. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الصرف؛ كما بسطنا الكلام عليه في شرحنا "مناهل الرجال على لامية الأفعال".
ومعناه: أكل الماشية من المرعى، وأصله إقامتها فيه، وتبسطها في الأكل منه، ومنه قوله تعالى: ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ (١).
وهذا مثل ضربه النبي ﷺ لمحارم الله تعالى، وأصله أن ملوك العرب كانت تحمي مراعي لمواشيها الخاصة بهم، وتحرج منه الناس بالتوعد بالعقوبة على من قربها، فالخائف من عقوبة السلطان يبعد بماشيته من ذلك الحمى؛ لأنه إن قرب منه .. فالغالب الوقوع فيه، وإن كثر الحذر؛ إذ قد تنفرد الفاذة، وتشذ الشاذة، ولا تنضبط، فالحذر أن يجعل بينه وبين ذلك الحمى مسافة؛ بحيث يأمن فيها من وقوع الفاذة والشاذة فيه، وهكذا محارم الله تعالى؛ لا ينبغي أن يحوم حولها؛ مخافة الوقوع فيه على الطريقتين المتقدمتين.
(ألا) - بفتح الهمزة وتخفيف اللام - حرف استفتاح وتنبيه؛ أي: انتبهوا أيها المسلمون واستمعوا ما أقول لكم: (وإن لكل ملك) من ملوك الدنيا؛ أي: لجنسهم (حمىً) أي: مرعىً حماه ومنعه من الناس لرعي مواشيه، وإلا .. فليس لكل ملك حمىً، بل لبعضهم (ألا وإن حمى الله) الذي حمى عباده منه (محارمه) أي: محرماته؛ أي: ما حرمه على عباده من المنهيات والمعاصي، ولما كان التورع يميل القلب إلى الصلاح، وعدمه يميله إلى الفجور .. نبه النبي ﷺ عليه بقوله: (ألا وإن في الجسد) أي: انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم: وإن في جنس الجسد والجسم (مضغة) أي: قطعة لحم قدر ما يمضغه الماضغ.
والمضغة في اللغة: قطعة لحم قدر ما يمضغ عند الأكل، وعبر بها هنا عن
стр. 11272
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
القلب؛ لأنه صغير جرمه في الرؤية، كبير قدره؛ لأن صلاح سائر البدن وفساده تابع له.
(إذا صلحت) - بفتح اللام - من باب نصر؛ أي: إذا انشرحت واتسعت تلك المضغة بالهداية .. (صلح الجسد كله) أي: استعملت الجوارح في الخيرات؛ لأنها متبوعة للجسد، وهي وإن كانت صغيرةً صورةً، لكنها كبيرةٌ رتبةَ الأميرة للجسد.
(وإذا فسدت) تلك المضغة؛ أي: انشرحت بالضلالة، وهو من باب نصر أيضًا .. (فسد الجسد كله) باستعمال آلاته في المنكرات (ألا وهي) أي: وتلك المضغة التي كانت أميرة الجسد (القلب) سميت بالقلب؛ لأنها محل الخواطر المختلفة الحاملة على الانقلابات. انتهى من "المبارق".
قالوا: المراد: تصغير القلب بالنسبة إلى باقي الجسد، مع أن صلاح الجسد وفساده تابعان للقلب. انتهى "نووي".
وهذا اللفظ في الأصل: مصدر قلبت الشيء أقلبه؛ من باب ضرب؛ إذا رددته على بدئه، وقلبت الإناء؛ إذا رددته على وجهه، وقلبت الرجل عن رأيه؛ إذا صرفته عنه.
ثم نقل هذا اللفظ، فسمي به هذا العضو الذي هو أشرف أعضاء الحيوان؛ لسرعة الخواطر فيه، ولترددها عليه، وقد نظم بعض الفضلاء هذا المعنى، فقال:
ما سمي القلب إلا من تقلبه ... فاحذر على القلب من قلبٍ وتحويلِ
وفي "اللسان" و"تاج العروس":
ما سمي القلب إلا من تقلبه ... والرأي يصرف بالإنسان أطوارا
стр. 11273
(١٩) - ٣٩٢٩ - (٢) حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سلَيْمَانَ، عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ زِيَادٍ،
===
ولبعضهم:
وما سمي الإنسان إلا لنسيه ... وما القلب إلا أنه يتقلب
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، وفي كتاب البيوع، باب الحلال بين والحرام بين ... إلى آخره، ومسلم في كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، وأبو داوود في كتاب البيوع والإجارات، باب في اجتناب الشبهات، والترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء في ترك الشبهات، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب البيوع، باب اجتناب الشبهات.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث النعمان بن بشير بحديث معقل بن يسار رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٩) - ٣٩٢٩ - (٢) (حدثنا حميد بن مسعدة) بن المبارك السامي - بالمهملة - أو الباهلي البصري، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ). يروي عنه (م عم).
(حدثنا جعفر بن سليمان) الضبعي - بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة - أبو سليمان البصري، صدوق زاهد، لكنه كان يتشيع، من الثامنة، مات سنة ثمان وسبعين ومئة (١٧٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن المعلى بن زياد) القردوسي - بقاف - أبي الحسن البصري، صدوق
стр. 11274
عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ ﷺ : "الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ".
===
قليل الحديث زاهد، من السابعة. يروي عنه: (م عم).
(عن معاوية بن قرة) بن إياس بن هلال المزني أبي إياس البصري، ثقة عالم، من الثالثة، مات سنة ثلاث عشرة ومئة (١١٣). يروي عنه: (ع).
(عن معقل بن يسار) المزني الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه ممن بايع تحت الشجرة، أبي علي على المشهور، وهو الذي ينسب إليه نهر معقل بالبصرة، مات بعد الستين. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) معقل: (قال رسول الله ﷺ : العبادة في الهرج) - بفتح الهاء وسكون الراء - أصله: الاختلاط والقتل، والمراد منه هنا: الفتنة، قال النووي: المراد بالهرج: الفتنة واختلاط أمور الناس، وحِكْمَةُ كثرةِ فضلِ العبادة فيه: أنَّ الناس يغفلون عنها، ويشتغلون عنها، ولا يتفرغ لها إلا الأفراد من الناس. انتهى.
(كهجرة إليَّ) والهجرةُ إلى رسول الله ﷺ من أعظم القربات.
وعبارة القرطبي هنا: قد تقدم أن الهرج الاختلاط والارتباك، ويراد به هنا: الفتن والقتل واختلاط الناس بعضهم في بعض، والمتمسك بالعبادة في ذلك الوقت والمنقطع إليها المعتزل عن الناس .. أجره كأجر المهاجر إلى النبي ﷺ ؛ لأنه يناسبه من حيث إن المهاجر قد فر بدينه عمن يصده عنه إلى الاعتصام بعبادة ربه، فهو على التحقيق قد هاجر إلى ربه، وفر من جميع خلقه. انتهى.
стр. 11275
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب فضل العبادة في الهرج، والترمذي في كتاب الفتن، باب ما جاء في الهرج والعبادة فيه، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث النعمان بن بشير.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 11276
(٤) - (١٤٥٥) - بَاب: بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا
(٢٠) - ٣٩٣٠ - (١) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَيَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ،
===
(٤) - (١٤٥٥) - (باب: بدأ الإسلام غريبًا)
(٢٠) - ٣٩٣٠ - (١) (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو العثماني مولاهم الدمشقي، أبو سعيد، لقبه دحيم - بمهملتين مصغرًا - ابن اليتيم، ثقة حافظ متقن، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ د س ق).
(ويعقوب بن حميد بن كاسب) المدني نزيل مكة، صدوق ربما وهم، من العاشرة، مات سنة أربعين أو إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (ق).
(وسويد بن سعيد) بن سهل الهروي الأصل، ثم الحدثاني، صدوق في نفسه إلا أنه عمي فصار يتلقن، فأفحش ابن معين القول فيه، من قدماء العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م ق).
(قالوا: حدثنا مروان بن معاوية) بن الحارث بن أسماء (الفزاري) أبو عبد الله الكوفي نزيل مكة ودمشق، ثقة حافظ، وكان يدلس أسماء الشيوخ، من الثامنة، مات سنة ثلاث وتسعين ومئة (١٩٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا يزيد بن كيسان) اليشكري أبو إسماعيل الكوفي، صدوق يخطئ، من السادسة. يروي عنه: (م عم).
(عن أبي حازم) سلمان الأشجعي الكوفي، ثقة، من الثالثة، مات على رأس المئة (١٠٠ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 11277
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ".
===
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : بدأ الإسلام) أي: نشأ الإسلام وطرأ ووجد، حالة كونه (غريبًا) أي: قليل الأَهالِي والحَمَلةِ (وسيعود) أي: سيصير في آخر الزمان بعد ظهوره وعلوه وشهرته وانتشاره في مشارق الأرض ومغاربها وغلبته على سائر الأديان والملل كما بدأ (غريبًا) أي: سيصير غريبًا قليل الأهل والحفظة؛ كما كان في بدايته وأول ظهوره، قليل الحملة والأصحاب (فطوبى) أي: فطيبُ العيشِ أو الجنةُ (للغرباء) أي: لمن تغرب بدينه؛ طلبًا لسلامته من الفتن فيه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
وفي "المفهم": قوله: "بدأ الإسلام غريبًا" كذا في روايته بهمز، وفيه نظر؛ وذلك أن (بدأ) مهموزًا متعد إلى مفعول؛ كقوله تعالى ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ (١)، ويقال: بدأ الله الخلق بدأً، وأبدأهم: خلقهم.
و(بدأ) في الحديث لا يقتضي مفعولًا، فظهر الإشكال، ويرتفع الإشكال بأن يحمل (بدأ) الذي في الحديث على (طرأ) فيكون لازمًا؛ كما اتفق للعرب
стр. 11278
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
في كثير من الأفعال اللازمة حملها على الأفعال المتعدية، فيعدونها، وفي كثير من الأفعال المتعدية حملها على اللازمة، فتكون لازمة؛ كما حملوا هنا (بدأ) المتعدي على (طرأ) اللازم، فيكون لازمًا؛ كما قالوا: رجع زيد ورجعته وفغر فاه، وفغرفوه، والتضمين في اللسان جائز كثير.
وأنكر بعض مشايخنا همزه، وقال: إنما هو (بدا) بمعنى (ظهر) وفي إنكاره بُعْدٌ من حيث الرواية ومن جهة المعنى؛ لأن المراد: أن الإسلام نشأ في آحاد وقلة، وسيلحقه النقص حتى يصير في آحاد وقلة، و (بدا) بمعنى (ظهر) يبعده عن هذا المعنى، فأما الرواية بالهمز .. فصحيحة النقل عمن يعتمد على علمه وضبطه، وأما المعنى .. فبعيد عن مقصود الحديث، كما قلنا آنفًا.
ويحتمل أن يراد بالحديث: المهاجرون؛ إذ هم الذين تغربوا عن أوطانهم فرارًا بأديانهم، فيكون معناه: أن آخر الزمان تشتد فيه المحن على المسلمين، فيفرون بأديانهم، ويغتربون عن أوطاونهم؛ كما فعل المهاجرون، وقد ورد في الحديث: (قيل: يا رسول الله؛ من الغرباء؟ قال: هم النزاع) بضم النون وتشديد الزاي (من القبائل) إشارة إلى هذا المعنى، والله أعلم.
ولذلك قال الهروي: أراد بذلك: المهاجرين؛ لأنهم تغربوا عن أهليهم لله ورسوله.
والنزاع - جمع نزيع أو نازع - وهو الذي نزع عن أهله وعشيرته وبعد عن ذلك، ولكن ظاهر الحديث العموم، والأولى حمله عليه وعدم القصر على المهاجرين.
قوله: (فطوبى للغرباء) وقد مر تفسير هذا في الحديث، ومن حيث اللغة آنفًا، فهو جمع غريب؛ وهو من بعد عن أهله وعشيرته وماله.
стр. 11279
(٢١) - ٣٩٣١ - (٢) حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ
===
وأما (طوبى) .. فأصله طيبى - بوزن فعلى بضم الطاء وسكون الياء - فقلبت فيها الياء واوًا؛ لانضمام ما قبلها، واختلف المفسرون في معناها في قوله تعالى: ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ (١)؛ فروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن معناه: فرَحٌ وقرةُ عينٍ.
وقال عكرمة: نِعْمَ مَا لَهُمْ.
وقال الضحاك: غبطة لهم، وقال قتادة: حسنى لهم، وعن قتادة أيضًا: معناه: أصابوا خيرًا، وقال إبراهيم: خيرًا لهم وكرامة، وقال ابن عجلان: دوام الخير، وقيل: الجنة، وقيل: شجرة في الجنة، وكل هذه الأقوال محتملة في الحديث، والله أعلم. انتهى "نووي".
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث أنس رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢١) - ٣٩٣١ - (٢) (حدثنا حرملة بن يحيى) بن عمران التجيبي أبو حفص المصري، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث أو أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ). يروي عنه: (م س ق).
(حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم المصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(أخبرنا عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري مولاهم المصري أبو أمية، ثقة حافظ فقيه، من السابعة، مات قديمًا قبل الخمسين ومئة. يروي عنه: (ع).
стр. 11280
وَابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ سِنَانِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسيَعُودُ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ".
===
(و) عبد الله (بن لهيعة) بن عقبة الحضرمي المصري، صدوق، من السابعة، ولكن خلط بعد احتراق كتبه، مات سنة أربع وسبعين ومئة (١٧٤ هـ). يروي عنه: (م د ت ق). ولكن لا يضر في السند؛ لأنه ذكر على سبيل المقارنة.
(عن يزيد بن أبي حبيب) سويد المصري، ثقة فقيه، من الخامسة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سنان بن سعد) الكندي المصري، صدوق، من الخامسة. يروي عنه: (د ت ق).
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه سنان بن سعد، ويقال: سعد بن سنان، فهو مختلف فيه وفي اسمه.
(عن رسول الله ﷺ قال: إن الإسلام بدأ) ونشأ وظهر، حالة كونه (غريبًا) أي: قليل الحملة والحفظة (وسيعود) أي: وسيكون (غريبًا) أي: قليل الأهل والأصحاب؛ كغربته في الابتداء (فطوبى للغرباء) أي: لمن تغرب بسببه.
وهذا الحديث نفس حديث أبي هريرة المذكور قبله لفظًا ومعنى، وقد تقدم تفسيره في الحديث الذي قبله، فراجعه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح بما قبله، وإن كان سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
* * *
стр. 11281
(٢٢) - ٣٩٣٢ - (٣) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَص، عَنْ عَبْدِ اللهِ
===
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢٢) - ٣٩٣٢ - (٣) (حدثنا سفيان بن وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي أبو محمد، كان صدوقًا، إلا أنه ابتلي بوراقه فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فَنُصِحَ فلم يقبل، فسقط حديثه، من العاشرة. يروي عنه: (ت ق)، فهو ضعيف لما ذكر، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (٢٤٧ هـ).
(حدثنا حفص بن غياث) بن طلق بن معاوية النخعي، أبو عمر الكوفي القاضي، ثقة فقيه تغير حفظه قليلًا في الآخر، من الثامنة، مات سنة أربع أو خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) سليمان بن مهران (الأعمش) الكاهلي الكوفي، ثقة قارئ، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي إسحاق) السبيعي عمرو بن عبد الله بن عبيد بن أبي شعيرة الهمداني، ثقة مكثر عابد، من الثالثة، اختلط بأخرة، مات سنة تسع وعشرين ومئة (١٢٩ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي الأحوص) عوف بن مالك بن نضلة الجشمي الكوفي مشهور بكنيته، ثقة، من الثالثة، قتل قبل المئة في ولاية الحجاج على العراق. يروي عنه: (م عم).
(عن عبد الله) بن مسعود الهذلي الكوفي رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه سفيان بن وكيع، وهو ضعيف.
стр. 11282
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ"، قَالَ: قِيلَ: وَمَنِ الْغُرَبَاءُ؟ قَالَ: "النُّزَّاعُ مِنَ الْقَبَائِلِ".
===
(قال) عبد الله: (قال رسول الله ﷺ : إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا، فطوبى للغرباء، قال) عبد الله: (قيل) لرسول الله ﷺ ، ولم أر من ذكر اسم السائل (ومن الغرباء) يا رسول الله؟ فـ (قال) رسول الله ﷺ للسائل: هم (النزاع) أي: البعداء (من القبائل) والعشائر والأهالي، وفي "النهاية": جمع نازع أو نزيع؛ وهو الغريب الذي نزع عن أهله وعشيرته؛ أي: بَعُدَ وغَاب عنهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الإيمان، باب ما جاء "أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا"، وفي الباب عن سعد وابن عمر وجابر وأنس وعبد الله بن عمرو، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن مسعود.
فهذا الحديث: ضعيف السند؛ لما تقدم آنفًا، صحيح المتن بغيره؛ لأن له شواهد مما ذكر قبله وغيره، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 11283
(٥) - (١٤٥٦) - بَابُ مَنْ تُرْجَى لَهُ السَّلَامَةُ مِنَ الْفِتَنِ
(٢٣) - ٣٩٣٣ - (١) حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ
===
(٥) - (١٤٥٦) - (باب من ترجى له السلامة من الفتن)
(٢٣) - ٣٩٣٣ - (١) (حدثنا حرملة بن يحيى) بن عمران التجيبي المصري، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث أو أربع وأربعين ومئتين. يروي عنه: (م س ق).
(حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي المصري، ثقةٌ ثبتٌ، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(أخبرني) عبد الله (بن لهيعة) الحضرمي المصري القاضي، صدوق، من السابعة، خلط بعد احتراق كتبه.
(عن عيسى بن عبد الرَّحمن) بن فروة - بفتح الفاء وسكون الراء - الأنصاري أبي عبادة الزرقي. روى عن: زيد بن أسلم، والزهري، ويروي عنه: ابن لهيعة، متروك، من السابعة. يروي عنه: (ق).
(عن زيد بن أسلم) العدوي مولاهم مولى عمر المدني، ثقةٌ عالم، من الثالثة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) أسلم العدوي مولى عمر، ثقةٌ مخضرم، من الثانية، مات سنة ثمانين (٨٠ هـ)، وقيل: بعد سنة ستين وهو ابن أربع عشرة ومئة سنة. يروي عنه: (ع).
(عن عمر بن الخطاب) رضي الله تعالى عنه.
стр. 11284
أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَوَجَدَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَاعِدًا عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ يَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: يُبْكِينِي شَيْءٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ، وَإِنَّ مَنْ عَادَى لِلّهِ وَلِيًّا .. فَقَدْ بَارَزَ اللهَ بِالْمُحَارَبَة، إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْأَبْرَارَ
===
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه ابن لهيعة، وهو ضعيف، وكذا عيسى بن عبد الرَّحمن ضعيف.
(أنه) أي: أن عمر (خرج يومًا) من الأيام (إلى مسجد رسول الله ﷺ فوجد) عمر (معاذ بن جبل قاعدًا عند قبر النبي ﷺ حالة كون معاذ (يبكي) من البكاء (فقال) له عمر: (ما يبكيك) يا معاذ؟ من الإبكاء (قال) معاذ: (يبكيني شيء) أي: حديث (سمعته من رسول الله ﷺ لأني (سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن يسير الرياء) وقليله (شرك) أصغر وأخفى؛ لأنه لا يطَّلِعُ عليه إلَّا صاحبُه؛ لأنه من أعمال القلوب؛ وهو قصد الشخص بعمله المصالح إراءة المخلوق؛ ليمدحوه بالصلاح.
(و) سمعته أيضًا يقول: (إن من عادى لله وليًا) والجار والمجرور في قوله (لله) صفة مقدمة على موصوفها؛ أي: وإن من عادى وآذى وليًا كائنًا لله تعالى، وهو كلّ مؤمن صالح .. (فقد بارز الله) ، وظاهر له؛ من المبارزة (بالمحاربة) فإن أولياءه وأهله هم المخصوصون به تعالى؛ أي: المتجرِّدون لعبادته وأذكاره عن عوائق الدنيا وزخارفها.
(إن الله) (يحب الأبرار) أي: يرضى عنهم ويدافع عنهم من عاداهم، وهم جمع برّ؛ وهو من غلبت طاعته على معاصيه، وما بعده
стр. 11285
الْأَتْقِيَاءَ الْأَخْفِيَاءَ، الَّذِينَ إِذَا غَابُوا .. لَمْ يُفْتَقَدُوا، وَإِنْ حَضَرُوا .. لَمْ يُدْعَوْا وَلَمْ يُعْرَفُوا، قُلُوبُهُمْ مَصَابِيحُ الْهُدَى، يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ".
(٢٤) - ٣٩٣٤ - (٢) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ،
===
صفات له (الأتقياء) صفة أولى له، جمع تقي؛ وهو من امتثل جميع أوامره، واجتنب عن جميع مناهيه (الأخفياء) صفة ثانية له، جمع خفي؛ وهو المعتزل عن الناس الذي يخفى عليهم مكانه.
وقوله: (الذين) صفة للأخفياء؛ أي: الأخفياء الذين (إذا غابوا) عنهم واعتزلوا ... (لَمْ يُفْتَقدُوا) - بالبناء للمفعول - أي: لَمْ يُطلبوا لمعرفة حالهم، ولا يلتفت أحد من الناس إلى معرفة حالهم ومكانهم، ولا ينظر أحد إلى أنهم أحياء أو أموات بل هم عند الناس أحقر من ذلك.
(وإن حضروا) في مجالسهم ... (لَمْ يدعوا) إلى المجالس المشرفة عندهم، ولا إلى الأمور المهمة (ولم يعرفوا) عند الناس بشيء من المراتب (قلوبهم مصابيح الهدى) أي: كالمصابيح في الهدى والشرع المستقيم التي تضيء لنفسه وتضيء لغيرها (يخرجون) أي: يعتزلون (من كلّ غبراء) ومشاكل (مظلمة) وفتن مهلكة واختلافات مختلطة التي لا وجه لحلها، ولا طاقة لفكها.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ولا شاهد له ولا متابع صحيحان، ودرجته: أنه ضعيف (٣)(٤٠٢)؛ لضعف سنده؛ لما تقدم، وغرضه: الاستئناس به.
* * *
ثم استدل المؤلف للترجمة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢٤) - ٣٩٣٤ - (٢) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير - مصغرًا -
стр. 11286
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "النَّاسُ كَإِبِلٍ مِئَةٍ لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً".
===
السلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عبد العزيز بن محمد) بن عبيد (الدراوردي) أبو محمد الجهني مولاهم المدني، صدوق كان يحدث من كتب غيره فيخطئ، من الثامنة، مات سنة ست أو سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا زيد بن أسلم) العدوي مولاهم؛ مولى عمر المدني، ثقةٌ عالم، من الثالثة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات، إن ثبَتَ سماعُ زيد بن أسلم من عبد الله بن عمر.
(قال) عبد الله بن عمر: (قال رسول الله ﷺ : الناس كإبلٍ مئةٍ لا تكاد) ولا تقرب أن (تجد فيها) أي: في تلك المئة (راحلة) أي: ناقة تصلح للركوب وللتحمل.
قال السندي: في "النهاية": يعني: إن المرضي المنتخب من الناس في عزة وجوده .. كالنجيب من الإبل القوي على الأحمال والأسفار، الذي لا يوجد في كثير من الإبل، ويقع لفظ: (الراحلة) على الذكر والأنثى، والهاء للمبالغة. انتهى منه.
وفي بعض نسخ السندي: قوله: "كإبل مئة" يعني: أن المؤمنين المنتخبين
стр. 11287
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
من الناس في عزة وجودهم .. كالمنتخب من الإبل القوية على الأحمال والأسفار، الذي لا يوجد في كثير من الإبل.
قال الزهري: الذي عندي فيه: أن الله تعالى ذم الدنيا، وحذر العباد منها، وضرب لهم فيها الأمثال؛ ليعتبروا ويحذروا، وكان النبي ﷺ يحذرهم ما حذرهم الله تعالى، ويزهدهم فيها، فرغب الناس بعده فيها، وتنافسوا عليها، حتى كان الزهد في النادر القليل منهم، فقال: "تجدون بعدي كإبل مئة ليس فيها راحلة" أي: إن الكامل في الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة .. قليل؛ كقلة الراحلة في الإبل.
والراحلة: هي البعير القوي على الأحمال والأسفار، النجيب، التام الخلق الحسن المنظر، ويقع على الذكر والأنثي، والهاءُ للمُبالغة، ذكره السيوطي.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا حديثين:
الأول منهما للاستئناس، والثاني للاستدلال به على الترجمة.
والله أعلم
стр. 11288
(٦) - (١٤٥٧) - بَابُ افْتِرَاقِ الْأُمَمِ
(٢٥) - ٣٩٣٥ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَفَرَّقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً".
===
(٦) - (١٤٥٧) - (باب افتراق الأمم)
(٢٥) - ٣٩٣٥ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن بشر) بن الفرافصة العبدي الكوفي، ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، صدوق له أوهام، من السادسة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الرَّحمن بن عوف الزهري المدني، ثقةٌ فقيه، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة) فواحدة منها في الجَنَّة، وسبعون في النار (وتفترق أمتي) أي: أمة الإجابة لا أمة الدعوة (على ثلاث وسبعين فرقة) واحدة منها في الجَنَّة، والبقية في النار، قالوا: والمراد بأمته: أمة الإجابة؛ وهم أهل القبلة؛ فإن اسم (الأمة) مضافًا إليه ﷺ يتبادر منه أمة
стр. 11289
(٢٦) - ٣٩٣٦ - (٢) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرِو، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْد، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ
===
الإجابة؛ والمراد: تفرقهم في الأصول والعقائد، لا الفروع والعمليات.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث عوف بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢٦) - ٣٩٣٦ - (٢) (حدثنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي) أبو حفص القرشي مولاهم، صدوق، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا عباد بن يوسف) الكندي أبو عثمان الحمصي الكرابيسي، مقبول، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ق)، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(حدثنا صفوان بن عمرو) بن هرم السكسكي أبو عمرو الحمصي، ثقةٌ، من الخامسة، مات سنة خمس وخمسين ومئة (١٥٥ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (م عم).
(عن راشد بن سعد) المَقْرَئِيُّ - بفتح الميم وسكون القاف وفتح الراء بعدها همزة ثم ياء النسب - الحمصي، ثقةٌ كثير الإرسال، من الثالثة، مات سنة ثمان ومئة (١٠٨ هـ)، وقيل: ثلاث عشرة ومئة. يروي عنه: (عم).
(عن عوف بن مالك) الأشجعي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه،
стр. 11290
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً؛ فَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَسَبْعُونَ فِي النَّار، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً؛ فَإِحْدَى وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّة، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ؛ لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً؛ فَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ"،
===
من مسلمة الفتح، وسكن دمشق، ومات سنة ثلاث وسبعين (٧٣ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات، وقال السندي: في هذا الإسناد مقال، قال أبو حاتم: راشد بن سعد صدوق، وعباد بن يوسف لَمْ يخرج له أحد سوى ابن ماجة، وليس له عنده سوى هذا الحديث، قال ابن عدي: روى أحاديث تفرد بها، وذكره ابن حبان في "الثقات" كما مر آنفًا، وباقي رجال الإسناد ثقات. انتهى منه.
(قال) عوف بن مالك: (قال رسول الله ﷺ : "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة؛ فواحدة في الجَنَّة وسبعون في النار، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة؛ فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجَنَّة، والذي نفس محمد بيده؛ لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة؛ فواحدة في الجَنَّة وثنتان وسبعون في النار") أي: وبقية الفرق في النار؛ كما جاء.
قيل: إن أريد الخلود فيها .. فهو خلاف الإجماع؛ فإن المؤمنين لا يخلدون في النار، وإن أريد مجرد الدخول فيها .. فهو مشترك بين الفرق؛ إذ ما من فرقة إلَّا بعضهم عصاة، والقول بأن معصية الفرقة الناجية مطلقًا مغفور .. بعيد.
стр. 11291
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَنْ هُمْ؟ قَالَ: "الْجَمَاعَةُ".
===
أجيب: بأن المراد: أنهم في النار لأجل اختلاف العقائد؛ فمعنى: (وواحدة في الجَنَّة): أنهم لا يدخلون النار لأجل اختلاف العقائد.
أو المراد بكونهم في النار: طول مكثهم فيها، وبكونهم في الجَنَّة: إلا يطول مكثهم في النار، وعبر عنه بكونهم في الجَنَّة؛ ترغيبًا في تصحيح العقائد، وأنه يلزم إلا يعفى عن البدعة الاعتقادية؛ كما لا يعفى عن الشرك إذ لو تحقق العفو عن البدعة.
فإن قيل: لا يلزم دخول كلّ الفرقة المبتدعة في النار، فضلًا عن طول مكثهم فيها؛ إذ هو مخالف لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١). أجيب: بأن المراد: أنهم يَتعرَّضون لِمَا يُدْخِلُهم النارَ من العقائد الرديئةِ ويستحقون ذلك.
ويحتمل أن المراد: أن الغالب في تلك الفرق دخول النار، فيندفع الإِشْكَال مِنْ أصلِه.
(قيل: يا رسول الله؛ من هم؟ قال: "الجماعة") أي: الموافقون لجماعة الصحابة الآخذون بعقائدهم المتمسكون برأيهم. انتهى منه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ولكن له شاهد من حديث أبي هريرة المذكور قبل هذا الحديث.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
* * *
стр. 11292
(٢٧) - ٣٩٣٧ - (٣) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّار، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ افْتَرَقَتْ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً،
===
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢٧) - ٣٩٣٧ - (٣) (حدثنا هشام بن عمار) السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ خطيب، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي مولاهم الدمشقي، ثقةٌ كثير التدليس والتسوية، من الثامنة، مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبو عمرو) الأوزاعي عبد الرَّحمن بن عمرو بن أبي عمرو أبو عمرو الفقيه، ثقةٌ فاضل، من السابعة، مات سنة سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقةٌ، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أنس: (قال رسول الله ﷺ : إن بني إسرائيل افترقت) أي: ستفترق يوم القيامة (على إحدى وسبعين فرقة) كلها في النار إلَّا فرقة واحدةً، فتدخل الجَنَّة؛ أراد بهذه اليهود، وترك النصاري، وحق العبارة - كما في الرواية السابقة - أن يقال: (وستفترق النصارى على ثنتين وسبعين
стр. 11293
وَإِنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةَ كُلُّهَا فِي النَّارِ؛ إِلَّا وَاحِدَةً؛ وَهِيَ الْجَمَاعَةُ".
(٢٨) - ٣٩٣٨ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ،
===
فرقة، واحدة منها في الجَنَّة) والباقية في النار (وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلَّا واحدة؛ وهي الجماعة) الموافقون لجماعة الصحابة الآخذون بعقائدهم.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث آخر له رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٢٨) - ٣٩٣٨ - (٤) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي الواسطي، ثقةٌ متقن، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، صدوق له أوهام، من السادسة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الرَّحمن بن عوف الزهري المدني، ثقةٌ فقيه، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع).
стр. 11294
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَتَتَّبِعُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ؛ بَاعًا بِبَاعٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ وَشِبْرًا بِشِبْرٍ؛ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ .. لَدَخَلْتُمْ فِيهِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ الْيَّهَودُ وَالنَّصَارَى؛ قَالَ: "فَمَنْ إِذًا؟ ! ".
===
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه محمد بن عمرو، وله أوهام كان كان صدوقًا.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : والله الذي لا إله إلَّا هو؛ (لتتبعن) ولتسلكن (سنة من كان قبلكم) من اليهود والنصارى؛ أي: لَتَقْتَدُنَّ بهم في أهوائهم ومبتدعاتهم وخرافاتهم التي تخالف شرعكم (باعًا بباع) أي: في باع بعد باع (وذراعًا بذراع) أي: وفي ذراع بعد ذراع (وشبرًا بشبر) أي: وفي شبر بعد شبر.
والباع: ما بين أطراف أصابع اليدين إذا مدتا من الجانبين، والذراع: ما بين المرفقين وأطراف أصابع اليدين، والشبر: ما بين طرف الإبهام وطرف الخنصر.
قوله: (حتى لو دخلوا) غاية للاقتداء بأحدهم، وجواب (لو) سيأتي؛ أي: حتى لو دخلت اليهود والنصارى (في جحر ضب) وحفيرته ... (لدخلتم) أنتم (فيه) أي: في ذلك الجحر؛ لحرصكم على مطابقتهم في جميع أفعالهم الخبيثة وأحوالهم الدنيئة (قالوا) أي: قالت الصحابة الحاضرون عنده ﷺ : (يا رسول الله) أتريد بمن كان قبلنا (اليهود والنصارى) أو هم غير اليهود والنصارى؟ (قال) لهم رسول الله ﷺ : (فمن) أريد بمَنْ قبلكم (إذًا؟ ! ) أي: إذْ لَمْ أرد اليهود والنصارى؛ أي: بل هم مرادي بمن كان قبلكم.
стр. 11295
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه حسن؛ لحسن سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 11296
(٧) - (١٤٥٨) - بَابُ فِتْنَةِ الْمَالِ
(٢٩) - ٣٩٣٩ - (١) حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيُّ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَخَطَبَ
===
(٧) - (١٤٥٨) - (باب فتنة المال)
(٢٩) - ٣٩٣٩ - (١) (حدثنا عيسى بن حماد) بن مسلم التجيبي أبو موسى الأنصاري (المصري)، لقبه زغبة - بضم الزاي وسكون المعجمة بعدها موحدة - وهو لقب أبيه أيضًا، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة ثمان وأربعين ومئتين (٢٤٨ هـ) وهو آخر من حدث عن الليث من الثقات. يروي عنه؛ (م د س ق).
(أنبأنا الليث بن سعد) بن عبد الرَّحمن الفهمي المصري ثقةٌ عالم نحرير، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سعيد) بن أبي سعيد كيسان (المقبري) المدني مولى أم شريك، ثقةٌ ثبتٌ، من الثانية، مات في حدود العشرين ومئة، وقيل قبلها، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن عياض بن عبد الله) بن سعد بن أبي سرح - بفتح المهملة وسكون الراء بعدها مهملة - القرشي العامري المكي، ثقةٌ، من الثالثة، مات على رأس المئة (١٠٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنه سمع أبا سعيد الخدري) سعد بن مالك رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
أي: قال عياض بن عياض بن عبد الله: سمعت أبا سعيد الخدري، حالة كونه (يقول: قام رسول الله ﷺ على المنبر (فخطب)
стр. 11297
فَقَالَ: "لَا وَالله، مَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ إِلَّا مَا يُخْرِجُ اللهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا"، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ !
===
الناس؛ أي: وعظهم بالوعد والوعيد (فقال: لا) نافية (والله) جملة قسمية زادها لتاكيد الكلام (ما) زائدة زيدت لتأكيد المنفي المفهوم من لا؛ أي: أقسمت لكم بالله الذي لا إله غيره؛ لا (أخشى) ولا أخاف (عليكم أيها الناس) فِتَنًا تشغلكم عن الدين والعمل المصالح (إلَّا ما يخرج الله) (لكم) من الأرض ويبسطه لكم، حالة كون ما يخرجه لكم (من زهرة الدنيا) وزينتها ومتاعها ونعيمها.
والزهرة - بفتح الزاي وسكون الهاء - والمراد بها: الزينة والبهجة؛ كما في الحديث، والزهرة مأخوذة من زهرة الشجر؛ وهو نَوْرُها - بفتح النون - والمراد بها: ما فيها من أنواع المتاع والعين والثياب والزروع وغيرها مما يفتخر الناس بحسنه مع قلة البقاء.
قال القاري: والمعنى: إني أخاف عليكم أن كثرة أموالكم عند فتح بلادكم تمنعكم من الأعمال الصالحة، وتشغلكم عن المعلوم النافعة، وتحدث فيكم الأخلاق الدنية؛ من التكبر والعجب والغرور، ومحبة الجاه والمال وما يتعلق بهما من لوازم الأمور الدنيوية، والإعراض عن الاستعداد للموت وما بعده من الأهوال الأُخرى.
وقال النووي: وفيه: التحذير من الاغترار بالدنيا والنظر إليها والمفاخرة بها، وفيه استحباب الحلف من غير استحلاف إذا كان فيه زيادة في التوكيد والتفخيم؛ ليكون أوقع في النفوس. انتهى.
(فقال له) ﷺ (رجل) من الحاضرين، لَمْ أر من ذكر اسمه: (يا رسول الله؛ أيأتي الخير بالشر؟ ! ) أي: أتصير النعمة عقوبة؟ ! لأن
стр. 11298
فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَاعَةً
===
زهرة الدنيا نعمة من الله تعالى، فهل تعود هذه النعمة نقمة، وهو استفهام استرشاد لا إنكار.
والباء في قوله: (بالشر) صلة ليأتي؛ أي: هل يستجلب الخير الشر.
وفيه تسمية المال: خيرًا، ويؤيده: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ (٢).
وفي "الدهني على هامش مسلم": قوله: (أيأتي الخير بالشر) الباء فيهِ لِلتَّعْدية، والاستفهامُ الإنكاريُّ للاسترشادِ.
والمعنى: فهل يستجلب الخير الشر؛ يعني: أن ما يحصل لنا من الدنيا .. خير إذا كان من جهة مباحة، فهل يترتب عليه شر؛ انتهى.
(فسكت رسول الله ﷺ عن جواب سؤاله (ساعةً) أي: زمنًا قليلًا.
وفي رواية عطاء عند البخاري: (حتى ظننت أنه ينزل عليه) أي: الوحي، وكأنهم فهموا ذلك بالقرينة من الكيفية التي جرت عادته بها عندما يوحى إليه، قال الحافظ رحمه الله تعالى: إنه ﷺ كان ينتظر الوحي عند إرادة الجواب عما يسأل عنه، وهذا على ما ظنه الصحابة.
ويجوز أن يكون سكوته؛ ليأتي بالعبارة الوجيزة الجامعة المفهمة، وقد عَدَّ ابن دريد هذا الحديث؛ وهو قوله: (إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطًا أو يلم) من الكلام المفرد الوجيز الذي لَمْ يُسبق ﷺ إلى معناه، وكلُّ مَنْ وقع شيء منه في كلامه .. فإنما أَخذَه منه.
стр. 11299
ثُمَّ قَالَ: "كَيْفَ قُلْتَ؟ "، قَالَ: قُلْتُ: وَهَلْ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الْخَيْرَ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ، أَوَ خَيْرٌ هُوَ؟ !
====
ويستفاد من هذا الحديث ترك العجلة في الجواب إذا كان يحتاج إلى التأمل، ويؤيد أنه من الوحي قوله في رواية هلال عن عطاء: (فأفاق يمسح عنه الرحضاء) أي: العرق" فإنه كانت عادته عند نزول الوحي؛ كما تقدم في أحاديث بدء الوحي (وإن جبينه ليتفصد عرقًا).
(ثم) بعدما سكت رسول الله ساعةً (قال) للرجل: (كيف قلت) أيها الرجل في سؤالك؟ (قال) الرجل: (قلت) يا رسول الله في سؤالي لك: (وهل يأتي الخير بالشر؟ فقال رسول الله ﷺ للرجل: (إن الخير) الحقيقي (لا يأتي إلَّا بخير) ولكن هذه الزهرة ليست بخير محض؛ لما يؤدي إليه من الفتنة والمنافسة والاشتغال بها عن كمال الإقبال على الآخرة.
قال الحافظ: ويؤخذ منه أن الرزق ولو كثر، فهو من جملة الخير، وإنما يعرض له الشر بعارض البخل به عمن يستحقه، والإسراف في إنفاقه فيما لَمْ يشرع، وأن كلّ شيء قضى الله أن يكون خيرًا .. فلا يكون شرًّا، وبالعكس، ولكن يخشى على من رزق الخير أن يعرض له في تصرفه فيه ما يجلب له الشر. انتهى.
(أوَ خير هو؟ ! ) بفتح (الواو) العاطفة على محذوف، و (الهمزة): للاستفهام الإنكاري داخلة على ذلك المحذوف، و (خير): خبر مقدم، و (هو) مبتدأ مؤخر؛ والتقدير: أتقول ذلك وتظن أن هذا المال خير كله، لا؛ فإنه ليس خيرًا حقيقيًّا وإن سمي خيرًا؛ لأن الخير الحقيقي هو ما يعرض له من الإنفاق في الحق؛ كما أن الشر الحقيقي فيه هو ما يعرض له من الإمساك عن الحق والإخراج في الباطل، ثم ضرب ﷺ في هذا الحديث
стр. 11300
إِنَّ كُلَّ مَا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ.
===
مثلين؛ أحدهما: للمفرط في جمع الدنيا والمنع من حقها، والآخر: للمقتصد في أخذها والنفع بها.
وأشار إلى الأول بقوله: (إن كل ما ينبت الربيع) قيل: هو الفصل المشهور بالإنبات من فصول السنة الأربعة المجموعة في قول بعضهم:
ربيع صيف من الأزمان ... خريف شتاء فخذ بياني
وقيل: هو النهر الصغير المتفجر من النهر الكبير؛ كما في "القسطلاني"، والأول هو الأصح، والله أعلم.
(يقتل) البهيمة (حبطًا) أي: انتفاخًا وتخمةً؛ والحبط - بفتحتين -: التخمة؛ وهي امتلاء البطن وانتفاخه من الإفراط في الأكل.
وهو تمييز محول عن الفاعل؛ والتقدير: إن كلّ ما ينبت يقتل الماشية حبطه حقيقة إذا أفرطت في الرعي.
وفي الرواية الثانية في مسلم: (وإن مما ينبت الربيع) فهذه محمولة على تلك؛ كما في "النووي" يعني: أن ما يحصل في الربيع من النبات بتوالي أمطاره بإنبات الله تعالى؛ ففي الإسناد مجاز عقلي، يهلك الماشية حبطًا؛ أي: تخمة.
(أو يلم) - بضم الياء وتشديد الميم - أي: أو يقارب أن يقتل ويهلك، فـ (أو) للتنويع.
والمعنى: إن الربيع ينبت خيار العشب، فتستكثر منه الماشية لاستطابتها إياه، حتى تنتفخ بطونها عند مجاوزتها حد الاعتدال، فتنفتق أمعاؤها من ذلك فتموت أو تقرب الموت.
ومن المعلوم؛ أن الربيع ينبت أضراب العشب، فهي كلها خير في نفسها،
стр. 11301
إِلَّا آكِلَةَ الْخَضِرِ أَكَلَتْ؛ حَتى إِذَا امْتَلَأَتْ خَاصِرَتَاهَا .. اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ
===
وإنما يأتي الشر من قبل إفراط الأكل منه، فكذلك المفرط في جمع المال من غير حله، أو من الحلال المشغل عن حاله، يكثر في التنعم بماله، من غير تأمل في مآله، فيقسو قلبه من كثرة الأكل، فيورث الأخلاق الدنية، فيتكبر ويتجبر ويحقر الناس، ويمنع ذا الحق حقه منها، فحيث آل مآل المال لهلاكه في الدنيا، ولعذابه في العقبى .. يصير سبب الوبال، وشدة النكال، وسوء الحال؛ كذا في المرقاة.
وأشار إلى المثل الثاني؛ أعني: مثل المقتصد بقوله: (إلَّا آكلة الخضر) بمد همزة (آكلة) وكسر الكاف، والخضر - بفتح الخاء المعجمة وكسر الضاد المعجمة للأكثر - وهو ضرب من الكلأ يعجب الماشية، واحده خضرة؛ أي: إلَّا الماشية تأكل الخضر؛ وهي البقول التي ترعاها المواشي، قال السندي: والاستثناء منقطع؛ أي: لكن آكلة الخضر تنتفع بأكلها، فكأنها أخذت الكلأ على الوجه الذي ينبغي، وقيل: مفرغ في الإثبات؛ أي: تقتل كلّ آكلة إلَّا آكلة الخضر، والله تعالى أعلم.
قال القاضي عياض: هو عند الجمهور استثناء، ورواه بعضهم بفتح الهمزة وتخفيف اللام؛ على الاستفتاح؛ أي: انظروا آكلة الخضر وما كان منها. انتهى "أبي".
أي: إلَّا آكلة الخضر التي (أكلت) منها ورعت فيها (حتى إذا امتلأت) شبعًا وفي رواية: (امتدت) وعظمت (خاصرتاها) أي: جنباها، تثنية خاصرة - بخاء معجمة وصاد مهملة - وهما جانبا البطن من الحيوان .. (استقبلت الشمس) أي: بركت مستقبلةً إليها تستمرئ بذلك ما أكلت؛ أي: حتى إذا شبعت .. تركت الأكل، ولم تأكل ما فوق طاقة كرشها حتى
стр. 11302
فَثَلَطَتْ وَبَالَتْ، ثُمَّ اجْتَرَّتْ فَعَادَتْ فَأَكَلَتْ، فَمَنْ يَأْخُذُ مَالًا بِحَقِّهِ .. يُبَارَكُ لَهُ، وَمَنْ يَأْخُذُ مَالًا بِغَيْرِ حَقِّهِ
===
تقتلها كثرة الأكل، وتوجهت إلى مسقط ضوئها، واستراحت فيه (فثلطت) - بمثلثة ولام مفتوحتين ثم طاء مهملة - أي: ألقت ما في بطنها من السرقين رقيقًا سهلًا؛ والثلط: الرجيع الرقيق، وأكثر ما يقال للإبل والبقر والفيلة.
أ (وبالت) أي: أخرجت البول؛ و (أو) هنا مانعة خلو (ثم اجترت) - بالجيم الساكنة والراء المشددة - أي: استرفعت ما أدخلته في كرشها من العلف فأعادت مضغه، قال النووي: أي: مضغت جرتها، قال أهل اللغة: الجرة - بكسر الجيم -: ما يخرجه البعير من بطنه؛ ليمضغه ثم يبلعه؛ والقصع: شدة المضغ.
(فعادت) أي: رجعت إلى الأكل (فأكلت) ثانيًا.
قوله: (فعادت) أي: إلى الرعي؛ أي: ثم إذا حصل لها واحتاجت إلى الأكل .. عادت إلى الرعي (فأكلت) قال الحافظ: والمعنى: أنَّها إذا شبعت، فثقل عليها ما أكلت .. تحيلت في دفعه؛ بأن تجتر فيزداد نعومة، ثم تستقبل الشمس فتحمى بها؛ ليسهل خروجه، فإذا خرج .. زال الانتفاخ، فسلمت، وهذا بخلاف ما إذا لَمْ تتمكن من ذلك؛ فإن الانتفاخ يقتلها سريعًا، والله أعلم. انتهى.
(فمن يأخذ مالًا) من أموال الدنيا (بحقه)؛ أي: يأخذه بقدر حاجته من طريق حله ويضعه في حقه؛ أي: في محله .. (يبارك له) فيه: أي: في ذلك المال (ومن يأخذ مالًا بغير حقه) أي: من طريق لا يستحقه بها؛ كالربا والرشوة والغصب والسرقة مثلًا، أو يصرفه في غير حقه من الوجوه المحرمة؛
стр. 11303
فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ".
===
كالزنا وشرب الخمر .. (فمثله) أي: صفته (كمثل الذي يأبيل ولا يشبع) فيقع في الداء العضال والورطة المهلكة؛ لغلبة الحرص عليه؛ كالذي به داء جوع البقرة، وكالمريض الذي به الاستسقاء حيثما يروي، وكلما يشرب .. يزيد عطشًا وانتفاخًا.
ومعنى الحديث: أن نبات الربيع وخضره يقتل حبطًا بالتخمة؛ لكثرة الأكل، أو يقارب القتل، إلَّا إذا اقتصر منه على اليسير الذي تدعو إليه الحاجة، وتحصل به الكفاية المقتصدة؛ فإنه لا يضره، وهكذا المال؛ هو كنبات الربيع، مستحسن تطلبه النفوس وتميل إليه؛ فمنهم: من يستكثر منه ويستغرق فيه، غير صارف له في وجوهه، فهذا يهلكه، أو يقارب إهلاكه، ومنهم من يقتصد فيه، فلا يأخذ إلَّا يسيرًا، وإن أخذ كثيرًا .. فرقه في وجوهه؛ كما تثلطه الدابة، فهذا لا يضره، هذا مختصر معنى الحديث، والله أعلم. انتهى من " فتح الملهم".
قوله: "فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع" قال الزين بن المنير: في هذا الحديث وجوه من التشبيهات البديعية:
أولها: تشبيه المال ونموه بالنبات وظهوره.
وثانيها: تشبيه المنهمك في الاكتساب والأسباب بالبهائم المنهمكة في الأعشاب.
ثالثها: تشبيه الاستكثار منه والادخار له بالشره في الأكل والامتلاء منه.
ورابعها: تشبيه الخارج من المال مع عظمته في النفوس حتى أدى إلى المبالغة في البخل به، بما تطرحه البهيمة من السلح؛ ففيه إشارة بديعة إلى استقذاره شرعًا.
وخامسها: تشبيه المتقاعد عن جمعه وضمه بالشاة إذا استراحت وحطت
стр. 11304
(٣٠) - ٣٩٤٠ - (٢) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْن وَهْبٍ،
===
جانبها مستقبلةً عين الشمس؛ فإنه من أحسن حالاتها سكونًا وسكينةً، وفيه إشارة إلى إدراكها لمصالحها.
وسادسها: تشبيه موت الجامع المانع بموت البهيمة الغافلة عن دفع ما يضرها.
وسابعها: تشبيه المال بالصاحب الذي لا يؤمن أن ينقلب عدوًا؛ فإن المال من شأنه أن يحرز ويشد وثاقه، وذلك يقتضي منعه من مستحقه، فيكون سببًا لعقاب مقتنيه.
وثامنها: تثبيه آخذه بغير حق بالذي يأكل ولا يشبع. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الزكاة، باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا، وأحمد.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي سعيد الخدري بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٣٠) - ٣٩٤٠ - (٢) (حدثنا عمرو بن سواد) - بتشديد الواو - ابن الأسود بن عمرو العامري أبو محمد (المصري) ثقةٌ، من الحادية عشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(أخبرني عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم المصري، ثقةٌ ثبتٌ، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 11305
أَنْبَأَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَ بَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ يَزِيدَ بْنَ رَبَاحٍ حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاص، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا فُتِحَتْ عَلَيْكُمْ خَزَائِنُ فَارِسَ وَالرُّومِ .. أَيُّ قَوْمٍ أَنْتُمْ؟ "،
===
(أنبأنا عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري مولاهم المصري، ثقةٌ فقيه حافظ، من السابعة، مات قديمًا قبل الخمسين ومئة. يروي عنه: (ع).
(أن بكر بن سوادة) بن ثمامة الجذامي، أبا ثمامة المصري، ثقةٌ فقيه، من الثالثة، مات سنة بضع وعشرين ومئة (١٢٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثه) أي: حدث عمرو بن الحارث (أن يزيد بن رباح) - بموحدة - السهمي أبا فراس - بكسر الفاء - المصري، لقبه مشفر، ثقةٌ، من الثالثة، ولم يصح أنه شهد فتح مصر الأولى. يروي عنه: (م ق).
(حدثه عن عبد الله بن عمرو بن العاص) القرشي السهمي رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (عن رسول الله ﷺ أنه قال: إذا فتحت عليكم) أيها المسلمون (خزائن فارس والروم) أي: غلبت لكم ونصرتم عليهما .. فـ (أي قوم أنتم؟ ) أي: كيف يكون حالكم، وماذا تصنعون في رخاء العيش؟
قال القرطبي: هذا استفهام يشوبه إخبار منه ﷺ عن أمر قبل وقوعه، وقع على نحو ما أخبر عنه، فكان ذلك من أدلة صحة نبوته ورسالته ﷺ ، وكم له ﷺ منها وكم.
ومعنى "أي قوم أنتم؟ " أَيْ: على أي حال تكونون، فكأنه قال: أتبقون على ما أنتم، أو تتغير بكم الحال؟
стр. 11306
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: نَقُولُ كَمَا أَمَرَنَا اللهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؛
===
فـ (قال عبد الرَّحمن بن عوف) الزهري المدني أحد أعيان الصحابة رضي الله تعالى عنهم في جواب سؤال النبي ﷺ : (نقول) حينئذٍ: (كما أمرنا الله) تعالى به؛ أي: نقول قولًا؛ مثل القول الذي أمرنا الله به، وكان هذا منه إشارة إلى قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (١).
وذلك أنه فهم أن رسول الله ﷺ خاف عليهم من بسط الدنيا عليهم، فأجابه بذلك، فكأنه قال: نستكفي الفتن والمحن بالله تعالى، ونقول كما أمرنا الله، وهذا إخبار منهم عما يقتضيه الحال، وأنها تتغير بهم. انتهى من "المفهم".
وفي "المبارق": قوله: "أي قوم أنتم؟ ! معناه: هل أنتم من الشاكرين على تلك النعمة العظيمة، أو من غيرهم، وفي هذا الاممتفهام تلويح إلى التهديد على وقوع المنهيات منهم. انتهى منه.
قوله: (قال عبد الرَّحمن بن عوف) رضي الله تعالى عنه؛ أي: (نقول) حينئدٍ قولًا (كما أمرنا الله) تعالى به؛ أي: قولًا كالقول الذي أمرنا الله تعالى به؛ أي: نحمده ونشكره ونسأله المزيد من فضله (قال رسول الله ﷺ : أو) - بسكون الواو - عاطفة على كلام عبد الرَّحمن بن عوف.
وقوله: (غير ذلك) روي منصوبًا؛ على تقدير: وتفعلون غير ذلك الذي قُلْتَه من الشكر له؛ يعني بذلك: التحاسد والتباغض، ومرفوعًا؛ على تقدير: أو حالكم غير ذلك.
стр. 11307
تَتَنَافَسُونَ ثُمَّ تَتَحَاسَدُونَ، ثُمَّ تَتَدَابَرُونَ ثُمَّ تَتَبَاغَضُونَ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، ثُمَّ تَنْطَلِقُونَ فِي مَسَاكِينِ الْمُهَاجِرِينَ فَتَجْعَلُونَ بَعْضَهُمْ عَلَى رِقَابِ بَعْضٍ".
===
وفيه إشارة إلى أن كونهم على تلك الصفة غير متيقن لهم؛ لعدم اطلاعهم على المغيبات، قاله ابن الملك.
وقولُه: (تتنافسون) أي: تتراغبون إلى الدنيا ... إلى آخره .. تفسيرٌ لقوله: "أو غير ذلك" والمعنى: أو تفعلون غير ذلك الذي قلته من الشكر، وذلك الغير بأن تكونوا تتنافسون، أي: تتسابقون إلى أخذ الدنيا (ثم تتحاسدون) بعد الأخذ (ثم تتدابرون) أي: تتقاطعون؛ فيُوَلِّي كلّ واحد منكم دبره إلى الآخر، معرضًا عنه بوجهه (ثم تتباغضون) أي: يبغض بعضكم بعضًا، ثم تنبت البغضاء في قلوبكم، وتتراكم فيها، حتى يكون عنها الخلاف والقتال والهلاك؛ كما وجد.
ويحتمل كون قوله ﷺ : "تتنافسون ... " إلى آخره .. جوابًا لسؤال مقدر وقع من عبد الرَّحمن بن عوف، تقديره: كيف نفعل غير ذلك؛ فقال له: تتنافسون في الدنيا ... إلى آخره.
(أو) تفعلون (نحو ذلك) بأن تتقاتلوا أو تتضاربوا أو تنتهبوا أو تغصبوا إلى غير ذلك من الأذى (ثم تنطلقون) وتتصرفون (في) شؤون (مساكين المهاجرين) وضعفائهم (فتجعلون بعضهم) أي: فتجعلون بعض مساكينهم أُمَراء (على رقاب بعض) آخر منهم، وَالِينَ عليهم.
وحاصل المعنى: أنَّ الذين يُعدُّون اليومَ من فقراء المهاجرين ومساكينهم سوف يكون بعضُهم أميرًا على بعض، فيقع التنافسُ في المال والجاه جميعًا.
والتعبير بـ (الرقاب): من التعبير بالبعض عن الكل؛ والمراد: تجعلون بعضهم أمراء على بعض، يعني: أن مساكين المهاجرين تفتح عليهم الدنيا
стр. 11308
(٣١) - ٣٩٤١ - (٣) حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ،
===
إذ ذاك، حتى يكون بعضهم أميرًا على بعض. انتهى "أبي" بتصرف.
فائدة
قال النووي: قال العلماء: التنافس إلى الشيء: المسابقة إليه وكراهة أخذ غيرك إياه، وهو أول درجات الحسد، وأما الحسد .. فهو تمني زوال النعمة عن صاحبها، والتدابر: التقاطع، وقد يبقى مع التدابر شيء من المودة، أو لا يكون مودة ولا بغض، وأما التباغض .. فهو بغض هذا لهذا. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب الدنيا سجن المؤمن، وابن حبان في "صحيحه".
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي سعيد الخدري.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي سعيد الخدري بحديث عمرو بن عوف رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٣١) -٣٩٤١ - (٣) (حدثنا يونس بن عبد الأعلى) بن ميسرة الصدفي أبو موسى (المصري) ثقةٌ، من صغار العاشرة، مات سنة أربع وستين ومئتين (٢٦٤ هـ)، وله ست وتسعون سنة. يروي عنه: (م س ق).
(أخبرني) عبد الله (بن وهب) القرشي مولاهم المصري، ثقةٌ ثبتٌ، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(أخبرني يونس) بن يزيد الأيلي الأموي مولاهم؛ مولى آل أبي سفيان، ثقةٌ، إلَّا أن في حديثه عن الزهري وهمًا قليلًا، وفي غير الزهري خطأ، من كبار
стр. 11309
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَهُوَ حَلِيفُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ.
===
السابعة مات سنة تسع وخمسين ومئة (١٥٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن مسلم (ابن شهاب) الزهري المدني، ثقةٌ إمام، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن عروة بن الزبير) بن العوام الأسدي المدني، ثقةٌ فقيه، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(أن المسور بن مخرمة) بن نوفل بن أُهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهري أبا عبد الرَّحمن المدني، له ولأبيه صحبة رضي الله تعالى عنهما، مات سنة أربع وستين (٦٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(أخبره) أي: أخبر عروة (عن عمرو بن عوف) الأنصاري (وهو حليف بني عامر بن لؤي) الصحابي البدري رضي الله تعالى عنه، مات في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه (وكان) قد (شهد بدرًا) الكبرى (مع رسول الله ﷺ . يروي عنه: (خ م ت س ق).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن رسول الله ﷺ بعث أبا عبيدة) عامر بن عبد الله (بن الجراح) رضي الله تعالى عنه (إلى البحرين) بلفظ التثنية؛ اسم للبلدة المشهورة، وكان غالب أهلها إذ ذاك المجوس.
وذكر ابن سعد: أن النبي ﷺ بعد قسمة الغنائم بالجعرانة
стр. 11310
يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ، فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْن، فَسَمِعَتِ الْأَنْصَارُ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَوَافَوْا صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛
===
أرسل العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى عامل البحرين يدعوه إلى الإسلام، فأسلم وصالح مجوس تلك البلاد على الجزية. انتهى "فتح الباري" (٦/ ٢٦٢).
حالة كون أبي عبيدة (يأتي بجزيتها) أي: يأخذ جزية أهل البحرين منهم، ويأتي بها إلى النبي ﷺ (وكان النبي ﷺ هو صالح أهل البحرين) على أداء الجزية للمسلمين، وكانوا مجوسًا (و) كان ﷺ (أمر) وولى (عليهم) أي: على أهل البحرين (العلاء بن الحضرمي) الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه.
واسم الحضرمي: عبد الله بن مالك بن ربيعة، وكان من أهل حضرموت، فقدم مكة، فحالف بني مخزوم، ويقال: إن أصله من أهل فارس، فأسر حتى اشتراه رجل من حضرموت، ثم افتداه رجل، وقدم به إلى مكة، فعتق، وأقام بها حتى ولد له أولاد، وتزوج أبو سفيان ابنته الصعبة، ثم تزوجها عبيد الله بن عثمان والد طلحة، أحد العشرة، فولدت له طلحة. انتهى "فتح الباري".
(فقدم أبو عبيدة بمال) كثير (من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة) من البحرين (فوافوا) أي: فوافت الأنصار (صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ أي: حضروا صلاتها معه ﷺ ؛ أي: جاؤوا فاجتمعوا عند صلاة الصبح معه ﷺ ؛ ليقسم بينهم ما جاء به أبو عبيدة؛ لأنهم أرهقتهم الحاجة والفاقة التي كانوا عليها لا الحرص