← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148095

شرح سنن ابن ماجه للهرري = مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه

محمد الأمين الهرري

Полный текст (12 442 стр.). Показаны 11166–11205 · переход к 11171.

стр. 11166

إِنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالْأَغَالِيط، فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ مَنِ الْبَابُ، فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: عُمَرُ. === الباب؛ لـ (أني حدثته حديثًا) صحيحًا (ليس بالأغاليط) والأكاذيب، ومثل هذا الحديث لا يخفى. قال ابن بطال: قوله: (ذلك أجدر ألا يغلق أبدًا) إنما قال ذلك؛ لأن العادة أن الغلق إنما يمكن في الصحيح، أما إذا انكسر .. فلا يتصور غلقه حتى يجبر ويصلح، وقال الحافظ في "الفتح" (٦/ ٦٠٦): وقد وافق حذيفة أبو ذر على رواية معنى هذه المقالة فيما روى الطبراني بإسناد رجاله ثقات: (أنه لقي عمر، فأخذ بيده فغمزها، فقال له أبو ذر: أرسل يدي يا قفل الفتنة ... ) الحديث، وفيه: أن أبا ذر قال: (لا تصيبكم فتنة ما دام فيكم، وأشار إلى عمر). وروى البزار من حديث قدامة بن مظعون عن أخيه عثمان أنه قال لعمر: (يا غلق الفتنة، فسأله عن ذلك، فقال: مررت ونحن جلوس عند رسول الله ﷺ ، فقال: هذا غلق الفتنة، لا يزال بينكم وبين الفتنة باب شديد الغلق ما عاش). انتهى. قال شقيق بن سلمة: (فهبنا) نحن معاشر الحاضرين عند حذيفة؛ أي: خفنا خوف إجلال واستحياء (أن نسأله) أي: أن نسأل حذيفة (من) هو ذلك (الباب) الذي بينهم وبين الفتنة. قال شقيق: (فقلنا لمسروق) بن الأجدع: (سله) أي: اسأل حذيفة من هو ذلك الباب الذي كان بينهم وبين الفتنة (فسأله) أي: فسأل مسروق من هو ذلك الباب الذي كان بينهم وبين الفتنة؟ (فقال) حذيفة في جوابه: ذلك الباب هو (عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، والله أعلم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في مواضع منها في كتاب

стр. 11167

(١١٣) - ٣٩٠٠ - (٦) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُحَارِبِيُّ وَوَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَش، === الفتن، باب الفتنة التي تموج كموج البحر، ومسلم في كتاب الفتن أيضًا، وفي كتاب الإيمان، والترمذي في كتاب الفتن، باب رقم (٧١)، وقال: هذا حديث صحيح. فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث معاذ بن جبل. * * * ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث معاذ بن جبل بحديث عبد الله بن عمرو ﵃، فقال: (١١٣) - ٣٩٠٠ - (٦) (حدثنا أبو كريب) محمد بن العلاء بن كريب الهمداني الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (٢٤٧ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع). (وعبد الرحمن) بن محمد بن زياد (المحاربي) أبو محمد الكوفي، لا بأس به، وكان يدلس، قاله أحمد، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع). (ووكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع). كلهم رووا (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، ثقة مقرئ، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).

стр. 11168

عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَّنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَيْه، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: بَيْنَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ .. إِذْ نَزَلَ مَنْزِلًا، فَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُ خِبَاءَهُ، === (عن زيد بن وهب) الجهني أبي سليمان الكوفي، ثقة مخضرم فاضل، لم يصب من قال: في حديثه خلل، من الثالثة، مات بعد الثمانين، وقيل: سنة ست وتسعين (٩٦ هـ). يروي عنه: (ع). (عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة) العائذي - بعين مهملة وتحتية - وقيل: الصائدي الكوفي، ثقة، من الثانية. روى عن: عبد الله بن عمرو، ويروي عنه: زيد بن وهب الجهني، له في الكتب الستة حديث واحد في الفتن، وفيه الحث على طاعة الأمير في طاعة الله، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجلي: تابعي ثقة كوفي. يروي عنه: (م د س ق). (قال) عبد الرحمن: (انتهيت إلى عبد الله بن عمرو بن العاص) القرشي رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. أي: وصلت إلى عبد الله بن عمرو (وهو) أي: والحال أن عبد الله (جالس في ظل الكعبة والناس) أي: والحال أن الناس أيضًا (مجتمعون عليه) محيطون به واقفون عليه (فسمعته) أي: فسمعت عبد الله بن عمرو حالة كونه (يقول: بينا نحن) أي: بينا أوقات نحن ماشون (مع رسول الله ﷺ في سفر) من أسفاره، ولم أر من عين هذا السفر من شراح الأصول .. (إذ نزل) رسول الله ﷺ (منزلًا) في الطريق للاستراحة من تعب السفر (فمنا) معاشر الماشين معه (من يضرب) ويبني ويصلح (خباءه) أي:

стр. 11169

وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ، وَمِنَّا مَنْ هُوَ فِي جَشَرِهِ؛ إِذْ نَادَى مُنَادِيهِ (الصَّلَاةَ جَامِعَةً) === خيمته؛ والخباء: بيت من صوف أو وبر لا من الشعر. انتهى "سندي". (ومنا من ينتضل) أي: يرمي بالسهام تدربًا وتجارب قدر تعلمه وفروسيته؛ والمناضلة: المراماة بالسهام، يقال: انتضلوا وتناضلوا؛ إذا تراموا بالسهام تدربًا ومسابقةً، ويقال: انتضلوا بالكلام والأشعار (ومنا من هو في) رعي (جشره) ودوابه. وفي "المنجد": الجشر - بفتحتين - والجشار - بضم الجيم -: هي الدواب التي ترعى في مكانها، ولا ترجع إلى أهلها بالليل، بل تبيت مكانها، وقال أبو عبيد: الجشر: القوم يخرجون بدوابهم إلى المرعى ويبيتون مكانهم، لا يأوون إلى البيوت، يقال: جشر الدواب يجشرها؛ من باب نصر، جشرًا - بسكون الشين المعجمة - إذا خرج الرجل بدوابه يرعاها أمام بيته؛ كما في "تاج العروس". والمعنى: ومنا من كان مع دوابه ليرعاها حول ذلك المنزل. و(إذ) في قوله: (إذ نادى مناديه) بمعنى (إذا) الفجائية مع تقدير الفاء العاطفة على (نزل) والتقدير: فنزل رسول الله ﷺ منزلًا، فافترق القوم في حوائجهم، ففاجأنا نداء مناديه ﷺ ينادي بقوله: (الصلاة جامعة) بنصب الجزأين: الأول: على الإغراء، والثاني: على الحال؛ أي: أدركوا الصلاةَ حالة كونها جامعةً للناس. قال القرطبي: وكأنه حضر وقت صلاة مفروضة، فلما جاؤوا وصلوا معه .. خطبهم رسول الله ﷺ . وسكت الراوي عن ذلك، وإلا .. فمن المحال أن ينادي منادي الصادق بالصلاة ولا صلاة. انتهى.

стр. 11170

فَاجْتَمَعْنَا، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَخَطَبَنَا فَقَالَ: "إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ خَيْرًا لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ مَا يَعْلَمُهُ شَرًّا لَهُمْ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَتْ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا، === قال الأبي: والأظهر أن المراد بالصلاة: الصلاة لغةً؛ أي: الدعوة جامعة، وهو كلام جرى العرف به في نداء القوم لأمر مهم. وكان الشيخ ابن عرفة يحملها على أنها صلاة الفرض، فأخذ منه جواز ما يفعله المؤذنون اليوم من التحضير عند فراغهم من الأذان، وأنه ليس ببدعة، خلافًا لما ذهب إليه بعض متأخري التونسيين؛ من أنه بدعة، وكان الشيخ يستحسن هذا الأخذ، وفيه نظر؛ لأنه وإن سلم أنها صلاة الفرض .. فإنه لم يتكرر ذلك، وإنما يستعمل في الدعاء لأمر مهم. انتهى من "الأبي". ويمكن أيضًا أن يكون هذا قبل مشروعية الأذان، وقد ثبت أن المسلمين قبل مشروعية الأذان كانوا ينادون: (الصلاة جامعة). انتهى منه. (فاجتمعنا) إلى رسول الله ﷺ (فقام رسول الله ﷺ فخطبنا فقال) في خطبته: (إنه) أي: إن الشأن والحال (لم يكن نبي) من الأنبياء (قبلي إلا كان حقًّا) أي: واجبًا (عليه) أي: على ذلك النبي (أن يدل) ويرشد (أمته على) جميع (ما يعلمه) كونه (خيرًا لهم، وينذرهم) أي: يخوفهم عن جميع (ما يعلمه) كونه (شرًّا لهم) وإنما كان ذلك حقًّا واجبًا عليه؛ لأنه من طريق النصيحة والاجتهاد في التبليغ والبيان لهم (وإن أمتكم هذه) التي هي أنتم منها؛ يعني: المحمدية (جعلت عافيتها) أي: سلامتها من الفتن واستقامتها واجتماع كلمتها (في أولها) يعني بأول الأمة: زمانه وزمان الخلفاء الثلاثة إلى قتل عثمان، فهذه الأزمنة كانت أزمنة اتفاق هذه الأمة، واستقامة أمرها، وعافية دينها، فلما قتل عثمان .. هاجت الفتن؛

стр. 11171

وَإِنَّ آخِرَهُمْ يُصِيبُهُمْ بَلَاءٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا، ثُمَّ تَجِيءُ فِتَنٌ يُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ مُهْلِكَتِي، ثُمَّ تَنْكَشِفُ، ثُمَّ تَجِيءُ فِتْنَةٌ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ === كموج البحر، وتتابعت؛ كقطع الليل المظلم، ثم لم تزل ولن تزال متوالية إلى يوم القيامة (وإن آخرهم) أي: آخر هذه الأمة المحمدية (يصيبهم بلاء) أي: فتن واختلاف (وأمور تنكرونها) من البدع والخرافات. وعلى هذا المعنى الذي ذكرناه آنفًا؛ فأول آخر هذه الأمة المعنى في هذا الحديث مقتل عثمان، وهو الآخر بالنسبة إلى ما قبله من زمان الاستقامة والعافية، وقد دل على هذا قوله: "وأمور تنكرونها" والخطاب لأصحابه، فدل: على أن منهم من يدرك أول ما سماه آخر، وكذلك كان. انتهى من "المفهم". (ثم) بعد أول هذا الآخر (تجيء فتن) كثيرة فيهم (يرقق) - بضم الياء وبالقافين أولاهما مشددة مكسورة - من الترقيق؛ أي: يصير (بعضها بعضًا) آخر رقيقًا؛ أي: خفيفًا سهلًا بالنسبة إلى ما سيقع بعدها؛ لعظم ما بعده؛ أي: فالثاني يجعل الأول خفيفًا، قال القاضي: هذه رواية الجمهور. وفي رواية: (يرفق) - بفاء ثم قاف، على وزن ينصر - أي: يَمُدُّ بعضُها بعضًا؛ من قولهم: رفقه؛ إذا نفعه وأعانه. وفي رواية الطبري عن الفارسي: (فيَدْفِق) - بدال ثم فاء ثم قاف، على وزن يضرب - أي: يَدْفَع ويصُبُّ من الدَّفْق؛ وهو الدفع، ومنه: الماء الدافق؛ يعني: أنها كموج البحر الذي يَدْفَعُ بعضُه بعضًا. (فيقول المؤمن: هذه) الفتنةُ الحالَّةُ بِي الآن (مُهْلِكتي) أي: معدمتي (ثم تنكشف) وتنفرج عنه، وتزول تلك الفتنة التي خاف منها الهلاك (ثم تجيء فتنة) أخرى غير الأولى التي سلم منها (فيقول المؤمن: هذه) الثانية

стр. 11172

مُهْلِكَتِي، ثُمَّ تَنْكَشِفُ، فَمَنْ سَرَّهُ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ .. فَلْتُدْرِكْهُ مَوْتَتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يَأْتُوا إِلَيْه، === هي (مهلكتي) أي: معدمتي (ثم تنكشف) وتنفرج عنه هذه الثانية ويسلم منها. والحاصل: أن المتأخرة من الفتن المتوالية أعظم من المتقدمة وأشد، فتصير المتقدمة عندها سهلة رقيقة، قاله السندي. قال القرطبي: شبه المؤمن في هذه الفتن بالعائم الغريق بين الأمواج، فإذا أقبلت عليه موجة .. قال: هذه مهلكتي، ثم تروح عنه تلك، فتأتيه أخرى، فيقول: هذه الأخيرة هي مهلكتي إلى أن يغرق بالكلية، وهذا تشبيه واقع حسًّا. (فمن سره) وبشره (أن يزحزح) - بالبناء للمجهول - أي: أن يبعد وينحى (عن النار) الأخروية ويؤخر منها (ويدخل الجنة) - بالبناء للمجهول أيضًا - من الإدخال .. (فلتدركه) - بفتح الفاء وسكون اللام وضم التاء وكسر الراء وسكون الكاف - لأنه مجزوم بلام الأمر، فهو من الإدراك؛ أي: فلتلحقه (موتته) وفي رواية: (منيته) والمعنى واحد، أي: فلتأخذه منيته (وهو) أي: والحال أنه (يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس) أي: وليبذل إلى الناس وليفعل بهم الأمر (الذي يحب أن يأتوا) أي: يحب أن يفعل الناس معه ويبذلوا (إليه) أي: إلى نفسه من النصيحة والإحسان إليه. قال القرطبي: وليجئ إلى الناس بحقوقهم؛ من النصح والنية الحسنة بمثل الذي يحب أن يجاء إليه به، وهذا مثل قوله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم، حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". و(الناس) هنا: الأئمة والأمراء، فيجب عليه لهم السمع والطاعة

стр. 11173

وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَمِينِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ .. فَلْيُطِعْهُ مَا اسْتَطَاعَ؛ فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ .. فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ"، === والنصرة والنصيحة؛ مثل ما لو كان هو الأمير .. لكان يحب أن يجاء له به. انتهى. قال النووي: هذا من جوامع كلمه ﷺ وبديع حكمه، وهذه قاعدة مهمة، فينبغي الاعتناء بها، وأن الإنسان يلزمه ألا يفعل مع الناس إلا ما يحب أن يفعلوه معه. انتهى منه. (ومن بايع إمامًا) أي: عاهده على الإمامة له (فأعطاه) في بيعته (صفقة يمينه) أي: صفحة كفه في معاهدته والتزام طاعته (وثمرة قلبه) أي: صدق نيته في بيعته؛ يعني: بايعه بيده، وأحبه بقلبه .. (فليطعه ما استطاع) وقدر على طاعته فيه؛ والمعنى: فيما استطاع فيه حسًّا وشرعًا. قال القرطبي: وهذا الحديث يدل على أن البيعة لا يكتفى فيها بمجرد عقد اللسان فقط، بل لا بد فيها من الضرب باليد؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (١). ولكن ذلك للرجال فقط؛ على ما يأتي، ولا بد من التزام البيعة بالقلب وترك الغش والخديعة؛ فإنها من أعظم العبادات، فلا بد فيها من النية والنصيحة، والصفقة في الأصل: الضرب بالكف على الكف؛ وهو التصفيق، وقد تقدم في كتاب الصلاة. (فإن جاء) وظهر رجل (آخر ينازعه) أي: ينازع الأول ويخاصمه ويعارضه في الإمامة .. (فاضربوا عنق) ذلك (الآخر) ومعناه: ادفعوا الثاني؛ فإنه خارج

стр. 11174

قَالَ: فَأَدْخَلْتُ رَأْسِي مِنْ بَيْنِ النَّاس، فَقُلْتُ: أَنْشُدُكَ اللهَ آنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: فَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أُذُنَيْه، فَقَالَ: سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي. === على الإمام، فإن لم يندفع إلا بحرب وقتال .. فقاتلوه، فإن دعت المقاتلة إلى قتله .. جاز قتله ولا ضمان فيه؛ لأنه ظالم متعد في قتاله، كذا في "شرح النووي". (قال) عبد الرحمن: (فأدخلت رأسي من بين الناس) فدنوت؛ أي: قربت منه أي: من عبد الله بن عمرو (فقلت) له أي: لعبد الله: (أنشدك الله) أي: أسألك حالفًا بالله (آنت سمعت هذا) أي: هل أنت سمعت هذا الحديث (من رسول الله ﷺ ؟ ) واستحلاف عبد الرحمن لعبد الله بن عمرو زيادة في الاستيثاق لا أنه كذبه ولا اتهمه (قال) عبد الرحمن: (فأشار) عبد الله (بيده إلى أذنيه، فقال: سمعته أذناي) هاتان، وأنث الفعل؛ لأن الأذن مؤنث معنوي؛ أي: سمعت أذناي هذا الحديث من رسول الله ﷺ حين تكلم به (ووعاه) أي: وعى هذا الحديث وحفظه (قلبي) من رسول الله ﷺ ، وهذا الحديث قد رواه المؤلف مختصرًا؛ كما اختصره أبو داوود؛ وقد رواه مسلم بتمامه مطولًا. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الإمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول مطولًا؛ كما مر آنفًا، وأبو داوود مختصرًا أيضًا في كتاب الفتن والملاحم، باب ذكر الفتن ودلائلها، والنسائي في كتاب البيعة، باب ذكر ما على من بايع الإمام وأعطاه صفقة يده. ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به. * * *

стр. 11175

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ستة أحاديث: الأول للاستدلال، والرابع للاستئناس، وأربعة للاستشهاد. والله أعلم

стр. 11176

(٣٩) - (١٤٥٠) - بَابُ التَّثَبُّتِ فِي الْفِتْنَةِ (١١٤) - ٣٩٠١ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو === (٣٩) - (١٤٥٠) - (باب التثبت في الفتنة) (١١٤) - ٣٩٠١ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم). (ومحمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي أبو جعفر التاجر، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق). (قالا) أي: قال كل من هشام ومحمد: (حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم) سلمة بن دينار المدني، صدوق فقيه، من الثامنة، مات سنة أربع وثمانين ومئة (١٨٤ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع). (حدثني أبي) أبو حازم الأعرج التمار المدني القاضي، ثقة عابد، من الخامسة، مات في خلافة المنصور. يروي عنه: (ع). (عن عمارة) بن عمرو (بن حزم) - بحاء مهملة وزاي ساكنة - الأنصاري المدني، ثقة، استشهد بالحرة، وقيل: مع ابن الزبير، من كبار الثالثة. يروي عنه: (د ق). (عن عبد الله بن عمرو) بن العاص القرشي السهمي رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.

стр. 11177

أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "كَيْفَ بِكُمْ وَبِزَمَانٍ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ يُغَرْبَلُ النَّاسُ فِيهِ غَرْبَلَةً، وَتَبْقَى حُثَالَةٌ مِنَ النَّاسِ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ فَاخْتَلَفُوا وَكَانُوا === (أن رسول الله ﷺ قال: كيف بكم وبزمان) أي: كيف حياتكم في زمان يغربل فيه الناس، وكيف حياتكم فيه، أو قال رسول الله ﷺ : (يوشك أن يأتي) زمان (يغربل الناس فيه) والشك من الراوي؛ أي: يقرب أن يأتي زمان (يغربل) بالبناء للمجهول (الناس) نائب فاعل له، والضمير في قوله: (فيه) عائد على الزمان (غربلةً) بالنصب على المفعولية المطلقة؛ أي: سيأتي زمان يغربل ويميز فيه خيار الناس عن أراذلهم؛ كالدقيق الذي يغربل ويميز صافيه من النخالة والقشور بالغربال والمناخل (وتبقى) فيه (حثالة من الناس) أي: أراذل منهم. وفي رواية أبي داوود: (تبقى حثالة من الناس)، وفي "المرقاة" للقاري: الحثالة - بضم الحاء المهملة وبالثاء المثلثة -: هي ما سقط من قشر الشعير والأرز والبر، والرديء من كل شيء. والمعنى: يذهب خيارهم، ويبقى أراذلهم. والحال أنه (قد مرجت) واختلطت وفسدت (عهودهم وأماناتهم) يعني: إذا تعاهدوا .. لا يفون بالعهد، وإذا اؤتمنوا .. لا يؤدون الأمانة؛ أي: لا يكون أمرهم مستقيمًا، بل يكون كل واحد منهم في كل لحظة على طبع، وفي أخرى على طبع. والمعنى: إذا تعاهدوا .. ينقضون العهود إن شاؤوا، ويفون إن شاؤوا، وإذا اؤتمنوا .. يؤدون الأمانات إن شاؤوا، ويخونون إن شاؤوا. (فاختلفوا) في أمر دينهم ودنياهم (وكانوا) في اختلافهم واختلاطهم

стр. 11178

هَكَذَا"، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ قَالُوا: كَيْفَ بِنَا يَا رَسُولَ اللهِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ؟ قَالَ: "تَأْخُذُونَ بِمَا تَعْرِفُونَ، وَتَدَعُونَ مَا تُنْكِرُونَ، وَتُقْبِلُونَ عَلَى خَاصَّتِكُمْ وَتَذَرُونَ أَمْرَ عَوَامِّكُمْ". === (هكذا) أي: كَالأصابعِ المشبَّكة المختلفة (وشبك) رسول الله ﷺ (بين أصابعه) أي: بين أصابع يديه تمثيلًا وتصويرًا لاختلافهم واختلاطهم؛ أي: يمرج بعضهم ببعض ويلتبس أمر دينهم ودنياهم، فلا يعرف الأمين من الخائن، ولا البر من الفاجر، كذا في "المجمع". والحاصل: أن في ذلك الزمان غلب الفساد، وشاع الجهل، فلا ينجع فيه النصح، ولا يقبل قول الناصح، فحينئذٍ: يسقط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. انتهى من "البذل". (قالوا) أي: قال الحاضرون عند رسول الله ﷺ : (كيف) توصي (بنا) وبأي عمل تأمرنا (يا رسول الله إذا كان ذلك) الزمان وأدركناه؟ فـ (قال) لهم رسول الله ﷺ في جواب سؤالهم: إذا كان ذلك الزمان (تأخذون) أي: تفعلون (بما تعرفون) كونه من معروفات الشرع (وتدعون) أي: تتركون بـ (ما تنكرون) أي: بما تعرفون كونه من منكرات الشرع (وتقبلون) أي: تهتمون (على) إصلاح ونصيحة من كان من (خاصتكم) أي: ممن يختص بكم من الأهل والخدم، أو على إصلاح الأحوال المختصة بكم (وتذرون) أي: تتركون (أمر عوامكم) أي: تتركون إصلاح ونصيحة من لم يكن من خواصكم؛ يعني: أمر عامة الناس؛ لأن في ذلك الزمان لا ينجع النصح ولا تقبل النصيحة ولا الإرشاد. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الفتن والملاحم، باب الأمر والنهي عن السعي في الفتنة.

стр. 11179

(١١٥) - ٣٩٠٢ - (٢) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنِ الْمُشَعَّثِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِت، عَنْ أَبِي ذَرٍّ === ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة. * * * ثم استشهد المؤلف لحديث عبد الله بن عمرو بحديث أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنهم، فقال: (١١٥) - ٣٩٠٢ - (٢) (حدثنا أحمد بن عبدة) بن موسى الضبي أبو عبد الله البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (م عم). (حدثنا حماد بن زيد) بن درهم الأزدي الجهضمي البصري، ثقة ثبت فقيه، من كبار الثامنة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع). (عن أبي عمران الجوني) عبد الملك بن حبيب الأزدي أو الكندي البصري، مشهور بكنيته، ثقة، من كبار الرابعة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع). (عن المُشعَّث) - بتشديد المهملة المفتوحة بعدها مثلثة - ويقال: المُنْبَعث - بسكون النون وفتح الموحدة وكسر المهملة ثم بمثلثة آخره - (ابن طريف) قاضي هراة، مقبول، من السادسة. يروي عنه: (د ق). (عن عبد الله بن الصامت) الغفاري البصري، ثقة، من الثالثة، مات دون المئة بعد السبعين. يروي عنه: (م عم). (عن أبي ذر) جندب بن جنادة الغفاري الربذي رضي الله تعالى عنه مشهور

стр. 11180

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَيْفَ أَنْتَ يَا أَبَا ذَرٍّ وَمَوْتًا يُصِيبُ النَّاسَ حَتَّى يُقَوَّمَ الْبَيْتُ بِالْوَصِيفِ"، === بكنيته، تقدم إسلامه، تأخرت هجرته فلم يشهد بدرًا، الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، مات سنة اثنتين وثلاثين (٣٢ هـ). يروي عنه: (ع). وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (قال) أبو ذر: (قال لي) كما في "أبي داوود" (قال رسول الله ﷺ : كيف) تكون (أنت يا أبا ذر وموتًا) أي: مع موت (يصيب الناس) بالمدينة لا بالحمى؛ كما في بعض الروايات؛ بل بسبب القحط، أو وباء من عفونة هواء؛ أي: ريح أو غيرها (حتى يُقوَّم) بالبناء للمفعول مع تشديد الواو المفتوحة (البيتُ) نائب فاعل له؛ من التقويم (بالوصيف؟ ) أي: بالعبدِ، قيل: المراد بالبيت: القبر؛ أي: يُباع موضع القبر بعبدٍ وصيفٍ؛ لارتفاع سعر مواضع القبور؛ لكثرة الموتى، أو حتى يبلغ أجرةُ الحافر قيمةَ العبد؛ لكثرة الأموات وقلة الحُفَّار واشتغالهم بالمعيشة، وقيل: المراد بالبيت: المتعارف؛ أي: السَّكَن. والمعنى: أن البيوت تكون رَخيصةً؛ لكثرةِ الموت وقِلة مَنْ يسكنُها، فيباع البيت بعبدٍ، مع أن البيت عادةً يكون أكثر قيمةً من العبد. انتهى "سندي". قال الخطابي: البيت ها هنا: القبر، والوصيف: الخادم؛ يريد: أن الناس يشتغلون عن دفن موتاهم حتى لا يوجد فيهم من يحفر قبر الميت أو يدفنه، إلا أن يعطى وصيفًا أو قيمته، والله أعلم. وقد يكون معناه: أن يكون مواضع القبور تضيق عنهم، فيبتاعون لموتاهم القبور كل قبر بوصيف. انتهى. وقد تعقب التوربشتي على هذا المعنى الثاني حيث قال: وفيه نظر؛ لأن

стр. 11181

يَعْنِي: الْقَبْرَ، قُلْتُ: === الموت وإن استمر بالأحياء أو فشا فيهم كل الفشو .. لم ينته بهم إلى ذلك، وقد وسع الله عليهم الأمكنة. وأجيب: بأن المراد بموضع القبور: الجبانة المعهودة بالمدينة، وقد جرت العادة بأنهم لا يتجاوزون عنها؛ كذا في "المرقاة". قلت: وقع في رواية "المصابيح" و"المشكاة": "كيف بك يا أبا ذر إذا كان بالمدينة موت يبلغ البيتُ العبدَ، حتى أنه يباع القبر بالعبد؟ ". فهذه الرواية تؤيد المعنى الثاني، وهذا المعنى هو المتعين؛ لأن الحديث يفسر بعضه بعضًا، والله أعلم. ولفظ البغوي في "المشكاة" مع العلامة الأردبيلي في "الأزهار شرح المصابيح": (عن أبي ذر قال: كنت رديفًا خلف رسول الله ﷺ يومًا على حمار، فلما جاوزنا بيوت المدينة .. قال: كيف بك يا أبا ذر إذا كان بالمدينة جوع تقوم عن فراشك ولا تبلغ مسجدك حتى يجهدك الجوع؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: تعفف يا أبا ذر، قال: كيف بك يا أبا ذر إذا كان بالمدينة موتٌ يبلغ البيتُ العبدَ حتى إنه يباع القبر بالعبد؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: تَصَبَّر يا أبا ذر، قال: كيف بك يا أبا ذر إذا كان بالمدينة قتلٌ تَغْمرُ الدماءُ أحجار الزيت؟ قال: قلتُ: الله ورسوله أعلم، قال: تَأْتِي مَنْ أنتَ منه، قال: قلت: وأَلْبس السلاح؟ قال: شاركْتَ القوم إذًا، قلتُ: فكيف أَصْنَع يا رسول الله؟ قال: إن خشيتَ أن يَبْهَرَكَ شعاعُ السَّيفِ .. فألق ناحيةَ ثوبك على وجهك؛ لِيَبُوء بإثمك وإثمه ... ) الحديث. قال بعض الرواة: (يعني) النبي ﷺ بالبيت: (القبر) قال أبو ذر: (قلت) لرسول الله ﷺ في جواب سؤاله: أختار من

стр. 11182

مَا خَارَ اللهُ لِي وَرَسُولُهُ، أَوْ قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "تَصَبَّرْ"، قَالَ: "كَيْفَ أَنْتَ وَجُوعًا يُصِيبُ النَّاسَ حَتَّى تَأْتِيَ مَسْجِدَكَ فَلَا تَسْتَطِيعَ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى فِرَاشِكَ، وَلَا تَسْتَطِيعَ أَنْ تَقُومَ مِنْ فِرَاشِكَ إِلَى مَسْجِدِكَ؟ "، قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، أَوْ مَا خَارَ اللهُ لِي وَرَسُولُهُ، قَالَ: === الأحوال (ما خار الله لي ورسوله) أي: ما اختار الله لي ورسوله (أو قال) أبو ذر في جواب استفهام الرسول ﷺ : (الله ورسوله أعلم) ما أكون عليه، وفي "العون": الله أعلم بحالي وحال غيري في تلك الحال وسائر الأحوال. انتهى. والشك من بعض الرواة. فـ (قال) لي رسول الله ﷺ : (تَصَبَّرْ) قال القاري: بتشديد الموحدة المفتوحة؛ أمر من باب التفعل؛ أي: تكَلَّف الصبر على ما أصابك وغَيْرَك من كثرة الموت، وفي نسخة: (تَصْبرُ) مضارع صبر الثلاثي؛ على أنه خبر بمعنى الأمر؛ أي: اصْبِر على ما أصابك وغيرك من تلك الحال التي هي كثرةُ الموت. ثم (قال) لي رسول الله ﷺ : (كيف) تكون (أنت وجوعًا) أي: مع جوع (يصيب) جميع (الناس) وأصابك أيضًا (حتى تأتي) أنت (مسجدك) للصلاة (فلا تستطيع) أي: فلا تقدر أنت لشدة الجوع بك (أن ترجع إلى فراشك) في بيتك (و) إذا رجعت إليه .. فـ (لا تستطيع أن تقوم من فراشك) وترجع (إلى مسجدك؟ قال) أبو ذر: (قلت) لرسول الله ﷺ في جواب سؤاله: (الله ورسوله أعلم) بما يكون خيرًا لي (أو) قال أبو ذر - الشك من الراوي -: (ما خار الله لي ورسوله) أي: ما اختار الله لي من الأحوال .. فهو خير لي، فـ (قال) لي رسول الله ﷺ :

стр. 11183

"عَلَيْكَ بِالْعِفَّةِ"، ثُمَّ قَالَ: "كَيْفَ أَنْتَ وَقَتْلًا يُصِيبُ النَّاسَ حَتَّى تُغْرَقَ حِجَارَةُ الزَّيْتِ بِالدَّمِ؟ "، قُلْتُ: مَا خَارَ اللهُ لِي وَرَسُولُهُ، قَالَ: "الْحَقْ بِمَنْ أَنْتَ مِنْهُ"، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَفَلَا آخُذُ بِسَيْفِي فَأَضْرِبَ بِهِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: "شَارَكْتَ === (عليك بالعفة) أي: الزم العفة؛ أي: التعفف عن الحرام في مأكلك ومفرشك وفعلك. (ثم قال) لي رسول الله ﷺ : (كيف) تكون (أنت وقتلًا) أي: مع قتل (يصيب الناس) من أهل المدينة (حتى تُغْرقَ) - بالبناء للمفعول - أي تُطْلَى وتُستر (حجارةُ الزيت بالدم؟ ) أي: كأنها طُليت بدم الناس؛ لكثرة ما يجري من دمهم هناك؛ لكثرة قتلهم، قيل: هي محلة بالمدينة، وقيل: موضع منها، قال التوربشتي: هي من الحرة التي كانت بها الوقعة زمنَ يزيد بن معاوية، والأمير على تلك الجيوشِ العاتيةِ .. مسلمُ بن عُقْبةَ المُرِّيُّ، المُستبيحُ لحرم رسول الله ﷺ ، وكان نزوله بعسكره في الحرة الغَرْبية من المدينة، فاستباح حرمتها وقتل رجالها وعاث فيها ثلاثة أيام، وقيل: خمسة، فلا جرم أنه انماع في النار؛ كما ينماع الملح في الماء، ولم يلبث أن أدركه الموت وهو بين الحرمين، وخسر هنالك المبطلون، كذا في "المرقاة". قال أبو ذر: (قلت) لرسول الله ﷺ : (ما خار الله لي ورسوله) فهو خير لي، ثم (قال) لي رسول الله ﷺ : (الحق بمن أنت منه) أي: بأهلك وعشيرتك الذين أنت منهم، وخرجت من عندهم والزمهم، وقيل: المراد بمن أنت منه: الإمام؛ أي: الزم إمامك ومن بايعته. (قال) أبو ذر: (قلت: يا رسول الله أفلا آخذ بسيفي فأضرب به من فعل ذلك) الضرب بي؟ فـ (قال) لي رسول الله ﷺ : (شاركت

стр. 11184

الْقَوْمَ إِذًا، وَلكِنِ ادْخُلْ بَيْتَكَ"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ فَإِنْ دَخَلَ بَيْتِي؟ قَالَ: "إِنْ خَشِيتَ أَنْ يَبْهَرَكَ شُعَاعُ السَّيْفِ .. فَأَلْقِ طَرَفَ رِدَائِكَ عَلَى وَجْهِكَ، فَيَبُوءَ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِكَ فَيَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ". === القوم) المتضاربين في الإثم والظلم (إذًا) - بالتنوين - أي: إذا أخذت سيفك ووضعته على عاتقك وضربت به الناس. قال ابن الملك ﵀: قوله: "شاركت" لتأكيد الزجر عن إراقة الدماء، وإلا .. فالدفع واجب. انتهى. قال القاري: والصواب أن الدفع جائز إذا كان الخصم مسلمًا، إن لم يترتب عليه فساد، بخلاف ما إذا كان العدو كافرًا؛ " فإنه يجب الدفع مهما أمكن. انتهى منه. (ولكن ادخل بيتك) هاربًا ممن يطلبك (قلت) له ﷺ : (يا رسول الله؛ فإن دخل) علي ذلك الطالب لي في (بيتي؟ ) وفي نسخة: بناء (دخل) للمفعول على أن النائب الظرف، فـ (قال) رسول الله ﷺ : فـ (إن خشيت أن يبهرك) - بفتح الهاء - أي: يغلبك (شعاع السيف) أي: بريقه ولمعانه، وهو كناية عن إعمال السيف .. (فألق) أي: فارم (طرف ردائك على وجهك) أي: لئلا ترى السيف ولا تفزع ولا تجزع؛ أي: فغطِّ وَجْهكَ حتى يقتلك. والمعنى: لا تحاربهم وإن حاربوك، بل استسلم نفسك للقتل. (فيبوء) أي: يرجع ذلك القاتل (بإثمه) أي: بذنبه الخاص به (و) بـ (إثم) قتله لـ (ك) إلى ربه (فيكون من أصحاب النار) أي: من الملازمين لها في الآخرة إن استحل قتلك فيما إذا كان مسلمًا، أو بقدر ذنب قتلك وذنب نفسه إن لم يستحل.

стр. 11185

(١١٦) - ٣٩٠٣ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، === والقصد من إخباره ﷺ بهذه الوقائع لأبي ذر على احتمال أن أبا ذر لعله يدركها، وإلا .. فأبو ذر مات قبل وقعة الحرة؛ فإنه مات في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه، وأما وقوع الجوع والموت بالمدينة .. فيحتمل أنه أدركها أبو ذر؛ لأنه وقع قحط وموت بها في عام الرمادة وغيره. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في "سننه" عن مسدد عن حماد بن زيد، فذكره بإسناده ومتنه في كتاب الملاحم، والنهي عن السعي في الفتنة. ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عبد الله بن عمرو. * * * ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عبد الله بن عمرو بحديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهم، فقال: (١١٦) - ٣٩٠٣ - (٣) (حدثنا محمد بن بشار) العبدي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي البصري ربيب شعبة، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع). (حدثنا عوف) بن أبي جميلة العبدي الهجري أبو سهل البصري، المعروف بالأعرابي، واسم أبي جميلة بندويه. روى عن: الحسن البصري، ويروي عنه: محمد بن جعفر، ثقة، من السادسة رمي بالقدر وبالتشيع، مات سنة ست أو سبع وأربعين ومئة (١٤٧ هـ). يروي عنه: (ع).

стр. 11186

عَنِ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا أَسِيدُ بْنُ الْمُتَشَمِّسِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى، حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ لَهَرْجًا"، === (عن الحسن) بن أبي الحسن البصري، واسم أبيه يسار - بالتحتانية وبالمهملة - الأنصاري مولاهم، ثقة ثبت، من الثالثة، مات سنة عشر ومئة (١١٠ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثنا أسيد) بفتح الهمزة مكبرًا (ابن المتشمس) - بضم الميم وفتح المثناة والمعجمة وتشديد الميم المكسورة بعدها مهملة - ابن معاوية التميمي، ابن عم الأحنف بن قيس بن معاوية التميمي السعدي، ثقة، من الثانية؛ كما في "التقريب"، وذكره أبو نعيم الأصبهاني فيمن شهد فتح أصبهان مع أبي موسى، وقال ابن أبي خيثمة في "تاريخه": سمعت ابن معين يقول: إذا روى الحسن البصري عن رجل فسماه .. فهو ثقة يحتج به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكره ابن المديني في المجهولين الذين روى عنهم الحسن البصري، وليس كذلك؛ كما قد عرفت. انتهى من "التهذيب". روى عن: أبي موسى الأشعري في ذكر الهرج، وقيل: روى عن الأحنف عن أبي موسى، ويروي عنه: (ق) هذا الحديث. انتهى منه. (قال) أسيد: (حدثنا أبو موسى) الأشعري رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات، وقيل: الحسن؛ لأن فيه: أسيد بن المتشمس، وهو مختلف فيه؛ لما قال فيه ابن المديني، والأول أرجح؛ لكثرة قائله؛ كما في "التقريب". قال أبو موسى: (حدثنا رسول الله ﷺ : إن بين يدي الساعة) أي: قدام القيامة وقربها (لهرجًا) أي: لكثرة القتل ظلمًا، قال ابن حجر: ذكر صاحب المحكم لـ (الهرج) معاني كثيرة؛ مجموعها تسعة: شدة القتل،

стр. 11187

قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: "الْقَتْلُ"، فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّا نَقْتُلُ الْآنَ فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيْسَ بِقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ، وَلكِنْ يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا حَتَّى يَقْتُلَ الرَّجُلُ جَارَهُ وَابْنَ عَمِّهِ وَذَا قَرَابَتِهِ"، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَمَعَنَا عُقُولُنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ؟ ! === وكثرة القتل، والاختلاط، والفتنة في آخر الزمان، وكثرة النكاح، وكثرة الكذب، وكثرة النوم، وما يرى في النوم غير منضبط، وعدم الإتقان للشيء. انتهى "فتح الباري" (١٣/ ١٩). (قال) أبو موسى: (قلت: يا رسول الله؛ ما الهرج؟ قال) رسول الله ﷺ في جواب سؤال أبي موسى: الهرج: هو كثرة (القتل، فقال بعض المسلمين) الحاضرين عند رسول الله ﷺ : (يا رسول الله؛ إنا) معاشر الصحابة (نقتل الآن) أي: في العصر الحاضر (في العام الواحد من المشركين كذا وكذا) أي: مئة ومئتين وما فوقهما. ولفظ: (كذا) اسم مبهم المعنى مركب اللفظ من حرف جر واسم إشارة في محل النصب مفعول به لـ (نقتل) مبني على سكون مقدر على الأخير، منع من ظهوره اشتغال المحل بسكون الحكاية؛ لتركبه تركيب خمسة عشر. (فقال رسول الله ﷺ لذلك البعض الذي سأله: (ليس) الهرج الذي ذكرته لكم (بقتل المشركين، ولكن) الهرج الذي ذكرته لكم هو أن (يقتل بعضكم) أي: بعض المسلمين (بعضًا) آخر (حتى يقتل الرجل) منكم (جاره وابن عمه وذا قرابته) كابن عمَّتهِ وخالتِه وخالِه (فقال بعض القوم) الحاضرين عند رسول الله ﷺ : (يا رسول الله) أَ (وَمعنا عقولُنا) في (ذلك اليوم) الذي يكثر فيه الهرج؟ !

стр. 11188

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا، تُنْزَعُ عُقُولُ أَكْثَرِ ذَلِكَ الزَّمَان، وَيَخْلُفُ لَهُ هَبَاء مِنَ النَّاسِ لَا عُقُولَ لَهُمْ"، ثُمَّ قَالَ الْأَشْعَرِيُّ: وَايْمُ اللهِ؛ إِنِّي لَأَظُنُّهَا مُدْرِكَتِي وَإيَّاكُمْ، وَايْمُ اللهِ؛ مَا لِي وَلَكُمْ مِنْهَا مَخْرَج إِنْ أَدْرَكَتْنَا فِيمَا عَهِدَ إِلَيْنَا نَبِيُّنَا ﷺ ؛ إِلَّا أَنْ نَخْرُجَ كَمَا دَخَلْنَا فِيهَا. === (فقال رسول الله ﷺ للقومِ السائلين له: (لا) أي: لا عَقْلَ معكم في ذلك اليوم؛ أي: لا يكون ذلك الهَرْجُ مع عُقولكم، بل (تُنْزَع عقولُ أكثر) أهل (ذلك الزمان) لشدة الحرص، والرغبة في الدنيا، وكثرةِ الجهل للأحكام الشرعيةِ فيهم (ويخلف له) أي: يخلف في ذلك الزمان (هباء) حثالة وأراذل (من الناس لا عقول) كاملةً (لهم) أي: سفهاء لا تمييز لهم بين الحسن والقبيح في الشرع، لغلبة جهلهم على عقولهم. (والهباء) في الأصل: الذرات والغبار التي تظهر في الكوة من الدار؛ بسبب شعاع الشمس وضوئها الطالعِ من الكوة. (ثم) بعدما روى هذا الحديث (قال) أبو موسى (الأشعري) بالسند السابق: (وايم الله) أي: اسم الله قسمي (إني لأظنها) أي: لأظن تلك الحالة (مدركتي) أي: لمُدرِكةٌ إيايَ (وإياكم) لا تزالُ تلك الحالة عنَّا (وايم الله) قسمي (ما لي ولكم) أيُّها الصحابة (منها) أي: مِن تلك الحالة (مَخْرَجٌ) أي: خروج (إن أدركتْنَا) أي: ما أدركتنا تلك الأيام التي يكثر فيها الهرج (فيما عَهِدَ إلينا) أي: ونحن على ما عهد إلينا (نبينا ﷺ من امتثال المأمورات واجتناب المنهيات (إلا أَنْ نَخْرُجَ) من تلك الأيام سالمين من مخالفة الشرع (كما دخلنا فيها) أي: تلك الأيام ممتثلين لأوامر الله، ومجتنبين لمنهياته، والله أعلم. وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه أحمد في "مسنده"، من

стр. 11189

(١١٧) - ٣٩٠٤ - (٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدٍ مُؤَذِّنُ مَسْجِدِ جُرْدَانَ قَالَ: حَدَّثَتْنِي عُدَيْسَةُ بِنْتُ أُهْبَانَ === حديث أبي موسى، ورواه مسدد في "مسنده" عن يزيد عن يونس عن الحسن، فذكره بإسناده وزيادة في متنه، ورواه أيضًا أبو بكر بن أبي شيبة في "مسنده"، ورواه أبو يعلى الموصلي من طريق الحسن عن أبي موسى بزيادة؛ كما أورده في "زوائد العشرة". فدرجته: أنه صحيح أو حسن؛ لصحةِ سنده أو حُسْنِه، على الخلاف الذي ذكرناه في السند، وغرضه: الاستشهاد به ثانيًا لحديث عبد الله بن عمرو. * * * ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث عبد الله بن عمرو بحديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم، فقال: (١١٧) - ٣٩٠٤ - (٤) (حدثنا محمد بن بشار) العبدي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثنا صفوان بن عيسى) الزهري أبو محمد البصري القسام، ثقة، من التاسعة، مات سنة مئتين (٢٠٠ هـ) وقيل قبلها بقليل، أو بعدها. يروي عنه: (م عم). (حدثنا عبد الله بن عبيد) مصغرًا بلا إضافة (مؤذنُ مسجدِ جُرْدَان) الحميري البصري، وفي "التهذيب": مؤذن مسجد المَسَارِح. روى عن: عُدَيسة بنت أُهبان بن صيفي، الصحابي الفاضل، ويروي عنه: (ت س ق)، وصفوان بن عيسى، وعثمان بن الهيثم، ثقة، من السابعة. (قال) عبيد الله بن عبيد: (حدثَتْني عُديسة) بالتصغير وبالمهملة (بنت أهبان) بن صيفي الغفارية - بكسر المعجمة - مقبولة، من الثالثة. روت

стр. 11190

قَالَتْ: لَمَّا جَاءَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ هَا هُنَا الْبَصْرَةَ .. دَخَلَ عَلَى أَبِي فَقَالَ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ؛ أَلَا تُعِينُنِي عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَدَعَا جَارِيَةً لَهُ فَقَالَ: يَا جَارِيَةُ؛ أَخْرِجِي سَيْفِي، قَالَ: فَأَخْرَجَتْهُ، فَسَلَّ مِنْهُ قَدْرَ شِبْرٍ فَإِذَا هُوَ خَشَبٌ فَقَالَ: إِنَّ خَلِيلِي وَابْنَ عَمِّكَ ﷺ === عن: أبيها، وعن علي، ويروي عنها: (ت ق)، وعبد الله بن عبيد المؤذن، وأبوها أُهْبَان - بضم الهمزة وسكون الهاء - ابن صَيفي - بفتح الصاد المهملة وتحتانيةٍ ساكنة وفَاءٍ - الغفاري - بمعجمة مكسورة وتخفيف فاء - أبو مسلم الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه، روى عن النبي ﷺ في ترك القتال في الفتنة. (قالت) عديسة: (لما جاء علي بن أبي طالب) رضي الله تعالى عنه (ها هنا) أي: (البصرة) بدل من (ها هنا)، أو عطف بيان منه .. (دخل على أَبِي) أهبان بن صيفي الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه، يكنى أبا مسلم، مات بالبصرة. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات. قالت عديسة: (فقال) عليٌّ مناديًا لأبي: (يا أبا مسلم) وهو كُنْيةُ والدي؛ كما مر آنفًا، (ألا تعينني) وتساعدني (على) قتال (هؤلاء القوم) البغاة؟ (قال) أبي (بلى) أعينك على قتالهم (قال) الراوي وهو عديسة: (فدعا) أبي ونادى (جاريةً له) أي: مملوكة لأبي (فقال) أبي لها: (يا جارية؛ أخرجي) لي (سيفي) من الخزانة (قال) الراوي: (فأخرجته) أي: فأخرجت الجارية السيف من الخزانة فأعطته لوالدي (فسل) أي: فأخرج أبي السيف (منه) أي: من غلافه (قدر شبرِ) يَدٍ (فإذا هو) أي: السيف (خشب فقال) أبي لعلي بن أبي طالب: (إن خليلي وابن عمك ﷺ يعني

стр. 11191

عَهِدَ إِلَيَّ إِذَا كَانَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَتَّخِذُ سَيْفًا مِنْ خَشَبٍ؛ فَإِنْ شِئْتَ خَرَجْتُ مَعَكَ، قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيكَ وَلَا فِي سَيْفِكَ. === به: النبي ﷺ ، فهو عطف مرادف على ما قبله (عهد) وأوصى (إلي) قال في "القاموس": عهد إليه: أوصاه (إذا كانت الفتنة) أي: وجدت المقاتلة (بين المسلمين). والفاء في قوله: (فأتخذ سيفًا من خشب) زائدة في المفعول؛ لأن الجملة الفعلية مفعول لعهد، والأوفق للقاعدة العربية رواية الترمذي، ولفظها: (إن خليلي وابن عمك محمدًا ﷺ عهد إليَّ أن أتخذ سيفًا من خشب) لا من حديد، بأن المصدرية بدل الفاء؛ أي: أوصاني باتخاذ سيف من خشب لا من حديد؛ لئلا يحصل القتل به؛ لأن المقصود به: إيقاف المقاتلة لا إيجاد القتل. وعبارة "التحفة": لأن المراد باتخاذ السيف من الخشب: الامتناع عن القتال، ولكن عبارة المؤلف صحيحة بجعل الفاء زائدة في جواب (إذا) الشرطية، وجملة (إذا) الشرطية، من فعل شرطها وجوابها في محل النصب مفعول عهد؛ لأن لفظ المؤلف: (إن خليلي وابن عمك عهد إلي: إذا كانت الفتنة بين المسلمين .. فاتخذ سيفًا من خشب) والتقدير: إن خليلي وابن عمك يا علي عهد إلي باتخاذ سيف من خشب لا من حديد، وقت وقوع الفتنة والمقاتلة بين المسلمين. ثم بعدما أخذ سيف خشب، قال أهبان بن صيفي لعلي بن أبي طالب: (فإن شئت) يا علي الإعانة لك على هؤلاء القوم (خرجت معك) إلى قتالهم بهذا السيف الذي هو من خشب فـ (قال) علي له: (لا حاجة لي فيك) أي: في إعانتك لي بيدك (ولا في) إعانتك لي ب (سيفك) الذي هو من خشب؛ لأنه لا منفعة فيه.

стр. 11192

(١١٨) - ٣٩٠٥ - (٥) حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى اللَّيْثِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَرْوَانَ، === وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الفتن، باب ما جاء في اتخاذ سيف من خشب في الفتنة، قال أبو عيسى: وفي الباب عن محمد بن مسلمة، وهذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن عبيد. ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عبد الله بن عمرو. * * * ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث عبد الله بن عمرو بحديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهم، فقال: (١١٨) - ٣٩٠٥ - (٥) (حدثنا عمران بن موسى) القزاز (الليثي) أبو عمرو البصري، صدوق، من العاشرة، مات بعد الأربعين ومئتين. يروي عنه: (ت س ق). (حدثنا عبد الوارث بن سعيد) بن ذكوان العنبري مولاهم أبو عبيدة التنوري - بفتح المثناة وتشديد النون - البصري، ثقة ثبت رمي بالقَدرِ ولم يثبت عنه، من الثامنة، مات سنة ثمانين ومئة (١٨٠ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثنا محمد بن جحادة) - بضم الجيم وتخفيف المهملة - ثقة، من الخامسة، مات سنة إحدى وثلاثين ومئة (١٣١ هـ). يروي عنه: (ع). (عن عبد الرحمن بن ثروان) - بمثلثة مفتوحة وراء ساكنة - أبي قيس الأودي الكوفي، صدوق ربما خالف، من السادسة، مات سنة عشرين ومئة (١٢٠ هـ). يروي عنه: (خ عم).

стр. 11193

عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ؛ يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِم، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، === (عن هزيل) مصغرًا (ابن شرحبيل) الأودي الكوفي، ثقة مخضرم، من الثانية. يروي عنه: (خ عم). (عن أبي موسى الأشعري) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات. (قال) أبو موسى: (قال رسول الله ﷺ : إن بين يدي الساعة) وقدامها وقربها من أشراطها (فتنًا) أي: فتنًا عظامًا، ومحنًا جسامًا (كقطع الليل المظلم) - بكسر القاف وفتح الطاء وقد يسكن - أي: كل فتنة كقطعة من الليل المظلم في شدتها وظلمتها وعدم تبين أمرها. قال الطيبي ﵀: يريد بذلك التباسها وفظاعتها وشيوعها واستمرارها (يصبح الرجل فيها) أي: في تلك الفتن (مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا) أي: يصبح محرمًا لدم أخيه وعرضه، ويمسي مستحلًا له. والظاهر أن المراد بالإصباح والإمساء: تقلب الناس فيها وقتًا دون وقت لا بخصوص الزمانين، فكأنه كناية عن تردد أحوالهم، وتذبذب أقوالهم، وتنوع أفعالهم من عهدٍ ونقضٍ، وأمانةٍ وخيانةٍ، ومعروف ومنكر، وسنة وبدعة، وإيمان وكفر. (القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي) أي: كلما بعد الشخص عنها وعن أهلها .. خير

стр. 11194

فَكَسِّرُوا قِسِيَّكُمْ وَقَطِّعُوا أَوْتَارَكُمْ، وَأضْرِبُوا بِسُيُوفِكُمُ الْحِجَارَةَ؛ فَإِنْ دُخِلَ عَلَى أَحَدِكُمْ .. فَلْيَكُنْ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ". === له من قربها واختلاط أهلها؛ لما سيؤول أمرها إلى محاربة أهلها. قال النووي: معناه: بيان عظيم خطرها، والحث على تجنبها والهرب منها، ومن التسبب في شيء منها، وإن شرها وفتنتها يكون على حسب التعلق بها؛ أي: كلما بعد الإنسان من مباشرتها .. يكون خيرًا. والفاء في قوله: (فكسروا قسيكم) فاء الإفصاح؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر؛ تقديره: فإذا رأيتم الأمر كذالك .. فكسروا قسيكم - بكسرتين وتشديد التحتانية - جمع لقوس، وفي العدول عن الكسر إلى التكسير مبالغة؛ لأن باب التفعيل للتكثير (وقطعوا) فيها من التقطيع (أوتاركم) جمع وتر - بفتحتين - قال القاري: فيه زيادة من المبالغة؛ إذ لا منفعة لوجود الأوتار بعد كسر القسي، أو المراد به: لئلا ينتفع بها الغير (واضربوا بسيوفكم الحجارة) أي: حتى تنكسر أو حتى تذهب حدتها. قال النووي: قيل المراد: كسر السيف حقيقة على ظاهر الحديث؛ ليسد على نفسه باب هذا القتال، وقيل: هو مجاز؛ والمراد: ترك القتال، والأول: هو الأصح، وعلى هذا القياس الأرماح وسائر السلاح. (فإن دخل) - بالبناء للمفعول - أي: إن دخل (على أحدكم) البيت .. (فليكن) ذلك الأحد (كخير ابني آدم) في الاستسلام للقتل، وهو هابيل، قتله أخوه قابيل؛ أي: فليكن قتيلًا كهابيل، ولا يكن قاتلًا كقابيل؛ يريد: أن الصبر على الموت فيها أحسن من الحركة؛ لكون الحركة تزيد في الفتنة. انتهى من "العون" و"البذل". وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الفتن والملاحم،

стр. 11195

(١١٩) - ٣٩٠٦ - (٦) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ أَوْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ شَكَّ أَبُو بَكْرٍ، === باب في النهي عن السعي في الفتنة، والترمذي في كتاب الفتنة، باب ما جاء في اتخاذ سيف من خشب في الفتنة، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والطبراني في "المعجم الكبير"، والبيهقي في "الكبرى"، وأحمد في "المسند". ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به. * * * ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث عبد الله بن عمرو بحديث محمد بن مسلمة رضي الله تعالى عنهم، فقال: (١١٩) - ٣٩٠٦ - (٦) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم أبو خالد الواسطي، ثقة متقن عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع). (عن حماد بن سلمة) بن دينار ثقة عابد، من كبار الثامنة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (م عم). (عن ثابت) بن أسلم البناني البصري، ثقة عابد، من الرابعة. يروي عنه: (ع). (أو) روى حماد عن (علي بن زيد) بن عبد الله بن زهير (بن جدعان) التيمي البصري، أصله حجازي، وهو المعروف بعلي بن زيد بن جدعان، ينسب أبوه إلى جد جده، ضعيف، من الرابعة، مات سنة إحدى وثلاثين ومئة (١٣١ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (م عم)، ولكن لا يضر في السند؛ لأنه إنما ذكره على سبيل الشك؛ كما ذكره المؤلف بقوله: (شك أبو بكر) في ذكره

стр. 11196

عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ وَفُرْقَةٌ وَاخْتِلَافٌ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ .. فَأْتِ بِسَيْفِكَ أُحُدًا فَأضْرِبْهُ حَتَّى يَنْقَطِعَ، ثُمَّ اجْلِسْ فِي بَيْتِكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ يَدٌ خَاطِئَةٌ أَوْ مَنِيَّةٌ قَاضِيَةٌ"، فَقَدْ وَقَعَتْ وَفَعَلْتُ === (عن أبي بردة) عامر بن أبي موسى الأشعري الكوفي تابعي كوفي، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع). (قال) أبو بردة: (دخلت على محمد بن مسلمة) بن سلمة الأنصاري الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، وهو أكبر من اسمه محمد من الصحابة، مات بعد الأربعين وكان من الفضلاء. يروي عنه: (ع). وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (فقال) محمد بن مسلمة: (إن رسول الله ﷺ قال: إنها) أي: إن القصة (ستكون) وتوجد فيكم أيتها الأمة (فتنة) أي: مقاتلة (وفرقة) أي: افتراق في العقائد (واختلاف) في المذاهب (فإذا كان) الشأن كائنًا (كذلك) أي: مقاتلةً وافتراقًا واختلافًا .. (فأت) أيها المسلم (بسيفك أحدًا) - بضمتين - جبل معروف في المدينة (فاضربه) أي: فاضرب بسيفك أحدًا؛ أي: بحجر من أحجاره (حتى ينقطع) سيفك وينكسر حده؛ سدًّا لأسباب المقاتلة (ثم اجلس في بيتك) ولا تخرج إلى الناس؛ خوفًا من المقاتلة والفتنة (حتى تأتيك) في بيتك (يد خاطئة) أي: عاصية فتقتلك، وهي التي تقتل المؤمن ظلمًا؛ أي: حتى تقتل ظلمًا (أو) تأتيك (منية) أي: موت (قاضية) أي: قاض نافذ عليك قدر الله وقضائه وأجله. قال محمد بن مسلمة: (فقد وقعت) تلك الفتنة الآن (وفعلت) أنا ولازمت

стр. 11197

مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . === (ما قال رسول الله ﷺ لنا وأمرنا به؛ وهو الجلوس في البيت، والعزلة عن الناس خوفًا من الوقوع في الفتنة. وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، لكن رواه ابن أبي شيبة في "مسنده"، وأحمد بن منيع في "مسنده" مطولًا. ودرجته: أنه صحيح؛ إن كان من طريق حماد عن ثابت؛ لصحة سنده حينئذ، وإن كان من طريق علي بن زيد .. فصحيح بغيره، لضعف سنده حينئذ، وغرضه: الاستشهاد به. * * * وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ستة أحاديث: الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد. والله أعلم

стр. 11198

(٤٠) - (١٤٥١) - بَابُ إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا (١٢٠) - ٣٩٠٧ - (١) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُبَارَكُ بْنُ سُحَيمٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ الْتَقَيَا بِأَسْيَافِهِمَا .. إِلَّا كَانَ الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ === (٤٠) - (١٤٥١) - (باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما) (١٢٠) - ٣٩٠٧ - (١) (حدثنا سويد بن سعيد) بن سهل الهروي الأصل ثم الحدثاني، صدوق في نفسه إلا أنه عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه، من قدماء العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م ق). (حدثنا مبارك بن سحيم) - بمهملتين مصغرًا - أبو سحيم البصري نزيل مكة، مولى عبد العزيز بن صهيب، متروك متفق على ضعفه، من الثامنة. يروي عنه: (ق). روى عن مولاه عبد العزيز، ويروي عنه: سويد بن سعيد. (عن عبد العزيز بن صهيب) البناني - بموحدة ونونين - البصري، ثقة، من الرابعة، مات سنة ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ). يروي عنه: (ع). (عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه مبارك بن سحيم، وهو متروك. (عن النبي ﷺ قال: ما من) فـ (ما) مهملة؛ لمقارنتها بـ (من) الزائدة (مسلمين) مبتدأ وعلامة رفعه ألف مقدرة، منع من ظهورها اشتغال المحل بالياء المجلوبة لأجل حرف الجر الزائد، وسوغ الابتداء بالنكرة وقوعه بعد النفي، وجملة قوله: (التقيا بأسيافهما) صفة للمبتدأ، وهو المسوغ بالابتداء أيضًا، و (إلا) للاستثناء المفرغ، وجملة: (كان القاتل والمقتول)

стр. 11199

فِي النَّارِ". (١٢١) - ٣٩٠٨ - (٢) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، === أي: كل منهما (في النار) خبر المبتدأ؛ والتقدير: ما مسلمان التقيا واقتتلا بسيفيهما .. إلا كائن كل منهما في النار، وكان القاتل في النار؛ لقتله المسلم ظلمًا، وكان المقتول في النار، لقصده قتل صاحبه أولًا. وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح بما بعده من حديث أبي موسى، وإن كان سنده ضعيفًا، فهذا الحديث: صحيح المتن بغيره، ضعيف السند؛ لما تقدم آنفًا، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة. * * * ثم استشهد المؤلف لحديث أنس بحديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهما، فقال: (١٢١) - ٣٩٠٨ - (٢) (حدثنا أحمد بن سنان) بن أسد بن حبان - بكسر المهملة بعدها موحدة - أبو جعفر القطان الواسطي، ثقة حافظ، من الحادية عشرة، مات سنة تسع وخمسين ومئتين (٢٥٩ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (خ م د س ق). (حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم الواسطي، ثقة متقن حافظ عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع). (عن سليمان) بن طرخان (التيمي) أبي المعتمر البصري، ثقة عابد، من الرابعة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئة (١٤٣ هـ). يروي عنه: (ع). (و) عن (سعيد بن أبي عروبة) مهران اليشكري مولاهم أبي النضر البصري،

стр. 11200

عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا .. فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ ! قَالَ: "إِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ". === ثقة حافظ له تصانيف، لكنه كثير التدليس واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة، من السادسة، مات سنة ست، وقيل: سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (ع). (عن قتادة) بن دعامة بن قتادة السدوسي أبي الخطاب البصري، ثقة ثبت، يقال: ولد أكمه، رأس الطبقة الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة (١١٣ هـ). يروي عنه: (ع). (عن الحسن) بن أبي الحسن يسار البصري الأنصاري مولاهم، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة عشر ومئة (١١٠ هـ). يروي عنه: (ع). (عن أبي موسى) الأشعري رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (قال) أبو موسى: (قال رسول الله ﷺ : إذا التقى المسلمان) وتقاتلا (بسيفيهما .. فالقاتل والمقتول) كل منهما (في النار، قالوا) أي: قال الحاضرون عند رسول الله ﷺ : (يا رسول الله؛ هذا القاتل) إنما يستحق النار لقتله المسلم ظلمًا (فما بال المقتول) وشأنه يدخل النار؟ ! أي: فبأي شيء يستحق النار؛ لأنه لم يحصل منه قتل المسلم ظلمًا فـ (قال) رسول الله ﷺ في جواب سؤالهم: (إنه) أي: إن المقتول (أراد) أولًا (قتل صاحبه) ولكن غلبه صاحبه فعجز عن قتله، فهو معاقب على نيته وإن لم يقع منه فعل، فتساويا في استحقاق النار، ولو استسلم

стр. 11201

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === نفسه للقتل أولًا .. لم يدخل النار، فيكون كخير ابني آدم هابيل. قال السندي: (هذا القاتل) يستحق النار؛ لقتله، فيكون الخبر محذوفًا، والأقرب أن (هذا) إشارة إلى ذات القاتل، فهو مبتدأ، و (القاتل) خبره، وصحت الإشارة باعتبار استحضار الواقعة. أي: هذا هو القاتل، فلا إشكال في كونه في النار؛ لأنه ظالم أراد قتل صاحبه؛ أي: مع السعي في أسبابه حتى قتله، وأما المقتول .. فقد أراد قتل صاحبه؛ أي: مع السعي في أسبابه؛ لأنه توجه بسيفه، فليس هذا من باب المؤاخذة بمجرد نية القلب بدون عمل؛ كما زعمه بعضهم، فاستدل به على أن العبد يؤاخذ بالعزم. ثم استدل كثير على أن مرتكب الكبيرة مسلم، فسماهما مسلمين مع كونهما مباشرين بالذنب، وهذا الذي قالوا: إن من ارتكب الكبيرة مسلم قول حق، لكن في كون هذا الحديث دليلًا عليه نصًّا، فهو ظاهر؛ لأن التسمية في حيز التعليق لا تدل على بقاء الاسم عند تحقق الشرط؛ مثل: إذا أحدث المتوضئ أو المصلي .. بطل وضوءه أو صلاته. انتهى منه. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: النسائي في كتاب المحاربة، وله شاهد في "الصحيحين" كما سيأتي للمؤلف من حديث أبي بكرة. فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شاهدًا مما ذكر، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أنس، والله أعلم. ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أنس بحديث أبي بكرة الثقفي رضي الله تعالى عنهما، فقال:

стр. 11202

(١٢٢) - ٣٩٠٩ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُور، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا الْمُسْلِمَانِ حَمَلَ أَحَدُهُمَا عَلَى أَخِيهِ السِّلَاحَ .. فَهُمَا عَلَى جُرُفِ جَهَنَّمَ؛ === (١٢٢) - ٣٩٠٩ - (٣) (حدثنا محمد بن بشار) العبدي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي البصري ربيب شعبة، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع). (حدثنا شعبة) بن الحجاج البصري، ثقة إمام، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ). يروي عنه: (ع). (عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي أبي عتاب - بمثناة مشددة ثم موحدة - ثقة ثبت، من الخامسةِ وكان لا يدلس، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (ع). (عن ربعي) بكسر أوله وسكون الموحدة (ابن حراش) - بكسر أوله آخره معجمة - أبي مريم العبسي الكوفي، ثقة عابد مخضرم، من الثانية، مات سنة مئة (١٠٠ هـ)، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع). (عن أبي بكرة) الثقفي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، اسمه نفيع - مصغرًا - ابن الحارث، مات سنة إحدى أو اثنتين وخمسين. يروي عنه: (ع). وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (عن النبي ﷺ أنه (قال: إذا المسلمان حمل أحدهما على أخيه) أي: لأجل قتل أخيه المسلم (السلاح) كالسيف والرماح. والفاء في قوله: (فهما على جُرُفِ) وطرفِ حفيرة (جهنم) رابطة لجواب إذا

стр. 11203

فَإِذَا قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ .. دَخَلَاهَا جَمِيعًا". === الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب جملة اسمية؛ والتقدير: إذا حمل أحد المسلمين السلاح؛ أي: آلة القتل لأجل قتل أخيه .. (فهما) أي: فحامل السلاح وأخوه الذي حمل السلاح لأجل قتله .. كائنان يوم القيامة (على جرف جهنم) أي: على جانبها القريب السقوط في داخلها؛ والجرف - بضم الجيم والراء أو مع سكون الراء - مستعار من جرف النهر؛ وهو طرفه الذي أكله السيل. وفي رواية: (على حرف جهنم) - بفتح الحاء المهملة والراء الساكنة - أي: على جانب جهنم، وكلاهما كناية عن قربهما إلى جهنم. (فإذا قتل أحدهما صاحبه .. دخلاها) أي: دخلا جهنم حالة كونهما (جميعًا) أي: مجتمعين على الدخول فيها؛ والمعنى: دخل القاتل والمقتول جهنم؛ يعني: أنهما مستحقان لها؛ أما القاتل .. فبالقتل الحرام، وأما المقتول .. فبالقصد الحرام؛ والمستحق للشيء قد يعفى عنه، وإن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. فأما من اعتقد استحلال دم المسلم بغير سبب ولا تأويل .. فهو كافر، وهذا؛ أي: كونُهما في النار .. محمول على مَنْ لا تأويل له، ويمكن قتالهما عصبية أو وطنية، وليس المراد: خلودهُما في النار، وإنما المراد: دخولُهما فيها؛ لارتكابهما معصيةَ المقاتلةِ بغير مجوِّز شرعي، قاله القاضي عياض. قال النووي: واعلم: أن الدماء التي جرت بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم ليست داخلة في هذا الوعيد؛ ومذهب أهل السنة والحق: إحسان الظن بهم والإمساك عما شجر بينهم، وتأويل قتالهم، وأنهم مجتهدون متأولون لم يقصدوا معصية، ولا محض الدنيا، بل اعتقد كل فريق أنه المحق، ومخالفه باغ، فوجب عليه قتاله؛ ليرجع إلى أمر الله تعالى، وكان بعضهم مصيبًا،

стр. 11204

(١٢٣) - ٣٩١٠ - (٤) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، === وبعضهم مخطئًا معذورًا في الخطأ؛ لأنه لاجتهادٍ، والمجتهد إذا أخطأ .. لا إثم عليه، وكان علي ﵁ هو المحق المصيب في تلك الحروب، هذا مذهب أهل السنة، وكانت القضايا مشتبهة حتى أن جماعة من الصحابة تحيروا، فاعتزلوا الطائفتين ولم يقاتلوا ولم يتقنوا الصواب، ثم تأخروا عن مساعدته. انتهى منه، والله أعلم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الفتن، باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما، ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب إذا تواجه المسلمان، والنسائي في كتاب التحريم، باب تحريم القتل. فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به. * * * ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أنس بحديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنهما، فقال: (١٢٣) - ٣٩١٠ - (٤) (حدثنا سويد بن سعيد) بن سهل الهروي الأصل الحدثاني نزولًا، صدوق، من قدماء العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م ق)، وقال ابن معين: صالح الحديث أو ثقة، وقال أبو حاتم: كان صدوقًا، وقال النسائي: ليس بثقة ولا مأمون، وقال مسلمة في "تاريخه": سويد ثقة ثقة، وقال العجلي: ثقة من أروى الناس عن علي بن مسهر، وضعفه بعضهم، فهو مختلف. انتهى "تهذيب". (حدثنا مروان بن معاوية) بن الحارث بن أسماء الفزاري أبو عبد الله

стр. 11205

عَنْ عَبْدِ الْحَكَمِ السَّدُوسِيِّ، حَدَّثَنَا شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مِنْ شَرِّ النَّاسِ === الكوفي، نزيل مكة ودمشق، ثقة حافظ وكان يدلس أسماء الشيوخ، من الثامنة، مات سنة ثلاث وتسعين ومئة (١٩٣ هـ). يروي عنه: (ع). (عن عبد الحكم) بن ذكوان (السدوسي) البصري مقبول، من السادسة. يروي عنه: (ق)، وذكره ابن حبان في "الثقات"، روى له ابن ماجه حديثًا واحدًا وهو هذا الحديث: (فيمن أذهب ... ). (حدثنا شهر بن حوشب) الأشعري الشامي مولى أسماء بنت يزيد بن السكن، صدوق كثير الإرسال والأوهام، من الثالثة، مات سنة اثنتي عشرة ومئة (١١٢ هـ). يروي عنه (م عم)، وفي "التهذيب": قال حنبل عن أحمد: ليس به بأس، وقال عثمان الدارمي: بلغني أن أحمد كان يثني على شهر، وقال الترمذي: قال أحمد: لا بأس بحديث عبد الحميد بن بهرام عن شهر، وقال الترمذي عن البخاري: شهر حسن الحديث، وقوى أمره، وقال ابن أبي خيثمة ومعاوية بن صالح عن ابن معين: ثقة، وقال عباس الدوري عن ابن معين: ثبت، وقال العجلي: تابعي شامي ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة على أن بعضهم قد طعن فيه، وقال يعقوب بن سفيان: شهر وإن قال ابن عون: تركوه فهو ثقة ... إلى آخر ما في "التهذيب"، فهو مختلف فيه. (عن أبي أمامة) صدي بن عجلان الباهلي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، سكن الشام، ومات بها سنة ست وثمانين (٨٦ هـ). يروي عنه: (ع). وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه شهر بن حوشب، وهو مختلف فيه، وأيضًا سويد بن سعيد مختلف فيه. (أن رسول الله ﷺ قال: من شر الناس) وأخسهم وأنقصهم
следующие страницы →