← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 148084

الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم أهميته، وأثره، ومناهج المفسرين في الاستشهاد به

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

Полный текст (950 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم أهميته، وأثره، ومناهج المفسرين في الاستشهاد به تأليف د. عبد الرحمن بن معاضة الشهري الأستاذ المشارك بجامعة الملك سعود مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع بالرياض

стр. 2

أصل هذا البحث رسالة دكتوراه نوقشت يوم ١٥/ ٨ / ١٤٢٦ هـ. بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ومنحت اللجنة البحث تقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى لجنة المناقشة: أ. د. محمد بن عبد الرحمن بن صالح الشايع مقررًا الأستاذ بقسم القرآن وعلومه والمشرف الرئيس على الرسالة أ. د. تركي بن سهو بن نزال العتيبي عضوًا الأستاذ بقسم النحو والصرف وعميد البحث العلمي بالجامعة والمشرف المساعد على الرسالة أ. د. زاهر بن عواض الألمعي عضوًا الأستاذ بقسم القرآن وعلومه أ. د. فهد بن عبد الرحمن الرومي عضوًا الأستاذ بقسم الدراسات القرآنية بكلية المعلمين بالرياض أ. د. محمد عبدو فلفل عضوًا الأستاذ المشارك بقسم النحو والصرف بكلية اللغة العربية بجامعة الإمام

стр. 3

الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم

стр. 4

جميع الحقوق محفوظة لدار المنهاج بالرياض الطبعة الأولى ذو القعدة - ١٤٣١ هـ مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع المملكة العربية السعودية - الرياض

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مُقدِّمة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، أما بعد: فإِنَّ القرآن الكريم بنصِّهِ المُوثَّقِ، وقراءاتهِ المَحفوظةِ، يُعَدُّ المصدرَ الأولَ لدراسةِ اللغةِ بفروعها؛ وذلك لأنَّ اللغة إذا وردت في القرآن فهي أفصحُ مِمَّا في غير القرآن، غيرَ أَنَّ المُفسِّرينَ رجعوا كثيرًا إلى لغة العرب من شعرٍ ونثرٍ لبيانِ معاني القرآن الكريم، لأَنَّها مِنْ أَهمِّ مصادر التفسيرِ بالرأَي وأَوسَعِها، والمفسرون يشترطون في تلك اللغة التي يُفسَّرُ بِها القرآنُ الاستفاضةَ والشهرةَ؛ لأَنَّ كتابَ الله جلَّ ثناؤه نزلَ بأفصحِ لغات العربِ، وغير جائزٍ توجيهُ شيءٍ منهُ إلى الشاذِّ مِن لغاتِها، ولَهُ في الأفصحِ الأشهرِ معنىً مفهومٌ، ووجهٌ معروفٌ. ولم تكن تلك اللغةُ المستفيضةُ المشتهرةُ المعروفةُ المَحفوظة سوى اللغة التي عُرفت بتتبعِ شِعْرِ العَربِ، الذي لا يزالُ مَحفوظًا مرويًّا، وهو ديوانُ مفاخرِ العرب، وسجلُّ علومِها وعاداتِها، ولم يكن للعربِ قبلَ الإسلام عِلمٌ أَصحَّ منه، وكان المفسرون من الصحابة ومَنْ بَعدَهم يرجعون في فهم بعض حروف القرآن إلى ذلك الشعر الثابت ليتبينوا منه ما خفي عليهم منها، ولم يكن حرصُ المفسرين على الشِّعر الجاهلي وما

стр. 6

بعده من شعر الاحتجاج ليتفقَّهوا فيه لذاته، وإِنَّما ليَفقَهوا به القرآن والسنَّة قبل ذلك، وكان بعض العلماء مشهورًا بحفظ شواهد الشعر للاستشهاد بها على تفسير القرآن خاصةً. وقد كان العلماء في استشهادهم بالشعر في تفسير القرآن مدفوعين إلى ذلك بتوجيهٍ من القرآن الكريم ذاته، وذلك لِمَا كرَّرَ من ذكرِ اللسانِ العربيِّ المبين، واللسانُ العربي هو الشعرُ وكُلُّ ما نَطق به أصحابُ السَّليقةِ في حَواضرِهم وبوادِيهم، وحفظُ القُرآنِ يقتضي حفظَ اللسانِ الذي نَزَلَ بهِ القرآنُ. والله سبحانَهُ لَمَّا وَصَفَ كتابه بأنَّهُ نَزَلَ ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٥]، لم يكن هذا الوصفُ مَدحًا للقُرآنِ؛ لأَنَّهُ لا يُمدَحُ بأفضلَ مِن أَنَّهُ كلامُ الله، وإِنَّما هو مَدحٌ لهذا اللسانِ العربيِّ، المُتمثِّلِ - في غالبه - في كُلِّ ما نطقَ بهَ أصحابُ السليقةِ من شِعرٍ، وفي القليل منه فيما حُفِظَ مِن نَثر العرب. ولِما لاعتماد الشواهد الشعرية في كتب التفسير وكتب معاني القرآن وغريبه من أهمية في التفسير اللغوي رغبتُ في دراسة هذا الموضوع بعنوان: «الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم» من حيث أهميتهُ، ومناهج المفسرين في الاستشهاد به، وأثرهُ في التفسير، ليكون موضوعًا لرسالة الدكتوراه في تخصص التفسير وعلوم القرآن. • أهمية الموضوع وأسباب اختياره: ١ - كثرة الشواهد الشعرية في كتب التفسير، ومعاني القرآن، وغريبه، مما جعلها تُشَكِّلُ ظاهرةً لا يُمكنُ إغفالُ دراستها، بوصفها الشاهد اللغويَّ الذي يورده المفسرون كلما احتاجوا إلى ذلك في التفسير اللغوي، مع اختلاف مناهجهم في ذلك. ٢ - أنَّ الشاهد الشعريَّ قد وُظِّفَ في مجالاتِ المعرفة المختلفة من لغةٍ

стр. 7

ونحوٍ (١) وتفسيرٍ وقراءات وصرفٍ وتاريخ وبلدان، غير أَنَّ توظيفهُ في تفسير القرآن الكريم، وكتبه، وكتب الدراسات القرآنية عامةً لم يَحظَ - فيما أعلم - بدراسةٍ مفصلةٍ، تستقري مُفرداتِه، والجهود التي بذلت من قبل المفسرين في جَمعِه وترتيبه، ومناهجهم في ذلك، بطريقة وصفيَّة تَحليليةٍ، تَجمع إلى الاستقراء المتتبع، دِقَّةَ التحليل والوصف المطابق لمثل تلك المناهج. ٢ - حاجة الموضوع في كتب التفسير إلى دراسةٍ تأصيليةٍ، تكشف عن مناهج المفسرين في الاستشهاد بالشعر، وأثر الشاهد الشعري في التفسير، والأسباب التي جعلت العلماء يُعْنَون بالشِّعر، ومعرفة ضوابط التعامل مع الشواهد الشعرية في تفسير القرآن الكريم. • الدراسات السابقة: هناك بعض الدراسات السابقة، منها:

стр. 8

أولًا: رسالة ماجستير بعنوان «جهود الطبري في دراسة الشواهد الشعرية ـ في جامع البيان عن تأويل آي القرآن» تقدم بها الباحث محمد المالكي، إلى كلية الآداب بظهر المهراز بالمغرب، طبعت في مطبعة المعارف الجديدة بالدار البيضاء عام ١٩٩٤ م، وهي دراسة أدبية للشواهد الشعرية في تفسير الطبري، تعرَّضت لجهود الطبري من الناحية الأدبية واللغوية في تفسيره. ثانيًا: كتاب «شواهد أبي حيان في تفسيره» للدكتور صبري إبراهيم السيد، وهو دراسةٌ نحوية لمنهج أبي حيان في تفسيره من خلال الشواهد الشعرية، وقد طُبع الكتاب بدار المعرفة الجامعية بالاسكندرية عام ١٤٠٩ هـ. ثالثًا: كتاب «الشواهد الشعرية في تفسير القرطبي» للأستاذ الدكتور عبدالعال سالم مكرم، وهو ليس دراسة تأصيليةً للموضوع، وإِنَّما هو جَمع للشواهد الشعرية التي وردت في تفسير القرطبي، وتَخريج لها، مع بيان مواضع الاستشهاد في هذه الشواهد. وقد نشرته دار عالم الكتب في طبعته الأولى عام ١٤١٨ هـ. رابعًا: رسالة دكتوراه بعنوان «التفسير اللغوي للقرآن الكريم» للدكتور مساعد بن سليمان الطيار، تقدم بِها لقسم القرآن بكلية أصول الدين بالرياض عام ١٤٢١ هـ، ونشرت عن دار ابن الجوزي عام ١٤٢٢ هـ. وقد أشار فيها للشاهد الشعري وأهميته في عِدَّةِ مواضعٍ، ونَبَّهَ إلى أَهمية بَحث هذا الموضوع بحثًا مستقلًا. ونظرًا لطبيعة هذه الدراسة، وقصر المدة المقررة، وكثرة الشواهد الشعرية في كتب التفسير فقد قصرتُ دراستي هذه على عددٍ من كتب التفسير وكتبِ غريب القرآن ومعانيه، هي العُمدةُ في هذا الباب، وإِنْ كان غَيْرُها جديرًا بالدراسة، إِلا أَنَّها لا تكاد شواهدها تَخرجُ عما في هذه الكتب، وهذه الكتب هي:

стр. 9

أولًا: «جامع البيان في تأويل آي القرآن» للإمام محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ) ﵀، حيث اشتمل على أكثر من ألفين ومائتي شاهدٍ شعري، وكان لابن جرير سبقٌ في العناية بالشواهد الشعرية أتى البحث على بيانه وإيضاحه. وقد اعتمدت في هذا البحث طبعتين لهذا التفسير، الأولى التي حققها العالمان الجليلان أحمد محمد شاكر، ومحمود محمد شاكر، ومُعظَمُ العملِ فيها لِمَحمود رَحِمهما الله، وأشير إليها في البحث بـ «تفسير الطبري (شاكر)»، وطبعتها دارُ المعارف بالقاهرة وينتهي الجزء السادس عشر منها بتفسير الآية السابعة والعشرين من سورة إبراهيم، والطبعة الثانية التي حققها معالي الدكتور عبدالله بن عبدالمُحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر، وأشير إليها في البحث بـ «تفسير الطبري (هجر)». ثانيًا: تفسير «الكشاف» للزمخشري (ت ٥٣٨ هـ)، وهذا التفسير قد عُنِيَ بالجانب البلاغي وكان له منهجه الخاص في الاستشهاد بالشعر في التفسير، كان مرحلةً جديدةً في فتح الباب للاستشهادِ بشعرِ المُحدَثين من الشعراء، وتَجويزِ ذلك، وسيأتي بسط المسألة. ثالثًا: «المُحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز» للقاضي عبدالحق ابن عطية الأندلسي (ت ٥٤٢ هـ)، وقد اشتمل على ما يزيد عن ألفٍ وتسعمائةِ شاهد شعري، وهو من التفاسير الأصيلة المتقدمة، وكان له عناية بالشاهد الشعري في تفسيره. وقد اعتمدت في البحث على طبعتين، الأولى التي حققها المجلس العلمي بفاس بالمغرب، وصدرت في ستة عشر جزءًا، وعند الإشارة إليها أكتفي بعبارة «المحرر الوجيز». والطبعة الثانية التي حققها السيد عبدالعال السيد إبراهيم وآخرين، وطبعتها وزارة الأوقاف القطرية، وقد أشرت إليها في البحث بـ «المحرر الوجيز (قطر)». رابعًا: «الجامع لأحكام القرآن» للإمام القرطبي (ت ٦٧١ هـ)، فقد

стр. 10

قارب عدد شواهده من الشعر خَمسة الآف شاهد، شَملت شواهد اللغة والغريب، والنحو والقراءات والبلاغة والأدب والتاريخ، وهو أوسع كتب التفسير التي درستها إيرادًا للشعر لتأخره واطلاعه على شواهد المتقدمين. وقد اعتمدت في هذا الكتاب على طبعة دار الكتب المصرية الأولى عد الجزء الأول والثالث من الطبعة الثالثة. خامسًا: «مجاز القرآن» لأبي عبيدة مَعْمَر بن المُثَنَّى البَصري (ت ٢١٠ هـ)، حيث زادت شواهده عن تسعمائةٍ وخَمسين شاهدًا، ويُعدُّ عُمدةً ومصدرًا أصيلًا في شواهد الشعر عند المفسرين وغيرهم، وقد عُنِي العلماءُ بشواهدهِ وشَرحُوها. سادسًا: «معاني القرآن» ليحيى بن زكريا الفراء الكوفي (ت ٢٠٧ هـ)، وهو كسابقه من أهم الكتب التي عنيت بالشاهد الشعري في تفسير أساليب القرآن، وفهم معانيه. سابعًا: «تفسير غريب القرآن»، و «تأويل مشكل القرآن» كلاهما لابن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ)، لوفرة شواهدِهِما، وتقدم وفاة مؤلفهما، واعتماد من جاء بعده من المفسرين على كتبه. كما رجعت إلى غير هذه المصادر من كتب التفسير والغريب والمعاني واللغة والنحو وشروح الشواهد والشعر الجاهلي حسب الحاجة، في بعض المسائل لحاجة البحث إلى ذلك، ورغبة في اكتمال الصورة. • منهج البحث: انتفعتُ في بَحثي بالمنهجِ الوصفيِّ والتحليليِّ معًا في البحث العلمي، مع اللجوءِ للإحصاءِ رغبةً في الحصولِ على نتائجَ دقيقةٍ بقدر الطاقة، خاصةً في دراسة الشعراءِ الذين اعتمدَ عليهم المفسرون في الاستشهاد، والقبائل التي ينتمي إليها شعراءُ الاحتجاجِ، والنسب الإحصائية ذات الدلالة، كما استفدت من المنهج التاريخي في بعض

стр. 11

المسائل التي تطلبت ذلك، فكان المنهجُ التوفيقيُّ الذي يَجمعُ بين مناهجِ البحث العلميِّ المتبعةِ في الدراسات العلميَّةِ المعاصرة هو المنهجَ الذي سِرتُ عليهِ في هذا البحث، وسلكت في كتابة البحث المنهج الآتي: - وضعت الآيات بين قوسين للآيات القرآنية هكذا ﴿﴾. - عزوت الآيات إلى سورها من القرآن الكريم، وذلك بكتابة اسم السورة ورقم الآية بعدها مباشرة في الحاشية. - خرَّجت الأحاديث والآثار التي وردت في البحث من مصادرها المعتمدة من كتب السنة النبوية، فإن كان الحديث أو الأثر مخرجًا في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بذلك وإلا خرجته من الكتب والمصادر الأخرى ونقلت حكم أهل الحديث عليه. - جَمعت الأقوال والمسائل التي تتعلق بموضوع البحث من الكتب الأساسية في البحث في بطاقات، وقد زاد عدد هذه البطاقات عن عشرة الآف بطاقة، ثم رتبت هذه البطاقات بحسب موضوعاتها، ووضعتها في مكانها من البحث، ثُمَّ جَمعتُ كل ما استطعت الوصول إليه من معلومات متعلقة بالبحث في كتب التفسير الأخرى، وكتب علوم القرآن، واللغة، والنقد الأدبي، وشروح الشعر الجاهلي، وغيرها، وأخذ مني ذلك وقتًا طويلًا، ولم أكتب خلال ذلك شيئًا في الموضوع غير ما دونته في تلك البطاقات، وكنت كلما أعدت قراءة هذه البطاقات بدا لي جانب من البحث واتضح، فأضطر إلى إعادة قراءة ما كنت كتبته مرات أخرى، ولم أبدأ في الكتابة إلا بعد أن اتضح لي الموضوع اتضاحًا كاملًا، وأرجو أن لا يكون نَدَّ عني شيءٌ ذو بالٍ إِنْ شاء الله، ثُمَّ شَرَعتُ في الكتابة بعد ذلك مُسترشدًا بتوجيهات المشرفَين الكريِمَين وفقهما الله. - اعتمدت على المصادر الأصلية في كل مسألةٍ بِحسبها، ما استطعت، فإن لم أجد لجأت إلى المصادر المتأخرة عنها.

стр. 12

- عند الإحالة إلى المرجع أو المصدر في أول موضع أكتفي بذكر عنوان الكتاب إن كان مشهورًا ولا أذكر اسم المؤلف إلا عند الاشتباه، ثُمَّ أُتبعهُ بالجزء والصفحة، وأذكر تفصيلًا كاملًا عن المرجع في ثَبت المراجع والمصادر في نِهاية البحث. - نسبت الشواهد الشعرية الواردة في البحث إلى قائليها، إلا ما لم يعرف له قائل، فأكتفي بكتابة: لم أعثر عليه، أو لم أجده، وقد اعتمدت الإحالة إلى ديوان الشاعر الأصلي، أو المجموع، وإلا أحلت إلى المراجع الأدبية المعتمدة التي ذكرت الشاهد، وربما لا أجد من نسب الشاهد قبل المرجع الذي أنقل منه، فأحيل إلى مراجع متأخرة لمن أراد مصدرًا آخر، لا لتوثيقه. - ما أنقله بنصه فإني أضعه بين قوسين مزدوجين هكذا «»، وما نقلته بمعناه أكتفي بالإشارة إليه في الحاشية بعد عبارة (انظر: ). - عرَّفتُ بالأعلام غير المشهورين في الرسالةِ بإيجازٍ، وأحلت إلى مرجع أو مرجعين للاستزادة، وأَتبعتُ اسمَ العَلَمِ في المَتْنِ بذكرِ سنةِ وفاتهِ إِنْ رأيتُ حاجةً لذلك في فهم المسألةِ وتسلسلها التاريخي، وأما الشعراءُ فأَحَلْتُ إلى تَرجَمتِهم في طبقات الشعراء لابن سلَّام، والشعر والشعراء لابن قتيبة، لكونِهما مِنْ أوثقِ المصادر المتقدمة في ترجَمة الشعراء، فإن لم أجد الشاعرَ فيهما، أو في أحدهما أَحلتُ إلى مصادر أخرى. - لا أطيل في مناقشة الأمثلة التي أوردها بتحقيق المسائل التي اشتملت عليها مما لا علاقة له بالشاهد الشعري؛ لأن الغرض التمثيل، ورغبة في تركيز البحث في موضوع الشاهد الشعري، دون الاستطراد إلى مسائل أخرى بُحِثَتْ بَحثًا مُستقلًا في دراسات مطبوعة، وأكتفي بالإحالة إلى مواضع بحث هذه المسائل.

стр. 13

- رُبَّما طال القول في بعض مباحث الرسالة، وذلك حين تكون القضية مِمَّا له صلة بجوهر موضوع الرسالة ولا سيما المباحث التمهيدية، فإنَّ الإيجاز يُذهبَ الوضوح المقنع، وقد حرصت على التوسط دون الإطالة. - اقتضت طبيعة موضوع الرسالة، وطبيعة الخطة التي التزمتها في البحث تكرار بعض الشواهد، والتقريرات في مواضع متفرقة من الدراسة، ولم يكن بوسعي العدول عن ذلك، مع حرصي على التقليل من ذلك، وجعله في أضيق الحدود، وإن كان المثال المكرر صالحًا للموضعين معًا. - لعلَّ من المفيد أن أذكر أنني حين بدأت في دراسة الشاهد الشعري في كتب التفسير لم يكن يدفعني إلا الموضوع نفسه، ولم يكن نصب عيني غاية بذاتها أتوخاها وأرمي إلى إقامة الدليل عليها، غير الغاية المُجرَّدة التي سينتهي إليها البحث الموضوعي وحده، فقد لحظت هذه الظاهرة في كتب التفسير فأردت أن أتتبعها لأرى هل لها من أثر في التفسير أم لا، ولذا فلم يكن من المُحبِط لي أَنَّنِي لم أجد في بعض المباحث أَثرًا كبيرًا للشاهد الشعري في كتب التفسير، بل اعتبرت ذلك نتيجةً مهمةً من نتائج البحث العلمي التي يرمي إليها، فقد يقرأ الباحث كتابًا يستغرق منه الوقت الطويل ثُمَّ لا يَخرجُ منه بشيء يفيده في بحثه. • خطة البحث: قَسَّمتُ خطةَ البحث بعدَ هذه المقدمةِ التي بينت فيها أهمية الموضوع وأسباب اختياره، ومنهج البحث، إلى تَمهيدٍ، وبابَيْن وخاتِمة. أما التمهيد فهو مدخلٌ عَرَّفتُ فيه الشِّعرَ في اللغة والاصطلاح ثمَّ تَحدثتُ حديثًا مُختصرًا عن نشأة الشعر العربي والأقوال التي قيلت في ذلك، ثم تطرقت بعد ذلك إلى الأثر الذي أحدثه الإسلام في الشعر، ثُمَّ

стр. 14

ختمتُ التمهيدَ ببيان الحكم الشرعي الفقهيِّ في الشِّعرِ، وحكم الاستشهادِ به في تفسير القرآن الكريم وضوابط ذلك. وكانت بقيةُ تفاصيلِ الخطةِ على النحو الآتي: الباب الأول: الشعر وموقف علماء السلف من الاستشهاد به في تفسير القرآن الكريم. اشتمل على فصلين: الفصل الأول: الشاهد الشعري، فيه سبعة مباحث: المبحث الأول: تعريف الشاهد الشعري. المبحث الثاني: أنواع الشواهد الشعرية. المبحث الثالث: الشاهدُ الشعري المُحْتَجُّ به. المبحث الرابع: عيوب الشاهد الشعري. المبحث الخامس: مصادر الشعر المُحتج به. المبحث السادس: صلة الشاهد الشعري بالتفسير اللغوي. المبحث السابع: الرد على التشكيك في الشعر الجاهلي، وخطره على تفسير القرآن. الفصل الثاني: الاستشهاد بالشعر في التفسير وموقف السلف منه، فيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: منهج الصحابة في الاستشهاد بالشعر في التفسير. المبحث الثاني: تحقيق مسائل نافع بن الأزرق من حيث ثبوتها وحجيتها. المبحث الثالث: منهج التابعين وأتباعهم في الاستشهاد بالشعر في التفسير. الباب الثاني: مناهج المفسرين في الاستشهاد بالشعر وأثر الشاهد الشعري في التفسير. يشتمل على ثلاثة فصول:

стр. 15

الفصل الأول: مناهج المفسرين في الاستشهاد بالشعر، فيه خمسة مباحث: المبحث الأول: منهجهم في إيراد الشاهد الشعري. المبحث الثاني: مدى اعتمادهم على الشاهد الشعري في التفسير. المبحث الثالث: منهجهم في شرح الشاهد الشعري ودلالته على المعنى المراد. المبحث الرابع: منهجهم في توثيق الشاهد الشعري. المبحث الخامس: أغراض إيراد الشاهد الشعري عند المفسرين. الفصل الثاني: مناهج أصحاب كتب معاني القرآن وغريب القرآن في الاستشهاد بالشعر، فيه سبعة مباحث: المبحث الأول: المقصود بأصحاب كتب المعاني وأصحاب كتب الغريب. المبحث الثاني: الفرق بين كتب المعاني وكتب الغريب. المبحث الثالث: منهجهم في إيراد الشاهد الشعري. المبحث الرابع: مدى الاعتماد على الشاهد الشعري عندهم. المبحث الخامس: منهجهم في توثيق الشاهد الشعري. المبحث السادس: الفرق بين مناهج أصحاب هذه الكتب والمفسرين في توظيف الشاهد الشعري. المبحث السابع: أغراض إيراد الشاهد الشعري عندهم. الفصل الثالث: أثر الشاهد الشعري في تفسير القرآن، فيه أحد عشر مبحثًا:

стр. 16

المبحث الأول: أثره في إيضاح المعنى. المبحث الثاني: أثره في توجيه القراءات. المبحث الثالث: أثره في الجانب العَقَديِّ عند المفسرين. المبحث الرابع: أثره في الجانب الفقهي. المبحث الخامس: أثره في الترجيح بين الأقوال. المبحث السادس: أثره في بيان الأساليب القرآنية. المبحث السابع: أثره في نسبة اللغات للقبائل. المبحث الثامن: أثره في الحكم بعربية بعض الألفاظ وفصاحتها. المبحث التاسع: أثره في بيان الأحوال التي نزلت فيها الآيات. المبحث العاشر: أثره في معرفة الأماكن. المبحث الحادي عشر: صلة الشعر الجاهلي بإعجاز القرآن الكريم. الخاتِمة، لخصت فيها أهمَّ نتائج البحث. الفهارس، اشتملت على الفهارس الآتية: ثبت المصادر والمراجع. فهرس الموضوعات. * * * وبعدُ، فهذا جهد علمي متواضع، في موضوعٍ فيه قدرٌ من الصعوبةِ لاتصاله بعِلمين من أكبَرِ علومِ الإسلام، وهُما التفسير والعربية، وقد عانيت في بداية البحث من الغموض الشديد الذي أحاط بي، ثُمَّ ما لبث أَنْ تَبدَّدَ شيئًا فشيئًا، بفضل الله ثُمَّ بتوجيهاتِ المُشرِفَين على هذا

стр. 17

البحث وفقهما الله؛ وذلك لكثرة المسائل التي ينبغي التطرق لها، ودراستها في عدد كبير من المصادر، وتفرقِ جُزئياتِها في كتب كثيرة متباعدة. وإِنَّ ما تضمنه هذا البحث، من الجديد في تفسير ظواهر الاستشهاد بالشاهد الشعري في كتب التفسير وتاريخها، والمناهج التي اتبعت في ذلك، والأثر الذي تركته في كتب التفسير، إِنَّما هو حصيلة ما تيسر من معلومات في كتب محددةٍ من كتب التفسير وغريب القرآن ومعانيه، أرجو أن تكون صحيحةً في أكثرها، إلا أَنَّها ليست آخر ما يُمكن قوله في هذا الموضوع، بل هي - كما أرجو لها - فاتحة منهج صحيح - إن شاء الله - في دراسة هذا الأمر في بقية كتب التفسير، ولذا فإني مدين سلفًا لكل من يصحح رأيًا في هذا البحث، أو يقوم خطأ، أو يوضح غامضًا، فإن الأمر يتعلق بكتاب الله العزيز، وإذا كان هذا مطلبًا في سائر البحوث، فإنه في بحث يتصل بالقرآن وتفسيره أولى. وأخيرًا فإنِّي أشكرُ اللهَ الذي أَعانَ ووفَّقَ لإتمامِ هذا البحث على هذا الوجه، وأسأل الله أنْ ينفعَ بِه، وأَن يَجزي كُلَّ مَنْ أسدى إليَّ عَونًا لإنجازهِ خَيْرَ الجزاء في الدنيا والآخرة. وأخص بالشكر والتقدير والدعاء الأستاذين الكريِمين المشرفَيْنِ على هذا البحث وهُما أستاذي الكريم الأستاذ الدكتور محمد بن عبدالرحمن الشايع الأستاذ بقسم القرآن وعلومه بالكلية المشرف على هذه الرسالة، والأستاذ الكريم الدكتور تركي بن سهو العتيبي عميد البحث العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، والأستاذ بقسم النحو والصرف وفقهِ اللغة بكلية اللغة العربية المشرف المساعد، اللذين لم يبخلا عليَّ بأَيِّ توجيهٍ وتعليمٍ وتقويمٍ طيلةَ إعدادي لهذا البحثِ، وأسأل الله أن

стр. 18

يجعلَ ما قَدَّماهُ في موازين حسناتهما، وأن يكتب لهما أجزل الأجر والثواب. كما أشكر أصحاب الفضيلة الذين تفضلوا بقبول قراءة هذا البحث وتقويِمِه، سائلًا الله تعالى أن يكتب لهم الأجر والثواب على حسن صنيعهم. وأختم بشكر شقيقي الدكتور زاهر بن معاضة الشهري الذي كان لي خير أخ ومعين طيلة إعداد هذه الرسالة بدعمه المتواصل، وتشجيعه المستمر، فشكر الله له، وجزاه عني خيرًا. والله الموفق، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... المؤلف ١٥/ ٨/ ١٤٢٦ هـ amshehri@gmail.com * * *

стр. 19

التَمهيد تعريف الشِّعرِ في اللغة . الشِّعْرُ في اللغةِ مأخوذٌ من قولهم: شَعَرْتُ بالشيءِ إذا علمتُهُ وفطنتُ لهُ، فاشتقاق لفظة الشِّعْرِ من العلم والإدراك والفطنة. ومنه قولهم: ليت شِعري، أي علمي (١). وفي القرآن الكريم: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩] (٢)، أي: وما يُدريكم (٣). وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ٩] (٤) أي: لا يعلمون، ولا يدرون. (٥) وسُمِّي الشاعرُ بذلك لفطنته لِما لا يَفطنُ له غيره من الناس لدقةِ حسِّهِ، ورهافة خاطره (٦). والشعرُ لغةً يشملُ كلَّ علمٍ، ولكنَّه غَلَبَ على منظومِ القول لشرفهِ بالوزن والقافية، وكونه قريضًا محدودًا بعلاماتٍ لا يُجاوزُها (٧). تعريف الشعر في الاصطلاح . عُرِّفَ بتعريفات (٨) من أمثلها أنه الكلام الموزون المُقَفَّى المقصودُ

стр. 20

الذي يُصوِّرُ العاطفة (١). (فالكلامُ) جنسٌ يدخل فيه كلُّ كلامٍ، من الشعر وغيره. و(الوزنُ) يُخرِجُ ما ليس موزونًا من الكلام. والمراد بالوزن ما كان على بُحورِ الشعر العربي التي استخرجها الخليل بن أَحْمد (٢) من شعر العرب وهي خَمسة عشر بحرًا، تدارك الأخفش (٣) على الخليل واحدًا هو البحر السادس عشر وسَمَّاهُ المتدارك (٤). و(المقفَّى) هو انتظام الشعر في قافية واحدة، وهي «الساكنان آخر البيت وما بينهما من الحروف المتحركة - إن وجدت - مع المتحرك الذي قبل الساكن الأول» (٥). مثال ذلك، قول امرئ القيس (٦): قِفَا نَبْكِ من ذكرى حَبيبٍ ومَنْزِلِ ... بِسِقْطِ اللِّوى بينَ الدخولِ فَحَوْمَلِ (٧) فالقافية هي كلمة «حَوْمَلِ». حيث يشكل حرف الواو أقرب حرف ساكن لآخر حرف في البيت، مع ما قبله وهو حرف الحاء هنا.

стр. 21

و (المقصود) يخرج الكلام الموزون الذي لم يقصد به الشعر، كبعض الآيات التي جاءت على بعض الأوزان العروضية كقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] (١)، وقوله تعالى: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [الشرح: ٣، ٤] (٢) فإنه كلام موزون مقفى لكنه ليس بشعر لعدم القصد إلى الشعر فيه على اصطلاح الشعراء (٣). ويخرج كذلك كلام النبي ﷺ الموزون لعدم القصد إلى الشعر كذلك، وهكذا كلام غيره. ولذلك نصَّ التهانوي (٤) على ذلك فعرَّف الشعرَ بأَنَّه «الكلام الموزون المقفى الذي قصد إلى وزنه وتقفيته قصدًا أوليًا» (٥)، فالمعنى عند الشاعر تابعٌ للوزن غالبًا، بِخلافِ غيره، فإِنَّ المعنى هو الأصلُ، والوزنُ يأتي عَرَضًا غَيْرَ مقصود. وتقييدُ الشعر بأَنَّهُ يُصوِّرُ العاطفة يُخرجُ النَّظمَ الذي لا يُصوِّرُ العاطفةَ، وإِنَّما يكونُ مقصورًا على نظمِ مسائل العلومِ (٦). نشأة الشعر: لم تكن الجاهليةُ التي سبقت الإسلام مباشرة البدايةَ الأولى لتاريخِ العرب عند كثير من الباحثين، فقد سبقتها جاهلية أو جاهليات قديمةٌ سَمَّاها الله ﴿الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] (٧)، وليس هناك تَحديدٌ لزمن تلك الجاهلية أو الجاهليات، وإِنْ كان المفسرون ذهبوا في تَحديدِ زمنها

стр. 22

مذاهبَ كثيرةٍ (١). ومع الخلاف في تحديد زمنها، فظاهر الآيات يدل على أَنَّها ليست القرون القليلة التي سبقت الإسلام؛ لأَنَّ الله وصفها بالجاهلية الأولى، والله قد ذكر الجاهلية دون وصف في ثلاث آيات، وهي قوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] (٢)، وقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠] (٣)، وقوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٦] (٤)، فيستدل من ذلك ومن سياق هذه الآيات أَنَّ المقصود بالجاهلية الأخرى الجاهلية القريبة من الإسلام. ووصفُ الزَّمنِ بالجاهلية بِهذا المعنى من الألفاظِ الإسلامية الحادثة التي طرأت بعد الإسلام للدلالة على زمن الشرك قبل الإسلام. قال الطاهر بن عاشور (٥): «وأحسبُ أَنَّ لفظَ الجاهليةِ من مبتكراتِ القرآن، وصفَ به أهلَ الشركِ تَنفِيْرًا من الجهل، وترغيبًا في العلم، ولذلك يذكرهُ القرآنُ في مقاماتِ الذمِّ ... وقالوا: شعر الجاهلية، وأيَّامُ الجاهلية، ولم يُسْمَعْ ذلكَ كُلُّه إلَّا بعد نزولِ القرآن وفي كلام المسلمين» (٦). والقبائل العربية التي عاشت في الجزيرة امتدادٌ تاريخي لقبائل سبقتها، ذُكِرت في القرآن الكريمِ كعاد وثَمود، وذكرهم المؤرخون مثل قبائل طَسْم (٧)

стр. 23

وجَدِيس (١). ووصفهم بالعَربِ البائدةِ، لا يعني الفناء الكاملَ للأفراد، وإِنَّما يعني زوال كيان القبيلة واندثار اسْمها، مع بقاء آحادِ أو ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨)﴾ [الفرقان: ٣٨] مَجموعات دخلت في القبائل الأخرى الباقية. والله وصف عادًا بـ ﴿الْأُولَى﴾ في آيةٍ واحدةٍ في سورة النجم فقال: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠)﴾ [النجم: ٥٠] (٢)، وذكرها في ثلاث وعشرين سورة أخرى دون وصف (٣). وأشار إلى قبائل أخرى غيرها فقال: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨)﴾ [الفرقان: ٣٨] (٤). وهذه القبائلُ سكنت جزيرةَ العرب، فقد أخبر الله تعالى عن موطن قوم هود ﵇ فقال: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف: ٢١] (٥)، وأشار إلى قوم صالح ﵇، وهم ثَمود، الذين يَقطنون الحِجْرَ (٦)، فسمَّاهم الله أصحابَ الحِجْرِ في قوله: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠)﴾ [الحجر: ٨٠] (٧)، وسُمِّيت سورتان في القرآن الكريمِ بالحِجْرِ والأحقافِ (٨) إشارةً إلى هذين الموضعين. وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾ [آل عمران: ٩٦] (٩). وذكرت كتب التاريخ أَنَّ طَسْمًا وجَديسًا وسواهُما كانت في اليمامةِ وفي مواضعَ أُخرى من الجزيرة (١٠).

стр. 24

إِنَّ عرب الجاهلية الأخيرة هم امتداد لمن سبقهم، ومرحلة حديثة من مراحلهم، والقبائل العربية القديمة كانت لها لغتها أو لغاتها ولهجاتها التي لا يعرفُ الكثير عنها، وتلك اللغة تدرجت في مراحل حتى وصلت إلى المرحلة الأخيرة من اللغة العربية التي نُظِمت بِها قصائدُ الشعر الجاهلي، ثُمَّ نزل بِها القرآن الكريم. ولذلك فالعرب قَديِمو الوجود في الجزيرة العربية، وقد سبقوا عرب الجاهليةِ الأَخيرةِ بقرون لا يعرفُ عددُها. فالبحث في نشأة الشعر العربي أو أوليته - كالبحث في نشأة العرب أنفسهم، ولغتهم العربية - يعتمد على الظنِّ والتقريبِ، والأدلة الظنيَّة، ولا يوجد لِمَن كتب في هذا الأمر دليلٌ قاطعٌ يُحدِّدُ أولية الشعر العربي، والسبب أَنَّ البحث في أوليات الأمور يَحتاجُ إلى نصوصٍ موثقةٍ يعتمدُ عليها الباحث، ويُمحِّصها، ويُفاضل بينها، ويستخلص منها نتائجهُ، وإذا لم تتوفر هذه النصوص والأدلة - وهو الحاصل في هذه القضية - فإِنَّ البحث يصبح نوعًا من التيه. أَضِفْ إلى ذلك أَنَّ أكثرَ من عُنِيَ بالآثارِ، وقراءة النقوش هم من المستشرقينَ الغربيين، وهم مَحلُّ شَكٍّ كبيرٍ في البحث في تاريخ العرب، حيث يَحرصُ أغلبهم على طمس فضائل العرب، وإنكار تاريخهم وحضارتهم، لا نطلاقهم في بُحوثِهم تلك من منطلقاتٍ عَقَديَّةٍ معاديةٍ للعَربِ (١). والذين حاولوا معرفة أولية الشعر الجاهلي ربطوه بِحَربِ البَسُوسِ (٢)

стр. 25

التي دارت رحاها بَين بكرٍ (١) وتغلبَ (٢) منذ أوائل القرن الخامس الميلادي، حيث ترجعُ إليها أقدمُ مجموعة من الشعر العربي التي تستند إلى مصادر صحيحة نسبيًا، لشعراء مشهورين في تاريخ العرب الأدبي، ومن هؤلاء الشعراء المهلهل بن ربيعة (٥٣٠ م) (٣)، والمرقش ... الأكبر (٥٥٢ م) (٤)، والمرقش الأصغر (٥)، وسعد بن مالك البكري (٥٣٠ م) (٦)، والحارث بن عُباد البكري (٥٥٠ م) (٧)، وغيرهم (٨). وأما قبل هذا التاريخ

стр. 26

فإنه من الصعوبة تحديد تاريخ دقيق للزمن الذي بدأَ فيه العربُ بقول الشعر؛ لأن الأدلة لا تساعد على الجزم برأيٍ قاطع، ولم يعثر العلماءُ على شعرٍ مُدوَّنٍ بقلمٍ جاهليٍّ، وكل ما يُعرفُ عن هذا الشعرِ مستمدٌّ من مواردَ إسلامية، أَخَذتْ من أفواه الرواة، وكل المحاولات التي بذلت في ذلك من باب المقاربة لا القطع. يقول الرافعي (١): «وقد تصفحنا التواريخ العربية، وأرجعنا ما نقلوه عن أهل الرواية - وهم مصدر آداب الجاهلية وأخبارها - فرأينا أن ما كتبوه من ذلك إذا صلحَ أَن يُنقل، فهو لا يصلحُ أَنْ يُعقَل» (٢). وهذه من أكبر المشكلات التي تواجه الباحث في الشعر الجاهلي، لأَنَّ ما وصل من شعر الجاهلية منسوبًا لشعراء معروفين كأصحاب المُعلَّقاتِ يُعدُّ شعرًا متكاملَ النضجِ، تامَّ البناءِ، ولا بد أَن يكون قد سُبِقَ بمرحلةٍ بدأ فيها الشعرُ بدايةً ضعيفةً، ثُمَّ تكاملَ وقوي نسجهُ بعد ذلك، حتى استتمَّ على هيئته القائمة. ولذلك فقد اختلف الباحثون في تحديد تاريخ بداية الشعر الجاهلي تحديدًا دقيقًا، فمنهم من ذهب بعيدًا في أعماق التاريخ وزعم أنَّ الشعر العربيَّ سبق الإسلام بألفي سنة (٣)، وبعضهم ذهب إلى أَنَّهُ سبقهُ بألفِ سنة (٤)، وبعضهم ذهب إلى أَنَّه سبقه بأكثر من سبعة قرونٍ، وحدد تلك البداية بِحادثةِ سيلِ العَرِمِ، وتَفرُّقِ أبناءِ سبأ (٥) اليمنيين في الجزيرة

стр. 27

العربية (١). ومنهم من ذهب به إلى القرن الثالث الميلادي (٢). وجُلُّ مَن كتب في نشأةِ الشعر العربيِّ يدور حولَ ما قاله الجاحظ (٢٥٥ هـ) (٣): «وأَمَّا الشعرُ فحديث الميلادِ، صغيرُ السَّنِّ، أَولُ من نَهَجَ سبيلَه، وسهَّلَ الطريقَ إليه امرؤ القيس بن حُجْر، ومهلهل بن ربيعة. وكتبُ أرسطا طاليس (٤)، ومعلمه أفلاطون (٥)، ثم بطليموس (٦)، وديمقراطس (٧)، وفلان وفلان، قبل بدء الشعر بالدهور قبل الدهور، والأحقاب قبل الأحقاب ... فإذا استظهرنا الشِّعرَ، وجدنا له إلى أن جاء الله بالإسلام خمسين ومائة عام، وإذا استظهرنا بغاية الاستظهار فمائتي عام» (٨). وقد شرح محقق الكتاب معنى كلام الجاحظ هذا (٩)، وشرحه غيره محاولًا الوصول إلى الطريقة التي قدَّر الجاحظُ بِها عُمُرَ الشعرِ الجاهلي، وتوصل إلى أن مقالة الجاحظ «أَنَّ الشعرَ حديثُ

стр. 28

الميلاد، صغيْرُ السِّنِّ» قضيةٌ باطلةٌ، لا برهان عليها، وليس لها دليل، وأَنَّ غاية ما يبقى من استظهار الجاحظ هذا هو أَنَّ شعر مهلهل، وابن اخته امرئ القيس مِن أقدمِ ما بقي من شعر الجاهلية (١). ويقول الجاحظ في موضع آخر من كتابه: «وقد قيلَ: الشعرُ قبل الإسلام في مقدارٍ أطولَ مِمَّا بيننا اليوم وبين أول الإسلام» (٢)، والجاحظ قد توفي سنة ٢٥٥ هـ. والجاحظ وغيره من العلماء الذين قالوا بمدة مائة وخمسين سنة تقريبًا أو أكثر للشعر الجاهلي لم يبعدوا عن الصواب إذا فُرِضَ أَنَّهم إِنَّما أرادوا بذلك ما وصل من الأشعارِ القديمةِ الموثوق بِها، بِحيثُ لا يَرتابُ الرواة الثقاتُ في صحة هذه الأشعار ونسبتها لأولئك الشعراء، وأما عُمْرُ الشعر نفسه فهو أقدم من ذلك بكثير، ولا يستطيع أحدٌ أن يزعم معرفة ذلك التاريخ بدقة، فالأبيات المفردة، والمقطعات عمرها أطول من ذلك بكثير، ولم يقف أحد على أولها، ولذلك يقول السيوطي (٣): «وقال عُمَرُ بنُ شَبَّةَ (٤) في «طبقات الشعراء»: للشعرِ والشعراءِ أَوَّلٌ لا يُوقَفُ عليه، وقد اختلف في ذلك العلماءُ، وادَّعت القبائلُ كلُّ قبيلةٍ لشاعرها أَنَّهُ الأولُ، ولم يدَّعوا ذلك لقائل البيتين والثلاثة؛ لأَنَّهم لا يُسمُّون ذلك شعرًا، فادعت اليمانيةُ لامرئ القيس، وبنو أسد لعَبيدِ بن الأبرص (٥)،

стр. 29

وتغلبُ لمهلهل، وبكر لعمرو بن قميئة (١) والمرقش الأكبر، وإياد لأبي دؤاد (٢). قال - أي عمر بن شبَّة: وزعم بعضهم أَنَّ الأفوهَ الأوديَّ (٣) أقدمُ من هؤلاءِ، وأَنَّهُ أَولُ من قَصَّدَ القصيدَ، قال: وهؤلاءِ النَّفَرُ المُدَّعى لهم التقدمُ في الشعرِ مُتقاربون، لعلَّ أقدمهم لا يسبقُ الهجرةَ بِمائةِ سنةٍ أو نحوها» (٤). وأكثر العلماء يَخصُّون المهلهل بن ربيعة بفضل ريادةِ الشعراء أصحاب القصيد، إذ يقول ابن سلام (٥): «وكان أول من قَصَّدَ القصائد، وذَكَر الوقائع المهلهل بن ربيعة» (٦). ويقول الأصمعي (٧): «أول من تُروى له كلمة تبلغ ثلاثين بيتًا من الشعر مهلهل، ثم ذؤيب بن كعب بن عمرو بن تَميم (٨)، ثُم

стр. 30

ضَمْرةُ، رجلٌ من كنانةَ، والأضبطُ بن قُريع (١) وكانَ بينَ هؤلاء وبين الإسلام أربعمائة سنة، وكان امرؤ القيس بعد هؤلاء بكثير» (٢). والظاهرُ أَنَّ المرحلة التي سبقت حربَ البَسوسِ كانت مرحلةَ مقطوعات وأبيات متفرقة كما وصلت وحفظها الرواة، وهو ما عَبَّرَ عنه ابن سلام الجُمحيُّ بقولهِ: «ولم يكن لأوائلِ العربِ من الشعرِ إِلاَّ الأبياتُ يقولُها الرجلُ في حاجته» (٣). وقد ذهب بعض الباحثين إلى أَنَّ أول الشعراءِ هو خُزيِمةُ بن نَهْدٍ القضاعي (٤)، واستندَ هذا الباحث في هذا التقديم إلى قول أبي عُبيد البكري (٥): «إِنَّ شِعرَهُ -أي خزيمة- أَوَّلُ الشِّعْرِ» (٦). وقد تدل هذه المقطعات على غَيْرِها، غير أَنَّهُ لم يُحفظ ذلك الشعرُ، والأمر في هذا قريب، وكثير من القضايا التاريخية الموغلة في القدم، يصعب الوصول فيها إلى دليل قاطع؛ لغياب الخَبَرِ الموثوق. وكتبُ التفسير تذكرُ شواهدَ شعريةً لشعراء قبل مهلهل، فهناك شاهدٌ شعري منسوبٌ لآدم ﵇ (٧)، .............

стр. 31

ولزُهَيْرِ بن جَنابٍ الكلبيِّ (١)، وغيرهم من الشعراء الذين قيل: إِنَّهم أولُ الشعراء، ولكنَّها أبياتٌ قليلة. وأكثر الأقوال والشواهد الشعرية في كتب التفسير واللغة والنحو منسوبةٌ للشعراء المعروفين الذين حُفظت أشعارهم من المهلهل بن ربيعة وطبقته حتى آخرِ عصور الشعراءِ المُستشهدِ بشعرهم. وما سوى ذلك من الشعراء المختلف فيهم وفي زمنهم فالأبيات المنسوبة إليهم قليلةٌ لا تكاد تذكر في باب الشواهد الشعرية العلمية التي هي مَحلُّ البحث، وسيتضح هذا في موضعه. ولذلك فالعلماء بالشعر قد انتخبوا من الشعراء مَن يقع الاحتجاج بشعرهم في غريب اللغة، وتفسير القرآن، والنحو، والأخبار لِكثرتِهم، ولم يتعرضوا لكل الشعراء لتعذر ذلك عليهم، ولذلك يقول ابنُ سلام: «ذكرنا العربَ وأشعارها، والمشهورين المعروفين من شعرائها وفُرسانِها وأشرافها وأيامها؛ إذ كان لا يُحاطُ بشعر قبيلةٍ واحدة من قبائل العرب، وكذلك فرسانها وساداتها وأيامها، فاقتصرنا من ذلك على ما لا يَجهلهُ عالِمٌ، ولا يستغني عن علمه ناظرٌ في أمر العرب، فبدأنا بالشعر» (٢). ويقول ابن قتيبة (٣): «وكان أكثر قصدي للمشهورين من الشعراء، الذين يعرفُهم جُلُّ أهلِ الأدب، والذين يقعُ الاحتجاج بأشعارهم في

стр. 32

الغريب، وفي النحو، وفي كتاب الله عَزَّوَجَلَّ، وحديث رسول الله ﷺ » (١). هذا كله عن أولية الشعر من حيث الزمن، أما من الناحية الفنية فقد اختلف الباحثون حولها، فبعض العلماء يرى أن الرَّملَ هو المرحلة الفنية الأولى التي بدأ بِها الشعر، فقد رويَ أَنَّ قيس بن عاصم التميمي (٢) قدم على رسول الله ﷺ فقال يومًا، وهو عنده: أتدري يا رسول الله أَوَّلَ مَن رَجَزَ للإبلِ؟ قال: لا، قال: أبوك مُضَرُ، كان يسوقُ بأهلهِ ليلةً، فَضَربَ يَدَ عبدٍ له، فصاح: وا يداه، وا يداه، فاستوسقت الإبلُ، فَنَزَلَ، فرَجَزَ على ذلك (٣). فهو أولُ مَن حَدا إن صحت هذه الرواية، وقد استعمل الناس الحداء بالشعر بعده، وتزيدوا فيه شيئًا بعد شيء (٤). وأما الباحثون المتأخرون فيذهبون إلى أن السجع هو البداية الفنية التي عرفها العرب، ومن هؤلاء المستشرق كارل بروكلمن (٥) الذي يقول: «ينبغي أن يكون أقدم القوالب الفنية هو السَّجعُ» ثم يقول: «والسجعُ هو القالب الذي كان يصوغ العرَّافونَ والكهنةُ فيه كلامَهم وأقوالهم كما جاء في القرآن» (٦). وذهب بعض الأدباء إلى أن السَّجعَ ترقَّى بعد ذلك إلى الرَجَزِ (٧)، أما الرافعي فيكتفي بالقولِ: إِنَّ الشعر كان قبلَ مهلهل رَجَزًا

стр. 33

وقطعًا (١)، وبعض الباحثين يقف من تلك المحاولات الأولى لفن الشعر موقفًا يرفض فيه تلك الفروض التي رجحها المستشرقون وغيرهم من الأدباء، ويشك في أن يكون الرَّجَزُ هو أقدم أوزان الشعر، فيقول: «وكلُّ ما يُمكنُ أَن يقالَ هو أَنَّ الرَّجزَ كان أكثر أوزان الشعر شيوعًا في الجاهلية؛ إذ كانوا يرتجلونه في كل حركةٍ من حركاتِهم، ولكنَّ شُيوعَهُ لا يعني تقدُّمهُ ولا سَبقهُ للأوزان الأخرى، إِنَّما كان يعني أَنَّهُ كان وزنًا شعبيًا لا أقلَّ ولا أكثر» (٢). ويقترب من هذا الرأي ما ذهب إليه الدكتور إبراهيم أنيس من أَنَّ بَحرَ الرَّجَزِ مرحلةٌ متطورةٌ عن بحر الكامل؛ نظرًا لِما لا حظَهُ من أَنَّ اللغةَ العربية تتجه من المتحرك إلى الساكنِ، وليس العكس (٣). وهناك من لا يعدُّ الرَّجَزَ من الشعرِ، فقد نقل عن الخليلِ بن أَحْمدَ أَنَّ الرَّجَزَ ليسَ بشعرٍ، وإِنَّما هو أَنصافُ أبياتٍ أو أثلاث (٤)، وهذه مسألة تعرض لها نقاد الشعر بتفصيل (٥). أثر الإسلام في الشعر: لم يَدَعِ الإسلامُ جانبًا من جوانب حياة العرب في الجاهلية إلا أتى عليه فغيَّرهُ أو قوَّمهُ وهذَّبه، والشعرُ من أَهمِّ جوانبِ الحياة العربية، وقد تأثر الشعر العربي بالإسلام تأثرًا كبيرًا، وظهر هذا للدارسين بعد جَمعِ شعرِ صدر الإسلامِ ودراسته، وبعض الباحثين يزعم أنه لم يكن للإسلام تأثير في الشعر (٦). وهذه الدعوى تعني أن الإسلام لم يُحدِث أثرًا على

стр. 34

ثقافةِ المُجتمعِ، ولم يكن هناك أثر للإسلام في الثقافة والشعر إلا في فترة متأخرة (١). وهناك من الباحثين من يرى أن فن الهجاء ظلت معايِيْرهُ جاهليةً دون تغيِيْرٍ بعد مَجيء الإسلام (٢)، وأن المديح ظلَّ يتغنَّى بالصفات الجاهلية التي كان الجاهليون يَعدُّونَها المَثَلَ الأعلى (٣)، ومثل ذلك يقال في شعر الحرب والفخر والرثاء، هذا من ناحية الأغراض والموضوعات. أما ناحية الأساليب فيرون أن الشعراء لم يهجروا ما درجوا عليه في الجاهلية من أساليب، فلم يتأثروا بأسلوب القرآن الكريم في التذكير والوعد والوعيد والمحاجة ونحوها من الأساليب، ويرون أَنَّهُ إن صحَّ أَنْ يُقالَ: إِنَّ هناك تغيرًا ما فيقال في حقِّ شعراءِ المدينةِ فحسب (٤). وقد أرجع بعض الباحثين السبب الذي حَملَ هؤلاء الباحثين على القول بأنه لم يكن هناك أثر يذكر للإسلام على الشعر وعلى الشعراء الذين عاصروا صدر الإسلام إلى عدم توفرِ نصوصٍ كافيةٍ تُمثلُ أَدب هذا العصر، بسبب إهمالِ الرواة لها في كتب الأدب والشعر، في حين حفلت بها كتبُ السيرةِ وكتب التراجم، وهو مع ذلك متفرق فيها لا تكاد تَجدهُ مُجتمعًا في كتاب منها دون كتاب (٥). وسبب آخر يُمكن إضافته وهو أَنَّ هناك من الباحثين من يخلط بين موقف النبي ﷺ من الشعر، وبين نفي صفة الشاعرية عن القرآن والنبي ﷺ ، وذكروا أنَّ الإسلام قد قَلَّلَ من شأن الشعرِ، وذَكَرَهُ في موطنِ الذمِّ. والصحيحُ عند الباحثين المطلعين على شعر هذه المرحلة أَنَّها قد

стр. 35

حفلت بعددٍ كبير من الشعراء، وأنَّ هناك نصوصًا كثيرة تتيح للدارس أن يحكم عليه حكمًا منصفًا. والحديث عن أثر الإسلام في الشعر يعني التعرض لناحيتين من أغراض الشعر: أولاهما: الأغراض التي تطورت من حال إلى حال. والأخرى: تلك التي طمسها الإسلام ومحاها. وإذا كان الذين يتحدثون عن أثر الإسلام في الشعر إِنَّما يتجهون إلى الأغراض التي تطورت، فإِنَّ معرفة الأغراض التي تُركت تُعطي دلائلَ لا تقلُّ عن الدلائل التي تعطيها معرفة الأغراض التي تغَيَّرت؛ إذ هي أكثر أهمية منها وأصدق دلالةً في أحايين كثيرة. فمن الأغراض التي خَمَدت الهجاءُ الفاحشُ، والمديحُ الكاذبُ، والمبالغة فيه، والحديثُ عن الخمرِ ووصفها، وإثارة الشرور والأحقاد، والفخر بالقبيلة والأحساب والأنساب ونحوها من الأغراض. وأما الأغراض التي ظهرت بعد الإسلام فهي الدعوة للإسلام، ومدح الدين الجديد، ومدح النبي، والرد على المشركين، والحث على الجهاد، وأصبح الشعراء أكثر حذرًا في جانب العبارات التي يقولونها من ذي قبل، لوازع الدين في نفوسهم، ومخالطة هذا الدين لقلوبهم. حكمُ الشعرِ: ذُكِرَ الشعرُ في القرآن الكريم في مواضع متعددة، كلها وردت في المرحلة المكية إلا موضعًا واحدًا، تحديًا للمشركين، وردًا على زعمهم أن القرآن الكريم ما هو إلا شعر وأوهام، وأن النبي ﷺ ما هو إلا شاعر كغيره من الشعراء. وهذه الآيات هي قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾ [يس: ٦٩] (١)، وقوله تعالى: ﴿بَلْ

стр. 36

قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥)﴾ [الأنبياء: ٥]﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)﴾ [الصافات: ٣٦، ٣٧] (٢). وقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠)﴾ [الطور: ٢٩، ٣٠] (٣). وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣)﴾ [الحاقة: ٤٠ - ٤٣] (٤). هذه كلها آيات مكية وردت للرد على مزاعم المشركين، وهي لا تدل على ذم الشعر، فمبناها واضح، وسياقها ظاهر، تتحدث عن القرآن، وتؤكد أنه ليس بشعر، وعن النبي ﷺ وأنه ليس بشاعر ولا كاهن، وأن هذا القرآن من رب العالمين، وليس من وحي الخيال الذي توسوس به الشياطين. والحديث عن الشعر في كل ما وردَ في القرآن يتحدث عن الشاعر وليس عن الشعر. ولذلك قال ابن العربي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾ [يس: ٦٩] (٥): «هذه الآية ليست من عيب الشعر، كما لم يكن قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ [العنكبوت: ٤٨] (٦) من عيب الخط. فلمَّا لم تكن الأميَّةُ مِن عيبِ الخَطِّ، كذلك لا يكون نفيُ النظم عن النبي ﷺ مِنْ عَيبِ الشِّعرِ» (٧). إن مسألة نفي الشعر عن القرآن الكريم مسألة أساسية لا علاقة لها بحكم الشعر في الإسلام، وكذلك نفي صفة الشاعر عن النبي مسألة أساسية ولا شأن لها بموقف الإسلام من الشعر، فهذان أمران يخصان الدعوة الإسلامية، ومصدرها الإلهي، والثقة بالنبي ﷺ وليس فيهما ما

стр. 37

يغض من قيمة الشعر أو يحض على الانصراف عنه. ولِتَنْزِيهِ القرآن الكريم عن أن يكون شعرًا، وبُعدهِ عن طرائق الشعر أسبابٌ، منها ما في أذهان العرب من قَرْنِ الشِّعرِ بالشيطنةِ والشَّرِّ، وصلته بالموسيقى والغناء، ولِمَكان القرآن من التحدي، ولأن روح الشعر بعيدة عن الالتزام، وقد كان القرآن دعوةً ملتزمةً بِمَنهجٍ لا تحيد عنه، خالفتْ الشعرَ في الغايةِ فبعدت عن مناهجه وطرائقه (١). وهناك سورة في القرآن سُمِّيت باسم الشعراء لذكرهم في بعض آياتها، يقول الله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٧] (٢). وهذه الآيات تذكر الشعراءَ بصيغةِ العُمومِ، ولكنَّ المقصودَ بِها شعراءُ قريش الذين ناصبوا الإسلام العداء ومن أشهرهم عبدالله بن الزِّبَعْرى (٣) قبل إسلامه الذي أثار الخواطر ضد المسلمين بعد وقعة بدر (٤)، وهُبَيْرةُ بن أبي وَهب المخزوميُّ (٥)، وأميَّةُ بن أبي الصَّلت (٦)، ويدخل معهم كُلُّ من سلكَ بالشعر مسلكَ الكذبِ والهجاءِ، وما حُرِّمَ في الإسلام.

стр. 38

ولهذا فُسِّرت الآية بأنه «لا يتبعهم على باطلهم وكذبهم وفضول قولهم وما هم عليه من الهجاء، وتَمزيق الأعراض والقَدحِ في الأنساب، والنسيب بالحُرَمِ، والغزل، والابتهار، ومدح من لا يستحق المدح، ولا يستحسن ذلك منهم ولا يطربُ على قولهم إِلاَّ الغاوون والسفهاء» (١). والصدق هو العنصر الذي يطلبه الإسلام في الشعر، والشعراء يصعب عليهم الالتزام بهذه الصفة، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)﴾ [الشعراء: ٢٢٥، ٢٢٦] (٢). وهيامهم في كل واد معناه اعتسافهم الطريق والغلو ومجاوزة حد الاعتدال، وتخييل الجبان شجاعًا، والبخيل جوادًا. والمقصود بالغاوين في أقوال أهل التفسير أولئك السفهاء من الغوغاء والأعراب وغيرهم الذين يجتمعون إلى شعراء قريش المشركين يستمعون أشعارهم وأهاجيهم في الرسول ﷺ ورسالته (٢). وسيرة النبي ﷺ تدل على أَنَّه قد استنشدَ الشعرَ واستحسنَهُ، ومدحَ قائله، وأجازَ عليهِ، وعفا بسببه عمَّن يستحقُّ العقابَ، وقَبِلَ وسيلةَ مَن توسَّلَ به، وشَفَّع من استشفع به. والصحابةُ كان فيهم الشعراء ومَن يستنشد الشعرَ ويُجيز عليه. ولذلك قال أنس بن مالك ﵁: «قدم علينا رسولُ الله ﷺ المدينة، وما في الأنصارِ بيتٌ، إلا وهو يقولُ الشعرَ» (٣). والنبي كان ﷺ له منهم شعراء يهجون المشركين، ويُجيبونَهم ويُحامون عن النبي ﷺ ، منهم حسَّانُ بن ثابت (٤)، ...............................................

стр. 39

وكعب بن مالك (١)، وغيرهما ﵃. وأما الأحاديث التي ورد فيها ذكر الشعر فهي كثيرة، وقد صنَّفَ الحافظُ عبدالغني المقدسيُّ جزءًا في الشعر (٢)، وكذا الإمام ابن سيّد الناس اليعمريّ (٣)، ولا تكادُ تَجد مُسندًا أو جامعًا من كتب الحديث إِلا وفيهِ بابٌ أو كتاب للشِّعرِ، وسأقتصر على بعض هذه الأحاديث. ١ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أصدق كلمة قالها شاعر، كلمة لبيد (٤): أَلا كُلُّ شَيءٍ مَا خَلا اللهَ بَاطِلُ (٥) وكاد أُميَّةُ بنُ أبي الصَّلتِ أَن يُسلم» (٦). ٢ - عن عائشة ﵂ أَنَّ حسان بن ثابت ﵁ استأذن رسولَ الله ﷺ في هجاء المشركين، فقال رسول الله ﷺ : «فكيف بِنَسَبِي؟ ». فقال حسان: لأسلنَّكَ منهم كما تُسَلُّ الشَّعْرةُ من العجين (٧).

стр. 40

٣ - وأمر النبي ﷺ حسانَ بذلك فقال: «اهجهم - أو هاجهم - وجبريل معك». (١) ٤ - قال ﷺ : «إِنَّ من الشِّعْرِ حِكمةً» (٢). ٥ - عن الشَّريدِ (٣) ﵁ قال: ردفتُ رسولَ الله ﷺ يومًا فقال: «هل معكَ من شعرِ أميةَ بن أبي الصلت شيءٌ؟ قلت: نعم. قال: هيه. فأنشدته بيتًا، فقال: هيه - أي: زدني -، ثم أنشدته بيتًا فقال: هيه، حتى أنشدته مائة بيت (٤). ٦ - أَقَرَّ النبيُّ ﷺ صحابته على قول الشعر وسَماعهِ وإنشاده واستنشاده في حضرته، فعن جابرِ بنِ سَمُرةَ ﵁ قال: كان أصحابه يتذاكرون عنده الشعر وأشياء من أمورهم، فيضحكونَ، ورُبَّما تَبَسَّم ﷺ (٥). كل هذه الأحاديث تدلُّ على أنَّ النبي ﷺ كان يُرخِّصُ في قولِ الشِّعرِ، بل ويأمرُ به للردِّ على المشركين، ويستنشدُ بعضَ الصحابةِ. مِمَّا يدلُّ على جوازهِ، وجُمهورُ الفقهاء من المذاهب الأربعة المتبوعة مجمعون على جوازه وإباحته، وهو المنقول عن عامة أهل العلم قديمًا
следующие страницы →