهولته. ولذلك اتفق العلماء على استحباب الاستخارة، والله أعلم. [قال الحافظ في الفتح (١١/ ١٨٥): ودل على عدم وجوب الاستخارة ما دل على عدم وجوب صلاة زائدة على الخمس. اهـ] [*]

стр. 45

وحسبُ تارك الاستخارة ما فاته من الخير العظيم، أن تَرَكَ الصلاة والدعاء، واستخارة ربه، والله الهادي إلى سواء السبيل. هل يسن رفع اليدين في دعاء الاستخارة ؟ الأصل في الأدعية، رفع الأيدي إلا ما ثبت عن الرسول ﷺ عدم الرفع فيه وذلك لعموم الأدلة. مثل قوله ﷺ : ((إن الله حيى كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين)) (١) هل يختم دعاء الاستخارة بشيء، أو يقدم بين يديه شيئاً من الحمدلة، أو الصلاة على النبي ﷺ -؟ أفاد شيخنا العلامة ابن باز، جواز ذلك، فيقدم المستخير بين يدي الدعاء، الحمد والثناء على الله تعالى بما هو أهله، ويختم بالصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وذلك لعموم الأدلة، التي تفيد تقديم الحمد والثناء على الله قبل الدعاء، وختمه بالصلاة والسلام على النبي ﷺ . وأبى ذلك شيخنا العلامة الألباني، فمنع ذلك، وذلك لأن دعاء الاستخارة دعاء مخصوص، على صورة مخصوصة، لا ينبغي للمسلم أن يضيف عليه شيئًا، تقديمًا كان ذلك أو ختمًا، والذي تميل إليه النفس، عدم إضافة شيء من ذلك، وذلك دفعًا للريبة، وخشية الوقوع في الابتداع، وخوفًا من التقديم بين يدي رسول الله ﷺ ، وحرصًا على التمسك بنص الدعاء، والله أعلم.

стр. 46

هل تشرع الاستخارة لأمرين في صلاة واحدة، ودعاء واحد ؟ إن كان هذان الأمران مرتبطين، ومتعلقاً كل واحد منهما بالآخر، فلا شك في جواز ذلك وشرعيته. كالزواج من فلانة مع قيمة المهر، وكالشراكة مع فلان مع قيمة المبلغ المشارك فيه، وكالسفر إلى بلد مع نوع الوسيلة. ومثاله أن يقول: اللهم إن كنت تعلم أن في سفري إلى بلاد كذا وكذا بالسيارة خير لي في ديني .. )). مثال آخر: ((اللهم إن كنت تعلم أن شراكتي مع زيد، وبمبلغ كذا، خير لي في ديني)). وأما إن كان الأمران مفترقين، ولا يتعلق أحدهما بالآخر، فقد أفتى شيخنا العلامة ابن باز، بجواز ذلك، وقال: لانرى مانعًا. وأبى ذلك شيخنا العلامة الألباني، وقال: لا نرى ذلك، ولعل دليله: قوله ﷺ : ((إذا هم أحدكم بالأمر .. )). والذي تميل إليه النفس، ويطمئن إليه القلب، أن يكون لكل أمر استخارة خاصة به، فإن كان مضطرًا، أو لا يكفيه الوقت، فأرجو أن لا يكون بذلك بأس إن شاء الله تعالى، فإن فعله بلا عذر، فأرجو أن يجزئه، وقد ترك الأفضل والأكمل، والله أعلم. إذا كان القلب مائلاً إلى الشيء قبل الاستخارة، فهل يستخير المرء؟ وما فائدة الاستخارة والحال هذه ؟ نعم يستخير المسلم، سواء كان قلبه مائلاً إلى الشيء المستخار له، أو لم يكن مائلاً إليه.

стр. 47

لأن الاستخارة هي طلب التيسير من الله لهذا الأمر، أو صرفه عنه بعلمه وقدرته، فييسرها بأسباب، ويصرفها بأخرى، سواء أدركنا هذه الأسباب، أم لم ندركها. وليست الاستخارة لانشراح الصدر أو عدمه، وهذا أمر ما يزال غامضًا عندكثير من المسلمين. وفائدة ذلك واضحة: وهي أن الإنسان ربما ينشرح صدره للشيء، ويظن أن فيه الخير كله، وليس فيه إلا مضرته، والعكس صحيح، لأن الإنسان طبع على إدراك ظاهر الأمور، وخفي عليه غيبها، ولذلك شرع الله له هذه الاستخارة، لييسر له من الخير ما لم يعلمه، ويصرف عنه من الشر ما لم يعلمه، ثم يهبه الرضى والاطمئنان بما قدّره، إن كان مؤمنًا صادقًا، مهما كان هذا الأمر في ظاهره لا يرضيه. هل يوفق المستخير يقيناً ؟ لا شك أن الاستخارة بمنزلة الدعاء، ومن الأدعية ما يستجاب، ومنها مالا يستجاب. وقد تكون عدم الاستجابة لمانع من المستخير، كما سبقت الإشارة إليه، فعلى المسلم تجنب موانع استجابة الدعاء، والإلتزام بأحكام الدعاء وآدابه، كيما يستجيب الله دعاءك، ويسّهل لك أمرك، فقد يكون الأمر المستخار فيه، مرتبطًا بك، لا ينفك عنك طوال عمرك، فتخسر التوفيق والسداد. وقد تكون عدم الاستجابة، لأمر يريده الله سبحانه في تكفير ذنوب أو ابتلاء، فما على العبد العاقل، إلا الصبر والرضى بقضاء الله في جميع الأحوال.

стр. 48

[قال رسول الله ﷺ : ((ما من على الأرض مسلم يدعو بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم ... )) الحديث (١)] [*] هل يمكن للمستخير أن يعرف أنه وفق أم لا ؟ كثيرٌ من الناس يشْكون: إنهم استخاروا ولكن.! وغفلوا عن أن التوفيق الأكبر، والنعمة العظمى هي: توفيق الله لعبده، بقيامه بهذه الاستخارة، التي فيها ما ذكرنا من الفوائد التعبدية، والرضا بقدر الله تعالى، والتسليم لقضائه، وبخاصة بعد الاستخارة، وعدم الاستكانة للتفكير والهم، وكثرة التردد، الذي يعطل قدرة العبد، ويسلمها للأوهام المهلكة، والعجز المقعد، وهذا من أعظم التوفيق، وأكبر من تحصيل العبد لمصلحة دنيوية، أو منفعة شخصية. أما فيما يخص الأمر المستخار فيه نفسه: فحقيقة الأمر لا يمكن معرفتها. وذلك لأن العبد قد يظن أنه لم يوفق، بناء على ظاهر الأمر، ولكن حقيقته قد تكون التوفيق كله، لأن نظر الإنسان غالبًا ما يكون قاصرًا على الأمور الظاهرة، غافلاً عن حقيقة الأمر وغيبه، قال تعالى ﴿يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا﴾ [الروم ٧]. فليس كل عطاء يكون ظاهره خيرًا يكون في باطنه كذلك، وليس كل حرمان هو شرًا في حقيقته. قال ابن القيم في الفوائد (١٧٤): ((وكذلك الأب الشفيق على ولده العالم بمصلحته، إذا رأى مصلحته في إخراج الدم الفاسد عنه، بَضَعَ جلده (٢) وقطع عروقه، وأذاقه الألم الشديد، وإن رأى شفاءه في قطع عضو من أعضائه أبانه عنه (٣)، كلُّ

стр. 49

ذلك رحمةً به وشفقة عليه، وإن رأى مصلحته في أن يمسك عنه العطاء لم يُعْطِهِ ولم يوسع عليه، لعلمِهِ أن ذلك أكبر الأسباب إلى فساده وهلاكه، وكذلك يمنعه كثيرًا من شهواته، حمية له، ومصلحة لا بخلاً عليه. فأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأعلم العالمين، الذي هو أرحم بعباده منهم بأنفسهم، ومن آبائهم وأمهاتهم، إذا أنزل بهم ما يكرهون كان خيرًا لهم من أن لا ينزله بهم، نظرًا منه لهم، وإحسانًا إليهم، ولطفًا بهم، ولو مكنوا من الاختيار لأنفسهم لَعَجزوا عن القيام بمصالحهم، علمًا وإرادة وعملاً، لكنه سبحانه تولى تدبير أمورهم، بموجب علمه وحكمته ورحمته، أحبوا أم كرهوا، فعرف ذلك الموقنون بأسمائه وصفاته، فلم يتهموه في شيء من أحكامه، وخفي ذلك على الجهال به وبأسمائه وصفاته، فنازعوه تدبيره، وقدحوا في حكمته، ولم ينقادوا لحكمه، وعارضوا حكمه بعقولهم الفاسدة، وآرائهم الباطلة، وسياساتهم الجائرة، فلا لربهم عرفوا، ولا لمصالحهم حَصَّلوا، والله الموفق. ومتى ظفر العبدُ بهذه المعرفة، سكن في الدنيا قبل الآخرة في جنة لا يشبه نعيمها إلا نعيم جنة الآخرة، فإنه لا يزال راضيًا عن ربه، والرضا جنة الدنيا، ومستراح العارفين، فإنه طَيِّبُ النفس بما يجري عليها من المقادير، التي هي عين اختيار الله له، وطمأنينتها إلى أحكامه الدينية، وهذا هو الرضا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولاً ﷺ ، وما ذاق طعم الإيمان من لم يحصل له ذلك)). ﴿وعسىأن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ [البقرة ٢١٦] ﴿ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض﴾ [الشورى ٢٧]. فقد يستخير المرء لتجارة، ثم يخسر فيها، فيظن أنه لم يوفق،

стр. 50

ولربما لو لم يستخر، لكان هناك مشكلات أكثر، ومصائب أعظم، فصرف الله عنه تلك التي لم يعلمها، وقدر له ما ظهر له من الخسارة. وقد يستخير العبد لزواج، ثم يظهر له أنه لم يوفق فيه، بل ربما يطلق، أو تُطلَّق، رغم الاستخارة. ولربما لولم يستخر، أو تستخر، لكان هناك من البلايا والرزايا ما دفعها الله بفضله ورحمته، أن استجاب دعاء الاستخارة. قال ابن الجوزي ((فإياك أن تسأل شيئاً إلا وتقرنه بسؤال الخيرة، فرب مطلوب من الدنيا كان حصوله سبباً للهلاك، وإذا كنت قد أمرت بالمشاروة في أمور الدنيا لجليسك، ليبين لك في بعض الآراء ما يعجز رأيك وترى أن ما وقع لك لا يصلح، فكيف لا تسأل الخير ربك وهو أعلم بالمصالح، والاستخارة من حسن المشاورة.)) (١) ويحكى أن رجلا استخار في تجارة، فخسر ماله، فاستغرب ذلك، فقيل له: إن في مالك حرامًا أذهبه الله عنك باستخارتك له، عوضًا عن محاسبتك به يوم القيامة. ويحكى أن رجلاً طلب الجهاد، فلم يوفق له، فحزن حزنًا شديدًا فقيل له: لو أنك جاهدت لأسرت، ولو أسرت لكفرت. ويحكى أن امرأة استخارت في زواج، وبعد الزواج طُلقت، فاستنكرت ذلك، فقيل لها: لو لم تستخيري لتزوجت رجلاً كان سببًا في وقوعك في الفواحش، أو قتل نفسك. قال ابن القيم في الفوائد (١٧٢): ((وكذلك يكره المرأة لوصف من أوصافها، وله في إمساكها خير كثير لا يعرفه، ويحب المرأة لوصف من أوصافها، وله في إمساكها شرٌّ كثير لا يعرفه، فالإنسان كما وصفه خالقه ظَلومٌ جهولٌ، فلا ينبغي أن يجعل المعيار على ما يضرّه وينفعه ميله وحبَّه ونَفْرته وبُغضه، بل المعيار على ذلك ما اختاره الله له بأمره ونهيه. فأنفعُ الأشياء له على الإطلاق طاعة ربه بظاهره وباطنه، وأضرُّ الأشياء عليه على الإطلاق معصيته بظاهره وباطنه)). واحذر يا عبد الله من القنوط من رحمة الله، واليأس من استجابة

стр. 51

الدعاء، وعدم الرضا بقضاء الله، فإنه ينافي كمال التوحيد، ويخدش تمام الإيمان. وإياك أن تستبطئ الإجابة، فتقول: دعوت فلم يستجب لي، فلا يستجاب إذن لك، لأنه اعتراض على قدرة الله، وتقديم بين يديه سبحانه، وقد سبق الحديث ((يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول: دعوت ربي فلم يستجب لي)) وربما كان له في ذلك تكفير لذنوبه، وتطهير لنفسه، وفي هذا من الخير مالا يعلمه إلا الله سبحانه. خلاصة الأمر: أن الأمر لا يعرف حقيقته إلا الله تعالى، وأن تدبير الخالق لخلقه خير لهم من تدبيرهم لأنفسهم، وتقديره خير لهم من ظنهم، وعلى العبد إحسان الظن بالله تعالى، وصدق اليقين به، والتسليم لأحكامه، وتوطين النفس على الصبر على قدره، والرضا بقضائه، وأنه سبحانه، لا يقدر لعبده المؤمن إلا الخير، فإن بلغ هذه الدرجة من الإيمان، كان أنفع له من كل غرض دنيوي، ومقصد مادي. فعن صهيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له)) (١).

стр. 52

[وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((عجبت للمؤمن، إن الله تعالى لم يقض له قضاءً إلا كان خيرًا له)) (١).] [*] قال ابن الجوزي: ((فإذا جاء إبليس فقال: كم تدعوه ولا ترى إجابة؟ فقل: أنا أتعبد بالدعاء، وأنا موقن أن الجواب حاصل، غير أنه ربما كان تأخيره لبعض المصالح علي مناسب، ولو لم يحصل حصل التعبد والذل)) (٢) الذي هو أعظم منفعة، من تحقيق الغرض الدنيوي. وليس هناك من محظور، إذا ما شعر العبد أن دعاءه لا يستجاب، وأن أعماله لا توفق، أن يراجع أعماله، ويحاسب نفسه، ويستقيم في دينه، ويكثر من طاعة ربه، بل هذا هو الخليق بالمؤمن، والجدير به، فقد يكون هناك موانع لاستجابة الدعاء، يفعلها العبد من غير علم أو قصد، كأن يكون غافلاً عن ربه، ضعيف اليقين به، أو يكون في طعامه حرام، وفي دخله شبهة، أو لظلم يفعله، أو لذنب يرتكبه، فليراجع العبد نفسه، وليتفقد أحواله، فإن في ذلك خيرًا عظيمًا، لنفسه وعاقبته، فإن المعاصي سد في بلوغ الأرب، والغفلة حجاب أمام استجابة الدعاء والطلب. قال ابن الجوزي ((فإذا تبت ودعوت ولم تر للإجابة أثراً فتفقد أمرك، فربما كانت التوبة ما صحت، فصححها ثم ادع ولا تمل من الدعاء، فربما كانت المصلحة في تأخير الإجابة، وربما لم تكن المصلحة في الإجابة، فأنت تثاب وتجاب إلى منافعك، ومن منافعك أن لا تعطى ما طلبت بل تعوض غيره)) (٣). فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل، قيل يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجيب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء)). (٤) هل يستشير المستخير أحدًا .. ومتى؟ وما فائدة الاستشارة مع الاستخارة ؟ نعم يستشير المستخير من علم منهم صلاحًا، وسدادًا في الرأي ونصحًا، وسواء كانت الاستشارة قبل الاستخارة، أم بعدها، فلا فرق، وقديمًا قيل: ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار. فالاستخارة لله، والاستشارة للعباد. والاستخارة عمل إيماني، والاستشارة عمل سببي، ولا تعارض بينهما،

стр. 53

تماماً كالتوكل على الله بالقلب، ومباشرة الأسباب بالجوارح، التي خلقها الله للوصول إلى الغايات، وهذا هو المشروع في دين الإسلام، أما ترك الأسباب، فهو التواكل الذي يأباه الإسلام، وأما الاعتماد عليها دون الله ، فهو المسمى بشرك بالأسباب. قال تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين﴾ [آل عمران: ١٥٩]. فجمع الله تعالى - في آية واحدة - بين اتخاذ الأسباب، وهي المشورة، ووجوب التوكل على الله تعالى، الذي هو عمل إيماني، وصفة كمال من صفات المؤمنين. وهذا من فضل الله علينا، في عظمة هذا الإسلام، أن جمع بين الإيمان والعمل، ووازن بين الروح والمادة. وفي الحديث المشهور: أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن دابته أيعقلها ويتوكل؟ أو يطْلقها ويتوكل؟ فكان هذا الجواب الكامل، والكلم الجامع، والبيان الرائع: ((اعقلها وتوكل)) (١). وكان من سيرته ﷺ مشاورة أصحابه، بل ونسائه أحيانًا، فشاورهم في أحد، وشاورهم في الخندق، وشاورهم في أسارى بدر، وفي كثير من الأمور. وأثر عن سلفنا الصالح قولهم للعاطلين عن العمل: ((إن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة)). والناس في الاستشارة:

стр. 54

كما قال معن بن زائدة: ((إنما نعيش بعقل غيرنا)). وقال بعضهم: الناس ثلاثة: فواحد كالغذاء لا يستغنى عنه. وواحد: كالدواء، يحتاج إليه في بعض الأوقات. وواحد: كالداء لا يحتاج إليه أبدًا. هل هناك طرق للاستخارة غير هذا ؟ لا يوجد طريقة شرعية للاستخارة غير ما ذكرنا، من الصلاة والدعاء. إذن ما حكم هذه الاستخارات التي يفعلها الناس؟ ما يفعله كثير من الناس غير الاستخارة الشرعية، إنما هو من محدثات الأمور، عدا عن أنها كانت سببًا في الإِعراض عن الاستخارة الشرعية، وقمين أن لا يستجاب لصاحبها إلا أن يشاء الله تعالى، الأمر الذي يؤدي به إلى ضعف إيمانه، وشكه في قدرة ربه، وسوء ظنه بالله سبحانه. قال ﷺ : ((إياكم ومحدثات الأمور)) (١). وصدق ابن عباس: ((ما من بدعة تحيا إلا وسنة تموت)) (٢) ٢). ومن الاستخارات البدعية: ١ - فتح المصحف، فإن وقف على آية عذاب لم يفعل، وإن وقف على آية رحمة فعل. ٢ - ومنهم من يذهب إلى شيخ ليُبيّت له استخارة، فيخبره الشيخ في اليوم التالي، بما يفعل أو يذر، بناء على منام يراه، أو رأي ارتآه، أو تدجيل دجّله.

стр. 55

٣ - ومنهم من يستخير بالسبحة ((المسبحة)) فإن كان نهاية عده وترًا (فردًا) مضى في فعله، وإن كان نهاية عده شفعًا (زوجًا) لم يفعل، أو عكس ذلك. ومنهم من يستخير بقطف وريقات الزهرة وهو يقول: أفعل .. لا أفعل، فإن انتهت آخر وريقة مع (أفعل) فعل، وإذا انتهت مع (لا أفعل) ترك! ٤ - ومنهم من يستخير بالألوان والطيور، والأصوات، والكلمات، أو الأمكنة، والأزمنة والأيام. وغير ذلك من الاستخارات البدعية التي ما أنزل الله بها من سلطان. ٥ - وأعظم من هذا كله أن يستخير المسلم عند الكهان، والسحرة والعرافين. واعلم أن كل صفة من صفات الاستخارة غير الصفة المشروعة إنما هي بدعة محدثة محرمة. قال تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ [الشورى ٢١]. واحذر - يا عبد الله - أن تشرع لنفسك ما لم يأذن الله به، أو يفعله رسول الله، فتفسد عملك، وتبطل أجرك. واعلم أن أخطر هذه الأنواع الأخيران منها. أما الرابع: فإنه ضرب من ضروب التشاؤم، الذي هو باب من أبواب الشرك والعياذ بالله، وهو تعليق المستخير أمره بغير الله، وبغير قضاء الله وقدره، وهو عمل من أعمال الشرك والشيطان، الذي كان يتعاطاه أهل الجاهلية الأولى دينًا لهم. قال ﷺ : ((ليس منا من تَطَيّر أو تُطيِّر له، أو تَكهَّن أو تُكهِّن له، أو تَسحّر أو تُسحِّر له)) (١).

стр. 56

وقال ﷺ : ((الطِيرَةُ شرك)). (١) أي: التشاؤم شرك وهو تعليق الأحداث بغير الله كالألوان والطيور وما شابه ذلك. وقال ((من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك)). (٢) وأما الأخير منها، وهو الاستخارة بالعرافة والتكهن، فهو شرك بالله العظيم، وكفر بشرعه القويم، فالغيب لا يعلمه إلا الله، ومن ادعى علم الغيب لنفسه، أو لغيره، ارتد عن الإسلام يستتاب وإلا قتل. فإنه بفعله هذا، قد حادَّ الله تعالى، وزعم - افتراءً وكذبًا - أن أحدًا من خلقه يشاركه في علم الغيب. قال ﷺ ((من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد)) (٣). وقال ﷺ : ((من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة)) (٤). وقال ﷺ : ((من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول، أو أتى امرأة حائضًا، أو أتى امرأة في دبرها، فقد كفر بما أنزل على محمد)) (٥). فسارع يا عبد الله إلى التوبة والإنابة، فإن صدق هؤلاء الكهنة والعرافون مرة، فقد كذبوا مائة مرة. واعلم - رحمك الله - أن بعض صور الاستخارة عند بعض الناس كالأزلام التي كان يتعاطاها أهل الجاهلية، والتي هي ضرب من ضروب الاستخارة التي حرمها الإسلام أشد تحريم، وقرنها

стр. 57

الله تعالى مع الخمر والقمار فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ [المائدة ٩٠] هل تشرع الاستخارة عن الغير ؟ كنت أعرضت عن ذكر هذا السؤال والجواب عنه، وذلك لأن الإجابة تحتاج إلى اجتهاد ... ثم عزمت على الإجابة لإلحاح الإخوة على ذلك ... فأقول: الأصل أن لا تشرع الاستخارة عن الغير لقوله ﷺ : ((إذا هم أحدكم)) فالأمر منوط بصاحبه: لكن؛ إذا كان العمل مشتركاً، أو للمرء علاقة - ولو بعيدة - به، كزواج ابن أو ابنة، أو كان الأمر - يخص من هو دون التكليف، كإجراء عملية جراحية لطفل أو سفره، أو ما يتعلق بأموره، فالراجح مشروعيتها في مثل هذه الأحوال، وذلك لأن الأمر وإن كان خاصاً بغيره كالطفل، لكن له علاقة كبيرة بالوالد، إذ أن فشل العملية يعني بالضرورة زيادة مشاق على الوالد .. وكذلك فشل الابن في الزواج، يسبب مشكلات للوالد .. وهكذا؛ فإن أصبت فمن الله وحده، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان .. والله وحده ولي التوفيق.

стр. 58

تحقيق الأحاديث التي وردت في الاستخارة [الحديث الأول]: ((من سعادة ابن آدم استخارته لله، ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله، ومن شقوة ابن آدم تركه استخارة الله، ومن شقوة ابن آدم سخطه بما قضى الله ). ـ قلت الحديث حسن لغبره. رواه أحمد (١/ ١٦٨) والترمذي (٢١٥١) والحاكم (١/ ٥١٨) والبزار (١١٧٧ - ١١٧٨) والخطيب في (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع) (١٧١٤) وابن عساكر (١٦/ ٢٣٢/ ١) والبيهقي في الشعب (٢٠٣) والذهبي في تذكرة الحفاظ ٣/ ١١٧٠ / (١٠٢٤) - وعزاه في الترغيب للأصبهاني وأبي الشيخ بن حيان في الثواب - كلهم من طريق محمد بن أبي حميد عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: ... فذكره قال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وحسنه الحافظ في الفتح، وكذا الألوسي، وليس الأمر كذلك، فإن فيه محمدًا بن أبي حميد، قال الذهبي نفسه ((ضعفوه))، وقال ابن عدي ((ضعفه بيّن على ما يرويه، وحديثه مقارب، وهو مع ضعفه يكتب حديثه))، أي للاستشهاد والمتابعة. [قلت: وقد تابع محمد بن أبي حميد عبد الرحمن بن أبي بكر قال البزار: ((رواه عن إسماعيل محمد بن أبي حميد وعبد الرحمن بن أبي بكر، فأما حديث عبد الرحمن بن أبي بكر فحدثناه محمد بن المثنى قال نا عمر بن علي قال نا عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد الله رجل من قريش عن إسماعيل بن محمد .. )) ثم ذكر الحديث، بإسناده ثم قال: وعبد الرحمن بن أبي بكر هذا لين الحديث)) وقد رواه من هذه الطريق أيضًا اللالكائي في (اعتقاد أهل السنة) (١١٠٣) وأبو يعلى (٧٠١) وعبد الرحمن هذا: هو ابن عبيد الله بن أبي مليكة، ضعفوه، وقال ابن عدي: ((هو في جملة من يكتب حديثه)) أي للمتابعة. فالحديث يرتقي بهذه المتابعة إلى درجة الحسن لولا أن الراوي عن عبد الرحمن عمر بن علي بن عطاء بن مقدم - يدلس تدليسًا شديدًا، قال ابن سعد: ((كان ثقة، وكان يدلس تدليساً شديدًا، يقول: سمعت وحدثنا ثم يسكت فيقول: هشام بن عروة والأعمش)) وقال أبو حاتم: ((محله الصدق، ولولا تدليسه لحكمنا له إذا جاء بزيادة، غير أنا نخاف أن يكون أخذه عن غير ثقة)) اهـ قلت: ومما يؤيد كلام هذين الإمامين هنا: أنه قد جاء في إسناد أبي يعلى: (( .. حدثنا عمر بن علي بن عطاء بن مقدم عن عبد الرحمن ... )) فعنعنه، بل وأصرح منه في التدليس المذكور ما جاء في إسناد اللالكائي: (( ... ثنا عمرو بن علي قال: ثنا عمر بن علي بن مقدم قال: عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبيد الله يذكر عن إسماعيل بن محمد ... .)) ولذلك لا تصلح هذه الطريق لتقوية الطريق الأولى لكن للحديث طريق ثالثة، أخرجها الشاشي في مسنده (١٨٥) من طريق عبد الله بن يعقوب المدني نا عتيق بن يعقوب بن أبي فديك عن سعد بن أبي وقاص (كذا) عن أبيه عن سعد عن النبي ﷺ ... )) ولكن هذا الإسناد لا يعتمد عليه إذ جاء في المخطوط فوق كل كلمتين من الإسناد ضبَّة كما نبه على ذلك محققه، وهذا يعني أن في الإسناد إشكالاً ما. وعبد الله بن يعقوب: مجهول الحال، كما في التقريب. قال ابن القطان: ((عبد الله بن يعقوب المدني: أجهدت نفسي في معرفته فلم أجد أحدًا ذكره)) نصب الراية ٣/ ١٧ ... قال البزار: لا نعلمه بهذا اللفظ إلا عن سعد، ولا رواه عنه إلا ابنه محمد. قلت: وللحديث شاهد من طريق عبد الرحمن بن أبي بكر عن عامر بن سعد. أخرجه البزار (١٠٩٧) قال: حدثنا محمد بن السكن نا عمران بن أبان الواسطي نا عبد الرحمن بن أبي بكر عن محمد بن المنكدر عن عامر بن سعد عن سعد قال قال رسول الله ﷺ ... وذكر نحوه. وعبد الرحمن بن أبي بكر ضعيف كما سبق. وعمران بن أبان ضعيف أيضًا كما في التقريب. ومحمد بن السكن لعله محمد بن سُكين مؤذن بني شقرة، الراوي عن عبيد الله بن بكير، ترجمه العقيلي في الضعفاء (٤/ ٨٠ - ٨١) وابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) (٧/ ٢٨٣) وقال: سمعت أبي يقول: هو مجهول. اهـ وترجمه الذهبي في الميزان (٥٦٧) وقال: لا يعرف وذكره ابن حبان في الثقات وقال روى عنه أهل العراق. وانظر لسان الميزان (٥/ ١٨١) والمغني (٢/ ٥٨٦). فبهذا يكون مدار الحديث على ثلاثة محمد بن أبي حميد وهو ضعيف، وعبد الرحمن بن أبي بكر وهو ضعيف، ومحمد بن إسماعيل بن مسلم وهو صدوق. فهذه ثلاثة طرق يعضد بعضها بعضًا. وأما عمر بن علي المديني: فقد توبع من عمران بن أبان، فالحديث يقارب الحسن والله أعلم. والحديث ضعفه شيخنا في ضعيف الترغيب والضعيفة (١٩٠٦) من الطريق الأولى فقط، ولم يتعرض لبقية الطرق! ] [*]

стр. 59

[تنبيه: ١ - عزا المنذري في الترغيب (١/ ٤٧٩) والهيثمي في المجمع (٢/ ٢٨٤) الحديث لأبي يعلى وضعفاه بمحمد بن أبي حميد! وقد علمت أنه رواه من غير طريقه! ٢ - لم يعز المنذري لأحمد وأبي يعلى إلا الجملة الأولى، والحديث عندهما بتمامه، فجلّ من لا يسهو.] [*] [الحديث الثاني: ] ((ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار، ولا عال من اقتصد)). ـ الحديث ضعيف جدًّا. رواه الطبراني في الأوسط (٦٦٢٧) والصغير (٢/ ١٧٥) والقضاعي (٢/ ٧) من طريق عبد القدوس بن عبد السلام بن عبد القدوس عن أبيه عن جده عن الحسن عن أنس مرفوعاً. وعبد القدوس الحفيد: متهم، قاله ابن حبان. وعبد القدوس الجد: كان يضع الحديث على الثقات، لا يحل كتابة حديثه، قاله ابن حبان أيضًا (١). ولذلك حكم شيخنا الألباني في السلسلة (٦١١) بوضعه، ومن قبله الحافظ في الفتح (١١/ ١٨٤) قال: إسناده واه جدًّا. ثم وقفت على طريق آخر، عند الخطيب في تاريخه (٣/ ٥٤) من غير طريق هذا الكذاب، ولكنها لا تفيد شيئًا ففيها مجاهيل. الحديث الثالث: ((اللهم خر لي واختر لي)) - ضعيف. رواه الترمذي (٥/ ٥٣٥) رقم (٣٥١١) وضعفه،

стр. 60

والمروزي في سنن أبي بكر رقم (٤٤)، وابن السني في عمل اليوم والليلة برقم (٥٩٧)، وأبو يعلى (١/ ٤٦)، وابن عدي (٣/ ٢٣٦)، كلهم من طريق زنفل على وزن أحمد. قال في التقريب: ضعيف، ولذا ضعف الحديث في الفتح.

стр. 61

[الحديث الرابع: ((اكتم الخطبة، ثم توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلِّ ما كتب الله لك، ثم احمد ربك ومجِّده ثم قل: اللهم إنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، فإن رأيت لي في فلانة - سمِّها باسمها - خيرًا في دنياي وآخرتي فاقض لي بها، أوقال: فاقدر ها لي)) ضعيف: أخرجه أحمد (٢٣٦٤٤، ٢٣٦٤٥) وابن خزيمة (١٢٢٠) وابن حبان من طريقه (٤٠٤٠) والحاكم (١١٨١، ٢٦٩٨) والبيهقي (٧/ ١٤٧) والطبراني (٣٩٠١) وفي الدعاء (١٣٠٧) كلهم من طريق ابن وهب: أخبرني حيوة بن شريح عن الوليد بن أبي الوليد أن أيوب بن خالد بن أبي أيوب حدثه عن أبيه عن جده أبي أيوب الأنصاري مرفوعاً به. قال شيخنا الألباني ﵀: ((خالد بن أيوب: أورده ابن أبي حاتم (١/ ٢/ ٣٢٢) بهذا السند، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلًا، فهو مجهول العين، وأما ابن حبان فوثقه (٤/ ١٩٨)! وابنه أيوب بن خالد: قال الحافظ ((فيه لين))، والوليد بن أبي الوليد - وهو أبو عثمان المدني - وثقه أبو زرعة كما في ((الجرح والتعديل)) (٤/ ٢ / ٢٠) وقال الحافظ (لين الحديث))) اهـ من الضعيفة ٦/ ٤٠٩ وبوجود هؤلاء الرواة الثلاثة تعلم صواب تضعيف شيخنا الألباني للحديث، وأن قول الحافظ في الفتوحات الربانية ... (٣/ ٢٤٦): ((هذا حديث حسن من هذا الوجه)) ليس بحسن، وكذلك تصحيح الحاكم وموافقة الذهبي له، والله أعلم. الحديث الخامس: ضعيف جدًا ((يا أنس إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات، ثم انظر إلى الذي يسبق إلى قلبك، فإن الخير فيه)) رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٥٩٨) والديلمي في الفردوس (٨٤٥١) من طريق إبراهيم بن البراء بن النضر بن أنس بن مالك ثنا أبي عن أبيه عن جده قال قال رسول الله ﷺ : ... فذكره. قال المناري في فيض القدير ١/ ٤٥٠: ((وفيه إبراهيم بن البراء، قال الذهبي في الضعفاء (١): اتهموه بالوضع، عن أبيه، وهو ضعيف)) وقال النووي في الأذكار (٢): ((إسناده غريب فيه من لم أعرفهم)) وقال ابن حجر في الفتح (٣) - بعد عزوه لابن السني -: ((هذا الحديث لو ثبت كان هو المعتمد لكن إسناده واهٍ جدًا)) اهـ قلت: وقال العراقي: ((الحديث ساقط لاحجة فيه)) (٤). وقال السيوطي في ((تحفة الأبرار)) (٣٧ / أ - ب) تعقيبًا على قول النووي: هم معروفون لكن فيهم من هو معروف بالضعف الشديد، وهو إبراهيم بن البراء، فقد ذكره في الضعفاء ابن عدي وابن حبان وغيرهم، وقالوا إنه كان يحدث بالبواطل عن الثقات، زاد ابن حبان: لا يحل ذكره إلا سبيل القدح، قال الحافظ ابن حجر: والراوي عنه في هذا السند عبيد الله بن الموصيل الحميري، لم أقف له على ترجمة، والراوي عنه عبيد الله أبو العباس بن قتيبة اسمه محمد بن الحسن وهو ابن أخي بكار بن قتيبة قاضي مصر، وكان ثقة، أكثر عنه ابن حبان في صحيحه)). اهـ. فالحديث ضعيف جدًا، والله أعلم.] [*] الخلاصة: إذا هم العبد بأمر، أو عرض له عارض من أمور الدنيا، أو نوى مستحبًا أو واجبًا مخيرًا فيها، أو تعارض عنده واجبان، أو مستحبان، أيهما يفعل، أو أيهما يقدم، فيصلي ركعتين بنية الاستخارة لهذا الأمر، ثم يدعو بعد الصلاة بالدعاء المذكور. ((اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر [ثم يسميه] خير لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري، عاجله وآجله، فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه. وإن كنت تعلم أن هذا الأمر [يذكر الأمر ويسميه] شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، عاجله وآجله، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به)). ثم يشاور من عرف منهم صلاح الدين، وسداد الرأي، ثم يعزم على أي وجه شاء، من غير نظر إلى انشراح صدر، أو ضيق نفس أو رؤية منام، ثم يتوكل على الله حق توكله، ثم يفعل ما بدا له أن يفعله، ثم يرضى بما قُدر له، مهما كان هذا المقدر في ظاهره لا يرضيه، فلربما إن لم يستخر، كانت المصائب أعظم، والرزايا أكبر، وعلى الله قصد السبيل، وهو الهادي سواءه، إنه نعم المستخار، ونعم المستعان، ونعم النصير. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 62

الصلاة الثانية صلاة التوبة

стр. 63

[بين يدي الصلاة] لما كان العبد ضعيف الإرادة .. ((وخلق الإنسان ضعيفاً))، كثير الغفلة .. تنتابه شرور الشياطين .. ويتصف أحيانًا بأخلاق الملائكة المطهرين .. تارة يكبو حتى تراه كأنه شيطان، لا يعرف حرامًا ولاحلالا .. يهيم على وجهه في الظلمات .. ينطلق مستجيبًا لغرائزه .. عابداً لشهواته .. ينقض على المعصية انقضاض الوحش الكاسر على فريسته، لا يرعى حرمة ولا عرضًا، ولا خلقًا ولا شرفًا، كأن لا رب يراقبه، ولا خالق سيحاسبه، ولا عذاب أمامه، قد أمن مكر الله وعقابه. ﴿أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون﴾ [الأعراف ٩٩]. فما أجهل هذا الإنسان وما أغفله؟ ﴿وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً﴾ [الأحزاب ٧٢]. وتارة يصحو .. حتى يخيل إليك أنه من الملائكة المقربين، يحافظ على صلاته، يداوم على طاعة ربه، يفرق بين حلاله وحرامه، يحسب ألف حساب، ﴿ليوم تشخص فيه الأبصار، مهطعين مقنعي رؤوسهم لايرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء﴾ [إبراهيم ٤٣]. كيف لا يحسب لهذا اليوم ألف حساب، ولا يرتعد من هوله عند ذكره .. ففيه يقرّن المجرمون بالأصفاد ... وثيابهم قد قطعت من نار، وفصلت من قطران، وتغطيهم النار من كل مكان. ولما كان الله سبحانه رحيمًا بعباده، رؤوفًا بخلقه، مطلعًا على أفعالهم، عالمًا بضعفهم، وزلات أنفسهم ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ [الملك ١٤] يحب لهم الاستقامة والرشاد، ويكره لهم العوج والفساد. ﴿يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم﴾ الآية [النساء ٢٦]. لذلك شرع لهم طريق الإنابة إذا ما اعْوجُّوا .. وفتح لهم باب التوبة،

стр. 64

إذا ما أذنبوا، يغسلون بها خطاياهم .. وينظفون بها آثامهم، فيكفر الله بها ذنوبهم .. ويمحوا بها سيئاتهم. فما أرحمه من رب .. وما أكرمه من خالق. ﴿يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحًا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ... ﴾ الآية [التحريم ٢] فسارع - يا عبد الله - إلى التوبة، وبادر إلى الإنابة. فالبقاء على المعصية مهلكة .. والإصرار عليها بريد الفجور، وجهل عظيم بالله سبحانه .. واستهانة بأوامره. ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أوظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله، ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾ [آل عمران ١٣٥]. ومن أدرك عظمة الله تعالى، واستحقاقه للطاعة حق الإدراك، وكان إيمانه كاملاً ما عصاه أبدًا، ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾ الآية [الأنعام ١٨]. ﴿وما قدروا الله حق قدره، والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه﴾ الآية [الزمر الآية ٦٧]. ومن استشعر قدرة الله النافذة، وبصره المطلع على كل شيء، وسمعه الذي يسمع كل شيء، وعلمه الذي أحاط بكل شيء، ما عصى عبد ربه أبدًا. ﴿وهو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم. هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير﴾ [الحديد ٣، ٤] .. وما أحسن ما قال الشاعر: يا من يرى مد البعوض جناحها ... في ظلمة الليل البهيم الأليل ويرى مناط عروقها في نحرها ... والمخ في تلك العظام النُّحَّل ويرى ذنوب عباده في ظلمة ... من فوق عرش المليك الأول أمنن علي بتوبة تمحو بها ... ما كان مني في الزمان الأول

стр. 65

ولو أدرك العبد ما أعد الله للعصاة من العذاب الأليم، والشقاء المستديم، ما أذنب عبد أبدًا. قال تعالى: ﴿يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مسّ سقر﴾ [القمر ٤٨]. وقال سبحانه: ﴿يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثًا﴾ [النساء ٤٢]. وقال: ﴿وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد سرابيلهم من قطران، وتغشى وجوههم النار، ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب﴾ [إبراهيم ٤٩]. فمن ذا الذي يقوى على تحمل هذه النار التلظى (١). وقد قال ﷺ : ((ناركم هذه التي توقد بنو آدم، جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم)) (٢). فسارع يا عبد الله إلى التوبة .. قبل أن لا تنفعك توبتك، أو تفاجئك منيتك، فتعض أصابع الندامة، ولا تنفع وقتئذ ندامة. قال تعالى: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليمًا حكيمًا﴾ [النساء: ١٧] فأدرك نفسك قبل أن يحضرك الموت فتقول: ﴿رب ارجعون لعلي أعمل صالحًا فيما تركت﴾ فيقال: ﴿كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون﴾ [المؤمنون ٩٩ - ١٠٠]. ﴿أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين. أو تقول: لو أن الله هداني لكنت من المتقين.

стр. 66

أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين. بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين. ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين. وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولاهم يحزنون﴾ [الزمر ٥٦ - ٦٠]. فهيا يا عبد الله: شمر عن ساعد التوبة، وترفع عن الذنب، فما هي إلا أيام .. وإذا بك بين يدي مولاك. ﴿قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين، قالوا لبثنا يومًا أو بعض يوم فاسأل العادين﴾ [المؤمنون ١١٢، ١١٣]. بل هي والله ساعات، وإذا بك بين يدي جبار الأرض والسموات. ﴿كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها﴾ [النازعات ٤٦]. وإن من أعظم الأمور التي تحول دون توبة العبد وإنابته إلى ربه، ما يخيل للعبد، من أن الله لا يقبل توبته، ولا يغفر زلته، لكثرة ما تاب وانتكس، ولعظم ما أذنب وارتكس، وهذا وسوسة من وساوس الشيطان، ليصد به المؤمن عن التوبة، ولو علم التائب الصادق في توبته، عظم مغفرة ربه، وشدة فرحه بتوبة عبده، لسارع المذنب إلى التوبة، ولو بلغت ذنوبه عنان السماء، قال تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم﴾ [الزمر ٥٣]. وقال رسول الله ﷺ : ((لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله (١) في أرض فلاة)) متفق عليه (٢) وفي رواية لمسلم (٣): ((لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم، كان على راحلته

стр. 67

بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح)). فما عليك - يا عبد الله - إلا أن تُفرح الله بتوبتك، وتسعد نفسك بإنابتها إلى ربها، والمثول بين يدي بارئها. واعلم - يا عبدالله - أن الله يقبل التوبة النصوح من عبده، ولو نقض توبة بعد توبة .. وكرر ذنبًا بعد ذنب، فالسعيد من أسعد نفسه بالتوبة التي لا ذنب بعدها، والشقي من يأس من رحمة ربه، فتمادى في ذنبه، واستمر في غيه. ﴿إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ [يوسف ٨٧]. ولو لم يكن للتائبين إلا غفران الذنوب، لكفى به نعمة عظيمة، ومنة كريمة، من رحمن رحيم، كيف وقد وعد الله زيادة على العفو والغفران، تبديل السيئات حسنات، ورفع التائبين درجات؟ ﴿يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانًا، إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحًا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات، وكان الله غفورًا رحيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠]. شروط التوبة: لله الحمد الذي فتح باب توبته على مصراعيه. لا يرد تائبًا، ولا يصد مستغفرًا. لم يجعل عليه حاجبًا، يمنع من يشاء، ويقبل من يشاء، بل يتقبلها بنفسه. ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات .. ﴾ [الشورى ٢٥]. فسبحانه ما أرحمه بعباده، وما أصبره على خلقه.

стр. 68

[يكفرون به ويشتمونه، ومع ذلك يرزقهم ويطعمهم فعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال النبي ﷺ (ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله، يدعون له الولد، ثم يعافيهم ويرزقهم) أخرجه البخاري (٧٣٧٨). يخالفونه ويعصونه، ] [*] وإذا تاب تائبهم غفر له ما سلف مهما كان، ومهما بلغ .. فلو لم يرحمنا، ويقبل توبتنا لنكونن من الخاسرين، والخسارة الحقيقية ما أخبرنا الله عنها بقوله: ﴿قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة﴾ [الزمر ١٥]. ذلك والله هو الخسران المبين. شروط التوبة: إن للتوبة شروطاً لابد أن تتحقق حتى تتمَّ: الإقلاع عن الذنب. والندم بالقلب. والعزم على عدم الأوب. ورد المظالم إلى أهلها فيما يخص حقوق العباد. وأن يكون في زمن قبول التوبة فمن عزم على التوبة، وطلب المغفرة، فعليه الإقلاع عن الذنب، وترك معاودته، والندم الصادق على ما بدر منه في حق الله، من انتهاك حرمته، وتجاوز حدوده، وأن يعزم بقلبه على أن لا يعود إليه أبدًا. [أما الإقلاع عن الذنب: فلقوله تعالى ﴿ .. ومن يغفر الذنوب إلا الله، ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾ [آل عمران ١٣٥] زيادة ثم كيف يكون تائباً، وهو على الذنب ما يزال قائما. والندم: تألم القلب عما حصل، وتحسره مما فعل، وتمنيه لو لم يكن ما عمل. فإذا استشعر المذنب بهذا في قلبه، كان في توبته صدق، وفي ندمه إنابة. قال ﷺ ((الندم توبة)) (١) أما العزم على عدم الأوب: فهو من تمام التوبة، وصدق صاحبها، فإن كان صادقا في توبته، مستشعرا إثم ذنبه .. عالما بعذاب ربه، لا يفكر بالعود إلى الذنب، بل يكره أن يعود فيه، قال ﷺ : ((ثلاث من كن فيه فقد وجد بهن حلاوة الإيمان .. وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار)) (٢) وكذلك يجب على التائب من الذنوب أن يكره أن يعود إلى الذنب، كما يكره أن يعذبه الله لأجله في النار.] [**] وإن كان الذنب يتعلق بالعباد، فعليه أن يرد المظلمة إلى أهلها، إن كانت مظلمة مادية، كأكل مال، أو اغتصاب حق، فإن لم يقدر، فعليه أن يتصدق بقيمته، ويكثر من الاستغفار لصاحبه، أو يطلب عفوهم. وإن كانت المظلمة معنوية، كالغيبة والنميمة، وما شابه ذلك، فعليه: أن يطلب صفحهم، فإن لم يقدر على ذلك، أو كان إخبارهم يؤدي إلى مفسدة أكبر، فليكثر من الاستغفار والدعاء لهم.

стр. 69

[وأما زمن قبول التوبة: فهو زمنان: زمن خاص وزمن عام .. أما الزمن الخاص: فقبل أن تبلغ الروح الحلقوم، قال تعالى ﴿حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون﴾ [المؤمنون ٩٩، ١٠٠] وقال تعالى ﴿حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين. آلآن وقد عصيت وكنت من المفسدين. فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون﴾ [يونس ٩٠ - ٩٢] وقال ﷺ (إن الله تعالى يقبل توبة العبد مالم يغرغر) رواه أحمد ٣/ ٤٢٥ والترمذي (٣٥٣٧) وابن ماجه (٤٢٥٣) عن ابن عمر وحسنه شيخنا الألباني في صحيح الجامع. وأما الزمن العام: فقبل أن تطلع الشمس من مغربها، قال تعالى ﴿يوم لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً﴾ [الأنعام ١٥٨] وقا ل ﷺ (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين ﴿لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً﴾) رواه البخاري (٦٥٠٦) ومسلم (١٥٧) عن أبي هريرة ﵁. المعينات على التوبة: لابد للراغب في التوبة من معينات تقلعه من ذنبه، وتدفعه للتوبة إلى ربه، حتى لا يستوحش الطريق بعد ترك الذنب، ولا ينتابه الحنين بالعود: المعين الأول: مصاحبة خشية الله، واللجوء إليه، واستشعار محبته، فإن ذلك يدفع إلى الطاعات، وينفر من المعصية. المعين الثاني: الأنس بالله، واطمئنان القلب بذلك، ويتحقق ذلك بالإكثار من ذكره، باللسان المتواطئ مع القلب. ﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ألا بذكر الله تطمأن القلوب﴾ [الرعد ٢٨] المعين الثالث: العلم. إن زيادة العلم بالله وكتابه وسنة رسوله وسيرة الأنبياء، ومسلك الصالحين، يزيد الإيمان، ويطرد الشيطان، ويعين على الإنابة إلى الرحمن، وكلما ازداد المرء علما ازداد خشية، قال تعالى ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر ٢٨] المعين الرابع: استحضار عذاب الله ونعيمه. إن من استحضر عذاب الله وانتقامه ممن خالفه، واحتسب الأجر عنده لمن تاب إليه وأطاعه، ارتقى في سلم الطاعات، وتنزه عن دركات القاذورات. ﴿اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم﴾ [المائدة ٩٨] وقال سبحانه ﴿إن أخذه أليم شديد﴾ [هود ١٠٢] وقال سبحانه ﴿غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول﴾ [غافر ٣] ومن لم يتعظ بهذه الآية، فبأي آية بعدها يتعظ؟ ! فقد استفتحها الله بالغفران، وثناها بالقبول، وثلثها بأنه شديد العقاب .. ﴿والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد﴾ [الزمر ١٧] المعين الخامس: الإكثار من الطاعات والأعمال الصالحة. إن من أخطر ما يوسوس به الشيطان للمذنب: كيف تعبد الله وأنت عاص ... ؟ ! فدع الطاعة كي لا تكون منافقا، ويريد الشيطان بذلك أن يترك المذنب العبادة، ويستمر في ذنبه، لكي يقسو حينئذ قلبه، وقد لا يرجى بعد ذلك توبة. وأما إذا استمر على الطاعات، وأقبل على الأعمال الصالحات، فيرجى له الخير ولو كان مذنباً، فكم من عمل خير كفَّر ذنباً، وكم من عبادة طهرت قلباً، وكم من آية أو حديث أحدث توبة .. قال تعالى ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ [هود ١١٤] وقال سبحانه ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ [العنكبوت ٦٩] وقال ﷺ ((اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)) (١) فحذار ثم حذار؛ أن تترك الطاعة، لأن عندك ذنبا. المعين السادس: الصحبة الصالحة من أعظم المعينات على الهداية، والثبات على الحق الصالحون. وقد مضى حديث النبي ﷺ ﴿الجليس الصالح .. ﴾ وقوله ﷺ ((المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)) (٢) وقد قال بعض العلماء: لقد أصاب كلب أصحاب الكهف خيراً، لصحبته الصالحين. (٣) المعين السابع: استحضار عواقب الذنوب في الدنيا والآخرة، وثمار التوبة والإنابة. قال تعالى ﴿من يعمل سوءاً يجز به .. ﴾ [النساء ١٢٣] فلما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على المسلمين، حتى قال أبو بكر الصديق ﵁: كيف الصلاح بعد هذه الآية .. فكل سوء عملناه جزينا به))؟ ؟ ! وفي رواية قال: ((ما أشد هذه الآية! )) وكان جواب النبي ﷺ ((المصائب والأمراض والأحزان في الدنيا جزاء)) (٤) فمن الناس من يكفر ذنبه في الدنيا بالابتلاء والمصائب، ومنهم من تؤخر عقوبته إلى الآخرة، ومنهم من يعذب في الدنيا والآخرة. قال تعالى ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره. ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾ [الزلزلة ٧]] [*] ثلاث لا بد منها للتائب وثلاث يحذر منها الآيب أما الثلاث الأولى التي ينبغي على التائب فعلها والمسارعة إليها كيما يقبل الله توبته، ويغفر زلته فهي: ـ صلاة التوبة. ـ الإكثار من الاستغفار. ـ الإسراع في الطاعات، والإكثار من الصالحات. أما صلاة التوبة .. فهي عربون توبتك، ومفتاح خيرك، ومغلاق ذنبك، وكفارة خطيئتك. أما الإكثار من الاستغفار، فقال تعالى: ﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارًا﴾ [نوح ١٠]. وقال سبحانه: ﴿ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا﴾ [النساء ١١٠]. وقال ﷺ : ((من أحب أن تسره صحيفته، فليكثر فيها من الاستغفار)) (٥). ورأى ابن عمر بن عبد العزيز أباه عمر في المنام بعد موته، فقال: أي أعمالك خير؟ قال: ما رأيت خيرًا من الاستغفار. أما فعل الصالحات .. فلقوله تعالى: ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى﴾ [طه ٨٢]. [وقال سبحانه ﴿ .. ومن يفعل ذلك يلق أثاماً. يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً. إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً﴾ [الفرقان ٧٠]] [**] فقد علق الله تعالى الغفران بالتوبة والإيمان والعمل الصالح.

стр. 70

وأما الثلاث التي يجب على المسلم المنيب اجتنابها: فهي: التفكير بالذنب. وارتياد مكان المعصية. وصحبة قرناء السوء، وأصدقاء الشر. فالتفكير في الذنب ولو مجرد التفكير فيه، يهون الذنب، ويمهد الإثم. وهو باب واسع من أبواب الشيطان، إذ يعمد المسلم إلى التفكير في الذنب، معتقدًا أن لا إثم عليه، لأنه لم يتحدث ولم يفعل. غير أن الاسترسال في التصور، والاستمرار في التفكير، يجعل الذنب سهلاً، والمعصية مألوفة. أما ارتياد مكان المعصية، فكم كان منزلقًا لها، وفخًا لصاحبها. وكم من امرئ ارتاد ساحة المعصية، وهو عازم على أن لا يأتيها، فاستُدرج من حيث لا يشعر، فسقط في هواها، وتلطخ بفسادها، فأنى له أن ينجو إلا بحبل من الله، ثم انقطاع عن هذه البيئة الفاسدة. قال ﵊: ((كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه)). (١) فدل هذا الحديث أن الاقتراب من المكان يسهل دخوله، فمن اقترب من أماكن الخير سهل عليه دخولها، ومن اقترب من أماكن الشر سهل عليه ولوجها .. قال ﷺ ((تحولوا عن المكان الذي أصابكم فيه الغفلة)) (٢) وأما صحبة قرناء السوء: فهي مفتاح الشر، ومغلاق الخير، وما رأيت أفسد لدين الرجل، ولا أسرع في الرذيلة من صاحب السوء، يستدرجك في المعصية استدراجًا، ويجرك إليها جرًا عجيبًا .. فهو يسهل لك طرقها .. ويمهد لك سُبلها، حتى إذا ما سقطت في مهاويها، ودعك تتخبط في ظلامها .. وتتيه في عجاجها، وقد أنشبت فيك أظفارها .. وعشعش في قلبك حبها، فلا تفارقك إلا

стр. 71

بفضل من الله، وتوبة نصوح، تغادر معها مكان المعصية، وتفارق قرناء السوء، قال تعالى ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره. وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين﴾ [الأنعام ٦٨] وقد أرشدنا إلى ذلك رسول الله ﷺ ، فعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء، كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك؛ إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير؛ إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا منتنة)) متفق عليه (١) (يحذيك): يعطيك. كيفية صلاة التوبة إذا أذنب العبد ذنبًا، فليبادر إلى الوضوء فيسبغه، ثم يقبل على صلاة ركعتين فيحسنها، ويخشع فيها ويتّبع، تكن كفارة لذنبه، وطهارة لنفسه. عن علي ﵁ أن أبا بكر ﵁ حدثه: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((ما من عبد يذنب ذنبًا فيحسن الطهور، ثم يقوم فيصلي ركعتين ثم يستغفر الله، إلا غفر له)). ثم قرأ هذه الآية: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾ [آل عمران ١٣٥] (٢).

стр. 72

وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يُحدِّث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه)) (١). فهذان الحديثان: يشترطان لقبول صلاة التوبة شرطين: الأول: إحسان الوضوء وإسباغه، وأن يكون موافقًا لوضوء الرسول ﷺ ، وفي هذا إشارة عظيمة، إلى طلب العلم، لمعرفة كيفية وضوء رسول الله ﷺ لتحقيق الاتباع، الذي هو ركن في كل عمل، وشرط من شروط قبوله. الثاني: أن تكون الركعتان خالصتين لله تعالى، وأن لا يحدِّث فيهما نفسه، ولا يسمح للشيطان أن يوسوس له فيهما، ولا يخطر بباله شيء يسترسل فيه في صلاته، غير ما هو فيه من شغل وعبادة، وإقبال على ربه وتوبة. موعظة وذكرى: حدث المزني - أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى - قال: دخلت على الشافعي في مرضه الذي مات فيه فقلت: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت من الدنيا راحلاً، وللإخوان مفارقًا، ولكأس المنية شاربًا، وعلى الله جلَّ ذكره واردًا، ولا والله ما أدري روحي تصير إلى الجنة أم إلى النار؟ ثم بكى وأنشأ يقول: إليك إله الخلق أرفع رغبتي ... وإن كنتُ يا ذا المنِّ والجود مجرمًا ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلتُ الرجا مني لعفوك سلما تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما فما زلتَ ذا عفو عن الذنب لم تزل ... تجود وتعفو منة وتكرما عسى من له الإحسان يغفر زلتي ... ويستر أوزاري وما قد تقدما تعاظمني ذنبي فأقبلت خاشعًا ... ولولا الرضا ما كنتُ يا رب منعَما فإن تعف عني تعف عن متمرد ... ظلوم غشوم لا يزايل مأثما

стр. 73

فجرمي عظيم من قديم وحادثٍ ... وعفوك يأتي العبدَ أعلى وأجسما ومن يعتصم بالله يسلم من الورى ... ومن يرجه هيهات أن يتندما (١) ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات ويعلم ما تفعلون﴾ [الشورى: ٢٥]. فاللهم اقبل توبتنا، واعف عن زلتنا، وتقبل منا صالح عملنا، إنك أهل ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 74

الصلاة الثالثة صلاة التسابيح صلاة الغفران قال العلامة عبد العزيز بن أبي رواد: ((من أراد الجنة فعليه بصلاة التسابيح))

стр. 75

صلاة التسابيح وأقوال بعض أهل العلم فيها تنوعت أقوال العلماء الكرام، في تسمية هذه الصلاة المباركة: فمنهم من سماها: صلاة التسابيح. وآخرون سمّوها: صلاة التوبة. وطائفة أخرى دعوها: صلاة الغفران. وأيّما كانت التسمية، فهي ذات مدلول واحد، وغاية واحدة. ألا وهي: صلاة عظيمة لتكفير الذنوب .. وغفران الخطايا والآثام .. وهي: غسل لمن أراد الاغتسال .. ومفازة لمن أراد النجاة .. قال العلامة عبد العزيز بن أبي روّاد: (١) ((من أراد الجنة فعليه بصلاة التسابيح)) وقال أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الحيري: (٢) ((ما رأيت للشدائد والغموم مثل صلاة التسابيح)). وقال السبكي (٣)، (٤): ((وإنما أطلت في هذا لإنكار النووي لها، واعتماد أهل العصر عليه، فخشيت أن يغتروا بذلك، فينبغي الحرص عليها،
следующие страницы →