المطلب الأول
إعمال الرسول ﷺ وسلف الأمة التفسير بالبيان المتّصل
أولًا: إعمال الرسول ﷺ التفسير بالبيان المتّصل:
ورد عن رسول الله ﷺ استشهاده بما اتَّصل من الآي؛ ليكون تفسيرًا لها، وهو رغم قلته إلا أنه يُعدُّ منهجا نبويًا إذا دعت الحاجة للإيضاح، وفيما يلي نورد بعض الأمثلة:
أولا: عن جابر بن عبد الله ﵁ (١)، قال: أخبرتني أم مبشر ﵂ (٢)، أنها سمعت النبي ﷺ ، يقول عند حفصة ﵂: "لا يَدْخُلُ النَّارَ -إن شاء الله- مِن أَصْحَابِ الشَّجَرةِ أحدٌ، مِنَ الَّذِينَ بايَعُوا تَحتَها"، قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقالت حفصة ﵂: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (٣)، فقال النبي ﷺ : "قَدْ قَالَ الله : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ " (٤).
فحفصة ﵂ اكتفت بالآية الأولى، لتفهم من خلالها أن جميع الناس سيدخلون النار، ولكن الرسول ﷺ استعان في تفسيره بما جاء من البيان المتَّصل بعد الآية مباشرةً؛ ليفهم من ذلك نجاة المتقين ...
стр. 37
وقد رجّح الطبري (١) أن المعنى: "يرِدُها الجميع ثم يَصدر عنها المؤمنون، فينجيهم الله، ويهوي فيها الكفار.
وورودهما هو ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ من مرورهم على الصراط المنصوب على متن جهنم، فناجٍ مسلم، ومكدس فيها" (٢).
ثانيا: عن النعمان بن بشير ﵁ (٣)، عن النبي ﷺ قال: " الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] " (٤).
فالرسول ﷺ فسّر الدعاء بالعبادة، واستشهد بالآية بما جاء في خاتمتها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
стр. 38
يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ (١)، فاستعان بلحاقها المتَّصل بها في التفسير.
ثانيًا: إعمال الصحابة ﵃:
في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ (٢).
روي أن نافع بن الأزرق (٣) قال لابن عباس ﵁: "أعمى البصر أعمى القلب، يزعم أن قومًا يخرجون من النار، وقد قال الله جل وعز: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ "، فقال ابن عباس ﵁: "ويحك، أقرأ ما فوقها! هذه للكفّار". (٤).
فنافع بن الأزرق انتزع قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ (٥) من الآية، وإنما هو من لحاق الآية، فالحكم فيها عائدٌ على الكفار الذين ورد ذكرهم في الآية السابقة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦)﴾ (٦).
وفي قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾ (٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «فَنَسَخَ
стр. 39
مِنْ ذَلِكَ وَاسْتَثْنَى» فَقَالَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١) الآية (٢).
قال الشاطبي ﵀ (٣) معلِّقًا: " ومعنى ذلك أنه تخصيصٌ للعموم قبله، ولكنه أطلق عليه لفظ النَّسخ؛ إذ لم يعتبر فيه الاصطلاح الخاص (٤) " (٥).
ثالثا: إعمال التابعين وجمهور المفسرين:
عن قتادة ﵀ (٦) قال: " ﴿فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ (٧)، هم مَن نعَتهم ووصفهم
стр. 40
فأثبت صفتهم، فقال: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ (١)(٢)، ففسّر المتقين بالآية اللّاحقة لها.
وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩)﴾ (٣).
قال ابن جزي (٤): سئل أحمد بن يحيى (٥) عن الهلوع فقال: قد فسّره الله فلا تفسير أبين من تفسيره، وهو قوله: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ " (٦)، فذكر أن التفسير بالبيان المتَّصل من أبين التفسير.
وللشنقيطي كلام قيِّم عن النَّظرة الشاملة للنَّص نعرضه لأهميته في هذا النوع من التفسير، فيقول عند تفسيره سورة الماعون:
" في هذه السورة بيان منهج علمي يلزم كل باحث، وهو جمع أطراف النصوص، وعدم الاقتصار على جزء منه، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾، وهي آية مستقلة، ولو أُخذت وحدها لكانت وعيدًا للمصلِّين ... ، ولذا لا بد من ضميمة ما بعدها للتفسير والبيان: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، ثم فسَّر هذا التفسير أيضا بقوله:
стр. 41
﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ ... ويتفرع على هذا ما أخذه مالك في باب الشهادة: أن الشخص لا يحق له أن يشهد على مجرد قول سمعه، إلا إذا استشهدوه عليه، وقالوا اشهد عليه، أو إلا إذا سمع الحديث من أوّله؛ مخافة أن يكون في أوّله ما هو مرتبط بآخره، كما لو قال المتكلم للآخر: لي عندك فرسٌ، ولك عندي مائة درهم، فيسمع قوله: لك عندي مائة درهم، ولم يسمع ما قبلها، فإذا شهد على ما سمع كان إضرارًا بالمشهود عليه، وهذه السورة تدل لهذا المأخذ، والله تعالى أعلم" (١).
أقول: وهذا المنهج العلمي الذي أشار إليه الشنقيطي ﵀ أصل هام في هذا النوع من التفسير يجب إعماله، فبه يحصل الفهم السليم للآيات، ويكتمل المعنى، ويظهر المراد.
стр. 42
المطلب الثاني
علاقة "التفسير بالبيان المتصل" بعلوم القرآن الكريم
يعدّ علم التفسير- بما فيه التفسير بالبيان المتَّصل- فرعٌ من فروع علوم القرآن الكريم، ولا ينفك عن فروعه الأخرى، وفي هذا المطلب نعرض لتلك العلاقة من خلال بيان وجه ارتباط "التفسير بالبيان المتَّصل"، ببعض علوم القرآن الكريم على النحو التالي:
أولا: علم القراءات:
علم القراءات هو" علمٌ بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها بعزو الناقلة" (١).
ومن الاختلاف في القراءات أن تَرد للآية قراءةٌ عن الصحابة أو التابعين ببعض الزيادات المتصلة بها، والتي لم ترد في القراءة المتواترة، ورغم شذوذ هذه القراءة لمخالفتها رسم المصحف إلا أن جمهور العلماء يرى جواز القراءة بها في غير الصلاة، وروايتها والاستشهاد بها على معنى الآية، مالم تتعارض في معناها مع القراءة المتواترة (٢).
وفي النماذج التالية نلاحظ استعانة المفسّرين بالقراءات التي بها زيادةٌ تفسيرية، على فهم الآية، والترجيح:
стр. 43
أولا: ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (١).
اختلف في تفسير الصلاة الوسطى، والقول بأنها صلاة العصر هو رأي جمهور العلماء، فقد قرأ بعض الصحابة: ﴿والصلاة الوسطى صلاة العصر﴾ على البدل (٢).
ثانيا: في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ (٣).
أجمع العلماء على أن المراد في هذه الآية الإخوة لأم، فقد وردت القراءة عن أُبيّ (٤) ﵁: " وله أخ أو أخت من الأم "، وفي قراءة سعد بن أبي وقاص ﵁: " وَلَهُ أخ أو أخت من أُمٍّ " (٥).
ومما تقدم يتبين علاقة القراءات بالتفسير بالبيان المتصل، فالقراءة التفسيرية تعد تفسيرًا بالبيان المتّصل.
стр. 44
ثانيا: علم نزول القرآن الكريم:
هو العلم الذي يختص بنزول القرآن الكريم، من عند الله (١).
وعند النظر في نزول آيات القرآن الكريم، نجده على أحوال متعددة فقد تنزل الآيات خمسًا أو عشرًا، أو أقل من ذلك أو أكثر، وحينًا ينزل بعض آية في وقت، ثم تنزل تتمتها في وقت لاحق، وقد يطول الفاصل، أو يقصر، ولله في ذلك الحكمة البالغة (٢).
ومن تلك الأحوال ما يكون مبيِّنًا لما سبقه، أو مخصِّصًا، أو مفصِّلًا ... فيتبين بنزول اللّاحق معانٍ وأحكام، لم تكن معلومة من قبل، ومن ذلك ما يأتي:
أولا: ما روي عن سهل بن سعد (٣) ﵁ أنه قال: " أُنزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ (٤)، ولم ينزل: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٥)، فَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلِهِ الخَيْطَ الأَبْيَضَ وَالخَيْطَ الأَسْوَدَ، وَلَمْ يَزَلْ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدُ: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٦)، فَعَلِمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ " (٧).
стр. 45
فبعد الوقوف على قصة نزول الآية، تبين لنا أثر علم النزول في فهم الآية، وفهم وجه إشكال المعنى على بعض الصحابة، لا سيما وقد تجزأ نزول الآية الواحدة، فقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ بيان متصل بالآية، ولكنه نزل متراخٍ عن أولها.
ثانيا: ما جاء في نزول قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١)، أن البراء (٢) ﵁، قال: لما نزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ زَيْدًا (٣) ﵁، فَجَاءَ بِكَتفٍ، فَكَتبَها، وَشَكَى ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ﵁ (٤) ضِرَارَتَهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ " (٥).
стр. 46
ولا ريب أن تتمتها تفسيرٌ لها، أزيل به ما أشكل على ابن أم مكتوم ﵁.
ثالثا: علم المناسبات:
تعريف علم المناسبة: " هو علمٌ تعرف منه علل ترتيب أجزاء القرآن ". (١)
وقد اهتم العلماء بدراسة علم المناسبات، ومنه المناسبات بين السور المتتالية، والمناسبات في السورة الواحدة (٢).
وفي شأن المناسبة بين الآيات في السورة الواحدة يقول الزركشي:
" والذي ينبغي في كل آيةٍ، أن يُبحث أول كل شيءٍ عن كونها مكمِّلةً لما قبلها أو مُستقلّة، ثم المستقلّة، ما وجه مناسبتها لما قبلها؟ " (٣).
فقسّم المناسبات إلى قسمين رئيسين: مكمِّلة، ومُستقلّة.
وموضوع بحثنا في القسم الأول، وهو: الآية المكمِّلة لما قبلها، ومرتبطة بها.
وقد بين الزركشي أن الارتباط يكون لسببين:
الأول: لتعلق الكلام بعضه ببعضٍ وعدم تمامه بالأولى.
الثاني: أن تكون الآية الثانية للأولى على جهة التأكيد والتفسير، أو الاعتراض والتشديد (٤).
أقول: والتفسير بالبيان المتّصل قد يكون للسبب الأول، نحو قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ
стр. 47
وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢)﴾ (١)، فهاهنا سؤال يحتاج جوابا، وجاء الجواب في الآية التالية: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾، فجاءت: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ مبيِّنة ومفسِّرة لما قبلها (٢).
وقد يكون في بعض أحواله للسبب الثاني، نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (٣).
فالآيتين ﴿(٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ جاءت تفسيرًا لما قبلها: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٤).
قال الطبري: " ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لم يلد ولم يولد؛ لأنه ليس شيء يلد إلا سيورث، ولا شيء يولد إلا سيموت، فأخبرهم تعالى ذكره أنه لا يورث ولا يموت" (٥).
قال السيوطي: " وثمرة المناسبة: الاطلاع على الرتبة التي يستحقها الجزء بسبب ما له بما وراءه، وما أمامه من الارتباط والتعلّق الذي هو كلُحمة النسب، ... وهو سرّ البلاغة؛ لأدائه إلى تحقيق مطابقة المعاني لما اقتضاه من الحال ... ولذا كان هذا العلم في غاية النفاسة، وكانت نسبته من علم التفسير، نسبة علم البيان من النحو " (٦).
وقال العز بن عبد السلام (٧): " المناسبة علمٌ حسنٌ، لكن يشترط في حسن ارتباط
стр. 48
الكلام أن يقع في أمرٍ متحد مرتبطٌ أوله بآخره " (١).
أقول: وإنه يكثر أن تكون المناسبة بين الآيات المتتالية، أو الآية وخاتمتها، مرتبط بتفسيرها، ومنه ما يكون تفسيرًا بالبيان المتَّصل.
رابعًا: علم الوقف والابتداء:
تعريف علم الوقف والابتداء: " علمٌ يَعرف به القارئ ما يصلح الوقوف عليه، وما لا يصلح، والمواضع التي يصلح الابتداء بها، والتي لا يصلح " (٢).
والوقف: "قطع الصّوت آخر الكلمة زمنًا ما، أو هو قطع الكلمة عما بعدها " (٣).
والابتداء: "الشروع في القراءة بعد قطعٍ أو وقف" (٤).
أقسام الوقف:
أولا: الاختياري (الذي تم معناه): وهو ما يقصده القارئ بمحض إرادته من غير عروض سببٍ خارجي (٥).
стр. 49
مراتب الوقف الاختياري (١):
١ - الوقف التام:
هو الذي يحسُن القطع عليه والابتداء بما بعده، لأنه لا يتعلق بشيء مما بعده. (٢)
٢ - الوقف الكافي:
هو الذي يحسن الوقف عليه، والابتداء بما بعده، غير أنَّ الذي بعده متعلقٌ به من جهة المعنى دون اللفظ (٣).
٣ - الوقف الحسن:
هو الذي يحسُن الوقف عليه، ولا يحسُن الابتداء بما بعده؛ لتعلقه به من جهة اللفظ والمعنى جميعًا (٤).
стр. 50
ثانيا: الاضطراري: الذي لم يتم به الكلام، واصطُلح على تسميته: (القبيح)، وهو الوقف على ما لم يتم به الكلام في ذاته، واشتد تعلقه بما بعده لفظًا ومعنى، فلا يجوز تعمُّد الوقف عليه إلا لضرورةٍ من انقطاع نفسٍ ونحوه؛ لعدم الفائدة أو لفساد المعنى (١).
بعد تأمل التعاريف السابقة، يتبيّن أن الحكم على الوقف مبنيٌ على نوع اتصال الموقوف عليه، بما بعده من لاحق الكلام، فهو في ذلك على مراتب: فإما ألاّ يتّصل ما بعد الوقف بما قبله لفظًا ولا معنى، فهو التام، أو يتَّصل ما بعده بما قبله معنىً لا لفظًا، فهو الكافي، أو لا يتَّصل ما بعده بما قبله معنى ولفظًا، فهو الحسن، أو يشتد اتصاله بما بعده، فلا يتم المعنى المراد إلا به، فهو القبيح (٢).
ومن الاتصال المعنوي، (البيان المتَّصل) المفسِّر لما قبله - وهو موضوع
الدراسة-.
ومما يؤكد على أهمية البيان المتصل في تحديد موضع الوقف، قول النبي ﷺ : "يَاأُبَيُّ، إِنِّي أُقْرِئْتُ الْقُرْآنَ فَقِيلَ لِي: عَلَى حَرْفٍ، أَوْ حَرْفَيْنِ؟
فَقَالَ الْمَلَكُ الَّذِي مَعِي: "قُلْ: عَلَى حَرْفَيْنِ"، قُلْتُ: "عَلَى حَرْفَيْنِ"، فَقِيلَ لِي: "عَلَى حَرْفَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةٍ؟ "
فَقَالَ الْمَلَكُ الَّذِي مَعِي: "قُلْ: عَلَى ثَلَاثَةٍ"، قُلْتُ: "عَلَى ثَلَاثَةٍ"، حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ"، ثُمَّ قَالَ: " لَيْسَ مِنْهَا إِلَّا شَافٍ كَافٍ، إِنْ قُلْتَ: سَمِيعًا عَلِيمًا عَزِيزًا حَكِيمًا، مَا
стр. 51
لَمْ تَخْتِمْ آيَةَ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ، أَوْ آيَةَ رَحْمَةٍ بِعَذَابٍ " (١).
قال الإمام أبو جعفر النحاس (٢) تعليقًا على الحديث: " فهذا تعليم التّمام توقيفًا من رسول الله ﷺ بأنه ينبغي أن يقطع على الآية التي فيها ذكر الجنة والثواب ويفصل ما بعدها إن كان بعدها ذكر النار أو العقاب " (٣).
ومما يدل على ارتباط الوقف بنوع العلاقة بما اتَّصل من الآي، ما روي عن ذر عن يُسَيع الكندي (٤) قال: "جاء رجل إلى ابن أبي طالب ﵁، فقال: " كيف تقرأ هذه الآية: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ (٥)، وهم يقتلون؟ "
فقال علي ﵁: "اُدنُه"، ثم قال: " ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٦) "، أي ويعذب الظالمين، أو وعذب الظالمين " (٧).
стр. 52
قال ابن النّحاس: " لما اتّصل الكلام بما قبله تبيَّن المعنى، وعُرف المشكل " (١).
بل إنه قد يختلف الوقف الواحد في نوعه باختلاف تفسير المفسِّرين وتأويلهم لمعنى الآية، كقوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ (٢)، فقد ورد في تفسيرها وجهان:
الأول: أن التَّحريم والتيه كان أربعين سنة (٣)، بنصب ﴿أَرْبَعِينَ﴾ بـ ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾ على تفسير (التحريم)، فعلى هذا يكون الوقف على: ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، وهو اختيار ابن جرير، حيث يقول: "إِنما نصبت بالتَّحريم، والتَّحريم كان عامًا في حق الكلّ، ولم يدخلها في هذه المدة منهم أحد " (٤).
وقيل الوقف على ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾، ثم يستأنف: ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ (٥).
الثاني: أن (التَّحريم) كان أبداً، وأن (التِّيه) كان أربعين سنة، بنصب ﴿أَرْبَعِينَ﴾ بـ ﴿يَتِيهُونَ﴾، فعلى هذا يكون الوقف على ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ (٦).
قال الزَّجاج (٧): "لا يجوز أن ينتصب بالتّحريم، لأن التّفسير جاء أنها محرَّمة
стр. 53
عليهم أبداً " (١).
قال أبو الفتح بن جنّي (٢): " ومتى كانت الجملة تفسيرًا لم يحسُن الوقف على ما قبلها دونها؛ لأن تفسير الشيء لاحقٌ به ومتمِمٌ له وجارٍ مجرى بعض أجزائه كالصِّلة من الموصول، والصِّفة من الموصوف، وقد يجيء لبيان العلة والسّبب " (٣).
فهذا العلم الجليل القدر يرجع إلى علم التفسير، لاسيما ما كان من التفسير بالبيان المتصل، فاعتباره في الوقف مطلب به تبرز المعاني، ويحسن الأداء.
стр. 54
الفصل الثاني
أنواع البيان المتَّصل وطرق وروده في القرآن الكريم
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: أنواع البيان المتَّصل في القرآن الكريم.
المبحث الثاني: طُرق ورود البيان المتَّصل في القرآن الكريم.
стр. 55
المبحث الأول
أنواع البيان المتَّصل في القرآن الكريم
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الاتِّصال في الآية نفسها.
المطلب الثاني: الاتِّصال بين آياتٍ متتالية.
المطلب الثالث: شبه الاتِّصال.
стр. 56
المطلب الأول
الاتصال في الآية نفسها
وهو أن يَرد جزءٌ من الآية، وفي لاحقها المتَّصل بها في ذات الآية، بيانٌ لها.
نماذج من البيان المتَّصل في الآية نفسها:
النموذج الأول:
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)﴾ (١).
المبيَّن: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾.
البيان المتَّصل: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)﴾.
المعنى الإجمالي للبيان المتَّصل:
ذكر الله في الآية منّته على بني إسرائيل بإنجائهم من آل فرعون، الذين كانوا يسومونهم سوء العذاب، ثم وصف سوء العذاب وبيَّنه بقوله: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾، أي يُذَّبحون أبناءكم الصغار، ويتركون نساءكم أحياءً للخدمة، وكان سبب قتل فرعون لأبناء بني إسرائيل؛ أنَّ فرعون رأى رؤيا هالته فعبَّرها له الكهنة بأنه يولد في بني إسرائيل غلامٌ يكون هلاك فرعون على يده، فأمر عند ذلك بذبح الصّبيان من مواليد بني إسرائيل، وأبقى على البنات (٢).
стр. 57
النموذج الثاني:
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)﴾ (١).
المبيَّن: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾.
البيان المتَّصل: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾.
المعنى الإجمالي للبيان المتصل:
" أي يخفي-يا محمد- هؤلاء المنافقون الذين وصفتُ لك صفتهم في أنفسهم من الكفر والشكّ في الله، ما لا يبدون لك.
ثم أظهر نبيَّه ﷺ على ما كانوا يخفونه بينهم من نفاقهم، والحسرة التي أصابتهم على حضورهم مع المسلمين مشهدهم بأحد، فقال مخبرًا عن قِيلهم الكفر وإعلانهم النفاق بينهم: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾، يعني بذلك أنّ هؤلاء المنافقين يقولون: لو كان الخروج إلى حرب من خرجنا لحربه من المشركين إلينا، ما خرجنا إليهم، ولا قُتِل منا أَحدٌ في الموضع الذي قتلوا فيه بأُحد" (٢).
قال الشّوكاني (٣) ﵀: "وقوله: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾
стр. 58
استئناف، كأنه قيل: ما هو الأمر الذي يخفون في أنفسهم؟
فقيل: يقولون فيما بينهم، أو في أنفسهم ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾، أي: ما قُتِل من قتل منا في هذه المعركة، فردّ الله سبحانه ذلك عليهم: أن لو كنتم قاعدين في بيوتكم لم يكن بدٌ من خروج من كُتب عليه القتل إلى هذه المصارع التي صرعوا فيها، فإن قضاء الله لا يُرد" (١).
стр. 59
المطلب الثاني
الاتصال بين آيات متتالية
وهو أن يكون في الآية أو الآيات اللَّاحقة، بيانٌ لسابقها.
نماذج من البيان المتَّصل لآياتٍ متتالية:
النموذج الأول:
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ [سورة الروم: ١٤ - ١٦].
فالمبيَّن: ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾.
والبيان المتَّصل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾.
المعنى الإجمالي للبيان المتصل:
أي أنّهم بعد الحساب يتفرقون، فجاء بعبارةٍ مجملةٍ في الآية الأولى، تشير إلى أحوالهم بقوله: ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾، ثم تلاها بقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾؛ ليبيِّن انقسامهم إلى فريقين، وأخبر عن مرجع كل فريق، فأما الذين صدّقوا بالله ورسوله، وأدّوا الفرائض والسُّنن فهم في روضةٍ يُنعَّمون، وأما الذين كفروا وكذبوا بمحمدٍ ﷺ والقرآن والبعث بعد الموت فأولئك في العذاب مقرنين هم وآلهتهم. (١)
стр. 60
النموذج الثاني:
قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)﴾ (١).
المبيَّن: ﴿لِلْمُطَفِّفِينَ﴾.
البيان المتَّصل: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾.
المعنى الإجمالي للبيان المتَّصل:
أخبر تعالى في الآية الأولى استحقاق المطفِّفِين للعذاب الشديد، ثم بين المراد بالتطفيف في الآية التالية، فأوضح أنه في أمر الوزن والكيل، وكشف عن صفات المطفّفين، بشرح طريقة تطفيفهم الذي بسببه استحقوا الدعاء بالويل، وهو أنهم إذا أخذوا منهم وفاء عما ثبت لهم قِبَلَهم، يستوفون لأنفسهم فيكتالونه منهم وافيًا، وإذا أَعطوا الناس حقهم، الذي للناس عليهم بكيلٍ أو وزنٍ، ينقصونهم ذلك، إما بمكيال وميزان ناقصين، أو بعدم ملء المكيال والميزان، أو نحو ذلك (٢).
فأُقيمت "على" مقام"من" في قوله: ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ لدلالة الكلام على معنى الاستيلاء، فاكتيالهم للنّاس فيه إضرارٌ بهم، وتحاملٌ عليهم (٣).
стр. 61
المطلب الثالث
شبه الاتّصال
وهو أن يكون المبيَّن في الآيات مفصولًا عن البيان بفاصلٍ مرتبطٍ بالآية المبيَّنة.
نماذج من شبه الاتّصال:
النموذج الأول:
قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾ (١).
المبيَّن: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾
البيان شبه المتَّصل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾.
المعنى الإجمالي للبيان المتَّصل:
ذم الله الشعراء بقوله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾، ولم يخصِّص بذلك بعض الغواة دون بعض، وأَتبع الآية بذكر بعضٍ من صفات الشعراء التي استحقوا بسببها الذم بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾، ثم جاء ببيانٍ للآية الأولى بأن استثنى منهم صنفًا بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾، وهذا الاستثناء يدخل فيه شعراء الأنصار وغيرهم، ومن كان متلبسًا من شعراء الجاهلية بذم الإسلام وأهله، ثم تاب وأناب، ورجع وأقلع، وعمل صالحا، وذكر الله كثيرا في مقابلة ما تقدم من الكلام السيئ، فإن الحسنات
стр. 62
يذهبن السيئات (١).
النموذج الثاني:
قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨)﴾ (٢).
المبيَّن: ﴿جَنَّتَانِ﴾.
البيان شبه المتصل: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾.
وفُصل بين المبيَّن والمبيِّن بفاصلٍ، وهو قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
المعنى الإجمالي للبيان المتَّصل:
أن الله تعالى امتنّ على عباده الذين خافوا مقام ربهم من الثَّقلين بالجزاء الوافر، فقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾، ثم عقَّب بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾؛ إيقاظًا للغافلين، وتنبيهًا للمؤمنين، وتقريعًا وتوبيخًا للغافلين، ثم نعت الجنّتين المذكورتين في الآية الأولى، فقال: إنهما ذواتا ألوان، وضروبٍ من الملاذّ، مما يُنبئ بسعتهما وفضلهما ومَزيّتهما على ما سواهما، ومن ذلك أنهما ذواتا أغصانٍ يمسُّ بعضها بعضًا، في كل غصنٍ فنونٌ من الفاكهة (٣).
стр. 63
المبحث الثاني
طرق ورود البيان المتَّصل في القرآن الكريم.
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: بيان المجمل.
المطلب الثاني: تخصيص العام.
المطلب الثالث: تقييد المطلق.
стр. 64
المطلب الأول
بيان المجمل
في البداية نعرف بمصطلحي "المجمل"، و"البيان "؛ ليتبيّن المراد به، فنقول:
المجمل: " مالا يمكن معه معرفة المراد به" (١).
البيان: "إخراج الشيء من حيّز الإشكال إلى حيّز التّجلي والوضوح" (٢).
بيان المجمل في البيان المتَّصل هو: أن يكون في الآية كلام يفتقر إلى ما يبيّنه، فيأتي بعده إيضاحٌ له، متصلًا به في الآية نفسها أو ما يليها.
أنواعه (٣):
أولا: الإيضاح بعد الإبهام.
ثانيا: التَّفصيل بعد الإجمال.
والفرق بينهما أن الأول لما يكون فيه إشكال، والإيضاح رفع الإشكال.
والثاني تفسيرٌ وتفصيلٌ لكلامٍ ليس فيه إشكال البتة (٤).
أولا: الإيضاح بعد الإبهام:
بأن يرد في الآية إبهام؛ لغرضٍ بلاغي، ثم يأتي بعده إيضاحٌ له.
الأغراض البلاغية للإيضاح بعد الإبهام:
قال ابن عاشور: "إنَّ بلاغة الكلام لا تنحصر في أحوال تراكيبه اللفظية، بل تتجاوز إلى الكيفيات التي تؤدى بها تلك التراكيب. فإن سكوت المتكلم البليغ في جملة
стр. 65
سكوتًا خفيفًا قد يفيد من التشويق إلى ما يأتي بعده ما يفيده إبهام بعض كلامه ثم تعقيبه ببيانه ... " (١).
ويرد الإيضاح بعد الإبهام في القرآن الكريم لأغراضٍ بلاغيةٍ من أبرزها:
(١) تقديم المعنى الواحد في صورتين مختلفتين إحداهما مبهَمة والأخرى موضِّحة، كما تقدم الحسناء في كُلَّة (٢) أولًا، وبعد ذلك تُعرض مَجلُوّة (٣)، إذ تُرفع الكُلَّة عن وجهها ورأسها ومواطن زينتها، فتنجلي للأعين محاسنُها (٤).
(٢) تمكين المعنى في نفس المتلقي تمكينًا زائدًا، لوقوعه بعد استشراف النّفس إليه بالإبهام (٥).
قال الزمخشري (٦): "والأمر الوارد على النفوس بعد تشوّفٍ وتطلعٍ منها إليه، أوقع فيها وأقرب من قبولها له مما فوجئت به " (٧).
(٣) تكميل لذة العلم به، إذ بدأت ناقصةً بالإبهام، وكُمِّلت بالإيضاح، فالشيء
стр. 66
إذا عُلم ناقصًا، تشوّقت النفس إلى العلم به كاملاً، وحصل لديها ظمأ لمعرفته، فإذا استكملت النفس معرفته كانت لذتها أشدّ من حصول العلم به دفعة واحدة. (١).
(٤) تفخيم شأن المبيَّن، وتعظيمه (٢).
قال ابن الأثير (٣): "اعلم أن هذا النوع لا يعمد إلى استعماله إلا لضربٍ من المبالغة، فإذا جيء به في كلام، فإنما يفعل ذلك لتفخيم أمرٍ مبهمٍ وإعظامه؛ لأنه هو الذي يطرق السمع أولًا، فيذهب بالسامع كل مذهب ... ، فإن الإبهام أولًا يوقع السَّامع في حيرةٍ وتفكّر، واستعظام لما قرع سمعه، وتشوّف إلى معرفته، والاطّلاع على كُنهه" (٤).
أنواعه في القرآن (٥):
١ - جواب استفهام.
٢ - إيضاح لفظٍ مفرد، أو معنى.
١ - جواب استفهام:
بأن يرد استفهام في الآية، ثم يتلوه جوابٌ لذلك الاستفهام، سواء أكان غرض الاستفهام طلب العلم بشيءٍ ما، أم سوى ذلك من الأغراض البلاغية التي تُفهَم من
стр. 67
سياق الكلام ودلالته نحو: التَّشويق، أو التَّقرير، أو غيره من الأغراض البلاغية الأخرى. (١).
نحو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١)﴾ (٢).
المبيَّن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠)﴾ (٣).
البيان المتَّصل: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١)﴾ (٤).
المعنى الإجمالي للبيان المتَّصل:
بدأت الآية باستفهامٍ عن التجارة المنجية من عذاب أليم، ثم بيَّن سبحانه هذه التجارة، بأسلوب الخبر المتضمن معنى الأمر؛ للإيذان بوجوب الامتثال، فقال: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾، فجعل العمل المذكور بمنزلة التجارة لأنهم يربحون فيه كما يربحون فيها، وذلك بدخولهم الجنّة ونجاتهم من النّار (٥).
قال الرازي: "هل" بمعنى الاستفهام، ثم يتدرّج إلى أن يصير عرضًا (٦) وحثًّا،
стр. 68
والحثّ كالإغراء (١)، والإغراء أمر". (٢).
قال الزّجاج: "وزعمَ بعض النحويين أن قوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ جوابه ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾، وهذا خطأٌ لأنه ليست بالدلالة تَجب المغفرة إِنما تجب المغفرة بقبولهم ما يُؤَدي إِليهم النبي ﷺ ، ولكن ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ جواب ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ﴾ (٣).
٢ - إيضاح لفظ أو معنى كلام سابق (٤):
بأن يرد في الآية لفظٌ أو معنى مبهم، ثم يأتي بعده ما يكون تفسيرًا موضحًا له.
مثال إيضاح اللفظ:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾ (٥). المبيَّن: ﴿هَلُوعًا﴾. البيان المتَّصل: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾. المعنى الإجمالي للآيات: أن الله خلق الإنسان يحب ما يسره ويهرب مما يكره، ثم تعبَّده بإنفاق ما يحب والصّبر على ما يكره (٦).
стр. 69
وقد عبّر القرآن الكريم عن ذلك بلفظ ﴿هَلُوعًا﴾، والهلوع في اللغة هو: الحريص الضجور البخيل الممسك الفخور، ثم جاء تفسير المقصود بلفظة الهلوع الواردة في الآية، فيما بعده من الآيات بقوله: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾، أي شديد الجزع، فلا يصبر على الفقر والشدة، وإذا أصابه الغنى والمال يمنع حق الله تعالى، إلا المصلين، فإنهم ليسوا هكذا (١).
مثال إيضاح معنى كلام سابق:
قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ (٢).
المبيَّن: ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.
البيان المتَّصل: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾.
المعنى الإجمالي للبيان المتصل:
في الآية تعليم من الله أن نسأله أن يرشدنا ويوفقنا لسلوك الصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، وقد فسَّر الصراط المستقيم بقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، والمنعَم عليهم، هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ (٣)، وهم أهل الهداية والاستقامة والطاعة لله ورسله، وامتثال أوامره وترك نواهيه وزواجره، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، أي غير صراط المغضوب عليهم، وهم الذين فسدت إرادتهم، فعلموا الحق وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين وهم الذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى
стр. 70
الحق، والمقصود بهم اليهود والنصارى (١).
قال ابن كثير (٢) ﵀: " أكّد الكلام بـ (لا) ليدل على أن ثمَّ مسلكين فاسدين، وهما طريقتا اليهود والنصارى" (٣).
قال الزمخشري: " ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بدلٌ من الصراط المستقيم ... فإن قلت: ما فائدة البدل؟ ، وهلا قيل اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم!
قلتُ: فائدته التوكيد لما فيه من التّثنية والتّكرير، والإشعار بأنّ الطريق المستقيم بيانه وتفسيره: صراط المسلمين؛ ليكون ذلك شهادةً لصراط المسلمين بالاستقامة على أبلغ وجه وآكده، كما تقول: هل أدلك على أكرم الناس وأفضلهم؟ فلان، فيكون ذلك أبلغ في وصفه بالكرم والفضل من قولك: هل أدلك على فلان الأكرم الأفضل، لأنك ثنيتَ ذكره مجملًا أوّلًا، ومفصّلًا ثانيًا، وأوقعتَ فلانًا تفسيراً وإيضاحًا للأكرم الأفضل فجعلتَه عَلمًا في الكرم والفضل ... " (٤).
قال ابن عاشور: " ... وإن إعادة الاسم في البدل أو البيان؛ ليبنى عليه ما يراد تعلقه بالاسم الأول، أسلوبٌ بهيجٌ من الكلام البليغ؛ لإشعار إعادة اللفظ بأن مدلوله
стр. 71
بمحل العناية، وأنه حبيبٌ إلى النفس" (١).
ثانيا: التفصيل بعد الإجمال:
بأن يرد الكلام ابتداء بإيجازٍ واختصارٍ لغرضٍ بلاغي، ثم يَتبعه بيانٌ وتفصيلٌ يُزيل عنه إجماله.
الأغراض البلاغية لأسلوب التفصيل بعد الإجمال (٢):
استخدم القرآن الكريم أسلوب التفصيل بعد الإجمال لأغراضٍ بلاغيةٍ متنوعةٍ، تتناسب مع مقصد الآيات، ومن أبرز تلك الأغراض ما يلي:
١ - التّشويق:
نحو قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ (٣).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "أتى بـ"أم" المنقطعة التي تتضمن الاستفهام من أجل شدّ النَّفس إلى الاستماع إلى القصة لأنها حقيقةٌ عَجب " (٤)، ثم جاء بأحداث القصة متتاليةً بعد ذلك.
стр. 72
٢ - التوكيد:
نحو قوله تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ (١).
التمهيل: مصدر (مَهّلَ)، بمعنى: (أمهَلَ)، وهو الإنظار إلى وقتٍ معينٍ أو غير معين، فأمر رسوله ﷺ بإمهالهم وألا يستعجل، ثم أكّد أمره فقال: ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾: أي إمهالًا، ولما كرّر الأمر توكيدًا خالف بين اللّفظين لتحسين التّكرير، فالأول مطلق، والثاني مقيد بقوله: ﴿رُوَيْدًا﴾ (٢).
٣ - التعظيم والتفخيم:
نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ (٣).
قال ابن عطية (٤): " والمترجح عندي أن المقام وأمن الداخل جعلا مثالًا مما حرّم الله من الآيات، وخُصّا بالذِّكر لعِظمهما، وأنهما تقوم بهما الحجة على الكفار، إذ هم مدرِكون لهاتين الآيتين بحواسّهم" (٥).
стр. 73
وسائل الربط بين أسلوب التّفصيل والإجمال (١):
ربط القرآن الكريم بين الإجمال وما يأتي بعده من تفصيل باستخدام أدواتٍ متنوعةٍ تستخدم في اللغة لهذا الغرض، ومن أبرزها ما يلي:
١ - أمّا التفصيلية:
نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ (٢).
قال ابن عاشور: "في قوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ إجمالٌ يفيد التّشويق إلى تفصيله بقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ .. الآيات؛ ليتمكن تفصيله في الذهن" (٣).
٢ - (أنْ) التفسيرية:
نحو قوله تعالى: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ (٤).
قال الزمخشري: " (أنْ) هي المفسِّرة لأن الوحي بمعنى القول" (٥).
٣ - (مِن) البيانية:
نحو قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٦).
قال ابن عثيمين: قوله تعالى ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ بيانٌ لمعنى ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ (٧).
стр. 74
٤ - البدل، أو عطف البيان (١):
نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (٣٥)﴾ (٢).
قال ابن عاشور: "والمراد بالمفاز: الجنة ونعيمها، وأوثرت كلمة ﴿مَفَازًا﴾ على كلمة: الجنة، لأن في اشتقاقه إثارة الندامة في نفوس المخاطبين ... ، وأبدل ﴿حَدَائِقَ﴾ من ﴿مَفَازًا﴾ بدل بعضٍ من كل، باعتبار أنه بعض من مكان الفوز، أو بدل اشتمالٍ باعتبار معنى الفوز" (٣).
٥ - (إذ) الظرفية:
نحو قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ (٤).
стр. 75
قال ابن عاشور: "إلا تنصروه، فهو غني عن نُصرتكم بنصر الله إياه، إذ قد نصره في حين لم يكن معه إلا واحدٌ لا يكون به نصر، فكما نصره يومئذ ينصره حين لا تنصرونه ...
ويتعلق ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ﴾ بِـ ﴿نَصَرَهُ﴾، أي زمن إخراج الكفار إيّاه، أي من مكة، والمراد خروجه مهاجرًا" (١).
أنواعه في القرآن الكريم:
يكون التّفصيل بعد الإجمال على نوعين:
الأول: تفاصيل القصّة.
الثاني: تفاصيل كلام مجمل سابق.
الأول: تفاصيل القصة:
بأن ترد الآية فيها إشارةٌ مجملةٌ لقصةٍ ما، ثم تُردف بذكر تفاصيل القصّة فيما يتلوها من آيات، نحو قوله تعالى:
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥)﴾ (٢).
المبيَّن: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾.
البيان المتَّصل: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥)﴾.
المعنى الإجمالي للبيان المتَّصل:
بدأت الآيات بإشارة إلى قصة ثمود وتكذيبهم نبيهم صالح ﵇،