← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 148083

نقد الصحابة والتابعين للتفسير

عبد السلام بن صالح الجار الله

Полный текст (684 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أولاً: اعتبار الخطأ في التفسير قولاً على الله بلا علم . صرح بعض التابعين بأن القول في تفسير القرآن رواية عن الله، ومن ثَمَّ فالخطأ فيه بمنزلة القول على الله بلا علم، ومن أقوالهم في ذلك: قول مسروق (١): «اتقوا التفسير، فإنما هو الرواية عن الله» (٢). وقول الشعبي (٣): «إن الذي يفسر القرآن برأيه إنما يرويه عن ربه» (٤). وإنما جعلا التفسير رواية عن الله؛ لأن المفسر كأنه يقول: إن الله تعالى يقول كذا، ويأمر بكذا، وينهى عن كذا، وإذا لم يكن ذلك مراد الله تعالى، فالمفسر لكلامه قائل عليه بلا علم، وحين أدرك الشعبي هذا المعنى، وأن تفسير القرآن

стр. 72

الكريم بمثابة الرواية عن الله، جعل الكذب فيه أخطر وأعظم من الكذب على النبي ﷺ ، فعنه قال: «لأن أكذب مائة كذبة على محمد ﷺ أحب إلي من أن أكذب في القرآن كذبة، إنما يفضي الكاذب في القرآن إلى الله» (١). وجاء عنه قوله: «من كذب على القرآن، فقد كذب على الله» (٢). ومراد الشعبي بالكذب في القرآن الكذب في تفسيره، فقد اشتهر بتعظيم التفسير وشدة التحرز منه، ويوضحه الرواية السابقة عنه: «إن الذي يفسر القرآن برأيه إنما يرويه عن ربه». فالمخطئ في التفسير قائل على الله بلا علم، والقول على الله بلا علم قرين الشرك في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٣). ثانياً: النهي عن السؤال في التفسير، وترك مجالسة من يفعل ذلك . ومن شدة تعظيم الصحابة والتابعين لتفسير القرآن وتهيبهم منه، يتجاهل بعضهم أسئلة التفسير كأنه لم يسمعها، وفي أحيان أخرى ينهى عن إثارة الأسئلة المتعلقة بالتفسير مع إذنه بأسئلة العلوم الأخرى، فقد سئل سعيد بن المسيب عن آية

стр. 73

من القرآن، فقال للسائل: لا تسألني عن القرآن (١). وسيأتي أنه يسأل في الحلال والحرام فيجيب، فإذا سئل عن التفسير سكت كأن لم يسمع، وكان بعض السلف يمنع من يثير أسئلة التفسير من مجالسته، فقد جاء عن جندب بن عبد الله ﵁ (٢) أن طلق بن حبيب (٣) سأله عن آية فقال: أحرج عليك إن كنت مسلماً لما قمت عني، أو قال: أن تجالسني (٤). وطلق رمي بالإرجاء (٥)، فقد يكون أثار سؤالاً عن آية تتعلق بهذا المذهب،

стр. 74

فكره جندب ﵁ سؤاله، وأمره بمفارقة مجلسه، وقد جاء عن أيوب السختياني (١) أنه قال: «ما رأيت أعبد من طلق بن حبيب، فرآني سعيد بن جبير (٢) جالساً معه، فقال: ألم أرك مع طلق؟ ! ، لا تجالس طلقاً، وكان طلق يرى الإرجاء» (٣). أما إذا كان قصد السائل إثارة مشكل الآيات، والبحث عن متشابهها، فقد يصل الأمر إلى تأديبه، كما فعل عمر بن الخطاب ﵁ مع صَبِيْغِ بن عِسْل (٤) عندما

стр. 75

سأل عن متشابه القرآن كقوله تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾ (١)، عند ذلك ضربه عمر وحبسه، ثم منع الناس من كلامه، حتى أظهر التوبة والرجوع (٢). وكذلك فعل مع رجل آخر حين سأله عن آية، فكره سؤاله، وضربه

стр. 76

بالدرة، فسأله آخر عن هذه الآية: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ (١)، فقال: «عن مثل هذا فسلوا، ثم قال: هذه المرأة تكون عند الرجل قد خلا من سنها، فيتزوج المرأة الشابة، يلتمس ولدها فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز» (٢). ثالثاً: اعتبار الكلام في التفسير أعظم من الكلام في العلوم الشرعية الأخرى . يلتقي حذر الصحابة والتابعين ﵃ وورعهم عن تفسير القرآن، مع حذرهم وورعهم عن الفتيا والكلام في الأحكام الشرعية، فقد كانوا حذرين متورعين عن الكلام فيها خاصة حين يكون مصدرها الرأي، وقد جاء عنهم نصوص كثيرة مما جعل بعض المصنفين يعقد لذلك أبواباً، فقد بوب الدارمي (٣) في سننه باباً في التورع عن الجواب فيما ليس فيه كتاب ولا سنة، وباباً في كراهية الفتيا، وباباً فيمن هاب الفتيا وكره التنطع والتبدع، وباباً في الفتيا وما فيه من الشدة، وباباً في كراهية الأخذ

стр. 77

بالرأي (١). ومما جاء عن الصحابة والتابعين في الورع عن الفتيا: ١ - قول عبد الرحمن بن أبي ليلى (٢): «لقد أدركت في هذا المسجد عشرين ومائة من الأنصار، وما منهم من أحد يحدث بحديث إلا ودّ أن أخاه كفاه الحديث، ولا يسأل عن فتيا إلا ودّ أن أخاه كفاه الفتيا» (٣). ٢ - ويقول الأعمش: «ما سمعت إبراهيم] يعني النخعي (٤) [يقول برأيه

стр. 78

في شيء قط» (١). ٣ - وعن يحيى بن سعيد (٢) قال: «قلت للقاسم بن محمد: ما أشد عليّ أن تسأل عن الشيء لا يكون عندك، وقد كان أبوك إماماً، قال: إن أشد من ذلك عند الله وعند من عقل عن الله أن أفتي بغير علم، أو أروي عن غير ثقة» (٣). ٤ - وسئل عطاء (٤) عن شيء، فقال: لا أدري، فقيل له: ألا تقول فيها برأيك؟ قال: إني لأستحي من الله أن يدان في الأرض برأيي (٥). ومن اشتهر من السلف بورعه عن الرأي والفتيا، فلا غرابة إذا تورع عن

стр. 79

الخوض في التفسير، بل إن ورع السلف عن الكلام في التفسير أشد وأعظم من ورعهم عن غيره من العلوم الشرعية، فهم يرون الكلام في الحلال والحرام أخف وأسهل من الكلام في التفسير، ومما يدل على ذلك أنهم إذا سئلوا عن الأحكام الفقهية ونحوها أجابوا، فإن تعلق السؤال بكتاب الله ومعانيه أحجموا وتوقفوا، ومن الشواهد في ذلك: ١ - عن يزيد بن أبي يزيد (١) قال: «كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام، وكان أعلم الناس، فإذا سألناه عن تفسير آية من القرآن سكت كأن لم يسمع» (٢). ٢ - وتقدم قول الشعبي: «لأن أكذب مائة كذبة على محمد ﷺ أحب إلي من أن أكذب في القرآن كذبة، إنما يفضي الكاذب في القرآن إلى الله». ٣ - وعن ابن جريج (٣) قال: «كنت أسأل عطاء عن كل شيء يعجبني، فلما

стр. 80

سألته عن البقرة وآل عمران، أو عن البقرة، قال: أعفني عن هذا، أعفني من هذا» (١). رابعاً: الامتناع عن تفسير القرآن . ومن الشواهد في ذلك: ١ - عن إبراهيم النخعي قال: «كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه» (٢). ويريد بأصحابه أتباع عبد الله بن مسعود ﵁، وقد حذا إبراهيم حذو أصحابه، فكان يكره الكلام في تفسير القرآن، فعن مغيرة (٣) قال: «كان إبراهيم يكره أن يتكلم في القرآن» (٤). ٢ - ويقول الشعبي: «أدركت أصحاب عبد الله وأصحاب علي، وليس هم

стр. 81

لشيء من العلم أكره منهم لتفسير القرآن» (١). وليس المراد بكراهة الصحابة والتابعين للتفسير الانصراف عن الكلام فيه رغبة عنه، أو أنهم يعدونه من العلوم المستكرهة، وإنما المراد أنهم كرهوا الخوض فيه تعظيماً له، فإن الإثم الحاصل بسبب الخطأ فيه أشد من الإثم الحاصل بسبب الخطأ في غيره من العلوم؛ ولذلك كان تحرجهم من القول في التفسير أشد من تحرجهم من القول في غيره. ٣ - وعن ابن سيرين قال: «سألت عبيدة (٢) عن شيء من القرآن، فقال: اتق الله، وعليك بالسداد، فقد ذهب الذين يعلمون فيم أنزل القرآن؟ » (٣). ٤ - وعن هشام بن عروة (٤) قال: «ما سمعت أبي تأول آية من كتاب الله

стр. 82

قط» (١). ٥ - وعن عبيد الله بن عمر قال: «كان القاسم لا يفسر، يعني القرآن» (٢)، وقال: «كان سالم لا يفسر» (٣). * ولا يظن أن ورع الصحابة والتابعين ﵃ عن الكلام في التفسير خاص بطائفة دون أخرى، وإنما هو منهج عام سلكه الجميع، حتى من اشتهر منهم بالاطلاع الواسع في التفسير، وكثرة النقل عنه، فأهل مكة - وهم أعلم الناس بكتاب الله تعالى، وأكثر من نقل عنهم تفسيره - نجد بعضهم تورع عن الكلام في معاني القرآن الكريم، ويكون ورع أحدهم أشد حين يكون على غير يقين بالتفسير الصحيح، ومن الشواهد: ١ - عن ابن أبي مليكة (٤) «أن ابن عباس ﵁ سئل عن آية لو سئل عنها

стр. 83

بعضكم لقال فيها، فأبى أن يقول فيها» (١). ٢ - وعن ابن أبي مليكة قال: «سأل رجل ابن عباس ﵁ عن: ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (٢)، فقال له ابن عباس: فما ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾؟ ، فقال الرجل: إنما سألتك لتحدثني، فقال ابن عباس: هما يومان ذكرهما الله ﵎ في كتابه، الله أعلم بهما، فكره أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم». وفي رواية أن ابن عباس قال: «وأكرهُ أن أقول في كتاب الله بما لا أعلم» (٣). وفي بعض الروايات: أن سعيد بن المسيب لما بلغه كلام ابن عباس قال للسائل: «هذا ابن عباس قد اتقى أن يقول فيها، وهو أعلم مني» (٤). ٣ - وعن عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت (٥) قال: «سألت طاوساً (٦) عن تفسير

стр. 84

هذه الآية: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ (١)، فأراد أن يبطش، حتى قيل له: هذا ابن حبيب كراهية لتفسير القرآن» (٢). ٤ - وتقدم قبل قليل عن تلميذ ابن عباس الآخر عطاء بن أبي رباح أنه يسأل عن كل شيء فيجيب، فإذا سئل عن القرآن طلب الإعفاء من ذلك. * وامتناع الصحابة والتابعين وورعهم عن تفسير القرآن يقع منهم بدرجات متفاوتة، فبعضهم أشد ورعاً من بعض، وممن اشتهر بورعه الشديد من التفسير سعيد بن المسيب والشعبي، فكان سعيد إذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال: إنا لا نقول في القرآن شيئاً (٣). وكان يسأل عن الحلال والحرام فيجيب، فإذا سئل عن تفسير آية من القرآن

стр. 85

سكت كأن لم يسمع (١). وأما الشعبي، فكان يقول: «والله ما من آية إلا قد سألت عنها، ولكنها الرواية عن الله ، أو قال: على الله » (٢). وقال أيضاً: «ثلاث لا أقول فيهن حتى أموت: القرآن والروح والرأي» (٣). ولهذا كان هذان الاثنان ينعيان بشدة على بعض من يفسر القرآن، كما سيأتي تفصيله في مبحث نقد رجال التفسير إن شاء الله تعالى. ولا يعني أن من نقل عنه الورع التفسير امتناعه مطلقاً عن التفسير، ولو كان الأمر كذلك لما اشتهر بعضهم بتفسير القرآن، ولما وصل إلينا هذا القدر الهائل عنهم، وإنما يقع منهم بدرجات متفاوتة، ويلتزم بعضهم بهذا المنهج حين يكون الكلام في القرآن بمجرد الرأي. ومما يبين ذلك أن المروي عنهم شدة الورع عن تفسير القرآن الكريم نقل عنهم بعض التفسير كابن المسيب والشعبي (٤)، لكنه قليل إذا قورن برواياتغيرهم.

стр. 86

خامساً: الاستخارة عند تفسير القرآن . قد يدعو تعظيم تفسير القرآن وهيبته، والخشية من الوقوع في الخطأ في تفسيره بعض الصحابة إلى التريث في بيان معاني الآيات ونشرها بين الناس، ومنهم من يستخير الله تعالى في هذا الأمر، فعن ابن المسيب «أن عمر كتب في الجد والكلالة كتاباً، فمكث يستخير الله، يقول: اللهمّ إن علمت فيه خيراً فأمضه، حتى إذا طعن دعا بالكتاب فمحي، فلم يدر أحد ما كتب فيه، فقال: إني كتبت في الجد والكلالة كتاباً وكنت أستخير الله فيه، فرأيت أن أترككم على ما كنتم عليه» (١). وأحياناً يقدم أحدهم بين يدي تفسيره كلاماً يبرأ فيه من حوله وقوته، ويتنصل من تفسيره إن كان خطأً، فقد سئل أبو بكر عن الكلالة، فقال: «إني قد رأيت في الكلالة رأياً، فإن يكن صواباً فمن الله وحده لا شريك له، وإن يكن خطأً فمني والشيطان، والله منه بريء، وإنّ الكلالة ما خلا الولد والوالد» (٢). فهذه الاستخارة المتكررة من عمر ﵁، والتريث في إخبار الناس بما فهمه من

стр. 87

معنى الكلالة، ثم تراجعه عن ذلك، وكذلك ما حصل من أبي بكر ﵁، وتقديمه بهذه المقدمة، وتنصله واعتذاره بأنه قد لا يصيب الحق، وأن تفسيره مجرد رأي، يحتمل الخطأ والصواب، كل ذلك يظهر حرص السلف على اجتناب الخطأ والابتعاد عنه، والتوقي الشديد عند تفسير الآيات، وهو في الوقت نفسه يدل على المكانة العظيمة التي يتبوؤها التفسير في نفوسهم، وأن الخطأ فيه ليس بالأمر الهين.

стр. 88

ثانياً دواعي الصحابة والتابعين في التغليظ على المخطئ في التفسير وإحجامهم عن تأويل القرآن مما ينبغي العلم به أن الصحابة والتابعين ﵃ حين أحجموا عن التفسير وتورعوا عن القول فيه، كانوا على علم تام بأن الله تعالى لم يقبض نبيه ﷺ إلا بعد أن أكمل به الدين، فلم يترك أمراً ولا حادثة يحتاج الناس إلى بيانها إلا وبين حكمها: إما نصاً أو دلالة، ومن ذلك تفسير القرآن الكريم، فقد بين ﷺ لأصحابه معانيه كما بين لهم ألفاظه، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١). ولم يكن ورع الصحابة والتابعين عن التفسير وإحجامهم عن الكلام فيه ناشئاً عن عدم العلم بمعنى الآية دائماً، فقد يسمع أحدهم في معناها شيئاً ومع ذلك يتورع عن الكلام فيها، كما سبق عن الشعبي قوله: «والله ما من آية إلا وقد سألت عنها، ولكنها الرواية عن الله تعالى». وأيضاً فليس إحجامهم عن تفسير القرآن ظناً منهم أن الحق محجوب عن الأمة

стр. 89

جميعاً (١)، وإنما أحجموا لمسوغات ودواعٍ ظهرت لهم، آثروا الإبقاء عليها والالتزام بها، وتقديمها على الخوض في بيان معاني كلام الله تعالى. ومن هذه المسوغات والدواعي: ١ - أن ما جاء عنهم من التغليظ على من فسر القرآن، وذم من فعل ذلك محمول في بعض الأحيان على من فسر القرآن برأيه، أو تكلم فيه بلا علم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية بعد سياقه آثاراً عن السلف في تحرجهم من القول في التفسير: «فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعاً فلا حرج عليه، ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا منافاة؛ لأنهم تكلموا فيما علموه، وسكتوا عما جهلوه» (٢). ولذلك لا ينبغي حمل كلام السلف وفعلهم على أنه منهج يجب التزامه دائماً، فيترك تفسير القرآن الكريم، وقد عقد الطبري باباً في مقدمة تفسيره، ذكر فيه بعض الآثار المتقدمة، وبين أن السلف إنما أحجموا عن تفسير القرآن خوفاً من عدم إصابة الحق كما تقدم قبل قليل، وقد أشار في عنوان الباب إلى أن ما جاء عن السلف لا ينبغي أن يحمل على إطلاقه، فقال: «ذكر الأخبار التي غلط في تأويلها منكرو

стр. 90

القول في تأويل القرآن» (١). ٢ - الخشية من اجتهاد أحدهم في تفسير كلام الله تعالى، وعدم إصابته الحق، وما يترتب على ذلك من آثار يحرص أحدهم على تجنبها، ومن ذلك أن الخطأ في تفسير القرآن أشد من الخطأ في غيره؛ لما فيه من تفسير كلام الله على غير مراده، فيكون المرء قائلاً على الله بلا علم. ٣ - حماية تفسير القرآن الكريم من الخطأ والانحراف في فهمه، وذلك بإظهار تعظيمه في النفوس، وإعلاء قدره في الصدور، حتى لا يتجرأ أحد على الخوض فيه دون علم أو تثبت، ولو لم يوجد منهم هذا الورع والتعظيم لتفسير القرآن لظن بعض الناس أن الكلام فيه كالكلام في غيره من العلوم، فيطلق لسانه في كتاب الله، وقد يخطئ وينحرف في فهمه، أما إذا رأى هدي السلف مع تفسير كلام الله عرف مكانته، وعلم أن الخوض في تفسيره من الخطورة بمكان، فأمسك عن الحديث فيما لا يعلم. ٤ - يحجم الصحابة والتابعون ﵃ عن القول في تفسير القرآن إذا كان صادراً عن اجتهاد شخصي؛ مخافة أن يقتدي بعض الناس بفعلهم، فيقدم على تأويل القرآن باجتهاده مقتدياً بهم، وقد يخطئ في ذلك، فإذا عوتب قال: إمامي في ذلك

стр. 91

فلان من السلف، فقد فسر القرآن باجتهاده (١). * وقد ترك ورع الصحابة والتابعين وإحجامهم عن تفسير القرآن آثاراً بارزة، وأضحت له بصمات واضحة على حركة التفسير، ومعرفة هذه الآثار من الأهمية بمكان، ونحن في هذا المقام نريد الاطلاع على الأثر الحسن الذي تركه ورع السلف وحذرهم في هذا الباب على حركة التفسير، وكيف أثر هذا المسلك في حماية النصوص القرآنية من الانحراف في فهمها، وقد يرى بعض الناس أن المنهج الذي سلكه آخرون من الصحابة والتابعين ﵃ خير وأحسن من هذا المسلك؛ لأنهم هم الذين نقلوا إلينا تفسير القرآن، ولذلك لما ذكر ابن عطية (٢) تعظيم الصحابة والتابعين لتفسير القرآن، وساق بعض الآثار في ذلك، ذكر أن كثيراً منهم فسروا القرآن، قال: «وهم أبقوا على المسلمين في ذلك ﵃» (٣)، وهذا الأمر لا يُنكر، لكن لا يلزم منه أن أصحاب المسلك الأول الذي نتحدث عنه كانوا مخطئين أو

стр. 92

مقصرين، وإنما كانوا مجتهدين بناءً على دواعٍ ومسوغات دفعتهم لهذا المسلك، وأصبح لفعلهم أثر محمود في حماية القرآن الكريم من التعدي على نصوصه بالتأويلات الباطلة المنحرفة. * ومن الآثار التي تركها ورع الصحابة والتابعين عن تفسير القرآن تربية الأتباع على تعظيم التفسير، وأنه يختلف عن غيره من العلوم الشرعية التي يمكن التسامح فيها بالرأي، وقد ظهر تأثر التابعين بالصحابة ﵃ في إمساكهم وتحرجهم من التفسير، فإن أهل الكوفة عرفوا بتوسعهم في الرأي في الفقه ونحوه، إلا أنهم كانوا شديدي الحذر حين يتعلق الأمر بالقرآن الكريم وتفسيره، وقد سبق قول عبيدة السلماني لابن سيرين: «ذهب الذين كانوا يعلمون فيم أنزل القرآن؟ ، فاتق الله وعليك بالسداد». وقول مسروق: «اتقوا التفسير، فإنما هو الرواية عن الله». وقول الشعبي: «أدركت أصحاب عبد الله وأصحاب علي، وليس هم لشيء من العلم أكره منهم لتفسير القرآن». وقول إبراهيم النخعي: «كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه»، وهؤلاء كلهم كوفيون.

стр. 93

وكان أبو وائل (١) - وهو كوفي - إذا سئل عن شيء من القرآن قال: قد أصاب الله ما أراد (٢). * ومن الآثار التي تركها ورع السلف عن تفسير القرآن الكريم قلة مرويات التفسير عمن اشتهر بورعه عن الكلام في تفسير القرآن، وهذا الأثر قد يكون بالنسبة إلينا غير محمود؛ لأنه تسبب في فقدان كثير من تفسير من هو مشهور به، وممن قلّ المروي عنه بسبب امتناعه عن تفسير القرآن سعيد بن المسيب، فعندما ذكر الذهبي (٣) قوله: لا أقول في القرآن شيئاً؛ عقب عليه قائلاً: «ولهذا قل ما نقل عنه في التفسير» (٤).

стр. 94

وسعيد من رؤوس أهل المدينة، وقد عرفوا بتعظيم هذا الباب أكثر من غيرهم، وقد تقدم قول عبيد الله بن عمر: «لقد أدركت فقهاء المدينة، وإنهم ليعظمون القول في التفسير، منهم: سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ونافع». وقوله: «كان القاسم لا يفسر، يعني القرآن»، وقوله: «كان سالم لا يفسر». وقول هشام بن عروة عن أبيه: «ما سمعت أبي تأول آية من كتاب الله قط». وسئل القاسم بن محمد عن معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ (١)، فقيل له: «أنزل أو لم ينزل؟ فقال: لا أبالي أي ذلك كان إلا أني آمنت به» (٢). ولهذا قلّ المروي عنهم بالنسبة لما جاء عن غيرهم (٣).

стр. 95

الفصلُ الثاني الاهتمام بالتفسير الصحيح والحث على ما يعين على فهم القرآن الكريم وفيه: أولاً: الاهتمام بالتفسير الصحيح. ثانياً: الحث على ما يعين على فهم القرآن.

стр. 96

أولاً الاهتمام بالتفسير الصحيح إن الاهتمام بالتفسير الصحيح، والبحث عنه، ثم نشره بين الناس يقوي معرفتهم به وإقبالهم عليه، ويستغنون به عن الأقوال الشاذة والضعيفة، فالآراء والمذاهب الباطلة لا تنتشر إلا مع خفاء الحق أو ضعف أنصاره، أما إذا كان الحق ظاهراً معروفاً بين الناس لم تجد تلك الآراء والمذاهب بيئة مناسبة للانتشار والقبول، وعندما يكون القلب عامراً بالحق فلن يجد الباطل مكاناً فيه، أما إذا كان فارغاً فلن يجد الباطل ما يزاحمه أو ينازعه، وبكل حال فالاهتمام بالتفسير الصحيح يسهم بشكل أو بآخر في المحافظة على سلامة الفهم لكتاب الله، وحمايته من الدخيل؛ ولهذا السبب عُني الصحابة والتابعون بالتفاسير الصحيحة، واجتهدوا في معرفتها، ومن أوجه عنايتهم بها ما يأتي: أولاً: الرحلة في طلب تفسير القرآن . اشتهر الصحابة والتابعون ومن بعدهم بالرحلة في طلب الحديث، ولشهرتهم بذلك أفرد فيه بعض العلماء كتباً، مثل كتاب "الرحلة في طلب الحديث"، وجاء عن بعض الصحابة أنه سافر من المدينة إلى الشام لسماع حديث

стр. 97

واحد ثم رجع (١)، وقد حظي التفسير باهتمام مشابه، فقد يستدعي الوقوف على معنى الآية السفر وقطع المسافات البعيدة، فلا يتردد بعض الصحابة والتابعين في الرحلة طلباً للظفر بالمعنى المراد؛ إدراكاً منهم لأهمية معرفة ذلك، ومن الشواهد عنهم: ١ - قول ابن مسعود ﵁: «والذي لا إله غيره ما من كتاب الله سورة إلا وأنا أعلم حيث نزلت، ولو أعلم أحداً هو أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لركبت إليه» (٢). ٢ - وعن الشعبي قال: «رحل مسروق إلى البصرة في تفسير آية، فقيل له: إن الذي يفسرها رحل إلى الشام، فتجهز ورحل إلى الشام حتى علم تفسيرها» (٣). ولذلك يقول عنه الشعبي: «ما علمت أن أحداً من الناس كان أطلب لعلم في أفق من الآفاق من مسروق» (٤). ٣ - وممن رحل في طلب التفسير سعيد بن جبير، فقد رحل من الكوفة إلى

стр. 98

مكة قاصداً شيخه ابن عباس ﵁ حينما اختلف أهل الكوفة في قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (١)، يقول سعيد: «آية اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلت فيها إلى ابن عباس: فسألته عنها، فقال: نزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ هي آخر ما نزل، وما نسخها شيء» (٢). وقول ابن جبير: فرحلت فيها، يدل على أن باعثه إلى السفر هو الخلاف في معنى الآية، فأراد التحقق من المعنى الصحيح. ٤ - وعنه قال: «قال يهودي بالكوفة وأنا أتجهز للحج: إني أراك رجلاً يتبع العلم؛ أخبرني أي الأجلين قضى موسى؟ ، قلت: لا أعلم، وأنا قادم على حبر العرب - يعني ابن عباس - فسائله عن ذلك، فلما قدمت مكة سألت ابن عباس عن ذلك، وأخبرته بقول اليهودي، فقال ابن عباس: قضى أكثرهما وأطيبهما؛ إن النبي إذا وعد لم يخلف. قال سعيد: فقدمت العراق، فلقيت اليهودي فأخبرته، فقال: صدق - وما أنزل على موسى - هذا والله العالم» (٣).

стр. 99

٥ - وعن مجاهد (١) قال: «لو أعلم من يفسّر لي هذه الآية، لضربت إليه أكباد الإبل، قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ إلى آخر الآية» (٢). ٦ - وسأل فتى من قريش سعيد بن جبير، فقال له: «يا أبا عبد الله، كيف تقرأ هذا الحرف، فإني إذا أتيت عليه تمنيت ألا أقرأ هذه السورة: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ (٣)؟ ، قال: نعم، حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يصدقوهم، وظن المرسل إليهم أن الرسل كذبوا، فقال الضحاك بن مزاحم (٤): ما رأيت كاليوم قط رجلاً يدعى إلى علم فيتلكأ! ! ، لو رحلت في هذه إلى

стр. 100

اليمن كان قليلاً» (١). وقد يمكث الواحد من الصحابة والتابعين ﵃ زمناً طويلاً في طلب تفسير آية، ومن ذلك: ١ - أن ابن عباس قال: «مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب ﵁، فما استطيع أن أسأله هيبة له، حتى خرج حاجاً، فخرجت معه، فلما رجعت وكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له، قال: فوقفت له حتى فرغ، ثم سرت معه، فقلت: يا أمير المؤمنين من اللتان تظاهرتا على النبي ﷺ من أزواجه؟ ، فقال: تلك حفصة وعائشة، قال: فقلت: والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة، فما استطيع هيبة لك، قال: فلا تفعل، ما ظننت أن عندي من علم، فاسألني، فإن كان لي علم خبرتك به» (٢). فابن عباس انتظر هذه المدة الطويلة ليقف على المراد من الآية، وكان بإمكانه سؤال أحد آخر غير عمر، لكنه أراد الوقوف على المعنى الصحيح للآية، وإن تطلب الأمر الانتظار سنة كاملة. وفي بعض روايات الخبر أن عمر لما سأله ابن عباس قال: واعجباً لك

стр. 101

يا بن عباس! (١)، وقد ذكر ابن حجر أن عمر تعجب من حرص ابن عباس على تحصيل التفسير بجميع طرقه، حتى في تسمية من أبهم فيه (٢)، وهذا الخبر يبين مدى اهتمام ابن عباس بمعرفة المبهمات، وهو يفيد أن اهتمامه بما هو أكثر فائدة سيكون أعظم. ومن حرص ابن عباس وملازمته تعلم التفسير ما حدث به عن نفسه قائلاً: «كنت ألزم الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار، فأسألهم عن مغازي رسول الله ﷺ ، وما نزل من القرآن في ذلك، وكنت لا آتي أحداً منهم إلا سُر بإتياني لقربي من رسول الله ﷺ ، فجعلت أسأل أبي بن كعب يوماً - وكان من الراسخين في العلم - عما نزل من القرآن بالمدنية ... » (٣). ٢ - وعن عكرمة (٤) أنه قال في قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى

стр. 102

اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١): «طلبت اسم هذا الرجل أربع عشرة سنة حتى وجدته» (٢). ثانياً: التثبت من المعنى الصحيح للآية . والتثبت من الأقوال والمرويات منهج عام سار عليه الصحابة والتابعون ﵃ سواء فيما يتعلق بالحديث أم بالتفسير، فلم يكونوا يقبلون التفسير من كل أحد حتى يتثبتوا منه، إما بالتثبت من نقل المفسر، ومن أين أتى بمعنى الآية؟ ، ومن شواهده:

стр. 103

١ - عن أبي إسحاق (١) قال: «سألت أبا جحيفة (٢) عن ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ (٣)، فقال: يوم عرفة، فقلت: أمن عندك، أو من أصحاب محمد؟ ، قال: كل ذلك» (٤). ٢ - وعن إبراهيم النخعي في قول الله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٥)، قال: «هذه السورة مكية، نسختها العشر ونصف العشر، فقيل له: عمن؟ ، قال: عن العلماء» (٦).

стр. 104

وإما بالتثبت من صحة التفسير بسؤال علماء التفسير عنه، ولهذا أمثلة كثيرة ستأتي في ثنايا البحث، ومما يذكر هنا: ١ - عن إبراهيم عن علقمة (١) في قول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٢) قال: «هو في قراءة عبد الله: (وَأَتِمُوا الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ إِلَى الْبَيْتِ)، قال: لا تجاوزوا بالعمرة البيت، قال إبراهيم: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير، فقال: كذلك قال ابن عباس» (٣). ٢ - وعن إبراهيم، عن علقمة قال: «إذا أهل الرجل بالحج فأحصر، بعث بما استيسر من الهدي شاة، قال: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير، فقال: كذلك قال ابن عباس» (٤).

стр. 105

ثالثاً: الفرح بالتفسير الصحيح والحزن على فواته . ولهذا الأمر شواهد: ١ - عن عمر ﵁ قال: «ثلاث وددت أن رسول الله ﷺ لم يفارقنا حتى يعهد إلينا عهداً»، وذكر منهن الكلالة (١). وفي رواية: «ثلاث لأن يكون النبي ﷺ بينهن لنا أحب إلي من الدنيا وما فيها» (٢). وفي بعض الروايات يبدي عمر حرصه على معرفة معنى الكلالة، ويلحُّ على النبي ﷺ ، ويكثر من سؤاله ليبين له معناها، يقول ﵁: «إني لا أدع بعدي شيئاً أهم من الكلالة، ما راجعت رسول الله ﷺ في شيء ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه، حتى طعن بأصبعه في صدري، وقال: «يا عمر! ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء؟ ! » (٣). وروي عن مسروق قال: «سألت عمر - وهو يخطب الناس - عن ذي قرابة لي ورث كلالةً، فقال: الكلالة! الكلالة! الكلالة! وأخذ بلحيته، ثم قال: والله

стр. 106

لأن أعلمها أحب إلي من أن يكون لي ما على الأرض من شيء، سألت عنها رسول الله ﷺ ، فقال: «ألم تسمع الآية التي أنزلت في الصيف؟ »، فأعادها ثلاث مرات (١)، يريد قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾» (٢). ٢ - ويشبه عمر ﵁ في حرصه على معرفة المعنى الصحيح ابن عباس ﵄، فقد أرقه حال طائفة من الذين ذكرهم الله تعالى في قصة أصحاب السبت، وهم الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ (٣)، وأشفق جداً على معرفة حالهم، وهل نجوا مع الذين نهوا عن السوء أو لا؟ ، وقال: «والله لأن أكون علمت أن القوم الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ نجوا مع الذين نهوا عن السوء أحب إلي مما عدل به»، وفي لفظ: «من حمر النعم، ولكني أخاف أن تكون العقوبة نزلت بهم جميعاً» (٤). وفي بعض الروايات أن عكرمة دخل عليه وهو يبكي من هذه الآية، ويقول: «ما أدري أنجا الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ أم لا؟ ، قال عكرمة:

стр. 107

فلم أزل به حتى عرفته أنهم قد نجوا، فكساني حلة» (١). ٣ - وعن عمرو بن مرة (٢) قال: «ما مررت بآية في كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنني؛ لأني سمعت الله يقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾» (٣). رابعاً: الاهتمام برجال التفسير . من أوجه الاهتمام بالتفسير الصحيح تلقيه من أهله المعروفين به، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٤)، ومن فوائد الاهتمام بعلماء التفسير وبيان قدرهم ومنزلتهم فيه إقبال الناس على الأخذ منهم، فإن الناس إذا سمعوا ثناءً على أحد في شيءٍ ما اشتهر بينهم؛ خاصة إذا كان الثناء صادراً من عالم، أو صاحب كلمة مسموعة، ومن ثم سوف يقبل طلاب العلم على الأخذ عنه،

стр. 108

والعناية بأقواله وآرائه. ومن أوجه اهتمام الصحابة والتابعين برجال التفسير ما يأتي: الوجه الأول: حث الناس على الأخذ منهم. حث بعض الصحابة على الأخذ عن المعروفين بتفسير القرآن، ومن الشواهد على ذلك: ١ - قال ابن عباس ﵄ عن جابر بن زيد (١): «لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد لأوسعهم عما في كتاب الله علماً» (٢). ٢ - وسأل رجل ابن عمر ﵄ عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (٣)، فقال له: انطلق إلى ابن عباس فاسأله، فإنه أعلم من بقي بما أنزل على محمد ﷺ ، قال الرجل: فأتيته فسألته، فقال: إنه كان عندهما أصنام، فلما حُرمن أمسكوا عن الطواف بينهما حتى

стр. 109

أنزلت: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (١). ٣ - وأتى رجل ابن عمر فسأله عن السموات والأرض: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ (٢)، قال: «اذهب إلى ذلك الشيخ فاسأله، ثم تعال فأخبرني ما قال لك، فذهب إلى ابن عباس فسأله، فقال ابن عباس: نعم، كانت السموات رتقاً لا تمطر، وكانت الأرض رتقاً لا تنبت، فلما خلق الأرض أهلاً، فتق هذه بالمطر، وفتق هذه بالنبات، فرجع الرجل إلى ابن عمر فأخبره، فقال ابن عمر: الآن قد علمت أن ابن عباس قد أوتي في القرآن علماً، صدق هكذا كانت، ثم قال ابن عمر قد كنت أقول: ما يعجبني جرأة ابن عباس على تفسير القرآن، فالآن قد علمت أنه قد أوتي في القرآن علماً» (٣). الوجه الثاني: الثناء على رجال التفسير والصحابة والتابعون مقتدون في هذا العمل بالنبي ﷺ ، فقد جاء عنه الثناء على بعض الصحابة في علومهم، والإشادة بالمتقن منهم، فعن عبد الله بن مسعود

стр. 110

- ﵁ أن النبي ﷺ أثنى على قراءته، وقال: «من أحب أن يقرأ القرآن غضاً كما أُنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد» (١). وقال ﷺ لأبي موسى الأشعري ﵁: «يا أبا موسى لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود» (٢). وبسبب هذا الثناء النبوي على ابن مسعود وأبي موسى علا شأنهما في الإقراء، وأصبحا محط رحال قراء القرآن، ومنهما تلقى أكثر قراء الكوفة القرآن. وتطبيقاً لهذا المنهج النبوي أثنى الصحابة والتابعون ﵃ على من عرف بتفسير القرآن، وأشادوا بهم، إلا أن بعض من أثني عليه كان أسعد بالثناء من بعض.
следующие страницы →