← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 148082

التفسير بالبيان المتصل في القرآن الكريم

بسمة بنت عبد الله الكنهل

Полный текст (159 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

التفسير بالبيان المتصل في القرآن الكريم «دراسة نظرية تأصيلية» بحث تكميلي لنيل درجة الماجستير في القرآن وعلومه إعداد بسمة بنت عبد الله بن حمد الكنهل إشراف أ. د. يوسف بن عبد العزيز الشبل الأستاذ بقسم القرآن وعلومه

стр. 2

مقدمة الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، ونصلِّي على من أرسله الله رحمةً للعالمين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد: فقد أنزل الله القرآن الكريم حياةً للقلوب والأرواح، وفرض تدبُّره فقال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [سورة ص: ٢٩]. والتدبّر المطلوب يكون بإمعان النَّظر والتفكر في الآيات، والربطِ بينها للوصول إلى معرفة المراد منها، ومن ثَمَّ ينتج العمل بها. وقد جعل الله في القرآن الكريم علم الأوَّلين والآخِرين، يناله من رُزق فهمه والوقوف على معانيه، لذا أفنى العلماء أعمارهم في تفسيره وبيان أحكامه وحكمه، وسلكوا لذلك طرقًا أحسنها: تفسير القرآن بالقرآن نفسِه، فأفاضوا في بيان تفسير القرآن بالقرآن، وصنَّفوا فيه كثيرًا من المصنفات، ولعل الاهتمام الذي حظي به هذا النوع من التفسير كان منصبًا على ما كان بيانه خفيًا، أو واضحًا منفصلًا، ومعلومٌ أن من التفسير ما يكون بيانه واضحًا متصلًا، وأحسب هذا النوعَ لم يلق حظًا كافيًا من الدِّراسة والتَّنظير في كتب أهل العلم؛ لجلائه ووضوحه، غير أنِّي رأيت أهمية تناول هذا الموضوع بالتأصيل والتَّقعيد للحاجة إليه، لاسيما مع تنوُّع مشارب أهل التفسير، ودخول أهل البدع والأهواء فيه، إذ لم يألُوا جهدًا في استغلال الآيات وتطويعها لخدمة مذاهبهم، ومن ذلك استغلالهم لهذا النَّوع من التفسير. ومن هنا جاءت فكرة هذا البحث الذي جعلت عنوانه: (التفسير بالبيان المتَّصل -دراسة نظرية تأصيلية-)، بهدف بيان المراد منه، وأصول هذا النوع من التفسير، وأهميته، والضوابط التي تحكمه، والتنبيه لما يرد فيه من لبس وخطأ وانحراف.

стр. 3

أهمية الموضوع وأسباب اختياره: ١. التَّنظير لجانب من أهم جوانب التفسير بالقرآن. ٢. حماية جناب القرآن الكريم بتسليط الضَّوء على بعض أسباب الخطأ في تفسيره. ٣. إظهار التَّكامل بين هذا النوع من التفسير، وبعض أبواب علوم القرآن. أهداف البحث: ١. إبراز عناية الرسول ﷺ ، وصحابته رضوان الله عليهم، بهذا النوع من التفسير، من خلال تطبيقهم له. ٢. استنتاج العلاقة بين التفسير بالبيان المتَّصل، وبعض علوم القرآن. ٣. بيان أثر الخطأ في التفسير بالبيان المتَّصل، من خلال دراسة بعض النماذج. ٤. إبراز تنوُّع أسلوب القرآن في البيان بالمتَّصل، بالوقوف على أهم طرق البيان المتَّصل. حدود البحث: ١ - الاعتماد على كتب التفسير، وأصوله لأهل السنة والجماعة، وكتب علوم القرآن في جمع ما تناثر من جوانب هذا الموضوع؛ لأخرج بدراسةٍ نظريةٍ مترابطة من خلال أقوال العلماء المعتبرين، بعد نظمها في سلك واحد. ٢ - حصر أنواع، وطرق البيان المتَّصل في القرآن الكريم، مع عرض نماذج تطبيقيةٍ لكلٍ منها، بالاعتماد على كتب التفسير بالمأثور، وعلوم القرآن، ولا أخرج عنها إلا في حدود الحاجة. الدراسات السابقة: بعد البحث والاطلاع على فهارس الرسائل العلمية والدراسات التَّفسيرية، والبحث في مظانها بالرجوع إلى مراكز البحوث المتخصِّصة وسؤال أهل الخبرة

стр. 4

والاختصاص لم أجد من تعرض لبحث هذا الموضوع سوى دراستين وهما: أولا: (ما اتصل به بيانه من القرآن الكريم)، للدكتور: ملفي الصاعدي - الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة (بحث محكم، منشور في المجلة الإسلامية): -البحث عبارة عن دراسةٍ تطبيقيةٍ، صدر منه الجزء الأول إلى سورة النحل، ويقع في مائة وثمان عشرة صفحة، وقد استقصى فيه الباحث خمسةً وثمانين موضعا. -بيَّن الباحث في مقدمته أن عمله في البحث حصر الآيات، وما ورد في تفسيرها من كتب التفسير، وقد التزم بذلك فلم يتطرق لما سواه من النواحي النظرية. ودراستي تفترق عنها حيث إنها نظرية تأصيلية، فالباحث لم يتطرق للجانب النظري في بحثه، فلم يذكر أنواعه، ولم يذكر تصنيفًا لأوجه البيان المتَّصل، ولم يتطرق إلى أثر الخطأ فيه، ولا لعلاقته بعلوم القرآن الأخرى مما حوته هذه الدراسة. ثانيا: (المجمل والمبين)، للباحث: عمر يوسف حمزة (رسالة ماجستير في الكتاب والسنة -جامعة أم القرى): - تناول الباحث (البيان المتَّصل) كنوعٍ من بيان المجمل -لم يتطرق لما سواه من طرق البيان- وقد أفرد له فصلًا تطبيقيًا في بحثه (ذكر بعض الآيات، وتناولها بالتفسير والبيان). -لم يتطرق الباحث للجانب النظري في بحثه، فلم يذكر أنواعه، ولم يذكر تصنيفًا لأوجه البيان المتَّصل، ولم يتطرق إلى أثر الخطأ فيه، ولا لعلاقته بعلوم القرآن الأخرى. الجديد في البحث: ١ - هذا البحث دراسةٌ نظريةٌ تأصيلية، جمعتُ فيها أنواع البيان بالمتَّصل، من خلال استقراءٍ مسبق لمكامن وروده في القرآن الكريم، ثم صنَّفتها، واجتهدت في حصر كل ما يدخل فيه من طرق البيان، ووضَّحتها بتطبيقها على آيات مختارة، وأبرزتُ أسباب الخطأ في هذا النوع من التَّفسير، والآثار المترتبة عليه. ٢ - تناولتُ البيان بشكل عام، ولم أقتصر على بيان المجمل.

стр. 5

خطة البحث: اقتضت طبيعة البحث أن أقسمه إلى: مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول، وخاتمة، وفهارس، على النحو التالي: المقدمة: وفيها: أهمية الموضوع، وأسباب اختياره، وأهداف البحث، والدراسات السابقة، وخطة البحث، ومنهجه. التمهيد: تفسير القرآن بالقرآن مفهومه، وأنواعه. الفصل الأول: التفسير بالبيان المتَّصل، التعريف به، وأهميته، وفيه مبحثان: المبحث الأول: تعريف التفسير بالبيان المتَّصل، وعلاقته بالسياق، وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: تعريف التفسير لغةً واصطلاحًا. المطلب الثاني: تعريف البيان لغةً واصطلاحًا. المطلب الثالث: تعريف المتَّصل لغةً واصطلاحًا. المطلب الرابع: تعريف التَّفسير بالبيان المتَّصل. المطلب الخامس: علاقة (التَّفسير بالبيان المتَّصل) بالسِّياق. المبحث الثاني: أهمية التَّفسير بالبيان المتَّصل، وفيه مطلبان: المطلب الأول: إعمال الرسول ﷺ ، وسلف الأمة التفسير بالبيان المتَّصل. المطلب الثاني: علاقة (التفسير بالبيان المتَّصل) بعلوم القرآن الأخرى. الفصل الثاني: أنواع البيان المتَّصل، وطرق وروده في القرآن الكريم، وفيه مبحثان: المبحث الأول: أنواع الاتِّصال في القرآن الكريم، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الاتِّصال في الآية نفسها. المطلب الثاني: الاتِّصال بين آياتٍ متتالية. المطلب الثالث: شبه الاتِّصال. المبحث الثاني: طرق ورود البيان المتَّصل في القرآن الكريم، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: بيان المجمل.

стр. 6

المطلب الثاني: تخصيص العام. المطلب الثالث: تقييد المطلق. الفصل الثالث: ضوابط التفسير بالبيان المتَّصل، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: ضوابط التفسير بالبيان المتَّصل، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: لزوم التَّفصيل في قبول التفسير بالبيان المتَّصل. المطلب الثاني: ترك العدول عن ظاهر القرآن، إلا بدليلٍ يجب الرجوع إليه. المطلب الثالث: وصل معاني الكلام بعضه ببعض أولى ما وُجد إلى ذلك سبيل. المبحث الثاني: أسباب الخطأ في التَّفسير بالبيان المتَّصل، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: مخالفة طرق التفسير المعتمدة. المطلب الثاني: تقديم مقرراتٍ سابقة. المطلب الثالث: الجهل بالتفسير اللغوي. المبحث الثالث: أثر الخطأ في التفسير بالبيان المتَّصل، وفيه مطلبان: المطلب الأول: الانحراف العقدي. المطلب الثاني: التشكيك في الأحكام الشرعية. الخاتمة. فهارس البحث: وتتضمن الفهارس التالية: فهرس الآيات الكريمة. فهرس الأحاديث. فهرس الآثار. فهرس الأعلام. فهرس الفرق. ثبت المصادر والمراجع. فهرس الموضوعات.

стр. 7

منهج البحث: سلكتُ في بحثي المنهج الوصفيَّ الاستقرائيَّ (١) على النحو التالي: ١) عند الشروع في ذكر طرق البيان المتَّصل في القرآن الكريم، بدأتُ بمقدمة لهذا الأسلوب القرآني، بالرجوع لكتب التفسير وعلوم القرآن، ثم ذكرتُ الآيات المختارة على النحو التالي: - رتبتُ الآيات بحسب ترتيب المصحف. - حددتُ المبيَّن، والبيان المتَّصل (المبيِّن). - ذكرتُ تفسير الآية من خلال كتب التفسير بالمأثور. - ذكرتُ اللّطائف التفسيرية والبلاغية الواردة في كتب التفسير وعلوم القرآن، بحسب ما يتيسر لي من ذلك. ٢) قمتُ بجمع وصياغة ما يتبين لي تعلقه بضوابط التفسير بالبيان المتَّصل، أو بأسباب الخطأ فيه، من خلال أقوال العلماء في كتب التفسير، وأصوله، وعلوم القرآن. ٣) لتوضيح أثر الخطأ في هذا النوع من التفسير، انتقيتُ نماذج من التفسير الخاطئ لآياتٍ مختارة، وعرضتُها على النحو التالي: - رتبتُ الآيات بحسب ترتيب المصحف. - ذكرتُ لكل نموذج عنوانًا مناسبًا بحسب موضوعها. - ذكرتُ الآية، متبوعةً بالتفسير الخاطئ من مظانِّه. - عقبتُ ببيان الصَّواب في هذه الدراسة. ٤) كتبتُ الآيات القرآنية وفق الرسم العثماني، على رواية حفص عن عاصم، ورقمت الآيات بالعد الكوفي، وعزوتها إلى السورة الواردة فيها.

стр. 8

٥) خرّجتُ الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في البحث من مصادرها الأصلية، فإن كانت في الصحيحين أو أحدهما اكتفيتُ بذلك، وإن كانت في غيرهما عزوتُها إلى مصدرها مع ذكر قول المحدِّثين فيها وحكمهم عليها. وأما الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين فاكتفيتُ بعزوها إلى مصادرها الأصلية. ٦) لم أستشهد بالأحاديث الموضوعة أو الضعيفة التي أجمع العلماء على وصفها بذلك. ٧) نسبتُ الأقوال إلى قائليها، وعزوتُها إلى موضعها مكتفيةً باسم الكتاب وجزئه وصفحته، وعدم النقل بالواسطة إلا إذا تعذر الوصول إلى أصل المصدر. ٨) أعزو إلى المصدر في حال النَّقل منه بالنَّص، بذكر اسمه والجزء والصفحة، وفي حال النقل بالمعنى أُصدِّر ذلك بكلمة: (يُنظر). ٩) نسبتُ الأبيات الشعرية إلى قائلها، مع عزوها إلى مصادرها، متَّبعةً المنهج الآتي: - إن كان لصاحب الشِّعر ديوانٌ وثقت شعره من ديوانه. - إن لم يكن له ديوان وثقتُ مما تيسر من دواوين الأدب وكتب اللُّغة العربية. ١٠) عرَّفتُ تعريفًا موجزًا في الحاشية بغير المشهور من الأعلام، والفرق، التي يرد ذكرها في متن البحث في أوَّل موضع، علمًا أن الشهرة أمرٌ نسبيٌ تختلف فيه وجهة نظر الباحثين. ١١) ضبطتُ بالشكل ما يُظَنُ التباسه، وأوضحتُ الغريب من الألفاظ والمصطلحات من خلال المعاجم اللُّغوية والتخصُّصِية. ١٢) طبَّقتُ قواعد البحث العلمي، واللُّغوي، والرسم الإملائي، وعلامات الترقيم. صعوبات البحث: ١ - تَفَرُّع مادة هذا البحث واتِّساع دائرته؛ لارتباطه بعلومٍ شتى، كأصول الفقه، والعقيدة، والنحو والبلاغة، والتفسير، وأنواعٍ عدَّة من علوم القرآن، كالمناسبات، والنزول، والوقف والابتداء.

стр. 9

٢ - انتقاء النَّماذج المناسبة التي تبيِّن الخطأ في التفسير، من مظانّها؛ وذلك للُطف الموضوع ودقته. ٣ - كون البحث دراسة تأصيلية، احتجتُ معه إلى بذل مجهودٍ أكبر في الجمع والتقعيد. وفي الختام أشكر الله تعالى وأحمده حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه، على ما منّ عليّ به من إتمام هذا البحث، وأثّني بالشكر لوالديّ الفاضلين على جميل إحسانهما، وصادق دعواتهما، فمتعهما الله بالصحة والعافية وأطال في أعمارهما على طاعته، وجزاهما عنّي خير ماجزى والدًا عن ولده. وأخص بوافر الشّكر والامتنان شيخي ومشرفي الفاضل الأستاذ الدكتور: "يوسف بن عبد العزيز الشبل " الأستاذ بقسم القرآن وعلومه، الذي أمدّني بالتوجيه والإرشاد، والتدقيق والتصويب في كل مرحلة من مراحل البحث؛ فشكر الله له، وجعله في موازين حسناته، وأمدّ في عمره على طاعته، وبارك له في علمه ووقته وولده. ولا أنسى أن أشكر مرشدتي في الخطة الدكتور: نادية بنت إبراهيم النفيسة على ما بذلت من وقت وجهد خلال إعداد الخطة، فجزاها الله عني خيراً. وأشكر أعضاء لجنة المناقشة على تفضّلهم بقبول مناقشة البحث، وقراءة البحث وتصويبه، فجزاهم الله عنّي خيرًا. والشّكر موصولٌ لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وأخصّ بذلك كلية أصول الدين ممثلة في عميدها ووكلائها، وقسم القرآن وعلومه ممثلًا برئيس القسم ووكيله، ومشايخي الكرام في القسم. وأتقدم بالشكر والامتنان لكلّ من أعانني في هذا البحث بدعوة أو معلومة أو توجيه، فأسأل الله أن يجزيهم خير ما يجزي عباده الصالحين. وآخر دعواي أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.

стр. 10

تمهيد تفسير القرآن بالقرآن من أهم طرق التفسير المأثور للقرآن الكريم، استخدمه الرسول ﷺ ، والصحابة من بعده، واعتنى به سلف الأمة، والمفسّرون، الذين ساروا على نهجهم، من المتقدمين والمتأخرين. أولا: مفهوم تفسير القرآن بالقرآن المعنى الإفرادي: تعريف التفسير: التفسير لغة: الكشف، والإبانة، والإيضاح، وإظهار المعنى. (١) التفسير اصطلاحا: "بيان معاني القرآن الكريم" (٢). تعريف القرآن: القرآن لغة: مصدر مرادف للقراءة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (٣)، ثم نُقل من هذا المعنى المصدريّ، وجُعل اسمًا للكلام المعجِز المنزَّل على النبي ﷺ من باب إطلاق المصدر على مفعوله. (٤) القرآن اصطلاحا: "كلام الله المنزَّل على نبيه محمد ﷺ المتعبَّد بتلاوته" (٥).

стр. 11

تفسير القرآن بالقرآن بمعناه المركب: "بيان معاني القرآن بالقرآن" (١). ثانيا: أنواع تفسير القرآن بالقرآن: ذكر الشنقيطي (٢) في كتابه (أضواء البيان) أنواعًا من تفسير القرآن بالقرآن، ومن أبرزها ما يأتي: ١ - بيان المجمل. ٢ - تقييد المطلق. ٣ - تخصيص العام. ٤ - تفسير لفظةٍ بلفظة. ٥ - تفسير معنىً بمعنى. ٦ - تفسير أسلوبٍ في آية بأسلوبٍ في آية أخرى (٣). ١ - بيان الإجمال: كقوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ (٤)، فقوله تعالى: ﴿كَلِمَاتٍ﴾ مجملة، وبيَّنها الله ̧ بقوله: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا

стр. 12

لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ (١) (٢). ٢ - تقييد المطلق: كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ (٣)، قيل: توبتهم عند الموت (٤). وهذا التفسير يشهد له قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ (٥)، فالإطلاق الذي في الآية الأولى قُيِّد في الآية الثانية (٦). ٣ - تخصيص العام: كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٧). فهذا حكمٌ عامٌ في جميع المطلقات، ثم أتى ما يخصِّص من هذا العام الحوامل، وهو قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٨)، فخصّ من عموم المطلقات أولات الأحمال (٩). ٤ - تفسير لفظة بلفظة: كقوله تعالى في شأن قوم لوط: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢)﴾ (١٠)،

стр. 13

وقال في موضعٍ آخر: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣)﴾ (١) (٢). ٥ - تفسير معنى بمعنى: كتفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ (٣)، بقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠)﴾ (٤) (٥). ٦ - تفسير أسلوب قرآني في آية بآية أخرى: كقوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾ (٦)، أي: دخولنا ذلك سجدًا حطةٌ لذنوبنا، فهو مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤)﴾ (٧)، أي: موعظتنا إيّاهم معذرةً إلى ربكم، فالأسلوب في الآيتين متشابه في قوله: ﴿حِطَّةٌ﴾، و ﴿مَعْذِرَةً﴾ (٨). وقد فصَّل العلماء في بيان تفسير القرآن بالقرآن بشكلٍ عام، لا سيما ما كان تفسيره منفصلًا عنه في موضع آخر من القرآن الكريم، وقد خصّصتُ هذا البحث فيما جاء من تفسير القرآن بالقرآن متصلًا به.

стр. 14

الفصل الأول التفسير بالبيان المتّصل: التعريف به وأهميته وفيه مبحثان: المبحث الأول: تعريف التفسير بالبيان المتَّصل وعلاقته بالسِّياق. المبحث الثاني: أهمية التفسير بالبيان المتَّصل.

стр. 15

المبحث الأول تعريف التفسير بالبيان المتّصل، وعلاقته بالسّياق وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: تعريف التفسير لغة واصطلاحا. المطلب الثاني: تعريف البيان لغة واصطلاحا. المطلب الثالث: تعريف المتَّصل لغة واصطلاحا. المطلب الرابع: تعريف "التفسير بالبيان المتَّصل". المطلب الخامس: علاقة (التفسير بالبيان المتَّصل) بالسِّياق.

стр. 16

المطلب الأول تعريف "التفسير" لغة واصطلاحا أولا: "التفسير" لغة: يعود المعنى اللغوي للتفسير إلى الكشف، والإبانة، والإيضاح، وإظهار المعنى (١). قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ (٢). قال الأزهري (٣): الفَسرُ: كَشفُ المغطَّى (٤). قال ابن فارس (٥): (فسر) الفاء والسين والراء كلمة واحدة تدل على بيان شيءٍ وإيضاحه، ومن ذلك الفَسْر، يقال: فسَّرتُ الشيء وفَسَرتُه. والفَسْرُ والتَّفْسِرَة: نظر الطبيب إلى الماء، وحكمه فيه (٦).

стр. 17

قال ابن منظور (١): " الفَسْرُ بمعنى: البيان، وفَسَر الشيء يفسِره (بالكسر)، ويفسُره (بالضم) فسرًا، وفَسَّره: أبانه، والتّفسِير مثله، والفَسْر: كشف المغطى، والتّفسِير: كشف المراد عن اللّفظ المشكِل" (٢). قال الخليل (٣): "التفسير: هو بيانٌ وتفصيلٌ للكِتاب، وفَسَره يفسِره فسرًا، وفسَّره تفسيرًا" (٤). ثانيا: "التفسير" اصطلاحا: عرَّفه العلماء بعدة تعريفات، نورد أبرزها: عرَّفه الزركشي (٥) بقوله: " علمٌ يُعرف به فهم كتاب الله المنَزَّل على نبيه محمد ‘، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحِكَمه" (٦).

стр. 18

وعرَّفه الكافِيَجي (١)، فقال: "هو كشف معاني القرآن، وبيان المراد" (٢). وعرَّفه الزُّرقاني (٣) بقوله: " علمٌ يُبحث فيه عن القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطَّاقة البشرية" (٤). وعرَّفه ابن عثيمين (٥) بأنه: "بيان معاني القرآن الكريم" (٦). التعريف المختار: تعريف ابن عثيمين (٧). سبب الاختيار: أنه من أجمع تلك التعاريف، وأخصرها، ولموافقته المعنى اللغوي الذي يدور حول البيان وإيضاح المعنى، وفيه تمييز للتفسير عن بقية العلوم المتعلقة به كعلم النحو، والبلاغة، والفقه ... وغيرها من العلوم التي يتوسع فيها البعض، فتخرج بالتفسير عن دائرة البيان.

стр. 19

المطلب الثاني تعريف "البيان" لغة واصطلاحا أولا: "البيان" لغة: الْبَيَانُ اسم مصدَرِ من الفعل (بَيَّنَ) تدور معانيه حول: "الإبانة، والفصاحة، والإيضاح، والكشف عن المشكل" (١). قال تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١)﴾ (٢). قال ابن فارس: "بان الشيء وأبان إذا اتضح وانكشف. وفلان أبينُ من فلان، أي أوضحُ كلامًا منه" (٣). قال ابن منظور: البيان إظهار المقصود بأبلغ لفظٍ، وهو من الفهم وذكاء القلب مع اللَّسَن (٤)، وأصله الكشف والظهور. (٥). والبيان: ما يتبيَّن به الشيء من الدلالة وغيرها، وبَان الشيء بيانًا: اتّضح فهو بيِّن، والجمع أَبْيِنَاء، مثل: هيِّن وأَهْيِنَاء. وكذلك أبان الشَّيءَ فهو مبِين، وتَبَيَّن الشيءُ: وَضَح وظَهَر، والتَّبيِين: الإيضاح والوضوح (٦).

стр. 20

والْمُبَيِّن في اللغة: الْمُظْهِرُ، من (بان)، إذا ظهر، يقال: "بيَّن فلان كذا"، إذا أظهره، وأَوضَحَ معناه (١). ثانيا: "البيان" اصطلاحًا: عند البلاغيين: عرَّفه الجُرجاني (٢) بأنه: " النطق الفصيح المعرب، أي المُظهِر عمَّا في الضمير" (٣). وقال: هو "إظهار المعنى وإيضاح ما كان مستورًا قبله" (٤). وعرَّفه السُّيوطي (٥) بقوله: "إخراج الشَّيء عن حيرة الإشكال إلى فضاء الوضوح" (٦).

стр. 21

وعند الأصوليين: عرَّفه الرازي (١) بقوله: " هو الذي دل على المراد بخطاب لا يستقل بنفسه في الدلالة على المراد (٢) ". ويطلق الفعل (بَيَّنَ) ويراد به (التَّبْيِين) (٣)، ولعل هذا التعريف هو الأقرب للمقصود، لمناسبته الدراسة القرآنية.

стр. 22

المطلب الثالث تعريف "المتَّصل" لغة واصطلاحا "المتَّصِل" لغة: تدور معانيه حول معنى التَّعلق، والاتِّحاد، والتَّرابط، والالتِئام (١). قال ابن فارس: " (وصل) الواو والصاد واللام، أصلٌ واحدٌ يدل على ضم شيءٍ إلى شيءٍ حتى يعلقه. ووصلته به وصلًا، والوَصْل: ضد الهجران، ومَوصِلُ البعير: ما بين عجزه وفخذه، والواصلة في الحديث (٢): التي تصل شعرها بشعرٍ آخر زورًا، ويقول: "وَصَلتُ الشيء وَصْلًا"، والموصول به: (وِصل)، بكسر الواو". (٣). قال الجوهري (٤): "وَصَل بمعنى اتَّصَل. و (بينهما وُصْلَةٌ)، أي اتِّصالٌ وذريعة. و (التَواصُلُ): ضد التَّصارم". (٥). قال الأصفهاني (٦): "الاتِّصال: اتّحادُ الأشياء بعضها ببعض كاتحاد طرفي الدائرة،

стр. 23

ويضاد الانفصال، ويستعمل الوصل في الأعيان، وفي المعاني" (١). قال الله تعالى: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾ (٢) .. قال الفيروز آبادي (٣): "وصَلَ الشيءَ بالشيءِ وَصْلاً وصلَةً (بكسرالصاد، وضمها)، ووَصَّلَهُ: لَأَمَهُ، وأوْصَلَهُ واتَّصَلَ: لم يَنْقَطِعْ" (٤). ثانيا: تعريف "المتَّصِل" اصطلاحا: عُرِّف مصطلح (الوصل) في علومٍ عدة، وأول ظهوره كان في علم القراءات مرتبطًا بعلم الوقف والابتداء، ثم انتقل منه إلى علم النحو وعلم البلاغة (٥). ونورد فيما يلي تعريف الوصل في كل علم من تلك العلوم، من ثنايا كلام العلماء والباحثين في هذا المجال، وهي كالتالي: الوصل في علم القراءات: دراسة الإجراءات الصوتية، والتَّحولات التي تحدث عند وصل الكلام ببعضه

стр. 24

دون توقف، والسكتات في مقاطع الكلمة الواحدة (١). الوصل في علم النحو: هو الاتِّصال في البناء التركيبي مما تقتضيه بُنية التلازم اللفظي والمعنوي، نحو الاتصال بين جملة المبتدأ والخبر، والمعطوف والمعطوف عليه، والحال وصاحب الحال، والصفة والموصوف ... (٢). الوصل في علم البلاغة: عطف بعض الجمل على البعض (٣)، وقيل: عطف جملة على أخرى بالواو. (٤) ولعل أنسب ما وقفت عليه من التعريفات لهذا المقام هو تعريف السُّيوطي للمتَّصل بقوله: "هو مالم يستقل بنفسه" (٥).

стр. 25

المطلب الرابع تعريف "التفسير بالبيان المتَّصل " قبل البدء في التعريف المركب لـ"التفسير بالبيان المتصل " يحسن بنا أن نبدأ بالتعريف لـ "البيان المتَّصل" كمركبٍ إضافي. أولا: "البيان المتّصل" بمعناه المركب: من خلال ما سبق من تعريفاتٍ إفراديةٍ لكل من: "التَّفسير"، و"البيان"، و"الْمُتَّصل"، يمكن القول بأن تعريف البيان المتَّصل هو: "ما يلحق بالآية أو بجزء منها، ويرتبط بها بوجه من الوجوه". ثانيا: "التفسير بالبيان المتّصل "بمعناه المركب: لم أقف على أحد من علماء التفسير، وأصوله قد اعتمد "التفسير بالبيان المتّصل" كمصطلح، وإن كان هذا النوع حاضرًا في مؤلفاتهم، لاسيما عند تفسير القرآن بالقرآن، أو الإشارة إليه كأصل من أصول التفسير المعتمدة، وقد ارتضيت تسمية هذا النوع من التفسير بـ"البيان المتَّصل"؛ ليتميز بذلك عن دلالة السِّياق (١)، وعن اللَّحاق (٢) المطلق. ويمكن تعريف "التفسير بالبيان المتّصل" بأنه: "الكشف عما يراد فهمه من الآيات أو أجزائها، بالاستعانة بما اتَّصل من لاحقها الذي يرتبط بها بوجه من الوجوه".

стр. 26

شرح التعريف وإخراج المحترزات: (الكشف): تفيد أن هذا البيان المتَّصِل أظهر أمرًا كان مستورًا بشكلٍ كليٍّ أو جزئي. (الآيات أو أجزائها): لا يلزم منه أن يكون البيان المتَّصل في آية مستقلة، بل قد يكون لاحقًا به في نفس الآية. (لاحقها): يخرج به (السِّباق)، وهو ما كان قبل الآية متَّصلا بها، وسيأتي بيانه في المطلب التالي. (الذي يرتبط): أي أن البيان المتَّصل مفتقرٌ إلى ما قبله، فلا يكتمل فهمه إلا بالنظر فيما قبله. (بوجهٍ من الوجوه): يقصد به تعدد طرق وروده في القرآن الكريم، وسيأتي بيان تلك الطرق في الفصل الثاني من البحث.

стр. 27

المطلب الخامس علاقة (التفسير بالبيان المتَّصل) بالسِّياق استخدم العلماء السِّياق في مؤلفاتهم منذ القدم، غير أنه لم يعرف كمصطلح إلا في وقت متأخر، وممن أشار إليه من المتقدمين الإمام الشافعي في كتابه "الرسالة"، حيث عقد بابا سماه " الصّنف الذي يبيِّن سياقه معناه" (١). ويجدر بنا بدايةً التعرف على معنى السِّياق من خلال النّظر في استخدامات المفسّرين له في كتبهم، ثم النّظر في التعاريف التي وضعها العلماء له. أولا: استخدامات السِّياق في كتب التفسير: عبَّر المفسرون عن السِّياق بتعابيرَ متنوعةٍ، منها (٢): ١ - ما قبل الكلام وما بعده، ومنه قول أبي حيان (٣) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٤). قال: " .. فعلى ما روي من سبب نزول هذه الآية يكون أمرًا بالتزود في الأسفار الدنيوية، والذي يدل عليه سياق ما قبل هذا الأمر وما بعده، أن يكون الأمر بالتزود هنا بالنسبة إلى تحصيل الأعمال الصالحة التي تكون له كالزَّاد إلى سفره للآخرة، ألا ترى

стр. 28

أن قبله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾، ومعناه الحث والتَّحريض على فعل الخير الذي يترتب عليه الجزاء في الآخرة، وبعده: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، والتَّقوى في عُرف الشَّرع والقرآن، عبارةٌ عما يُتقى به النار! ! " (١). ٢ - سابِق الكلام ولاحقه، ومنه قول البقاعي (٢) عند قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) قال: "أي لأبدت به"، وقال: "وأما ما ورد عن السلف مما يعارض ذلك فلم يصح منه شيء عن أحد منهم مع أن الأقوال التي رُويت عنهم إذا جمعت تناقضت فتكاذبت، ولا يساعد على شيءٍ منها كلام العرب لأنهم قدروا جواب (لولا) المحذوف بما لا دليل عليه من سابق الكلام ولا لاحقه" (٤). ٣ - قد يجعل بعضهم السِّياق مقابل للسِّباق في بعض المواضع، ومنه قول ابن عاشور (٥) عند قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ

стр. 29

لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (١) قال: " فالأمر في قوله: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ للوجوب، وفي قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ للإباحة لبني آدم الماضين والحاضرين ... فقد ظهر من السِّياق والسِّباق في هذه الآيات أن كشف العورة من الفواحش، فلا جرم يكون اللّباس في الحج منه واجب، وهو ما يستر العورة، وما زاد على ذلك مباحٌ مأذونٌ فيه، إبطالًا لتحريمه، وأما الأمر بالأكل والشرب فهو للإباحة إبطالًا للتحريم، وليس يجب على أحد أكل اللّحم والدّسم." (٢). ثانيا: تعريف السِّياق: قال البركتي (٣): "سياق الكلام: أسلوبه الذي يجري عليه. وقولهم وقعت هذه العبارة في سياق الكلام، أي مدرجة فيه (٤) ". وعُرِّف السِّياق بأنه: "تتابع المفردات والجمل والتراكيب المترابطة لأداء المعنى". (٥) والسِّياق القرآني: "تتابع المفردات والجمل والتراكيب القرآنية المترابطة لأداء المعنى". (٦)

стр. 30

ودلالة السِّياق القرآني: "بيان المعنى من خلال تتابع المفردات والجمل والتراكيب القرآنية المترابطة" (١). وقد عرّفه البعض بأنه: " ما يسبق الكلام المراد تفسيره، وما يلحقه من المعاني والألفاظ الواردة في مقطعٍ واحدٍ متصلٍ بموضوعه، مع الغرض من إيراده" (٢). ثالثا: التفسير بالبيان المتَّصل ودلالة السياق: يمكن إجمال أوجه التباين بين دلالة السِّياق والتفسير بالبيان المتَّصل في نقاط على النحو التالي: ١ - السِّياق في مجموعه أعمّ وأشمل من البيان المتَّصل، فهو يشمل السِّباق (٣) واللَّحاق (٤)، في حين أن البيان المتّصل يقتصر على ما اتَّصل من البيان اللاحق. ٢ - أن جزء السياق المسمى بـ"اللَّحاق"، وإن كان يشترك مع البيان المتَّصل في أنه لا يأتي إلا بعد ما يراد تفسيره، إلا أنه يفترق عنه في كونه قد لا يكون متصلًا به. ٣ - أن السِّياق قد يتجاوز الآية أو الآيات المتَّصلة إلى عدة آيات تتّحد معها في الموضوع والغرض، لكنها لا تتعلق بمعنى اللَّفظ علاقةً مباشرة. (٥) ٤ - التفسير بالبيان المتّصل اللّاحق للآية، قد لا يرتبط بسباقها، في حين أن السِّياق يربط لحاق الآية بسباقها.

стр. 31

رابعا: علاقة دلالة السِّياق بالتفسير المتّصل: مما تقدم يتضح أن علاقة (التفسير بالبيان المتّصل) بـ (دلالة السِّياق القرآني) علاقة خصوص وعموم، فباعتبار ما ترتكز عليه دلالة السِّياق من ركنيها: (السِّباق، واللَّحاق) نستطيع القول أن التفسير بالبيان المتَّصل أخصُّ من دلالة السياق حيث أنه جزءٌ من لحاق الآية، وقد يستقل عن سِباقها.

стр. 32

المبحث الثاني أهمية التفسير بالبيان المتَّصل وفيه مطلبان: المطلب الأول: إعمال الرّسول ﷺ وسلف الأمة التفسير بالبيان المتَّصل. المطلب الثاني: علاقة" التفسير بالبيان المتّصل" بعلوم القرآن الكريم الأخرى.

стр. 33

توطئة تقدم في الفصل السابق أن (التفسير بالبيان المتَّصل) لم يُعرف عند العلماء كمصطلح لنوع من أنواع تفسير القرآن بالقرآن، ولكنهم يعرفونه بحكم سليقتهم اللغوية، فهو أسلوبٌ سائرٌ في كلامهم. قال ابن الأنباري (١): " إن كلام العرب يصحح بعضه بعضًا، ويرتبط أوله بآخره .. " (٢). وقد أشار العلماء إلى أمثلة من البيان المتَّصل، في ثنايا تفصيلهم في باب: (المجمل والمبين)، كأسلوبٍ من أساليب البيان، وفي باب: (الإيجاز والإطناب)، كنوعٍ من أنواع الإطناب، وفي باب: (المطلق والمقيّد) ... ، وغيره من أبواب علوم القرآن الأخرى. وقد اعتمده العلماء في تفسير القرآن بالقرآن؛ إذ هو نوع من أنواعه، فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: " إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أُجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر، وما اختُصِر في مكان فقد بُسط في

стр. 34

موضع آخر" (١). وعقّب الشارح (٢) بقوله: " .. منه ما لا يتنازع فيه اثنان لوضوحه واستبانته، وأوضح أمثلته ما يكون على طريقة السؤال والجواب، أو على طريقة ذكر الموصوف ثم إتباعه بأوصافه ... وكثيرٌ من هذا النوع يأتي متواليًا " (٣). كما صنّف الزركشي في كتابه "البرهان" آيات القرآن الكريم من حيث البيان، فجعلها على قسمين: الأول: ما هو بيِّن بنفسه بلفظٍ لا يحتاج لبيانٍ منه ولا من غيره. الثاني: ما ليس ببيِّن في نفسه؛ فيحتاج إلى بيان، وبيانه إما في آية أخرى أو في السنة. والبيان في آية أخرى قد يكون مضمرًا، أو متقدمًا، أو متأخرًا، وقد يكون واضحًا، ثم قسّم البيان الواضح إلى قسمين أيضا: ما كان عقبه، وما كان منفصلًا عنه، وقد استشهد على كل حالةٍ ونوعٍ بالآيات القرآنية (٤). ولاريب أن القسم الأخير (الواضح الذي يكون بيانه في آيةٍ عقبه) يدخل دخولًا أوليًا في البيان المتَّصل (٥).

стр. 35

وأحسب أن ذلك الاهتمام من قبل العلماء كان لأسبابٍ من أبرزها ما يأتي: أولا: إعمال الرسول ‘ وسلف الأمة التفسير بالبيان المتّصل. ثانيا: علاقة "التفسير بالبيان المتّصل" بعلوم القرآن الأخرى.

стр. 36

المطلب الأول إعمال الرسول ﷺ وسلف الأمة التفسير بالبيان المتّصل أولًا: إعمال الرسول ﷺ التفسير بالبيان المتّصل: ورد عن رسول الله ﷺ استشهاده بما اتَّصل من الآي؛ ليكون تفسيرًا لها، وهو رغم قلته إلا أنه يُعدُّ منهجا نبويًا إذا دعت الحاجة للإيضاح، وفيما يلي نورد بعض الأمثلة: أولا: عن جابر بن عبد الله ﵁ (١)، قال: أخبرتني أم مبشر ﵂ (٢)، أنها سمعت النبي ﷺ ، يقول عند حفصة ﵂: "لا يَدْخُلُ النَّارَ -إن شاء الله- مِن أَصْحَابِ الشَّجَرةِ أحدٌ، مِنَ الَّذِينَ بايَعُوا تَحتَها"، قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقالت حفصة ﵂: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (٣)، فقال النبي ﷺ : "قَدْ قَالَ الله : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ " (٤). فحفصة ﵂ اكتفت بالآية الأولى، لتفهم من خلالها أن جميع الناس سيدخلون النار، ولكن الرسول ﷺ استعان في تفسيره بما جاء من البيان المتَّصل بعد الآية مباشرةً؛ ليفهم من ذلك نجاة المتقين ...

стр. 37

وقد رجّح الطبري (١) أن المعنى: "يرِدُها الجميع ثم يَصدر عنها المؤمنون، فينجيهم الله، ويهوي فيها الكفار. وورودهما هو ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ من مرورهم على الصراط المنصوب على متن جهنم، فناجٍ مسلم، ومكدس فيها" (٢). ثانيا: عن النعمان بن بشير ﵁ (٣)، عن النبي ﷺ قال: " الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] " (٤). فالرسول ﷺ فسّر الدعاء بالعبادة، واستشهد بالآية بما جاء في خاتمتها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ

стр. 38

يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ (١)، فاستعان بلحاقها المتَّصل بها في التفسير. ثانيًا: إعمال الصحابة ﵃: في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ (٢). روي أن نافع بن الأزرق (٣) قال لابن عباس ﵁: "أعمى البصر أعمى القلب، يزعم أن قومًا يخرجون من النار، وقد قال الله جل وعز: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ "، فقال ابن عباس ﵁: "ويحك، أقرأ ما فوقها! هذه للكفّار". (٤). فنافع بن الأزرق انتزع قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ (٥) من الآية، وإنما هو من لحاق الآية، فالحكم فيها عائدٌ على الكفار الذين ورد ذكرهم في الآية السابقة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦)﴾ (٦). وفي قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾ (٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «فَنَسَخَ

стр. 39

مِنْ ذَلِكَ وَاسْتَثْنَى» فَقَالَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١) الآية (٢). قال الشاطبي ﵀ (٣) معلِّقًا: " ومعنى ذلك أنه تخصيصٌ للعموم قبله، ولكنه أطلق عليه لفظ النَّسخ؛ إذ لم يعتبر فيه الاصطلاح الخاص (٤) " (٥). ثالثا: إعمال التابعين وجمهور المفسرين: عن قتادة ﵀ (٦) قال: " ﴿فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ (٧)، هم مَن نعَتهم ووصفهم

стр. 40

فأثبت صفتهم، فقال: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ (١) (٢)، ففسّر المتقين بالآية اللّاحقة لها. وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩)﴾ (٣). قال ابن جزي (٤): سئل أحمد بن يحيى (٥) عن الهلوع فقال: قد فسّره الله فلا تفسير أبين من تفسيره، وهو قوله: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ " (٦)، فذكر أن التفسير بالبيان المتَّصل من أبين التفسير. وللشنقيطي كلام قيِّم عن النَّظرة الشاملة للنَّص نعرضه لأهميته في هذا النوع من التفسير، فيقول عند تفسيره سورة الماعون: " في هذه السورة بيان منهج علمي يلزم كل باحث، وهو جمع أطراف النصوص، وعدم الاقتصار على جزء منه، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾، وهي آية مستقلة، ولو أُخذت وحدها لكانت وعيدًا للمصلِّين ... ، ولذا لا بد من ضميمة ما بعدها للتفسير والبيان: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، ثم فسَّر هذا التفسير أيضا بقوله:
следующие страницы →