← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 147

من شرح بلوغ المرام للطريفي

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (84 стр.). Показаны 71–84 · переход к 76.

стр. 71

والذي ينبغي ان يعلم هنا أن النصوص التي تأتي عن النبي ﷺ ينبغي فيها أن يسلم للنبي ﷺ ما قال به، وإن استنبط العلماء العلة من قوله ﷺ من تحليل أو تحريم فإنهم يستنبطونها لبيان الحكمة التي جاءت عن النبي عليه الصلاة السلام لاطمئنان النفس وأنه لا يشرع إلا ما فيه مصلحة للناس ولا ينهى إلا ما فيه مفسدة للناس فإنه حينئذ يعلم الناس حكمة الشارع الحكيم ولكن لا يقاس عليها ولا يقطع بأن هذه العلة هي التي أرادها النبي عليه الصلاة السلام مالم تكن العلة منصوصة او ظاهرة ظهورا بينا لقرينة ونحو ذلك. فالشارع الحكيم قد يأتي عنه أمور كثيرة من أوامر ونواهي لكن العلة تكون خافية وإذا كانت منصوصة فإنه حينئذ لا كلام لأحد والعلة منصوصة عن النبي ﷺ كما في هذا الحديث بقوله (من الطوافين) أما إذا كانت مستنبطة ليس لأحد أن يقيس عليها غيرها فإنه حينئذ ما فسد كثير من أهل الرأي إلا لأجل أقيستهم في هذا الباب من أنواع العلة. وبالنسبة للهرة وما في حكمها فالنبي ﷺ قد ذكر العلة ونص عليها وهي قوله ﷺ «إنما هي من الطوّافين عليكم» . (والطوّافين) : الطوّاف: هو ما يكثر الدخول والخروج ويكثر الذهاب والإياب والغدو والرواح , فإنه يسمّى من الطوافين والطواف، ولذلك يسمى الطواف طوافا لكثرة الذهاب والمجيء فيه.

стр. 72

وكذلك يطلق على السعي بين الصفا والمروة طوافا من جهة اللغة , وكذلك قد جاء في بعض ألفاظ النبي ﷺ وفي بعض ألفاظ السلف الصالح إطلاق طواف على السعي بين الصفا والمروة لأن فيه ذهاب وإياب فيسمى طواف وكذلك إطلاق النبي ﷺ لهذه العلة ونصه عليها يقاس لأجل هذه العلة ما في حكم الهرة من الدواب من الطوافين كالحمار والبغل وغيرهما من الدواب كالخيل ونحو ذلك مما تعم بها البلوى , لأن النبي ﷺ قد نص على هذه العلة فلا بأس من القياس في مثل هذه الحالة. ١٢-: عن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد فزجره الناس فنهاهم النبي ﷺ فلما قضى بوله أمر النبي ﷺ بذنوب من ماء فأهريق عليه. متفق عليه هذا الحديث قد أخرجه البخاري ومسلم من طرق متعددة وقد أخرجاه أيضاً من طريق حماد عن ثابت عن أنس بن مالك ﵁. وهذا الحديث هو من المهمات في باب الطهارة. قول انس بن مالك ﵁ (جاء أعرابي) : الأعرابي: هو من سكن البادية سواء كان عربياً أو عجمياً.فساكن البادية حتى وإن كان أعجميا فيسمى اعرابيا، وكلمة أعرابي لا مفرد لها من لفظها وإنما يفرق أهل العلم بين الجمع والمفرد بإضافة ياء النسبة في آخره فيقال أعراب للجمع وأعرابي بإضافة الياء للفرد. وقوله (جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد) : البول:هو أحد الخارج من السبيلين وهو نجس بإجماع أهل العلم ولا خلاف في ذلك. والبول في المسجد من المحرمات بالإجماع ولكن اختلف أهل العلم في البول في المسجد في الإناء إذا كان لدى شخص إناء وهو في المسجد هل له أن يبول فيه؟

стр. 73

ذهب جمهور أهل العلم إلى حرمة ذلك وهو قول للحنابلة وهو مذهب الحنفية والمالكية ومذهب للشافعية وذهب بعض الشافعية إلى جواز البول في المسجد في الإناء , وقالوا أن النهي جاء عن النبي ﷺ بالبول في أرض المسجد , وأما البول في الإناء فلا بأس به وقاسوه على أمور كثيرة من حجامة النبي ﷺ في المسجد ولا يصح خبر الحجامة عن النبي ﷺ في المسجد وكذلك استدلوا بمبيت سعد بن معاذ ﵁ وأن النبي ﷺ قد نصب له خيمة في المسجد وهذا لا دليل فيه لأنه ليس فيه نص أن سعد بن معاذ ﵁ يبول في إناء في المسجد فيبقي المسجد على تعظيمه فإنه يحرم أن يبال فيه. وقد أخرج مسلم في هذا الخبر من طريق عكرمة بن عمار عن اسحق عن انس ان النبي ﷺ دعا الاعرابي بعد بوله فقال له: ان هذه المساجد لا تلح لشيء من هذا البول ولا القذر وانما هي لذكر الله. وهذا يدل على تنزيه المساجد عن البول مطلقا في ارضه او في اناء على ارضه، وكذلك نهى الشارع عن قرب المسجد برائحة البصل والثوم فكيف برائحة البول وكذلك اختلف أهل العلم فيما عدا البول في المسجد من الريح هل يجوز إخراج ريح في المسجد بالاختيار أم لا؟ ذهب جمهور أهل العلم إلى عدم جواز ذلك وأن من وجد فيه ريحا فإنه يخرج خارج المسجد، وذهب بعض أهل العلم إلى جواز ذلك لأنه لم يأت عن النبي ﷺ دليل يمنع وأن الأصل الجواز، وذهب من منع قالوا: أن حكم فضاء المسجد وهواءه كحكم أرضه ولذا النبي ﷺ قد جاء عنه النهي بدخول المسجد لمن أكل ثوما أو بصلا وما في حكمها من الروائح الكريهة وهذا قياس عليها فهي من باب أولى. وقوله هنا: (المسجد) :

стр. 74

المسجد هنا: هو ما بني وقد أوقفت أرضه لله تعالى للصلاة. أما ما لم توقف أرضه للصلاة كبناء ونحو ذلك الذي ليس بدائم فإنه لا يسمى مسجداً وإنما يسمى مصلى ليس له حكم المسجد من تحية المسجد وغيرها. أما من جهة البول فإنه يحرم البول سواء في المصلى أو في المسجد لأنه موطن للصلاة ,. وقوله هنا: (فزجره الناس) : الزجر:هو من النهر والطرد والنبي ﷺ لم ينهَ هنا عن نهيهم وإنما نهى عن زجرهم وهذا من الحكمة في الدعوة ومما أوتيه النبي ﷺ من الخلق الحسن ولذا امتن الله جل وعلا على نبيه بذلك في قوله ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ . وهذا من مواطن الحكمة في الدعوة إلى الله فالنبي عليه الصلاة السلام قد قدم هنا مفسدة صغرى على مفسدة كبرى , فإن هذا الأعرابي قد جاء إلى النبي ﷺ فربما يكون حديث عهد بإسلام فإنه حينئذ قد يكون زجره مبعداً له عن الإسلام وقد يكون هذا الأعرابي قد بال وتكاثر بوله فإنه حينئذ إذا حمل فإن البول سينتشر والنبي ﷺ نهاهم عن ذلك وتركوه حتى قضى حاجته لكي لا ينتشر البول وهذه من حكمة النبي ﷺ ونظره ﷺ للغايات والوسائل معا. ...وبول الرجل سواء في المسجد أو غيره يطهره الماء بمكاثرة الماء عليه كما في هذا الخبر , وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يحفر مكان البول ويرمى ثم يضاف ذنوب من ماء , واستدلوا لذلك بحديث ضعيف يروى عن النبي ﷺ وهو ما أخرجه أبو داود من حديث جرير بن حازم عن عبد الملك بن عمير عن عبد الله بن معقل عن النبي ﷺ . وهو خبر لا يصح قال فيه الإمام أحمد: هذا حديث منكر، وكذلك فإن ابن معقل لم يدرك النبي ﷺ كما قال ذلك أبو داود عليه رحمة الله , وقد أخرج هذا الخبر الدارقطني في سننه من غير هذا الوجه.

стр. 75

ولا يصح عن النبي ﷺ إخراج ما بال عليه الأعرابي. وإنما الصحيح أن يصب على البول ماء من غير إخراج التراب الذي قد بال الرجل عليه , وذلك يدل على أن الماء يطهر النجاسة بالمكاثرة ولذا النبي ﷺ أمر بأن يصب عليه ذنوب من ماء. الذنوب: هو الدلو الكبير , يسمى ذنوباً لعظم حجمه , فبقدر البول يكون قدر الماء الذي يصب عليه فإذا كان قليلاً يصب ماء قليل أكثر من البول فإنه حينئذ تزول نجاسة البول. ١٣-: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أحلت لنا ميتتان ودمان ، فأما الميتتان: فالجراد والحوت، وأما الدمان فالطحال والكبد)) أخرجه أحمد وابن ماجه وفيه ضعف. هذا الحديث قد أخرجه الإمام أحمد وكذا ابن ماجه وغيرهم من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه زيد بن سلم عن عبد الله بن عمر ﵁. وهو معلول بعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف عند عامة أهل العلم , فقد ضعفه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وعلي بن المديني ويحي بن معين وغيرهم , وقد سأل أبو حاتم الإمام أحمد عليه رحمة الله عن ولد زيد بن اسلم أيهما أحب إليك، فقال: أسامة قال ثم من قال: عبد الله. ثم ذكر عبد الرحمن وضجع في عبد الرحمن عليه رحمة الله. وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم راوي هذا الخبر عند الإمام أحمد وابن ماجة وغيرهما ضعيف عند عامة أهل العلم عليهم رحمة الله فقد قال فيه ابن معين: ليس بشيء وقال فيه أبو داود: أولاد زيد بن أسلم كلهم ضعيف. وأولاد زيد بن أسلم هم عبد الرحمن وعبد الله وأسامة أبناء زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب ﵁. وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم هو وإخوانه قد تفردوا برواية هذا الخبر مرفوعاً عن النبي علية الصلاة والسلام أي مسنداً إليه.

стр. 76

فقد أخرجه الدراقطني وأخرجه ابن عدي والبيهقى من حديث إسماعيل بن أبي أويس عن عبد الرحمن وعبد الله وأسامة عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ مسنداً , وهذا طريق البيهقي وابن عدي. أما الدراقطني فذكر عبد الله وعبد الرحمن فحسب وتفرد أبناء زيد بن أسلم في هذا الخبر وهم ضعفاء وفيه مخالفة للثقات , فقد جاء موقوفاً عن عبد الله بن عمر من حديث عبد الله بن وهب عليه رحمة الله عن سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر من قوله ﵁. وهذا هو الصحيح الذي رجحه الحفاظ فقد رجح الوقف أبو حاتم والدارقطني , وأبو زرعة والبيهقي والحاكم وكذلك من المتأخرين الحافظ ابن القيم عليه رحمة الله وله حكم الرفع , وقد قال ذلك البيهقي عليه رحمة الله أنه في حكم المسند عن النبي ﷺ لأن الصحابي إذا قال أحلت لنا أو أحل لنا أو أمرنا أو نهينا فكان ذلك الأمر أو النهي من اختصاص الشارع الحكيم فإنه حينئذ يكون في حكم الرفع. أما إذا كان ما يختص به الشارع ويختص به غير الشارع فإنه حينئذ اختلف في ذلك وقد ذكره أهل الأصول , لكن الصحيح أنه إذا قال الصحابي ﵁ أمرنا أو نهينا عن كذا فإنه مرفوع إلى النبي ﷺ مالم يتضمن قرينة تدل على غير الرفع كتأخر صحابي أو كون الامر دلت روايات على أخرى على انه من احد الخلفاء أو المامور به لم يرد النص فيه من الشارع ونحو ذلك.

стр. 77

وهذا الخبر عن النبي ﷺ حكمه حكم الرفع أما من جهة الرواية فإنه لا يصح مسنداً عن النبي ﷺ , وإن كان قد جاء عند الحافظ ابن عدي عليه رحمة الله من حديث يحي بن حسان عن سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ وجاء يحي بن حسان متابعاً لأبناء زيد بن أسلم متابعة قاصرة إلا أنه قد خالف الحافظ عبد الله بن وهب وهو من أصحاب الإمام مالك ومن كبار الحفاظ ومن كبار الرواة الثقات، ورواية عبد الله بن وهب لاشك أنها أثبت وأصح لجلالته وحفظه ولا يقابله أمثال هؤلاء الضعفاء الذين يروون الخبر عن النبي ﷺ . وقوله (أحلت لنا) : أحلت: مأخوذة من الحلال والمراد به الإباحة. والتحليل والتحريم هو من اختصاص الشارع الحكيم. فليس لأحد أن يحل أو يحرم إلا الشارع الحكيم. وقوله (ميتتان) : مفردها: ميته وفيه لغتان ميت بتسكين الياء وميّت بتشديدها، فما تحقق موته تجوز فيه اللغتان، وما لم يمت تشدد يائه، وقال بعضهم بتساوي اللفظين، وقد أنشد بعضهم: أيا سائلي تفسير ميْت وميّت فدونك قد فسرت ما عنه تسأل فما كان ذا روح فذلك ميّت وما الميْت إلا من إلى القبر يحمل والأصل في الميتة أنها محرمة إذا كانت ميتة البر وأما ميتة البحر فالأصل فيها الإباحة. والنبي علية الصلاة والسلام أشار إلى ذلك في هذا الخبر من قوله (أحلت لنا) إن صح مرفوعاً أو من قوله عبد الله بن عمر وهو موقوف عليه ﵁. قوله (أحلت لنا ميتتان ودمان) :

стр. 78

إشارة إلى أن الأصل التحريم في الميتة والميتة التي حرمها الله هي ميتة البر بإطلاق وأباح الله جلا وعلا ميتة البحر مطلقاً. فالنوعان اللذان استثناهما الله تعالى من الميتة هما ميتة البحر وذكرنا هذه المسائل في حديث أبي هريرة ﵁ وهو أول حديث في كتاب بلوغ المرام «هو الطهور ماءه الحل ميتته» تكلمنا على ذلك بالتفصيل وخلاف أهل العلم وقررنا أن ميتة البحر هي حل عند جماهير أهل العلم , وما استثني من ذلك فلا دليل عليه وأنه باقي على الأصل فيه، فإما أن يكون من ميتة البحر فإنه حلال مباح وإنا كان من ميتة البر فإنه حينئذ يعد محرماً وما كان بينهما أي ليس من ميتة البر ولا من ميتة البحر فإنه يبقى على أصله من الإباحة , إن كان مستخبثاً حرم لاستخباثه وإن كان ذو ناب فإنه يحرم لأنه من ذي الناب الذي نهى عنه النبي ﷺ . النوع الثاني: من أنواع الميتة (الجراد) وهذا بإجماع أهل العلم ولا يعلم في ذلك مخالف إلا ما جاء عن الليث بن سعد وابن العربي وهو متأخر عليهم رحمة الله فقال الليث بتحريمه وهو قول غريب جداً لا أعلم من وافقه عليه ولا يليق بمكانته في العلم هذا القول الشاذ وقد قال الحافظ ابن حجر في كتاب له في ترجمة الليث سماه الرحمة الغيثية بالترجمة الليثية قال: لقد تتبعت كتب الخلاف كثيرا فلم اقف على مسالة واحدة انفرد بها الليث عن الائمة من الصحابة والتابعين الا في هذه المسالة. او كما قال الحافظ ﵀. وقد قال ابن العربي: جراد الحجاز حلال وجراد الاندلس حرام وهو غريب جدا , وهذا قول مخالف لإجماع أهل العلم فإن الجراد واحد وإباحته مطلقة من الشارع الحكيم. وقوله هنا (وأحل لنا دمان) : دمان مفرده الدم , والمراد بالدم هنا هو: الحيوان الذي له نفس سائلة , وليس المراد به هنا الدم الذي يجري في العروق.

стр. 79

ومعلوم أن الدواب إما أن تكون لها نفس سائلة كبهيمة الأنعام وإما أن تكون ليس لها نفس سائلة كسائر الحشرات ونحو ذلك. فقوله هنا (أحل لنا دمان) وذكر النوع الأول: وهو (الكبد) فهي مباحة بإجماع أهل العلم ولم يخالف في ذلك أحد منهم. (والطحال) كذلك قد أجمع العلماء على إباحته ولا يعلم مخالف في ذلك. ******************************* ١٤- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء)) . أخرجه البخاري، وأبو داود وزاد (وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء) . هذا الحديث قد أخرجه البخاري عليه ﵀، فقال: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا إسماعيل بن جعفر عن عتبة بن مسلم عن عبيد بن حنين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ . وقوله في هذا الحديث (إذا وقع الذباب) : الذباب: مفرد وجمعه ذبان , وقول العوام في جمعه ذباب ومفرده ذبّانه وهذا مخالف وإن كان قديماً وقد حكى مخالفة ذلك أبوحاتم السجستاني عليه رحمة الله , وإلا فالصحيح أن الذباب هو المفرد. والذبان هو الجمع وقد قال بعكس ذلك البعض، وأما ذبانه فليست بفصيحة. قال ابن بطال وغيره أن الذباب سمي ذباب لأنه يذب عن الطعام ثم يعود إليه، يذب لاستقذاره. والذباب ليس من النجاسات. فقد أجمع أهل العلم على أن كلّ ما ليس له نفس سائلة إذا وقع في شراب أو في طعام أنه لا ينجس , ولم يخالف في ذلك إلا رواية حكاها الربيع بن سليمان المرادي عن الشافعي عليه رحمة الله أنه إذا وقع شئ من الحشرات مما لا نفس له سائله في شراب أو طعام أو نحو ذلك أنه ينجس وقد حكى الإجماع على خلاف ذلك وأن كلّ ما لا نفس له سائله لا ينجس ما وقع فيه وأن الأصل فيها أنها طاهرة.

стр. 80

وخصص الشارع مما لا نفس له سائله هنا الذباب بحكم من الأحكام وهو أنه إذا وقع في شراب أحدكم وجاء في رواية (إناء أحدكم) وجاء في رواية أخرى خارج الصحيح إذا وقع في (طعام أحدكم) , وليس المراد في قوله في شراب أحدكم ليس المراد به السائل فحسب ولكنه يعم الطعام وكذلك يعم جميع المشروبات والمطعومات لأن هذا من التعليل الوارد في هذا الحديث يشمل الشراب والطعام لأن النبي ﷺ قال (فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء) وفي رواية (دواء) وهذا يشمل وقوعه في السائل ووقوعه في الطعام. وقوله ﷺ (إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه) : والغمس هنا واجب وهذا هو الظاهر من النص أنه يجب على من وقع في إنائه ذباب أن يغمسه وعلل النبي ﷺ بعلة منصوصة في قوله ﷺ (فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء) وهذا من علم الغيب الذي أوحاه الله على نبيه ﷺ فإن الذباب إذا وقع في الإناء فإنه أول ما يقع على جناحه الذي فيه الداء لكي يحتفظ بجناحه الذي فيه الدواء لبقية حياته إن لم يغمس فإنه إذا غمس فإنه في الغالب أنه يموت فيغمس حينئذ جناحه الذي فيه الدواء فيعالج هذا بهذا ولا يكون حينئذ شئ من الداء الذي وضعه الذباب حينما وقع في الإناء. وقسم أهل العلم الحيوان إلى قسمين: الأول: ماله نفس سائله. والمراد بالنفس السائلة هو الدم الذي يسري في العروق. وهذا ميتتة نجسة بإجماع أهل العلم ويأتي تفصيل هذا باذن الله في الاطعمه.

стр. 81

الثاني: ما ليس له نفس سائلة: أي ليس له دم في عروقه كسائر الحشرات من ذباب وما في أنواعه كنحل وجراد وغير ذلك فإنه إذا مات فإن ميتته طاهرة , فإن مالا نفس له سائله إذامات لايتعفن ولاتحصل منه رائحة نجسة كريهة , بخلاف ماله نفس سائله فإنه حينئذ يتعفن ويكون له رائحة خبيثة ورائحة نتنة ولذا حرم الشارع أكله وبين أنه من النجاسات لأنه يتنجس ويتعفن بوجود ذلك الدم المحبوس فيه لأنه لم يزهق. حينئذ تعلم الحكمة التي أخذ منها النبي ﷺ هذا الحكم وهو أنه إذا وقع الذباب في إناء أحدكم أن يغمسه ثم ينزعه، ولو كان نجساً بكامله فإن النبي ﷺ لم يأمر بغمسه وإنما قال بنزعه وإخراجه. وقد قال بعض أهل العلم أن الذباب إذا وقع في الإناء ولم يكن الذي وقع فيه شراب أنه يغمس ثم يخرج ما حوله من الطعام وهذا لا دليل عليه ويخالفه طاهر النص عن النبي ﷺ وهو نظير ما تقدم معنا في حديث بول الأعرابي الذي بال في المسجد فإنه رغم بوله إلا أن النبي ﷺ أمر بمكاثرة الماء عليه فلم يأمر بحمل ما بال عليه من التراب ونحو ذلك , وهذا الخبر نظير له فيلزم فيهما الوقوف على النص, فالنبي ﷺ لما أخبر أن الذباب في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء أمر بغمسه كاملاً وهذا أمر يجب امتثاله. وقد طعن بعض من لا فقه له ممن أعرض عن دين الله من معتزلة العصر وغيرهم في هذا الخبر وطعنوا في حديث أبي هريرة رضوان الله تعالى عليه وهذا لجهلهم فإن هذا الحديث لم ينفرد به أبو هريرة رضوان الله تعالى عليه. فقد جاء من حديث أبي سعيد الخدري كما أخرجه الإمام النسائي وغيره فقد أخرجه من حديث ابن أبي ذئب عن سعيد بن خالد عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ وصححه بعض أهل العلم.

стр. 82

وكذلك روي من حديث انس بن مالك ولا مجال للطعن في هذا الحديث في أحد من أصحاب النبي ﷺ إذ انفرد فكيف إذا رواه جماعة عن النبي ﷺ , وقد طعن في ذلك أبو ريّة في كتاب له سماه " أضواء على السنة النبوية" ورد عليه العلامّة عبد الرحمن بن يحي المعلّمي في كتابه " الأنوار الكاشفة" ٠. فقد عقب عليه بأصول علمية من أصول الشرع وأن أصحاب النبي ﷺ كلهم ثقات عدول بتوثيق الله جلّ وعلا لهم وأن ذلك وحي من الله أوحاه الى نبيه ﷺ ولا مجال للعقل أن يختار ما شاء من وحي الله جل وعلا وأن يرد ما شاء. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وأبو داود وزاد (وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء) : هذه الزيادة التي أخرجها الإمام أحمد ومن طريقه أبو داود قال ابو داود حدثنا أحمد بن حنبل عن بشر بن المفضل عن محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبى هريرة ﵁. وأخرجه ابن حبان من طريق شيخه ابن خزيمه عن بشر به وسعيد المقبري هو من الرواة المشهورين وهذا الطريق طريق حسن لحال محمد بن عجلان فإن أحاديثه مستقيمة وفي عداد الأحاديث الحسنة , وسعيد المقبري سمى المقبري لأنه يسكن في مقبرة كما قيل , وقالوا أن العرب كانوا قديماً يسكنون في جوار المقابر. وقيل أنه في دار كل رجل منهم أو في كل أسرة منهم في فنائهم مقبرة لموتاهم ولذلك يقول الشاعر لكل أناس مقبر بفنائهم فهم ينقصون والقبور تزيد ولذلك سمى المقبري بهذا الاسم وهو راويه عن أبي هريرة وقد أخرج له الجماعة وغيرهم عليه رحمة الله تعالى. وقوله هنا (فإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء) :

стр. 83

وهذا من علم الله الذي أوحاه إلى نبيه ﷺ فإن النبي ﷺ لا يمكن أن يقول ذلك من تلقاء نفسه فإن الإنسان بعقله وطبيعته لا يمكن أن يدرك ذلك وخاصة ممن هو في عصر النبي ﷺ فالنبي ﷺ كل قوله وفعله وتقريره تشريع ودين إلا ما دل الدليل عليه من قوله وفعله أنه قاله أو فعله عادة في وقته أو دلت قرينة الحال على ذلك وإن لم ينص عليه. *********************** ١٥- عن أبي واقد الليثي رضى الله عنه قال: قال النبي ﷺ (ما قطع من البهيمة وهي حيَّه فهو ميِّت) . أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه واللفظ له. هذا الحديث أخرجه ابو داود والترمذي وكذا البيهقي وابن الجارود في كتابه المنتقى وغيرهم من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي واقد الليثي عن النبي ﷺ . وسبب هذا الخبر أن النبي عليه الصلاة السلام لما قدم المدينة وجد أهلها يقطعون أسنِمة الإبل وهي حية ويقطعون إليّة الغنم وهي حيّة ليستفيدوا من دهنها , وأن أسنمة الإبل وإلية الغنم إذا قطعت تنبت إذا لم تقطع من أصلها, فهم يستفيدون من ذلك فحرم النبي ﷺ ذلك وأخبر أن ما أبين من الحي فهو ميّت وهذا من النبي ﷺ رأفة ورفقاً بالحيوان أولاً وكذلك تجنيب للإنسان أكل الميتة. والنبي ﷺ في قوله هنا (ما أبين من البهيمة) : البهيمة: هنا هي ذوات الأربع وذلك لغلبة ما يصنعه العرب في ذلك الوقت. لذا خص النبي ﷺ البهيمة لأن البهيمة غالباً ما تطلق على بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم وإلا فان البهيمة في اللغة تشمل سائر ما مشى على الأربع حتى وإن لم يكن من الإبل والبقر والغنم وتسمى بهيمة: لبهمها وأنها لا تتكلم. ...وقوله (ما ُأبين) :

стр. 84

أي ما قطع من البهيمة وهي حيّه فهو ميّت. وهذا بإجماع أهل العلم ولم يخالف في ذلك أحد منهم ولكن أهل العلم استثنوا من هذه الحالة صورتان. الصورة الأولى: مسك الغزال إذا أبين من الغزال وهو حي فإنه طاهر ويجوز استعماله بإجماع أهل العلم وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد. الصورة الثانية: ما ند من البهائم وصعب حبسه. فإن كان جمل أو ناقة استوحش وصعب على أهله حبسه ثم ضربوه فقطع سنامه أو قطعة رجله أو نحو ذلك فإن ما قطع منه حينئذ يعتبر مباح الأكل بشرط أنه إذا قبض على تلك الناقة أو ذلك الجمل أنه يذبح ولا يترك حيّاً لأن ما قطع مرتبط بأصله من ذلك الحيوان وهذا مجمع عليه كذلك عند أهل العلم وهذا خاص في البهائم. أما ما أباح النبي ﷺ أكل الميتة منه في الأصل، فإنه ما قطع يعد طاهراً ولا يعد من الميتة التي يحرم أكلها كالسمك فما قطع من السمك وهو حي ولم يمسك ويصاد فإنه حينئذ يعد مباحاً ويعد كذلك طاهر يجوز أكله , وكذلك الجراد فإنه إذا قطع منه شيء وهو حي ولم يمسك فإنه حينئذ يجوز أكله لأنه ميتته في الأصل مباحة وليست محرّمة فاستثنى أهل العلم هذه الأحوال ولا يعلم مخالف في هذه المسألة والله أعلم. يتبع بقية الشرح بإذن الله