مخافة أن يوردوا شيئاً من تفسير المتشابه، فلا يجد المسلم له جواباً، فيقع في الفتنة (١)، وقد جاء ذلك صريحاً في بعض الروايات، ففي بعضها: «فلا تجالسوهم» (٢).
الثاني: ذم اتباع المتشابه وطلب تفسيره، والاستدلال به على ما يعتقده الإنسان، وجاء لفظ «يتبعون» للدلالة على أنهم «يطلبون المتشابه ويقصدونه دون المحكم، مثل المتبع للشيء الذي يتحراه ويقصده، وهذا فعل من قصده الفتنة. وأما من سأل عن معنى المتشابه ليعرفه ويزيل ما عرض له من الشبه، وهو عالم بالمحكم متبع له، مؤمن بالمتشابه، لا يقصد فتنة، فهذا لم يذمه الله» (٣).
ولذا كان الصحابة ﵃ يسألون النبي ﷺ عما يشتبه عليهم فهمه من الآيات، فيفهمون منها غير المراد، أو يظنون معارضتها لأقواله ﷺ ، فيصحح لهم المعنى، ومن أمثلته:
١ - عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «من نُوقش الحساب عُذب»، قالت: قلت: أليس يقول الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ (٤)؟ ، قال: «ذلك
стр. 37
العرض»، وفي رواية أخرى أنه قال: «إنما ذلك العرض، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عُذب» (١).
قال ابن تيمية: «معلوم أن قوله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ لا يدل ظاهره على أن المحاسب يناقش، بل الظاهر من لفظ الحساب اليسير أنه لا تكون فيه مناقشة» (٢).
وقال ابن القيم (٣): «أنكر على عائشة؛ إذ فهمت من قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ معارضته لقوله ﷺ : «من نُوقش الحساب عُذب»، وبين لها أن الحساب اليسير هو: العرض؛ أي: حساب العرض، لا حساب المناقشة» (٤).
стр. 38
٢ - وعن أنس بن مالك ﵁ أن رجلاً قال: يا نبي الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ ! ، قال: «أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادراً على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟ »، قال قتادة: بلى وعزة ربنا (١).
قال ابن حجر: «قوله: «أليس الذي أمشاه» إلخ ظاهر في أن المراد بالمشي حقيقته، فلذلك استغربوه حتى سألوا عن كيفيته» (٢).
٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد أرأيت جنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ ، قال: «أرأيت الليل الذي قد ألبس كل شيء، فأين جعل النهار؟ »، قال: الله أعلم، قال: «كذلك الله يفعل ما يشاء» (٣).
стр. 39
فالإخبار عن الجنة بأنها تستغرق السموات والأرض قد يُفهم منه ألا يوجد مكان للنار؛ لذا أُورد هذا السؤال، فأجاب النبي ﷺ بأنه ليس بلازم بالقياس على الليل والنهار؛ إذ لا يلزم من عدم مشاهدتنا الليل إذا جاء النهار ألا يكون في مكان، وإن كنا لا نعلمه، وكذلك النار تكون حيث يشاء الله (١).
ب - نقد الإسرائيليات:
يتخذ بعض المفسرين الروايات الإسرائيلية طريقاً لتفسير القرآن، وبخاصة فيما يتعلق بأخبار الأمم السابقة , وما جرى للرسل مع أقوامهم، حتى أصبح ذلك سمة ظاهرة في بعض التفاسير؛ لما في الروايات الإسرائيلية من تفصيلات لا توجد في الكتاب والسنة.
وقد أذن النبي ﷺ بالتحديث عن بني إسرائيل، فقال: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» (٢).
واستمع لحبر من أحبار اليهود قال له: «يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك النبي ﷺ حتى
стр. 40
بدت نواجذه؛ تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾» (١).
ومع مجيء هذا الإذن الصريح من النبي ﷺ بقوله وفعله، فقد جاء عنه ما يدل على أنه ليس مطلقاً، وانتقد صراحة من سأل أهل الكتاب أو تتبع كتبهم، فغضب ﷺ من عمر ﵁ حينما رأى في يده صحيفة من التوراة، وقال: «أَمُتَهَوِّكُوْنَ (٢) فيها يا بن الخطاب؟ ! والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى ﷺ كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني» (٣).
стр. 41
وإنما غضب النبي ﷺ على عمر خشية انصراف الناس عما جاء به القرآن، وإقبالهم على كتب أهل الكتاب ركوناً إليها وإتباعاً لها؛ ولذلك قال ﷺ : ... «أمتهوكون فيها» أي: هل أنتم في شك مما جئتكم به؟ ، وأكد ذلك بأن موسى ﵇ لو كان حياً ما وسعه إلا اتباع النبي ﷺ ، والتسليم بما جاء به، وهذا يدل على أن المفسر لا ينبغي له الانصراف عن تفسير القرآن بالكتاب والسنة إلى أخبار إسرائيلية لا يمكن الوثوق بصحتها، بل فيها ما يتعارض مع ما جاء به النبي ﷺ (١).
стр. 42
ومما يؤيد ذلك أنّ النبي ﷺ نهى عن تصديقهم فيما ينقلونه من الأخبار، فقال: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم» (١)، وهذا يضع الأخبار الإسرائيلية في مرتبة المشكوك فيه، ويقلل الثقة بها؛ لما دخلها من التحريف والتبديل، ولعدم الثقة بمن يرويها من أهل الكتاب، فقد تحملهم العصبية والحمية لدينهم إلى تحريف ما ينقلونه، فلا يجوز جعل تلك الأخبار المشكوك فيها معاني لكتاب الله مقطوعاً بها، والواجب التريث في قبولها، حتى ينظر فيها وتنتقد، فإن لم يوجد فيها محذور أو خطأ أذن في روايتها مع التوقف في تصديقها أو تكذيبها (٢) , وهذا وجه من أوجه النقد، وفيه تنبيه لمن يتصدى لتفسير القرآن أن يكون حذراً يقظاً تجاه الروايات الإسرائيلية، قادراً على نقدها ورد ما يعارض الكتاب والسنة، فلا يدخل في تفسيره
стр. 43
إلا ما يتفق مع ضوابط الإذن بالتحديث عن أهل الكتاب (١)، والله أعلم.
ج - نقد الجدال في القرآن وضرب بعضه ببعض:
نهى النبي ﷺ عن الاختلاف في القرآن، فقال: «إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب» (٢).
وفي حديث آخر خرج النبي ﷺ على قوم يتراجعون في القرآن مغضباً، وقال: «إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضاً، فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه» (٣).
وفي رواية: أن بعضهم قال: ألم يقل الله كذا وكذا؟ ، وقال بعضهم: ألم يقل
стр. 44
الله كذا وكذا؟ (١).
وقد ذكر العلماء صوراً للاختلاف المنهي عنه في القرآن، ومنها:
الاختلاف في تفسير أمور قطعية لا يسوغ الاجتهاد فيها، أو يكون الاختلاف مؤدياً إلى الوقوع في شبهة أو شك أو فتنة ونحو ذلك، أو يكون مؤدياً إلى التكذيب بالقرآن، وضرب بعضه ببعض كما أشار إليه الحديث.
أما الاختلاف في الفروع واستنباط الأحكام فليس وارداً هنا، وهو موجود بين المسلمين من عهد الصحابة إلى وقتنا (٢).
وفي الحديث الثاني إشارة إلى منشأ الاختلاف المنهي عنه وهو الجهل، وذلك في قوله ﷺ : «وما جهلتم فكلوه إلى عالمه»، فعدم إدراك المعنى الصحيح للآيات المقترن بالهوى والتعصب يؤدي بصاحبه - حتماً - إلى مشاقة غيره، والاختلاف معه.
كما جاء في الحديثين الإشارة إلى أثرين سيئين يؤدي إليهما الاختلاف في القرآن الكريم:
الأول: كونه سبباً في هلاك الأمم السابقة وخروجها عن جادة الحق.
الثاني: التكذيب بالقرآن الكريم ورده، ذلك أن من يعتقد رأياً، ويستدل
стр. 45
عليه بالقرآن؛ إذا عورض بآيات أخرى تناقض معتقده، ردها فوقع في تكذيبها.
ومن الآثار السيئة للاختلاف أنه يوقع في المراء في القرآن الكريم، وقد جاء النهي عنه في قوله ﷺ : «مراء في القرآن كفر» (١).
وفي حديث آخر أن النبي ﷺ قال: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل»، ثم تلا: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (٢)(٣).
стр. 46
والمراء بمعنى الجدال (١).
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن النهي عن المراء خاص بالجدال في ألفاظ القرآن وحروفه، وليس في تفسيره وتأويله، استئناساً بما جاء في بعض روايات الحديث أن رجلين اختلفا في آية من القرآن، فقال أحدهما: تلقيتها من رسول الله ﷺ ، وقال الآخر: تلقيتها من رسول الله ﷺ ، فسألا النبي ﷺ ، فقال: «القرآن يقرأ على سبعة أحرف، فلا تماروا في القرآن، فإن مراءً في القرآن كفر» (٢).
والأظهر - والله أعلم- أن النهي يشمل الاختلاف في الألفاظ والحروف، والاختلاف في المعاني، كالجدال في متشابه القرآن، أو الجدال في آيات الصفات والقدر ونحوها على طريقة أهل الكلام، وإنما سماه كفراً باعتبار ما يؤول إليه، كأن يستدل أحدهم بآية على صحة معتقده، ويأتي الآخر بآية أخرى ليدفع بها رأي صاحبه، فيزعم أن ما جاء به نقيض ما استدل به الأول (٣).
стр. 47
ولما كان الخلل في فهم القرآن والخطأ في تفسيره يؤدي إلى الاختلاف والجدال، بين النبي ﷺ المنهج السليم في تعامل المرء مع ما لا يعرف من معاني القرآن، وهو رده إلى عالمه فقال: «وما جهلتم فكلوه إلى عالمه»، وهو الله تعالى، أو العلماء العارفون بكتاب الله، ولا يأت المرء بالمعنى من عند نفسه فيقع في الخطأ (١).
د - نقد التفسير بالرأي:
ورد في نقده بعض الأحاديث التي لا تخلو أسانيدها من مقال، لكن أخذ العلماء بمدلولها، وجاء عن الصحابة والتابعين ما يؤيدها.
ومن الأحاديث الواردة في ذلك:
قول النبي ﷺ : «من قال في القرآن برأيه، فليتبوأ مقعده من النار».
وفي رواية: «من قال في القرآن بغير علم، فليتبوأ مقعده من النار» (٢).
стр. 48
وقال ﷺ : «من قال في القرآن برأيه فأصاب، فقد أخطأ» (١).
والمراد بالرأي الوارد في الحديثين الرأي الصادر عن هوى دون استناد لشيء صحيح، وهو من تفسير القرآن بغير علم كما تشير إليه الرواية الأخرى (٢).
ومن صور الرأي المذموم المسارعة إلى تفسير القرآن بحسب ما يظهر للمرء دون روية أو رد إلى الأصول، وقد جاء في بعض الأحاديث ذم من فعل ذلك، فعن النبي ﷺ قال: «إن في أمتي قوماً يقرؤون القرآن ينثرونه نثر الدقل، يتأولونه على
стр. 49
غير تأويله» (١).
ومعنى: «ينثرونه نثر الدقل» أي: كما يتساقط الرطب اليابس من العذق إذا حُرك، وهذا كناية عن سرعتهم في القراءة (٢).
وهو يشير إلى عدم مبالاتهم بالقرآن الكريم، وضعف تدبرهم له، وقلة ورعهم، فلا عجب إذا فسروه بآرائهم على غير وجهه الصحيح، وكأنَّ النبي ﷺ يحذر الأمة ممن هذه صفته، ويدعوهم لتوقي تأويلاته للقرآن، ولا يتأتى ذلك إلا بنقدها، وبيان أوجه الخلل فيها.
وهذه الصفة التي ذمها النبي ﷺ من عدم تدبر القرآن المؤدي إلى الانحراف في تأويله تنطبق على صفة الخوارج (٣) المذكورة في قوله ﷺ : «يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم» (٤).
стр. 50
وفُسر هذا الحديث بأنهم يتلون كتاب الله، و «لا تفقهه قلوبهم، ولا ينتفعون بما تلوا منه، ولا لهم حظ سوى تلاوة الفم والحنجرة والحلق؛ إذ بهما تقطيع الحروف» (١).
بيانه ﷺ لوجه ضعف التفسير:
لا يكتفي النبي ﷺ في بعض الأحيان بإنكار فهم الصحابة للآيات حتى يلفت نظرهم إلى الدليل على عدم صواب فهمهم من الآيات نفسها، وكأنه يدعوهم إلى التأمل في سياق الآيات، ومن أمثلته:
١ - عن عائشة ﵂ قالت: «سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ (٢)، قالت عائشة: أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ ، قال: «لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون ألا يقبل منهم: ﴿ ... أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾» (٣).
стр. 51
والآية التي تلاها النبي ﷺ تمنع أن يكون المراد بقوله: ﴿ ... يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾، أي: يفعلون المعاصي كشرب الخمور والسرقة؛ لأن الله جعلهم من المسارعين في الخيرات السابقين إليها، ولو كانوا كما فهمت عائشة ﵂ لكانوا من المقتصدين أو المقصرين (١).
٢ - وقال ﷺ : «لا يدخل النار - إن شاء الله - من أصحاب الشجرة أحد؛ الذين بايعوا تحتها»، فقالت حفصة ﵂: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقالت: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (٢)؟ ، فقال رسول الله ﷺ : «قد قال الله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (٣)» (٤).
стр. 52
وفي رواية أن حفصة قالت: «أليس قد قال الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾؟ » (١).
قال ابن القيم: «أشكل عليها الجمع بين النصين، وظنت الورود دخولها، كما يقال: ورد المدينة إذا دخلها، فأجاب النبي ﷺ بأن ورود المتقين غير ورود الظالمين، فإن المتقين يردونها وروداً ينجون به من عذابها، والظالمين يردونها وروداً يصيرون جثياً فيها به، فليس الورود كالورود» (٢).
٣ - وفهم عديّ بن حاتم ﵁ (٣)
من قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٤) أن المراد خيطان حقيقيان، فعمد إلى عقالين: أبيض وأسود، ووضعهما عند رأسه، وأخذ ينظر إليهما، فلم يتبينا له، فأخبر النبي ﷺ ، فقال له: «إن وسادك إذاً لعريض إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادتك»، وفي رواية: «إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين»، ثم قال:
стр. 53
«بل هو سواد الليل وبياض الصبح» (١).
وجاء عن سهل بن سعد ﵁ (٢) أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، ولم ينزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعده: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار (٣).
وهذا الحديث يفيد تأخر نزول قوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ عن أول الآية؛ ولذلك فهم بعض الصحابة أن المراد الخيط المعروف، فلما نزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فهموا المراد.
أما عدي بن حاتم فقصته متأخرة عن نزول الآية، فقد وفد على النبي ﷺ سنة تسعٍ أو عشرٍ، والآية نزلت في فرض الصوم، وكان فرضه في أول الهجرة،
стр. 54
فسمع الآية من النبي ﷺ كاملة، لكنه لم يفهم من الخيطين أنهما بياض النهار وسواد الليل، فصنع ما صنع، فلما أخبر النبي ﷺ بذلك عاتبه، وفي بعض الروايات أنه ضحك من صنيعه (١)؛ لأن سياق الآية يرد فهمه، فقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ يمنع أن يكون المراد ما فهم عدي، فالخيط الأبيض والأسود من الفجر؛ ولذلك لما نزلت فهم الصحابة أن المراد بياض النهار وسواد الليل، وقد جاء في بعض روايات الحديث أن النبي ﷺ قال لعدي: «ألم أقل من الفجر؟ ، إنما هو بياض النهار وسواد الليل» (٢).
وعدي ﵁ هو الذي سمع النبي ﷺ يقرأ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٣)، فقال: «يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم! ، فقال النبي ﷺ : «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ »، فقال: بلى! ، قال: «فتلك عبادتهم» (٤).
стр. 55
فقد فهم عدي ﵁ من الربوبية المذكورة في الآية أنها عبادة الصلاة والسجود والركوع، فبين له النبي ﷺ أنها أعم، فتشمل طاعة الأحبار والرهبان في التحريم والتحليل.
أثر النقد النبوي على الصحابة:
مع قلة الأحاديث النقدية الواردة عن النبي ﷺ إلا أنها تركت آثارها على الصحابة ﵃؛ ذلك أن النبي ﷺ هو المعلم والمربي الذي ينظر لتعليماته وتوجيهاته بتعظيم، وقد كان الصحابة ﵃ سباقين إلى امتثالها والتزامها.
ويمكن إبراز أثر النقد النبوي على الصحابة فيما يأتي:
الأول: تحذيره ﷺ من بعض طرق تفسير القرآن الكريم دفع الصحابة إلى البعد عنها والتحذير منها، فلهم مواقف مشابهة من التفسير بالرأي، والإسرائيليات، وتفسير المتشابه؛ تأتي في مواضعها إن شاء الله تعالى.
ومما يشار إليه هنا على سبيل التمثيل ما ذكره ابن تيمية أن عمر بن الخطاب ﵁ انتفع من غضب النبي ﷺ عليه حينما رأى في يده صحيفة من التوراة، فقد أُخبر - وهو خليفة - أن رجلاً يحدث ببعض كتب أهل الكتاب، فاستدعاه، وتلا عليه قوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ
стр. 56
كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (١).
ثم ضربه ثلاث ضربات، فقال الرجل: مرني بأمرك، فقال له: اذهب فامحه ولا تَقرأه ولا تُقرئه أحداً من الناس، فلئن بلغني أنك قرأته، أو أقرأته أحداً من الناس لأنهكنك عقوبة (٢).
الثاني: قد يفهم بعض الصحابة من آية شيئاً غير مراد، فتشتد عليه ويغتم منها، فإذا أتى النبي ﷺ وبين له خطأ فهمه، وكشف له المعنى الصحيح للآية، زال همه، ومن أمثلته:
١ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (٣)، قلنا: يا رسول الله أينا لا يظلم نفسه؟ ، قال: «ليس كما تقولون ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ بشرك، أولم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٤)» (٥).
стр. 57
قال ابن القيم: «أنكر على من فهم من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ أنه ظلم النفس بالمعاصي، وبين أنه الشرك، وذكر قول لقمان لابنه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ مع أن سياق اللفظ عند إعطائه حقه من التأمل يبين ذلك، فإن الله سبحانه لم يقل: ولم يظلموا أنفسهم، بل قال: ﴿آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾، ولبس الشيء بالشيء تغطيته به وإحاطته به من جميع جهاته، ولا يغطي الإيمان ويحيط به ويلبسه إلا الكفر» (١).
٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: «لما نزلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (٢) بلغت من المسلمين مبلغاً شديداً، فقال رسول الله ﷺ : «قاربوا وسددوا، ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة، حتى النكبة ينكبها، أو الشوكة يشاكها» (٣).
وفي بعض الأحاديث أن أبا بكر قال للنبي ﷺ : «يا رسول الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية، فكل سوء عملناه جزينا به؟ ! ، فقال النبي ﷺ : «غفر الله لك يا أبا بكر! ألست تمرض؟ ، ألست تنصب، ألست تحزن؟ ، ألست تصيبك اللأواء (٤)؟ »، قال: بلى، قال: «فهو ما تجزون به» (٥).
стр. 58
وعن عائشة ﵂ «أن رجلاً تلا هذه الآية، فقال: إنا لنجزى بما عملنا هلكنا إذاً» (١).
وما تقدم يفيد أن الصحابة ﵃ فهموا من الآية حين نزولها أن المجازاة بالذنوب ما يقع من العقوبات في الآخرة، وأنّ الآية تفيد أنّ كل ذنب يعمله المرء يجازى عليه في الآخرة، فاغتموا لهذا الأمر، لكثرة ذنوب العباد، وحينما بين لهم النبي ﷺ أن المجازاة لا يلزم أن تكون أخروية فقط، فمنها ما يقع في الدنيا من المصائب التي لا ينفك عنها أحد، كالأمراض والهموم والأحزان، وهذا من الجزاء المعجل الذي يخفف الجزاء المؤجل (٢).
الثالث: من آثار النقد النبوي على الصحابة أنه صحح لهم أعمالهم الخاطئة التي بنوها على فهم غير صحيح للنصوص القرآنية، كما حصل مع عدي بن أبي حاتم ﵁.
стр. 59
الرابع: استعمل الصحابة ﵃ نقد النبي ﷺ ، فقد يفهم بعض الناس من آية قرآنية فهماً انتقده النبي ﷺ ، ويتكرر هذا الأمر مع أحد الصحابة، فيستعمل نقد النبي ﷺ ، ومن أمثلته:
١ - عن طارق بن شهاب (١): «أن عمر أتاه ثلاثة نفر من أهل نجران، فسألوه وعنده أصحابه، فقالوا: أرأيت قوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ (٢)، فأين النار؟ ، فأحجم الناس، فقال عمر: أرأيتم إذا جاء الليل، أين يكون النهار؟ ، وإذا جاء النهار، أين يكون الليل؟ ، فقالوا: نزعت مثلها من التوراة».
٢ - وأتى رجل من أهل الكتاب ابن عباس فقال: «تقولون: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، فأين النار؟ ، فقال ابن عباس: أرأيت الليل إذا جاء، أين يكون النهار؟ ، وإذا جاء النهار، أين يكون الليل؟ » (٣).
وقد تقدم أن النبي ﷺ أجاب بنفس هذا الجواب عندما سئل هذا السؤال.
стр. 60
٣ - وسأل رجل أبي بن كعب ﵁ (١)،
فقال: «قول الله ﵎: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (٢)، والله إن كان كل ما عملنا جزينا به هلكنا؟ ! ، فقال أبيّ: والله إن كنت لأراك أفقه مما أرى! ، لا يصيب رجلاً خدش ولا عثرة إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر، حتى اللدغة والنفحة» (٣).
وجواب أبيّ هو جواب النبي ﷺ لأبي بكر كما تقدم.
٤ - وسأل آخر سلمان الفارسي ﵁ (٤)، فقال: «يا أبا عبد الله، آية من كتاب الله قد بلغت مني كل مبلغ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (٥)، فقال سلمان: هو الشرك بالله تعالى، فقال الرجل: ما يسرني بها أني لم أسمعها منك وأن لي
стр. 61
مثل كل شيء أمسيت أملكه» (١).
٥ - وسأل رجل حذيفة ﵁ (٢)،
فقال: «يا أبا عبد الله! أرأيت قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٣)، أكانوا يعبدونهم؟ ، قال: لا، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه» (٤).
وهذا هو جواب النبي ﷺ لعدي بن حاتم ﵁.
الخامس: قد يتلقى الصحابة ﵃ بعض الشبهات من أهل الكتاب تتعلق بما جاء في القرآن، فيستعينون بالنبي ﷺ لنقدها وكشفها.
فعن المغيرة بن شعبة ﵁ (٥) قال: «لما قدمت نجران سألوني، فقالوا: إنكم تقرؤون:
стр. 62
﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ (١)، وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ ! ، فلما قدمت على رسول الله ﷺ سألته عن ذلك، فقال: «إنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم» (٢).
فأهل نجران فهموا - خطأً - أن هارون المذكور في الآية هو أخو موسى ﵉ فأرادوا التوصل بذلك إلى الطعن في القرآن الكريم؛ لأن المتقرر أنّ بين موسى وعيسى ﵉ مئات السنين، فكيف يقال في القرآن: إن مريم أم عيسى هي أخت هارون، ومن ثم فهذا الكتاب الذي بأيدي المسلمين غير صحيح، فلما عرض المغيرة هذه الشبهة على النبي ﷺ أبطل فهمهم للآية، فيبطل ما بني عليه، فليس هارون المذكور في الآية هو أخو موسى، وإنما سمي به جرياً على عادة الناس في التسمي بأسماء الأنبياء والصالحين، وفي بعض الروايات أن النبي ﷺ قال: «ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم» (٣).
стр. 63
الباب الأول جهود الصحابة والتابعين في دفع الخطأ في التفسير قبل وقوعه
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: تغليظ الخطأ في التفسير وبيان خطره.
الفصل الثاني: الاهتمام بالتفسير الصحيح، والحث على ما يعين على فهم القرآن الكريم.
الفصل الثالث: الاختلاف في تفسير الصحابة والتابعين.
стр. 64
يحرص نقاد التفسير على تصحيح الأخطاء وتقويمها، للخروج بتفسير سليم للقرآن الكريم، ويسيرون لتحقيق هذا الهدف في اتجاهين:
الأول: حماية القرآن الكريم من الخطأ في تفسيره أو الانحراف في فهمه بدفعه قبل وقوعه.
الثاني: معالجة الأخطاء في تفسير القرآن بعد وقوعها، وذلك ببيانها ورد الناس إلى المعنى الصحيح للآيات.
والاتجاه الأول من باب الوقاية، والثاني من باب العلاج، ويأتي الكلام عليه في الأبواب اللاحقة إن شاء الله تعالى.
وسيقتصر الحديث في هذا الباب على الاتجاه الأول، فقد أولاه المفسرون عناية خاصة، وعلى رأسهم الصحابة والتابعون ﵃؛ ولتحقيقه وضعوا ضوابط وقواعد ألزموا من أراد تفسير القرآن الأخذ بها؛ ليستعين بها على فهم القرآن، وتكون واقية - بإذن الله - من الانحراف في تأويله، كما قاموا بتربية الأتباع على تعظيم القول في تفسير القرآن، وحذروهم من الكلام فيه، وذموا من تجرأ على ذلك، وأظهروا ذلك عملياً بالإحجام والورع عن تفسير القرآن الكريم.
وهذا المسلك الوقائي الذي اهتم به المفسرون له شبيه في العلوم الأخرى، فلو أخذنا على سبيل المثال منهج المحدثين في حمايتهم للأحاديث المروية عن النبي ﷺ وعنايتهم بسلامتها لوجدناه يتطابق تماماً مع منهج المفسرين.
فمما قاموا به للحيلولة دون وقوع الكذب على النبي ﷺ التشديد والتغليظ على من كذب عليه ﷺ ، وللصحابة فضل السبق في ذلك، ويكفي أن تعرف أن
стр. 65
رواة حديث: «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» (١) يفوقون كثرة ما عداه من الأحاديث، حتى عده العلماء من المتواتر، وذكر بعضهم أنه رواه عن النبي ﷺ اثنان وستون صحابياً، منهم العشرة المبشرون بالجنة (٢)، وعدهم الحافظ العراقي (٣) فزادوا على السبعين (٤)، وهذا يدل على اهتمامهم الشديد بهذه القضية.
ومما أثر عنهم في تغليظ الكذب على النبي ﷺ قول علي بن أبي طالب ﵁: ... «إذا حدثتكم عن رسول الله ﷺ فلأن أخر من السماء أحب من أن أكذب عليه» (٥).
وتعظيم السلف لحديث النبي ﷺ يشبه تعظيمهم لتفسير القرآن، فنجد منهم من أقلَّ الرواية عنه ﷺ خوفاً من الخطأ عليه، كما نجد من تورع عن التفسير
стр. 66
لذات السبب، وقد عقد المحدثون لذلك أبواباً (١).
ومن الأمور التي رسمها المحدثون للاحتراز من الخطأ في الرواية عن النبي ﷺ التوقي في الألفاظ النبوية، والضبط الدقيق لها على وجه قد يكون في نظر بعض الناس من التشدد الذي لا داعي له، إلا أن المحدثين اعتنوا به حفاظاً على السنة (٢).
ولم يقتصر توقي السلف وحذرهم في رواية الأحاديث، بل جاء عنهم الحذر والتوقي عند تفسيرها؛ حتى قال سليمان التيمي (٣): «ليُتقى من تفسير حديث رسول الله ﷺ كما يُتقى من تفسير القرآن» (٤).
وأما ما يتعلق برواة الأحاديث وصفاتهم التي يجب أن يكونوا عليها، وشروط قبول روايتهم، والأمور التي من أجلها يرد حديث الرجل، فأمر طفحت به كتب المحدثين.
وهذه الأمور حين يعرفها الناس، وتنتشر بين طلاب العلم - وبخاصة
стр. 67
المحدثون - سيكون لها أثر كبير في صيانة الأحاديث من الغلط، والحرص على ضبطها، والتدقيق عند تحملها وروايتها، وسيجتهد رواة الأحاديث على التقيد بما ذكره العلماء في صفات الراوي؛ ليسلموا من الخطأ في نقل الأحاديث، فيقبل الرواة على الأخذ عنهم.
وما تقدم يلفت نظر الناقد إلى أنه لا ينبغي أن يكون همه متجهاً إلى معالجة الأخطاء وتصحيحها فحسب، وإنما يجتهد في الاحتراز منها ودفعها قبل وقوعها.
стр. 68
الفصلُ الأول تغليظ الخطأ في التفسير وبيان خطره
وفيه:
أولاً: مظاهر تعظيم الصحابة والتابعين للتفسير وتغليظ الخطأ فيه.
ثانياً: دواعي الصحابة والتابعين في التغليظ على المخطئ في التفسير وإحجامهم عن تأويل القرآن.
стр. 69
أولاً مظاهر تعظيم الصحابة والتابعين للتفسير وتغليظ الخطأ فيه
اشتهر الصحابة والتابعون ﵃ بورعهم وتحرجهم من تفسير القرآن الكريم، وإحجامهم عن القول فيه، ونقلت عنهم مواقف متعددة تتفق جميعها على تعظيم التفسير، وإعلاء قدره في الصدور، وهي في الوقت نفسه تنكر على المتجرئين على اقتحامه بلا علم ولا بصيرة.
وجاء عن كثير منهم الأمر باتقاء التفسير وكراهية الخوض فيه، فعن عبيد الله بن عمر (١) قال: «لقد أدركت فقهاء المدينة، وإنهم ليعظمون القول في التفسير، منهم: سالم بن عبد الله (٢)، والقاسم بن محمد (٣)، وسعيد بن المسيب، ونافع» (٤).
стр. 70
ولشهرة هذا الأمر عنهم عقد فيه بعض المصنفين أبواباً، فعقد ابن أبي شيبة (١) باباً فيمن كره أن يفسر القرآن (٢).
ومن مظاهر تعظيم الصحابة والتابعين لتفسير القرآن، وتغليظ الخطأ فيه ما يأتي:
стр. 71
أولاً: اعتبار الخطأ في التفسير قولاً على الله بلا علم .
صرح بعض التابعين بأن القول في تفسير القرآن رواية عن الله، ومن ثَمَّ فالخطأ فيه بمنزلة القول على الله بلا علم، ومن أقوالهم في ذلك:
قول مسروق (١): «اتقوا التفسير، فإنما هو الرواية عن الله» (٢).
وقول الشعبي (٣):
«إن الذي يفسر القرآن برأيه إنما يرويه عن ربه» (٤).
وإنما جعلا التفسير رواية عن الله؛ لأن المفسر كأنه يقول: إن الله تعالى يقول كذا، ويأمر بكذا، وينهى عن كذا، وإذا لم يكن ذلك مراد الله تعالى، فالمفسر لكلامه قائل عليه بلا علم، وحين أدرك الشعبي هذا المعنى، وأن تفسير القرآن
стр. 72
الكريم بمثابة الرواية عن الله، جعل الكذب فيه أخطر وأعظم من الكذب على النبي ﷺ ، فعنه قال: «لأن أكذب مائة كذبة على محمد ﷺ أحب إلي من أن أكذب في القرآن كذبة، إنما يفضي الكاذب في القرآن إلى الله» (١).
وجاء عنه قوله: «من كذب على القرآن، فقد كذب على الله» (٢).
ومراد الشعبي بالكذب في القرآن الكذب في تفسيره، فقد اشتهر بتعظيم التفسير وشدة التحرز منه، ويوضحه الرواية السابقة عنه: «إن الذي يفسر القرآن برأيه إنما يرويه عن ربه».
فالمخطئ في التفسير قائل على الله بلا علم، والقول على الله بلا علم قرين الشرك في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٣).
ثانياً: النهي عن السؤال في التفسير، وترك مجالسة من يفعل ذلك .
ومن شدة تعظيم الصحابة والتابعين لتفسير القرآن وتهيبهم منه، يتجاهل بعضهم أسئلة التفسير كأنه لم يسمعها، وفي أحيان أخرى ينهى عن إثارة الأسئلة المتعلقة بالتفسير مع إذنه بأسئلة العلوم الأخرى، فقد سئل سعيد بن المسيب عن آية
стр. 73
من القرآن، فقال للسائل: لا تسألني عن القرآن (١).
وسيأتي أنه يسأل في الحلال والحرام فيجيب، فإذا سئل عن التفسير سكت كأن لم يسمع، وكان بعض السلف يمنع من يثير أسئلة التفسير من مجالسته، فقد جاء عن جندب بن عبد الله ﵁ (٢) أن طلق بن حبيب (٣) سأله عن آية فقال: أحرج عليك إن كنت مسلماً لما قمت عني، أو قال: أن تجالسني (٤).
وطلق رمي بالإرجاء (٥)،
فقد يكون أثار سؤالاً عن آية تتعلق بهذا المذهب،
стр. 74
فكره جندب ﵁ سؤاله، وأمره بمفارقة مجلسه، وقد جاء عن أيوب السختياني (١) أنه قال: «ما رأيت أعبد من طلق بن حبيب، فرآني سعيد بن جبير (٢) جالساً معه، فقال: ألم أرك مع طلق؟ ! ، لا تجالس طلقاً، وكان طلق يرى الإرجاء» (٣).
أما إذا كان قصد السائل إثارة مشكل الآيات، والبحث عن متشابهها، فقد يصل الأمر إلى تأديبه، كما فعل عمر بن الخطاب ﵁ مع صَبِيْغِ بن عِسْل (٤) عندما
стр. 75
سأل عن متشابه القرآن كقوله تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾ (١)،
عند ذلك ضربه عمر وحبسه، ثم منع الناس من كلامه، حتى أظهر التوبة والرجوع (٢).
وكذلك فعل مع رجل آخر حين سأله عن آية، فكره سؤاله، وضربه