← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 148084

الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم أهميته، وأثره، ومناهج المفسرين في الاستشهاد به

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

Полный текст (950 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الوحيد على هذا معنى هذا اللفظ - فيما اطلعتُ عليه - في كتب التفسير واللغة. ونظائر هذا النوع من الشواهد كثيرة في كتب التفسير (١). ٢ - الشواهد النحوية . يقوم النحو على أصول، منها الأدلة التي تفرعت عنها فصوله وفروعه، ويأتي في مقدمتها النقل، الذي يحتل شعر العرب مكانة بارزة فيه، حيث يأتي في صدارة الكلام العربي المستشهد به في بناء قواعد النحو، والمطالع لمصنفات النحويين يجد ذلك ظاهرة بارزة، حتى أصبحت كلمة «الشاهد» عند إطلاقها تنصرف إلى الشاهد الشعري (٢)، وليس ببعيد عن الصواب من قال «إن الشاهد في علم النحو هو النحو» (٣). وشواهد النحو في كتب التفسير ما استشهد به المفسرون من الشعر في بيان تركيب أو بنية، لبيان قاعدة أو تأكيدها، أو إيراد ما استثني أو خرج عنها، أو توجيه ما جاء مخالفًا لها، ونحو ذلك مما درس في مصنفات النحويين بشكل واسع. وقد اشتملت كتب التفسير على عدد كبير من الشواهد النحوية، بل لا أكون مخطئًا إن قلت إن كتب التفسير والمعاني قد اشتملت على جُلِّ شواهد النحويين التي رويت ونقلت في مصنفات النحويين، وعلى رأسها شواهد «الكتاب» لسيبويه. ومن الأمثلة ما ذكره الفراء عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿المر تِلْكَ

стр. 72

آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ [الرعد: ١] (١): «فموضع «الذي» رفع تستأنفه على «الحق»، وترفع كل واحد بصاحبه. وإن شئت جعلت «الذي» في موضع خفض، تريد: «تلك آيات الكتاب وآيات الذي أنزل إليك من ربك» فيكون خفضًا، ثم ترفع «الحق»، أي: ذلك الحق ... وإن شئت جعلت «الذي» خفضًا فخفضت «الحق»، فجعلته من صفة «الذي»، ويكون «الذي» نعتًا لـ «الكتاب»، مردودًا عليه، وإن كانت فيه الواو، كما قال الشاعر: إلى الملكِ القَرْمِ وابن الهُمامِ ... وليثَ الكتيبة في المزدحم (٢) فعطف بالواو، وهو يريد واحدًا» (٣). وهو من شواهد النحويين (٤). وكتاب «معاني القرآن» للفراء غلبت عليه شواهد الشعر النحوية، وهو أقدم كتاب وصل إلينا في النحو الكوفي، «فهو يهتم بالقواعد النحوية وصياغتها والتعريف بها مما يجعل منه مرجعَ نحوٍ بمعناه الشامل، لا كتابَ إعرابٍ وتوجيهٍ فقط» (٥). ومن الأمثلة كذلك ما أجازه الفراء في حديثه عن قوله تعالى: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] (٦) من الخفضِ على المُجاورةِ، يقول: «وذلك من كلام العرب أن يتبعوا الخفض الخفض إذا أشبهه» (٧) ثم استشهد على رأيه بشواهد من الشعر، منها قول ذي الرمة: كأَنَّمَا ضَرَبَتْ قُدَّامَ أَعيُنِها ... قُطْنًا بِمُستحصدِ الأَوتارِ مَحْلوجِ (٨)

стр. 73

والشاهد في البيت جر «محلوج» للمجاورة، أي لمجاورة الاسم المجرور، والأصل أن ينصب «محلوجًا» لأنه نعت اسم منصوب. وهو قوله: «قطنًا».وهو من شواهد النحويين على جواز الحمل على الجوار (١). ومن الأمثلة كذلك ما أورده الطبري شاهدًا على جواز تقديم معمول أسماء الأفعال عليها، حيث قال: «والعرب تفعل ذلك إذا أخرت الإغراء، وقدمت المغرى به، وإن كانت قد تنصب به وهو مؤخر، ومن ذلك قول الشاعر: يا أَيُّها المَائِحُ دَلْوِي دُونَكا ... إِنِّي رَأَيتُ النَّاسَ يَحْمدُونَكا (٢) فأغرى بـ «دونك» وهي مؤخرة، وإنما معناه: دونك دلوي» (٣). وهذا الشاهد من شواهد النحويين المشهورة على أن مفعول اسم الفعل يجوز أن يتقدم عليه؛ إذ الظاهر أن «دلوي» مفعول مقدم لقوله «دونكا» (٤). وقد رد هذا الوجه بعض النحويين (٥)، والغرض التمثيل. ومن المواضع التي يستشهد فيها المفسرون بالشواهد الشعرية النحوية كثيرًا عند توجيه القراءات من حيث النحو، فيستعينون في ذلك بالشاهد الشعري.

стр. 74

ومن أمثلة ذلك ما أورده ابن عطية في توجيه الفصل بين المضاف والمضاف إليه في قراءة ابن عامر لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] (١) برفع «قتلُ»، ونصب «أولادهم»، وجَرِّ «شركائهم». فجعلَ مِنْ ذلك قول الشاعر: فَزَجَجْتُهُ بِمزجَّةٍ ... زَجَّ القَلوصَ أَبي مَزَاده (٢) وقول الطرمَّاح: يَطُفنَ بِحُوزِيِّ المَراتعِ لم يُرَعْ ... بواديهِ مِنْ قَرْعِ القِسيَّ الكَنَائِنِ (٣)» (٤) فوجه الكلام في الشاهد الأول: زَجِّ أَبي مزادةَ القلوصَ، ففصل بين المضاف «زَجّ» والمضاف إليه «أبي مزادة» بالمفعول به «القلوص». ووجه الكلام في بيت الطرماح: قرع الكنائن القسيَّ، حيث فصل بين المضاف «قرع» والمضاف إليه «الكنائن» بالمفعول به «القسيّ». فكذلك في قراءة ابن عامر وجه الكلام: قَتْلُ شُركائِهِمْ أَولادَهُم. ففصل بين المضاف «قتلُ» والمضاف إليه «شركائِهم» بالمفعول «أولادهم» (٥). وجُمهورُ نَحويِيِّ البصريين على أن هذا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر، وتُكُلِّمَ في هذه القراءة بسبب ذلك. قال الطبري: «وقد روي عن بعض أهل الحجاز بيتٌ من الشعر يؤيد قراءة من قرأ بما ذكرتُ من قراءة أهل الشامِ (٦)، رأيت رواة الشعر، وأهل العلم من أهل العراق يُنْكِرونَهُ، وذلك قول قائلهم: فَزَجَجْتُهُ مُتمَكِّنًا ... زَجَّ القلوصَ أبي مزادة». (٧) وهذا القول وإن كان قول الكوفيين إلا أن الفراء رد هذا الوجه

стр. 75

وقال: «وهذا مِمَّا كان يقوله نَحويو أهلِ الحجازِ، ولم نَجِدْ مثلَه في العربية» (١). فلا يصح نسبة هذا القول للكوفيين دون تفصيل، حيث رده الفراء، وهو من كبار أهل الكوفة في النحو، وكتابه عمدة في نقل آراء الكوفيين. ونظائر هذه الشواهد في كتب التفسير كثيرة (٢). ٣ - الشواهد الصرفية . تَعْرِضُ كثيرًا للمفسرين مسائل من الصرف أثناء تفسيرهم للمفردات القرآنية، يعالجونها بمناهج مختلفة، فمنهم من يتعرض لها باختصار، ومنهم من يطيل الوقوف عندها، والاحتجاج لما يذهب إليه من الرأي بشواهد الشعر الصرفية. وهذا النوع أقل من النوعين السابقين في كتب التفسير. ومن أمثلة الشواهد الصرفية ما أورده المفسرون للاستشهاد على أن صيغة «فعيل» تأتي بمعنى: «مُفْعِل» من قول الشاعر عمرو بن معد يكرب: أَمِنْ ريحانةَ (٣) الدَّاعي السَميعُ؟ ... يُؤرقني وأَصحابي هُجُوعُ (٤) يريد: الداعي المُسْمِعُ (٥). وذلك عند تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ

стр. 76

عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠] (١) بمعنى مؤلم، وتفسير قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧] (٢) أي مبدعها. قال الطبري: «والأليم: هو الموجع، ومعناه: ولهم عذاب مؤلم. بصرفِ مُؤلِمٍ إلى أَلِيْمٍ، كما يقالُ: ضَرْبٌ وَجِيعٌ بمعنى مُوجِع، والله بديع السموات والأرض بمعنى مُبْدِع، ومنه ... » ثم أورد الشاهد الشعري السابق (٣). وهذا شاهد من شواهد الصرف (٤)، وقد منع بعضهم وجه الاستشهاد به على هذا الوجه (٥). ومن الأمثلة كذلك استشهادهم عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] (٦)، وتفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾ [النساء: ٤٦]﴾ (٧) على أن «نظرتك» و «انتظرتك» بمعنى واحد بقول الحطيئة: (٨) وقد نَظَرْتُكُمُ إِعشاءَ صَادرةٍ ... للخِمْسِ طال بها حَوْزِي وتَنْسَاسي (٩) والشاهد من شواهد الصرفيين على ذلك (١٠). ومن الأمثلة ما يورده المفسرون شاهدًا على أن: «أجاب» و «استجاب» بمعنى واحد، وهو قول كعب الغَنَويّ: وداعٍ دعا يا مَنْ يُجيبُ إلى النَّدى ... فلم يَسْتَجِبْهُ عند ذاك مجيبُ (١١)

стр. 77

أي: لم يُجِبْهُ (١). وهذا الشاهد من أكثر الشواهد دورانًا في كتب التفسير واللغة شاهدًا على هذا الوجه، وهو أن صيغة «افعل» بمعنى «استفعل» (٢). قال ابن قتيبة: «شَكرتُكَ وشَكرتُ لكَ، ونَصحتُكَ ونصحتُ لكَ، وكِلْتُكَ وكِلْتُ لكَ، واستجبتُكَ واستجبتُ لكَ، قال الشاعر ... ». ثم ساق بيت الغنوي (٣). ٤ - الشواهد الصوتية . تعرَّض المفسرون في كتب التفسير لقضايا صوتيةٍ كتسهيلِ الهَمز وتَحقيقهِ، والإدغامِ (٤)، والإمالةِ وغير ذلك من الظواهر الصوتية. ويوردون الشواهد الشعرية التي تشهدُ لِمَا ذهبوا إليهِ، وهي المقصودة بالشواهد الصوتية. ومن أمثلة هذه الشواهد: ١ - ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [هود: ١١١] (٥) من قول الفراء: «وأمَّا مَنْ شَدَّدَ «لَمَّا» (٦) فإِنَّه - والله أعلم - أَرادَ: (لَمَنْ مَا لَيُوفينَّهم)، فلما اجتمعت ثلاثُ ميماتٍ حذفَ

стр. 78

واحدةً، فَبقيت اثنتان، فأُدْغِمَت في صاحبتها. ثُمَّ أنشد الفراءُ على ذلك ثلاثة شواهد شعرية. الأول منها قول الشاعر (١): وإِنِّي لَمِمَّا أُصدرُ الأمرَ وجْهَهُ ... إذا هو أعيا بالسَّبيلِ مَصادرُهْ (٢) والشاهد في قوله: «لَمِمَّا»، أصلها «لَمِنْ مَا»، قُلبت النونُ ميمًا، واجتمعت ثلاثُ ميماتٍ، فحُذفت الوسطى، فصارتْ «لَمِمَّا». و «ما» على هذا القول بِمَعنى «من». وما ذهب إليه الفراء في توجيه هذه القراءة ردَّهُ بعضُ النحويِيْن، كابن الحاجب فقال: «وهذا بعيد لا ينبغي أَن يُحملَ عليه كتابُ الله، فإِنَّ حذفَ مثل هذه الميم استثقالًا لم يثبت في كلامٍ ولا شعرٍ، فكيف يُحملُ عليه كتابُ الله تعالى» (٣). واختار ابنُ الحاجب أَنَّها لَمَّا الجازمةُ حُذِفَ فعلُها للدلالة عليه، والتقديرُ: لَمَّا يهملوا أو لَمَّا يُتركوا؛ لدلالة ما تقدم من قوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] (٤)، ثُمَّ ذكر الأشقياءَ والسعداءَ ومُجازاتِهم، ثم بَيَّنَ ذلكَ بقوله: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [هود: ١١١]، ثُمَّ ختم بقوله: «وما أَعرفُ وجهًا أشبه من هذا، وإن كانت النفوس تستبعده من جهةِ أن مثله لم يقع في القرآن، والتحقيقُ يأَبَى استبعادَهُ لذلك» (٥)، وقالَ بِمِثله أبو حيان (٦). ٢ - الشاهد الثاني الذي أورده الفراء قول الشاعر (٧): كأنَّ مِنْ آخِرِها إِلقادِمِ ... مَخْرِمَ نَجْدٍ قارعَ المَخارِمِ (٨)

стр. 79

يقول الفراء مُعلِّقًا على مَوطنِ الشاهد: «أَرادَ: إِلى القادمِ، فحذفَ اللامَ عندَ اللامِ» (١) الأولى للتخفيف. ٣ - ومن الأمثلة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨] (٢). يقول الفراء: «معناه - والله أعلم- «تَثَاقَلْتم»، فإذا وصلتها العربُ بكلامٍ أدغموا التاءَ في الثاءِ؛ لأَنَّها مناسبةٌ لَها، ويُحدِثون أَلِفًا لَم يكنْ ليبنوا الحرفَ على الإدغامِ في الابتداءِ والوصلِ، وأنشدني الكسائيُّ شاهدًا فيه: ..................................... .... إذا مَا اتَّابَعَ القُبَلُ (٣) والشاهد فيه قوله: «اتَّابَعَ» معناه، تَتَابَعَ، إِلاَّ أَنَّ التاءَ أُدغمت في التاء فاحتيجَ إلى ألفِ الوصلِ، ومثلهُ اثَّاقَلَ، وادَّاركَ، أدغم فيهما المتقاربان واجتُلِبَت الألفُ لِتيسِيْرِ النُّطقِ. (٤) وقال الطبري في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧٢] (٥): «وإِنَّما أَصلُ فادَّارَأْتُم فَتَدَارَأْتُم، ولكنْ التاء قريبةٌ من مَخرجِ الدالِ، وذلك أَنَّ مَخرجَ التاء من طرف اللسانِ وأصولِ الشفتينِ، ومَخرجَ الدالِ من طَرفِ اللسانِ وأطرافِ الثَّنِيَّتَيْنِ (٦)، فأدغمت التاءُ في الدال، فجُعلت دالًا مشددةً كما قال الشاعرُ ... ». ثم أورد الشاهد السابق، ثم بَيَّنَ مَحلَّ

стр. 80

الشاهد بقوله: «يُريد: إذا ما تَتابعَ القُبَلُ، فأدغمَ إحدى التاءينِ في الأخرى، فلمَّا أدغمت التاءُ في الدالِ فجُعِلتْ دالًا مثلَها، سَكَنَتْ، فَجلَبوا أَلِفًا لِيَصِلوا إلى الكلام بِها، وذلكَ إِذ كانَ قبلَهُ شيءٌ؛ لأنَّ الإدغامَ لا يكون إِلاَّ وقبلَهُ شيءٌ» (١). وذكر السَّمينُ الحلبيُّ أَنَّ «هذا مُطَّرِدٌ في كل فِعْلٍ على تَفاعَلَ أو تَفَعَّلَ، فَاؤهُ دالٌ نحو: تَدَايَنَ وادَّايَنَ، وتَدَيَّنَ وادَّيَّنَ، أو ظاء أو طاء، أو ضاد أو صاد، نحو: تَطَايَرَ واطَّايَر، وتَطَيَّرَ واطَّيَّرَ، وتَظَاهَرَ واظَّاهَر، وتَطَهَّرَ واطَّهَّرَ. والمصدرُ على التَّفَاعُلِ أو التَّفَعُّلِ نحو: تَدَارُؤ وتطهُّر نَظرًا إلى الأصلِ، وهذا أَصلٌ نافعٌ في جَميعِ الأبوابِ فليُتأَمَّل» (٢). فالفراء والطبري قد تواردا على الاستشهاد بالشاهد الشعري السابق على مسألة صوتية وهي الإدغام في لفظتين من آيتين مُختلفتين من القرآن الكريم، غير أَنَّ وجهَ الاستشهادِ واحدٌ، ولم يستشهد السمين الحلبي بالشاهد الشعري مع عنايته بمسائل الصرف في كتابه. ٥ - الشواهد البلاغية . وهي كل ما استشهد به المفسرون من الشعر لتوضيح وبيان مسألة بلاغية. وشواهد البلاغة لا تُعَدُّ شواهدَ بالمعنى الاصطلاحي الدقيق (٣)، فكثير منها قد ورد من باب التمثيل للقواعد التي وضعها البلاغيون. وقد بدأ أبو عبيدة في «مجاز القرآن» بوضع اللبنات الأولى لعلم البلاغة بمباحثه المعروفة، وشاركه بعد ذلك الفراء في «معاني القرآن»، وقد

стр. 81

استعان كل منهما بالشواهد الشعرية يستشهد بها على ما يذهب إليه، ويدعم بها رأيه وتفسيره. ثم جاء بعدهما الإمام ابن قتيبة ولا سيما في كتابه «تأويل مشكل القرآن». فخطا بعلم البلاغة خطوة بعيدة، وقد استطاع أن يعيد تنظيم ما كتبه أبو عبيدة والفراء في كتابيهما، والاستشهاد على ذلك بشواهد من الشعر سبق أن استشهدا بها غير أنه أضاف إليها شواهد جديدة لم يسبق إليها، وقد تداولتها كتب البلاغة بعد ذلك، وأصبحت هي الشواهد السائرة لتلك المباحث البلاغية. وقد عُنِيَ المفسرون بالشواهد البلاغية، وأوردوا كثيرًا منها في مواضع متفرقة من تفاسيرهم، وبعضهم كان أكثر عناية بها من غيره كالزمخشري في «الكشاف»، الذي أشار في مقدمة تفسيره إلى أهمية علم البلاغة للمفسر، والحاجة الماسة إلى تعلمه لفهم كتاب الله، وقد شَنَّعَ على من يتصدى للتفسير وهو غيرُ بصيرٍ بهذا العلم (١). وفي زمن أبي عبيدة (٢٠٩ هـ) والفراء (٢٠٧ هـ) لم تكن مصطلحات البلاغة قد اتضحت تمامًا واستقر عليها الأمر؛ ولذلك جاءت المباحث البلاغية في كتابيهما متفرقةً، غَيْر ملتزمةٍ بِمصطلحات البلاغةِ التي عُرِفت فيما بَعدُ، حيث يعدُّ كتابَ الأول منهما أولَ خطوةٍ وصلت في علم البلاغة، فقد تعرض لمباحث التقديم والتأخير، والتشبيه، والكناية، والتمثيل، والاستعارة، والالتفات (٢). ثم جاء بعدهما ابن قتيبة (٢٧٦ هـ) فاستطاع في كُتبهِ وخاصةً كتابهُ «تأويل مشكلِ القرآنِ» أن يُجلي كثيرًا من مسائل علوم البلاغة، مستشهدًا على ذلك بعدد من الشواهد الشعرية البلاغية، مع بيان وجه الشاهد وتوضيحه، وقد دفعه إلى ذلك الرد على الملاحدة وأشباههم الذين كانوا

стр. 82

يطعنون في القرآن الكريم، ويتهمونه بالتناقض والفساد في النظم والإعراب، والناظر في كتابه يدرك بيسر وسهولة أنه قد استوعب ما ورد في «مجاز القرآن» لأبي عبيدة، و «معاني القرآن» للفراء وأخرجهما في ثوب جديد، أكثر ترتيبًا وتنظيمًا (١)، وتأثر به تلاميذه ومن جاء بعده من المفسرين (٢). ولم يَخْلُ تفسير من التفاسير المطوَّلةِ والمتوسطة بعد ذلك من مباحثِ البلاغة، والاستشهاد عليها بشواهد الشعر البلاغية، كتفسير الطبري (٣١٠ هـ)، والزمخشري (٥٣٨ هـ)، وابن عطية (٥٤٢ هـ)، والقرطبي (٦٧١ هـ) وغيرهم. فمن أمثلة الشواهد البلاغية في كتب الدراسات القرآنية ما ذكره أبو عبيدة في تفسير قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾ [التوبة: ١] (٣)، حيث قال: «﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾ ثم خاطب شاهدًا فقال ﴿فَسِيحُوا﴾ [التوبة: ٢] (٤)، مَجازُهُ: سِيْروا وأَقبِلوا وأَدبِروا، والعَربُ تفعل هذا، قال عنترة: شَطَّتْ مزارُ العاشقين فأصبحتْ ... عَسِرًا عليَّ طِلابُكِ ابنةَ مَخرمِ (٥)» (٦). وهو يشير هنا إلى ما سَمَّاه البلاغيونَ «الالتفات» وهو «انصرافُ المتكلمِ عن المُخاطَبةِ إلى الإخبارِ، وعن الإخبار إلى المخاطبة وما يشبه ذلك». (٧) ومن أول من أشار إليه وإن لم يسمه باسمه أبو عُبيدة بقوله: «والعربُ قد تُخاطبُ فتُخبِر عن الغائبِ والمعنى للشاهدِ، فترجعُ إلى الشاهدِ فتخاطبه» (٨)، كما أشار الفراء إليه وإن لم يسمِّه باسمه (٩). ولعلَّ

стр. 83

أولَ من سَمَّاه التفاتًا الأصمعي (١)، ثم شرحه ابن قتيبة وأدخله في باب «مخالفة ظاهر اللفظ معناه»، وقال: «ومنه أن تخاطب الشاهدَ بشيء ثم تجعلُ الخطابَ له على لفظ الغائب، كقوله عَزَّوَجَلَّ: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا﴾ [يونس: ٢٢] (٢)، قال الشاعر (٣): يا دارَ ميَّةَ بالعلياءِ فَالسَّنَدِ ... أَقوتْ وطالَ عليها سالفُ الأَبَدِ (٤) وكذلك أيضًا تجعلُ خطابَ الغائبِ للشاهد، كقول الهذلي (٥): يا ويحَ نفسي كانَ جِدَّةُ خَالدٍ ... وبياضُ وجهكَ للترابِ الأَعفرِ (٦)» (٧). وانتفع المفسرون بعد ذلك بما سبق إليه هؤلاء فهذا الزمخشري يقول: «وقد التفت امرؤ القيس ثلاث التفاتات في ثلاثة أبيات ... وتلك على عادة افتنانهم في الكلام وتصرفهم فيه، ولأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع وإيقاظًا للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد، وقد تختص مواقعه بفوائد» (٨). والشواهد - كما قال الطبري - من الشعر وكلام العرب في الالتفات أكثر من أن تحصى (٩). ومن الأمثلة ما أورده الطبري عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣] (١٠) وهو قول زهير: فصحوتُ عنها بعدَ حُبٍّ داخلٍ ... والحُبُّ تُشْرِبُهُ فؤادَك داءُ (١١) حيث استشهد به على أن معنى الآية: أُشْربوا حُبَّ العجل، وأنه ترك ذكر الحب اكتفاءً بفهم السامع لمعنى الكلام «إذ كان معلومًا أَنَّ

стр. 84

العِجْلَ لا يشرب القلب، وأَنَّ الذي يشرب القلب منه حُبُّه، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] (١)، ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢] (٢)، وكما قال الشاعر (٣): أَلا إِنَّني سُقِّيتُ أَسودَ حَالكًا ... أَلا بَجَلِى مِنَ الشَّرابِ أَلا بَجَلْ (٤) يعني بذلك: سُمًّا أسودًا، فاكتفى بذكر «أسود». عن ذكر السُّمّ؛ لمعرفة السامع معنى ما أراد بقوله: سُقِّيتُ أسودَ» (٥). وما ذكره الطبري هنا هو ما سماه البلاغيون بعد ذلك «المَجَاز»، قال ابن عطية: «والمعنى: جعلت قُلوبُهم تَشربُه، وهذا تشبيهٌ ومَجازٌ، عبارةٌ عن تَمكُّنِ أمرِ العِجْل في قُلوبِهم» (٦) والشواهد البلاغية التي أوردها الإمام الطبري، ومِن قَبلهِ أبو عبيدة، والفراء، وابن قتيبة، ومن بعده الزمخشري، وابن عطية، والقرطبي تُعَدُّ من الشواهد عند البلاغيين لهذا الأسلوب العربي (٧). ونظائر هذه الشواهد البلاغية كثيرة في كتب التفسير (٨). ٦ - الشواهد الأدبية: وهي الأبيات من الشعر التي يتمثلُ بِهَا المفسرُ في تفسيره على معنى من المعاني التي تعرض لها في تفسيره، فهي للتمثل لا للاستشهاد

стр. 85

فلا تندرج تحت الشواهد اللغوية ولا النحوية، وإنما أوردها المفسر لإيضاح المعنى الذي يرمي إليه ويقصده. وميدان التمثل بالأشعار باب واسع، لاستحسان الناس لها، وحفظهم لها، وربما تكون المناسبة التي ورد فيها الشاهد قريبة من المعنى الذي تعرضت له الآية المفسَّرة. وهذه الشواهد تكثر في تفاسير المتأخرين كالزمخشري والقرطبي، وتقل عند المتقدمين كأبي عبيدة والفراء والطبري. وأكثر ما يوردها المفسرون في مواضع الوعظ والوعد والوعيد، والتذكير بالآخرة والحث على مكارم الأخلاق وحسن الأدب، ونحو ذلك. فهي لا تعد من الشواهد بمعناها الاصطلاحي الذي اصطلح عليه اللغويون والنحويون، وإن كانت تدخل تحت ما ذكره الجاحظ من أن غاية رواة الأخبار أنهم يروون كل شعر فيه الشاهد والمثل (١)، وأن مدار العلم على الشاهد والمثل (٢). ومن أمثلة هذه الشواهد الأدبية عند المفسرين ما أورده القرطبي وهو يقرر أن الواجب على من تصدى لتعليم الناس أن يقف حيث وقف به العلم، ولا يتعدى ذلك إلى القول بغير علم. (٣) وذلك عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾ [البقرة: ٣٢] (٤)، من قول الشاعر (٥): إذا ما تَحدثتُ في مَجْلِسٍ ... تناهَى حَديثي إلى ما عَلِمْتُ ولم أَعْدُ عِلْمِي إلى غَيْرهِ ... وكانَ إذا ما تناهى سَكَتُّ (٦) ومن الأمثلة على هذا النوع من الشواهد الأدبية في كتب التفسير ما استشهد به القرطبي عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ

стр. 86

عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢)﴾ [فصلت: ٢٢] (١)، على أَنَّ الجوارح تشهد على الإنسانِ بما عمل، وهي قول الشاعر (٢): العمرُ ينقصُ والذنوبُ تزيدُ ... وتُقَالُ عَثراتُ الفَتَى فَيَعُودُ هل يَستطيعُ جُحودَ ذَنبٍ واحدٍ ... رَجُلٌ جَوارِحُهُ عليهِ شُهُودُ والمرءُ يُسألُ عَن سَنيهِ فيَشتَهي ... تَقلِيلَها وعَن المَماتِ يَحِيدُ (٣) ويوجد عند بعض المفسرين إيراد لشواهد شعرية يتمثل بها أهل التصوف وتكثر في كتبهم، وهي تدخل تحت الشواهد الأدبية، ومن الأمثلة على ذلك ما أورده القرطبي عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾ [التوبة: ٢٣] (٤)، حيث قال: «وخصَّ الله سبحانه الآباء والإخوة إذ لا قرابة أقرب منها، فنفى الموالاة بينهم كما نفاها بين الناس بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١] (٥) ليبين أنَّ القربَ قربُ الأديانِ، لا قُربُ الأبدان. وفي مثله تُنشدُ الصوفيَّةُ: يقولونَ لي دارُ الأَحبةِ قد دَنتْ ... وأَنتَ كئيبٌ إنَّ ذا لعجيبُ فقلتُ: وما تغني ديارٌ قريبةٌ ... إذا لم يكن بين القلوب قريبُ فكم من بعيد الدار نال مراده ... وآخر جار الجنب مات كئيب» (٦) ويكثر هذا النوع في تفسير القشيري (٧) المسمى بـ «لطائف الإشارات»، حيث ملأه بأمثال هذه الأبيات الشعرية التي يقصد بها معاني

стр. 87

بعيدة كما هي حال الصوفية في التفسير الإشاري. والصوفية يكثرون من الاستناد إلى الأشعار في تحقيق المعاني العلمية والعملية، ويجري ذلك في كتبهم، وفي بيان مقاماتهم، «فينتزعون معاني الأشعار، ويَضعونَها للتخلِّقِ بِمُقتضاها، وهو في الحقيقة من المُلَحِ؛ لِما في الأشعار الرقيقةِ من إمالةِ الطِّباعِ، وتَحريكِ النفوس إلى الغرض المطلوب، ولذلك اتخذهُ الوعاظُ دَيدنًا، وأدخلوه في أثناء وعظهم» (١). ومن الأمثلة في تفسير القشيري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] (٢) قال: «الأَهِلَّةُ جَمعُ هلالٍ، مواقيت للناس، لأشغالِهم ومُحاسباتِهم. وهي مواقيتُ لأهلِ القِصَّةِ - أي الصوفية - في تفاوت أحوالهم، فللزاهدين مواقيتُ أورادهم، وأَمَّا أقوامٌ مَخصوصونَ فهي لهم مواقيتُ لحِالاتِهم، قال قائلهم (٣): أَعُدُّ الليالي ليلةً بعد ليلةٍ ... وقد كنتُ قدمًا لا أعدُ اللياليا (٤) وقال آخر: ثَمانٍ قد مضين بلا تلاقٍ ... وما في الصبر فضلٌ عن ثَمانِ (٥) وقال آخر (٦): شُهورٌ يَنقضينَ وما شَعرْنَا ... بأنصافٍ لهنَّ ولا سرارِ (٧)» (٨) فهو هنا أورد ثلاثة أبيات من الشعر، يقصد بها معنى إشاريًا يفهمه الصوفية، غير المعنى الذي تدل عليه بظاهرها.

стр. 88

وقد أحصيت الشواهد الشعرية في تفسير القشيري هذا فبلغت ٦٨٣ شاهدًا شعريًا ساقها كلها مساقًا إشاريًا، غير المعنى الظاهر. وكثير من هذه الأبيات الشعرية التي أوردها قد اعتراها اختلال في الوزن، وربما يكون الخلل من الناسخ. وقد أورد كثيرًا من الشواهد الشعرية التي يوردها غيره من المفسرين، مع اختلاف وجه الاستشهاد. مثال ذلك قوله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] (١): «وقد توهم بعض الناس أن توبة بني إسرائيل كانت أشق، ولا كما توهموا؛ فإن ذلك كان مقاساة القتل مرة واحدة، وأما أهل الخصوص من هذه الأمة ففي كل لحظة قتل، ولهذا: ليسَ مَنْ مات فاستراح بِمَيْتٍ ... إِنَّمَا المَيْتُ مَيّتُ الأحياءِ (٢) وقتلُ النفسِ في الحقيقةِ التَّبَرِّي عن حَولِها وقُوتِها أو شهود شيءٍ منها، ورَدِّ دعواها إليها ... فأَمَّا بقاءُ الرسومِ والهياكلِ فلا خَطَرَ لَهُ ولا عِبْرَة به» (٣). في حين أَنَّ المفسرين يوردون هذا الشاهد الشعري للاستشهاد به على التفريق بين صيغةِ «مَيْت» بالتخفيف، و «مَيّت» بالتشديد. فذهب جَماعةٌ من اللغويين إلى أَنَّ «التشديد والتخفيف في مَيّت ومَيْت لغتان» (٤)، ولا فرق بينهما في المعنى، وقد اختاره الطبري (٥). وذهب آخرون إلى أَنَّه بالتشديد يدلُّ على ما لم يَمُت بعدُ،

стр. 89

وبالتخفيف يدلُّ على مَنْ قد ماتَ ومَنْ لَم يَمت بعدُ. قال ابن عطية: «هكذا هو استعمالُ العرب، ويشهد بذلك قول الشاعر .. ثم ذكره وشرحه فقال: «استراحَ: من الراحةِ، وقيل: من الرائحةِ، ولم يقرأَ أحدٌ بالتخفيف فيما لم يَمُت إلا ما رُوى البزيُّ عن ابن كثيرٍ: ﴿ومَا هُوَ بِمَيْتٍ﴾ والمشهورُ عنه التثقيلُ» (١). ويظهر الفرق جليًا بين إيراد القُشيريِّ للشاهد الشعري اللغوي، وصرفهِ إلى معناهُ الإشاريِّ البعيدِ لتأييدِ تفسيره الإشاري الصوفي للآيات، وبين إيراد غيره من المفسرين لهذا الشاهد الشعري، واستشهادهم اللغوي به (٢). ٧ - الشواهد التاريخية: كان تاريخ مغازي الرسول ﷺ وسيرته مادةً من مواد المفسر يلجأ إليها حين يعرض لأسباب نزول الآية، أو للأخبار والحوادث المتصلة بها، وكل ذلك ينقل فيه أبيات من الشعر حجة لإثبات الخبر أو نفيه، أو لضبط زمانه، أو مكانه. وقد كانت السيرة والتاريخ مجالًا واسعًا للاستشهاد بالشعر، بل لقد كان الشعر ضرورةً لازمةً لها يزينها ويكسبها ثقة وقوة في نفوس المستمعين والقارئين، كأنما كان الشعر دليلًا على صدق ما يروى من خبر، حتى لقد رووا أنَّ معاويةَ بن أبي سفيانَ ﵁ طلب من عَبِيد بن شَريَّةَ (٣) - حينما كان يقص عليه أخباره المتضمنة في كتاب «أخبار عبيد بن

стр. 90

شرية» - أَنْ يُوردَ في أخباره وقصصهِ كلَّ ما يتصل بها مِن شعرٍ، وقال له: وسألتكَ أَلا تَمرَّ بشعرٍ تَحفظهُ فيما قالهُ أَحدٌ إلا ذكرتَه. ومع أن عبيدًا كان لا يقصر في الاستشهاد بالشعر، فقد عاد معاوية يُلحِفُ عليهِ بقولهِ: وسألتك إِلا شددتَ حديثك ببعض ما قالوا من الشعرِ ولو ثلاثة أبيات. وحينما ذكرَ عَبيدُ أَنَّ يَعْرُبَ كان يقولُ الشعرَ قال له معاويةُ: اذكر الشعرَ الذي قال يَعْرُبُ. وكان معاويةُ كلما سَمِعَ الشعر الذي قيل في إحدى الحوادثِ اطمأَنَّ إلى صحةِ الخَبَرِ، وقال لعَبيد: لقد جئتَ بالبُرهانِ في حديثك يا عبيد، أو للهِ درُّكَ فقد جئت بالبُرهان (١). وهذا الشعبيُّ (٢) يسأل ابن عباس ﵄ عن أول الناس إسلامًا، فيجيبه ابن عباس: أو ما سَمِعتَ قول حسان بن ثابت: إذا تذكرتَ شَجْوًا مِنْ أَخِي ثِقَةٍ ... فاذكرْ أخاكَ أَبَا بَكْرٍ بِمَا فَعَلا خَيْرَ البَرِيَّةِ أَتقاها وأعدَلَهَا ... بعدَ النَّبِيِّ وأَوفَاهَا بِمَا حَمَلا الثاني التالي المحمود مشهده ... وأول الناس منهم صدق الرسلا (٣) وهذا هو المقصود بالشاهد الشعري التاريخي، وقد وردت في كتب التفسير كثيرٌ من الشواهد التي تشهد لوقائع تاريخية، وقد أوردها بعض المفسرين عند حديثهم عن الحوادث التاريخية في كتب التفسير. ومن هذه الشواهد التاريخية الغريبة في كتب التفسير ما أورده

стр. 91

الطبري في تفسيره وفي تاريخه كذلك عن آدم ﵇ حيث نقل الطبري عن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: لَمَّا قتلَ ابنُ آدم أخاه بَكى آدمُ فقال: تَغَيَّرتِ البلادُ ومَنْ عَليها ... فَلَونُ الأَرضِ مُغْبَرٌّ قَبيحُ تَغيَّرَ كلُّ ذِي لونٍ وطعمٍ ... وقَلَّ بشاشةَ الوجهُ المليحُ فأجيب آدم ﵇: أَبا هابيلَ قَد قُتِلا جَميعًا ... وصَارَ الحَيُّ كالميتِ الذَّبيحِ وجاءَ بِشِرَّةٍ قد كان منها ... على خَوفٍ فجاءَ بِها يَصيِحُ (١) قال ابن عطية: «وكذا هو الشعر بنصب بشاشة، وكف التنوين» (٢). وهذا الشعر مِمَّا انتُقِدَ على ابن إسحاق إيراده له، إذ كيف يكون حُفِظ عن آدم شعرٌ؟ ! (٣) ومن الأمثلة على هذا النوع من الشواهد عند المفسرين ما نقله القرطبي عن ابن إسحاق في قصة غزوة أحد: «قال ابن إسحاق: فبقرت هند عن كبد حمزة فلاكتها ولم تستطع أن تسيغها، فلفظتها ثم علت على صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها فقالت: نحنُ جزيناكمْ بيوم بدرِ ... والحرب بعد الحرب ذات سعرِ ما كان عن عتبة لي من صبرِ ... ولا أخي وعَمِّهِ وبِكْرِي شفيتُ نفسي وقضيتُ نذري ... شَفيتَ وَحشيُّ غليلَ صدري فشكرُ وحشيٍّ عليَّ عُمري ... حتى تَرِمَّ أعظمي في قبري» ثم ذكر بعد ذلك أشعارًا تاريخية كثيرة حول هذه الغزوة (٤).

стр. 92

٨ - الشواهد المشتركة . وهي شواهد شعرية تتضمن عددًا من مواطن الاستشهاد في مفرداتها اللغوية، أو تركيبها، وترد في كتب التفسير وغيرها، فيستشهدون بها على أكثر من وجهٍ، فهي شواهدُ صرفية، ولغوية معجمية، وتاريخية، أوردها المفسرون في مواضع متفرقة بحسب الحاجة، مع تعدد وجه الاستشهاد، وربما يكون فيها أكثر من استشهاد على جانب واحد كالجانب اللغوي مثلًا. ولكونها متعددة الجوانب حسُنَ إفرادُها بالذكر للتنبيه عليها، والحث على حفظها والعناية بها. ١ - من الأمثلة على هذا النوع قول الفرزدق، ونُسِبَ لغيره: بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا، وبَنَاتُنَا ... بَنُوهُنَّ أَبناءُ الرِّجَالِ الأَبَاعِدِ (١) فهو شاهدٌ عند النحويين «على أَنَّ المبتدأَ والخَبَر إذا تساويا تعريفًا وتَخصيصًا يَجوزُ تأخيرُ المبتدأ إذا كان هناكَ قرينةٌ معنويةٌ على تعيين المبتدأ، فإِنَّهُ قَدّم الخبر هنا على المبتدأ لوجود القرينةِ من حيثُ المعنى، فإنك عرفت أنَّ الخَبَر هو مَحطُّ الفائدة، فما يكون فيه التشبيه الذي تذكر الجملة لأجله فهو الخبر، وهو قوله: بنونا، إذ المعنى: أَنَّ بَنِي أَبنائِنا مثلُ بَنينا، لا أَنَّ بَنِينا مثلُ بني أَبنائِنا» (٢). وشاهدٌ عند البلاغيين على أَنَّهُ جاء على عكسِ التشبيهِ. قال ابنُ هشام: «قد يُقال: إِنَّ هذا البيتَ لا تقديمَ فيهِ ولا تأخير، وإِنَّهُ جاء على عكس التشبيه» (٣).

стр. 93

وشاهد عند الفُقهاء (١)، والفرضيين (٢) في بابي الوصية والانتساب للآباء دون الأمهات. قال الجاحظ: «خبَّرني النُّوشِروانيّ قال: قلت للحسن القاضي: أوصي جدِّي بثلث ماله لأولاده، وأنا من أولاده، قال: ليس لك شيء، قلت: ولم؟ قال: أو ما سمعت قول الشاعر ... » (٣). يقول العيني في شرح الشاهد: «هذا البيتُ استشهدَ به النحويونَ على جواز تقديم الخَبَرِ، والفرضيون على دخول أَبناءِ الأبناء في الميراثِ، وأَنَّ الانتسابَ للآباءِ، والفقهاءُ كذلك في الوصيَّةِ، وأهلُ المعاني والبيان في التشبيهِ، ولم أَر أحدًا منهم عزاهُ إلى قائلهِ» (٤). ٢ - ومن أمثلة هذه الشواهد في كتب التفسير قول الشاعر: ولست لإنسيٍ ولكن لملأكٍ ... تَنَزَّل من جو السماءِ يصوبُ (٥) استشهد به أبو عبيدة، والطبري، والقرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] (٦) استشهادًا لغويًا على هَمز كلمةِ «الملائكةِ» في قوله: لِمَلأَكٍ، وذلك عند بيانِ أَصلِ اشتقاقِ كلمةِ الملائكة (٧).

стр. 94

واستشهد به أبو عبيدة، والطبري، وابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩] (١) استشهادًا صرفيًا على أَنَّ «صَّيّب» بِمَعنى مطرِ، مأخوذٌ من صابَ يصوبُ، قال ابن عطية: «وأصلُ صَيِّبْ: صَيْوِب، اجتمعت الواو والياء، وسُبِقَت إحداهُما بالسكونِ، فقُلِبَت الواو ياءً، وأدغمت كما فُعِلَ في سَيِّد ومَيِّت» (٢). والأمثلة على هذا النوع كثيرة في كتب التفسير (٣). * * *

стр. 95

المبحث الثالث: الشاهد الشعري المُحتجُّ بهِ في التفسير . كان لأهلِ العربيةِ سَبْقٌ وعنايةٌ بوضع المعايِيْرِ الدقيقةِ التي يُقبلُ الشاهدُ الشعري أو يُرفض بناءً عليها، وذلك للحدِّ من التوسعِ في قبَولِ ما لا يُطمأَنُّ إليهِ منها، ولم يَخرُج المفسرونَ في كتبهم عن تلك المَعايِيْر التي وضعها علماء اللغة؛ للعلاقة الوثيقة بين اللغة والتفسير، وأَهمُّ هذه المعايير هي: أولًا - المعيار الزمني: وُضِعَ حدٌّ زمنيٌّ لما يصح الاحتجاج به من أقوال العرب شعرًا أونثرًا، فاتُّفِقَ على جَعْلِ منتصف القرن الثاني للهجرة نِهايةً لعصر الاحتجاج بشعراء الحاضرة، وذكروا أَنَّ آخرَهمْ إبراهيمُ بنُ هَرْمَة (ت ١٧٦ هـ) (١)، وجَعْلِ منتصف القرن الرابع الهجري حدًا لشعراء البادية (٢). وقد حاول العلماء بالشعر واللغة، تصنيف الشعراء الذين يُحتجُّ بِهم إلى طبقاتٍ، كما صَنَعَ علماءُ الحديثِ (٣)، وقد صنف في ذلك الأصمعي كتابه فحولة الشعراء، فقَسَّمَ الشعراء طَبَقتيْن: الفحول، وغير الفحول.

стр. 96

فجاء بعده محمد بن سلَّام (ت ٢٣١ هـ) (١) واستفاد من تقسيم الأصمعي، وحذا حذوه في تخير طبقة الفحول من الشعراء، وقال: «فاقتصرنا من الفحول المشهورين على أربعين شاعرًا» (٢). وقد قسم ابن سلاَّم الشعراءِ إلى طبقتين: الأولى: طبقات فحولِ الجاهلية. والثانية: طبقات فحول الإسلام. وفرَّقَ الشعراءَ المخضرمين على هاتينِ الطبقتيْن (٣). غير أن تقسيمه هذا لم يحظ بالقبول لكونه تقسيمًا رأسيًا مغلقًا (٤). والذي استقرَّ عليه أمر تقسيمِ الشعراءِ حسبَ عصورهم الزمنية، هو تقسيمهم إلى أربع طبقات: - الطبقة الأولى: طبقة الشعراء الجاهليين، وهم من عاش قبل الإسلام كامرئ القيس بن حُجر، وزُهَيْر بن أبي سُلْمى، وغيرهما. - الطبقة الثانية: طبقةُ المخضرمين، وهم الذين أدركو الجاهلية والإسلام كلبَيدِ بن ربيعةَ، وحَسَّانِ بن ثابت ﵄. - الطبقة الثالثة: طبقة الإسلاميين، وهم الذين عاشوا في صدر الإسلام ولم يدركوا الجاهلية، كجرير، والفرزدق. - الطبقة الرابعة: طبقة المُولَّدين، ويقال لهم المُحدَثون كبشارِ بن برُد (٥)،

стр. 97

وأبي نُواس (١)، وغيرهما. (٢) - فأَمَّا طَبقةُ الشعراءِ الجاهليين، والمُخضرَمين، فقد أَجْمعَ أهلُ العربيةِ على الاستشهادِ بشعرِهم، ونُقل الإِجْماعُ على ذلك (٣). - وأما طبقة الإسلاميين، فقد انقسم أهل العربية في صحة الاستشهاد بشعرهم إلى فريقين: الأول: الذين يردُّونَ الاستشهاد بشعر هذه الطبقة. ويُمثِّلُ هذا الفريق أبو عمرو بن العلاء (٤)، وعبدالله بن أبي إسحاق الحضرميُّ، والأصمعيُّ (٥)، حيث كانوا يُلَحِّنونِ الفرزدقَ، والكُميتَ، وذا الرُّمَّةِ وأَضرابَهم، وهم من شعراء الإسلام (٦). ويذكر الأصمعيُّ أَنَّهُ جلس إلى أبي عمرو بن العلاء ثَماني حِججٍ فما سَمعه يَحتجُّ ببيتٍ إسلامي (٧). ويُعلِّقُ ابنُ رشيق على ذلك فيقول: «هذا مذهب أبي عمرو وأصحابه،

стр. 98

كالأصمعيِّ وابنِ الأعرابيِّ، أَعني أَنَّ كلَّ واحدٍ منهم يذهبُ في أهلِ عصرهِ هذا المذهب، ويقدم من قبلهم، وليس ذلك إِلَّا لحاجتهم في الشعر إلى الشاهدِ، وقِلَّةِ ثقتهم بِما يأَتي به المُولَّدون، ثُمَّ صارت لجاجةً». (١) وقصةُ عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي مع الفرزدق مشهورة (٢). الثاني: الذين يرون صحة الاستشهاد بشعر هذه الطبقة، وهم جُمهورُ أهلِ اللغةِ كالخليلِ بن أحْمد (٣)، ويونس بن حبيب، وسيبويه وغيرهم. فقد كان يونسُ يُفضِّلُ الفرزدق، ويقول: «لولا الفرزدقُ لذهب شعرُ العرب» (٤). وابن سلَّام (٢٣١ هـ) يفضلُ جَريرًا والفرزدقَ، على ذي الرمةِ، ويقول عنه: «هو دُونَهما ويساويهما في بعضِ شعره» (٥). ويقول البغداديُّ: «وقد أَجْمعَ علماءُ الشِّعْرِ على أَنَّ جريرًا والفرزدق والأخطلَ، مُقدَّمونَ على سائر شعراء الإسلام» (٦). والذي استقرَّ عليه الأمرُ، وسار عليه المفسرون واللغويون، جوازُ الاستشهاد بشعر هذه الطبقة، وهو ما سار عليه أهل العربية (٧)، وكثير من شواهد التفسير منسوبةٌ لشعراءِ هذه الطبقةِ، فهم في كتب التفسير يكادون

стр. 99

يتساوون - من حيث عدد الشواهد - مع طبقة الجاهليين، ويزيدون على طبقة المخضرمين (١). ففي «مجاز القرآن» لأبي عبيدة احتج بثلاثةٍ وخَمسينَ شاعرًا من طبقة الإسلاميين، في حين احتجَّ بِخمسةٍ وستين شاعرًا من طبقةِ الجاهليين، وواحدٍ وأربعين شاعرًا من المُخضرمين. واحتجَّ الفراء في «معاني القرآن» باثني عشر شاعرًا إسلاميًا، مقابلَ الاحتجاج بتسعةِ شعراء من العصر الجاهلي وثَمانيةٍ من المخضرمين. والطبريُّ في تفسيره احتجَّ بثلاثةٍ وستينَ شاعرًا إسلاميًا. ولذلك يقول البغدادي عن طبقة الإسلاميين: «والصحيحُ صحةُ الاستشهاد بكلامها» (٢). والمظنونُ بالعلماء الذين لم يستشهدوا بشعر هؤلاء الشعراء أَنَّهم إِنَّما كانوا يُظهِرونَ التعصبَ للمُتقدمين ترغيبًا للناس في حفظ أشعارهم، وروايتِها؛ لأنَّها حُجةٌ في لغةِ العَربِ، فإِنَّ الشعرَ القديمَ - حتى الردئَ منهُ - صالِحٌ للاحتجاجِ به في تثبيتِ اللغةِ وقواعدِها، وتفسير القرآن والسنة، بِخلافِ شعر المتأخر فإِنَّهُ وإن كانَ جيّدًا لا يصلحُ للحُجةِ، فكان العلماء يرون أَنَّ حفظ أشعار المتقدمين والترغيب في حفظها وروايتها وإِنْ كان فيها ما هو رديءٌ من الفروض المتعينة لحفظ لغة القرآن، بِخلاف أشعار المتأخرين، يدلكَ على هذا أَنَّ العلماء كانوا يعيبون كثيرًا من أشعار المتقدمين من شعراء الجاهلية ومَنْ بعدَهم كما تراه في كتاب الموشح للمرزباني، وفي صدر كتاب الوساطة للجرجاني (٣). ويدلك على ذلك أَنَّ رجلًا أَنشدَ ابنَ الأعرابيِّ شِعرًا لأبي نُواس، فسكتَ ابنُ الأعرابي، فقال له الرجلُ: أَما هذا مِنْ أحسنِ الشِّعرِ؟ قال: بَلى، ولكنَّ القَديمَ أَحبُّ إليَّ (٤).

стр. 100

- وأما الطبقة الرابعة وهي طبقة المولَّدينَ فلم يستشهدوا بشعرهم (١)، وقد نقل السيوطيُّ الإجْماعَ على ذلك (٢). والمولَّدون هم الذين لم يتمحضوا للعرب من الشعراء، فـ «رجلٌ مولَّد، إذا كان عربيًا غيرَ مَحضٍ» (٣)، «وإِنَّما سُمِّي المُولَّدُ من الكلامِ مُولَّدًا إذا استحدثوهُ، ولم يكنْ من كلامهم فيما مَضى» (٤). «والمُولَّدُ المُحدَثُ من كل شيء» (٥). وهذا يدلُّ على أَنَّ المولَّدَ يُقصدُ به الشخصُ المُحدَثُ أيضًا، سواءً أكانَ عربيَّ النَّسبِ صراحةً أم لا، فقد كان أبو عمرو بن العلاء (١٥٤ هـ) يَعُدُّ الأخطلَ وجريرَ والفرزدق من المُحدَثين، ولم يَرْضَ الاستشهادَ بشعرهم. ومثله أبو عمرو الشيباني (٢٠٦ هـ) الذي يقول: «لولا أَنَّ أبا نواس (١٩٨ هـ) أفسدَ شِعرَهُ بهذه الأقذارِ لاحتَجَجْنا به؛ لأَنَّهُ مُحكمُ القولِ لا يُخطئ» (٦). وأبو عبيدة مَعْمرُ بن المُثَنَّى (٢١٠ هـ) يقول: «افتتح الشعرُ بامرئِ القيسِ، وخُتِمَ بابنِ هَرْمة (١٧٦ هـ)» (٧). والأصمعي (٢١٦ هـ) يقول: «ساقةُ الشعراء ابن ميَّادةَ، وابنُ هَرْمَة، ورؤبة، وحَكَمُ الخُضَريُّ (١٥٠ هـ) (٨)، ومَكينُ العذري (١٦٠ هـ)، وقد رأيتهم أجمعين» (٩). في حين أَنَّهُ يَمنعُ الاستشهاد بشعر شعراء قبل هؤلاء مثل الكميت والطرمَّاح. ومن خلال أقوال أهل العربية في التحديد الزمني لنهاية عصر الاحتجاج بالشعر، وجواز الاستشهاد به في اللغة والتفسير، يظهر اختلافهم في وضعِ تاريخٍ دقيقٍ، يكون فاصلًا بين مَنْ يصحُّ الأخذُ عنهم،

стр. 101

ومَن لا يصحّ، ولذلك يُمكنُ القول: إِنَّ المعتدلين مِنْ أهلِ العربيةِ قد ارتضوا تاريخًا وَسَطًا على وجه التقريبِ بين ذي الرمةِ المتوفى سنة ١١٧ هـ من جهةٍ، وإبراهيم بن هَرمة المتوفى سنة ١٧٦ هـ من جهة أخرى، فجعلوا سنة ١٥٠ هـ وهي منتصف القرن الثاني الهجري فيصلًا في خلافهم، يأخذون بشعر مَنْ عاشَ قبل هذا التاريخ، ويُعرِضونَ عن شعر من عاش بعده، وعلى هذا يكون الشاعرُ ابن ميادة المتوفى سنة ١٤٩ هـ (١) آخرَ شعراءِ العربية الذين يَجبُ أَنْ يُتوقفَ عندهُ في الاحتجاج والاستشهادِ، وإن كان الأصمعي يرى التوقف عند ابن هَرْمَة. غير أَنَّ هذا الإجِماعَ الذي ذكره السيوطي على عدم الاستشهاد بشعر المولَّدين قد خرَجَ عليه بعض العلماء، فقد نقلَ عَن عددٍ من أهل العربية الاستشهاد ببعض الشواهد لشعراء من هذه الطبقة، غير أَنَّهُ لم يكن اعتمادًا كليًا على هذه الشواهد، وإِنَّما هو أشبهُ ما يكون بالاستئناس، حيث يرد الشاهد مقترنًا بغيره، أو بقراءةٍ شاذةٍ، فضلًا عن أَنَّها شواهدُ قليلةٌ لا تُمثِّلُ نسبةً ذات دلالة في هذا الشأن. فقد استشهد أبو عبيدة عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾ [الصافات: ٤٧] (٢) بأَنَّ معناها: ليس فيها غَول، والغَولُ أَن تغتالَ عقولَهم. واستشهد بقول مطيع بن إياس (٣): ومَا زالتْ الكأسُ تغتالُنا ... وتذهبُ بالأَولِ الأولِ (٤)

стр. 102

ومُطيعُ بنُ إياسٍ من المولَّدين، وقد تابع أبا عبيدة في الاستشهاد بهذا الشاهد الطبريُّ (١)، والقرطبيُّ (٢) عند تفسيرهما للآية. وأمَّا الفراء فلم يرد في معانيه الاستشهادُ بشعر المولَّدين إلا بشاهدٍ للشاعر إبراهيم بن هرمة (٣)، وشاهدٍ للقاسم بن مَعْنٍ (٤)، وبقية الشواهد لشعراء من الطبقات الثلاث الأولى. وأما الطبري في تفسيره فقد التزم بالاستشهاد بأشعار الطبقات الثلاث الأولى بصرامة، وآخر الشعراء الذين استشهد بشعرهم هم إبراهيم بن هرمة (٥)، وابن ميادة الذبياني (٦)، وأبو نُخيلة السعدي الراجز (٧). وهؤلاء من الذين ذكر العلماء أنه قد خُتِمَ بِهم الشعرُ، وشاهدٍ واحد لمطيع بن إياس لم ينسبه الطبري (٨). وأما ابن قتيبة فلم يستشهد في كتابيه «تأويل مشكل القرآن» و «غريب القرآن» بأي شاهدٍ لشاعر مولَّد، مع أنه قد أورد عددًا كبيرًا من أشعارهم في كتبه الأخرى مثل «عيون الأخبار» و «الشعر والشعراء». وأَمَّا الزمخشريُّ فقد احتج ببيت لأبي تمام على تعدية الفعل «أظلم» عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ [البقرة: ٢٠] (٩)، حيث قال: «وأظلم: يحتمل أن يكون غير متعدٍ وهو الظاهر، وأن يكون متعديًا منقولًا من ظلم الليل، وتشهد له قراءة يزيد بن قطيب: (أُظْلِمَ) على ما لم يسم فاعله (١٠).

стр. 103

وجاء في شعر حبيب بن أوس (١): هُما أظلما حاليَّ ثُمَّتَ أَجليَا ... ظلاميهما عن وجهِ أمردَ أشيبِ (٢) وهو وإن كان مُحْدَثًا لا يُستشهد بشعره في اللغة، فهو من علماء العربية، فاجعل ما يَقولهُ بِمَنْزِلةِ ما يرويه. أَلا ترى إلى قول العلماء: الدليلُ عليه بيت الحماسةِ، فيقتنعون بذلك لوثوقهم بروايته وإتقانه» (٣). فهو هنا أورد البيت بعد القراءة الشاذة، فهو لم يورده بِمُفرده مع أنه احتج لما ذهب إليه باعتماد العلماء لروايته، فقاس على ذلك لغته، والغريبُ أَنَّ الزمخشريَّ مع قوله هذا في أبي تَمَّام قد خَطَّأَ أَبا نُواس في بعضِ شعرهِ مع فصاحته وتقدُّمِه (٤). ومهما يكن من أمر فإن عدد الشواهد التي أوردها العلماء من أشعار المولدين لا تُمثِّلُ شيئًا، بالنسبة للأبيات التي وردت لمن قبلهم. ويَحسُنُ التنبيه إلى أَنَّ عدم الاستشهاد بشعر المولَّدينِ لا يعني عدَمَ فصاحتهم، فقد نُقِلَتْ نقولٌ كثيرة عن أئمة علماء اللغة تُزَكِّي شعرَ هؤلاء المولَّدين. ومن ذلك تزكية أبي عمرو بن العلاء لشعر بشار بن برد (٥). وعندما أنشدَ مروانُ بن أبي حفصةَ (ت ١٨٢ هـ) بعضَ شعرهِ لِخَلف

стр. 104

الأَحْمر، ويونس بن حبيب، أثنيا عليه ثناءً عاطرًا، بل فضَّلاه على بعض شعر الأعشى، حتى أَنَّ مروان نفسه قد أنكر ذلك التفضيل (١). ويقول أبو عبيدة: «ذهبت اليمنُ بِجيِّد الشعرِ في قَديمِه وحديثه، امرؤ القيس في الأوائل، وأبو نواس في المُحدَثين» (٢). ويقول: «أبو نواس في المُحدثين مثل امرئ القيس في المتقدمين، فَتَحَ لهم هذه الفِطَنَ، ودَلَّهمْ على المعاني، وأَرشدَهُم إلى الطريقِ، والتصرفِ في فُنُونِه» (٣). ويقول الجاحظُ: «ما رأيتُ أحدًا كان أعلمَ باللغةِ من أبي نواس، ولا أفصحَ لَهجةً، مع حلاوةٍ ومُجانبةٍ للاستكراه» (٤). وقال ابن قتيبة عن أبي نواس: «وقد كان يُلَحَّنُ في أشياءَ من شِعْرِهِ، لا أُراه فيها إلا على حجة من الشعر المتقدم، وعلى علة بينةٍ من عللِ النحو» (٥). بل إِنَّ ابن السِّيدِ البَطَليوسي قد ذهب إلى أنه يكون للاستشهاد بشعر بعض المولَّدين وجهٌ مقبولٌ، وإن كان يتَّفق مع جُمهورِ العلماء في أَنَّ الأصلَ عدمُ الاحتجاج بشعرهم. فقال بعد أن استشهدَ بعددٍ من الشواهد الجاهلية التي تؤيد صحة القول بصواب إضافة لفظةِ «الآل» إلى الضمير في الصلاة على النبي وآَلِهِ. قال: «وقد قال أبو الطيب المتنبي، وإن لم يكن حُجةً في اللغة: واللهُ يُسعِدُ كُلَّ يَومٍ جَدَّهُ ... ويَزيدُ مِنْ أَعدائِهِ في آَلِهِ (٦) وأبو الطيّب وإِن كان مِمَّن لا يُحتجُّ به في اللغةِ، فإنَّ في بيته هذا حُجةٌ من جهةٍ أُخرى. وذلكَ أَنَّ النَّاس عُنوا بانتقادِ شعرهِ، وكان في عصرهِ جَماعةٌ من اللغويِيْنَ والنَّحويِيْن، كابنِ خالويهِ، وابن جِنِّي وغَيْرِهما، وما رأيتُ منهم أحدًا أنكرَ عليه إضافةَ «آل» إلى المُضمرِ،

стр. 105

وكذلك جَميعُ مَنْ تَكلَّمَ في شِعرهِ مِنْ الكُتَّابِ والشعراءِ، كالواحديِّ، وابن عَبَّادِ، والحاتِميِّ، وابنِ وكيعٍ، لا أَعلمُ لأحدٍ منهم اعتراضًا في هذا البيتِ، فدلَّ هذا على أَنَّ هذا لم يكنْ له أصلٌ عندَهم، فلذلك لم يتكلموا فيه» (١). وكلام البطليوسي هذا وجيه، غير أنه لا يصلح أن يكون قاعدة مع كل شاعرٍ مُحدَثٍ، فعنايةُ العلماءِ بشعرِ المُتنبي ليست كَعنايتهم بِشعرِ غَيْره، وقد نظر البطليوسي في القرائنِ المُحتفةِ بشعر المتنبي فدعاه إلى قوله هذا، وهذه النظرةُ النقديَّةُ للشاهدِ الشعري تَحتاجُ إلى توسعٍ وبسطٍ ليس هذا مَحلُّهُ؛ فإِنَّ شواهدَ المتقدمين يَعتري بعضها مِن الاختلالِ، والفسادِ أحيانًا ما يدعو العلماء إلى التوقف في قبولها، بل وردِّها في كثيرٍ من الأحيانِ، وسيأتي مَزيدُ بيانٍ لهذا في المبحثِ التالي. ثانيًا - المعيار المكاني: وهو ما يُمْكِنُ أن يُسمَّى مقياسَ «البداوة والتحضر»، فبعد أن استقر رأي العلماء على صحة الاستشهاد بشعر الطبقات الثلاث الأولى، قام اللغويون بمراجعة أشعارهم للوقوف على بداوة هذا الشاعر وحضارة ذاك؛ لأن البداوة كانت شرطًا من شروط الفصاحة، فنتج عن هذه المراجعة أن حكموا على قسم من الشعراء بالضعف وعدم الفصاحة ولين اللسان، مِمَّا يُبعدُ شعرَهم عن الاستشهاد والاحتجاج، وذلك بسبب بعدهم عن البداوة، ومُخالطتِهم للحضر في المدن. وقد كان لهذا العامل دور بارز في الاستشهاد، فقد مَجَّد العلماءُ الباديةَ، واتجهوا شطرها، ووثَّقوا أهلَها، فهي مَكمَنُ الفصاحةِ والبيان؛ ولذلك كانت العربُ في الحاضرة تُرسِلُ أبناءها للبادية للتربي على الفصاحة، ورُوي أَنَّ أبا عمرو بن العلاء ما كان يأخذُ لغتَه إلا من

стр. 106

أشياخِ العربِ، وأهل البَداوةِ (١)، وقد سأل الكسائيُّ الخليلَ بن أحمد: من أين أخذتَ علمك هذا؟ قال: مِن بوادي الحجازِ، ونَجدٍ، وتِهامة (٢). وجعل الجاحظُ من تَمَامِ آلةِ الشِّعرِ أن يكون الشاعرُ أعرابيًّا (٣). وذكر الفارابيُّ (٤) علةَ ذلك بقولهِ: «ولَمَّا كانَ سُكانُ البَريَّةِ في بيوت الشَّعَرِ، أو الصوفِ والخيامِ والأَحسيةِ (٥) من كل أمةٍ، أجفى وأَبعدُ من أن يَتركوا ما قد تَمكَّنَ بالعادة فيهم، وأَحرى أن يُحصِّنوا نفوسهم عن تَخيُّلِ حروفِ سائر الأمم، وألفاظهم، وألسنتهم عن النطق بها، وأحرى أَلاَّ يُخالطهم غيرُهم من الأمم، للتوحشِ والجفاء الذي فيهم، وكان سُكَّانُ المدن والقُرى وبيوتِ المَدَرِ منهم أَطبع، وكانت نفوسهم أشدَّ انقيادًا لنُطقهم بِما لم يتعودوه، كان الأفضلُ أن تؤخذ لغاتُ الأمَّةِ عن سكان البَراري منهم، متى كانت الأممُ فيها هاتان الطائفتان» (٦)، بِخلافِ الحاضرةِ التي كانتْ مِظنَّة الخلطِ واللَّحنِ (٧)، وقد أشار إلى ذلك أبو عمرو بن العلاء حينما قال: «لم أَرَ بدويًا أقامَ بالحَضَرِ إِلَّا فَسَدَ لِسانُهُ غَيْر رُؤبةَ والفرزدق» (٨). فعلى قدرِ توغُّلِ القبيلة في البداوة في وسط الجزيرة العربية -كبوادي نجد والحجاز وتهامة - تكون فصاحتها، ولذلك عَقَدَ ابنُ جني فصلًا بعنوان «بابٌ في ترك الأخذِ عن أهلِ المَدَرِ كما أُخِذَ عن أَهلِ الوَبَرِ» (٩). كما افتخر بعض البصريين بِمَروياتِهم على الكوفيين، ويقولون:

стр. 107

«إِنَّما أخذنا اللغةَ عن حَرَشةِ الضِّبابِ، وأَكَلَةِ اليَرابِيعِ، وهؤلاءِ أخذوا اللغةَ عن أَهلِ السَّوادِ أصحابِ الكَوامِيخِ وأكَلَةِ الشَّوارِيزِ» (١). ولم يكن الرفعُ من قيمةِ الباديةِ، والحطِّ من قيمةِ الحاضرةِ مقصورًا على هؤلاءِ فقط، فهناك ما يُشيْرُ إلى التفريقِ بينهما في العصرِ الجاهلي، وهو عصر الفصاحة والسليقة، فهذا عَديُّ بن زَيدٍ العِباديِّ المتوفى قبل الهجرةِ بِخمسٍ وثلاثين سنةً (٢) لا يرى العلماء الاستشهاد بشعره (٣). ومثله أميَّةُ بن أبي الصَّلت المتوفى في السنةِ الثامنة من الهجرة (٤)، حيث لا يَرى العلماءُ أَنَّ شِعرَهُ حُجَّةٌ (٥). وقد حرص العلماءُ وخاصةً أهلُ البصرةِ على تَحقُّقِ صفةِ البداوة فيمن يأخذون عنه، وكان ذلك مصدر فخر واعتزاز لهم، فهذا أبو عبيدة معمر بن المثنى عندما أتاه أبو عمر الجرمي بقطعة من كتابه «مجاز القرآن»، وقال له: «من أين أخذت هذا يا أبا عبيدة؟ فإن هذا خلاف تفسير الفقهاء (٦). فقال لي: هذا تفسير الأعراب البَوَّالِيْنَ على أعقابِهم، فإن شئتَ فخذهُ، وإن شئت فَذَرْهُ» (٧). يقول الفارابيُّ: «وبالجُملةِ فإِنَّهُ لم يُؤخَذ عن حَضريٍّ قط، ولا عن

стр. 108

سكان البَراري، مِمَّنْ كان يسكنُ أطرافَ بلادهم التي تُجاورُ سائرَ الأمم الذين حولهم فإنه لم يؤخذ لا من لَخْم (١)، ولا من جُذام (٢)؛ فإِنَّهم كانوا مُجاورِين لأهلِ مصرَ والقِبْط، ولا من قُضاعةَ (٣) وغَسَّانَ (٤)، ولا من إِياد (٥)؛ فإِنَّهم كانوا مُجاورينَ لأهلِ الشامِ، وأكثرهم نصارى، يقرأون في صلاتِهم بغير العربية، ولا من تَغلبَ ولا النَّمر (٦)؛ فإنهم كانوا مُجاورين للنَّبَطِ والفُرسِ، ولا من عبدِ القيس (٧)؛ لأَنَّهم كانوا سكَّانَ البحرين،

стр. 109

مُخالطين للهندِ والفُرسِ، ولا من أَزْدِ عُمان (١)؛ لِمُخالطتهم للهندِ والفُرسِ، ولا من أهل اليمن أصلًا؛ لمخالطتهم للهند والحبشة، ولولادة الحبشة فيهم، ولا من بَني حنيفة (٢) وسُكَّانِ اليمامةِ، ولا من ثَقيفَ (٣) وسكانِ الطائف؛ لمخالطتهم تُجَّار الأمم المقيمين عندهم، ولا من حاضرةِ الحجازِ (٤)؛ لأنَّ الذين نقلوا اللغةَ صادفوهم حين ابتدأوا ينقلون لغةَ العرب قد خالطوا غيرَهُم من الأُممِ، وفَسَدَتْ ألسنتُهُم» (٥). ويقول أيضًا: «فتعلموا لغتهم والفصيح منها، من سكان البراري منهم دون أهل الحضر، ثم من سكان البراري من كان في أوسط بلادهم، ومن أشدهم توحشًا وجفاءً، وأبعدهم إذعانًا وانقيادًا، وهم قيسُ، وتَميمُ، وأَسَدُ، وطيء، ثُمَّ هُذيل» (٦). كلُّ هذه النقول تدل على أَنَّ العلماء كانوا يَحرصون على الأخذ عن الشعراء الذين ينتمون إلى البادية، ويُضعِّفونَ ما عداهم، ولا يلجأون إلى الأخذ عن غيرهم إلا في أضيق الحدود. وهذا المعيارُ قد جعل العلماءَ يذهبون إلى أنه يُحتج بشعر الفصحاء من شعراء الحضر الجاهليين

стр. 110

والمخضرمين والإسلاميين والأمويين والعباسيين حتى نهاية القرن الثاني الهجري، وأما في البادية المنقطعة فيحتج بشعر شعرائها حتى نهاية القرن الرابع الهجري، تقديرًا لِبَداوتِهم، وبُعدِهم عن تأثير اللحن (١). فترى أهل العربية يَحتجونَ بشعر ابنِ ميَّادةَ، وأبي نُخيلةَ الراجز، وأبي حيَّةَ النُّميريِّ، وابنِ هَرْمَةَ وكلهم بَدويٌّ فصيحٌ، ولا يَحتجون بِمَن عاصرَهم من شعراء المدنِ مثلِ بشارِ بن بُردٍ، والوليدِ بن يزيد، وأبي نُواس، وأَبي تَمَّام والبُحتريِّ؛ لأَنَّهم من أبناءِ المدينة والحضارة (٢). ثالثًا - المعيارُ القَبَليُّ: لهذا المعيار علاقة وثيقة بالمعيار المكاني؛ لارتباط القبيلة - غالبًا - بمكان وبيئة واحدة، وقد اشترط أهل العربية فيمن تؤخذ عنه اللغة، ويجوز الاحتجاج بأشعارهم ألا يكونوا من القبائل التي تسكن أطراف الجزيرة العربية، مجاورين بذلك الأعاجم أو الأحباش أو غيرهم من الأمم، وحجتهم في ذلك الحرص الشديد على سلامة اللغة، وخوفهم من تسرب اللحن إليها. روي عن ابن عباس ﵄ أن القرآن نزل على سبع لغات، منها خمس بلغة العجز من هوازن، وهم الذين يقال لهم عليا هوازن، وهم خمس قبائل أو أربع، منها سعد بن بكر، وجشم بن بكر، ونصر بن معاوية، وثقيف (٣). ويقول أبو عمرو بن العلاء: «أفصح الشعراء ألسنًا، وأعربهم أهلُ السروات، وهنَّ ثلاث: وهي الجبال المطلة على تهامة مما يلي اليمن، فأولها هذيل: هي تلي السهل من تهامة، ثم بَجِيلَة السراة الوسطى، وقد شركتهم ثقيف في ناحية منها، ثُمَّ سَراةُ الأَزْدِ، أَزدِ
следующие страницы →