← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 148084

الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم أهميته، وأثره، ومناهج المفسرين في الاستشهاد به

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

Полный текст (950 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥)﴾ [الأنبياء: ٥]﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)﴾ [الصافات: ٣٦، ٣٧] (٢). وقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠)﴾ [الطور: ٢٩، ٣٠] (٣). وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣)﴾ [الحاقة: ٤٠ - ٤٣] (٤). هذه كلها آيات مكية وردت للرد على مزاعم المشركين، وهي لا تدل على ذم الشعر، فمبناها واضح، وسياقها ظاهر، تتحدث عن القرآن، وتؤكد أنه ليس بشعر، وعن النبي ﷺ وأنه ليس بشاعر ولا كاهن، وأن هذا القرآن من رب العالمين، وليس من وحي الخيال الذي توسوس به الشياطين. والحديث عن الشعر في كل ما وردَ في القرآن يتحدث عن الشاعر وليس عن الشعر. ولذلك قال ابن العربي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾ [يس: ٦٩] (٥): «هذه الآية ليست من عيب الشعر، كما لم يكن قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ [العنكبوت: ٤٨] (٦) من عيب الخط. فلمَّا لم تكن الأميَّةُ مِن عيبِ الخَطِّ، كذلك لا يكون نفيُ النظم عن النبي ﷺ مِنْ عَيبِ الشِّعرِ» (٧). إن مسألة نفي الشعر عن القرآن الكريم مسألة أساسية لا علاقة لها بحكم الشعر في الإسلام، وكذلك نفي صفة الشاعر عن النبي مسألة أساسية ولا شأن لها بموقف الإسلام من الشعر، فهذان أمران يخصان الدعوة الإسلامية، ومصدرها الإلهي، والثقة بالنبي ﷺ وليس فيهما ما

стр. 37

يغض من قيمة الشعر أو يحض على الانصراف عنه. ولِتَنْزِيهِ القرآن الكريم عن أن يكون شعرًا، وبُعدهِ عن طرائق الشعر أسبابٌ، منها ما في أذهان العرب من قَرْنِ الشِّعرِ بالشيطنةِ والشَّرِّ، وصلته بالموسيقى والغناء، ولِمَكان القرآن من التحدي، ولأن روح الشعر بعيدة عن الالتزام، وقد كان القرآن دعوةً ملتزمةً بِمَنهجٍ لا تحيد عنه، خالفتْ الشعرَ في الغايةِ فبعدت عن مناهجه وطرائقه (١). وهناك سورة في القرآن سُمِّيت باسم الشعراء لذكرهم في بعض آياتها، يقول الله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٧] (٢). وهذه الآيات تذكر الشعراءَ بصيغةِ العُمومِ، ولكنَّ المقصودَ بِها شعراءُ قريش الذين ناصبوا الإسلام العداء ومن أشهرهم عبدالله بن الزِّبَعْرى (٣) قبل إسلامه الذي أثار الخواطر ضد المسلمين بعد وقعة بدر (٤)، وهُبَيْرةُ بن أبي وَهب المخزوميُّ (٥)، وأميَّةُ بن أبي الصَّلت (٦)، ويدخل معهم كُلُّ من سلكَ بالشعر مسلكَ الكذبِ والهجاءِ، وما حُرِّمَ في الإسلام.

стр. 38

ولهذا فُسِّرت الآية بأنه «لا يتبعهم على باطلهم وكذبهم وفضول قولهم وما هم عليه من الهجاء، وتَمزيق الأعراض والقَدحِ في الأنساب، والنسيب بالحُرَمِ، والغزل، والابتهار، ومدح من لا يستحق المدح، ولا يستحسن ذلك منهم ولا يطربُ على قولهم إِلاَّ الغاوون والسفهاء» (١). والصدق هو العنصر الذي يطلبه الإسلام في الشعر، والشعراء يصعب عليهم الالتزام بهذه الصفة، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)﴾ [الشعراء: ٢٢٥، ٢٢٦] (٢). وهيامهم في كل واد معناه اعتسافهم الطريق والغلو ومجاوزة حد الاعتدال، وتخييل الجبان شجاعًا، والبخيل جوادًا. والمقصود بالغاوين في أقوال أهل التفسير أولئك السفهاء من الغوغاء والأعراب وغيرهم الذين يجتمعون إلى شعراء قريش المشركين يستمعون أشعارهم وأهاجيهم في الرسول ﷺ ورسالته (٢). وسيرة النبي ﷺ تدل على أَنَّه قد استنشدَ الشعرَ واستحسنَهُ، ومدحَ قائله، وأجازَ عليهِ، وعفا بسببه عمَّن يستحقُّ العقابَ، وقَبِلَ وسيلةَ مَن توسَّلَ به، وشَفَّع من استشفع به. والصحابةُ كان فيهم الشعراء ومَن يستنشد الشعرَ ويُجيز عليه. ولذلك قال أنس بن مالك ﵁: «قدم علينا رسولُ الله ﷺ المدينة، وما في الأنصارِ بيتٌ، إلا وهو يقولُ الشعرَ» (٣). والنبي كان ﷺ له منهم شعراء يهجون المشركين، ويُجيبونَهم ويُحامون عن النبي ﷺ ، منهم حسَّانُ بن ثابت (٤)، ...............................................

стр. 39

وكعب بن مالك (١)، وغيرهما ﵃. وأما الأحاديث التي ورد فيها ذكر الشعر فهي كثيرة، وقد صنَّفَ الحافظُ عبدالغني المقدسيُّ جزءًا في الشعر (٢)، وكذا الإمام ابن سيّد الناس اليعمريّ (٣)، ولا تكادُ تَجد مُسندًا أو جامعًا من كتب الحديث إِلا وفيهِ بابٌ أو كتاب للشِّعرِ، وسأقتصر على بعض هذه الأحاديث. ١ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أصدق كلمة قالها شاعر، كلمة لبيد (٤): أَلا كُلُّ شَيءٍ مَا خَلا اللهَ بَاطِلُ (٥) وكاد أُميَّةُ بنُ أبي الصَّلتِ أَن يُسلم» (٦). ٢ - عن عائشة ﵂ أَنَّ حسان بن ثابت ﵁ استأذن رسولَ الله ﷺ في هجاء المشركين، فقال رسول الله ﷺ : «فكيف بِنَسَبِي؟ ». فقال حسان: لأسلنَّكَ منهم كما تُسَلُّ الشَّعْرةُ من العجين (٧).

стр. 40

٣ - وأمر النبي ﷺ حسانَ بذلك فقال: «اهجهم - أو هاجهم - وجبريل معك». (١) ٤ - قال ﷺ : «إِنَّ من الشِّعْرِ حِكمةً» (٢). ٥ - عن الشَّريدِ (٣) ﵁ قال: ردفتُ رسولَ الله ﷺ يومًا فقال: «هل معكَ من شعرِ أميةَ بن أبي الصلت شيءٌ؟ قلت: نعم. قال: هيه. فأنشدته بيتًا، فقال: هيه - أي: زدني -، ثم أنشدته بيتًا فقال: هيه، حتى أنشدته مائة بيت (٤). ٦ - أَقَرَّ النبيُّ ﷺ صحابته على قول الشعر وسَماعهِ وإنشاده واستنشاده في حضرته، فعن جابرِ بنِ سَمُرةَ ﵁ قال: كان أصحابه يتذاكرون عنده الشعر وأشياء من أمورهم، فيضحكونَ، ورُبَّما تَبَسَّم ﷺ (٥). كل هذه الأحاديث تدلُّ على أنَّ النبي ﷺ كان يُرخِّصُ في قولِ الشِّعرِ، بل ويأمرُ به للردِّ على المشركين، ويستنشدُ بعضَ الصحابةِ. مِمَّا يدلُّ على جوازهِ، وجُمهورُ الفقهاء من المذاهب الأربعة المتبوعة مجمعون على جوازه وإباحته، وهو المنقول عن عامة أهل العلم قديمًا

стр. 41

وحديثًا (١). وهناك من نقل عنه كراهيته للشعر (٢). وهناك أحاديث وردت في ذم الشعر يحتج بها من يقول بكراهة الشعر بل بعضهم يبالغ فينهى عنه، وأهمها ما رواه أبو هريرة ﵁ مرفوعًا: «لأَنْ يَمتلئَ جوفُ رجلٍ قَيحًا حتى يَرِيَهُ خير من أن يَمتلئَ شعرًا» (٣). من الوَرْي على وزن الرَّمْي، وهو الداء. يقال: وَرِيَ يَرِي فهو مُورِي، إذا أصاب جوفه الداء (٤). وسئلت عائشة ﵂: هل كان رسول الله ﷺ يتسامع عنده الشعر؟ قالت: كان أبغض الحديث إليه (٥). وقد نَبَّهَ العلماء على مناسبة هذا الحديث بِما يُزيلُ الإشكالَ، وقيل إِنَّ «مناسبة هذه المبالغةِ في ذمِّ الشعر أَنَّ الذين خُوطبوا بذلك كانوا في غايةِ الإقبال عليه، والاشتغالِ به، فزجرهم عنه ليُقبلوا على القرآنِ، وعلى ذكر الله تعالى وعبادتهِ، فمَنْ أخذَ من ذلك ما أُمِرَ بهِ لم يَضرُّهُ ما بقي عنده مِمَّا سوى ذلك» (٦).

стр. 42

وورد في رواية للحديث أن الرسول ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لأَنْ يَمتليءَ جوفُ أحدكم قيحًا ودمًا خيرٌ له من أن يَمتليء شعرًا يهجو به النَّاسَ ويؤذيهم» (١)، وفسَّرتُهُ عائشة ﵂ بقولِها: «يعني الهجاء منه» (٢). وهذه الأحاديث التي وردت في الذمِّ مَحمولةٌ على مَنْ أقبلَ على الشِّعرِ واشتغلَ به عن الذِّكرِ والصلاة وطاعة الله تعالى، وعلى مَن أقبل على شعر اللهو والعَبَثِ والباطل. ولذلك بَوَّبَ البخاريُّ في صحيحه: «بابُ ما يُكرهُ أَنْ يكونَ الغالبُ على الإنسانِ الشعرَ حتى يَصُدَّهُ عن ذكر اللهِ والعلمِ والقرآن» (٣). ولذلك قال بعض العلماء: «وحَدُّ ما دون الامتلاء أن يعلم المرءُ ما يَلزمهُ، ويَروي مع ذلك من الشعر ما شاء» (٤). وأما قول عائشة ﵂ فهو محمول على بغض الشعر الذميم الذي يفيض بالفحش وهتك الأعراض (٥). ويلخص الحكم ما روته عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : «الشعر بِمنْزِلةِ الكلام، حَسَنُهُ كَحَسَنِ الكلامِ، وقَبيحُهُ كقَبيحِ الكلامِ» (٦).

стр. 43

فالشعر فيه الحكمة، وفيه الفحش «وليس أحدٌ من كبار الصحابةِ، وأهل العلمِ، وموضعِ القدوةِ إلا وقدْ قالَ الشعرَ، وتَمثَّلَ به، أو سَمِعَهُ فرضيه، وذلك ما كان حِكمةً، أو مباحًا من القول، ولم يكن فيه فُحشٌ ولا خَنَى، ولا لِمُسلمٍ أذى، فإنْ كان ذلك فهو أَو المنثورُ من الكلام سواء، لا يَحِلُّ سَماعهُ ولا قوله» (١). وقد أجاب الإمام الذهبي على سؤال حول حكم الشعر فقال: «وكذلك الشعر هو كلام كالكلام، فحَسَنُهُ حَسَنٌ، وقَبيحهُ قَبيحٌ، والتوسعُ منه مباح، إلا التوسع في حفظِ مثل شعر أبي نُواس وابنِ الحَجَّاجِ (٢) وابنِ الفارضِ (٣) فإِنَّهُ حَرامٌ، قال في مثلهِ نَبِيُّكَ: «لأن يَمتلئَ جوفُ أحدكم قيحًا حتى يَرِيَهُ خَيْرٌ له من أَن يَمتلئَ شعرًا»» (٤). وليس معنى نفي الشعر عن النبي ﷺ أنه لا يفهم الشعر ولا يستجيده، بل هو يفهمه ويتذوقه، ومن الأدلة على ذلك أَنَّهُ حين طلب من الشعراء أَنْ يدفعوا أذى قريش وهجاءها، جاءه علي بن أبي طالب فصَرَفه، وعبدالله بن رواحة فلم يعجبه هجاؤه، وكعب بن مالك فاستحسنه، ودعا لهم جَميعًا، غير أَنَّه لما هجاهم حسان بن ثابت ﵁ قال: «لقد شَفَى واشتَفى» (٥).

стр. 44

كما إنه «يُروى أن رسول الله ﷺ سَمِعَ كعب بن مالك يُنشدُ: أَلَا هَل أَتَى غَسَّانَ عَنَّا ودُونَنَا ... مِن الأَرضِ خَرْقٌ غَوْلُهُ مُتَتَعْتِعُ مُجَالَدَنا عَن جِذْمِنا كُلّ فَخْمةٍ ... مُذرَّبَةٍ فيها القَوانسُ تَلْمَعُ (١) فقال: «لا تقل: عَنْ جِذْمِنا، وقل: عَنْ دِينِنا. فكان كعب يقرأ كذلك، ويفتخر بذلك، ويقول: ما أعانَ رسولُ الله ﷺ أحدًا في شعره غيري» (٢). مِمَّا يدل على معرفته بنقد الشعر وفهمه له ﵊. وروى السكريُّ أَنَّ كعب بن زهير ﵁ عندما أنشد قوله في وصف راحلته بين يدي الرسول ﷺ : وَجْناءُ في حُرَّتَيْها لِلبَصِيْرِ بِها ... عِتْقٌ مُبِيْنٌ وفي الخَدَّيْنِ تَسْهِيلُ استوقفه الرسول ﷺ وسأل الصحابة: "ما حُرَّتاها؟ " فقال بعضهم: عيناها، وسكت بعضهم. فقال رسول الله ﷺ : "هما أذناها"، نسبهما إلى الكرم. (٣) وذكر الزهري ما كان يحفظه النبي ﷺ من الشعر فقال: «كان رسول الله لا يقول من الشعر إلا ما قد قيلَ قبله» (٤)، أي أَنَّه كان يَحفظ من شعر الجاهلية. حكم الاستشهاد بالشعر في التفسير: أما حكم الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن، فقد نُقِلَ عن الإمام أحمد بن حنبل أنه «سُئِلَ عن القرآن تَمثلَ له الرجل بشيء من الشعر،

стр. 45

فقال: «ما يُعْجِبُنِي» (١). وقد انتقد بعضُ العلماء النحويين؛ لاستشهادهم بالشعر في تفسير القرآن وقالوا: «إذا فعلتم ذلك، جعلتم الشعرَ أصلًا للقرآن ... وكيف يَجوزُ أَن يُحتجَّ بالشعر على القرآن، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾ [الشعراء: ٢٢٤] (٢)، وقال النبي ﷺ : «لأَنْ يَمتلئَ جوف أحدكم قيحًا حتى يريه، خير له من أن يمتلئَ شعرًا؟ » (٣). كما استغرب ابن حزم من صنيع اللغويين فقال: «ولا عَجَبَ أَعجبُ مِمَّن إن وجدَ لامرئ القيسِ، أو لزهير (٤)، أو لجرير (٥)، أو الحطيئة، أو الطرماح، أو للشماخ، أو لأعرابيٍّ أسديٍّ أو سُلَميٍّ، أو تَميميٍّ، أو من سائر أبناء العربِ بوالٍ على عقبيه لفظًا في شِعْرٍ أَو نَثرٍ جَعَلَهُ في اللغة، وقطعَ بهِ، ولم يعترض فيه، ثم إذا وجد لله - تعالى - خالقِ اللغاتِ وأَهلِها كلامًا، لم يلتفت إليه، ولا جعله حجةً، وجَعَلَ يصرفُهُ عن وجهه، ويُحرِّفه عن مواضعه، ويتحيل في إحالتهِ عمَّا أوقعهُ اللهُ عليهِ، وإذا وجد لرسول الله ﷺ كلامًا فعل به مثل ذلك. وتالله لقد كان محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم قبل أن يكرمه الله تعالى بالنبوة وأيام كونه فتى بِمكةَ بلا شك عند كل ذي مُسْكةٍ من عَقْلٍ أعلم بلغة قومه وأفصح فيها وأولى بأن يكون ما نطق به من ذلك حجةً من كل خِنْدِفيٍّ وقيسيٍّ وربيعيٍّ وإياديٍّ وتيميٍّ وقُضاعيٍّ وحِميريٍّ،

стр. 46

فكيف بعد أن اختصه الله تعالى للنِّذَارةِ (١) واجتباه للوساطةِ بينه وبين خلقهِ وأجرى على لسانه كلامَهُ وضَمِنَ حفظه وحِفظَ ما يأتي به؟ » (٢). وقال الرازي: «إذا جوزنا إثبات اللغة بشعرٍ مَجهولٍ، منقول عن قائلٍ مجهولٍ، فلأن يَجوزَ إثباتُها بالقرآنِ العظيم كان أولى ... وكثيرًا أرى النحويين يتحيَّرونَ في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن، فإذا استشهدوا في تقريره ببيتٍ مَجهولٍ فرحوا به، وأنا شديدُ التعجبِ منهم، فإِنَّهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المَجهولِ على وفقه دليلًا على صحته، فلأن يَجعلوا ورود القرآن به دليلًا على صحته كان أولى» (٣)، ويقول أيضًا: «والعَجَبُ من هؤلاء النحاةِ أَنَّهم يستحسنون هذه اللغةَ بِهذين البيتين المَجهولين، ولا يستحسنون إثباتَها بقراءةِ حَمزةَ ومُجاهد، مع أَنَّهما كانا من أكابر علماء السلف في علم القرآن» (٤) وهذه الأقوال من ابن حزم والرازي لا تدل على كراهية الاستشهاد بالشعر في التفسير واللغة، وغايتها التعجب من العناية بشعر العرب وشواهده، وإغفال شواهد القرآن والحديث. فأَمّا قول الإمام أحمد فظاهرهُ المنعُ من ذلك، غير أَنَّ بعض أصحابه قد ذهب به إلى الكراهة، أو أَنَّ المقصود به مَن يصرفُ الآية عن ظاهرها إلى معانٍ صالحةٍ مُحتملةٍ يدلُّ عليها القليل من كلام العرب، ولا يوجد غالبًا إلا في الشعر ونحوه، ويكون المتبادر خلافه. وكأَنَّ صنيعَ أبي عُبيدة مَعمر بن المُثَنَّى (٥) في «مَجازِ القرآن» كان دافعًا لقول الإمام

стр. 47

أحمد هذا، وسيأَتي تفصيلُ ذلك عند الحديث عن كتابِ أبي عُبيدة. وذكر الفراء الحنبلي (ت ٥٢٦ هـ) (١) في ذلك روايتين عن الإمام أَحْمد، وقال: «أصحُّهما لا يَجوزُ؛ لأن تفسيرَ القرآنِ يَجبُ أن يؤخذَ توقيفًا ... وفيه روايةٌ أخرى: يَجوزُ؛ لأنَّ القرآنَ عربيٌّ نَزلَ بلغتهم، فجازَ تفسيرهُ على معاني كلامهم» (٢). وقول الإمامِ أَحْمد: «ما يُعجبُنِي» محتملٌ لأكثرَ مِن وجهٍ من الكراهة وما فوقها، غَيْرَ أَنَّ عملَ السَّلفِ من لدنِ ابن عباس وحتى عصر الإمام أحمد وبعده موافق للرواية الثانية للإمامِ أَحْمد، فقد استشهدوا بالشعر على تفسير القرآن الكريم، ولم ينقل عن أحد منهم إنكارٌ على من فعل ذلك (٣)، بل نقل عن ابن عباس قوله: «إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر، فإنه ديوان العرب» (٤). وكان إذا سُئِل عن الشيء من عربية القرآن يُنْشِدُ الشعر (٥).

стр. 48

وكتبُ التفسيرِ حافلةٌ بالشواهد الشعرية، مما يدلُّ على أَنَّهم يرونَهُ جائزًا، وإن كان بعضُ العلماءِ يتورع عن مثل هذا، كما فعل أَحْمدُ بن فارس (١) عندما استشهد ببيتٍ للأَعشى (٢) وهو قوله: لو أَسْنَدَتْ مَيْتًا إِلى نَحْرِهَا ... عَاشَ وَلَمْ يُنْقَلْ إِلى قَابِرِ (٣) ثُمَّ استشهدَ بعدَهُ بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١)﴾ [عبس: ٢١] (٤)، حيث قال: «ولولا أَنَّ العلماءَ تَجوزُوا في هذا لَمَا رأينَا أَن يُجمعَ بينَ قولِ الله، وبينَ الشِّعْرِ في كتابٍ، فكيف في ورقةٍ، أو صفحةٍ، ولكنَّا اقتدينا بِهم، واللهُ تعالى يغفرُ لنَا، ويعفو عنَّا وعنهم» (٥). وغاية ما يدل عليه هذا النص ورعُ بعضِ العلماء عن الجمع في الاستشهاد بين الشعر والقرآن، مع إشارة ابن فارس إلى أَنَّ العلماء قد تواردوا على العمل بهذا في كتبهم ورواياتهم. ولذلك يقول ابن الأنباري بعد أن أوردَ خَمسين مسألة من مسائل سأل نافعُ بن الأزرقِ (٦) عنها عبدَالله بن عباس، فكان ابن عباس يجيبه

стр. 49

عن كل سؤال، ويستشهد على جوابه ببيت من الشعر: «وهذا كثير في الحديث عن الصحابة والتابعين - أي الاستشهاد بالشعر في التفسير - إلا أنا نجتزئ بما ذكرنا كراهيةً لتطويل الكتاب، وإنما دعانا إلى ذكر هذا أن جماعة لا علم لهم بحديث رسول الله صلى الله عليه [وسلم]، ولا معرفة لهم بلغة العرب، أنكروا على النحويين احتجاجهم على القرآن بالشعر» (١). وأَمَّا ما نُقِلَ عن بعض العلماء من إنكارهم على النحويين استشهادهم بالشعر في التفسير فقد ردَّ محمد بنُ القاسم الأنباري (ت ٣٢٨ هـ) (٢) هذا القول فقال: «فأمَّا ما ادَّعوه على النَّحويِّينَ مِنْ أنَّهم جعلوا الشِّعْرَ أصلًا للقرآنِ، فليس كذلك، إنَّمَا أرادوا أنْ يَتَبَيَّنُوا الحرفَ الغريبَ منَ القرآنِ بالشِّعْرِ؛ لأنَّ اللهَ يقولُ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] (٣)، وقالَ: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٥] (٤)، وقال ابن عباس: «الشعر ديوان العرب». فإذا خَفِيَ عليهم الحَرْفُ من القرآنِ الذي أنزلَه اللهُ بلغةِ العربِ، رجعوا إلى ديوانها فالتمسُوا معرفةَ ذلك منه ... » (٥). وما ذكره ابن حزم والرازي رحمهما الله من تعجبهم من صنيع اللغويين والعلماء في استشهادهم بالشعر، وتركهم للقرآن الكريم، فإن هذا لم يكن منهجًا لأحد من العلماء فيما اطلعت عليه، وإِنَّما المنهج الذي سار عليه العلماء أَنَّهم قد جعلوا القرآن أصلًا أصيلًا يُقَاسُ عليهِ، وأن الشعر يأتي بعد ذلك من حيث الاستشهاد والثقة، غير أن القرآن

стр. 50

الكريم مَحدودٌ، وأساليب العرب في الكلام أوسع من ذلك، فلجأ العلماء إلى الشعر لذلك، فالمعيب هو إسرافهم في الاعتماد على الشعر. والذي عليه العلماء، هو جواز الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم، وعدم وجود دليلٍ يَمنع من ذلك، بل إن البحث يذهب إلى أن القرآن الكريم نفسه هو الذي وجَّهَ إلى الاستشهاد بالشعر على التفسير، وهذا يُفهَمُ من قوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٥] (١)، وأمثالها من الآيات التي وصفت القرآن بأنه عربي مبين. يقول الشاطبي (٢): «وأما إذا نظرنا إلى الأمر في نفسه، فالاستشهاد بالمعنى، فإذا كان شرعيًا فمقبول، وإلا فلا» (٣). وقد فهم بعض الكُتَّابِ أمرَ الاستشهاد على تفسير القرآن بالشعر على غير وجهه، كما ذكر ابن الأنباري من أنهم قالوا أنَّهم جعلوا الشِّعْرَ أصلًا للقرآنِ، ونحو ذلك، ولإيضاح الأمر، فإن في القرآن الكريم كلمات ذات معانٍ ظاهرة يعرفها الناس كلهم، وهذه الكلمات لا يحتاج مفسر الآية إلى الاستشهاد عليها بشيء من الشعر أو النثر، وهذه كثيرة جدًا في القرآن الكريم. وفي القرآن كلمات ذات معانٍ متعددة، ومن هذه المعاني ما هو معروف متداول على ألسنة العرب، ومنها ما ليس كذلك. فإذا اقتضت البلاغة في نظر المفسر أن يحمل مثل هذه الكلمات على معنى غير المعنى المعروف لدى الجمهور من العرب احتاج إلى الاستشهاد بشعر العرب أو نثرها، بحيث تكون دلالته على هذا المعنى الذي ذهب بالآية

стр. 51

أو اللفظة المفردة إليه واضحةً، حتى لا يتردد في قبول التفسير من لم يقف على أن هذه الكلمة قد تستعمل عند العرب في غير المعنى المشهور الذي يعرفه غالب العرب. وفي القرآن كلمات غريبة، يحتاج المفسر عند بيان معناها إلى الاستشهاد بشيء من كلام العرب، حتى يعلم طالب العلم أن التفسير لم يخرج عن حدود اللسان العربي، فيطمئن إلى صحة التفسير لا إلى أن القرآن عربي، فإن هذا لا يشك فيه مؤمن عرف القرآن، ومارس العلم. وفي القرآن الكريم آيات تحتمل أوجهًا من الإعراب، ومن الواضح أن معنى الآية يختلف باختلاف وجه إعرابها، فقد يختار المفسر من الإعراب وجهًا يراه أليق بالبلاغة، أو أثبت بحكمة المعنى، ويكون هذا الوجه من الإعراب يستند إلى حكم عربي غير معهود لبعض أهل العلم، فيخشى إنكارهم لأن يكون هذا الوجه صحيحًا عربية، فيعمد إلى دفع هذا الإنكار بإقامة شاهد من لسان العرب على صحة ما ذهب إليه من الإعراب. فالاستشهاد بالشعر على صحة تفسير لفظةٍ أو جُملةٍ من القرآن الكريم قائم على دواعٍ معقولة، وقد يصيبُ المفسر الذي يستشهد بالشعر أو يُخطيءُ، وقد يذهب في الاستشهاد مذهبًا يوافق عليه، أو يعارض فيه، غير أن هذا بابٌ آخر غير باب الجواز من عدمه. المسائل التي يُستَشهَدُ لَها: لغة العرب من حيث الظهور وعدمه تنقسم إلى قسمين: الأول: الظاهر البَيّن الذي يعرفه الجميع، ولا يكاد يختلف فيه العرب. وهذا القسم هو غالب اللغة التي يتخاطب بها العرب، ونزل بها القرآن الكريم، وتحدث بها النبي ﷺ ، وهذا النوع لا حاجة إلى الاستشهاد عليه، لظهوره وعدم دخول الإشكال فيه، ويدخل في ذلك

стр. 52

المفردات والأساليب، فإن العلماء لم يستشهدوا على كثير من مسائل اللغة والنحو، كرفع الفاعل، ونصب المفعول ونحو ذلك، لوضوحها وظهورها، وعدم وجود الخلاف فيها بين العرب. ولذلك تجد في عباراتهم مثل قول ابن الأنباري: «فأما معنى الضجر فإنه لا يحتاج إلى شاهد لشهرته عند الناس» (١). وقوله أيضًا: «وكون «لا» بمعنى الجحد -النفي عند البصريين- لا يَحتاجُ إلى شاهد» (٢). الثاني: الغريب الذي لا يعرفه كل أحد، وإنما يختص بمعرفته أناس دون أناس، وهم العلماء الذين فُضِّلوا بِمَزيدِ معرفةٍ ودرايةٍ. وهذا النوع هو الذي يحتاج إلى الشواهد من كلام العرب لتحقيقه وتفسيره. وقد سُئِل ابن قتيبة «هل كانت العرب قبل نزول القرآن، وقبل مبعث النبي ﷺ تستوي في المعرفة من جهة اللغة بجميع الأسماء التي في القرآن، وما تحتها من المعاني؟ ». فأجاب ﵀ بقوله: «والعرب لا تستوي في المعرفة بجميع ما في القرآن من الغريب، والمتشابه، بل لبعضها الفضل في ذلك على بعض، والدليل عليه قول الله جل وعز: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] (٣)، ونحن نذهب إلى أن الراسخين في العلم يعلمونه على ما بَيَّنَّا، فأعلمنا الله ﵎ أن من القرآن ما لا يعلمه من العرب إلا من رسخ في العلم» (٤). ويقول ﵀ بعد ذلك: «وكذلك هي - أي العرب - في الغريب ليس كلها تستوي في العلم به، ولا كلامها كله واضحًا عندها، بل منه المبتذل، ومنه الغريب الوحشي الذي إنما يعرفه العالم منهم، وقد يختلفون في الحروف كما نختلف، ويقول العالم في الشيء يُسألُ عنه من اللغة: لا أعرفه، ويعرفه غيره، فيُخْبِرُ بهِ» (٥).

стр. 53

فالقسم الثاني من اللغة، وهو الغريب، هو الذي بالمفسر حاجة إلى الاستشهاد عليه بشعر العرب ونثرها، ليتضح معناه، وتطمئن النفس إلى صحته وسلامته. وقد ذكر الزركشي (١) قيدًا آخر عند حديثه عن التفسير الذي يرجع فيه إلى لغة العرب لفهمه، وهو أنه: «إن كان ما تتضمنه ألفاظها - أي اللغة - يوجب العمل دون العلم، كفى فيه خبر الواحد والاثنين، والاستشهاد بالبيت والبيتين، وإن كان مِمَّا يوجبُ العلمَ دون العمل لم يكف ذلك، بل لا بد أن يستفيض ذلك اللفظ، وتكثر شواهده من الشعر» (٢). وما ذكره الزركشي قد يُسَلَّمُ بصحته للناظرِ فيه لأولِ وَهْلَةٍ، ولكن عند تتبع الألفاظ الغريبة التي وردت في القرآن الكريم يجد أن ما ينبني عليه حكم شرعي عملي، يدخل في حيز القسم الأول، وهو الظاهر الذي لا يكاد يختلف فيه العرب، ولم يأت من الألفاظ الغريبة مِمَّا يترتبُ عليه حكمٌ علمي شيء يذكر، فكل ما يحتاجه المسلم المكلف في القرآن الكريم وفي السنة النبوية، قد ورد بأوضح عبارة، وأجلى بيان، كي لا يكون على المسلم حرج في فهم ما كلفه الله به. وأما ما ورد من الألفاظ الغريبة فإنه قد ورد في ثنايا القصص، والآيات الكونية، ونحو ذلك مِمَّا لا يتعلق به حكم اعتقادي أو عملي، ويمكن القول بأن الزركشي قد لجأ إلى هذا التقسيم احتياطًا منه، بأن لا يكتفى في تفسير ما يتعلق به حكم بما لا يكفي في إيضاحه وبيانه من

стр. 54

الشواهد، وذلك حتى يصان القرآن الكريم من حمله على لغات شاذة من لغات العرب، وقد أَكَّدَ المفسرون على قاعدة جليلة من قواعد التفسير، وهي أنه يحمل كلام الله على الغالب الظاهر من لغة العرب لا على النادر؛ «لأن كتاب الله جل ثناؤه نزل بأفصح لغات العرب، وغير جائز توجيه شيء منه إلى الشاذ من لغاتها، وله في الأفصح الأشهر معنى مفهوم، ووجه معروف» (١). ولا يَهُمُّ في الاستشهاد موضوع الشعر، فإنه يصح الاستدلال به على صحة اللغة ولو كان معناه فاحشًا، خلافًا لمن لا يرى ذلك. قال الجرجاني: «وقد استشهد العلماءُ لغريب القرآن وإعرابه بالأبيات فيها الفحش، وفيها ذكر الفعل القبيح، ثم لم يعبهم ذلك، إذ كانوا لم يقصدوا إلى ذلك الفحش ولم يريدوه، ولم يرووا الشعر من أجله» (٢). ***

стр. 55

الباب الأول: الشعر وموقف السلف من الاستشهاد به في التفسير . وفيه فصلان: الفصل الأول: الشاهد الشعري. الفصل الثاني: الاستشهاد بالشعر في التفسير وموقف السلف منه.

стр. 56

الفصل الأول: الشاهد الشعري . المبحث الأول: تعريف الشاهد الشعري. المبحث الثاني: أنواع الشواهد الشعرية. المبحث الثالث: الشاهدُ الشعري المُحْتَجُّ به. المبحث الرابع: عيوب الشاهد الشعري. المبحث الخامس: مصادر الشعر المُحتج به. المبحث السادس: صلة الشاهد الشعري بالتفسير اللغوي. المبحث السابع: الرد على التشكيك في الشعر الجاهلي، وخطره على تفسير القرآن.

стр. 57

المبحث الأول: تعريف الشاهد الشعري . دراسة تعريف الشاهد الشعري تقتضي دراسته لغة واصطلاحًا، وما يبنى على هذا التعريف الاصطلاحي من أوجه الاختلاف والاتفاق مع المثال، وكذلك المراد بالشاهد أهو موضع الاستشهاد أم البيت المستشهد به كله؟ وهل إطلاق الشاهد عليه من إطلاق البعض وإرادة الكل؟ وهذا المبحث متناولٌ هذه الأمور كلها. أولًا - التعريف: الشاهدُ لغةً: الشاهد: اسم فاعل من الفعل شَهِدَ، و (شَهِدَ) أصلٌ يدل على حُضُورٍ وعِلْمٍ وإعلامٍ، لا يخرج شيء من فروعه عن ذلك (١). أما الشاهد عند المفسرين فقد قال الكفوي (٢): «قال المفسرون: شَهِدَ بِمَعنى (بَيَّنَ) في حق الله، وبِمَعنى (أَقرَّ) في حق الملائكة، وبِمَعنى (أَقَرَّ واحتَجَّ) في حق أولي العِلمِ من الثَّقَلَيْنِ» (٣). ويطلق الشاهد في اللغة على معانٍ متعددة، منها الحاضر الذي يحضر الأمرَ ويشهده (٤).

стр. 58

ومنها اللسان، من قولهم: لفلان شاهدٌ حسنٌ، أي: عبارة جميلة (١). ومنها المَلَك، كما في قول الأعشى: فلا تَحسَبَنِّي كافرًا لكَ نِعمَةً ... عَلى شاهِدي يا شَاهِدَ اللهِ فاشْهَدِ (٢) فشاهده اللسان، وشاهد الله جل ثناؤه هو المَلَكُ (٣). ومنها الشاهد عند القاضي والحاكم، وهو الذي يبين ما يعلمه ويشهد به أمام القاضي (٤)، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧] (٥)، وغير ذلك من المعاني (٦). والشواهد التي يُستشهد بِها في التفسير واللغة والنحو وغيرها متعددة منها القرآن الكريم، وكلام العرب نثرًا وشعرًا، ويدخل في النثر الحديث النبوي، والأمثال، والخطب وغيرها، ومن أجل ذلك قيد وصف الشاهد بالشعري ليخرجَ ما عداه من أنواع الشواهد الأخرى. الشاهد الشعريُّ اصطلاحًا: الشاهد عند أهل العربية - كما يقول التهانوي- هو «الجزئي الذي يُستشهدُ به في إثبات القاعدة، لكون ذلك الجزئي من التنْزيلِ، أو من كلام العرب الموثوق بعربيتهم» (٧). وعلى هذا التعريف للشاهد ملحوظتان: إحداهما: أنه قيَّدَ وظيفةَ الشاهد بـ «إثبات القاعدة». ووظيفة الشاهد عند علماء العربية تتجاوز إثبات القاعدة وتأكيدها، إلى الحكم بصحة

стр. 59

اللفظة، والتركيب، وبيان ما قد يعتري القاعدة من الشذوذ وعدم الاطراد، إلا إذا كان التهانوي يعني أن الشواهد التي أوردها العلماء لما خالف القاعدة لا يقصد بها إثبات قاعدة جديدة، وإنما جيء بها لبيان ما ورد عند العرب مخالفًا لتلك القاعدة، وأنه من القلة بمكان فلا يلتفت إليه، ومثل هذا يؤدي في النهاية إلى تثبيت القاعدة الأولى وترسيخها. الثانية: قد يُفْهَمُ من عبارة «الجزئي» أن المقصود هو موضع الشاهد فحسب، لا الجملة المشتملة على ذلك الشاهد، سواء أكانت شاهدًا شعريًا أم نثريًا، في حين أن المقصود بالشاهد هو جملة الشاهد كلها. وكثير ممن شرح الشواهد الشعرية يذكر البيت المستشهد به ثم يقول: الشاهد في البيت كذا (١). من ذلك قول الشَّنْتَمَريّ (٢) بعد إيراده بيت الأعشى: أَقُولُ لَمَّا جاءَنِي فَخْرُهُ ... سُبحانَ مِنْ عَلْقَمةَ الفاخِرِ (٣) «الشاهد فيه نصب «سُبْحَانَ» على المصدر، ولزومها للنصب من أجل قلة التمكن ... » (٤). وأحيانًا يطلق الشاهد على البيت كله دون تعيين لموضع الشاهد منه، كما في «شرح أبيات الجمل» لابن السِّيْدِ البَطَلْيَوْسي (٥) حيث يقول في شرح بيت المرار الأسدي:

стр. 60

لقدْ عَلِمَتْ أُولى المُغِيْرَةِ أَنَّنِي ... لَحِقْتُ فَلَمْ أَنْكُلْ عن الضَّربِ مِسْمَعَا (١) «وأنشد سيبويه هذا البيت شاهدًا على إعمال المصدر وفيه الألف واللام» (٢). ويكون المراد موضع الشاهد بدليل بيانه لوجه الاستشهاد. وعلى هذا يكون المقصود بالشاهد الشعري اصطلاحًا هو الشعرُ الذي يُستشهدُ به في إثبات صحة قاعدة، أو استعمال كلمة، أو تركيب، لكونه من شِعْرِ العرب الموثوق بعربيتهم. وقد انصرفت عناية رواة الأخبار المتقدمين إلى حفظ الأشعار المشتملة على الشواهد، والأمثال (٣)؛ لأن مدار العلم على الشاهد والمثل (٤). ثانيًا: معنى التمثيل، والفرق بين الشاهد والمثال: التمثيل «يطلق على ما ليس من كلام العرب من النصوص - بِمصطلح النحاة - متجاوزًا عصر التوثيق للغة، أو مصنوعًا للبيان والإيضاح» (٥). ولهذا فإنَّ أئمةَ اللغة لا يستشهدون ولا يحتجون على اللغة والنحو والصرف إلا بالشواهد الموثوق بفصاحتها، وإيراد النحويين للشواهد الشعرية للمُولَّدين من باب التمثيل والاستئناس وتوضيح القاعدة ليس إلا، ولا تتخذ الشواهد الشعرية للمولَّدين حجةً تقعَّدُ بناء عليها قواعد نحوية عند جمهور النحويين. وأما في المعاني والبيان والبديع فإنهم يستشهدون عليها بأشعار المولَّدين وغيرهم؛ وذلك لأن المعاني «يتناهبها المُولَّدونَ كما يتناهبها المتقدمون» (٦).، وهذا «صَحِيحٌ بَيِّنٌ؛ لأن المعاني إنما اتسعت لاتساع

стр. 61

الناس في الدنيا، وانتشار العرب بالإسلام في أقطار الأرض» (١). فالمِثَالُ - بالكسر- يطلق على الجزئي الذي يُذكرُ لإيضاح القاعدة، وإيصالها إلى الفهم، كما يُقال: الفاعل كذا ومثاله زيد في: ضرب زيد، وهو أَعَمُّ من الشاهد (٢). ولذا فإن كل ما يصلح شاهدًا يصلح مثالًا من غير عكس. ثالثًا: معنى الاحتجاج . يَرِدُ كثيرًا التعبير بالاحتجاج بدل الاستشهاد كقولهم: «واحتجوا بكذا»، و «هذا لا يحتج به»، ونحو ذلك. والاحتجاج هو تقديم الحُجَّةُ. والحُجَّةُ هي البُرهانُ (٣). وقال الليث: «الحجة: الوجه الذي يكون به الظفر عند الخصومة، وجَمعُها حُجَجٌ» (٤). قال الأزهري: «وإِنَّما سُمّيت حجة لأَنَّها تُحَجُّ، أي: تقصد؛ لأَنَّ القصد لها وإليها» (٥). ومِن معاني الحَج الغَلَبَةُ بالحُجَّةِ (٦). فَحُجَجُ النحو إذن «براهين تقام من نصوص اللغة للدلالة على صحة رأي، أو قاعدة، والاحتجاج في النحو معناه الاعتماد على إقامة البراهين من نصوص اللغة شعرًا أو نثرًا» (٧). فكلٌّ من الاستشهادِ والاحتجاج يؤديان غرضًا واحدًا، ورُبَّما يكون متطابقًا، هو «إثبات صحة قاعدة، أو استعمال كلمة، أو تركيب، بدليلٍ نقليٍّ صحَّ سَنَدُهُ إلى عربيٍّ فصيحٍ، سَليمِ السَّليقةِ» (٨). وهذا الدليل النقلي هنا هو الشاهد الشعري. وهناك من يُعبِّرُ بلفظة «الحُجَّةِ» بدل «الشاهد» عند شرحه للشاهد

стр. 62

الشعري، كما عند أبي جعفر النحاس (١) في شرحه لشواهد سيبويه (٢) حيث يكثر من عبارة «وهذا حجة لكذا». يقول بعد إيراده لبيت من أبيات الكتاب وهو قول هُدْبَةَ بنِ خَشْرَم (٣): عسى الكربُ الذي أمسيتُ فيه ... يكون وراءه فرج قريبُ (٤) «حُجَّةُ أنَّ «أنْ» محذوفة، أراد: عسى الكربُ أن يكونَ وراءه فرجٌ» (٥). وقال تعقيبًا على قول أبي طالب وهو يخاطب النبي ﷺ : مُحمدُ تفدِ نَفَسكَ كُلُّ نفسٍ ... إذا مَا خفتَ مِنْ أمرٍ تَبَالا (٦) «والبيتُ حُجةٌ أَنَّ العَرَبَ لا تأمر الغائب إلا باللام» (٧). رابعًا: نشأة مصطلح الشاهد . بدأ الشاهد يأخذ معناه الاصطلاحي قديمًا، حيث يُعَدُّ المفسرون أول من اتخذ من الشعر شواهد لفهم غريب القرآن الكريم، وذلك على يد حبر الأمة عبدالله بن عباس، كما في مسائل نافع بن الأزرق لابن عباس ﵄ (٨).

стр. 63

ويُذْكَرُ أن الفرزدق (١) لما رَدَّ عليه عبدالله بن أبي إسحاق الحضرمي بيتًا من شعره، ولَحَّنَهُ فيه، قال له: «والله لأهجونَّكَ ببيتٍ يكون شاهدًا على ألسنة النحويين أبدًا» (٢). فهجاه بقوله: فلو كانَ عبدُ الله مَولىً هَجوتُهُ ... ولكنَّ عبد اللهِ مَولَى مَواليا (٣) والفرزدق توفي سنة ١١٢ هـ، وقد قال ذلك لابن أبي إسحاق الذي توفي سنة ١١٧ هـ (٤). وهذا القول من الفرزدق مستبعد من بدوي مثله، ولا يعول على مثل هذا النقل في إثبات الصفة الاصطلاحية للشاهد الشعري. والذي يُعوَّلُ عليه أَنَّ الشاهد الشعري أصبح يَحملُ المعنى الاصطلاحي الدقيق في الاحتجاج اللغوي والنحوي في القرن الثاني الهجري وما بعده , وذلك في أقدم كتاب نحوي معروف، وكذلك كتب إعراب القرآن المتقدمة كمعاني الفراء والأخفش. وقد أصبح لكلمة الشاهد فيما بعد معنى عرفيٌّ ينصرف الذهن عند سماعه إلى الشاهد الشعري دون غيره من أنواع الشواهد الأخرى، وكان للنحويين دور كبير في إكساب هذه اللفظة هذا المعنى (٥). وكثيرًا ما تَرِدُ في كتب المفسرين والنحويين واللغويين قبل إيرادهم

стр. 64

للشاهد الشعري عبارة «وأنشد»، أو «وينشد»، والنشيد هو رفع الصوت، وإنشاد الشعر هو إلقاؤه، وكانت وما زالت عادة ملقي الشعر أن يرفع صوته عند الإلقاء فَسُمِّيَ منشدًا (١). وهي صيغة من صيغ رواية الشعر المعروفة (٢). ونظرًا لأن كتب التفسير والدراسات القرآنية المبكرة قد اتخذت من نص القرآن الكريم مادةً لها، تشرحه وتبينه بكل وسيلة، فقد شَملت مسائلَ العربية من نحو ولغة وصرف وبلاغة وغيرها، كما شملت كثيرًا من قضايا التاريخ والسيرة النبوية، وغيرها من المسائل التي تتعلق بالنص القرآني المفسَّر، ولذلك فقد اشتملت هذه المدونات على أغلب أنواع الشواهد الشعرية المعروفة، ففيها شواهد اللغة والنحو والبلاغة والتاريخ وشواهد أدبية للتمثل وغير ذلك، وقد تعامل المفسرون مع هذه الأنواع كما تعامل معها المتخصصون في هذه العلوم في مصنفاتهم المختصة، وفي المبحث التالي بيان لأنواع الشواهد الشعرية في كتب التفسير. * * *

стр. 65

المبحث الثاني: أنواع الشواهد الشعرية . عُنِيَ علماءُ السلف بحفظ شعر العرب للاستشهاد به في تفسير القرآن الكريم، وحفظ اللغة العربية وقواعدها، والاحتجاج لذلك، وقد ذكر أصحاب التراجم أن أبان بن تغلب (ت ١٤١ هـ) صنَّفَ كتابًا في غريب القرآن، ضمَّنَه عددًا كبيرًا من الشواهد الشعرية (١)، وأَنَّ أبا مِسْحَلٍ الأعرابيّ (٢) كان «يروي عن علي بن مبارك الأحمر أربعين ألف شاهد في النحو» (٣)، وأنَّ خَلَفَ بن حَيَّان الأحمر المتوفى سنة ١٨٠ هـ كان يحفظ أربعين ألف بيت شاهدًا في النحو، سوى ما كان يحفظ من القصائد وأبيات الغريب (٤)، ومن أكثر الناس حفظًا لها أبو القاسم ابن الأنباري (ت ٣٢٨ هـ)، حيث ذُكِرَ في ترجَمته أنَّه كان يحفظُ ثلاثمائة ألفِ بيتٍ شاهدًا في القرآن (٥). وفي ترجمة عبد الوهاب الفاميِّ الشافعي المتوفى سنة ٥٠٠ هـ ذكر هو عن نفسه أنه صنفَ تفسيرًا ضَمَّنَه مائةَ ألف بيتٍ شاهدًا شعريًا من شواهد التفسير (٦). وهذه

стр. 66

الروايات تدلنا على مدى عناية العلماء بحفظ شواهد الشعر لتوظيفها في تفسير القرآن الكريم، والاستشهاد بها على تفسيره ولغته، وأساليبه. وقد قسَّمَ الرافعيُّ الشواهدَ الشعريةَ إلى قسمين: شواهد القرآن وهي ما يورده العلماء للاستشهاد على ألفاظ القرآن عند تفسيرها وبيان معانيها، ويغلب عليها جانب اللغة. وشواهد النحو وهي ما أورده النحويون في مروياتهم ومصنفاتهم من الشواهد الشعرية التي بنوا عليها القواعد، واستشهدوا بها على مسائل النحو (١). غير أن هذا التقسيم غير حاصر لأنواع الشواهد الشعرية عامة وفي كتب التفسير خاصة. وفي إضافة الشواهد إلى القرآن نوع من التجوز في العبارة، حيث لا يقال: شواهد القرآن، لعدم حاجة القرآن إلى شواهد تؤيده، وإنما يقال شواهد التفسير. وقد نبَّهَ إلى ذلك أبو عبيد القاسم بن سلاَّم بعد أن ذكر أنَّ ابنَ عباس كان يُسأَلُ عن القرآن فينُشدُ فيه الشعرَ بقوله: «يعني أنه كان يستشهد به على التفسير» (٢). وقد كان العلماء المتقدمون في اختيارهم للشواهد الشعرية أَهلَ عِنايةٍ بموضوع الشاهد الذي يريدونه، فإن كانت المسألة من الغريب كان لهم نوعُ عنايةٍ بشعرِ بعض القبائل كهُذيلٍ، وبعض الشعراء كرؤبة وأبيه العجَّاج، وإن كانت في المعاني كانت لهم عناية بشعر آخرين. وكنت أظن هذا يحدث اتفاقًا منهم، حتى عثرت على نصٍّ للأصمعي فيه دلالة على أنَّ العلماء كانوا يَختارون شواهدهم على بَينةٍ، فقد روى العسكريُّ بسنده فقال: «أخبَرني أَبي قال: أخبَرنا عَسَلُ بن ذَكوانَ قال: حدّثنا ابنُ أَخي الأصمعيِّ عن عَمِّه قال: تقول الرواة والعلماء: مَنْ أرادَ الغريبَ فعليه بشِعْرِ هُذيلٍ ورَجَزِ رؤبةَ والعجَّاجِ، وهؤلاء يَجتمعُ في شعرهمُ

стр. 67

الغَريبُ والمعاني. ومن أراد الغريبَ من شعرِ المُحدَثِ ففي أَشعارِ ذي الرُّمَّةِ. ومَنْ أرادَ الغريب الشديدَ الثِّقةِ ففي شعرِ ابن مُقبلٍ، وابنِ أْحْمَر، وحُميدِ بن ثَورٍ الهلاليّ، والرَّاعي، ومزاحمٍ العقيليّ. ومَنْ أراد النسيب والغزل من شعرِ العَربِ الصُّلبِ فعليه بأَشعارِ عُذْرةَ والأنصارِ. ومن أراد النَّسيبَ من الشعر المُحدَثِ ففي شعر ابن أبي ربيعةَ، والحارثِ بن خالدٍ المخزوميِّ والطبقة الذين مع هؤلاء. ومن أرادَ طُرَفَ الشِّعرِ وما يُحتاجُ إلى مثلهِ عند مُحاورةِ الناس وكلامهم فذلك في شِعْرِ الفُرسان. ويقالُ: أشعرُ الفرسان دريد بن الصّمّة، وعنترة، وخفاف بن ندبة، والزّبرقان بن بدر، وعروة بن الورد، ونهيكة بن إساف، وقيس بن زهير، وصخر بن عمرو، والسّليك بن سلكة، وأنس بن مدركة، ومالك ابن نويرة، ويزيد بن الصّعق ويعدُّ من الفرسان وفي الأشراف، ويزيد بن سنان بن أبي حارثة» (١). وهذا النص يدل على أَنَّ العلماء كانوا يراعون في موضوعات الشواهد من الشعر عند اختيارهم شعر شاعر بعينه دون غيره، ولذلك عُنِي العلماءُ بشعر هذيلٍ وشرحوه كما فعل أبو سعيد الشكري، وأبو عمرو الشيباني، وعُنِي المفسرون بشعر العجَّاج ورؤبة فكثر استشهادهم بشعرهما في غريب القرآن، وقد ذكرتُ في موضعٍ لاحقٍ من البحث عدد الشواهد التي استشهد بها المفسرون لكل منهما. وقد تتبعت الشواهد الشعرية في كتب التفسير والدراسات القرآنية، فوجدتها لا تخرج من حيث الموضوعات عن الأنواع التالية: ١ - الشواهد اللغوية . وهي ما استشهد به المفسرون وأصحاب الغريب والمعاني من الشواهد الشعرية في استعمال لفظة ما، من حيث علاقة اللفظ باللفظ وما

стр. 68

يتعلق به من موازنات، أو من حيث علاقة اللفظ بالمعنى، وهو ما عني به أصحاب المعاجم، أو من حيث علاقة اللفظ بالاستعمال ويشمل ما صنفه علماء اللغة من دراسات للمتن تدور حول الغريب، والدخيل، والموضوع، ونحو ذلك. وقد شارك المفسرون والمصنفون في الدراسات القرآنية مشاركة فاعلة في العناية بالشواهد الشعرية اللغوية، يستشهدون بها لتوضيح لفظة غريبة، أو لبيان أصلها الاشتقاقي، أو لبيان ما طرأ عليها من تطور دلالي، أو نحو ذلك من مسائل تتعلق بالمفردات القرآنية. وقد حفلت كتب التفسير بهذا النوع من الشاهد الشعري، وكتب غريب القرآن كذلك، بل إن كتب التفسير والغريب والمعاني قد تنفرد ببعض الشواهد اللغوية التي لا توجد في معاجم اللغة (١). والأمثلة على هذا النوع كثيرة، فقد عُنِي العلماء بها في فترة مبكرة، حيث رُويَ أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ على المنبر قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧)﴾ [النحل: ٤٧] (٢) فسأَلَ عن التخوفِ. فقام رجلٌ من قبيلةِ هُذيلٍ وقال: «التخوفُ عندنا التنقصُ»، ثم أنشدهُ: تَخَوَّفَ الرَّحْلُ مِنها تَامِكًا قَرِدًا ... كَمَا تَخَوَّفَ عُوْدَ النبَّعْةِ السَّفِنُ (٣)

стр. 69

فقال عمر: «أيها الناس، تَمسكوا بديوان شعركم في جاهليتكم فإن فيه تفسير كتابكم» (١). وسيأتي لهذا الشاهد مزيد بيان في موضع آخر، والمقصود هنا بيان أنَّ عمر ﵁ من أقدم من فتح باب الاستعانه بالشعر في تفسير القرآن الكريم، وهو باب دخل منه الشعر الجاهلي إلى الحياه الإسلامية، وحظي فيها بمكانةٍ لم يكن ليظفر بها من غير هذا الطريق. وأكثر المفسرين استعانة بالشاهد الشعري اللغوي في تفسير القرآن الكريم من الصحابة ﵃ عبدُ الله بن عباس ﵄، في الأسئلة التي سأله عنها نافع بن الأزرق، وكلها تدخل تحت الشاهد الشعري اللغوي (٢). ومنها أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس عن تفسير قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥)﴾ [الرحمن: ٣٥] (٣) ما النُّحَاسُ؟ فأجابه ابن عباس ﵄ بقوله: هو الدخان الذي لا لهب فيه. فقال ابن الأزرق: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟ قال نعم، أما سمعت بقول النابغة (٤): يُضِيءُ كَضوءِ سِراجِ السَّليـ ... ـطِ لم يجعل اللهُ فيهِ نُحَاسَا (٥) يعني دخانا (٦). وهذا الشاهد قد استشهد به علماء اللغة على أن معنى النحاس في

стр. 70

الآية هو ما ذهب إليه ابن عباس من الدخان الذي لا لهب فيه (١). قال الأزهري: «وهو قَولُ جَميعِ المفسرين» (٢). ومن أمثلة هذا النوع من الشاهد الشعري ما ورد عند ابن عطية في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٣] (٣)، حيث قال: «والصلاة مأخوذة من صَلَّى يُصلِّي إذا دعا، كما قال الشاعر (٤): عَليكِ مِثلُ الذي صَلَّيْتِ فَاغتمِضِي ... يَومًا فإِنَّ لجَنْبِ المرءِ مُضْطَجَعا (٥) ومنه قول الآخر (٦): لها حَارِسٌ لا يَبْرحُ الدهرَ بَيْتَهَا ... وإِن ذبحت صَلَّى عليها وَزَمْزَمَا (٧)» (٨) وهذان الشاهدان قد استشهد بهما اللغويون على معنى الصلاة في اللغة، وأنها بمعنى الدعاء (٩). وكذلك قول الشمَّاخ بن ضرار الغطفاني: ذَعَرْتُ بهِ القَطا ونَفَيتُ عنهُ ... مَكانَ الذِّئْبِ كالرَّجُلِ اللَّعِيْنِ (١٠) حيث استشهد به المفسرون على أن «أصل اللعن الطرد والإبعاد والإقصاء» (١١). واستشهد به اللغويون على المعنى نفسه (١٢). وهو الشاهد

стр. 71

الوحيد على هذا معنى هذا اللفظ - فيما اطلعتُ عليه - في كتب التفسير واللغة. ونظائر هذا النوع من الشواهد كثيرة في كتب التفسير (١). ٢ - الشواهد النحوية . يقوم النحو على أصول، منها الأدلة التي تفرعت عنها فصوله وفروعه، ويأتي في مقدمتها النقل، الذي يحتل شعر العرب مكانة بارزة فيه، حيث يأتي في صدارة الكلام العربي المستشهد به في بناء قواعد النحو، والمطالع لمصنفات النحويين يجد ذلك ظاهرة بارزة، حتى أصبحت كلمة «الشاهد» عند إطلاقها تنصرف إلى الشاهد الشعري (٢)، وليس ببعيد عن الصواب من قال «إن الشاهد في علم النحو هو النحو» (٣). وشواهد النحو في كتب التفسير ما استشهد به المفسرون من الشعر في بيان تركيب أو بنية، لبيان قاعدة أو تأكيدها، أو إيراد ما استثني أو خرج عنها، أو توجيه ما جاء مخالفًا لها، ونحو ذلك مما درس في مصنفات النحويين بشكل واسع. وقد اشتملت كتب التفسير على عدد كبير من الشواهد النحوية، بل لا أكون مخطئًا إن قلت إن كتب التفسير والمعاني قد اشتملت على جُلِّ شواهد النحويين التي رويت ونقلت في مصنفات النحويين، وعلى رأسها شواهد «الكتاب» لسيبويه. ومن الأمثلة ما ذكره الفراء عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿المر تِلْكَ

стр. 72

آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ [الرعد: ١] (١): «فموضع «الذي» رفع تستأنفه على «الحق»، وترفع كل واحد بصاحبه. وإن شئت جعلت «الذي» في موضع خفض، تريد: «تلك آيات الكتاب وآيات الذي أنزل إليك من ربك» فيكون خفضًا، ثم ترفع «الحق»، أي: ذلك الحق ... وإن شئت جعلت «الذي» خفضًا فخفضت «الحق»، فجعلته من صفة «الذي»، ويكون «الذي» نعتًا لـ «الكتاب»، مردودًا عليه، وإن كانت فيه الواو، كما قال الشاعر: إلى الملكِ القَرْمِ وابن الهُمامِ ... وليثَ الكتيبة في المزدحم (٢) فعطف بالواو، وهو يريد واحدًا» (٣). وهو من شواهد النحويين (٤). وكتاب «معاني القرآن» للفراء غلبت عليه شواهد الشعر النحوية، وهو أقدم كتاب وصل إلينا في النحو الكوفي، «فهو يهتم بالقواعد النحوية وصياغتها والتعريف بها مما يجعل منه مرجعَ نحوٍ بمعناه الشامل، لا كتابَ إعرابٍ وتوجيهٍ فقط» (٥). ومن الأمثلة كذلك ما أجازه الفراء في حديثه عن قوله تعالى: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] (٦) من الخفضِ على المُجاورةِ، يقول: «وذلك من كلام العرب أن يتبعوا الخفض الخفض إذا أشبهه» (٧) ثم استشهد على رأيه بشواهد من الشعر، منها قول ذي الرمة: كأَنَّمَا ضَرَبَتْ قُدَّامَ أَعيُنِها ... قُطْنًا بِمُستحصدِ الأَوتارِ مَحْلوجِ (٨)

стр. 73

والشاهد في البيت جر «محلوج» للمجاورة، أي لمجاورة الاسم المجرور، والأصل أن ينصب «محلوجًا» لأنه نعت اسم منصوب. وهو قوله: «قطنًا».وهو من شواهد النحويين على جواز الحمل على الجوار (١). ومن الأمثلة كذلك ما أورده الطبري شاهدًا على جواز تقديم معمول أسماء الأفعال عليها، حيث قال: «والعرب تفعل ذلك إذا أخرت الإغراء، وقدمت المغرى به، وإن كانت قد تنصب به وهو مؤخر، ومن ذلك قول الشاعر: يا أَيُّها المَائِحُ دَلْوِي دُونَكا ... إِنِّي رَأَيتُ النَّاسَ يَحْمدُونَكا (٢) فأغرى بـ «دونك» وهي مؤخرة، وإنما معناه: دونك دلوي» (٣). وهذا الشاهد من شواهد النحويين المشهورة على أن مفعول اسم الفعل يجوز أن يتقدم عليه؛ إذ الظاهر أن «دلوي» مفعول مقدم لقوله «دونكا» (٤). وقد رد هذا الوجه بعض النحويين (٥)، والغرض التمثيل. ومن المواضع التي يستشهد فيها المفسرون بالشواهد الشعرية النحوية كثيرًا عند توجيه القراءات من حيث النحو، فيستعينون في ذلك بالشاهد الشعري.

стр. 74

ومن أمثلة ذلك ما أورده ابن عطية في توجيه الفصل بين المضاف والمضاف إليه في قراءة ابن عامر لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] (١) برفع «قتلُ»، ونصب «أولادهم»، وجَرِّ «شركائهم». فجعلَ مِنْ ذلك قول الشاعر: فَزَجَجْتُهُ بِمزجَّةٍ ... زَجَّ القَلوصَ أَبي مَزَاده (٢) وقول الطرمَّاح: يَطُفنَ بِحُوزِيِّ المَراتعِ لم يُرَعْ ... بواديهِ مِنْ قَرْعِ القِسيَّ الكَنَائِنِ (٣)» (٤) فوجه الكلام في الشاهد الأول: زَجِّ أَبي مزادةَ القلوصَ، ففصل بين المضاف «زَجّ» والمضاف إليه «أبي مزادة» بالمفعول به «القلوص». ووجه الكلام في بيت الطرماح: قرع الكنائن القسيَّ، حيث فصل بين المضاف «قرع» والمضاف إليه «الكنائن» بالمفعول به «القسيّ». فكذلك في قراءة ابن عامر وجه الكلام: قَتْلُ شُركائِهِمْ أَولادَهُم. ففصل بين المضاف «قتلُ» والمضاف إليه «شركائِهم» بالمفعول «أولادهم» (٥). وجُمهورُ نَحويِيِّ البصريين على أن هذا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر، وتُكُلِّمَ في هذه القراءة بسبب ذلك. قال الطبري: «وقد روي عن بعض أهل الحجاز بيتٌ من الشعر يؤيد قراءة من قرأ بما ذكرتُ من قراءة أهل الشامِ (٦)، رأيت رواة الشعر، وأهل العلم من أهل العراق يُنْكِرونَهُ، وذلك قول قائلهم: فَزَجَجْتُهُ مُتمَكِّنًا ... زَجَّ القلوصَ أبي مزادة». (٧) وهذا القول وإن كان قول الكوفيين إلا أن الفراء رد هذا الوجه

стр. 75

وقال: «وهذا مِمَّا كان يقوله نَحويو أهلِ الحجازِ، ولم نَجِدْ مثلَه في العربية» (١). فلا يصح نسبة هذا القول للكوفيين دون تفصيل، حيث رده الفراء، وهو من كبار أهل الكوفة في النحو، وكتابه عمدة في نقل آراء الكوفيين. ونظائر هذه الشواهد في كتب التفسير كثيرة (٢). ٣ - الشواهد الصرفية . تَعْرِضُ كثيرًا للمفسرين مسائل من الصرف أثناء تفسيرهم للمفردات القرآنية، يعالجونها بمناهج مختلفة، فمنهم من يتعرض لها باختصار، ومنهم من يطيل الوقوف عندها، والاحتجاج لما يذهب إليه من الرأي بشواهد الشعر الصرفية. وهذا النوع أقل من النوعين السابقين في كتب التفسير. ومن أمثلة الشواهد الصرفية ما أورده المفسرون للاستشهاد على أن صيغة «فعيل» تأتي بمعنى: «مُفْعِل» من قول الشاعر عمرو بن معد يكرب: أَمِنْ ريحانةَ (٣) الدَّاعي السَميعُ؟ ... يُؤرقني وأَصحابي هُجُوعُ (٤) يريد: الداعي المُسْمِعُ (٥). وذلك عند تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ
следующие страницы →