قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: نَقُولُ كَمَا أَمَرَنَا اللهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؛
===
فـ (قال عبد الرَّحمن بن عوف) الزهري المدني أحد أعيان الصحابة رضي الله تعالى عنهم في جواب سؤال النبي ﷺ : (نقول) حينئذٍ: (كما أمرنا الله) تعالى به؛ أي: نقول قولًا؛ مثل القول الذي أمرنا الله به، وكان هذا منه إشارة إلى قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (١).
وذلك أنه فهم أن رسول الله ﷺ خاف عليهم من بسط الدنيا عليهم، فأجابه بذلك، فكأنه قال: نستكفي الفتن والمحن بالله تعالى، ونقول كما أمرنا الله، وهذا إخبار منهم عما يقتضيه الحال، وأنها تتغير بهم. انتهى من "المفهم".
وفي "المبارق": قوله: "أي قوم أنتم؟ ! معناه: هل أنتم من الشاكرين على تلك النعمة العظيمة، أو من غيرهم، وفي هذا الاممتفهام تلويح إلى التهديد على وقوع المنهيات منهم. انتهى منه.
قوله: (قال عبد الرَّحمن بن عوف) رضي الله تعالى عنه؛ أي: (نقول) حينئدٍ قولًا (كما أمرنا الله) تعالى به؛ أي: قولًا كالقول الذي أمرنا الله تعالى به؛ أي: نحمده ونشكره ونسأله المزيد من فضله (قال رسول الله ﷺ : أو) - بسكون الواو - عاطفة على كلام عبد الرَّحمن بن عوف.
وقوله: (غير ذلك) روي منصوبًا؛ على تقدير: وتفعلون غير ذلك الذي قُلْتَه من الشكر له؛ يعني بذلك: التحاسد والتباغض، ومرفوعًا؛ على تقدير: أو حالكم غير ذلك.
стр. 11307
تَتَنَافَسُونَ ثُمَّ تَتَحَاسَدُونَ، ثُمَّ تَتَدَابَرُونَ ثُمَّ تَتَبَاغَضُونَ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، ثُمَّ تَنْطَلِقُونَ فِي مَسَاكِينِ الْمُهَاجِرِينَ فَتَجْعَلُونَ بَعْضَهُمْ عَلَى رِقَابِ بَعْضٍ".
===
وفيه إشارة إلى أن كونهم على تلك الصفة غير متيقن لهم؛ لعدم اطلاعهم على المغيبات، قاله ابن الملك.
وقولُه: (تتنافسون) أي: تتراغبون إلى الدنيا ... إلى آخره .. تفسيرٌ لقوله: "أو غير ذلك" والمعنى: أو تفعلون غير ذلك الذي قلته من الشكر، وذلك الغير بأن تكونوا تتنافسون، أي: تتسابقون إلى أخذ الدنيا (ثم تتحاسدون) بعد الأخذ (ثم تتدابرون) أي: تتقاطعون؛ فيُوَلِّي كلّ واحد منكم دبره إلى الآخر، معرضًا عنه بوجهه (ثم تتباغضون) أي: يبغض بعضكم بعضًا، ثم تنبت البغضاء في قلوبكم، وتتراكم فيها، حتى يكون عنها الخلاف والقتال والهلاك؛ كما وجد.
ويحتمل كون قوله ﷺ : "تتنافسون ... " إلى آخره .. جوابًا لسؤال مقدر وقع من عبد الرَّحمن بن عوف، تقديره: كيف نفعل غير ذلك؛ فقال له: تتنافسون في الدنيا ... إلى آخره.
(أو) تفعلون (نحو ذلك) بأن تتقاتلوا أو تتضاربوا أو تنتهبوا أو تغصبوا إلى غير ذلك من الأذى (ثم تنطلقون) وتتصرفون (في) شؤون (مساكين المهاجرين) وضعفائهم (فتجعلون بعضهم) أي: فتجعلون بعض مساكينهم أُمَراء (على رقاب بعض) آخر منهم، وَالِينَ عليهم.
وحاصل المعنى: أنَّ الذين يُعدُّون اليومَ من فقراء المهاجرين ومساكينهم سوف يكون بعضُهم أميرًا على بعض، فيقع التنافسُ في المال والجاه جميعًا.
والتعبير بـ (الرقاب): من التعبير بالبعض عن الكل؛ والمراد: تجعلون بعضهم أمراء على بعض، يعني: أن مساكين المهاجرين تفتح عليهم الدنيا
стр. 11308
(٣١) - ٣٩٤١ - (٣) حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ،
===
إذ ذاك، حتى يكون بعضهم أميرًا على بعض. انتهى "أبي" بتصرف.
فائدة
قال النووي: قال العلماء: التنافس إلى الشيء: المسابقة إليه وكراهة أخذ غيرك إياه، وهو أول درجات الحسد، وأما الحسد .. فهو تمني زوال النعمة عن صاحبها، والتدابر: التقاطع، وقد يبقى مع التدابر شيء من المودة، أو لا يكون مودة ولا بغض، وأما التباغض .. فهو بغض هذا لهذا. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب الدنيا سجن المؤمن، وابن حبان في "صحيحه".
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي سعيد الخدري.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي سعيد الخدري بحديث عمرو بن عوف رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٣١) -٣٩٤١ - (٣) (حدثنا يونس بن عبد الأعلى) بن ميسرة الصدفي أبو موسى (المصري) ثقةٌ، من صغار العاشرة، مات سنة أربع وستين ومئتين (٢٦٤ هـ)، وله ست وتسعون سنة. يروي عنه: (م س ق).
(أخبرني) عبد الله (بن وهب) القرشي مولاهم المصري، ثقةٌ ثبتٌ، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(أخبرني يونس) بن يزيد الأيلي الأموي مولاهم؛ مولى آل أبي سفيان، ثقةٌ، إلَّا أن في حديثه عن الزهري وهمًا قليلًا، وفي غير الزهري خطأ، من كبار
стр. 11309
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَهُوَ حَلِيفُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ.
===
السابعة مات سنة تسع وخمسين ومئة (١٥٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن مسلم (ابن شهاب) الزهري المدني، ثقةٌ إمام، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن عروة بن الزبير) بن العوام الأسدي المدني، ثقةٌ فقيه، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(أن المسور بن مخرمة) بن نوفل بن أُهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهري أبا عبد الرَّحمن المدني، له ولأبيه صحبة رضي الله تعالى عنهما، مات سنة أربع وستين (٦٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(أخبره) أي: أخبر عروة (عن عمرو بن عوف) الأنصاري (وهو حليف بني عامر بن لؤي) الصحابي البدري رضي الله تعالى عنه، مات في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه (وكان) قد (شهد بدرًا) الكبرى (مع رسول الله ﷺ . يروي عنه: (خ م ت س ق).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن رسول الله ﷺ بعث أبا عبيدة) عامر بن عبد الله (بن الجراح) رضي الله تعالى عنه (إلى البحرين) بلفظ التثنية؛ اسم للبلدة المشهورة، وكان غالب أهلها إذ ذاك المجوس.
وذكر ابن سعد: أن النبي ﷺ بعد قسمة الغنائم بالجعرانة
стр. 11310
يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ، فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْن، فَسَمِعَتِ الْأَنْصَارُ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَوَافَوْا صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛
===
أرسل العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى عامل البحرين يدعوه إلى الإسلام، فأسلم وصالح مجوس تلك البلاد على الجزية. انتهى "فتح الباري" (٦/ ٢٦٢).
حالة كون أبي عبيدة (يأتي بجزيتها) أي: يأخذ جزية أهل البحرين منهم، ويأتي بها إلى النبي ﷺ (وكان النبي ﷺ هو صالح أهل البحرين) على أداء الجزية للمسلمين، وكانوا مجوسًا (و) كان ﷺ (أمر) وولى (عليهم) أي: على أهل البحرين (العلاء بن الحضرمي) الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه.
واسم الحضرمي: عبد الله بن مالك بن ربيعة، وكان من أهل حضرموت، فقدم مكة، فحالف بني مخزوم، ويقال: إن أصله من أهل فارس، فأسر حتى اشتراه رجل من حضرموت، ثم افتداه رجل، وقدم به إلى مكة، فعتق، وأقام بها حتى ولد له أولاد، وتزوج أبو سفيان ابنته الصعبة، ثم تزوجها عبيد الله بن عثمان والد طلحة، أحد العشرة، فولدت له طلحة. انتهى "فتح الباري".
(فقدم أبو عبيدة بمال) كثير (من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة) من البحرين (فوافوا) أي: فوافت الأنصار (صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ أي: حضروا صلاتها معه ﷺ ؛ أي: جاؤوا فاجتمعوا عند صلاة الصبح معه ﷺ ؛ ليقسم بينهم ما جاء به أبو عبيدة؛ لأنهم أرهقتهم الحاجة والفاقة التي كانوا عليها لا الحرص
стр. 11311
فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ .. انْصَرَفَ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ رَأَهُمْ ثُمَّ قَالَ: "أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَيْءٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ؟ "، قَالُوا: أَجَلْ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "أَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ،
===
على الدنيا ولا الرغبة فيها، ولذلك قال لهم رسول الله ﷺ : "ابشروا وأملوا ما يسركم" وهذا تهوين منه عليهم ما هم فيه من الشدة، وبشارة لهم بتعجيل الفتح عليهم. انتهى من "المفهم".
(فلما صلى رسول الله ﷺ أي: فرغ من صلاة الصبح .. (انصرف) أي: قام من مصلاه وذهب (فتعرضوا له) أي: استقبلوه في عرضه، وقاموا قدامه (فـ) لما رآهم رسول الله ﷺ معترضين .. (تبسم) أي: ضحك (رسول الله ﷺ ضحكًا بلا صوت (حين رآهم) معترضين (ثم قال) لهم: (أظنكم) أنكم (سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء) من المال (من البحرين، قالوا) أي: قال الأنصار: (أجل) أي: نعم؛ سمعنا مجيئه من البحرين بمال (يا رسول الله) فـ (قال) لهم رسول الله ﷺ : (أبشروا) - بقطع الهمزة - وفي بعض النسخ: (فأبشروا) - بزيادة الفاء - ولكن إسقاطها أولى؛ لأنه لا معنى لها هنا؛ أي: أبشروا بنيل مرادكم (وأملوا) - بتشديد الميم - من التأميل؛ أي: اقصدوا (ما يسركم) ويبشركم، و (ما) في محل النصب مفعول به لـ (أملوا).
قال الحافظ في "الفتح": قوله: "فوافوا صلاة الفجر ... " إلى آخره، يؤخذ أنهم كانوا لا يجتمعون في كلّ الصلوات إلَّا لأمر يطرأ، وكانوا يصلون في مساجدهم؛ إذ كان لكل قبيلة مسجد يجتمعون فيه، فلأجل ذلك عرف النبي ﷺ أنهم اجتمعوا لأمر، ودلت القرينة على تعيين
стр. 11312
فَوَاللهِ؛ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا
===
ذلك الأمر؛ وهو احتياجهم إلى المال؛ للتوسعة عليهم، أفاده الحافظ في "الفتح".
(فوالله) الذي لا إله غيره (ما الفقرَ) والعدم (أخشى) وأخاف (عليكم) أيها الأصحاب بعد وفاتي؛ بنصب (الفقرَ) على أنه مفعول مقدم لـ (أخشى).
وقال الطيبي في "الكاشف" (٩/ ٢٩٣):
فإن قلت: ما الفائدة في تقديم المفعول على عامله في الفقرة الأولى؛ أعني: قوله: "ما الفقرَ أخشى عليكم" دون الثانية؛ يعني: قوله: "ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم؟ ".
قلت: فائدته: الاهتمام بشأن الفقرة الأولى؛ لأن الأب المشفق إذا احتضر إنما يكون اهتمامه بشأن الولد؛ ضياعه وإعدامه المال؛ كأنه ﷺ يقول: حالي معكم خلاف حال الوالد مع الولد؛ فإني لا أخشى الفقر عليكم؛ كما يخشاه الوالد على الولد، ولكن خوفي عليكم من الغنى الذي هو مطلوب الوالد للولد. انتهى.
(ولكني أخشى) وأخاف (عليكم أن تبسط) وتوسع (الدنيا) وزخارفها (عليكم؛ كما بسطت) ووسعت (على من كان قبلكم) من الأمم؛ ككسرى وقيصر.
(فتنافسوها) - بفتح التاء والفاء - لأنه مضارع (تنافس) الخماسي؛ من باب تفاعل، والأصل: (فتتنافسوا فيها) فحذفت إحدى التاءين؛ لتوالي الأمثال، وهو مضارع معطوف على (تبسط) منصوب بحذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة.
стр. 11313
كَمَا تَنَافَسُوهَا، فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ".
===
قال القرطبي: "فتتنافسوها ... " إلى آخره؛ أي: تتحاسدون فيها، فتختلفون وتتقاتلون، فيهلك بعضكم بعضًا؛ كما قد ظهر ووجد.
وقد سمى في هذا الحديث: (التحاسد) (تنافسًا) توسعًا؛ لقرب ما بينهما.
انتهى؛ كما سيأتي الفرق بينهما. انتهى "مفهم".
(كما تنافسوها) - بتاء واحدة - لأنه ماضٍ أسند إلى واو الجماعة؛ أي: فترغبوا فيها؛ كما رغب فيها من كان قبلكم من الأمم (فتهلككم) - بالنصب - معطوف على (تنافسوا) الأول، وتحجزكم عن التزود للآخرة (كلما أهلكتهم) أي: كما أهلكت الأمم السابقة وحجزتهم عن الآخرة.
والتنافس والمنافسة معناهما واحد؛ وهو الرغبة في الشيء النفيس، وحب الانفراد به؛ والشيء النفيس: هو الجيد في نوعه.
وفي هذا الحديث: طلبُ العطاء من الإمام لا غضاضة فيه، وفيه أيضًا البشرى من الإمام لأتباعه، وتوسيع أملهم، وفيه من أعلام النبوة .. إخباره ﷺ بما يفتح عليهم، وفيه أيضًا أن المنافسة في الدنيا قد تجر إلى هلاك الدين. انتهى من "العيني".
قال علي القاري في "المرقاة": والظاهر أن المراد بالفقر: فقدان جميع ما يحتاج إليه من ضروريات الدين والبدن، وبالغنى: الزيادةُ على مقدار الكفايةِ الموجبةُ للطغيان، وشغلِ الإنسان عن طاعة الرَّحمن.
فالمعنى - كما قال الطيبي -: ترغبون فيها، فتشتغلون بجمعها، وتحرصون على إمساكها، فتطغون فيها، فتهلكون بها. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الجزية والموادعة، باب الجزية والموادعة مع أهل الذِّمة والحرب، ومسلم في كتاب الزهد والرقائق،
стр. 11314
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
باب الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، والترمذي في كتاب الزهد.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي سعيد الخدري.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 11315
(٨) - (١٤٥٩) - بَابُ فِتْنَةِ النِّسَاءِ
(٣٢) - ٣٩٤٢ - (١) حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ الصَّوَّافُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ح وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَك، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيّ،
===
(٨) - (١٤٥٩) - (باب فتنة النساء)
(٣٢) - ٣٩٤٢ - (١) (حدثنا بشر بن هلال الصواف) أبو محمد النميري - بضم النون - ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (٢٤٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا عبد الوارث بن سعيد) بن ذكوان العنبري مولاهم أبو عبيدة التنوري البصري، ثقةٌ ثبتٌ، رمي بالقدر ولم يثبت عنه، من الثامنة، مات سنة ثمانين ومئة (١٨٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سليمان) بن طرخان (التيمي) البصري نزل في التيم فنسب إليهم، ثقةٌ عابد، من الرابعة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئة (١٤٣ هـ) يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا عمرو بن رافع) بن الفرات القزويني البجلي أبو حُجْر - بضم المهملة وسكون الجيم - ثقةٌ ثبتٌ، من العاشرة، مات سنة سبع وثلاثين ومئتين (٢٣٧ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبد الله بن المبارك) المروزي مولى بني حنظلة، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من الثامنة، مات سنة إحدى وثمانين ومئة (١٨١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي) عبد الرَّحمن بن مل - بتثليث الميم وتشديد اللام - مشهور بكنيته مخضرم، من الثانية، ثقةٌ ثبتٌ
стр. 11316
عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا أَدَعُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ".
===
عابد، مات سنة خمس وتسعين (٩٥ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن أسامة بن زيد) بن حارثة رضي الله تعالى عنهما، حب رسول الله ﷺ ومولاه، الصحابي المشهور، مات سنة أربع وخمسين (٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذان السندان من خماسياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات أثبات.
(قال) أسامة: (قال رسول الله ﷺ : ما أدع) أي: ما تركت (بعدي) أي: بعد وفاتي (فتنةً) هي (أضر) أي؛ أشد ضررًا (على الرجال من النساء).
وفي الحديث أن فتنة الرجال بسبب النساء .. أشد من الفتنة بغيرهن؛ وذلك لأن من طبيعة الرجل أن يميل إلى النساء، وأن هذا الميل ربما يؤدي إلى معصية؛ كنظرة إلى غير محرم منهن، أو الاستلذاذ بها بطريق غير مشروع، وربما يؤدي إلى تعاطي المحذورات لإرضائها، وإن كانت حلالًا، ولذلك قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (١)، فجعل النساء من جملة الشهوات، وقدمهن على غيرهن من بقية الشهوات؛ إشارة إلى أنهن الأصل في ذلك.
وعبارة "المناوي" ها هنا: قوله ﷺ : "ما تركت بعدي فتنة ... " إلى آخره؛ لأن المرأة لا تحب زوجها إلَّا على شر، وأقل إفسادها: أن تحمله على تحصيل الدنيا والاهتمام بها، وتشغله عن أمر الآخرة.
وللمرأة فتنتان: عامة وخاصة؛ فالعامة: الإفراط في الاهتمام بأسباب
стр. 11317
(٣٣) - ٣٩٤٣ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ،
===
المعيشة، وتعيير المرأة له بالفقر، فيكلف نفسه بما لا يطيق، ويسلك مسالك التهم المذهبة لدينه.
والخاصة: الإفراط في المجالسة والمخالطة، فتنطلق النفس عن قيد الاعتدال وتستروح بطول الاسترسال، فيستولي على القلب السهو والغفلة، فيقل الوارد؛ لقلة الأوراد، ويتكدر الحال؛ لإهمال شروط الأعمال. انتهى منه، انتهى "دهني".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب النِّكَاح، باب ما يتقى من شؤم المرأة، ومسلم في كتاب الدعاء والذكر والتوبة والاستغفار، باب أكثر أهل الجَنَّة الفقراءُ، وأكثرُ أهل النار النساءُ، والترمذي في كتاب الأدب، باب ما جاء في تحذير فتنة النساء، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٣٣) - ٣٩٤٣ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقةٌ عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(قالا) أي: قال كلّ منهما: (حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقةٌ، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
стр. 11318
عَنْ خَارِجَةَ بْنِ مُصْعَبٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْ صَبَاحٍ إِلَّا وَمَلَكَانِ يُنَادِيَانِ: وَيْلٌ لِلرِّجَالِ مِنَ
===
(عن خارجة بن مصعب) بن خارجة أَبِي الحجاج السرخسي، متروك، وكان يدلس عن الكذابين، ويقال: إن ابن معين كذبه، من الثامنة، مات سنة ثمان وستين ومئة (١٦٨ هـ). يروي عنه: (ت ق). وفي "التهذيب": هو خارجة بن مصعب بن خارجة الضبعي بن الحجاج الخراساني السرخسي. روى عن: زيد بن أسلم، ويروي عنه: وكيع، قال البخاري: تركه ابن المبارك ووكيع، وقال النسائي: متروك، وقال مرّة: ليس بثقة، وقال ابن عدي: اتَّقى الناسُ حديثَه فتركوه، وبالجملة: فهو متفق على ترك حديثه.
(عن زيد بن أسلم) العدوي مولاهم المدني؛ مولى عمر بن الخطاب، ثقةٌ عالم وكان يرسل، من الثالثة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عطاء بن يسار) الهلالي أبي محمد المدني مولى ميمونة أم المؤمنين، ثقةٌ فاضل، من صغار الثانية، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي سعيد) الخدري رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه خارجة بن مصعب، وهو متروك وضَّاع.
(قال) أبو سعيد: (قال رسول الله ﷺ : ما من صباح) هو أول النهار، ولا مساء؛ هو آخر النهار (إلَّا وملكان يناديان) أحدهما يقول: (ويل) أي: هلاك، أو عذاب، أو اسم لواد في جهنم (للرجال من) سوء
стр. 11319
النِّسَاء، وَوَيْلٌ لِلنِّسَاءِ مِنَ الرِّجَالِ".
(٣٤) - ٣٩٤٤ - (٣) حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى اللَّيْثِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ،
===
عشرة (النساء، و) الآخر يقول: (ويل) أي: عذاب (للنساء من) سوء عشرة (الرجال) والله أعلم، وفي "الإنجاز": ويل: أي: هلاك وتوقع شر، وقيل: واد في جهنم.
والمعنى: أنه استحقَّ كلّ من الفريقين مقرًّا من النار؛ على سوءِ عمله، وثَبَت له ذلك.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه ضعيف جدًّا (٤)(٤٠٣)؛ لما مر آنفًا، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أسامة بن زيد بحديث آخر لأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٣٤) - ٣٩٤٤ - (٣) (حدثنا عمران بن موسى) القزاز (الليثي) أبو عمرو البصري، صدوق، من العاشرة، مات بعد الأربعين ومئتين. يروي عنه: (ت س ق).
(حدثنا حماد بن زيد) بن درهم الأزدي البصري، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من كبار الثامنة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه (ع).
(حدثنا علي بن زيد) بن عبد الله بن زهير بن عبد الله (بن جدعان) التيمي البصري، أصله حجازي، وهو المعروف بعلي بن زيد بن جدعان، ينسب أبوه إلى جد جده، صدوق عند الترمذي، ضعيف عند غيره؛ كما في "التحفة"،
стр. 11320
عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ خَطِيبًا فَكَانَ فِيمَا قَالَ: "إِنَّ الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، وَإنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، أَلَا
===
من الرابعة، مات سنة إحدى وثلاثين ومئة (١٣١ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (م عم).
(عن أبي نضرة) العبدي المنذر بن مالك بن قطعة - بضم القاف وفتح المهملة - العوقي - بفتح المهملة والواو ثم قاف - البصري مشهور بكنيته، ثقةٌ، من الثالثة، مات سنة ثمان أو تسع ومئة (١٠٩ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي سعيد) الخدري، سعد بن مالك رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه علي بن زيد، وهو مختلف فيه؛ كما مر آنفًا.
(أن رسول الله ﷺ قام) فينا، حال كونه (خطيبًا) لنا (فكان فيما قال) في خطبته: (إن الدنيا خضرة) - بفتح الخاء المعجمة وكسر الضاد المعجمة - أي: ناعمة طرية محبوبة للنفس (حلوة) - بضم أوله وسكون ثانيه - أي: لذيذة حسنة، وإنما وصفها بالخضرة؛ لأن العرب تسمي الشيء الناعم: خضرًا، أو لشبهها بالخضروات في ظهور كمالها، وسرعة زوالها، وفيه بيان أنَّها تفتن الناس بلونها وطعمها؛ أي: خضرة اللون حالية الطعم.
(وإن الله) (مستخلفكم فيها) أي: جاعلكم خلفاء فيها، مِن قَرْنٍ خَلَوْا مِنْ قبلكم (فناظر كيف تعملون) فيها؛ أي: هل تطيعون الله فيها؛ بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، أم لا تطيعونه؟ (ألا) حرف تنبيه
стр. 11321
فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ".
===
واستفتاح؛ أي: انتبهوا من غفلتكم، واستمعوا ما أقول لكم بجد واجتهاد؛ وهو قولي: (فاتقوا الدنيا) أي: احذروا زيادتها على قدر الحاجة العينة للدين النافعة في الأخرى (واتقوا النساء) أي: واحذروا كيدهن ومكرهن.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الفتن، باب ما أخبر النبي ﷺ أصحابه بما هو كائن إلى يوم القيامة، أخرجه مطولًا، وقال: هذا حديث حسن؛ لأن فيه زيد بن علي، وهو مختلف فيه؛ لأنه صدوق عند الترمذي، ضعيف عند غيره.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا أحمد، والحاكم، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والبيهقي في "سننه".
فهذا الحديث درجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أسامة بن زيد.
قوله: (قام خطيبًا) أي: واعظًا، وفي رواية الترمذي: (صلى بنا رسول الله ﷺ يومًا صلاة العصر بنهارٍ، ثم قام خطيبًا، فلم يدع شيئًا يكون إلى يوم القيامة .. إلَّا أخبرنا به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، فكان فيما قال: "إن الدنيا خضرة حلوة") أي: تفتن الناس بلونها وطعمها.
قلت: التشبيه ها هنا في شيئين؛ أحدهما: حسنها للنفوس ونضارتها ولذتها؛ كالفاكهة الخضراء الحلوة؛ فإن النفوس تطلبها طلبًا حثيثًا، وكذا الدنيا، والثاني: سرعة فنائها وفسادها؛ فإن الشيء الأخضر والحلو يتسارع إليه الفساد والفناء.
قوله: "فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء" معناه: تجنبوا الافتتان بها وبالنساء، قال النووي: وتدخل في (النساء) الزوجات وغيرهن، وأكثرهن
стр. 11322
(٣٥) - ٣٩٤٥ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ دَاوُودَ بْنِ مُدْرِكٍ،
===
فتنةً الزوجات؛ لكثرة مخالطتهن بالرجال، ودوام فتنتهن وابتلاء أكثر الناس بهن. انتهى.
قلت: وعمت البلوى بهذه الفتنة في هذا الزمان الآخر من الزوجات ومن غيرهن، وقل من نجا من هذا. انتهى من "الإنجاح".
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أسامة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٣٥) - ٣٩٤٥ - (٤) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(قالا: حدثنا عبيد الله بن موسى) بن أبي المختار باذام العبسي الكوفي، ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن موسى بن عبيدة) - مصغرًا - ابن نشيط الربذي - بفتحتين - أبي عبد العزيز المدني، ضعيف لا سيما في عبد الله بن دينار، وكان عابدًا، من صغار السادسة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئة (١٥٣ هـ). يروي عنه: (ت ق). وحدث عنه وكيع، وقال: ثقةٌ.
(عن داوود بن مدرك) مجهول. يروي عنه: (ق)، من السادسة. روى عن: عروة بن الزبير، ويروي عنه: موسى بن عبيدة، روى له ابن ماجة حديثًا واحدًا: (دخلت امرأة المسجد ترفل في زينة لها) وهو هذا الحديث.
стр. 11323
عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْر، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ .. إِذْ دَخَلَتِ امْرَأَةٌ مِنْ مُزَيْنَةَ تَرْفُلُ فِي زِينَةٍ لَهَا فِي الْمَسْجِد، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ انْهَوْا نِسَاءَكُمْ عَنْ لُبْسِ الزِّينَةِ وَالتَّبَخْتُرِ فِي الْمَسْجِدِ؛
===
(عن عروة بن الزبير) ثقةٌ، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ) على الصحيح. يروي عنه (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه موسى بن عبيدة، وهو ضعيف، وفيه داوود بن مدرك، وهو مجهول أيضًا.
(قالت) عائشة: (بينما رسول الله ﷺ : جالس في المسجد) النبوي؛ أي: بينما أوقات جلوس رسول الله ﷺ في المسجد .. (إذ دخلت امرأة من مزينة) قبيلة مشهورة من العرب، و (إذ) حرف دال على مفاجاة ما بعدها لما قبلها؛ أي: بينما أوقات جلوس رسول الله ﷺ في المسجد النبوي .. فاجأهم دخول امرأة من مزينة المسجد، حالة كونها (تَرْفلُ) مِن رَفَلَ في ثيابه؛ من بابي نصر وفرح، يقال: رفل في ثيابه؛ إذا أطَالَها وجرَّها على الأرض، حالة كونها متبخترةً فيها، معجبةً لنفسها، ولم أر من ذكر اسم هذه المرأة؛ أي: تَبَخْتَرُ (في) ثيابِ (زينةٍ لها في المسجد) النبوي.
(فقال النبي ﷺ مخاطبًا لِمَنْ عندَه وغيرِهم: (يا أيها الناس؛ انْهَوا) أي: ازْجُروا (نساءكم) المسلماتِ وغيرَهن (عن لبس) ثياب (الزينة والتبختر) فيها (في المسجد) أي: عن المشي في المسجد متبخترةً؛ أي: متكبرة؛ أي: عن مشيتها في المسجد مشية المتكبرين المختالين المعجبين
стр. 11324
فَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يُلْعَنُوا حَتَّى لَبِسَ نِسَاؤُهُمُ الزِّينَةَ وَتَبَخْتَرْنَ فِي الْمَسَاجِدِ".
(٣٦) - ٣٩٤٦ - (٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ مَوْلَى أَبِي رُهْمٍ وَاسْمُهُ عُبَيْدٌ،
===
عن أنفسهم (فإن) من قبلكم من (بني إسرائيل لَمْ يُلْعَنُوا) - بالبناء للمجهول - أي: لَمْ يُطردوا من رحمة الله تعالى (حتى لَبِسَ نساؤُهم) ثيابَ (الزينة وتَبَخْتَرْنَ في المساجد) والكنائسِ والبِيَعِ.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه صحيح بما بعده من حديث أبي هريرة وإن كان سنده ضعيفًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أسامة بن زيد.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أشامة بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٣٦) - ٣٩٤٦ - (٥) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عاصم) بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي المدني، ضعيف، من الرابعة، مات في أول دولة بني العباس سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ)، وقال العجلي: لا بأس به، وقال ابن عدي: قد روى عنه ثقات الناس واحتملوه، وهو مع ضعفه يكتب حديثه. يروي عنه: (د ت س ق).
(عن مولى أبي رهم واسمه عبيد) بن أبي عبيد، واسم أبي عبيد: كَثِيرٌ، مولى أبي رُهْمٍ - بضم الراء وسكون الهاء - لقبه (أَشْيَاخْ كُوثا) مقبول، من الثالثة. يروي عنه: (د ق)، وذكره ابن حبان في "الثقات"، روى له أبو داوود وابن ماجة حديثًا واحدًا في تَطيُّبِ المرأةِ إذا خرجت إلى المسجد وهو هذا الحديث، وقال العجلي: تابعي ثقةٌ، وأما اسم أبي رهم أَحْزَابُ بن أَسِيد - بفتح
стр. 11325
أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَقِيَ امْرَأَةً مُتَطَيِّبَةً تُرِيدُ الْمَسْجِدَ فَقَالَ: يَا أَمَةَ الْجَبَّارِ؛ أَيْنَ تُرِيدِينَ؟ قَالَتِ: الْمَسْجِدَ، قَالَ: وَلَهُ تَطَيَّبْت، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ تَطَيَّبَتْ ثُمَّ خَرَجَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ .. لَمْ تُقْبَلْ لَهَا صَلَاةٌ حَتَّى تَغْتَسِلَ".
===
الهمزة وكسر المهملة - على المشهور يكنى: أبا رهم - بضم الراء - السَمَعِيُّ - بفتح المهملة والميم - مختلف في ححبته، والصحيح أنه مخضرم ثقةٌ. يروي عنه: (د س ق).
(أن أبا هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عاصم بن عبيد الله، وهو مختلف فيه.
(لقي) ورأى (امرأةً متطيبة تريد) دخول (المسجد) ولم أر من ذكر اسمها (فقال) لها أبو هريرة: (يا أمة الجبار؛ أين تريدين؟ ) ناداها بهذا الاسم؛ تخويفًا لها وإنذارًا (قالت) المرأة: أريد (المسجد، قال) لها أبو هريرة: (وله) أي: ولحضور المسجد (تطيبت) أنت؛ أي: استعملت الطيب (قالت) المرأة لأبي هريرة: (نعم) تطيبت لحضور المسجد (قال) لها أبو هريرة: (فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: أيما امرأة تطيبت) - بسكون التاء؛ لأنَّها للتأنيث - أي: استعملت الطيب في بيتها (ثم خرجت إلى المسجد) للصلاة فيه ... (لَمْ تقبل لها صلاة حتى) ترجع إلى بيتها و (تغتسل) من ذلك الطيب.
وفي رواية أبي داوود: (غسلها للجنابة) والمراد: أنَّها تبالغ في إزالة الطيب، ولعل ذلك إذا كان الطيب على البدن، وقيل: أمرها بذلك؛ تشديدًا عليها، وتشنيعًا لفعلها، تشبيهًا له بالزنا؛ وذلك لأنَّها هيجت بالنظر إليها
стр. 11326
(٣٧) - ٣٩٤٧ - (٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ،
===
شهوات الرجال، وفتحت أبواب عيونهم التي بمنزلة من يريد الزنا، فحكم عليها بما يحكم على الزاني من الاغتسال من الجنابة.
قال علي القاري: بأن تعم جميع بدنها بالماء إذا كانت طَيَّبَتْ جميعَ بدنها؛ ليزول عنها الطيب، وأما إذا أصاب موضعًا مخصوصًا .. فتَغسِل ذلك الموضعَ. قلت: ظاهر الحديث يدلُّ على الاغتسال في كلتا الصورتين.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الترجل، باب ما جاء في المرأة تتطيَّبُ للخروج إلى المسجد، والنسائي في كتاب الزينة، وابن خزيمة في "صحيحه"، والبيهقي في "الكبرى"، وأحمد وأبو يعلى والحميدي والمسند الجامع، كلهم من طرق مختلفة عن أبي هريرة.
فدرجة هذا الحديث: أنه حسن صحيح، وإن كان سند المؤلف حسنًا أو ضعيفًا؛ لأن له شواهد، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أسامة، كذا ذكره في "إنجاز الحاجة".
* * *
ثم اسشهد المؤلف رابعًا لحديث أسامة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٣٧) - ٣٩٤٧ - (٦) (حدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر التجيبي المصري، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه (م ق).
(أنبأنا الليث بن سعد) بن عبد الرَّحمن الفهمي مولاهم المصري عالمها، ثقةٌ ثبتٌ حجة، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه (ع).
стр. 11327
عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ؛ تَصَدَّقْنَ
===
(عن) يزيد بن عبد الله بن أسامة (بن الهاد) الليثي أبي عبد الله المدني، ثقةٌ مكثر، من الخامسة، مات سنة تسع وثلاثين ومئة (١٣٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم؛ مولى ابن عمر أبي عبد الرَّحمن المدني، ثقةٌ، من الرابعة، مات سنة سبع وعشرين ومئة (١٢٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(عن رسول الله ﷺ أنه قال: يا معشر النساء) أي: يا جماعة النساء؛ والمعشر: كلُّ جماعة أَمْرُهم مُتَّحِدٌ، ونقل عن ثعلب أنه مخصوص بالرجال.
وهذا الحديث يرد عليه، إلَّا إن كان مراده بالتخصيص حالة إطلاق المعشر، لا حالة تقييده؛ كما في هذا الحديث.
وفي "الكوكب": والمعشر: الجماعة المشتركة في أمر؛ فالإنسان معشر، والجن معشر، والنساء معشر، والشياطين معشر.
(تصدقن) أي: اصرفن الصدقة للمحتاجين؛ فإنها سترة من النار، وهذا نداء لجميع نساء العالم إلى يوم القيامة، وإرشاد لهن إلى ما يستخلصهن من النار؛ وهو الصدقة مطلقًا، واجبها وتطوعها؛ فالمراد هنا: القدر المشترك بين الواجب والتطوع.
قال القرطبي: ويعني بـ (الصدقة): غير الواجبة، لا الواجبة؛ لقوله في
стр. 11328
وَأَكْثِرْنَ مِنَ الاسْتِغْفَارِ؛ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ"،
===
بعض الروايات: (ولو من حليكن) إذ لا زكاة في الحلي.
وفي "الإنجاح": الظاهر أنه أمر ندب بالصدقة الفاضلة؛ لأنه خطاب للحاضرات، ويبعد أنهن كلهن ممن فرض عليهن الزكاة. انتهى.
(وأكثرن من الاستغفار) أي: طلب المغفرة لذنوبكن من الله تعالى؛ والاستغفار: طلب المغفرة من الله تعالى، سواء كان مع توفر شروط التوبة أم لا، وقد يعبر به عن التوبة؛ كما في قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ (١)؛ أي: توبوا، وإنما عبر عن التوبة بالاستغفار؛ لأنه إنما يصدر عن الندم، وخوف الإصرار؛ وذلك هو التوبة، فأما الاستغفار مع الإصرار .. فحال المنافقين والأشرار، وهو جدير بالرد وتكثير الأوزار، وقد قال بعض العارفين: الاستغفار باللسان توبة الكذابين. انتهى من "المفهم" بتصرف.
والفاء في قوله: (فإني) معللة للأمر بالتصدق والاستغفار؛ أي: لأني (رأيتكن أكثر أهل النار) والعذاب، والرؤية هنا؛ إما علمية تتعدى إلى مفعولين؛ أي: علمتكن بما عرفت من أحوالكن، أو بصرية تتعدى إلى مفعول واحد و (أكثر) حال من ضمير المخاطبات؛ لأن (أفعل) لا يتعرف بالإضافة إلى اسم الجنس؛ كما عليه ابن السراج وأبو علي الفارسي؛ أي: أبصرتكن في النار مكاشفةً، حال كونكن أكثر أهلها.
وقول النووي هنا: (وقيل: هو بدل من الكاف في "رأيتكن") خطأ ظاهر؛ لفساد المعنى حينئدٍ؛ لأن المبدل منه في نية الطرح، فيكون المعنى: رأيت أكثر أهل النار؛ والقصد: الإخبار عن رؤيتهن، لا عن رؤية أهل النار، تأمل.
стр. 11329
فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ جَزْلَةٌ:
===
أي: رأيت صنفكن، لا المخاطبات، وأكثريتهن هو السبب في أمرهن بالإكثار من الاستغفار.
قال الأبي: فإن قلت: (أكثريتهن) مع قوله في حديث أهل الجَنَّة: (لكل واحد منكم زوجتان) تدل: على أن صنف النساء أكثر من صنف الرجال.
قلت: أكثريتهن حينئذٍ لا تستلزم أكثريتهن دائمًا.
أو يقال: الزوجتان إنما هما بعد الخروج من النار، أو أنهما ليستا بآدميتين؛ كما يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ (١). انتهى.
وعبارة "المفهم": أي: اطلعت على نساء آدميات من نوع المخاطبات، لا على أنفس المخاطبات؛ كما في الرواية الأخرى: (اطلعت على النار، فرأيت أكثر أهلها النساء) رواه أحمد والبخاري والترمذي من حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما.
(فـ) لما سمع النساء ذلك .. علمن أن ذلك كان لسبب ذنب سبق لهن، و (قالت امرأة منهن جزلة) - بسكون الزاي؛ لأنه اسم فاعل من فعل المضموم، يقال: جزل زيد، فهو جزل، وهي جزلة - أي: عاقل وعاقلة؛ كما قال ابن مالك في "لامية الأفعال":
كوزن فاعل اسم فاعل جعلا ... من الثلاثي الذي ما وزنه فَعُلا
ومنه صيغ كسهل والظريف وقد ... يكون أفعل أو فَعالًا أو فعلا
وعبارة "المناهل مع المتن": ومنه صيغ؛ أي: وبني اسم الفاعل من مصدر (فعل) المضموم المذكور في آخر البيت السابق على وزنين قياسيين:
стр. 11330
وَمَا لَنَا يَا رَسُولَ اللهِ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: "تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ
====
أحدهما: (فعل) بفتح الفاء وسكون العين؛ وذلك (كسهل) أي: كقولك: سهل الأمر، فهو سهل؛ إذا لان، وصعب ضد سهل، فهو صعب، وجزل زيد، فهو جزل؛ إذا كان عاقلًا.
وثانيهما: فعيل؛ وذلك (كالظريف) أي: كقولك: ظرف الرجل، فهو ظريف؛ إذا كان ذكيًّا بارعًا ... إلى آخر ما هنالك.
قال ابن دريد: الجزالة: العقل، وفي "كتاب العيني": امرأة جزلة، أي: ذات عجيزة عظيمة؛ والجزل: العظيم من كلّ شيء، ومنه: عطاء جزل، قال الأبي: ومن جزالتها أنَّها لَمْ تسأل إلَّا عن السبب؛ لتحترز منه.
والمعنى: أي: فلما سمع النساء ذلك .. علمن أن ذلك كان لسبب ذنب سبق لهن، فبادرت هذه المرأة؛ لجزالتها وشدة حرصها على ما يخلص من هذا الأمر العظيم، فسألت عن ذلك، فقالت: (وما لنا يا رسول الله) مبتدأ وخبر (أكثرَ أهل النار؟ ) بالنصب، حال من ضمير المتكلمات، أو خبر لكان المحذوفة؛ أي: وأي شيء ثبتٌ لنا حالة كوننا أكثر أهل النار؟ أو أي ذنب حصل لنا حتى كنا أكثر أهل النار؟ أو في قولك لنا: "رأيتكن أكثر أهل النار" إن قلنا: منصوب على الحكاية؛ كما في "النووي".
فأجابها رسول الله ﷺ حيث (قال) في جواب سؤالها: لأنكن (تكثرن اللعن) قال القاضي: اللعن لغةً: الطرد، وشرعًا: الطرد من رحمة الله تعالى، ففيه أن اللعن وكفران العشير من الذنوب. انتهى.
أي: يدور اللعن علي ألسنتهن كثيرًا لمن لا يجوز لعنه، وكان ذلك عادةً جاريةً في نساء العرب؛ كما قد غلبت بعد ذلك على النساء والرجال، حتى إنهم إذا استحسنوا شيئًا .. ربما لعنوه، فيقولون: ما أشعره، لعنه الله!
стр. 11331
وَتكفرْن العَشِيرَ،
===
وقد حكى بعضهم أن قصيدة ابن دريد كانت تسمى عندهم: (الملعونة) لأنهم كانوا إذا سمعوها .. قالوا: ما أشعره، لعنه الله!
(وتكفرن العشير) أي: تجحدن وتنكرن نعمة الزوج وإحسانه إليكن، قال القاضي: العشير: الزوج والزوجة؛ لأنه من المعاشرة، وكل منهما معاشر الآخر، والعشير أيضًا: الخليط والصاحب مطلقًا؛ والمراد به هنا: الزوج؛ لأنه شرحه بما يرجع إلى معنى الزوج، وأيضًا: فاستحقاقهن النار يدلُّ: على أنه الزوج؛ لعظم حقه عليهن دون غيره.
قال النووي: كفران العشير كبيرة؛ للعقوبة عليه بالنار، وأما اللعن .. فمن المعاصي الصغائر، لا أنه كبيرة؛ لقوله: "وتكثرن اللعن".
والصغيرة إذا كثرت .. صارت كبيرة، واتفقوا على أنه لا يجوز لعن المعين وإن كان كافرًا؛ لأن اللعن إبعاد من رحمة الله تعالى، ولا يبعد عنها من لا تعرف خاتمته، إلَّا أن يعلم بنص أنه مات أو يموت كافرًا، كأبي لهب وإبليس.
وأما اللعن بالصفة، كالحالقة وآكل الربا والظالم .. فجائز؛ لوروده. انتهى.
والمراد بـ (العشير): الزوج، وبـ (الكفر): كفران الحقوق.
ويدل على صحة الأمرين حديث "الموطأ "الذي فيه: الكفرهن، قيل: أيكفرن بالله؟ فقال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئًا لا يوافق هواها .. قالت: ما رأيت منك خيرًا قط) رواه مالك في "الموطأ" من حديث عبد الله بن عباس ﵄.
قال العيني في "عمدة القاري": في هذا الحديث دلالة على عظم حق الزوج،
стр. 11332
مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَبَ
===
والدليل عليه قوله ﷺ : "لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد .. لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها"، ولأجل هذا المعنى خص كفران العشير من بين أنواع الذنوب، وقُرِنَ بحق الله تعالى، فإذا كفرت المرأة حق زوجها، وقد بلغ من حقه هذه الغاية .. كان ذلك دليلًا على تهاونها بحق الله تعالى، فلذلك أطلق عليها الكفر، لكنه كفر لا يخرج من الملة، فالكفر المطلق .. هو الكفر بالله، وما دون ذلك يقرب منه.
وتحقيق ذلك: ما قاله الأزهري: الكفر بالله أنواع: ! نكار، وجحود، وعناد، ونفاق، وهذه الأربعة من لقي الله تعالى بواحد منها .. لَمْ يغفر له.
فالأول: أن يكفر بقلبه ولسانه، ولا يعرف ما يذكر له من التوحيد؛ كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ ... ﴾ الآية (١)؛ أي: الذين كفروا بالتوحيد، وأنكروا معرفته.
والثاني: أن يعرف بقلبه ولا يقر بلسانه، وهذا ككفر إبليس عليه لعنة الله والناس أجمعين، وبلعام، وأمية بن أبي الصلت.
والثالث: أن يعرف بقلبه ويقر بلسانه، ويأبى أن يقبل الإيمان بالتوحيد والانقياد؛ ككفر أبي طالب.
والرابع: أن يقر بلسانه وينكر بقلبه؛ ككفر المنافقين. انتهى منه.
ثم قال رسول الله ﷺ : (ما رأيت من ناقصات عقل ودين) فهو معطوف على (تكثرن اللعن) على كونه مقولًا لقال، وقال القرطبي: وقوله: "ما رأيت من ناقصات عقل" صفة لموصوف محذوف هو مفعول أول لرأيت، على أن الرؤية علمية، وقوله: (أغلب) مفعول ثان له.
стр. 11333
لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ! "، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَمَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ؟ قَالَ: "أَمَّا نُقْصَانُ الْعَقْلِ .. فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ فَهَذَا مِنْ نُقْصَانِ الْعَقْل، وَتَمْكُثُ
===
وإن قلنا: بصرية .. فهو صفة لذلك المحذوف؛ أي: وما رأيت وعلمت أحدًا من ناقصات عقل (ودين أغلب) أي: أكثر غلبة (لـ) رجل (ذي لب) أي: صاحب عقل كامل (منكن! ) أي: من إحداكن يا معشر النساء، وهذا تعجب من كثرة غلبتهن الرجال؛ أي: إنكن مع ما فيكن من الرذيلتين خلقتن سالبات لِنُهَى الرجال ذوي العقل الكامل.
واللب: العقل، سمي به؛ لأنه خلاصة الإنسان ولُبُّه ولُبابُهُ، ومنه سمي قلب الحب: لبًا، واللب الذي تنقصه النساء هو التثبت في الأمور، والتحقق فيها، والبلوغ فيها إلى غاية الكمال، وهن في ذلك غالبات، بخلاف الرجال.
و(الدين) هنا: يراد به: العبادات، وليس نقصان ذلك ذمًّا لهن.
وإنما ذكر النبي ﷺ ذلك من أحوالهن؛ على معنى التعجب من الرجال؛ حيث يغلبهم من نقص عن درجتهم، ولم يبلغ كمالهم، وذلك هو صريح قوله ﷺ : "ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن! " رواه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه.
(قالت) تلك المرأة الجزلة: (يا رسول الله؛ وما نقصان العقل والدين) فينا؟ (قال) رسول الله ﷺ في جواب سؤالها: (أما نقصان العقل) فيكن؛ أي: أما علامة نقصان العقل منكن .. (فشهادة امرأتين تعدل) وتساوي (شهادة رجل) واحد (فهذا) المذكور (من) مساواة شهادة امرأتين بشهادة رجل سببه (نقصان العقل) فيكن (و) أما نقصان دينها .. فإنها (تمكث) وتجلس
стр. 11334
اللَّيَالِيَ مَا تُصَلِّي وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ فَهَذَا مِنْ نُقْصَانِ الدِّينِ".
===
(الليالي) ذوات العدد الخمسة عشر وما دونها، حالة كونها (ما تصلي) ولا تؤدي الصلوات الخمس؛ لعارض الحيض والنفاس (و) إنها (تفطر) أيام الحيض والنفاس (في رمضان، فهذا) المذكور؛ من ترك الصلاة والإفطار في رمضان (من نقصان الدين) والعبادة.
قال المازري: نَقْصُ دينها صحيحٌ إذا قلْنَا: العبادات كمال دين؛ لأن مَنْ نقَصَ عبادةً .. نقَصَ دينًا، ولا يُعترض بالمسافر، فيقال: إنه يَقْصرُ وإنه ناقصُ الدين؛ لأن تركهن الصلاةَ إنما هو تَنْزِيهٌ لله تعالى عَنْ أَنْ يَعْبُدْنَه مُستقذراتٍ، بخلاف المسافر، فجاء النقص فيهن من هذا الوجْهِ.
وأيضًا فالنَّقْصُ للمسافر غير لازم، فإن له ألا يسافر، فلا يسقط عنه، وهو لهن لازم؛ إذ ليس لهن ألا يحضن، وقد لا يحتاج إلى هذا؛ لأن المسافر إنما يغير العدد، وهن يتركن الصلاة جملةً.
قال النووي: والحديث بين أن الحائض لا تثاب على تركها الصلاة، وقالوا في المسافر والمريض يتركان نوافل الصلاة؛ لعذرهما: إنهما يكتب لهما ثواب ما كانا يتنفلان به في الصحة والحضر، وفرق بأنهما كانت نيتهما الدوام لولا العذر، والحائض لَمْ تكن نيتها الدوام، وإنما نظير الحائض من كان يتنفل مرّة ويترك أخرى، فهذا لا يكتب له؛ لأنه لَمْ تكن نيته الدوام. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات، وباب إطلاق لفظ الكفر على غير الكفر بالله، وأبو داوود في كتاب السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه.
стр. 11335
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
فصل في ذكر الأحكام التي تستفاد من هذا الحديث
وقال النووي: ويستفاد من هذا الحديث جمل من المعلوم؛ منها: الحث على الصدقة وأفعال البر والإكثار من الاستغفار وسائر الطاعات.
وفيه أن الحسنات يذهبن السيئات؛ كما ذكره تعالى في كتابه العزيز.
وفيه أن كفران العشيرِ والإحسانِ من الكبائر؛ فإن التوعد بالنار من علامة كون المعصية كبيرة.
وفيه أن اللعن أيضًا من المعاصي الشديدةِ القُبْح، وليس فيه أنه كبيرة؛ فإنه ﷺ قال: "تكثرن اللعن" والصغيرة إذا كثرت .. صارت كبيرة، وقد قال ﷺ : "لَعْنُ المسلم كَقْتلِه".
واتفق العلماء على تحريم اللعن؛ فإنه في اللغة: الإبعاد والطرد، وفي الشرع: الإبعاد من رحمة الله تعالى، فلا يجوز الإبعاد من رحمة الله من لا يعرف حاله وخاتمة أمره معرفةً قطعيةً، فلهذا قالوا: لا يجوز لعن أحد بعينه مسلمًا كان أو كافرًا أو دابةً إلَّا من علمنا بنص شرعي أنه مات على الكفر؛ كأبي لهب، أو يموت عليه؛ كإبليس.
وأما اللعن بالوصف .. فليس بحرام؛ كلعن الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة، وآكل الربا وموكله، والمصورين، والظالمين، والفاسقين، والكافرين، ولعن من غَيَّر منارَ الدين، ومن تولَّى غَيْرَ مواليه، ومن انتسب إلى غير أبيه، ومن أحدث في الإسلام حدثًا، أو آوى مُحدِثًا، وغير ذلك مما
стр. 11336
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
جاءت به النصوص الشرعية، بإطلاقِه على الأوصاف، لا على الأعيان. انتهى باختصار.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ستة أحاديث:
الأول للاستدلال، والثاني للاستئناس، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 11337
(٩) - (١٤٦٠) - بَابُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ
(٣٨) - ٣٩٤٨ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عُرْوَةَ،
===
(٩) - (١٤٦٠) - (باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)
(٣٨) - ٣٩٤٨ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه (خ م د س ق).
(حدثنا معاوية بن هشام) القصَّار أبو الحسن الكوفي مولى بَنِي أَسَدٍ، ويقال: معاوية بن أبي العباس، صدوق له أوهام، من صغار التاسعة، مات سنة أربع ومئتين (٢٠٤ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن هشام بن سعد) المدني أبي عباد، أو أبي سعيد، صدوق له أوهام ورمي بالتشيع، من كبار السابعة، مات سنة ستين ومئة أو قبلها. يروي عنه: (م عم).
(عن عمرو بن عثمان) بن هانئ المدني، مولى عثمان. روى عن: عاصم بن عمر بن عثمان، ويروي عنه: هشام بن سعد، مستور، من السابعة. يروي عنه: (د ق).
(عن عاصم بن عمر بن عثمان) أحد المجاهيل، من السابعة، روى عن عروة عن عائشة حديث: "مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم" وهو هذا الحديث وذكره ابن حبان في "الثقات". يروي عنه: (ق).
(عن عروة) بن الزبير، ثقةٌ، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ) على الصحيح. يروي عنه (ع).
стр. 11338
عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ قَبْلَ أَنْ تَدْعُوا فَلَا يُسْتَجَابَ لَكُمْ".
===
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عاصم بن عمر بن عثمان، وهو مختلف فيه.
(قالت) عائشة: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: مروا بالمعروف) أي: بكل ما عرف من الطاعة؛ من الدعاء إلى التوحيد، والأمر بالعبادة، والعدل بين الناس (وانهوا عن المنكر) أي: من المعاصي والفواحش، وما خالف الشرع من جزئيات الإحكام، وعرَّفَهُما؛ إشارةً إلى تَقرُّرِهما وثبُوتِهما.
وفي رواية عرَّف الأول ونكَّر الثانيَ، ووجهه: الإشارة إلى أن المعروف معهود ومألوف، والمنكر مجهول؛ كمعدوم، قال القاضي: الأمر بالمعروف يكون واجبًا ومندوبًا؛ على حسب ما يؤمر به، والنهي عن المنكر واجب كله؛ لأن ما أنكر الشرع حرام.
(قبل أن تدعوا) أي: قبل أن تدعوا الناس إلى الهدى بالأمر بالمعروف وبالنهي عن المنكر (فلا يستجاب لكم) أي: فلا يَقْبَل أحدٌ منكم ذلك، وفيه أن الناس إذا تَركُوا قبول ذلك .. يَسْقُط الأمر والنهي.
ويحتمل أن المراد: قبل أن يصير غير نافع؛ بسبب ترك الناس قبولَه، ويحتمل أن المراد قيل: إذا تَرك الكُلُّ الأمرَ والنهيَ .. فيصير بحيث لا يستجاب لهم الدعاء (س).
وقال المناوي في "الفيض" (٥/ ٥٢٢) - قوله: "قبل أن تدعوا ... " إلى آخره، زاد الطبراني وأبو نعيم في روايتهما عن ابن عمر يرفعه: "وقبل أن
стр. 11339
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
تستغفروا فلا يغفر لكم، إن الأمر بالمعروف لا يقرب أجلًا، وإن الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى لما تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. لعنهم الله تعالى على لسان أنبيائهم، ثم عمَّهم البلاءُ". انتهى بنصه.
وقال عمر: إن الزاهد من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. نزعت منه الطاعة، ولو أمر ولده أو عبده .. لاستخف به، فكيف يستجاب دعاؤه من خالقه؟ !
وأخذ الذهبي من هذا الوعيد أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الكبائر.
قال ابن العربي: والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصلٌ في الدين، وعُمدةٌ من عُمَدِ المسلمين، وخلافةُ رب العالمين، والمقصودُ الأكبرُ مِن فائدة بَعْثِ النبيين، وهو فرض على جميع الناس، مَثْنَى وفُرادى، بشرط القدرة والأمن.
قال البوصيري: وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ولكن رواه أبو بكر بن أبي شيبة بإسناده ومتنه، ورواه البيهقي في "سننه الكبرى" من طريق أبي الدلال عن هشام بن سعد، وسياقُه أتم، ورواه ابن حبان في "صحيحه"، وأحمد في "مسنده"، و"المسندِ الجامع".
ودرجة هذا الحديث: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة بحديث أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 11340
(٣٩) - ٣٩٤٩ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: قَامَ أَبُو بَكْرٍ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ إِنَّكُمْ
===
(٣٩) - ٣٩٤٩ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(وأبو أسامة) حماد بن أسامة القرشي الكوفي، ثقةٌ ثبتٌ، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
كلاهما رويا (عن إسماعيل بن أبي خالد) الأحمسي مولاهم البجلي الكوفي، ثقةٌ ثبتٌ، من الرابعة، مات سنة ست وأربعين ومئة (١٤٦ هـ). يروي عنه: (ع). واسم أبي خالد: سعد، وقيل: هرمز، وقيل: كثير.
(عن قيس بن أبي حازم) البجلي الأحمسي أبي عبد الله الكوفي، ثقةٌ مخضرم، من الثانية، مات بعد التسعين، أو قبلها. يروي عنه: (ع). واسم أبيه حصين بن عوف.
(قال) قيس: (قام أبو بكر) الصديق رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
أي: قال قيس بن أبي حازم: قام أبو بكر الصديق (فحمد الله) تعالى؛ أي: نزهه تعالى عما لا يليق به من كلّ النقائص (وأثنى عليه) تعالى؛ أي: وصفه تعالى بما يليق به من الكمالات (ثم قال) أبو بكر: (يا أيها الناس؛ إنكم
стр. 11341
تَقْرَؤُونَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، وَإنَّا سَمِعْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ لَا يُغَيِّرُونَهُ .. أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابِهِ"،
===
تقرؤون هذه الآية) أي: قوله تعالى: (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾) (١)، وفي رواية: وتضعونها؛ أي: تحملونها على غير معناها؛ بأن تجروها على عمومها، وتمتنعوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مطلقًا، وليس كذلك، بل لا بد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (وإنا سمعنا رسول الله ﷺ يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر) و (لا يغيرونه) أي: فلم يغيروه بأيديهم أو بألسنتهم؛ أي: بقدر طاقتهم .. (أوشك) وقرب (أن يعمهم الله بعقابه) أي: من فعل منهم المنكر، وغيره إذا سكت عليه ولم ينههم.
قال النووي: وأما قوله: أي: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الزموا أنفسكم .. فليس مخالفًا لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن المذهب الصحيح عند المحققين في معنى الآية: أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به من الأمر والنهي .. فلا يضركم تقصير غيركم؛ مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢)، وإذا كان الأمر كذلك، فمِمَّا كُلِّف به الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر، فإذا فعله فلم يمتثل المخاطب .. فلا عَتْبَ بعد ذلك على الفاعل؛ لكونه أبي ما عليه من الأمر والنهي.
فليس المعنى المراد من الآية: بيان عدم لزوم الأمر والنهي، بل المقصود منها: بيان أن معصية الغير لا تضر إذا أتى بما عليه، ومن جملة ما عليه هو الأمر والنهي، فلا بد منهما.
стр. 11342
قَالَ أَبُو أُسَامَةَ مَرَّةً أُخْرَى: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ.
===
نعم؛ إذا لَمْ يقبل المأمور ذلك .. فلا يضره ذلك؛ لأنه أبي ما عليه.
وقيل: الآية لمن سقط عنهم الأمر والنهي؛ بسبب عدم قبول الناس ذلك. انتهى من "العون".
(قال أبو أسامة مرّة أخرى) أي: ثانيةً: عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال أبو بكر: (فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول) ذلك؛ أي: (إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه بالنهي عنه .. أوشك) - بفتح الهمزة والشين - أي: قارب أو أسرع (أن يعمهم الله بعقابه) إما في الدنيا أو الآخرة أو فيهما؛ لتضييعهم فرض الله الذي هو الأمر أو النهي بلا عذر، وإنما قاله مرّة ثانية؛ تأكيدًا للأولى.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾: (عليكم) اسم فعل أمر مركب من الجار والمجرور؛ بمعنى: الزموا، مبني على السكون، لشبهه بالحرف شبهًا استعماليًا، وفاعله: ضمير مستتر فيه وجوبًا؛ لعوده إلى المخاطبين؛ تقديره: أنتم (أنفسكم) مفعول به لاسم الفعل، منصوب به، وجملة اسم الفعل جواب النداء لا محل لها من الإعراب.
والمعنى: يا أيها الذين آمنوا؛ الزموا إصلاح أنفسكم، واحفظوها من المعاصي.
وفي "الإنجاز" ها هنا إعراب لا يليق به؛ لأنه مخالف للقاعدة النحوية.
﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (١)، أي: فإذا لزمتم إصلاح أنفسكم وحفظتموها بالأمر والنهي ... (لا يضركم) ضلال (من ضل) بارتكاب المناهي
стр. 11343
(٤٠) - ٣٩٥٠ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ،
===
(إذا اهتديتم) إلى اجتنابها، وليس في هذه الآية دليل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كان فعل ذلك ممكنًا.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي، والترمذي في كتاب الفتن، باب ما جاء في نزول العذاب إذا لَمْ يغير المنكر.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث أبي عبيدة بن عبد الله رحمه الله تعالى، فقال:
(٤٠) - ٣٩٥٠ - (٣) (حدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبد الرَّحمن بن مهدي) بن حسان الأزدي العنبري مولاهم، أبو سعيد البصري، ثقةٌ ثبتٌ حافظ عارف بالرجال والحديث، قال ابن المديني: ما رأيت أعلم منه، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ثقةٌ إمام حجة صاحب مذهب في الفروع، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن علي بن بَذِيمَةَ) - بفتح الموحدة وكسر المعجمة الخفيفة بعدها تحتانية ساكنة - الجزري، ثقةٌ رمي بالتشيع، من السادسة، مات سنة بضع وثلاثين
стр. 11344
عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا وَقَعَ فِيهِمُ النَّقْصُ .. كَانَ الرَّجُلُ يَرَى أَخَاهُ عَلَى الذَّنْبِ فَيَنْهَاهُ عَنْهُ، فَإِذَا كَانَ الْغَدُ .. لَمْ يَمْنَعْهُ مَا رَأَى مِنْهُ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَخَلِيطَهُ،
===
ومئة (١٣٣ هـ) مولى جابر بن سمرة، كوفي الأصل، وقال ابن معين وأبو زرعة والعجلي: ثقةٌ، وقال النسائي في موضع آخر: لا بأس به، وقال ابن عمار: من الثقات، وقال: يقال: مات سنة ثلاث وثلاثين. يروي عنه: (عم).
قلت: وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: مات سنة ثلاث وثلاثين ومئة، وقيل: سنة ست وثلاثين ومئة، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن حنبل: ثقةٌ، وفيه شيء؛ يعني: من التشيع. انتهى من "التهذيب".
(عن أبي عبيدة) بن عبد الله بن مسعود الهذلي الكوفي مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له إلَّا هذه الكنية، ويقال: اسمه عامر، كوفي ثقةٌ، من كبار الثالثة، والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه، مات بعد سنة ثمانين. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، رجاله ثقات، ولكنه مرسل، فهو ضعيف.
(قال) أبو عبيدة: (قال رسول الله ﷺ : إن بني إسرائيل لما وقع فيهم النقص) قال في "المشكاة": لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي؛ أي: من الزنا وصيد السمك في يوم السبت وغيرهما .. (كان الرجل) منهم (يرى أخاه على الذَّنْب فينهاه عنه) أي: الذَّنْب (فإذا كان الغد) وجاء؛ فكان تامة .. (لَمْ يمنعه) أي: لَمْ يمنع الناهي (ما رأى منه) أي: من المذنب في الأمس؛ يعني: ذنبه (أن يكون) ذلك الناهي (أكيله) أي: من أن يكون ذلك الناهي أكيله؛ أي: أكيل ذلك المذنب (وشريبه) أي: شريب ذلك المذنب (وخليطه) أي: شريكه في المال؛ أي: لَمْ يمنع الناهي من أن يأكل مع ذلك
стр. 11345
فَضَرَبَ اللهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَنَزَلَ فِيهِمُ الْقُرْآنُ فَقَالَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ..... ﴾
===
المذنب أو يشرب معه .. ما رأى منه من وقوعه على الذَّنْب في الأمس، بل كان الناهي صاحب ذلك المذنب في الأكل والشرب معه؛ كأنه رضي ما وقع منه من الذَّنْب في الأمس.
ولفظ أبي داوود: إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل، فيقول؛ يا هذا؛ اتق الله، ودع ما تصنع؛ فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد، فلا يمنعه ذلك من أن يكون أكيله وشريبه وقعيده.
(فضرب الله قلوب بعضهم ببعض) قال القاري في "المرقاة" (٨/ ٨٨٥): أي: خلط قلوب بعضهم ببعض، يقال: ضَرَب اللبنَ بعضَه ببعضٍ؛ أي: خلطه، ذكره الراغب، وقال ابن الملك: الباء للسببية؛ أي: سوَّد الله قَلْبَ مَنْ لَمْ يعص بشُؤْمِ مَنْ عصَي، فصارت قلوبُ جميعِهم قاسيةً بعيدةً عن قبول الحق والخيرِ أو الرحمة بسببِ المعاصي، ومخالطةِ بعضهِم بعضًا. انتهى.
قوله: (قَلْبَ مَنْ لَمْ يعص) ليس على إطلاقه؛ لأن مؤاكلتهم ومشاربتهم من غير إكراه وإلجاء بعد انتهائهم عن معاصيهم .. معصيةٌ ظاهرةٌ؛ لأن مقتضَى البُغْضِ في الله أن يَبْعدُوا عنهم، ويُهاجِرُوهم ويُقاطِعُوهم ولم يُواصِلُوهم.
(ونزل فيهم القرآن فقال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ... ﴾) (١).
وقال السندي: قوله: (فضربَ اللهُ) أي: جَعلَ قلوبَ الذين تركوا النَّهْيَ والإنكارَ مِثْلَ قلوبِ من ارتكبوا المُنْكَر (على لسان داوود) بأَنْ دعا عليهم فمُسِخوا قردة؛ وهم أصحاب أَيْلَةَ (وعيسى ابن مريم) بأن دعا عليهم فمُسخوا