← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 147912

ثلاث صلوات عظيمة مهجورة فأحيها يا عبد الله

عدنان العرعور

Полный текст (136 стр.). Показаны 106–136 · переход к 111.

стр. 106

غيره، فكيف وقد مرَّ بك ما تقدّم من الأسانيد الحسان، ومن الطرق التي تصلح للمتابعات. [وقفات مع صاحب ((التوضيح)): ] وقبل مغادرة هذا الطريق، نحب أن نقف بعض الوقفات مع الأخ الفاضل صاحب ((التوضيح)) عند ترجمته لصدقة (٢٠٣) قال: (( .. والذين أرادوا تصحيح الحديث قالوا: إنه صدقة الدمشقي، فقد جاء مصرحًا به في بعض الروايات)). الوقفة الأولى: أن في قوله ((الذين أرادوا تصحيح الحديث)) غمز شديد بنية الذين صححوا، وأنهم أرادوا التصحيح قبل التثبت والتحقيق، ولا يليق بمسلم أن يظن بأخيه المسلم ظن السوء بلا دليل ولا برهان، حتى ولا قرينه. ويزداد عجب القارئ؛ إذا علم أن هؤلاء ((الذين يريدون تصحيح الحديث)) هم أئمة أعلام، وعلماء كرام، وهم أبعد منا عن الهوى، وعن إرادة التصحيح والتضعيف، قبل التثبت والتحقيق. تالله لو كانت هذه الكلمة في المعاصرين لحملت على كره، فكيف وهي تعني أئمة الإسلام: كالثوري والعسقلاني والمنذري وغيرهم ممن ذهبوا إلى صحة الحديث. أفيليق بمسلم بله محقق، أن يقول عن مثل هؤلاء الأعلام، أنهم أرادوا التصحيح، وعقدوا له النية قبل البحث والتحقيق، ثم جاء بحثهم لإثبات ما عقدوا العزم عليه. كنا نتمنى ألا يقع أخونا الفاضل في أمثال هؤلاء الأعلام، ولعله سبق قلم منه - عفا الله عنا وعنه ـ الوقفة الثانية: قد جاء هؤلاء ((الذين أرادوا تصحيح الحديث)) بقرينة على أن صدقة هذا هو الدمشقي، وليس الخراساني، [وهي أنه جاء ذلك مصرحا في بعض الروايات .. ] [*] فما هو جواب الأخ الفاضل عما استدل به هؤلاء الأعلام؟

стр. 107

[الحديث الخامس: ] حديث عبدالله بن عمرو بن العاص وله عنه طرق: أولاً: طريق أبي الجوزاء: الأولى: قال أبو داود (٢/ ٣٠): رواه المستمر بن الريّان عن أبي الجوزاء عن عبد الله بن عمرو موقوفًا. قلت: وهذا سند صحيح. قال الحافظ: المستمر ثقة عابد. وأبو الجوزاء: ثقة معروف. ولذلك قال المنذري: ((رواة هذا الحديث ثقات)) (١) قلت: لاشك أن قول القائل: ((رواته ثقات))، لا تعني تصحيح السند - كما هو معروف في قواعد هذا العلم الشريف. لكني لم أعثر على علة معتبرة تمنع من القول بصحته، غير أن المنذري نفسه قال: ((لكن اختلف فيه على أبي الجوزاء، فقيل: عنه عن ابن عباس، وقيل: عنه عن عبد الله بن عمرو، وقيل: عنه عن ابن عمر مع الاختلاف عليه في رفعه ووقفه)) (٢) قلت: كل هذا لا يضر، فالاختلاف في أسماء الصحابة لا يضر؛ فكلهم عدول، وكذلك الوقف والرفع، فإن هذا لا يقال من قبل الرأي، وليس هو من باب الاضطراب المردود، وكم من حديث ثبت موقوفاً ومرفوعاً. وقد سبق الإجابة عن مثل هذا بشيء من التفصيل.

стр. 108

ثم إن أحدًا من السابقين واللاحقين لم يطعن بهذا السند إلا ما ذكروه من مسألة الوقف على عبد الله بن عمرو. وحاشَ أصحاب النبي ﷺ الابتداع في الدين؛ بخاصة في مسألة تعبدية كالصلاة. ثم إن الحديث قد روي مرفوعًا من أكثر من طريق، وعن عبد الله بن عمرو كذلك. وزيادة الثقة مقبولة. وأقرّ الإمام أحمد صحة هذا السند، كما سيمر معك مفصلاً. ومما يزيد هذا الطريق قوة على قوة؛ متابعة أبي جناب للمستمر عن أبي الجوزاء عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا. وهو الطريق الثانية عن أبي الجوزاء رواها البيهقي (٢/ ٥٢) وأبو جناب: صدوق لكنه كان مدلسًا، فهو يصلح أن يكون متابعًا للمستمر. ولثبوت الحديث عن أبي الجوزاء من غير طريق، فلا تضر عنعنة أبي جناب هاهنا، ولا تدليسه. الطريق الثالثة: قال المنذري (١/ ٤٧٠): ورواه قتيبة بن سعيد عن يحيى بن سليم عن عمران بن مسلم عن أبي الجوزاء قال نزل عليّ عبد الله بن عمرو بن العاص فذكر الحديث)) قتيبة بن سعيد: ثقة ثبت. يحيى بن سليم: صدوق سيء الحفظ. وعمران: هو القصير، وهو الذي روى عنه يحيى بن سليم، وهو صدوق يهم، كذا قال الحافظ عن الجميع. قلت: هذا إسناد جيد في المتابعات والشواهد، وبهذه الطريق الثالثة عن أبي الجوزاء يثبت الحديث عنه، والحمد لله على توفيقه.

стр. 109

[الطريق] الرابعة: ما أخرجه أبو داود (٢/ ٣٠)، ومن طريقه البيهقي (٣/ ٥٢) عن محمد بن سفيان ثنا حبان بن هلال ثنا مهدي بن ميمون أخبرنا عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء قال: حدثني رجل كانت له صحبة يرون أنه عبد الله بن عمرو به. وقد سبق الكلام عن هذه الطريق في حديث ابن عباس ورواتها - كلهم - ثقات غير محمد بن سفيان، فإنه صدوق، فالسند حسن لذاته. الطريق الخامسة: قال ابن ناصر الدين الدمشقي في ((الترجيح)) (٦٣): (قال أبو شيبة - داود بن إبراهيم روزبة - حدثنا محمد بن حميد الرازي عن أبي الجوزاء عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال لي النبي ﷺ .. ) ثم ذكر الحديث. قلت: هذا سند ضعيف، فيه علتان: الأولى: محمد بن حميد اختلف فيه أئمة الجرح والتعديل اختلافًا شديداً ما بين مكذب وموثق، والنفس تميل إلى تضعيفه؛ لكثرة المضعفين؛ بل الطاعنين! ولأن معهم حجة، والجرح مقدم على التعديل، إذا كان الجرح مفسراً ولذا قال الحافظ: ((حافظ ضعيف، وكان ابن معين حسن الرأي فيه)) الثانية: الانقطاع بين محمد بن حميد وأبي الجوزاء، فإن الأول كان مولده سنة ((١٦٠)) هجرية. بينما كانت وفاة أبي الجوزاء ((٨٣ هـ))، ولم أر أحدًا ممن حقق في ذلك أشار إلى هذه العلة. ومع ذلك، فإن هذا الطريق لا ينزل عن رتبة المتابعات.

стр. 110

[قلت: ثم وقفت على سند الحديث في حاشية الترجيح، نقلاً عن أمالي الأذكار، فتبين أن بين محمد بن حميد وأبي الجوزاء راويين هما: جرير بن عبد الحميد، وأبو جناب الكلبي والظاهر أن في كتاب ((الترجيح)) سقط. أما جرير: فقد قال الحافظ: ثقة صحيح الكتاب، قيل كان في آخر عمره يهم من حفظه. وأبو جناب: هو يحيى بن أبي حية، قال الحافظ: ضعفوه لكثرة تدليسه.] [*] ثانيًا: طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال الحافظ في ((النتائج)) (١) ((ولحديث ابن عمرو طريق آخر أخرجه الدارقطني عن عبد الله بن سليمان بن الأشعث عن محمود بن خالد عن الثقه عن عمر بن عبد الله الواحد عن ثوبان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده)). قلت: عبد الله ومحمود: ثقتان. عمر بن عبد الله الواحد: تصحيف، والصواب: عمر بن عبد الواحد. والتصحيح من ((الجرح والتعديل)) (٨/ ٢٩٢)، (٦/ ١٢٢)، و ((التهذيب)) (١٠/ ٦١) في ترجمة محمود و (٧/ ٤٧٩)، وهو ثقة. وثوبان: لم أعرفه، وأخشى أنه تصحيف من ابن ثوبان؛ فإن كتاب الدارقطني ليس بين أيدينا، وكتاب ((الآثار)) للكنوي مليء بالتصحيفات؛ فلا تكاد تجد صفحة بلا أخطاء. فإن كان ثوبان هذا هو ابن ثوبان، فهو: عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، هو من شيوخ عمر بن عبد الواحد، ومن بلده دمشق. قال الحافظ: صدوق يخطئ. ثم وقفت على السند من كتاب ((الترجيح)) لابن ناصر الدين الدمشقي صـ ٦٤ وفيه التصويبات كما توقعت، والحمد لله على توفيقه. فعمر بن عبد الله: هو: عمر بن عبد الواحد. وثوبان: هو: ابن ثوبان. وهذا إسناد جيد، لولا جهالة ((الثقة)) ومع ذلك فهو صالح للمتابعات

стр. 111

والشواهد؛ لخلوه من الوضاعين والمتروكين. مناقشة صاحب ((التوضيح)) في عدم طمأنينته: أقرّ (صـ ١٩٧) بصحةً سند رواية المستمر بن الريان عن أبي الجوزاء عن عبد الله بن عمرو موقوفاً. ثم قال: ((فإن هذه الطريق لا تمنحنا الطمأنينة لإثبات هذه الصلاة))، أي لأنها موقوفة. قلت: كيف لا تمنحنا الطمأنينة، وهي عن صحابي أبعد ما يكون عن الابتداع في الدين. أليس في هذا غفلة شديدة عن أن الصحابة لا يُحْدِثُون صلاة مبتدعة. كما أن فيه غفلة عن قاعدة (الحديث الموقوف له حكم الرفع، إذا كان لا يقال من قبل الرأي). ومسألتنا هذه من هذا الباب قطعًا. فمحال على عبد الله بن عمرو ﵁ أن يقول هذا من رأيه، وأن يخترع صلاة من عند نفسه. كل هذا؛ لو لم تُرْوَ هذه الصلاة إلا عنه موقوفة، كيف وقد رويت عنه مرفوعة، ومن طرق حسان! ! ؟ وقبل أسطر، كان الأخ صاحب ((التوضيح)) قد ساق طريق محمد بن سفيان من طريقه عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا. وكلهم ثقات إلا محمد بن سفيان، فقد وصف بالصدق، فلا تنزل هذه الطريق عن رتبة الحسن. أفلا يكون هذا شاهدًا للطريق الموقوفة.

стр. 112

سبحان الله! إن أي طالب علم، حتى ولو كان مبتدئًا، يدرك هذا! طريقان: إحداهما صحيحة موقوفة ولها حكم الرفع. وأخرى حسنة مرفوعة. أفلا تشهد إحداهما للأخرى؟ تالله، إن إحداهما تكفي لإثبات هذا الأمر، فكيف وقد اجتمعتا .. وكيف بك إذا علمت أن هناك طرقًا أخرى عن اثني عشر من أصحاب رسول الله ﷺ بعضها حسن بذاته، وغالبها يصلح للاعتبار .. ؟ الحديث السادس: حديث علي ﵁ وقد روي عنه من أكثر من طريق: الأولى: قال الحافظ في ((النتائج)) (١) وأما حديث علي. فأخرجه الدارقطني من طريق عمر مولى غفرة قال: قال رسول الله ﷺ لعلي بن أبي طالب: ((يا علي ألا أهدي لك .. فذكر الحديث، وفي سنده ضعف وانقطاع)). قلت: لم أجد الحديث في ((سنن الدارقطني)) ولعله في كتاب ((الأفراد)). وعمر هذا: هو ابن عبد الله المدني مولى غفرة، قد اختلفوا فيه. قال أحمد: لابأس به. (٢) وقال ابن معين: ضعيف. (٣) ومال الحافظ إلى تضعيفه في التقريب

стр. 113

وهو تابعي، وقد أرسله ثم وقفت على سند الحديث في ((الترجيح)) صـ ٥١، قال: قال الدارقطني: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن بن إسحاق؛ حدثنا بشر بن موسى حدثنا إبراهيم بن محمد الأرقمي: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن نسطاس، عن عمر بن عبد الله - مولى غفرة - قال: قال رسول الله ﷺ لعلي بن أبي طالب .. )) الحديث. وفيه: إسحاق بن إبراهيم، وهو ضعيف)) (١). وهو طريق لا تنزل عن رتبة المتابعات، لخلوها من الكذابين والمتروكين. قلت: هذه هي أهم طرق هذا الحديث، وقد أعرضت عن أسانيد كثيرة لعدم توفر شرط الصحة فيها أو الحسن أو المتابعة. مناقشة هذه الطرق مما لا شك فيه عند كل محقق منصف وقف على ما ذكرنا، وعنده إلمام بمصطلح الحديث، أن يجزم بثبوت صلاة التسابيح، فإن من المقرر في هذا العلم الشريف: أن الحديث الحسن من القسم الذي تقوم به الحجة. وأن الحديث إذا روي من طريقين ضعيفين ضعفًا غير شديد، ارتفع إلى رتبة الحسن لغيره، وصار مما يحتج به، وهذا أمر متفق عليه. قال ابن كثير في اختصار علوم الحديث صـ ٣٣: ((قال أبو عمرو - يعني ابن الصلاح - ... ومنه ضعف يزول بالمتابعة، كما إذا كان راويه سيء الحفظ، أو رُوي الحديث مرسلاً، فإن المتابعة تنفع حينئذ، ويرفع الحديث عن حضيض الضعف إلى أوج الحسن أو الصحة والله أعلم)) ثم إن الحسن إذا تعددت طرقه صار صحيحًا لغيره.

стр. 114

قال ابن الصلاح في ((مقدمته)) صـ ٣٤: ((إذا كان راوي الحديث متأخرًا عن درجة الحفظ والإتقان، غير أنه من المشهورين بالصدق والستر، وروي مع ذلك حديثه من غير وجه فقد اجتمعت له القوة من الجهتين، وذلك يرقي حديثه من درجة الحسن إلى درجة الصحيح)). [وتسهيلاً للبحث والنظر، واختصاراً لما سبق، فقد رسمت شجرة الأسانيد ثم أعقب عليها: ]

стр. 115

ممم رسمه ممم

стр. 116

[هذا، ] وقد أعرضت عند كتابة الشجرة عن ذكر المخرجين، حيث أوردتهم بالتفصيل عند التحقيق. فهذه ثلاث عشرة طريقاً عن خمسة من أصحاب النبي ﷺ ليس في واحد منها كذاب ولا متروك. إلا ما كان من اختلاف شديد بين أهل العلم في يحيى بن عقبة، ومحمد بن حميد الرازي. وهب أننا أسقطنا هذين الروايتين فإن: الطريق الأولى: قريبة من الحسن، أو تصلح للاعتبار للكلام في الحكم بن أبان وفي موسى. وقد حسن هذا الطريق كل من: ابن المبارك، وأبو داود - صاحب السنن - وابن منده، والآجري، والخطيب، وأبي سعد السمعاني، وأبي موسى المديني، وأبي الحسن المنذري، وابن الصلاح، والنووي في ((تهذيب الأسماء واللغات))، والديلمي، والحاكم، وابن عابدين، والحافظ ابن حجر في ((النتائج)) و ((الخصال المكفرة))، واللكنوي. نقلاً عن ((الآثار المرفوعة)) (١٢٥ - ١٢٧) باختصار. الطريق الثالثة: رجال سندها - كلهم ثقات، غير كلام يسير في جعفر لا يضر، فأقل أحواله أن يكون حسنًا.

стр. 117

الطريق الرابعة: رجال سندها - كلهم - ثقات بالإجماع إلا محمد بن سفيان، فقد وصف بالصدق، فأقل أحواله أن يكون حسنًا، فإن أبى بعضهم؛ فهو من أعلى درجات الحديث المعتبر. الطريق الخامسة: رجال سندها - كلهم - ثقات بالإجماع، وليس فيها علة إلا أنها موقوفة، وقد سبق الكلام عن هذا على وجه التفصيل، وأن لها حكم الرفع. الطريق السادسة: رجال سندها ثقات، غير أبي جناب: فيه اختلاف شديد لتدليسه، فهو لا ينزل عن رتبة الاعتبار على كل حال. الطريق السابعة: فيه محمد بن حميد الرازي: مختلف فيه اختلافًا شديدًا، ورجّح الحافظ ضعفه، فهو يصلح للمتابعات والشواهد. الطريق الثامنة: فيها يحيى بن سليم، وعمران بن مسلم، وقد وصفوا بالصدق مع سوء الحفظ، فحديثهم لا ينزل عن رتبة المتابعات والشواهد. الطريق التاسعة: ليس فيها إلا جهالة الثقة. الطريق العاشرة: كلهم ثقات، ليس فيها علة، ولم يذكر أحدٌ من السابقين واللاحقين فيها مقدحاً، غير جهالة ((الأنصاري)) [وهو صحابي ﵁ ولا يضر عدم معرفة اسمه شيئاً] [*].

стр. 118

واحتمل بعض أهل العلم أنه جابر أو أبو كبشة الأنماري ﵃، وأيّاً ما كان، فمن كان يرى أن من الصحابة من كذب على رسول الله ﷺ فله عذره في رد هذه الصلاة! ومن كان لا يرى ذلك فهذا سند حجة على من أنكر هذه الصلاة. فكل رجاله حجة بالإجماع، وليس فيهم ضعيف ولا ذو وهم أو خطأ. الطريق الحادية عشرة: إسناده حسن لذاته، فرجاله - كلهم - ثقات، غير صدقة، فإنه صدوق. الطريق الثانية عشرة: إسناده ضعيف لجهالة سعيد، فهي تصلح للمتابعات والشواهد. الطريق الثالثة عشرة: فيها إسحاق: ضعيف، وعمر بن عبد الله: مختلف في توثيقه وتضعيفه. وعلى الاحتمال الأسوأ، فإن السند لا ينزل عن رتبة المتابعات والشواهد؛ لخلوه من الوضاعين والمتروكين. وأخيراً: فإن الناظر المنصف في هذه الطرق، لا يتردد أبداً في الحكم بثبوت هذه الصلاة، بل قد ثبتت عبادات وأحكام بأحاديث هي أقل درجة من هذه الطرق، وأقل عدداً. فهؤلاء خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ رواها عنهم خمسة من كبار التابعين الثقات على رأسهم العابد المشهور أبو الجوزاء. وقد رواها عنه ستة: ثلاثة منهم ثقات، وثلاثة وصفوا بالصدق.

стр. 119

وقد رواها عن أحد هؤلاء الثقات خمسة كل منهم يتابع الآخر؛ ثلاثة منهم ثقات. وصححها من ذكرنا، ومن سنذكر من الأئمة الأعلام. وعمل بها من ذكرنا، ومن سنذكر من علماء الإسلام فهل يشك مطلع على هذا، بهذه الصلاة؟ ؟ !

стр. 120

المبحث الأخير في ذكر من صحح الصلاة وضعّفها، وذكر شبهات المضعّفين اختلف أهل العلم في ثبوت هذه الصلاة اختلافًا شديداً، والمذهب الحق عند الاختلاف، هو الرجوع إلى التحقيق العلمي النزيه لمعرفة الراجح من أقوالهم، فهو الفيصل في ذلك لا أشخاصهم وذواتهم، وإن ذُكرت أقوال الرجال في التصحيح والتضعيف، وذكرت اجتهاداتهم، فإنما يجب أن تذكر على سبيل التوضيح والاستشهاد، لاعلى أنها دليل بنفسها. فأما الذين ضعفوها فهم: الترمذي، والعقيلي، وابن الجوزي، وابن العربي، وابن تيمية، والشوكاني وغيرهم. وأما الذين صححوها: فمعظم أهل الحديث نذكر منهم: ابن المبارك، وأحمد، وأبا داود، وابن منده، والآجري، والخطيب، والسمعاني، وأبا موسى المديني، والمنذري صاحب الترغيب والترهيب، وأبا الحسن المنذري، وابن الصلاح، والديلمي، والحاكم، والعلائي، والزركشي، والمحاملي، وأبا الحسن المقدسي، والجويني، وابنه، والبغوي، والرافعي، وابن حجر الهيتمي المكي، والسيوطي، واللكنوي، وابن عابدين، ومحدث العصر شيخنا الألباني وغيرهم. واختلفت الرواية عن النووي، والعسقلاني، والراجح عندي تصحيحهم لها، وسيأتي هذا تفصيلاً.

стр. 121

قول الإمام أحمد: أما الإمام أحمد، فكان يضعف سند الحديث من طريق عمرو بن مالك، ولا يخفى على الباحث أن ضعف السند لا يعني ضعف الحديث، لاحتمال ورود الحديث من طريق آخر بسند صحيح، أو بسند عاضد للسند الأول، أو له شاهد فيصير الحديث حسنًا أو صحيحًا لغيره. وهذا ما كان مع الإمام أحمد فقد قال: ((إسنادها ضعيف؛ كل يروي عن عمرو بن مالك - يعني وفيه مقال -)) ففي عبارته هذه؛ دلالة على أنه يضعف أحد طرقها، لا أصل الصلاة. ومع أن هذا لا يسلم للإمام أحمد في عمرو بن مالك لما أثبتناه من قبل. وقد أجابه علي بن سعيد - وهو أحد تلاميذه - فقال: ((قلت له: قد رواه المستمر بن الريان عن أبي الجوزاء. قال: من حدثك؟ قلت: مسلم (يعني ابن إبراهيم) فقال: المستمر: شيخ ثقة. فكأنه أعجبه)). قال الحافظ: ((فكأن الإمام أحمد لم يبلغه إلا من طريق عمرو بن مالك - وهو النكري - فلما بلغه متابعة المستمر أعجبه)). نقلاً عن الآثار ((١٣١)) أقوال الحافظ ابن حجر: فقد قال في ((تلخيص الحبير)) (٢/ ٧) ((والحق أن طرقه - كلها - ضعيفة، وإن كان حديث ابن عباس يقرب من شرط الحسن، إلا أنه شاذ؛ لشدة الفردية فيه، وعدم المتابع والشاهد من وجه معتبر)) وقال في ((الخصال المكفرة)) بعد أن أورد حديث ابن عباس (١): ((رجاله إسناده لا بأس بهم ... فهذا من شرط الحسن، فإن له شواهد

стр. 122

تقوّيه)) قلت: هذا كلام في ظاهره متناقض! وقد حاول بعض الإخوة أن يثبتوا: أن تحسينه للحديث كان أولاً، ثم كان تضعيفه؛ وذلك من ناحية زمن كتابة النصين. والواقع: لا يسلم لهم هذا، وإن جهدوا في إثباته؛ لأن كثيراً من المؤلفين يكتب الكتاب ثم يعدّل فيه بعد عشرات السنين، كما هو حال من عاين ذلك. من أمعن النظر في النصين، أدرك من الناحية العلمية، أن التضعيف كان أولاً، ثم كان منه التحسين، وذلك أن النص الأول تضمن: أولاً: إقراراً بالتحسين ((يقرب من شرط الحسن)) ثانيًا: شذوذه لشدة الفردية فيه. ثالثًا: إنعدام المتابع والشاهد من وجه معتبر. فما دام أن الحافظ قد أقرّ بالتحسين فلنبحث مسألة الشذوذ والمتابع والشاهد. أما الشذوذ فتعريفه: مخالفة الراوي الثقة لمن هو أوثق منه أو لمن هم أكثر عدداً. وهذا منتف هاهنا تماماً، فإن حديث ابن عباس لم يخالَف في سنده ولا في متنه، وإلا فمن هم المخالفون .. ؟ ؟ وأما دعواه: شدة الفردية، وانعدام الشاهد والمتابع، فمردود بتلك الروايات المتوافرة وبشهادة أهل هذا الفن؛ بل بشهادة الحافظ نفسه في ((نتائج الأفكار)): ((فإن له شواهد تقوّيه)) فهذا إثبات، والآخر نفي، والإثبات مقدم على النفي كما هو معلوم. ثم إن قوله: ((لشدة الفردية فيه)) غريب! ! إذ كيف يكون هذا، وهناك أكثر من عشرة أسانيد ... معظمها حسنة أو قريبة من الحسن، فأين الفردية؟ بل إن الحافظ نفسه قد أورد في ((أماليه)) المسماة بـ ((نتائج الأفكار)) أكثر من عشرين طريقًا، ما بين معتبر وغير معتبر .. فلتراجع، فإن مما قال فيها (نقلاً عن

стр. 123

الآثار ((١٢٧))): ((وردت صلاة التسبيح من حديث ابن عباس، وأخيه الفضل، وأبيهما، العباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وأبي رافع، وعلي بن أبي طالب، وأخيه جعفر، وابنه عبدالله بن جعفر، وأم سلمة، والأنصاري، وقيل: إنه جابر؛ وأما حديث ابن عباس - ثم خرجّه وذكر السند ثم قال - إسناد حسن .. ثم ذكر صدقة، وهو أحد الرواة في سند العباس، وقال: ضعيف من قبل حفظه، ووثقه جماعة فيصلح في المتابعات - ثم ذكر سند الأنصاري ثم قال - فسند الحديث لا ينحط عن درجة الحسن، فكيف إذا ضم إلى رواية أبي الجوزاء .. )) ثم ذكر الذين صححوا الحديث .. وقد ذكر في النكت الظراف (٤/ ٣٦٧) من تحفة الأشراف عدة متابعات مقبولة فلتراجع. فهذا - كله - يدل على أن هذا هو كلامه الأخير، لأنه - كله - مثبت مبيّن، وما سبق نافٍ ومجمل. فتبين أن الحافظ ممن ذهب إلى تحسينه من أكثر من طريق، فضلاً عن الشواهد والمتابعات التي ذكرها، وإقراره أنها جاءت من وجه معتبر. وهب أننا سلمنا أن كلامه في ((التلخيص)) هو الأخير، فإن كلامه فيه إنما كان عن سند ابن عباس فقط، لا على بقية الأسانيد تفصيلاً. وهذا كلام مفصل مبين في تحسين غير طريق ابن عباس، والله الهادي إلى سواء السبيل. وقد يقول قائل: قد أطلتم في ترجيح قول الحافظ - وهو عالم من العلماء - ولم نتعبد بقول الحافظ، ولا بغيره، وإنما تعبدنا الله بما صح. قلت: نعم .. كل هذا صحيح، وإنما أردنا الرد على من قال: إن الحافظ ضعّف الحديث، لا على أن قول الحافظ هو القول الفصل، والحجة الدامغة،

стр. 124

وإنما القول الفصل، والحجة الدامغة بالحق، والمبني على التحقيق العلمي، الذي يكون الرجال عليه شهودًا، ونوراً يستضاء بهم. والحق في مثل هذه القضية الهامة - قضية الرجال والدليل - أن لا يكون الرجال بذواتهم حجة، وأن لا يستغنى عنهم في معرفة الطريق، وبيان الحق. ولقد ضلّ الخوارج عندما استغنوا عن العلماء، وضلّ الصوفيون عندما تعلقوا بالعلماء، واستغنوا بهم عن النصوص وعن التحقيق العلمي خلاصة هذا مبحث المصححين والمضعفين: أولاً: إن التحقيق العلمي الحديثي يؤيد مذهب المثبتين لهذه الصلاة. ثانياً: إن الذين صححوا، هم أعلى درجة في التخصص بهذا العلم الشريف، والفن العظيم من الذين ضعفوها. ثالثاً: إن الذين صححوا، إنما صححوا بناءً على تحقيق علمي، واستقصاء للطرق، واستقراء للأسانيد. ومعظم الذين صححوها جعلوا لها مؤلفًا خاصاً، أو بحثًا مستفيضًا، ثم صححوها بناءً على دراسة وتمحيص، ونتيجة لتحقيق. ـ فقد ألف فيها الحافظ السمعاني كتابًا سماه ((فضائل صلاة التسبيح)) وصححها. (١) ـ وألف الحافظ محمد بن عمر المديني كتابًا سماه ((تصحيح صلاة التسبيح)) وصححها. (٢) ـ وألف الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي كتاباً سماه ((الترجيح لصلاة التسبيح)) (٣) وأثبتها. ـ وألف الحافظ السيوطي كتابًا سماه ((تصحيح حديث صلاة التسبيح)) (٤) وأثبتها.

стр. 125

ـ وألف الحافظ عبد الوهاب السبكي كتابًا سماه ((الترشيح لصلاة التسبيح)) وصححها (١) ـ وألف محمد بن طولون كتاباً سماه ((ثمرة الترشيح لصلاة التسبيح)) وصححها. (٢) ـ وفصّل ابن علان الصديقي القول فيها تفصيلاً جيداً في كتابه ((الفتوحات الربانية على الأذكار النووية)) وصححها. ـ وفصل اللكنوي القول فيها، وتتبع طرقها في كتابة (الآثار المرفوعة) وصححها. وغير هؤلاء من السابقين واللاحقين ممن ألف فيها أو بحث عنها، كلهم ذهب إلى تصحيحها، والرد على من ضعفها. رابعًا: الذين ضعفوا، ليس لديهم دراسة مستفيضة، وغاية ما عندهم إطلاقات عامة، وشبه واهية، ولم يبحث أحد منهم المسألة من كل أطرافها، ولم يستقص ذيولها، ويجمع طرقها، ولم يؤلف أحدُ منهم كتابًا خاصاً فيها. ثم إنهم لم يذكروا أمرًا يمكن مناقشته سوى إطلاق التضعيف .. ! سوى ابن الجوزي مناقشة ابن الجوزي: ابن الجوزي من أكثر المضعفين تفصيلاً لهذه الصلاة، وأشدهم تضعيفًا، فقد أورد الحديث في موضوعاته - وكم من حديث صحيح أورده في موضوعاته - وقد انتقده الأئمة على تضعيفه لها، وإيرادها في الموضوعات، وليس ها هنا مجال

стр. 126

للاستقصاء والتتبع، ومن أراد الوقوف على شيء من هذا فليرجع إلى ((اللآلئ المصنوعة)) للسيوطي. وقد حكم على طريق ابن عباس بالوضع، وليس فيها حتى ولا ضعيف ضعفًا مطلقًا، أو شديداً. وكل رواتها مشهود لهم بالصدق، وغاية ما فيها: راو واحد عنده بعض الأوهام، التي تنجبر وتزول بمجيء الرواية من طرق أخرى. وأكبر دليل على وهم ابن الجوزي، ما قاله في حق موسى بن عبد العزيز: قال: ((موسى بن عبد العزيز مجهول عندنا)) والحقيقة: أني مازلت متعجباً من صنيع ابن الجوزي هذا، ولا أدري كيف قال هذا، وقد أطبق الأئمة على معرفته كما مر معك، كابن معين، والنسائي، وابن المديني، والذهبي، وابن حجر. فهل يعقل أن تترك أقوال هؤلاء الأئمة، وشهاداتهم لكلام ابن الجوزي منفردًا، فضلاً عن أنه نافٍ وهم مثبتون، والمثبت مقدم على النافي، كما هو معلوم ومشهور، ثم هم أقدم منه وأعرف بالرجل، وقد ردّ العلماء على ابن الجوزي، وشنعوا عليه لإيراده هذا الحديث في الموضوعات، غفر الله له. قال ابن حجر الهيتمي المكي: ((ذكرها ابن الجوزي في ((موضوعاته))، وشنع عليه الحفاظ في ذلك تشنيعًا بليغاً، والحاصل أن أحاديثها حسنة، إن لم تكن صحيحة؛ لكثرة الطرق، وانتفاء القوادح التي ذكرها ابن الجوزي تساهلاً منه، ومن ضعف نظر إلى كثرة الطرق من غير انضمام بعضها إلى بعض. ومن صحّح أو حسّن نظر إلى كثرة الطرق، واطلع بعضها على مقتضى الصحيح، فكان المعتمد أن حديثها حسن أو صحيح وأنها سنة كما ذكرها مع كيفيتها أئمتنا في كتبهم)) قال الحافظ:

стр. 127

(أساء ابن الجوزي بذكر هذا الحديث في ((الموضوعات))) وقال في ((نتائج الأفكار)) (وأفرط ابن الجوزي فذكر الحديث في الموضوعات) وقال السيوطي: (أفرط ابن الجوزي فأورد هذا الحديث في كتاب الموضوعات) وقال الزركشي في تخريج أحاديث ((الشرح الكبير)): (غلط ابن الجوزي بلا شك في إخراج حديث صلاة التسبيح في الموضوعات) (١) قول شيخ الإسلام ابن تيمية: قال ﵀: ((فإن فيها قولين لهم، وأظهر القولين أنها كذب .. )) ثم ذكر بعض من أخذ بها وبعض من لم يأخذ بها ((منهاج السنة (٧/ ٤٣٤))). وهذا كلام عام في معرض تفصيل، ونفيٌ مطلق في مورد إثبات، لا يثبت أمام التحقيق العلمي، ولم يذكر شبهة حتى ترد، ولا علة حتى تُبين، غاية ما قال، هو حكاية ما عليه الناس في هذه الصلاة، وأن الراجح لديه عدم ثبوتها .. لكن؛ ما جوابه عن تلك الأسانيد الحسان، والشواهد والمتابعات، التي تؤكد صحة هذه الصلاة وثبوتها؟ سوى ما ذكره من النفي عن الأئمة لمعارضة ما أثبته غيره عن الأئمة، مثل ثبوتها عن عبد الله بن المبارك وغيره، كما سبق نقله عن الحاكم وغيره. والحقيقة: أن كلام شيخ الإسلام فيها مستغرب، وهو مجمل، وكلام المصححين مفسر ومفصل، وقد جاءوا بزيادة علم ينبغي قبولها، والمصير إليها - بخاصة -

стр. 128

وأن شيخ الإسلام لم يتعرض لنقدها، ولا لشيء منها، بله لم يحقق المسألة، ولم يتتبع ما ورد فيها! ! كما هو ظاهر من كلامه هذا. مناقشة قول الترمذي: (وقد روي عن النبي ﷺ غير حديث في صلاة التسابيح، ولا يصح منه كبير شيء) [رقم ٤٨١] قلت: هذا نفي، والآخرون مثبتون، وحسب قواعد مصطلح هذا العلم الشريف، وبشهادة أئمة حفاظ قد ذكرنا شهاداتهم، يرد هذا القول ولا يقبل، فقد اطلع أولئك الحفاظ على طرق أخرى، وأسانيد لم يقف عليها الترمذي، وهي زيادة علم ينبغي المصير إليها ((وفوق كل ذي علم عليم)) وهكذا معظم أقوال المضعفين لحديث هذه الصلاة، النافين لها، أطلقوا عبارات التَضعيف ولم يجيبوا عن الأسانيد التي حسنها بعض الأئمة.

стр. 129

المبحث الأخير: شبهات المانعين والرد عليها الأولى: قال الشوكاني: ((وكل من له ممارسة لكلام النبوة لا بد أن يجد في نفسه من هذا الحديث ما يجد)) (١) قلت: إذا صحّ السند، وثبت الأمر، فلا يصح لمسلم أن يقول: إن في نفسه شيئاً من هذا الأمر. فإن وجد المسلم في نفسه شيئاً على أمر قد ثبت، وعبادة قد صحّت، فعليه إزالته، والخضوع لأوامر الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ والتسليم لها وإلا؛ فلو فتح هذا الباب، لقال قوم ما قالوا، ولعطلت شرائع الإسلام وأحكامه. ومن عجيب الأمر، أن الشوكاني نفسه في معرض الرد على أولئك الذين يعترضون على النصوص بآرائهم يقول: ((ونصب مثل هذا الكلام في مقابلة الأدلة الصحيحة الصريحة من الغرائب التي يتعجب منها))! ! (نيل الأوطار الجزء الرابع صـ ٢٥) وها نحن نتعجب ممن يردون النصوص بمثل هذا الكلام، كما تعجب هو! ! الشبهة الثانية: قولهم: ((إن في متن الروايات اختلافاً وزيادات)) والجواب عن هذا؛ أن ليس كل حديث فيه زيادات في بعض رواياته، أو اختلاف في بعض ألفاظه، يكون حديثاً باطلاً مردوداً. وإنما تعامل هذه الروايات، وتناقش هذه الزيادات، حسب علم مصطلح

стр. 130

الحديث، وأصوله، ولا يرد الحديث بمجرد وجود اختلاف في بعض ألفاظه، وزيادات في رواياته؛ وإلا لما صحّ من أحاديث المصطفى إلا النزر اليسير. فإن كثيراً من الأحاديث فيها زيادات، وفي بعض ألفاظها اختلاف، ولا أحب أن أسهب في تفصيل هذا الأمر، وضرب الأمثلة عليه لوضوحه. وحسبك أن تعلم أن زيادة الثقة مقبولة، ومخالفته شاذة، ومخالفة الضعيف منكرة. لكن هذا لا يؤثر في أصل الحديث، إذا صحّ لذاته أو لغيره، فكم من حديث في صحيح البخاري له زيادات منكرة في مستدرك الحاكم وغيره، وكم من حديث في ((صحيح مسلم)) له زيادات باطلة في ((مسند الفردوس)) للديلمي وغيره. ومع ذلك؛ لم يقل أحد من أهل العلم: إن هذا يؤثر في أصل الحديث وثبوته. وهكذا صلاة التسبيح: فما وجد من زيادة من ثقة قبلت، وما وجد من مخالفة من ثقة لمن هو أوثق منه ردّت، وما وجد من مخالفة من ضعيف أُنكرت. والذي فعله بعضهم وبخاصة: ((صاحب التوضيح)) أنه أتى إلى بعض زيادات في الحديث غير صحيحة، فعلّق عليها، وحاول إبطال أصل الحديث لورود زيادة غير صحيحة في بعض الطرق، وهذا أمر غريب وعجيب! ! الشبهة الثالثة: إن صلاة التسابيح تخالف هيئة الصلاة، فلذلك لا يجوز صلاتها .. وهذه من أعجب الشبه وأغربها. وذلك لما يلي: أولاً: هل لدى القائلين بهذا نص من كتاب أو سنة أو إجماع؛ أن كل صلاة تخالف في هيئتها الصلاةَ الأصلية فهي باطلة .. حتى نقول بقولهم .. ثانياً: هب أنهم أتوا بالمحال، وأثبتوا أن كل صلاة تخالف في هيئتها الصلاة الأصلية فهي مردودة.

стр. 131

أقول: هب .. ، وإلا فإن دون ذلك خرط القتاد، ولمس السحاب. فإن أتوا - ولن يأتوا - فإن صلاة التسبيح - عند إمعان النظر - لا تخالف هيئتها هيئة الصلاة أبداً. وغاية ما فيها: زيادة عدد التسبيحات في أعمال الصلاة نفسها، دون زيادة ركن، أو إنقاص واجب، أو تغيير هيئة. والتسبيح والذكر هو لب الصلاة وأسّها، وقد قال ﷺ ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح، والتكبير)) الحديث فهل يعتبر الإكثار من التسبيح والتحميد مخالفة لهيئة الصلاة؟ ! ؟ وأما الجلسة التي بعد السجود الثاني قبل القيام الثاني، فليست غريبة! وإنما هي جلسة الاستراحة التي ثبتت بالسنة الصحيحة من فِعْلِ النبي ﷺ في سائر صلاته .. وإذن فأين الهيئة المخالفة .. ؟ ! ! هل في صلاة التسبيح ركوعان وقيامان؟ أو قيام من غير ركوع ولا سجود ولا تشهد؟ فالأولى: الخسوف، والثانية الجنازة. فهل هي أعظم مخالفة لهيئة الصلاة، من هاتين الصلاتين، وكذلك صلاة العيد. أفلا ردوا - إذن - هذه الصلوات المخالفة لهيئة الصلاة بدعوى المخالفة للهيئة! ! قال صاحب ((التوضيح)): ((إذا بحثنا في الصلوات المفروضة، والمسنونة، فإننا لن نجد واحدة منها تشبه هذه الصلاة)) قلت: وكذلك بحثنا في الصلوات المفروضة والمسنونة، فلم نجد صلاة تشبه صلاة الخسوف .. أفنردها إذن؟ ؟

стр. 132

إن المسألة ليست مسألة مخالفة هيئة أو عدمها. إنما هي مسألة صحة هذه العبادة وثبوتها من عدمه، ووجوب الانقياد بعد ذلك لما صحّ، سواء خالف هيئة أم لم يخالف، وسواء وُجد في النفس منه شيء أم لم يوجد. وخلاصة ردّ هذه الشبهة: أن صلاة التسبيح لا تخالف هيئة الصلاة، وإن خالفتها فلا تعتبر هذه المخالفة؛ لعدم وجود ما يمنع هذه المخالفة. ولأن الله تعالى - يشرع ما يشاء، كيف شاء. ﴿إن الله يحكم ما يريد﴾ [المائدة ١] فقد شُرعت صلاة التسبيح كما شُرعت، وشُرعت صلاة الجنازة كما شُرعت. وشُرعت سجدتا الشكر والتلاوة كما شرعتا، وما علينا إلا السمع والتسليم. قال ابن عابدين (١): ((ما دامت هذه الصلاة قد ثبت حديثها في السنة، فينبغي أن يقبل، ولا يعبأ بأي اعتراض)). ثم إن الغرابة الحقيقية، والمخالفة الواضحة لهيئة الصلاة، إنما هي في صلاة الخوف والجنازة والكسوف والعيد، لا في صلاة التسابيح التي لا يتعدى أمرها سوى زيادة التسبيحات ضمن أركان الصلاة نفسها كما سبق بيانه. وما دمنا قبلنا تلك الهيئات المخالفة لأصل الصلاة، لثبوتها بهيئاتها عن المعصوم، فمن باب أولى قبول هذه الصلاة. وما كان جواباً عن تلك الصلوات فهو جوابنا عن صلاة التسبيح، والله الهادي إلى سواء السبيل. الشبهة الرابعة: ((استعظام الأجر الكبير الذي ورد في الحديث مقابل هذه الصلاة وهي عمل صغير)) وهذه كذلك من أعجب الشبه وأغربها.

стр. 133

فهل يستقيم لباحث أن يرد عبادة لكثرة أجرها، مع قلة العمل فيها. يا سبحان الله .. ! ! أفلا استعظموا أجر تفطير الصائم، وتجهيز الغازي. فردّوا قوله ﷺ ((من فطر صائمًا أو جهز غازيًا فله مثل أجره)) (١) رجل يصوم النهار كله، ويعاني ما يعانيه من الجهد والعطش والجوع .. وآخر له الأجر نفسه؛ رغم أنه لم يصم ولم يجع ولم يعطش، سوى أنه فطّر صائماً على تمرة واحدة. والمجاهد الذي يقطع الفيافي، ويفترش الأرض، ويلتحف السماء، ويعاني ما يعانيه من الجهد، والنصب، ومقابلة أعداء الله، ثم يكون لمجهزه مثل أجره من غير أن ينقص من أجر المجاهد شيء. أفلا ردوا حديث النبي ﷺ عن بغية من بغايا بني إسرائيل، غفر الله لها لأنها سقت كلباً. وعن رجل دخل الجنة، لرفعه عوداً من الطريق، كان يؤذي المسلمين. ورجل علّم حديثاً واحداً، خمسين مسلماً في مجلس واحد، ثم علّم كل واحد منهم خمسين مسلماً أو أقل أو أكثر. وهكذا إلى يوم القيامة، فله مثل أجر مئات الألوف من المسلمين، الذي تعلموا هذا الحديث بسببه، دون أن ينقص من أجورهم شيء. أفلا نستعظم فضل الله وكرمه وأجره .. وهو الذي يجعل سيئات التائب حسنات. ﴿فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾ الآية [الفرقان: ٧٠] فهل هناك أغرب من أن يعصي المرء خالقه، ثم يجعل الله تلك الذنوب والآثام حسنات لصاحبها؛ إذا هو تاب وأناب ورجع إلى الله.

стр. 134

شبهة أخرى عجيبة: يقولون: إن الناظر في الصلوات الأخرى لا يجد أي أثر للعد. قلت: إذا أراد الله أن نعد في هذه الصلاة، ولا نعد في غيرها، فماذا يكون .. ؟ أفنقول: له يا رب، لا نصلي هذه الصلاة لأن فيها عداً، ونصلي بقية الصلوات، لأنه ليس فيها عد .. أيليق بمسلم أن يقول هذا، فضلاً عن طالب علم بله عالم؟ ! ! وعليهم - إذن - أن يردوا صلاة العيد؛ لأن فيها عداً للتكبيرات، وكذلك صلاة الجنازة. ثم رأيت أن لا أستطرد في ذكر الشبه كلها، والرد عليها، نظراً لبعدها عن البحث العلمي السليم، ولأن ذكر الشبه - أحياناً - والرد عليها قد يقويها وأحياناً أخرى يكون رد الشبه من البداهة بمكان يعجز العاقل عن صياغة الرد، ومن أصعب الأمور إثبات المسلماًت، والرد على الشبه التي لا تبنى على أسس علمية. وهذه الشبه من هذا القبيل، فهم يردون هذه الصلاة لا ستعظام أجرها؟ أو لذكر العد فيها! ومن تلك الشبه التي يغني ذكرها عن الرد عليها قولهم: إن هذه الصلاة سهلة ميسورة، فكيف يخبر الرسول ﷺ المؤمنين عن صلاتها (ولو في السنة مرة)! وقولهم: إن الصحابة أصحاب عبادة .. فكيف استثقلها العباس، حتى قال له الرسول ﷺ : في الأسبوع مرة .. في السنة مرة .. في العمر مرة. قلت: العباس ﵁ لم يستثقلها، إنما علق النبي ﷺ بالاستطاعة .. ثم هذه غفلة عن أن هذا الإرشاد هو للأمة كلها، وليس خاصاً بالصحابة [أو بالعباس.]

стр. 135

وفي الأمة من يموت ولا يركع ركعة واحدة، ومراجعة العباس ﵁ الرسول ﷺ هو من باب التشريع لهذه الأمة، كما أن جبريل جاء يسأل النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان في الحديث المشهور. وكما كان حذيفة يسأل النبي ﷺ عن الشر ويقول: فإن أدركني فماذا أفعل .. ؟ ؟ وعلى حد قولهم، يمكن لقائل أن يقول: إن حديث جبريل في سؤال رسول الله ﷺ عن أركان الإسلام غير صحيح، إذ كيف يسأل جبريل وهو يعلم؟ !

стр. 136

الخلاصة إن صلاة التسابيح؛ قد ثبتت من أكثر من وجه، وعن أكثر من صحابي، وبشهادة أكثر من إمام مختص، وما أثير حولها من شبه مردود لأنه: إذا صحت العبادة .. وجب التسليم .. وإذا صح الأثر .. بطل النظر .. هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة. وليس من مذهبهم تعطيل النصوص بالعقل، ورد العبادات الصحيحة بالشبهات، وإبطال الصلوات الثابتة بالاحتمالات، والله الموفق للخير .. وهو الهادي إلى سواء السبيل .. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ..