وزارة التعليم العالي
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
كلية أصول الدين
قسم القرآن وعلومه
نَقْدُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِيْنَ للتَّفْسِيْرِ
دراسة نظرية تطبيقية
رسالة أعدها لنيل درجة الدكتوراه الطالب:
عبد السلام بن صالح بن سليمان الجار الله
إشراف
فضيلة الأستاذ الدكتور/ زاهر بن عواض الألمعي
الأستاذ بقسم القرآن وعلومه
الجزء الأول
العام الجامعي
١٤٢٧/ ١٤٢٨
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:
فإن الغاية التي من أجلها أُنزل القرآن الكريم، وأُمر الناس باتباعه والإيمان به، هي الاهتداء بهديه، ولا سبيل إلى تحقيق هذه الغاية إلا بتدبر القرآن، وفهم معانيه، فهما الطريق إلى الاهتداء بالقرآن، ومعرفة حلاله وحرامه، وهما السبيل إلى الاتعاظ بمواعظه وزواجره، وقصصه وأمثاله ...
ولما كان الأمر كذلك اهتم المسلمون - خاصة العلماء - بتفسير القرآن الكريم، واجتهدوا في كشف معانيه، مشافهةً ومدارسةً؛ وكتابةً وتأليفاً.
والناس متفاوتون في فهم القرآن الكريم؛ نظراً لاختلاف مداركهم وأفهامهم، وتفاوت منازلهم في الإلمام بالعلوم واكتسابها، وتباين أهدافهم وتوجهاتهم، وبسبب ذلك حاد بعض الناس عن فهم القرآن، والتبس عليهم تفسيره، فظهرت بعض المناهج المنحرفة، والأقوال المنكرة، فتصدى لها العلماء والمفسرون وانبروا لنقدها والتحذير منها على حسب درجتها في الخطأ، كل ذلك
стр. 3
دفاعًا عن القرآن، وذوداً عن حياضه، وحماية له من تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين.
وقد تزامن الدفاع عن القرآن وتفسيره مع الدفاع عن السنة النبوية، فكما انبرى المحدثون للدفاع عن السنة، واجتهدوا في حمايتها، انبرى المفسرون للدفاع عن تفسير القرآن الكريم.
إلا أن المحدثين في دفاعهم عن السنة اهتموا بدرجة أكبر بنقد الأحاديث من حيث بيان الصحيح من الضعيف، وتتبع رجال الإسناد والكشف عن أحوالهم تعديلاً وتجريحاً.
ولأن صحة القرآن الكريم والقطع بثبوته قضية محسومة بإجماع الأمة على تواتر ما بين دفتي المصحف، فقد اهتم العلماء والمفسرون بتفسير القرآن وتأويله، فنظروا في المناهج والكتب، والمرويات والأقوال، ونقدوا ما يحتاج إلى نقد؛ انطلاقاً من قواعد مقررة في هذا العلم.
وترجع جذور نقد التفسير إلى زمن النبوة، فقد أنكر النبي ﷺ على بعض الصحابة فهمهم الخاطئ لبعض الآيات، وبعد عصره ﷺ قام الصحابة والتابعون ﵃ بجهد واضح في نقد التفسير بحسب ما جد في عصرهم.
وبعد عصرهم ازداد الخلاف، وكثرت البدع، فزاد تبعاً لذلك الانحراف في فهم القرآن، والخطأ في تفسيره، فاتسعت دائرة النقد وتعددت مجالاته وأساليبه، وكلما كثر الخطأ والانحراف في التفسير اتسع النقد وتشعبت فروعه، وتنوعت طرقه وأساليبه.
стр. 4
ولم تكن الدراسات المعاصرة بمعزل عن تناول هذا المجال، فقد اهتم كثير من الباحثين بنقد التفسير، وأخذ حيزاً كبيراً من مؤلفاتهم، وأفردوا فيه الكتب: إما نقداً لمنهج، أو مفسر، أو كتاب، أو مرويات وأقوال، حتى أصبح بعض الباحثين يتتبع جزئية من جزئيات التفسير ويقوم بنقدها.
غير أن هذه الدراسات كلها - قديمها وحديثها - اهتمت بالجانب العملي في النقد على اختلاف أنواعه ومجالاته، بمعنى أن العلماء قاموا بانتقاد ما يعتقدون خطأه في التفسير (١).
ومن هنا برزت فكرة البحث، فالنقد بمجاله العملي بحاجة إلى دراسة تأصيلية تتناوله بوصفه ظاهرة، وتُعنى بالحديث عن نشأته ودواعيه، وبيان مجالاته وأسسه، وأثره على المفسرين، وطريقة تناولهم له، وبخاصة إذا علمنا أن أحداً لم يقم بدراسته على هذا الوجه، وغاية ما قام به بعضهم هو الجانب العملي فقط.
стр. 5
ودراسة منهج المفسرين في نقد التفسير بوجه عام دون تحديد ذلك بزمن أو فئة مما لا يمكن الإلمام به في رسالة واحدة، لذا رأيت الاقتصار على عصر الصحابة والتابعين ﵃، وقد سميت هذا الموضوع:
نقد الصحابة والتابعين للتفسير، دراسة نظرية تطبيقية
أهمية الموضوع وأسباب اختياره:
أولاً: أن العناية بنقد التفسير ، والنظر في مناهجه ورجاله وكتبه، ومروياته وأقواله؛ لمعرفة الصحيح والضعيف مهم في الدفاع عن كتاب الله، وله أثر على القارئ في طمأنينته وثقته بالآراء الصحيحة، فإن الشخص قد يعرف الرأي الراجح في معنى الآية، لكنه يسمع بآراء أخرى مرجوحة أو مردودة، فإذا لم تنتقد بقيت عالقةً بذهنه، وربما أصبحت حجر عثرة في طريق معرفة الصحيح، أما إذا انتقدت وتبين ضعفها، كان ذلك أدعى لنفرته منها، ورجوعه إلى الآراء الصحيحة.
ثانياً: أهمية دراسة ظاهرة النقد عند المفسرين وتأصيلها ، وبيان أهدافها ومجالاتها وأسسها، والنظر والتأمل في جهود المفسرين، وطريقتهم في نقد المناهج والرجال والمرويات والأقوال.
وإذا وجب على المفسرين العناية بمعرفة صحيح المناهج والمرويات والأقوال، وكيفية الوصول إليها، وطرق الترجيح وقواعده، فإنه يجب عليهم
стр. 6
معرفة الضعيف ومنشأه، والمنهج السليم في نقده، بل معرفة هذا لا تقل أهمية عن معرفة ذاك.
ومما يؤكد أهمية هذه الدراسة أنها تبرز مكانة المفسرين في النقد، وعلو كعبهم فيه، كما تعطي تصوراً مشرقاً عنهم، لا كما يظن بعض الناس من أنهم مجرد نقلةٍ للأخبار والمرويات والأقوال دون نظر ولا تدقيق.
ثالثاً: حظيت بعض ظواهر التفسير بالدراسة والتحليل والتأصيل ، كظاهرة الاختلاف والترجيح، على حين لم يقم أحد بدراسة ظاهرة النقد وتأصيلها، فأصبح من المهم تسليط الضوء عليها.
رابعاً: أن هذه الدراسة تغطي جانباً مهماً من مناهج المفسرين في تعاملهم مع التفسير بمجالاته المختلفة ، فهي تعطي القارئ تصوراً عاماً عن نقد التفسير: دواعيه ومجالاته وأثره، وقواعده التي ينطلق منها، ومدى اهتمام المفسرين وعنايتهم به.
خامساً: أما الاقتصار على عصر الصحابة والتابعين فلأنهم الأصل ، ومن جاء بعدهم فعنهم يأخذ، ومن معينهم ينهل، وهم يمثلون المنهج الصحيح للنقد، فالنقد يتأثر عادة بما يحمله الناقد من أفكار ومبادئ، فهو يختلف باختلاف المشرب والهدف، وكما مارسه أهل السنة، مارسه أهل البدع، ولكلٍّ توجهاته ومنطلقاته النقدية، فالحاجة ماسة إلى إبراز نقد يمثل المنهج الصحيح.
وأما إدراج التابعين مع الصحابة ﵃ فلما بينهم من التشابه والتقارب في كثير
стр. 7
من الأمور، فالأصول واحدة، والأهداف والمناهج مشتركة، والصحابة أساتذة التابعين، ومنهم أخذ التابعون التفسير وتلقوا أصوله.
ومهما قيل في الفروق بين الصحابة والتابعين في التفسير فإنها لا تعدو فروقاً يسيرة إذا قورنت بالفروق التي حدثت بعدهم، حين اتسع الخرق، وفشت البدع، وتفرقت بالناس الآراء والأهواء.
وفي الجملة فمدرسة الصحابة والتابعين ﵃ تُعد واحدة بالنسبة للعصور اللاحقة.
стр. 8
خطة البحث
يشتمل البحث على الآتي:
١ - المقدمة.
٢ - التمهيد.
ويتضمن ما يلي:
أولاً: التعريف بالموضوع.
ثانيًا: النقد النبوي للتفسير وأثره على الصحابة.
٣ - أبواب الرسالة، وهي:
الباب الأول: جهود الصحابة والتابعين في دفع الخطأ في التفسير قبل وقوعه.
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: تغليظ الخطأ في التفسير وبيان خطره.
الفصل الثاني: الاهتمام بالتفسير الصحيح، والحث على ما يعين على فهم القرآن الكريم.
الفصل الثالث: الاختلاف في تفسير الصحابة والتابعين.
стр. 9
الباب الثاني: دواعي نقد الصحابة والتابعين للتفسير وأساليبه ومميزاته:
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: دواعي النقد عند الصحابة والتابعين.
الفصل الثاني: أساليب الصحابة والتابعين في نقد التفسير.
الفصل الثالث: مميزات نقد الصحابة والتابعين للتفسير.
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: مميزات نقد الصحابة والتابعين للتفسير.
المبحث الثاني: أبرز نقاد الصحابة والتابعين.
الباب الثالث: مجالات نقد التفسير عند الصحابة والتابعين:
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: نقد طرق التفسير ومناهجه.
الفصل الثاني: نقد رجال التفسير.
الفصل الثالث: نقد الأقوال.
الباب الرابع: أسس نقد التفسير عند الصحابة والتابعين وأثره:
стр. 10
وفيه فصلان:
الفصل الأول: أسس نقد التفسير عند الصحابة والتابعين:
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الأسس المتعلقة بالرواية.
المبحث الثاني: الأسس المتعلقة بالدراية.
الفصل الثاني: أثر نقد الصحابة والتابعين للتفسير.
٤ - الخاتمة: وفيها أهم نتائج البحث وتوصياته.
٥ - الفهارس وتشمل: فهرس الآيات، وفهرس الأحاديث، وفهرس الآثار، وفهرس الشعر، وفهرس تراجم الأعلام، وثبت المصادر والمراجع، وفهرس الموضوعات.
منهج البحث:
أولاً: كتابة الآيات بالرسم العثماني، وعزوها بذكر اسم السورة، ورقم الآية.
ثانياً: تخريج الأحاديث تخريجاً علمياً، وعزوها إلى مصادرها الأصلية، فإن
стр. 11
كان الحديث في الصحيحين اكتفيت بهما أو بأحدهما، وإن كان في غيرهما اجتهدت في ذكر من خرجه من أصحاب الدواوين، ناقلاً كلام العلماء فيه تصحيحاً أو تضعيفاً.
ثالثاً: عزو الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين ﵃ إلى مصادرها الأصلية التي تروي بالإسناد، أو التي تحيل إلى الكتب المسندة، ولم يفتني من ذلك إلا القليل ولله الحمد.
رابعاً: فيما يتصل بالاستشهاد بأقوال الصحابة والتابعين استشهدت بكل نقد لمنهج أو مفسر، أو قول، أو عمل مبني على تأول آية وفهمها، وذكرت كل نقد لتفسير سواء تبنى هذا التفسير أحد من الناس، أو أُورد على سبيل الاستشكال؛ لأنه - والحالة هذه - يعد فهماً للنص القرآني، وقد يوجد من يتبناه.
ولم اقتصر في نقل الشواهد والأمثلة عن الصحابة والتابعين على المشهورين بتفسير القرآن، وإنما نقلت عن كل من عرف بالعلم، ونقل عنه العلماء في مصنفاتهم، وإن كان أغلب الشواهد لمن اشتهر بالتفسير منهم.
ولم اقتصر أيضاً في نقل الشواهد على كتب التفسير فقط؛ نظراً لسعة الموضوع وتشعب أطرافه، وتعلق بعض مواضيعه بعلوم أخرى كالعقيدة وعلم الرجال؛ لذا رجعت إليها في مظانها.
وقد أحتاج لتكرار شاهد واحد في أكثر من موطن؛ نظراً لتعلقه بقضايا عدة، فالشاهد الواحد قد يفيد أسلوباً نقدياً، ويكون في نقد منهج، ويحوي بين
стр. 12
ثناياه دليلاً نقدياً، وهكذا.
ونظراً لطبيعة البحث وعنايته بالتطبيق فقد عُنيت بإيراد الشواهد والأمثلة التوضيحية؛ لما لها من أثر واضح في بيان المسائل.
خامساً: التعريف المختصر بالأعلام غير المشهورين الوارد ذكرهم في متن الرسالة.
سادساً: التعريف بغريب الفرق والأماكن والألفاظ.
ولم يخل البحث من معوقات كان أبرزها جمع مادته العلمية المتناثرة التي لا يحويها مكان خاص، وكثير منها موجود في غير كتب التفسير، وقد اضطرني تفرق المادة العلمية في المصنفات إلى قراءة كتب كاملة قبل أن أبدأ، فقرأت جامع البيان والدر المنثور، وتفسير عبد الرزاق، وكتاب التفسير من فتح الباري، ثم قرأت فيما بعدُ تفسير ابن أبي حاتم، ومواطن كثيرة من كتب السنة والعقيدة والتراجم وغيرها.
والحمد لله أولاً وآخراً، باطناً وظاهراً، فلولا عونه وتوفيقه ما استطعت إنجاز البحث وتجاوز تلك العقبات، ثم لفضيلة المشرف على البحث الأستاذ الدكتور: زاهر بن عواض الألمعي جميل شكري وتقديري، فإنه ما فتئ يحوطني بنصحه وتوجيهه؛ أسأل الله أن يبارك له في عمره وعمله.
كما أتوجه بالشكر لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ممثلة بكلية
стр. 13
أصول الدين، وقسم القرآن وعلومه على تفضلهم بقبولي للدراسة في برنامج الدكتوراه.
وأشكر كل من أعانني على إتمام البحث برأي أو تسديد.
وقد بذلت في هذا البحث ما استطيع، فما فيه من صواب فهو بتوفيق الله ، وما فيه من خلل ونقص فمن نفسي والشيطان، واستغفر الله من خللي وتقصيري.
وأسأل الله أن يمنَّ علي ومن قرأ هذا البحث بالعلم النافع والعمل الصالح، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.
أولاً
التعريف بالموضوع
١ - تعريف النقد:
يأتي النقد في لغة العرب على ثلاثة معان:
أ- بمعنى: تمييز الشيء والكشف عنه واختباره، ومن ذلك نقدُ الدراهم؛ إذا كُشف عن حالها؛ ليعلم رديئها من جيدها (١).
ويقال: هو ينقد إلى الشيء بعينه؛ إذا أدام النظر إليه باختلاس حتى لا يفطن ... له، فكأنه يحاول الكشف عما ينظر إليه والتحقق من حاله (٢).
ونقد الكلام: تمييز جيده من رديئه، وصحيحه من فاسده (٣).
стр. 16
ب - ويأتي صفةً للشيء الجيد المستحسن، يقال: درهم نقد؛ إذا كان جيداً (١).
ج - ويأتي النقد صفةً لما يعاب ويستكره: فالنقد من الناس سفلتهم، و"نَقَد" بالتحريك يطلق على غنم صغار الأرجل قباح الوجوه.
ويسمى التكسر في الضرس، وتآكل الحافر وتقشره، وعيب الناس وذمهم نقداً (٢)، وفي الأثر: » إن نقدت الناس نقدوك «(٣) أي: إن عبتهم واغتبتهم قابلوك بمثله (٤).
والنقد في الاصطلاح يشمل المعاني الثلاثة، فهو عملية مشتركة تبدأ بالنظر والتمييز، وتنتهي ببيان الجيد من الرديء، والصحيح من الفاسد، وهو مستعمل في أكثر العلوم بهذا المعنى (٥).
وحديثنا عن النقد يتناوله بمعانيه الثلاثة، أما المعنى الأول فيرد في الكلام عما تمتع به الصحابة والتابعون ﵃ من النظر الصائب، والتمييز الدقيق في مجالات التفسير المختلفة، وأما المعنى الثاني فيرد في ذكر جهودهم في دفع الخطأ في فهم
стр. 17
القرآن الكريم، واهتمامهم بالتفسير الصحيح وعنايتهم بالقواعد التي تعين على فهم كتاب الله، وإشادتهم بأئمة التفسير، وسيأتي الحديث عن ذلك كله في الباب الأول إن شاء الله تعالى، وأما النقد بمعناه الثالث فهناك حديث مستفيض عما عابه الصحابة والتابعون وذموه في التفسير من المناهج والرجال والمرويات والأقوال.
وعليه نستطيع تعريف نقد التفسير بأنه: تمييز التفسير بمجالاته المختلفة؛ مناهج ورجال، ومرويات وأقوال، وبيان الصحيح من الضعيف.
٢ - تعريف الصحابي:
لفظ الصحابي من حيث الوضع اللغوي مشتق من الصحبة (١)، والمراد صحبة النبي ﷺ ، وهناك مسائل عديدة متعلقة بمن يصح إطلاق اسم الصحابي عليه، وقد أكثر العلماء الحديث عنها؛ مثل: صحة إطلاقه على من رأى النبي ﷺ وهو دون التمييز، أو رآه حال كفره ثم أسلم بعد وفاته، أو رآه بعد وفاته، ومثل دخول الملائكة والجن في مسمى الصحابة (٢).
غير أن القضية التي اهتم بها العلماء، وأخذت قدراً كبيراً من حديثهم واختلافهم هي المقدار الزمني للصحبة ليصح إطلاق اسم الصحابي على من رأى
стр. 18
النبي ﷺ .
فمذهب جمهور العلماء والمحدثين الاكتفاء بالقدر اليسير من الصحبة , وعدم اشتراط طولها.
يقول ابن كثير (١): » الصحابي من رأى رسول الله ﷺ في حال إسلام الراوي وإن لم تطل صحبته له، وإن لم يرو عنه شيئاً , هذا قول جمهور العلماء خلفاً وسلفاً» (٢).
وذكر بعض العلماء أن هذا المذهب طريقة أهل الحديث (٣).
والتعبير بالرؤية قد يفهم منه إخراج من لا يستطيع رؤية النبي ﷺ كالأعمى؛ لذا عبر بعض العلماء عن الرؤية باللقاء , فعَرَّفَ الصحابي بأنه من لقي النبي ﷺ (٤).
وذهب بعض الأصوليين إلى اشتراط طول الصحبة لصحة إطلاق اسم الصحابي على من رأى النبي ﷺ ، فمجرد الرؤية واللقاء ليس كافياً في نظرهم , وإن
стр. 19
كان صحيحاً من حيث الاستعمال اللغوي , فيطلق على من صحب شخصاً ولو ساعة.
ويضيف هؤلاء أن العرف قيد الوضع اللغوي، فلا يطلق اسم الصحابي إلا على من كثرت صحبته للنبي ﷺ ، واختص به اختصاص الصاحب بالمصحوب لا على من لقيه ساعة (١).
والمذهب الأول هو الراجح , وعليه العمل عند المحدثين والأصوليين (٢) , واستدل ابن كثير لرجحانه بقول النبي ﷺ : » يأتي على الناس زمان , يغزو فئام من الناس , فيقال لهم: فيكم من رأى رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم , فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس , فيقال لهم: فيكم من رأى من صحب رسول الله ﷺ ؟ ، فيقولون: نعم , فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس , فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله ﷺ ؟ ، فيقولون: نعم , فيفتح لهم «(٣).
стр. 20
فدل الحديث على» أن مجرد الرؤية كاف في إطلاق الصحبة , لشرف رسول الله ﷺ وجلالة قدره وقدر من رآه من المسلمين «(١).
وأما ما ذكره أصحاب الرأي الثاني من اشتراط طول الصحبة فله تأثير في الفضل , فإن الصحابة متفاوتون في الفضيلة بحسب قربهم من النبي ﷺ , وملازمتهم له , وتقدم إسلامهم ونحو ذلك.
وقد اتفق العلماء على أن من ثبتت صحبته للنبي ﷺ فقد ثبتت عدالته وثقته , وليس بحاجة إلى تعديل أحد (٢).
٣ - تعريف التابعي:
الاختلاف في تعريف التابعي قريب من الاختلاف في تعريف الصحابي ,
стр. 21
فكما اُختلف في القدر الزمني الذي يصح به إطلاق اسم الصحابي على من رأى النبي ﷺ ، اختلف في التابعي , فذهب بعض من لم يشترط طول الصحبة في الصحابي إلى اشتراطها في التابعي , فلم يكتف بمجرد رؤيته الصحابي , والفرق بين الصحابي والتابعي شرف رؤية النبي ﷺ وعظمها، ولأن الاجتماع به يؤثر في النور القلبي أضعاف ما يؤثره الاجتماع الطويل بالصحابي وغيره من الأخيار (١).
ومذهب جمهور العلماء عدم اشتراط طول صحبة التابعي للصحابي , وإنما مجرد لقائه به كاف في إطلاق اسم التابعي عليه (٢).
وهذا الرأي هو الراجح وعليه عمل أئمة المحدثين كالإمام مسلم , وأبي حاتم بن حبان (٣)
, وأبي عبد الله الحاكم (٤) وغيرهم، فإنهم ذكروا في طبقات التابعين
стр. 22
من رأى صحابياً ولم يثبت سماعه منه كالأعمش (١)؛ فإنه رأى أنس بن مالك ﵁ ولم يثبت سماعه منه (٢).
والتابعون في صحبتهم للصحابة طبقات، وقد جعلهم ابن حجر (٣) أربع طبقات:
الأولى: طبقة كبار التابعين، كسعيد بن المسيب (٤).
стр. 23
الثانية: الطبقة الوسطى منهم، كالحسن (١)
وابن سيرين (٢).
الثالثة: طبقة تليها جل روايتها عن كبار التابعين، كالزهري (٣) ... وقتادة (٤).
стр. 24
الرابعة: الطبقة الصغرى منهم، وهم الذين رأوا الواحد والاثنين , ولم يثبت لبعضهم سماع من الصحابة، كالأعمش (١).
٤ - تعريف التفسير:
يرجع مصطلح التفسير في أصله اللغوي إلى ثلاثة أحرف: " الفاء", و"السين" , و" الراء ".
وهل أصل التفسير مادة " فسر" , أو" سفر"؟ ، ذكر الزركشي (٢) في "البرهان" (٣) قولان في ذلك , والذي وقفت عليه في المعاجم اللغوية ذكر التفسير في مادة " فسر "، ولم أجد من ذكره في مادة " سفر" , والتفسير بعد حذف الحروف الزوائد يرجع إلى فسر (٤).
وبكل حال فالكلمتان فسر وسفر ترجعان إلى معنى واحد , وهو الكشف
стр. 25
والبيان والإيضاح (١).
جاء في كتاب "العين":
«الفَسْرُ: التفسير , وهو بيان وتفصيل الكتاب , وفَسَرَه يفسره فسراً , وفسَّره تفسيراً , والتفسرة: اسم للبول الذي ينظر فيه الأطباء؛ يستدل به على مرض البدن , وكل شيء يعرف به تفسير الشيء فهو التفسرة» (٢).
وفي "تهذيب اللغة ": «وقوله: ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (٣) الفسر: كشف المغطى , وقال بعضهم: التفسير: كشف المراد عن اللفظ المشكل» (٤).
ويقال: فسرت الحديث أفسره فسراً؛ إذا بينته وأوضحته , وفسرته تفسيراً كذلك (٥).
ومن شواهد "سفر" قولهم: سفرت المرأة عن وجهها؛ إذا كشفته , وأسفر الصبح؛ إذا بان وانكشف الظلام , وسمي السفر بذلك؛ لأن المسافر ينكشف عن
стр. 26
مكانه (١).
* وأما المعنى الاصطلاحي للتفسير فهو مأخوذ من المعنى اللغوي من جهة كونه بياناً وكشفاً لمراد الله تعالى من كلامه , وعلى هذا تدور تعريفات العلماء للتفسير، لكن يزيد بعضهم قيوداً وأوصافاً قد تخدم التفسير، ولها أثر - ولو يسير- في بيان القرآن , فيذكر مثلاً في التعريف: أسباب النزول , والناسخ والمنسوخ، والعام والخاص , والمطلق والمقيد، ونحو ذلك:
كقول الزركشي: «هو علم نزول الآية وسورتها، وأقاصيصها والإشارات النازلة فيها , ثم ترتيب مكيها ومدنيها , ومحكمها ومتشابهها , وناسخها ومنسوخها، وخاصها وعامها، ومطلقها ومقيدها، ومجملها ومفسرها» (٢).
وقد يذكر بعض العلماء ما ليس له أثر في بيان القرآن كقول أبي حيان (٣): «التفسير: علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها وأحكامها
стр. 27
الإفرادية والتركيبية، ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب، وتتمات ذلك» (١).
وذكر أن المراد بكيفية النطق بألفاظ القرآن: علم القراءات.
والأولى في التعريفات الاختصار وأن تكون جامعة لحدود المعرَّف , ومن أحسنها: تعريف الكافيجي (٢) لولا أن فيه تكراراً، فإنه قال: «وأما التفسير في العرف فهو: كشف معاني القرآن وبيان المراد» (٣)، وبيان المراد داخل في كشف معاني القرآن.
وعرف ابن عثيمين (٤) التفسير بتعريف قريب منه، فقال: «بيان معاني القرآن الكريم» (٥).
стр. 28
وأما ما يذكره المفسرون في كتبهم من معاني بعض المفردات التي لا يؤثر بيانها في المعنى التركيبي للآية، فالقارئ يفهم المراد من الآية دون الحاجة إلى معرفة حقيقة تلك المفردات، وتفسير هذه الأمور يعد بياناً لها، لكنَّ الاختلاف وقع في فائدة البحث في معناها بالنسبة للمفسر، ومن أمثلته ما وقع لعمر ﵁ عندما أراد معرفة معنى الأب ثم عدل عن ذلك، وعده من التكلف؛ لأن معرفة المعنى التركيبي للآية مفهوم دون الوقوف على حقيقة الأب.
ومن أمثلته تفسير المبهمات في القرآن، فتفسيرها يعد بياناً لها، ولا يمكن إخراجها من البيان، فإذا قلنا إن المراد بضمير التثنية في قول الله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ (١) عائشة وحفصة ﵄ (٢) فإنه يعد بياناً للآية، لكن جهلنا باسميهما لا يؤثر في فهم المراد من الآية، وسيأتي تفصيل أكثر عن هذه القضية، وتوجيه كلام عمر ﵁ عند الحديث عن نقد التكلف في التفسير.
والمعيب حقاً أن تكون هذه المعاني التي لا تؤثر في بيان المعنى العام للآية هي ما يشغل المفسر ويصرفه عن البحث عن الفوائد والأحكام والعبر والهدايات التي
стр. 29
من أجلها نزل القرآن، وأحياناً لا تجد في بعض التفاسير سوى البحث عن هذه المعاني الفرعية، ويعظم الخطأ عندما يكون البحث في معاني تلك الأشياء غير ذي جدوى لعدم إمكانية الترجيح بين الأقوال في تفسيرها، وكونها متلقاة من الأخبار والروايات الإسرائيلية.
وهناك أشياء يذكرها المفسرون وهي ليست من بيان القرآن في شيء، مثل فضائل السور والآيات، وكذا ما أشار إليه أبو حيان في تعريف التفسير وأنه يشمل كيفية النطق بألفاظ القرآن كالإمالة والمدود ونحوهما.
стр. 30
ثانيًا
النقد النبوي للتفسير وأثره على الصحابة
سبق في المقدمة أن أصول النقد ترجع إلى عصر النبي ﷺ , فهو أول من قام به , وفي السنة أحاديث نقدية: إما نقداً لمنهج، أو نقداً لقول، أو نقداً لعمل مبنيٍّ على فهمٍ خاطئ.
وقد يأتي النقد ابتداءً من النبي ﷺ ، أو نتيجة رأي أو إشكال يقع لأحد الصحابة في فهم آية، فيعرضه على النبي ﷺ فيرده، ويبين الفهم الصحيح للآية، ومن المعلوم تفاوت الصحابة ﵃ في فهم القرآن الكريم، فقد يخطئ بعضهم، أو تشتبه عليه النصوص فيظن أن بينها تعارضاً.
وبهذا يتبين أن النقد النبوي يرد دفعاً للخطأ قبل وقوعه، أو رفعاً له بعد وقوعه، والأحاديث النبوية النقدية قليلة؛ ينتقد النبي ﷺ الفهم الخاطئ للآية ويبين المعنى الصحيح، وهذا في الأعم الأغلب، وقد يرد في بعض الأحاديث الإشارة إلى وجه الضعف، وسنتحدث فيما يلي عن جوانب مهمة في النقد النبوي:
стр. 31
نقد مناهج التفسير:
لتفسير القرآن الكريم طرق يسير عليها من أراد فهم القرآن، وهذه المسالك تتفاوت صحة وضعفاً، وقد أصبحت - حين تفرق الأمة وظهور البدع - مناهج وسمات عرفت بها بعض الفرق الإسلامية؛ تتبعها في فهم النصوص والاستدلال بها.
بيد أن المناهج المنحرفة في فهم القرآن التي ظهرت فيما بعد لم تكن ظاهرة في العصر النبوي، إذ لم يوجد من يتبناها أو يدافع عنها، أو يتخذها منهجاً في اتباع النصوص وتفسيرها، ولعل السر في ذلك نقاء عصر النبي وصفائه بوجوده ﷺ بين الناس.
وقد ذم النبي ﷺ بعض الطرق في فهم القرآن وحذر منها، وهو محمول في بعض ذلك على حالات معينة وليس نقداً مطلقاً، ومن تلك المناهج والطرق:
أ- نقد تأويل المتشابه:
ومتبعو المتشابه من الآيات ومفسروها لهم مقاصد؛ إما بهدف التشكيك في القرآن الكريم وإضلال الناس، وإما لاعتناقهم مذاهب باطلة، فيبحثون عن مخارج لها من القرآن الكريم، فإذا ضاقت عليهم الآيات المحكمات البينات عمدوا
стр. 32
إلى الآيات المتشابهة، وفسروها بما يتوافق مع أهوائهم ومقاصدهم الفاسدة (١).
وقد حذر النبي ﷺ من هؤلاء، وسلوك منهجهم في التعامل مع النصوص الشرعية، فعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ تلا هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢) قالت: قال رسول الله: «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمّى الله فاحذروهم» (٣).
وقد ذكر ابن جرير (٤) أن الآية التي تلاها النبي ﷺ نزلت بسبب مجادلة نصارى نجران بمتشابه القرآن، ومناظرتهم النبي ﷺ في أمر عيسى ﵇ (٥)، وهذا موافق لما ذكره ابن إسحاق (٦)، فقد ذكر قدومهم على النبي ﷺ ومجادلتهم له،
стр. 33
واحتجاجهم على ألوهية عيسى ﵇ ببعض الأمور المتشابهة التي جاء القرآن بها، وذكر أن صدر سورة آل عمران نزلت رداً عليهم (١).
قال ابن تيمية (٢): «سبب نزول هذه الآية كان قدوم نصارى نجران ومناظرتهم للنبي ﷺ في أمر المسيح، كما ذكر ذلك أهل التفسير وأهل السيرة، وهو من المشهور بل من المتواتر أن نصارى نجران قدموا على النبي ﷺ ودعاهم إلى المباهلة المذكورة في سورة آل عمران، فأقروا بالجزية ولم يباهلوه، وصدر آل عمران نزل بسبب ما جرى؛ ولهذا عامتها في أمر المسيح» (٣).
فهؤلاء النصارى اعتقدوا في عيسى ﵇ أمراً، وأرادوا الاستدلال عليه بما عند المسلمين مما نزل به القرآن الكريم، فاحتجوا ببعض المتشابه زاعمين دلالته على
стр. 34
ألوهية عيسى، ومن ذلك أنهم قالوا للنبي ﷺ : ألست تزعم أن عيسى كلمة الله وروحه؟ ، قال: بلى، قالوا: حسبنا (١).
ووجه كون هذه الألفاظ من المتشابه أن لفظ كلمة الله: يراد به الكلام، ويراد به المخلوق بالكلام، ولفظ روح منه: يراد به ابتداء الغاية ويراد به التبعيض (٢)، ولم يردوا هذه الألفاظ إلى المحكم من القرآن الدال على أن عيسى ﵇ مخلوق وعبدٌ لله، كقول الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ (٤).
ومما اتبعوه من المتشابه للاستدلال على أن الله تعالى ثالث ثلاثة ما يرد في القرآن من لفظ: "إنا" و"نحن"، الدال على الجمع، ووجه كون هذه الألفاظ من المتشابه «أنها تقال للواحد الذي له أعوان: إما أن يكونوا شركاء له، وإما أن يكونوا مماليك له، ولهذا صارت متشابهة، فإن الذي معه شركاء يقول: فعلنا نحن كذا، وإنا نفعل كذا، وهذا ممتنع في حق الله تعالى، والذي له مماليك ومطيعون يطيعونه، كالملك يقول: فعلنا كذا، أي: أنا فعلت بأهل ملكي، وكل ما سوى الله مخلوق له مملوك له، وهو سبحانه أحق من قال: إنا ونحن بهذا الاعتبار، فإن ما سواه ليس له
стр. 35
ملك تام، ولا أمر مطاع طاعة تامة» (١).
فاتبعوا المتشابه وتركوا المحكم كقول الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (٢)، فإنه محكم؛ لأن هذا الاسم مختص بالله وحده (٣).
وقد دل قوله ﷺ : «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» على أمرين:
الأول: التحذير ممن يتبع المتشابه، وذلك يشمل كل متأولٍ للآيات المتشابهة في القرآن ليجادل بها أهل الحق، ويلبس عليهم دينهم؛ سواء كان من المشركين كاليهود والنصارى، أو كان من المسلمين كأهل البدع (٤)، ولا يمكن الحذر من هؤلاء إلا بمعرفة تأويلاتهم للنصوص، ومآخذهم التي ينطلقون منها في فهم النصوص، ثم نقدها وتزييفها، وقد جاء ذلك صريحاً في بعض روايات الحديث، حيث قال ﷺ : «أولئك الذين سمّى الله فاعرفوهم» (٥).
ومما يشمله التحذير من هؤلاء مجانبتهم والابتعاد عنهم , وترك مجالستهم،
стр. 36
مخافة أن يوردوا شيئاً من تفسير المتشابه، فلا يجد المسلم له جواباً، فيقع في الفتنة (١)، وقد جاء ذلك صريحاً في بعض الروايات، ففي بعضها: «فلا تجالسوهم» (٢).
الثاني: ذم اتباع المتشابه وطلب تفسيره، والاستدلال به على ما يعتقده الإنسان، وجاء لفظ «يتبعون» للدلالة على أنهم «يطلبون المتشابه ويقصدونه دون المحكم، مثل المتبع للشيء الذي يتحراه ويقصده، وهذا فعل من قصده الفتنة. وأما من سأل عن معنى المتشابه ليعرفه ويزيل ما عرض له من الشبه، وهو عالم بالمحكم متبع له، مؤمن بالمتشابه، لا يقصد فتنة، فهذا لم يذمه الله» (٣).
ولذا كان الصحابة ﵃ يسألون النبي ﷺ عما يشتبه عليهم فهمه من الآيات، فيفهمون منها غير المراد، أو يظنون معارضتها لأقواله ﷺ ، فيصحح لهم المعنى، ومن أمثلته:
١ - عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «من نُوقش الحساب عُذب»، قالت: قلت: أليس يقول الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ (٤)؟ ، قال: «ذلك
стр. 37
العرض»، وفي رواية أخرى أنه قال: «إنما ذلك العرض، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عُذب» (١).
قال ابن تيمية: «معلوم أن قوله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ لا يدل ظاهره على أن المحاسب يناقش، بل الظاهر من لفظ الحساب اليسير أنه لا تكون فيه مناقشة» (٢).
وقال ابن القيم (٣): «أنكر على عائشة؛ إذ فهمت من قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ معارضته لقوله ﷺ : «من نُوقش الحساب عُذب»، وبين لها أن الحساب اليسير هو: العرض؛ أي: حساب العرض، لا حساب المناقشة» (٤).
стр. 38
٢ - وعن أنس بن مالك ﵁ أن رجلاً قال: يا نبي الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ ! ، قال: «أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادراً على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟ »، قال قتادة: بلى وعزة ربنا (١).
قال ابن حجر: «قوله: «أليس الذي أمشاه» إلخ ظاهر في أن المراد بالمشي حقيقته، فلذلك استغربوه حتى سألوا عن كيفيته» (٢).
٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد أرأيت جنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ ، قال: «أرأيت الليل الذي قد ألبس كل شيء، فأين جعل النهار؟ »، قال: الله أعلم، قال: «كذلك الله يفعل ما يشاء» (٣).
стр. 39
فالإخبار عن الجنة بأنها تستغرق السموات والأرض قد يُفهم منه ألا يوجد مكان للنار؛ لذا أُورد هذا السؤال، فأجاب النبي ﷺ بأنه ليس بلازم بالقياس على الليل والنهار؛ إذ لا يلزم من عدم مشاهدتنا الليل إذا جاء النهار ألا يكون في مكان، وإن كنا لا نعلمه، وكذلك النار تكون حيث يشاء الله (١).
ب - نقد الإسرائيليات:
يتخذ بعض المفسرين الروايات الإسرائيلية طريقاً لتفسير القرآن، وبخاصة فيما يتعلق بأخبار الأمم السابقة , وما جرى للرسل مع أقوامهم، حتى أصبح ذلك سمة ظاهرة في بعض التفاسير؛ لما في الروايات الإسرائيلية من تفصيلات لا توجد في الكتاب والسنة.
وقد أذن النبي ﷺ بالتحديث عن بني إسرائيل، فقال: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» (٢).
واستمع لحبر من أحبار اليهود قال له: «يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك النبي ﷺ حتى
стр. 40
بدت نواجذه؛ تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾» (١).
ومع مجيء هذا الإذن الصريح من النبي ﷺ بقوله وفعله، فقد جاء عنه ما يدل على أنه ليس مطلقاً، وانتقد صراحة من سأل أهل الكتاب أو تتبع كتبهم، فغضب ﷺ من عمر ﵁ حينما رأى في يده صحيفة من التوراة، وقال: «أَمُتَهَوِّكُوْنَ (٢) فيها يا بن الخطاب؟ ! والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى ﷺ كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني» (٣).