بفضل من الله، وتوبة نصوح، تغادر معها مكان المعصية، وتفارق قرناء السوء، قال تعالى ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره. وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين﴾ [الأنعام ٦٨]
وقد أرشدنا إلى ذلك رسول الله ﷺ ، فعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال:
((إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء، كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك؛ إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير؛ إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا منتنة)) متفق عليه (١) (يحذيك): يعطيك.
كيفية صلاة التوبة
إذا أذنب العبد ذنبًا، فليبادر إلى الوضوء فيسبغه، ثم يقبل على صلاة ركعتين فيحسنها، ويخشع فيها ويتّبع، تكن كفارة لذنبه، وطهارة لنفسه.
عن علي ﵁ أن أبا بكر ﵁ حدثه: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
((ما من عبد يذنب ذنبًا فيحسن الطهور، ثم يقوم فيصلي ركعتين ثم يستغفر الله، إلا غفر له)).
ثم قرأ هذه الآية:
﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾ [آل عمران ١٣٥] (٢).
стр. 72
وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
((من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يُحدِّث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه)) (١).
فهذان الحديثان: يشترطان لقبول صلاة التوبة شرطين:
الأول: إحسان الوضوء وإسباغه، وأن يكون موافقًا لوضوء الرسول ﷺ ، وفي هذا إشارة عظيمة، إلى طلب العلم، لمعرفة كيفية وضوء رسول الله ﷺ لتحقيق الاتباع، الذي هو ركن في كل عمل، وشرط من شروط قبوله.
الثاني: أن تكون الركعتان خالصتين لله تعالى، وأن لا يحدِّث فيهما نفسه، ولا يسمح للشيطان أن يوسوس له فيهما، ولا يخطر بباله شيء يسترسل فيه في صلاته، غير ما هو فيه من شغل وعبادة، وإقبال على ربه وتوبة.
موعظة وذكرى:
حدث المزني - أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى - قال: دخلت على الشافعي في مرضه الذي مات فيه فقلت:
كيف أصبحت؟ قال: أصبحت من الدنيا راحلاً، وللإخوان مفارقًا، ولكأس المنية شاربًا، وعلى الله جلَّ ذكره واردًا، ولا والله ما أدري روحي تصير إلى الجنة أم إلى النار؟ ثم بكى وأنشأ يقول:
إليك إله الخلق أرفع رغبتي ... وإن كنتُ يا ذا المنِّ والجود مجرمًا
ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلتُ الرجا مني لعفوك سلما
تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما
فما زلتَ ذا عفو عن الذنب لم تزل ... تجود وتعفو منة وتكرما
عسى من له الإحسان يغفر زلتي ... ويستر أوزاري وما قد تقدما
تعاظمني ذنبي فأقبلت خاشعًا ... ولولا الرضا ما كنتُ يا رب منعَما
فإن تعف عني تعف عن متمرد ... ظلوم غشوم لا يزايل مأثما
стр. 73
فجرمي عظيم من قديم وحادثٍ ... وعفوك يأتي العبدَ أعلى وأجسما
ومن يعتصم بالله يسلم من الورى ... ومن يرجه هيهات أن يتندما (١)
﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات ويعلم ما تفعلون﴾ [الشورى: ٢٥].
فاللهم اقبل توبتنا، واعف عن زلتنا، وتقبل منا صالح عملنا، إنك أهل ذلك والقادر عليه.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 74
الصلاة الثالثة
صلاة التسابيح
صلاة الغفران
قال العلامة عبد العزيز بن أبي رواد:
((من أراد الجنة فعليه بصلاة التسابيح))
стр. 75
صلاة التسابيح
وأقوال بعض أهل العلم فيها
تنوعت أقوال العلماء الكرام، في تسمية هذه الصلاة المباركة:
فمنهم من سماها: صلاة التسابيح.
وآخرون سمّوها: صلاة التوبة.
وطائفة أخرى دعوها: صلاة الغفران.
وأيّما كانت التسمية، فهي ذات مدلول واحد، وغاية واحدة.
ألا وهي: صلاة عظيمة لتكفير الذنوب .. وغفران الخطايا والآثام ..
وهي: غسل لمن أراد الاغتسال .. ومفازة لمن أراد النجاة ..
قال العلامة عبد العزيز بن أبي روّاد: (١)
((من أراد الجنة فعليه بصلاة التسابيح))
وقال أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الحيري: (٢)
((ما رأيت للشدائد والغموم مثل صلاة التسابيح)).
وقال السبكي (٣)، (٤):
((وإنما أطلت في هذا لإنكار النووي لها، واعتماد أهل العصر عليه، فخشيت أن يغتروا بذلك، فينبغي الحرص عليها،
стр. 76
وأما من يسمع عظيم الثواب الوارد فيها، ثم يتغافل عنها، فما هو إلا متهاون في الدين، غير مكترث بأعمال الصالحين، لا ينبغي أن يعد من أهل العزم في شيء، نسأل الله السلامة)).
قال ابن عابدين:
((وحديثها حسن لكثرة طرقه، ووهم من زعم وضعه، وفيها ثواب لا يتناهى، ومن ثَمّ قال بعض المحققين:
((لا يسمع بعظيم فضلها ويتركها إلا متهاون بالدين)) (١).
وقال الحافظ ابن حجر في ((أماليه)) (٢):
((كان عبد الله بن المبارك يصليها، ويتداولها الصالحون بعضهم عن بعض، وفي هذا تقوية للحديث، وأقدم من روي عن فعله (٣) أبو الجوزاء: (٤) أوس بن عبد الله البصري ... وقد نصّ على استحبابها أئمة الطريقين، من الشافعية كالشيخ أبي حامد، والمحاملي، والجويني، وولده إمام الحرمين، والغزالي، والقاضي حسين، والبغوي، والمتولي، وزاهر بن أحمد الرضي، والرافعي في الروضة)) - ثم ذكر إقرار الإمام أحمد لها - ثم خطّأ من وضَّعها.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى تضعيف حديثها، وبدعية صلاتها، وسيأتي الرد عليهم مفصّلًا.
стр. 77
كيفية الصلاة
عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ للعباس:
((يا عباس! يا عماه!
ألا أعطيك؟ ألا أمنحك؟ ألا أحبوك؟ ألا أفعل بك؟
عشر خصال؛ إذا أنت فعلت ذلك:
غفر الله ذنبك، أوَّله وآخره، قديمه وحديثه، خطأه وعمدَه، صغيره وكبيرَه، سرَّه وعلانيتَه؟
عشر خصال:
أن تصلي أربع ركعات:
تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة.
فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة - وأنت قائم - قلت:
سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، خمس عشرة مرة.
ثم تركع، فتقولها - وأنت راكع - عشراً.
ثم ترفع رأسك من الركوع، فتقولها عشراً.
ثم تهوي ساجدًا، فتقولها - وأنت ساجد - عشراً.
ثم ترفع رأسك من السجود، فتقولها عشراً،
ثم تسجد، فتقولها عشراً،
ثم ترفع رأسك، فتقولها عشراً.
فذلك خمس وسبعون في كل ركعة، تفعل ذلك أربع ركعات.
فلو كانت ذنوبك مثل زبد البحر، أو رمل عالج، غفرها الله لك.
إن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل.
стр. 78
فإن لم تفعل، ففي كل جمعة مرة.
فإن لم تفعل، ففي كل شهر مرة.
فإن لم تفعل، ففي كل سنة مرة.
فإن لم تفعل، ففي عمرك مرَّة)) (١)
فهل مِن واصل .. ؟ فتصله بربه ..
وهل من مغتسل! فتغسله من ذنوبه.
وهل من مكروب؟ فتفرج عنه بإذن ربه كربه.
إنها غسل لمن أراد الاغتسال! ! وطهر لمن أراد الطهارة! !
وهي درس من دروس الصبر ... ومنحة من رؤوف كريم ... وإرشاد من رسول رحيم.
وهي مِنّة من رب .. وهدية من محب ..
فهل تُرد منحة المليك .. ؟ ! وتُعاد هدية المحبوب .. ؟ !
فما لنا عنها إذن معرضين .. ؟ ! وعن أدائها متكاسلين .. ؟ !
والكريم يغفر بها الذنب كله، أوله وآخره ..
стр. 79
قديمه وحديثه .. خطأه .. وعمده .. صغيره .. وكبيره ..
فهل بعد هذا الفضل من فضل .. ؟ وهل بعد هذا الكرم من كرم .. ؟
فسارع يا عبد الله إلى كرم الكريم، وفضل المنان.
وشمر لها ساعد الجد، وادخل بها في جنة الرحمن.
فالمقربون الحازمون .. لا تفوتهم في اليوم مرة.
والمحسنون العابدون .. لا تفوتهم في الأسبوع مرة.
والمؤمنون المتقون .. لا تفوتهم في الشهر مرة.
ولا يلهينك عنها الشيطان بالدنيا والتسويف.
فما أهلك الناس شيء مثل التسويف .. تقول:
سوف أفعل .. سوف أفعل.
كم يمر الزمان .. وتمضي الأيام .. وينقضي الشباب .. ويعجز المرء.
وهو يقول: سوف .. سوف.
ولا يصدنك عنها تضعيف المضعفين، فقد وردت عن أحد عشر صحابيًا، وصححها أكثر من ثلاثين عالماً، وفعلها الكثير من سفلنا الصالح.
هل لصلاة التسبيح أحكام خاصة بها ؟
تتبعت أقوال أهل العلم في أحكامها، وأدلتهم على ذلك، مثل:
هل لها وقت مفضل؟
هل لها قراءة من القرآن مخصوصة؟
هل هي بتسليمة أو بتسليمتين؟ أي: هل تصلى ركعتين ركعتين - أم أربعًا متصلة؟
стр. 80
هل لها دعاء مخصوص يُدعا به بعد التشهد؟
إلى غير ذلك من الأحكام ..
أقول: تتبعت ذلك فلم أعثر لهم إلا على اجتهادات فردية، ليس لها دليل من كتاب أو سنة، ولذلك:
فإن هذه الصلاة: تصلى أربع ركعات متصلة، بجلوسين وبتسليمة واحدة أخيرة، حسب ما ورد في نص الحديث، وفي كل ركعة خمس وسبعون تسبيحة، وليس لها وقت مفضل، ولا قراءة مخصوصة، بل يقرأ فيها بما تيسر، ويؤتى بها في أي وقت كان.
وإن سها في عدد التسبيحات فيبني على اليقين، أو على غلبة الظن، وقيل: يعيد الركن الذي سها فيه مع التسبيحات، وقيل يعيد الركعة كلها، وقيل يسجد للسهو ويسبح في سجوده عدد التسبيحات التي سها عنها، ولعل الأخير هو الأقرب للصواب، والله أعلم.
فضل الذكر والتسبيح المجرد عن الصلاة
إن لذكر الله أثراً بالغاً في تربية المسلم وتزكيته، فهو يطهر النفس من الدنس .. ويرطب اللسان من الفحش .. ويحسن الخلق .. ويجلو القلب من الصدأ، فيزيل همه، ويكشف غمه .. وينفس كربه ..
وهو غذاء القلوب .. وقوت النفوس .. وشفاء لها من الأمراض الحسية .. والأدواء النفسية.
وبه تعلو الهمم .. وتُشحذ العزائم .. وينتصر على الأعداء ..
وهو قربة للرحمن .. وطارد لوسوسة الشيطان ..
يحط الله به الخطايا .. ويرفع به الرزايا ..
مع ما لصاحبه من الأجر العظيم .. والتوفيق السديد ..
قال تعالى: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ [الرعد: ٢٨]
وقال سبحانه: ﴿والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]
стр. 81
قال رسول الله ﷺ :
((ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوّكم، فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال ذكر الله)) (١)
وقال ﷺ :
((أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة: يسبح الله مائة تسبيحة، فيكتب الله له بها ألف حسنة، أو يحط عنه بها ألف خطيئة)) (٢).
وقال رسول الله ﷺ : ((إن الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لتساقط من ذنوب العبد كما تساقط ورق هذه الشجرة))
وفي رواية:
((تنفض الخطايا كما تنفض الشجرة ورقها)) (٣)
وقال رسول الله ﷺ :
((من قال: ((سبحان الله وبحمده)) في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)) (٤)
قلت:
فإذا كان هذا هو فضل الذكر والتسبيح المجرد عن الصلاة، فكيف إذا جمعا إلى الصلاة .. ؟ !
فقد جمع نور على نور .. وأجر على أجر ..
ولهذا كان لصلاة التسبيح هذا الشأن العظيم، والأجر الجزيل.
стр. 82
دليلها:
وردت صلاة التسابيح عن أكثر من عشرة من الصحابة - رضوان الله عنهم أجمعين ـ.
ونذكر هاهنا ثلاثة طرق لها، ومن أراد التفصيل فليراجع الدراسات الحديثية الملحقة بهذا الكتاب.
أولاً: حديث عبد الله بن عباس:
روي عنه من طرق كثيرة، أهمها:
ما رواه أبو داود (١٢٩٧)، وابن ماجه (١٣٨٧)، والحاكم (١/ ٣٠٨) وغيرهم من طريق:
موسى بن عبد العزيز، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس به وهذا سند حسن.
فموسى بن عبد العزيز، قال ابن معين والنسائي عنه: لا بأس به.
وتُكلم فيه من حيث حفظه، ولذا قال الحافظ في التقريب ((صدوق سيء الحفظ)).
والحكم بن أبان: اتفق الجمهور على توثيقه، منهم الأئمة: ابن معين وابن المديني وأحمد بن حنبل، وحسبك بهم.
وعكرمة: تابعي جليل، ثقة معروف، وكان مولى لابن عباس.
ثانياً: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص:
ورد حديث عبد الله بن عمرو من طرق عن أبي الجوزاء به.
الأولى:
عن مسلم بن إبراهيم، عن المستمر بن الريان، عن أبي الجوزاء، عن عبد الله بن عمرو به.
رواه أبو داود (٢/ ٣٠).
ورجاله كلهم ثقات عدول.
стр. 83
والثانية:
عن محمد بن سفيان، عن حبان بن هلال، عن مهدي بن ميمون، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا.
أخرجه أبو داود (٢/ ٣٠)، والبيهقي (٣/ ٥٢).
وهذا سند رجاله كلهم ثقات إلا محمد بن سفيان، فإنه صدوق.
ثالثًا: حديث الأنصاري:
أخرجه أبو داود (١٢٩٩)، ومن طريقه البيهقي (٣/ ٥٢).
ثنا أبو توبة، ثنا محمد بن مهاجر، عن عروة بن رويم، قال: حدثني الأنصاري - فذكر الحديث ـ
وهذا سند رجاله رجال الشيخين غير عروة وهو ثقة.
والأنصاري: صحابي.
فهذا - إذن - سند صحيح، ومن قبله سندان عن عبد الله بن عمرو، أحدهما: صحيح، والآخر حسن.
ومن قبلهما حديث ابن عباس مقارب للحسن في أقل أحواله.
فهذه ثلاثة أسانيد يحتج بواحد منها لو انفرد في رواية الصلاة فكيف وقد وردت من عشرة طرق.
ومازلت متعجبًا - بعد هذا - ممن ذهب إلى تضعيف هذه الصلاة، ممن لم يبحث المسألة بحثًا مستفيضاً، ولم يتتبع أسانيدها وطرقها، واكتفى بتقليد من ضعفها، رغم أن الأكثر والأعلم من أئمة الحديث والفقه، قد صححها وصلاّها كثير من أئمة الإسلام.
وممن كان يصليها: أبو الجوزاء وهو تابعي عابد مشهور، وعبد الله بن المبارك الإمام العظيم، والمجاهد الكبير، وغيرهم.
وممن صححها أو حسّنها:
أحمد بن حنبل، وأبو داود، والحاكم، وأبو موسى المديني، والخطيب البغدادي، وابن الصلاح، والبغوي، والمنذري، والنووي في ((تهذيب الأسماء
стр. 84
واللغات)) و ((الأذكار))، وابن حجر العسقلاني، والسيوطي، وأخيرًا محدث زماننا شيخنا الألباني غفر الله لهم جميعًا.
ودعوى بعضهم: أنها مخالفة لهيئة الصلاة، دعوى غير صحيحة عند التأمل، فهي تمامًا كالصلوات الأخَر، غير أن فيها زيادة تسبيح وتحميد، وقد قال رسول الله ﷺ عن الصلاة:
((إنما هو التسبيح والتكبير)) (١)
فأي شيء فيها مخالف .. ؟ ! !
[قالوا: جلسة الاستراحة. قلت: أقل ما يقال في جلسة الاستراحة: أنها مختلف فيها، والصواب أنها سنة، لثبوتها في حديث مالك بن الحويرث ﵁ في صحيح البخاري وغيره، فمثل هذا لا يكون البتة شبهة لإبطال ثابت.
ثم هل إذا خالفت هيئةُ صلاة صلاة أخرى بطلت إحداهما.؟ أين هذا التأصيل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وقد خالفت صلاة الكسوف الصلوات فهل تبطل؟ ! ؟
قالوا: لا يعقل أن يكون بهذه الصلاة - وهي عمل قليل - هذا الأجر العظيم، والغفران الكبير!
قلت: أتحجير لرحمة الله، وتضييق لغفرانه، وتحكيم للعقل في النصوص الثابتة؟ ؟ ! ! ألم يغفر لعاهرة - وليس لزانية فحسب - لأنها سقت كلبًا (٢) .. ألم يدخل رجل الجنة لإزاحته عودًا من طريق المسلمين! ؟ (٢) أيليق بطالب علم فضلاً عن عالم أن يرد النصوص بمثل هذه الدعاوى.؟ أليس في هذا فتح باب للعقلانيين الذين يردون النصوص بالعقل.؟ إن هذا ليس بمسلك المتبعين.] [*]
ومن أحب التوسع فيراجع الأصل، حيث فصّلنا فيه القول، ورددنا ما أثير حولها من شبهات، والله الموفق لكل خير، وصلّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 85
بيان صحة صلاة التسابيح مع دراسة حديثية لأسانيدها
قال الحافظ في ((نتائج الأفكار)): (١)
((وردت صلاة التسابيح من حديث عبد الله بن عباس، وأخيه الفضل، وأبيهما العباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وأبي رافع، وعلي بن أبي طالب، وأخيه جعفر، وابنه عبدالله بن جعفر، وأم سلمة، والأنصاري غير مسمى، وقد قيل إنه جابر))
وقد وردت من طرق: صحيحة، وحسنة، وضعيفة، وإليك أهم هذه الطرق.
أما حديث ابن عباس:
فقد روي عنه أكثر من عشر طرق، نتكلم عن أهمها.
الطريق الأولى:
أخرجها أبو داود (١٢٩٧)، وابن ماجه (١٣٨٧)، والحاكم (١/ ٣١٨)، والبيهقي (٣/ ٥١)، وابن خزيمة (١٢١٦)، والطبراني في ((الكبير))
стр. 86
(١١٦٢٢)، وعزاه الحاكم للنسائي، والعسقلاني للدارقطني، وعزاه في ((نتائج الأفكار)) ٢ للحسن بن علي المعمري، وابن شاهين.
كلهم من طريق:
موسى بن عبد العزيز ثنا الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا به.
وموسى بن عبد العزيز: قال النسائي: لا بأس به، وكذا قال ابن معين، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن المديني: ضعيف، وقال السليماني: منكر الحديث. (١)
وقال الذهبي في ((الميزان)) (٤/ ٢١٢):
((ولم يذكره أحد في كتب الضعفاء أبدًا، ولكن ما هو بالحجة .. وحديثه من المنكرات)).
واقتصر في ((الكاشف)) على قول النسائي وابن معين: ((لا بأس به)).
وختم الحافظُ هذه الأقوال في ((التقريب)) بحكمه: ((صدوق سيء الحفظ)).
قلت: إذا كان ضعفه في مخالفته لسوء حفظه، فهو هنالم يخالف.
والحكم بن أبان: وثقه ابن معين والنسائي والعجلي، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) وقال: ربما أخطأ.
وقال يوسف بن يعقوب: سيد أهل اليمن.
وقال سفيان بن عيينة: لم أر مثله.
وحكى ابن خلفون توثيقه عن ابن نمير وابن المديني وأحمد.
قال الذهبي في ((الكاشف)) (١/ ١٨٠): ((ثقة)).
غير أن الحافظ قال في ((تقريبه)):
стр. 87
((صدوق له أوهام)).
قلت: مازلت متعجبًا من قول الحافظ هذا، فهو غير ما يفهمه الباحث من توثيق هؤلاء الأعلام له، ولعله أخذه من قول ابن المبارك عن بعض الرواة: (ارم بهؤلاء)، ومنهم الحكم، لكن الجرح مقدم على التوثيق إن كان مفسرًا: وهاهنا قول ابن المبارك غير مفسر، مع كثرة الموثقين، وعلو منزلتهم.
وأغرب من هذا قول ابن الجوزي: مجهول! ! وهو قول لا يلتفت إليه مع توثيق هؤلاء الأئمة له، وسيأتي الرد على ابن الجوزي مفصلاً إن شاء الله تعالى.
وعلى كل حال، فإن حديث مثل هذا مقارب درجة الحسن، وبخاصة إذا انعدم المخالف.
كيف وله متابعات تامة وقاصرة وشواهد منها:
متابعة إبراهيم بن الحكم بن أبان:
رواها البيهقي (٣/ ٥٢)، والحاكم (١/ ٣١٩) عن عكرمة مرسلاً، ورواها الحاكم موصولة (١/ ٣١٩).
وعزاها الحافظ في ((نتائج الأفكار)) (١) لإسحاق بن راهويه
وإبراهيم هذا: قال في ذيل ((الكاشف)): ضعيف. وكذا قال الحافظ في ((التقريب))، غير أن التحقيق العلمي يقتضي أن يكون ضعيفًا جدًا.
وقد جاء من طرق كثيرة، كادت تبلغ مبلغ التواتر، كما ستراه مبيناً في هذا التحقيق إن شاء الله تعالى.
стр. 88
الطريق الثانية عن ابن عباس:
رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٢٩٠٠) قال:
حدثنا إبراهيم قال: حدثنا محرز بن عون قال: حدثنا يحيى بن عقبة بن أبي العَيزار عن محمد بن جحادة عن أبي الجوزاء قال: قال لي ابن العباس: (يا أبا الجوزاء! ألا أخبرك، ألا أتحفك، ألا أعطيك؟ ! قلت: بلى، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
((من صلّى أربع ركعات .. )) ثم ذكر هيئة الصلاة.
قال في ((مجمع الزوائد)) (٢/ ٢٨٥):
فيه يحيى بن عقبة وهو ضعيف.
قلت: كنت أريد الإعراض عن هذه الطريق، كما أعرضت عن كل طريق فيها متروك أو متهم؛ فإن يحيى هذا ضعيف جدًا، بل متهم، كما في ((الميزان)) (٤/ ٣٩٧) لولا أن توبع متابعة قاصرة وهي:
الطريق الثالثة عن ابن عباس:
قال أبو داود (٢/ ٣٠) رقم (١٢٩٨):
رواه المستمر بن ريان عن أبي الجوزاء عن عبد الله بن عمرو موقوفاً:
ورواه روح بن المسيب وجعفر بن سليمان عن عمرو بن مالك النّكري عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قوله، وقال في حديث روح: فقال حديث النبي ﷺ .
قلت: هذه من أحسن طرق حديث صلاة التسابيح، فهي من طريقين عن أبي الجوزاء، كل واحدة منهما صحيحة.
أما الأولى:
فالمستمر بن الريان وأبو الجوزاء: تابعيان جليلان ثقتان بالإجماع.
وقد أقرّ الإمام أحمد بصحة هذا السند، وقد حكاه عنه الحافظ في ((أماليه)) (١).
стр. 89
وسيأتي الكلام عنه مفصلاً إن شاء الله.
وأما الطريق الثاني عن أبي الجوزاء:
ففيها روح وهو متروك، لكن لا يضر تركه بالكلية، لأنه إنما ذُكر مقرونًا بجعفر بن سليمان، ولم ينفرد بالرواية.
وجعفر قال فيه أحمد:
((لا بأس به))، ووثقه ابن معين وابن المديني، وقد غمز به بعضهم لتشيعه، وحسبك توثيق هؤلاء الأئمة الفحول له، فليس كل شيعي مرفوض الرواية، وليس كل شيعي رافضياً، وتفصيل ذلك يراجع في مظانه، ولهذا قبله الإمام أحمد.
وعمرو بن مالك النُّكري:
قال الذهبي في ((الميزان)) (٣/ ٢٨٦):
((ثقة)).
ووهم الحافظ في ((التقريب)) فقال:
((صدوق له أوهام)).
كما ستراه مبينًا قريبًا إن شاء الله تعالى.
وأبو الجوزاء:
هو أوس بن عبد الله الربعي: ثقة بالاتفاق.
فهذا السند صحيح واضح كالشمس، رواته كلهم ثقات عدول بالاتفاق.
والنُّكري: لم أر أحداً وصفه بما وصفُه به الحافظ، غير قول ابن حبان في ((الثقات)) (٧/ ٢٢٨):
((ويعتبر حديثه إلا ما كان من رواية ابنه عنه)).
قلت: وهذه الرواية ليست من رواية ابنه عنه، فصحّ السند، والحمد لله تعالى.
ثم هب أننا سلمنا للحافظ بتوهيم النُّكري، فإنه لا يضر وهمه هاهنا؛ لأنه لم يتفرد بهذه الصلاة، حتى يتخوف من وهمه؛ بل تابعه على ذلك أكثر من راوٍ
стр. 90
مقبول الرواية.
وليس كل من كان عنده وهم، فهو ضعيف.
ثم هب النُّكري كان ضعيفاً - ولم يضعفه أحدٌ أبدًا - فإن هذا الضعف اليسير ينجبر بمتابع أو شاهد، فكيف وهناك متابعات وشواهد.
وبهذه الطرق والمتابعات يكون حديث ابن عباس صحيحا، ومن كان عنده طلب في علم الحديث يدرك ذلك.
وقد صححه لغيره شيخنا في صحيح الترغيب (٦٧٧).
شبهات على طريق ابن عباس وردها:
لم أقف على علّة توجب ترك هذا السند، إلا ما كان من كلام أبي داود السابق، الذي يشير به إلى أن الحديث روي موقوفًا ومرفوعًا، وأن فيه اختلافًا في اسم الصحابي، فتارة يروى عن ابن عباس، وأخرى عن عبد الله بن عمرو.
قلت: كل هذا لا يضر، وليس هذا من الاضطراب المردود في شيء.
وشبهة الوقف لا محل لها هاهنا، لأن الوقف في مثل هذا المقام له حكم الرفع، لأن هذا لا يقال من قبل الرأي، لأنه تشريع وغيب.
أما التشريع: فهو الصلاة.
وأما الغيب: فهو الإخبار بغفران الذنوب.
وحاش أصحاب رسول الله ﷺ أن يقدموا بين يدي الله ورسوله، بل هذا محال على عالم عامل؛ فكيف بأصحاب رسول الله ﷺ ؟ ؟
وقد تقرر هذا في علم الأصول، ومن ذلك قول السخاوي في ((فتح المغيث)) (١/ ١٢٤):
((ومنه - أي من الموقوف الذي له حكم الرفع ـ .. ولا مجال للرأي فيه، كتفسير مغيب عن أمر الدنيا، أو الآخرة، أو الجنة والنار، وتعيين ثواب أو عقاب، ونحو ذلك))
وهذا كله لو كان الحديث موقوفًا لم يرفعه أحد، كيف وقد رفعه الكثير من الثقات؛ بل الأكثر على رفعه!
وحكم الرفع حكم زيادة الثقة.
وزيادة الثقة مقبولة.
كيف وقد رفعه ثقات. .؟ ؟
стр. 91
وأما شبهة الخلاف في اسم الصحابي فلا تضر أبدًاً، ماداموا - كلهم - عدولاً وثقاتاً، فأي شيء يضر! .. إن كان الحديث عن ابن عباس، أو عن ابن عمر أو عن أي صحابي آخر، ولو كان مجهول الاسم عندنا؟ ! !
والحقيقة أن هذه الطريق متابعة جيدة لرجال الطريق السابقة عن أبي الجوزاء، وارتفعت بذلك العهدة عن يحيى بن عقبة.
وللحديث طريق أخرى عن أبي الجوزاء.
أخرجها أبو داود (٢/ ٣٠)، ومن طريقه البيهقي (٣/ ٥٢) عن محمد بن سفيان الأبلي، ثنا حبان بن مالك، عن أبي الجوزاء قال:
حدثني رجل كانت له صحبة - يرون أنه عبد الله بن عمرو - مرفوعاً بنحوه.
غير أنه زاد فيه:
((إذا زال النهار فقم فصل أربع ركعات))
قلت: إبهام اسم الصحابي لا يضر، ومحمد بن سفيان: صدوق.
وحبان بن هلال: ثقة ثبت.
ومهدي بن ميمون: ثقة.
كذا قال الحافظ عن الجميع.
وعمرو بن مالك هو: النُّكري سبق الكلام فيه وفي أبي الجوزاء، وهما ثقتان.
فهذا سند جيد بيّن كالشمس.
وهو صحيح لولا وصف محمد بن سفيان بالصدوق.
فينزل إلى درجة الحسن [لذاته].
وهذا ما فعله المنذري، فقد حسن هذه الطريق في ((الترغيب)) (١/ ٤٧٠)
[إجابة صاحب كتاب التوضيح على شبهاته: ]
غفر الله لصاحب التوضيح، فقد قال عقب هذه الطريق صـ ١٩٠: - أعني طريق روح وجعفر عن النُّكري عن أبي الجوزاء - قال:
((وفي هذا الطريق اثنان:
أحدهما: متروك، وهو روح بن المسيب.
стр. 92
والثاني: ضعيف، وهو عمرو بن مالك.
وفيه راوٍ رابع، وهو أبو الجوزاء، وقد سمعنا ما قاله فيه البخاري وما قاله فيه ابن حجر))
ولنا على هذا الكلام مؤاخذات.
الأولى: لا طائلة وراء الطعن بروح بن المسيب؛ لأنه لم يتفرد به، وإنما ذكر مقرونًا بجعفر، وهو متابع له، وما دام جعفر صدوقاً، فما معنى التركيز على روح .. ؟ !
وهبهُ من أكذب خلق الله، ألا يكفينا أن جعفر صدوق! ؟ (١)
ولو ذهب أهل الحديث مذهب صاحب التوضيح، لما صحّ عن الرسول ﷺ إلا النزر اليسير، إذ ما من رواية رواها ثقة إلا وقد رواها ضعيف أو كذاب، فلا يضر صدق الراوي رواية الكذاب لروايته.
والحقيقة أن هذه غريبة! بل عجيبة! أن تصدر من طالب علم فضلاً عن محقق، لأنها تخالف الفطرة والعقل، فضلاً عن الشرع وإجماع أهل العلم والفهم.
[عمرو بن مالك النكري ثقة والرد على من توهم ضعفه:
المؤاخذة الثانية على صاحب ((التوضيح)): ]
إطلاق الضعف على عمرو بن مالك النُّكري، والأمر ليس كذلك.
فقد وثقه الذهبي في ((الميزان)).
وقال في ((الكاشف)):
стр. 93
((وثق)).
والذي وقع للأخ صاحب التوضيح عدم تمييزه بين عمرو بن مالك النكري، وعمرو بن مالك الراسبي.
فهذا الأخير هو الضعيف، وهو الذي كان يسرق الحديث؛ ولم يسبق المؤلفَ أحدٌ على الإطلاق في تضعيف النُّكري.
كيف! وقد وثِّق من قبل الإمامين: ابن حبان، والذهبي.
وعدّله الحافظ، ولم يذكره أحدّ بضعف!
ثم عجيب أن يقع هذا من الأخ الدكتور!
فإن النكري - أبا مالك - تابعي، لم يرو إلا عن أبيه وأبي الجوزاء.
ومن الطبقة السابعة، والراسبي من التاسعة.
ثم أدركت سبب وقوع الدكتور في هذا الخطأ:
وهو وهم وقع في ((الكامل في الضعفاء)) لابن عدي في ترجمة عمرو بن مالك وهو الراسبي، فوهم من وهم، وقد نبه الحافظ في التهذيب على وهم ابن عدي فكتب: النكري.
ويتبين هذا من الأمور التالية:
١ - أن أحدًا من الذين ترجموا للنكري، لم يذكروا ما ذكره ابن عدي في الترجمة ولا حرفًا منه، فالله أعلم ممن وقع الوهم.
٢ - أن الأحاديث التي سيقت في ترجمتة إنما هي للراسبي، ويتبين هذا من مراجعة ترجمة الاثنين في ((تهذيب الكمال)).
فإن النُّكري لم يرو كما سبق إلا عن أبيه وأبي الجوزاء، وهذا قد روى عن الوليد بن مسلم والفضيل بن سليمان وغيرهم.
٣ - إن ترجمة الراسبي في ((التهذيب)) توافق ترجمته في ((الكامل))، من أنه كان يسرق الحديث، وأن أبا يعلى ضعفه، وقد كان الراسبي من شيوخه.
وأما النُّكري فليس من شيوخ أبي يعلى، وبين أبي يعلى وبينه مفاوز.
٤ - في ترجمة الراسبي في ((التهذيب)):
((قال ابن عدي: منكر الحديث عن الثقات، ويسرق الحديث ... ))
стр. 94
وهذا هو كلام ابن عدي نفسه في ترجمة عمرو بن مالك النُّكري .. مما يدل على وهْم من وَهِم.
ثم لما تابعت قراءة ترجمة الراسبي، وجدت الحافظ يقول منبهًا على ترجمة الراسبي عند ابن عدي:
((إلا أنه قال في صدر الترجمة عمرو بن مالك النُّكري، فوهم؛ فإن النُّكري متقدم على هذا))
ففرحت بها لتوفيق الله تعالى إياي، بما توصلت إليه بهذا الشأن، وذلك فضل منه ونعمة.
ثم لما راجعت كتاب الثقات لابن حبان (٨/ ٤٨٧)، وجدت الوهم فيه كذلك.
٥ - زلة قلم للحافظ في النكري:
لا يسلم للحافظ قوله عن النكري: ((يغرب ويخطئ))
بل هي سبق قلم منه، كما قال الأخ محقق كتاب ((الترجيح))؛ وأنكر هذا صاحب كتاب ((التوضيح)).
والصواب عند تتبع المسألة أنها سبق قلم من الحافظ، وذلك لعدم وجودها في ((تهذيب الكمال)) للمزي ولعل سبب هذا الخطأ أنه نقله من ترجمة ابن حبان للراسبي، وهو يلقبه النكري، فتبعه الحافظ هنا دون أن يتنبه ..
ولا وجود لها في كتاب الثقات لابن حبان في ترجمة عمرو التي نُقلت منه الترجمة.
فدّل ذلك على أنها سبق قلم منه ﵀، وإلا فليرشدنا إليها صاحب كتاب ((التوضيح))، من أين أتى بها الحافظ؟
ثم عثرت على الكلمة نفسها ((يغرب ويخطئ)) في ترجمة عمرو بن مالك الراسبي، الأمر الذي أكد وهم الحافظ رحمه الله تعالى:
وبناء على وهمه هذا، قال في ((التقريب)) عن النُّكري: ((صدوق له أوهام)).
والصواب أنه ثقة، كما قال الأئمة الموثقون، ولم أجد أحدًا وصفه بالوهم غير الحافظ.
стр. 95
٦ - أنكر صاحب التوضيح أن يكون الذهبي قد وثق النكري.
والصحيح أن الذهبي قد وثّق النُّكري في ((الميزان)) (٣/ ٢٨٦)، السطر الثالث، الكلمة الثانية!
وسر خفاء توثيق الذهبي على صاحب ((التوضيح)):
أن الذهبي ذكر عمرو بن مالك النكري، ولم يذكر شيئاً عقبه، ثم أعقبه بعمرو بن مالك الجنبي، ثم قال:
((ثقتان)).
فلما راجع الأخ ترجمة النكري في ((الميزان)) لم يجد شيئًا فيها، ولم يتابع كلام الذهبي، فأنكر توثيق الذهبي للنكري! وجلّ مَنْ لا يسهو. (١)
المؤاخذة الثالثة على صاحب ((التوضيح)): غمْزهُ بأبي الجوزاء، وهو ثقة مشهور:
قلت: رغم اتفاقهم على ثقته وفضله، وهذا أمر عجيب صدوره من محقق.
فأما قول البخاري: ((في إسناده نظر): فإنما كان عن إسناد بعينه كان في سنده أبو الجوزاء - لا على أبي الجوزاء نفسه - وشتان ما بين الكلام على الإسناد، والكلام على الرجل.
وقد ذكر هذا الحافظ في ((التهذيب)) (١/ ٣٨٤) قال:
((وقول البخاري: في إسناده نظر .. إنما قاله عقب حديث رواه له لا أنه ضعيف عنده))
وبالرجوع إلى ترجمة أبي الجوزاء في ((التاريخ الكبير)) (٢/ ١٦):
(قال لنا مسدد: عن جعفر بن سليمان عن عمرو بن مالك النكري عن أبي الجوزاء قال:
أقمت مع ابن عباس وعائشة اثنتي عشرة سنة ليس في القرآن آية إلا سألتهم
стр. 96
عنها، قال محمد: في إسناده نظر) اهـ بلفظه.
وبتتبع ألفاظ البخاري: نجد أنه إذا أراد ترجمة الراوي قال: فيه نظر، وإذا أراد الحكم على السند قال: في إسناده نظر.
ففي ترجمة أوس بن عبيد الله بن بريدة بن حصيب الأسلمي (٢/ ١٧) قال: فيه نظر.
وفي ترجمة بكر بن قرواش (٢/ ٩٤) قال أيضًا: وفيه نظر.
أو قال: فيه بعض النظر، كما في ترجمة أحمد بن الحارث الغساني (٢ ـ ٢).
أو قال مفصلاً: في حديثه واسمه وسماعه من أبيه نظر، كما في ترجمة أسامة بن مالك بن قهطم.
وإذا أراد الإسناد لا الراوي قال: في إسناده نظر، كما في ترجمة أبي الجوزاء.
وبهذا يتبين أن البخاري لم يطعن بأبي الجوزاء كما أشار إلى ذلك صاحب ((التوضيح)).
وإلى هذا ذهب الحافظ ووجّه كلام البخاري.
فقال: ((وقول البخاري: في إسناده نظر، إنما قاله عقب حديث له، لا أنه ضعيف عنده)) كما سبق ذكره.
ورغم نقل صاحب التوضيح لكلام الحافظ هذا، ووقوفه على اتفاقهم على توثيقه، قال غامزًا بهذا الراوي الذي لم يسبقه إلى ذلك فيه أحد:
((وقد سمعنا ما قاله فيه البخاري))
ألا ينبغي بعد ذلك أن نقول: غفر الله له.
وأشد من هذا وأغرب؛ أنه أشعر القارئ أن الحافظ نفسه يضعف الرجل إذ قال: ((وما قاله فيه ابن حجر))
стр. 97
ولم يقل الحافظ إلا بتوثيقه بل ودافع عنه، ووجّه كلام البخاري وصرّح بعدم تضعيفه له فكيف يقال بعد هذا
((وما قاله فيه ابن حجر))؟ ! !
نعم قال (يرسل كثيرًا)، وهذا ليس طعناً بالرجل.
وكان الواجب على الأخ صاحب ((التوضيح)) أن ينقل تتمة كلام الحافظ الذي وجه به كلام البخاري وهو:
((لا أنه ضعيف عنده)).
فهل من الأمانة العلمية، أن تسقط هذه اللفظة، وهي قول الحافظ في توجيه كلام البخاري.
وقد سبق الحافظ إلى هذا ابن عدي في ((الكامل)).
خلاصة القول في طريق ابن عباس ..
أما بعد: فهذه أربعة طرق عن ابن عباس، اخترتها من أكثر من عشر طرق، وقد أعرضت عن كل رواية فيها متهم أو متروك.
ومازلت متعجبًا - بعد هذا البيان - ممن يصرّ على تضعيف هذه الصلاة، بله إنكارها، رغم ورودها بهذه الأسانيد التي ذكرنا! ! !
ولو لم يكن هناك غير هذين الطريقين، لكان الحديث بهما صحيحًا لغيره، أو حسنًا لغيره على أقل أحواله؛ فكيف إذا انضم إليهما روايتان عن ابن عباس واحدة منهما حسنة؟
تناقض الحافظ والتوفيق بين أقواله:
ومنه تعلم غرابة قول الحافظ في ((التلخيص)) (٢/ ٤٨٢):
(( .. وإن كان حديث ابن عباس يقرب من شرط الحسن، إلا أنه شاذ لشدة الفردية فيه، وعدم المتابع والشاهد من وجه معتبر))
قلت: هذا كلام معتبر لو لم يكن عن ابن عباس تلك الطرق التي ذكرنا.
أما وقد ذكرنا من المتابعات ما ذكرنا، فغريب جدًا قول الحافظ: ((وعدم المتابع والشاهد من وجه معتبر)).
стр. 98
فإن أراد بالاعتبار، عدم وجود وضاعين وكذابين أو متروكين في الأسانيد، فالأمر كذلك، بشهادته هو وشهادة غيره، كما هو واضح من التحقيق السابق.
ثم عجيب قوله: (لشدة الفردية فيه)
إذ لم يتفرد بهذه الصلاة أحد على الاطلاق، بشهادة كبار الحفاظ، وبشهادته هو نفسه في كتابه (الخصال المكفرة)، فقد قال عقب الطريق الأول: (١)
(رجال إسناده لا بأس بهم)
وهذا هو الحق الذي تقتضيه الدراسة الحديثية.
فلعل الحافظ لم يقف على هذه الطرق، وهذا بعيد على مثل الحافظ، فهي عند أبي داود والبيهقي والطبراني وغيره، وربما تكون سبق قلم منه ﵀، أو ذهولاً ووهماً.
وأغلب الظن، أن هذا كان منه قبل أن يطلع على تلك الشواهد والمتابعات التي ساقها، ثم لما اطلع عليها ساقها على كثرتها.
وَزَعْم بعضهم أنه تراجع عن هذا، لأن كتاب ((الخصال المكفرة)) ألّفه قبل كتاب ((تلخيص الحبير)): مردود بما قاله الحافظ نفسه في ((نتائج الأفكار)) (٢):
(وهذا إسناد حسن).
وبإقراره بوجود المتابع الصالح: إذ قال في ((النتائج)) - بعد أن حسّن أكثر من طريق - عن حديث العباس:
((فيصلح في المتابعات)) (٣)
ففي ((التلخيص)) نفى وجود المتابع الذي يصلح للاعتبار، مما يدل على أنه لم يقف أول الأمر على تلك المتابعات الكثيرة التي ساقها هو نفسه في ((النتائج)).
ولما استقرأها، ووقف عليها، صرّح بتحسين بعضها، وبصلاحية بعضها للمتابعة والاستشهاد،
стр. 99
فقد قال عن الطريق الأولى:
(وهذا إسناد حسن) كما سبقتْ الإشارة إلى ذلك.
ومعلوم أن الأمر المُثْبَت مقدم على المنفي (١).
ففي ((التلخيص)) نَفَى، وفي ((النتائج)) أثبت - يعني وجود المتابع -
وهذا ما تقتضيه الصناعة الحديثية.
فكثير من الطرق والشواهد التي سقنا بعضها، وسنسوق الباقي - إن شاء الله ـ، صالحة للاعتبار، لخلوها من الرواة المتهمين أو المتروكين.
وقال السيوطي في ((اللآلئ)) (٢/ ٣٨):
((قال الحافظ: رجال إسناده لا بأس بهم وقال النسائي مثل ذلك، وقال ابن المديني (٢): فهذا الإسناد من شرط الحسن فإن له شواهد تقويه))
وهذا هو الحق، الذي يتبين لكل منصف نظر في هذه الأسانيد بعيدًا عن كل تعصب أو تساهل.
والحقيقة: أني كنت قد حكمت على السند من قبل أن أرى أقوال هؤلاء الأئمة.
فلما وقفت على أقوالهم فرحت بذلك، وبخاصة قول ابن المديني، والنسائي لما اشتهر عنهما من التشدد والتثبت.
وكذلك قول الحافظ الذي عرف بسعة الاطلاع والإنصاف.
стр. 100
قال الحافظ المنذري (١/ ٤٦٨):
(وقد صححه - أي حديث عكرمة عن ابن عباس - جماعة منهم: الحافظ أبو بكر الآجري، وشيخنا أبو محمد عبد الله المصري، وشيخنا الحافظ أبو الحسن المقدسي ﵏ وقال أبو بكر ابن أبي داود سمعت أبي يقول:
((ليس في صلاة التسبيح حديث صحيح غير هذا))).
الحديث الثاني في صلاة التسابيح: حديث الأنصاري
أخرجه أبو داود (١٢٩٩)، ومن طريقه البيهقي (٣/ ٥٢) قال:
ثنا أبو توبة الربيع بن نافع ثنا محمد بن مهاجر عن عروة بن رويم قال:
حدثني الأنصاري أن رسول الله ﷺ قال لجعفر .. فذكر نحوه))
قلت:
وهذا سند رجاله رجال الشيخين غير عروة بن رويم فهو ثقة، وثقه أبو نعيم والنسائي.
وقال الدارقطني: لابأس به (١).
وقال الحافظ في ((التقريب)): صدوق.
وقال في ((النتائج)): ثقة (٢).
وقال المزي في ((تهذيب الكمال)) (٧/ ١٧٩):
((والأنصاري: قيل إنه جابر))
قلت: سواء كان جابرًا أو غيره، فإن جهالة الصحابي لا تضر، فكلهم ثقات عدول والحمد لله.
واحتمل الحافظ في ((النتائج)) (٣) أن يكون الأنصاري هو الأنماري قال:
((فلعل الميم كبرت قليلاً، فأشبهت الصاد. فإن يكن كذلك، فيكون هذا
стр. 101
حديث أبي كبشة الأنماري.
وعلى التقديرين:
فسند الحديث لا ينحط عن درجة الحسن)) اهـ
شبهات غريبة لصاحب ((التوضيح)) والرد عليها:
على رغم صحة هذا السند، فقد حاول صاحب التوضيح التفلت من التصريح بصحته بأمور غريبة، فبعد أن نقل عن الأئمة توثيقهم لرجال السند كافة قال:
((أما الأنصاري، فقد حقق ابن حجر أنه أبو كبشة الأنماري، وليس الأنصاري، وهذه الطرق فيها من وصف بالصدق، وفي علم الجرح أهل هذه المرتبة لا يحتج بحديثهم، ولكن يكتب للاعتبار فقط)) (١)
قلت: لنا على هذا الكلام المؤاخذات التالية:
الأولى:
أشعرَ القارئ من قوله: أن ((الأنصاري)) هو ((الأنماري)) أن في الحديث شيئًا ما كالاضطراب أو غيره.
أو أن الأنماري راوٍ فيه ضعف.
والأنماري- أبو كبشة - صحابي جليل، وقد تقدمت الإشارة إلى أن الاختلاف في اسم الصحابي لا يضر، فسواء كان الأنصاري أو الأنماري، فكلاهما صحابي جليل، فأي فائدة - إذن - من هذه الغمزة؟ !
ولذا قال الحافظ: فعلى التقديرين فسند الحديث لا ينحط عن درجة الحسن)) وهذا هو الإنصاف والعدل.
المؤاخذة الثانية: عدم إتمام كلام الحافظ
كان الواجب أن ينقل كلام الحافظ برمته، حتى لا يقع في نفس القارئ منه شيء، فإن تتمة كلامه:
((فعلى التقديرين .. فسند الحديث لا ينحط عن درجة الحسن، فكيف إذا
стр. 102
ضم إلى رواية أبي الجوزاء عن عبد الله بن عمرو التي أخرجها أبو داود وحسنها المنذري))
ففي هذا الكلام المتين أربع فوائد:
الأولى: أن الاختلاف في اسم الصحابي لا يضر، فقوله: ((على التقديرين)) أي: على تقدير أنه الأنصاري، أو على تقدير أنه الأنماري.
الثانية: أن السند المشار إليه، وهو حديث الأنصاري حسن لذاته في أقل الأحوال.
الثالثة: أنه موافق للطرق الأخرى فهو غير شاذ ولا منكر.
الرابعة: إقراره تحسين المنذري لرواية أبي الجوزاء عن عبد الله بن عمرو.
المؤاخذة الثالثة: عدم ضبط عباراته، وصفه الثقة بالصدق
إن كافة رجال السند ثقات، بل هم من رجال الشيخين إلا عروة وهو ثقة أيضًا، فأي معنى لقوله: ((فيها من وصف بالصدق.
قال صاحب ((التوضيح)):
((وهذه الطرق فيها من وصف بالصدق))
قلت: ثم هي طريق واحدة، وليست طرقاً! وقد وصِفوا كلهم بـ ((الثقة)) بما نقله هو نفسه عن الأئمة.
ثم لا يضر الراوي وصفه بالصدق من بعض أهل النقد، مع وصفه بالثقة من آخرين، ولا ينزل هذا من منزلته، ولا يحط من قدره؛ بخاصة إذا كان الواصفون له بالثقة أعلى درجة من أولئك وأكثر.
ألا يكفي أن يصف النسائي عروة بالثقة، ولا مطعن عليه من أحد؟
المؤاخذة الرابعة: دعواه أن أهل الصدق لا يحتج بحديثهم
إن قواعد مصطلح الحديث تشهد أن هذه الطريق صحيحة السند لأن رواتها موثقون، وقد وصف بعضهم بالصدق مع وصفه بالثقة، فادعى صاحب ((التوضيح)) أن من وصف بالصدق لا يحتج بحديثهم ((ولكن يكتب حديثهم للاعتبار)).
قلت: هب أننا سلّمنا جدلاً أن فيها رجلاً وصف بالصدق دون وصفه بالثقة، فإن السند لا ينزل بحال عن درجة الحسن.
ولذلك صرّح الحافظ - وهو الذي أطلق صفة الصدق عليه - بحسن إسناده!
стр. 103
والصدوق عند الحافظ: حديثه حسن، فمن أين لصاحب ((التوضيح)) هذا الادعاء.
ومن أراد التثبت، فليراجع مراتب التعديل عند الحافظ في مقدمة التقريب.
وإذا سلمنا بمسألة الاختبار هذه التي ذكرها صاحب التوضيح، فإن روايته هذه توافق رواية الضابطين المتقنين، فضلاً عن أن أحدًا من الأئمة المختصين لم يصفه بالمخالفة، فضلاً عن النكارة، فكان هذا اختباراً لها.
قال ابن الصلاح في ((مقدمته)) (١٠٦):
((يعرف كون الراوي ضابطًا، بأن نعتبر رواياته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان، فإن وجدنا رواياته موافقة ولو من حيث المعنى لرواياتهم، أو موافقة لها في الأغلب والمخالفة نادرة، عرفنا حينئذ كونه ضابطًا ثبتًا))
خامسًا: هبنا سلمنا أن وصْف الراوي بالصدق يجعل السند للاعتبار لا للاحتجاج.
فقد سبق مثل هذا السند للاعتبار أيضًا.
فإذا جمعت هذه الطرق التي نصّ صاحب التوضيح نفسه على أنها صالحة للاعتبار؛ مع ما سبقها من الطرق الصالحة للاعتبار، صار الحديث حسنًا لغيره، كما هو معلوم عند من له أدنى اطلاع على هذا العلم الشريف.
قال ابن الصلاح في مقدمته (٣٤)
(( .. إنه ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت فمنه ضعف يزيله ذلك، بأن يكون ضعفه ناشئاً من ضعف حفظ راويه مع كونه من أهل الصدق والديانة، فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر، عرفنا أنه مما حفظه، ولم يختل ضبطه له، وكذلك إذا كان ضعفه من حيث الإرسال زال بنحو ذلك)) اهـ
[الحديث الثالث: ]
حديث أبي رافع ﵁ مولى رسول الله ﷺ -
стр. 104
رواه الترمذي (٤٨٢)، وابن ماجه (١٣٨٦)، وعزاه الحافظ في ((النتائج)) لأبي نعيم في ((القربان))
كلهم من طريق: زيد بن الحباب ثنا موسى بن عبيدة ثنا سعيد بن أبي سعيد مولى أبي بكر بن حزم عن أبي رافع به مرفوعًا.
زيد بن الحباب: قال علي بن المديني وابن معين: ثقة (١)
وقال الحافظ: صدوق يخطئ في حديث الثوري. (٢)
قلت: وهذا ليس من حديث الثوري.
وموسى بن عبيدة: ضعيف لاسيما في عبد الله بن دينار.
وسعيد بن أبي سعيد: ذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وقال الحافظ: مجهول.
فهذا السند ضعيف، لكنه يصلح في الشواهد والمتابعات؛ لخلوه من الوضّاعين والمتروكين.
وقد صححه لغيره شيخنا في صحيح الترغيب (٦٧٨)
[الحديث الرابع: ]
حديث العباس ﵁
قال الحافظ في ((النتائج)) (٣):
((أما حديث العباس فقد أخرجه أبو نعيم في ((القربان))، وابن شاهين في ((الترغيب))، والدارقطني في ((الأفراد)).
من طريق موسى بن أعين، عن أبي رجاء، عن صدقة، عن عروة بن
стр. 105
رويم، عن ابن (١) الديلمي، عن العباس به مرفوعًا.
ورجاله ثقات إلا صدقة الدمشقي كما بينته بعض الروايات.
قال الدارقطني: صدقة هذا، هو ابن يزيد الخراساني، ونقل كلام الأئمة فيه.
ووهم في ذلك، فالدمشقي هذا هو ابن عبد الله ويعرف بالسمين (٢).
ضعيف من قبل حفظه، ووثقه جماعة فيصلح في المتابعات)) انتهى كلام الحافظ.
قلت: لم أجد في شيوخ الاثنين - الخراساني والدمشقي - عروة بن رويم.
والراجح عندي: أن صدقة هذا هو ابن المنتصر، وهو الذي من شيوخه عروة بن رويم.
ثم وجدت: أن هذا هو ما ذهب إليه المزي في ((التهذيب)) وسكت عنه الحافظ في ((تهذيبه))، ومن قبلهما ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (٤/ ٤٣٤/ (١٩٠٣).
ثم رجعت إلى من روى عن عروة، لأتثبت مما توصلت إليه، فوجدت في ((التهذيب)) (٧/ ١٧٩) في ترجمة عروة؛ في من روى عنه؛ صدقة بن المنتصر، فزدت يقينًا على يقين، وعجبت من صنيع من لم يتوصل إلى هذا، والله يغفر لي ولهم.
وبهذا يكون السند حسنًا، لأجل صدقة هذا.
قال أبو زرعة: لا بأس به، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) والباقون كلهم ثقات، كما صرح بذلك الحافظ.
وهو من الأدلة البينة على صحة صلاة التسابيح، حتى ولو لم يكن هناك
стр. 106
غيره، فكيف وقد مرَّ بك ما تقدّم من الأسانيد الحسان، ومن الطرق التي تصلح للمتابعات.
[وقفات مع صاحب ((التوضيح)): ]
وقبل مغادرة هذا الطريق، نحب أن نقف بعض الوقفات مع الأخ الفاضل صاحب ((التوضيح)) عند ترجمته لصدقة (٢٠٣) قال:
(( .. والذين أرادوا تصحيح الحديث قالوا: إنه صدقة الدمشقي، فقد جاء مصرحًا به في بعض الروايات)).
الوقفة الأولى: أن في قوله ((الذين أرادوا تصحيح الحديث))
غمز شديد بنية الذين صححوا، وأنهم أرادوا التصحيح قبل التثبت والتحقيق، ولا يليق بمسلم أن يظن بأخيه المسلم ظن السوء بلا دليل ولا برهان، حتى ولا قرينه.
ويزداد عجب القارئ؛ إذا علم أن هؤلاء ((الذين يريدون تصحيح الحديث)) هم أئمة أعلام، وعلماء كرام، وهم أبعد منا عن الهوى، وعن إرادة التصحيح والتضعيف، قبل التثبت والتحقيق.
تالله لو كانت هذه الكلمة في المعاصرين لحملت على كره، فكيف وهي تعني أئمة الإسلام: كالثوري والعسقلاني والمنذري وغيرهم ممن ذهبوا إلى صحة الحديث.
أفيليق بمسلم بله محقق، أن يقول عن مثل هؤلاء الأعلام، أنهم أرادوا التصحيح، وعقدوا له النية قبل البحث والتحقيق، ثم جاء بحثهم لإثبات ما عقدوا العزم عليه.
كنا نتمنى ألا يقع أخونا الفاضل في أمثال هؤلاء الأعلام، ولعله سبق قلم منه - عفا الله عنا وعنه ـ
الوقفة الثانية: قد جاء هؤلاء ((الذين أرادوا تصحيح الحديث)) بقرينة على أن صدقة هذا هو الدمشقي، وليس الخراساني، [وهي أنه جاء ذلك مصرحا في بعض الروايات .. ] [*]
فما هو جواب الأخ الفاضل عما استدل به هؤلاء الأعلام؟
стр. 107
[الحديث الخامس: ]
حديث عبدالله بن عمرو بن العاص
وله عنه طرق:
أولاً: طريق أبي الجوزاء:
الأولى: قال أبو داود (٢/ ٣٠):
رواه المستمر بن الريّان عن أبي الجوزاء عن عبد الله بن عمرو موقوفًا.
قلت: وهذا سند صحيح.
قال الحافظ: المستمر ثقة عابد.
وأبو الجوزاء: ثقة معروف.
ولذلك قال المنذري: ((رواة هذا الحديث ثقات)) (١)
قلت: لاشك أن قول القائل: ((رواته ثقات))، لا تعني تصحيح السند - كما هو معروف في قواعد هذا العلم الشريف.
لكني لم أعثر على علة معتبرة تمنع من القول بصحته، غير أن المنذري نفسه قال:
((لكن اختلف فيه على أبي الجوزاء، فقيل: عنه عن ابن عباس، وقيل: عنه عن عبد الله بن عمرو، وقيل: عنه عن ابن عمر مع الاختلاف عليه في رفعه ووقفه)) (٢)
قلت: كل هذا لا يضر، فالاختلاف في أسماء الصحابة لا يضر؛ فكلهم عدول، وكذلك الوقف والرفع، فإن هذا لا يقال من قبل الرأي، وليس هو من باب الاضطراب المردود، وكم من حديث ثبت موقوفاً ومرفوعاً.
وقد سبق الإجابة عن مثل هذا بشيء من التفصيل.
стр. 108
ثم إن أحدًا من السابقين واللاحقين لم يطعن بهذا السند إلا ما ذكروه من مسألة الوقف على عبد الله بن عمرو.
وحاشَ أصحاب النبي ﷺ الابتداع في الدين؛ بخاصة في مسألة تعبدية كالصلاة.
ثم إن الحديث قد روي مرفوعًا من أكثر من طريق، وعن عبد الله بن عمرو كذلك.
وزيادة الثقة مقبولة.
وأقرّ الإمام أحمد صحة هذا السند، كما سيمر معك مفصلاً.
ومما يزيد هذا الطريق قوة على قوة؛ متابعة أبي جناب للمستمر عن أبي الجوزاء عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا.
وهو الطريق الثانية عن أبي الجوزاء
رواها البيهقي (٢/ ٥٢)
وأبو جناب: صدوق لكنه كان مدلسًا، فهو يصلح أن يكون متابعًا للمستمر.
ولثبوت الحديث عن أبي الجوزاء من غير طريق، فلا تضر عنعنة أبي جناب هاهنا، ولا تدليسه.
الطريق الثالثة: قال المنذري (١/ ٤٧٠):
ورواه قتيبة بن سعيد عن يحيى بن سليم عن عمران بن مسلم عن أبي الجوزاء قال نزل عليّ عبد الله بن عمرو بن العاص فذكر الحديث))
قتيبة بن سعيد: ثقة ثبت.
يحيى بن سليم: صدوق سيء الحفظ.
وعمران: هو القصير، وهو الذي روى عنه يحيى بن سليم، وهو صدوق يهم، كذا قال الحافظ عن الجميع.
قلت: هذا إسناد جيد في المتابعات والشواهد، وبهذه الطريق الثالثة عن أبي الجوزاء يثبت الحديث عنه، والحمد لله على توفيقه.
стр. 109
[الطريق] الرابعة:
ما أخرجه أبو داود (٢/ ٣٠)، ومن طريقه البيهقي (٣/ ٥٢) عن محمد بن سفيان ثنا حبان بن هلال ثنا مهدي بن ميمون أخبرنا عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء قال: حدثني رجل كانت له صحبة يرون أنه عبد الله بن عمرو به.
وقد سبق الكلام عن هذه الطريق في حديث ابن عباس ورواتها - كلهم - ثقات غير محمد بن سفيان، فإنه صدوق، فالسند حسن لذاته.
الطريق الخامسة:
قال ابن ناصر الدين الدمشقي في ((الترجيح)) (٦٣):
(قال أبو شيبة - داود بن إبراهيم روزبة - حدثنا محمد بن حميد الرازي عن أبي الجوزاء عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال لي النبي ﷺ .. ) ثم ذكر الحديث.
قلت: هذا سند ضعيف، فيه علتان:
الأولى: محمد بن حميد اختلف فيه أئمة الجرح والتعديل اختلافًا شديداً ما بين مكذب وموثق، والنفس تميل إلى تضعيفه؛ لكثرة المضعفين؛ بل الطاعنين! ولأن معهم حجة، والجرح مقدم على التعديل، إذا كان الجرح مفسراً ولذا قال الحافظ:
((حافظ ضعيف، وكان ابن معين حسن الرأي فيه))
الثانية: الانقطاع بين محمد بن حميد وأبي الجوزاء، فإن الأول كان مولده سنة ((١٦٠)) هجرية.
بينما كانت وفاة أبي الجوزاء ((٨٣ هـ))، ولم أر أحدًا ممن حقق في ذلك أشار إلى هذه العلة.
ومع ذلك، فإن هذا الطريق لا ينزل عن رتبة المتابعات.
стр. 110
[قلت: ثم وقفت على سند الحديث في حاشية الترجيح، نقلاً عن أمالي الأذكار، فتبين أن بين محمد بن حميد وأبي الجوزاء راويين هما: جرير بن عبد الحميد، وأبو جناب الكلبي والظاهر أن في كتاب ((الترجيح)) سقط.
أما جرير: فقد قال الحافظ: ثقة صحيح الكتاب، قيل كان في آخر عمره يهم من حفظه.
وأبو جناب: هو يحيى بن أبي حية، قال الحافظ: ضعفوه لكثرة تدليسه.] [*]
ثانيًا: طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
قال الحافظ في ((النتائج)) (١)
((ولحديث ابن عمرو طريق آخر أخرجه الدارقطني عن عبد الله بن سليمان بن الأشعث عن محمود بن خالد عن الثقه عن عمر بن عبد الله الواحد عن ثوبان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده)).
قلت: عبد الله ومحمود: ثقتان.
عمر بن عبد الله الواحد: تصحيف، والصواب: عمر بن عبد الواحد.
والتصحيح من ((الجرح والتعديل)) (٨/ ٢٩٢)، (٦/ ١٢٢)، و ((التهذيب)) (١٠/ ٦١) في ترجمة محمود و (٧/ ٤٧٩)، وهو ثقة.
وثوبان: لم أعرفه، وأخشى أنه تصحيف من ابن ثوبان؛ فإن كتاب الدارقطني ليس بين أيدينا، وكتاب ((الآثار)) للكنوي مليء بالتصحيفات؛ فلا تكاد تجد صفحة بلا أخطاء.
فإن كان ثوبان هذا هو ابن ثوبان، فهو: عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، هو من شيوخ عمر بن عبد الواحد، ومن بلده دمشق.
قال الحافظ: صدوق يخطئ.
ثم وقفت على السند من كتاب ((الترجيح)) لابن ناصر الدين الدمشقي صـ ٦٤ وفيه التصويبات كما توقعت، والحمد لله على توفيقه.
فعمر بن عبد الله: هو: عمر بن عبد الواحد.
وثوبان: هو: ابن ثوبان.
وهذا إسناد جيد، لولا جهالة ((الثقة)) ومع ذلك فهو صالح للمتابعات