← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148095

شرح سنن ابن ماجه للهرري = مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه

محمد الأمين الهرري

Полный текст (12 442 стр.). Показаны 11376–11415 · переход к 11381.

стр. 11376

الصَّبْرُ فِيهِنَّ عَلَى مِثْلِ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْر، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ". === أي: أيامًا لا ملجأ لكم فيها ولا منجى إلَّا الصبر؛ أي: لا طريق لكم فيها إلَّا الصبر، أو أيامًا يحمد فيها الصبر؛ وهو الحبس على خلاف هوى النفس. وعبارة السندي هنا: قوله: "فإن من ورائكم أيام الصبر" بالإضافة؛ أي: أيامًا يعظم فيها أجر الصبر، وينبغي للإنسان ذلك الصبر. وعبارة "التحفة": (فإن من ورائكم أيامًا) أي: إن من قدامكم من الأزمان الآتية (أيام الصبر) أي: أيامًا ينبغي فيه الصبر على المشاق والفتن. (الصبر فيهن) أي: مشقة الصبر في تلك الأيام كائنة (على مثل) أي: على قدر مشقة (قبضر) اليد ووضعها (على الجمر) وشعلة النار، وعبارة "التحفة": يعني: يلحقه المشقة بالصبر في تلك الأيام؛ كمشقة الصابر على قبض الجمر بيده. انتهى منه. (للعامل فيهن) أي: في تلك الأيام عملًا يشق في مثل ذلك الزمن، لا كلّ عمل؛ كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ أي: أجر العامل فيهن (مثل أجر) عمل (خمسين رجلًا يعملون بمثل عمله) أي: بمثل عمل ذلك العامل؛ أي: في غير زمانه؛ أي: زمان آخر. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي، والترمذي في كتاب التفسير، باب ومن سورة المائدة، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ لما مر آنفًا، وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة. * * *

стр. 11377

(٤٩) - ٣٩٥٩ - (٢) حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ يَحْيَى بنِ عُبَيْدٍ الْخُزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَيْدٍ حَفْصُ بْنُ غَيْلَانَ الرُّعَيْنِيُّ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ === ثم استشهد المؤلف لحديث أَبِي ثعلبة بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فقال: (٤٩) - ٣٩٥٩ - (٢) (حدثنا العباس بن الوليد) بن صبح - بضم المهملة وسكون الموحدة - الخلال - بالمعجمة وتشديد اللام - (الدمشقي) السلمي، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وأربعين ومئتين (٢٤٨ هـ). يروي عنه: (ق). (حدثنا زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعي) أبو عبد الله الدمشقي، ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة سبع ومئتين (٢٠٧ هـ). يروي عنه: (د س ق). (حدثنا الهيثم بن حميد) الغساني مولاهم أبو أحمد، صدوق رمي بالقدر، من السابعة. يروي عنه: (عم). (حدثنا أبو معيد حفص بن غيلان) الهمداني (الرعيني) الحميري، وهو بالكنية أشهر، الدمشقي، صدوق فقيه. روى عن: مكحول، ويروي عنه: (س ق)، والهيثم بن حميد، وثقه ابن معين ودحيم، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن عدي: ضعيف، من الثامنة. (عن مكحول) الشامي أبي عبد الله، ثقةٌ فقيه كثير الإرسال مشهور، من الخامسة، مات سنة بضع عشرة ومئة (١١٣ هـ). يروي عنه: (م عم). (عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه أبا معيد الرعيني، وهو مختلف فيه، وأما سماع مكحول من أنس .. فقد صرح به في "التهذيب"

стр. 11378

قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَتَى نَتْرُكُ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ: "إِذَا ظَهَرَ فِيكُمْ مَا ظَهَرَ فِي الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ"، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَمَا ظَهَرَ فِي الْأُمَمِ قَبْلَنَا؛ قَالَ: "الْمُلْكُ فِي صِغَارِكُمْ، وَالْفَاحِشَةُ فِي كِبَارِكُمْ، وَالْعِلْمُ فِي رُذَالَتِكُمْ"، قَالَ زَيْدٌ: تَفْسِيرُ مَعْنَى === في موضعين، فسقط ما قيل في بعض التعاليق على ابن ماجة: أنه لَمْ يسمع من أنس، فالسند متصل لا مرسل. (قال) أنس: (قيل) من بعض الحاضرين عند رسول الله ﷺ ، ولم أر من ذكر اسم ذلك القائل: (يا رسول الله؛ متى) أي: في أي زمن (نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) اللذين هما واجبان من واجبات الشرع؟ فـ (قال) رسول الله ﷺ في جواب السائل: تتركونهما (إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم) الماضية (قبلكم) من بني إسرائيل. (قلنا) معاشر الحاضرين عنده: (يا رسول الله؛ وما) أي: وما الأمر الذي (ظهر في الأمم) الماضية (قبلنا؟ ) فـ (قال): الأمر الذي ظهر فيمن قبلكم (الملك) أي: حصول الملك والسيطرة والسلطة (في صغاركم) أي: في صغار الناس سنًّا غير مجربين للأمور، أو في ضعافهم عقلًا وتدبيرًا وإن كانوا كبار السن، أو إنَّ الملوكَ يكونون صغار الناس سِنًا أو ضِعافَ العقول؛ وذلك يكون إِذا كان المُلْكُ والرئاسةُ بالوِراثة لا بشروطها. (والفاحشةُ) أي: ووقوع الفاحشة وكثرتُها؛ أي: الزنا (في كباركم) سنًّا لا بمعنى الحَصْرِ فيهم، بل بمعنى: أنَّها تَنْتَشِرُ وتَفْشُو في الناس إلى أَنْ تُوجَد في الكبار أيضًا. (و) كثرة (العلم في رُذَالَتِكم) أي: في فُسَّاقِكم؛ أي: فيمن لا يَعْملُ به ولا يريده إِلَّا لِأَمْرِ الدنيا (قال زيد) بن يحيى بن عبيد الخزاعي: (تفسير معنى

стр. 11379

قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "وَالْعِلْمُ فِي رُذَالَتِكُمْ" .. إِذَا كَانَ الْعِلْمُ فِي الْفُسَّاقِ. (٥٠) - ٣٩٦٠ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، === قول النبي ﷺ : والعلم) أي: كثرة العلم (في رُذَالتكم) - بضم الراء جمع رذيل - أي: في فاسق خسيس (إذا كان العلم في الفساق). وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ كما مر آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي ثعلبة الخشني. * * * ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي ثعلبة بحديث حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهم، فقال: (٥٠) - ٣٩٦٠ - (٣) (حدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثنا عمرو بن عاصم) بن عبيد الله بن الوازع الكلابي القيسي، أبو عثمان البصري الحافظ. يروي عن: حماد بن سلمة، ويروي عنه: محمد بن بشار، صدوق في حفظه شيء، من صغار التاسعة، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ). يروي عنه: (ع)، قال ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن سعد: صالح، وقال النسائي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات". (حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار البصري، ثقةٌ عابد، من كبار الثامنة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (م عم).

стр. 11380

عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الْحَسَن، عَنْ جُنْدُبٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ"، قَالُوا: وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟ قَالَ: "يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطيقُهُ". === (عن علي بن زيد) بن عبد الله بن زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي البصري، ضعيف، من الرابعة. يروي عنه: (م عم)، قال العجلي: كان يتشيع، لا بأس به، وقال يعقوب بن شيبة: ثقةٌ صالح الحديث، وقال الساجي: كان من أهل الصدق، وقال الترمذي: صدوقٌ، وحَسَّن حديثَه، فهو مختلف فيه، مات سنة إحدى وثلاثين ومئة، وقيل قبلها. (عن الحسن) بن أبي الحسن يسار البصري الأنصاري مولاهم، ثقةٌ فقيه فاضل، من الثالثة، مات سنة عشر ومئة (١١٠ هـ). يروي عنه: (ع). (عن جندب) بن عبد الله بن سفيان البجلي، ثم العلقي، أبي عبد الله، وربما نسب إلى جده، وله صحبة قديمة. روى عن: حذيفة، ويروي عنه: الحسن البصري، مات بعد الستين. يروي عنه: (ع). (عن حذيفة) بن اليمان رضي الله تعالى عنهما، مات في أول خلافة علي سنة ست وثلاثين (٣٦ هـ). يروي عنه: (ع). وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الحسن؛ لكون سنده حسنًا؛ لأن فيه زيد بن علي، وهو مختلف فيه. (قال) حذيفة: (قال رسول الله ﷺ : لا ينبغي للمؤمن) أي: لا يليق به ولا يجوز له (أن يذل نفسه) من الإذلال؛ وهو الاستحقار والإهانة لها (قالوا) أي: قال الحاضرون عنده ﷺ : (وكيف يذل) المؤمن (نفسه؟ قال) رسول الله ﷺ : إذلال نفسه: أن (يتعرض) ويتصدى (من البلاء) بيان مقدم لقوله: (لما لا يطيقه) أي: لما

стр. 11381

(٥١) - ٣٩٦١ - (٤) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، === لا يطيق الصبر عليه إذا نزل به، وتعرضه للبلاء؛ إما بالدعاء على نفسه بها، أو بأن يأتي بأسبابها العادية. وقوله: "لما لا يطيقه" فيه مطابقة لترجمة الباب؛ بأنه إذا سقط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ بسبب البلية والفتن .. فليس لكل واحد أن يتعرض بالعزيمة ويطلب بها بأن يقول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنه لا بد إذا فعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يصيبه البلاء البتة، فلا يطيق على حمله، والله أعلم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الفتن، باب رقم (٥٨). ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ كما مر آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي ثعلبة. * * * ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي ثعلبة بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما، فقال: (٥١) - ٣٩٦١ - (٤) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق). (حدثنا محمد بن فضيل) بن غزوان الضبي، مولاهم، صدوق عارف، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثنا يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري النجاري، أبو سعيد القاضي

стр. 11382

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو طُوَالَةَ، حَدَّثَنَا نَهَارٌ الْعَبْدِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللهَ لَيَسْأَلُ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَقُولَ: مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَ الْمُنْكَرَ أَنْ تُنْكِرَهُ؟ فَإِذَا لَقَّنَ اللهُ عَبْدًا حُجَّتَهُ .. قَالَ: يَا رَبِّ؛ رَجَوْتُكَ وَفَرِقْتُ مِنَ النَّاسِ". === المدني، ثقةٌ ثبتٌ، من الخامسة، مات سنة أربع وأربعين ومئة (١٤٤ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع). (حدثنا عبد الله بن عبد الرَّحمن) بن معمر بن حزم الأنصاري النجاري (أبو طوالة) المدني، كان قاضي المدينة زمن عمر بن عبد العزيز، ثقةٌ، من الخامسة. يروي عنه: (ع). مات سنة أربع وثلاثين ومئة (١٣٤ هـ)، ويقال بعد ذلك. (حدثنا نهار) بن عبد الله (العبدي) المدني، صدوق، من الرابعة. يروي عنه: (ق)، كان ينزل في بني النجار، قال ابن خراش: مدني صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات". (أنه سمع أبا سعيد الخدري) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات. حالة كون أبي سعيد (يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله) (ليسأل العبد يوم القيامة) عن أعماله التي عملها في الدنيا، حسناته وسيئاته (حتى يقول) الله : (ما منعك) يا عبدي (إذ رأيت المنكر) يفعل (أن تنكره) على من يفعله (فإذا لقن الله) أي: فإذا أراد أن يلقن (عبدًا) أي: عبده ذلك (حجته) أي: اعتذاره .. لقنه، فـ (قال) ذلك العبد في اعتذاره: (يا رب؛ رجوتك) أي: رجوت رحمتك وعفوك لي في تركي إنكار المنكر (وفَرقْتُ) أي: خِفْتُ (من) إِذاية (الناس) وشَرِّهم إن أنكرتُ

стр. 11383

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ذلك المنكر عليهم؛ أي: خِفْتُهم ورجوتُ المسامحةَ لي في حقك؛ اعتمادًا على أنك كريم مرجوُّ العَفْوِ؛ لكمال فضلك وسعة غفرانك وإدراك لطفك لي، بخلاف الناس؛ فإنهم من الشح بمكان بعيد. وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، قال البوصيري: وهذا الحديث إسناده صحيح، رواه الحاكم في "المستدرك" من طريق سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد فذكره، وسياقه أتم، وأخرجه أيضًا ابن حبان في "صحيحه"، وأحمد في "مسنده". فدرجته: أنه صحيح؛ لصحةِ سندِه، ولأن له متابعات، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي ثعلبة الخشني. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث: الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد. والله أعلم

стр. 11384

(١١) - (١٤٦٢) - بَابُ الْعُقُوبَاتِ (٥٢) - ٣٩٦٢ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللهَ === (١١) - (١٤٦٢) - (باب العقوبات) (٥٢) - ٣٩٦٢ - (١) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه: (ع). (وعلي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق). (قالا) أي: قال كل منهما: (حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع). (عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة) أبي بردة الصغير، وهو حفيد أبي بردة الكبير الكوفي، ثقة يخطئ قليلًا، من السادسة. يروي عنه: (ع). (عن أبي بردة) الكبير عامر بن عبد الله بن قيس أبي موسى، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة (١٠٤ هـ)، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع). (عن أبي موسى) الأشعري عبد الله بن قيس الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، مات سنة خمسين، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع). وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات. (قال) أبو موسى: (قال رسول الله ﷺ : إن الله) عز وجل

стр. 11385

يُمْلِي لِلظَّالِمِ؛ فَإِذَا أَخَذَهُ .. لَمْ يُفْلِتْهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾. === (يملي) من الإملاء؛ أي: يمهله ويؤخره ويُطَوِّل عُمْرَه حتى يكثر منه الظلمُ، وهو مشتق من المِلَوَةِ - بتثليث الميم - وهي المدة والزمان، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (١). أي: يملي (للظالم، فإذا أخذه) الله تعالى .. (لم يفلته) أي: لن يخرج من يده ولن يعجزه إهلاكه: بضم الياء من الإفلات؛ من باب الإفعال؛ أي: لن يطلقه، يقال: أفلتُّه؛ إذا أطلقته؛ وانفلت: تخلَّص منه، وقال الحافظ: لن يخلصه؛ أي: إذا أهلكه .. لن يرفع عنه الإهلاك. وهذا على تفسير الظلم بالشرك على إطلاقه، وإن فسر بما هو أعم .. فيحمل كل على ما يليق به. (ثم قرأ) رسول الله ﷺ هذه الآية؛ يعني: قوله تعالى: (﴿وَكَذَلِكَ﴾) خبر مقدم (﴿أَخْذُ رَبِّكَ﴾) مبتدأ مؤخر؛ والتقدير: ومثل ذلك الأخذِ؛ أي: أخذِ الله الأمم السالفة أَخْذُ ربك (﴿إِذَا أَخَذَ الْقُرَى﴾) و (إذا) ظرف ناصبه المصدر قبله، والمسالة من باب التنازع؛ فإن الأخذ يطلب القرى، وأخذ الفعل أيضًا يطلبها، فالمسألة من إعمال الثاني للحذف من الأول (﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾) جملة حالية، وفي رواية البخاري زيادة: (﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾) (٢) أي: وجيع صعب على المأخوذ، وفيه تحذير عظيم عن الظلم كفرًا كان أو غيره، لغيره أو لنفسه ولكل أهل قرية. انتهى "قسطلاني". وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب التفسير،

стр. 11386

(٥٣) - ٣٩٦٣ - (٢) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مَالِكٍ، === باب تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾، ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، والترمذي في كتاب التفسير، باب ومن سورة هود، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب. فالحديث في أعلى درجات الصحة، لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة. ثم استشهد المؤلف لحديث أبي موسى بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال: (٥٣) - ٣٩٦٣ - (٢) (حدثنا محمود بن خالد) السلمي أبو علي (الدمشقي) ثقة، من صغار العاشرة، مات سنة تسع وأربعين ومئتين (٢٤٩ هـ). يروي عنه: (د س ق). (حدثنا سليمان بن عبد الرحمن) بن عيسى التميمي ابن بنت شرحبيل (أبو أيوب) الدمشقي، صدوق يخطئ، من العاشرة، مات سنة ثلاث وثلاثين ومئتين (٢٣٣ هـ). يروي عنه (خ عم). (عن) خالد بن يزيد بن عبد الرحمن (بن أبي مالك) الهمداني أبي هاشم الدمشقي، ضعيف مع كونه فقيهًا، وقد اتهمه ابن معين، من الثامنة، مات سنة خمس وثمانين ومئة (١٨٥ هـ). يروي عنه: (ق)، ووثقه أبو زرعة الدمشقي، وأبو زرعة الرازي، وأحمد بن صالح المصري، ووثقه العجلي أيضًا، وضعفه أحمد وابن معين والنسائي والدارقطني، فهو مختلف فيه.

стр. 11387

عَنْ أَبِيه، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ؛ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ === (عن أبيه) يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك، واسمه هانئ الهمداني الدمشقي القاضي. روى عن: عطاء بن أبي رباح، ويروي عنه: ابنه خالد، و (د س ق)، وقال ابن أبي حازم: هو من فقهاء أهل الشام، ثقة، ووثقه الدارقطني والبرقاني، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": صدوق ربما وهم، من الرابعة، مات سنة ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ)، أو بعدها. وقال السندي: هو قاضي دمشق، وكان من أئمة التابعين، وثقه ابن معين وأبو زرعة الرازي وابن حبان والدارقطني والبرقاني، وقال يعقوب بن سفيان: في حديثهما لين؛ يعني: خالدًا وأباه. انتهى. (عن عطاء بن أبي رباح) - بفتح الراء والموحدة - واسم أبي رباح: أسلم القرشي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، من الثالثة، مات سنة أربع عشرة ومئة (١١٤ هـ). يروي عنه: (ع). (عن عبد الله بن عمر) رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه ابن أبي مالك وأباه، وهما مختلف فيهما. (قال) ابن عمر: (أقبل علينا) معاشر الحاضرين من الصحابة (رسول الله ﷺ بوجهه الشريف (فقال: يا معشر المهاجرين؛ خمس) خصال (إذا ابتليتم) - بالبناء للمفعول - أي: إذا أصبتم (بهن) بتلك الخمس، وجواب الشرط محذوف؛ تقديره: فلا خير فيهن، أو تقديره: حل بكم من أنواع العذاب الذي يذكر بعد كل منهن.

стр. 11388

- وَأَعُوذُ بِاللهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ -: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا .. إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ .. إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَؤُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ .. إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ === وقوله: (وأعوذ بالله أن تدركوهن) أي: أن تدركوا تلك الخمس وتلحقوهن وتقعوا فيهن؛ جملة معترضة سيقت للدعاء لهم، والاستعاذة منها. الأولى من تلك الخمس: ما ذكره بقوله: الم تظهر الفاحشة) أي: الزنا؛ أي: لم تفعل الفاحشة (في قوم) من الأمم السالفة (قط) ظرف مستغرق لما مضى من الزمان (حتى يعلنوا) ويجهروا من الإعلان (بها) أي: بتلك الفاحشة حتى لا يستحيوا منها .. (إلا فشا) وكثر (فيهم) أي: في أولئك القوم (الطاعون) أي: الوباء؛ والوباء - بالقصر والمد -: مرض عام، وجمع المقصور أوباء بالمد، وجمع الممدود أوبئة؛ وهو مرض يعم لأفراد الناس؛ كالحمى والسعال (والأوجاع) أي: الآلام في بعض الأعضاء؛ كالصداع وأوجاع البطن (التي لم تكن مضت) أي: لم توجد (في أسلافهم) وآبائهم (الذين مضوا) وخلوا من قبلهم. والثانية منها: ما ذكره بقوله: (ولم ينقصوا المكيال) أي: في المكيلات إذا عقدوا المعاملات (و) لا (الميزان) في الموزونات إذا عقدوا المعاملات .. (إلا أخذوا) وعوقبوا (بالسنين) أي: بالقحط (وشدة المؤونة) أي: مصاريف البيت بغلاء السعر في المطاعم والمشارب والملابس مثلًا (وجور السلطان) وظلمه (عليهم) وهو عدم العدل في حقوقهم. والثالثة: ما ذكره بقوله: (ولم يمنعوا زكاة أموالهم .. إلا منعوا القطر) أي:

стр. 11389

مِنَ السَّمَاء، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ .. لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ .. إِلَّا سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللهُ .. إِلَّا جَعَلَ اللهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ". === المطر أي: نزوله (من السماء، ولولا البهائم) الرتع .. (لم يمطروا) من السماء مطرًا، ولم يسقوا من الأرض ماء. والرابعة: ما ذكره بقوله: (ولم ينقضوا عهد الله) أي: لم يتركوا ما عاهد الله عليهم في كتابه؛ بترك المأمورات، وارتكاب المنهيات (وعهد رسوله) أي: ولم يتركوا ما عاهد عليهم رسوله في سنته كذلك .. (إلا سلط الله عليهم عدوًا من غيرهم) أي: من غير المسلمين؛ كما شاهدنا في عصرنا هذا مصداق قول الرسول ﷺ (فأخذوا) أولئك العدو (بعضر ما في أيديهم) أي: أيدي المسلمين من الأموال بطريق الجزية والضراب والمكوس، بل كله؛ أي: بل وطنهم، فضلًا عن المال الذي في أيديهم، وقيل المراد به: نقض العهد الذي جرى بينهم وبين أهل الحرب. والخامسة: ما ذكره بقوله: (وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله) أي: بحكمه (ويتخيروا) أي: والحال أنهم قد اختاروا شهواتهم (مما أنزل الله) في كتابه أي: على الحكم الذي أنزل الله في كتابه .. (إلا جعل الله بأسهم) وبطشهم وأخذهم وعذابهم فيما (بينهم) من المقاتلة والمضاربة؛ كما هو مشاهد الآن. وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه البزار والبيهقي من هذا الوجه، ورواه الحاكم بنحوه من حديث بريدة، وقال: صحيح الإسناد، ورواه مالك بنحوه موقوفًا على ابن عباس، ورواه الطبراني وغيره مرفوعًا إلى النبي ﷺ .

стр. 11390

(٥٤) - ٣٩٦٤ - (٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ حَاتِمِ بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، === ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ كما مر آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي موسى الأشعري. ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي موسى الأشعري بحديث أبي مالك الأشعري رضي الله تعالى عنهما، فقال: (٥٤) - ٣٩٦٤ - (٣) (حدثنا عبد الله بن سعيد) بن حصين الكندي، أبو سعيد الأشج الكوفي، ثقة، من صغار العاشرة، مات سنة سبع وخمسين ومئتين (٢٥٧ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثنا معن بن عيسى) بن يحيى الأشجعي مولاهم أبو يحيى المدني القزاز، ثبت ثقة، قال أبو حاتم: هو أثبت أصحاب مالك، من كبار العاشرة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع). (عن معاوية بن صالح) بن حدير - بالمهملة مصغرًا - الحضرمي أبي عمرو الحمصي قاضي الأندلس، صدوق له أوهام، من السابعة، مات سنة ثمان وخمسين ومئة (١٥٨ هـ)، وقيل: بعد السبعين والمئة. يروي عنه: (م عم). (عن حاتم بن حريث) الطائي المَحْرِيِّ - بفتح الميم وسكون المهملة - كذا قاله العسقلاني، وفي "الخلاصة": المَحْرَزيِّ - بفتح الميم والراء بينهما حاء مهملة آخره زاي - انتهى، حمصي مقبول، من الرابعة. يروي عنه: (د س ق). ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة ثلاث وثلاثين ومئة (١٣٣ هـ)، وقال عثمان بن سعيد: ئقة. انتهى. (عن مالك بن أبي مريم) الحكمي - بفتحتين - الشامي مقبول، من

стр. 11391

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ الْأَشْعَرِيّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا، يُعْزَفُ عَلَى رُؤُوسِهِمْ بِالْمَعَازِفِ وَالْمُغَنِّيَات، يَخْسِفُ اللهُ بِهِمُ === الخامسة. يروي عنه: (د ق)، وذكره ابن حبان في "الثقات". (عن عبد الرحمن بن غَنْم) بفتح فسكون (الأشعري) مختلف في صحبته، وذكره العجلي في كبار ثقات التابعين، مات سنة ثمان وسبعين (٧٨ هـ)، وقال ابن يونس: هو عبد الرحمن بن غنم بن كريب بن هانئ بن ربيعة، وساق نسبه إلى أشعر، ممن قدم على رسول الله على السفينة، وقدم مصر مع مروان سنة (٦٥ هـ)، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وزعموا أن له صحبة، وليس كذلك. يروي عنه: (عم). (عن أبي مالك الأشعري) قيل: اسمه عبيد، وقيل: عبد الله، وقيل: عمرو، وقيل: كعب بن كعب، وقيل: عامر بن الحارث الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه، مات في طاعون عَمَوَاسَ سنة ثماني عشرة (١٨ هـ) في خلافة عمر، قاله ابن سعد وخليفة، روى عن النبي ﷺ ، ويروي عنه: عبد الرحمن بن غنم الأشعري، ويروي عنه: (د س ق). وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الحسن؛ لأن حاتم بن حريث ومالك بن أبي مريم فيه، وهما مقبولان، مختلف فيهما. (قال) أبو مالك الأشعري: (قال رسول الله ﷺ : والله الذي لا إله غيره (ليشربن ناس من أمتي الخمر) والحال أنهم (يسمونها بغير اسمها، يعزف) - بالبناء للمفعول - أي: يلعب (على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات) أي: إذا سكروا .. تعزف على رؤوسهم المغنيات؛ أي: النساء ذوات الغناء، فإذا فعلوا ذلك .. (يخسف الله بهم) أي: ببعضهم

стр. 11392

الْأَرْضَ وَيَجْعَلُ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ". === (الأرض، ويجعل منهم) أي: من الباقي منهم؛ أي: من الخسف؛ أي: يمسخهم (القردة والخنازير) عقوبة لهم. قوله: "يعزف على رؤوسهم بالمعازف" قال في "النهاية": العزف: اللعب بالمعازف؛ وهي الدفوف وغيرها مما يضرب؛ كالمزامير والعيدان؛ أي: تضرب المغنيات على رؤوسهم بالدفوف وسائر الملاهي التي تضرب؛ ليزول عنهم السكر إذا سكروا؛ والمغنيات: هي التي تلعب بآلات الغناء؛ كالطبول والدفوف. قال السندي: قوله: "يعزف" بالبناء للمفعول، وفي "الصحاح": المعازف: الملاهي؛ والعازف: اللاعب بها. والمغني والمغنيات - بفتح النون فيهما - اسم للآلة، و - بكسرها - اسم للاعب بها. انتهى منه بزيادة. والمعنى على الفتح: أي: يعزف العازف على رؤوسهم بالمعازف والملاهي وبالآلة التي يغنَّى بها؛ كالمزامير، فعطفه على (المعازف) من عطف الخاص على العام؛ اهتمامًا به، وقد سبق معناه على كسر النون. قوله: "يسمونها بغير اسمها" قال التوربشتي: أي: يستترون في شربها بأسماء الأنبذة. وقال ابن الملك: أي: يتوصلون إلى شربها بأسماء الأنبذة المباحة؛ كماء العسل وماء الذرة، وماء الشعير، ونحو ذلك، ويزعمون أنه غير محرم؛ لأنه ليس من العنب والتمر، وهم فيه كاذبون؛ لأن كل مسكر حرام، فالمدار على حرمة المسكر، فلا يضر شرب القهوة المأخوذة من قشر شجر معروف حيث لا سكر فيها مع الإكثار، وإن كانت القهوة من أسماء الخمر؛ لأن الاعتبار بالمسمى؛ كما في نفس الحديث إشارة إلى ذلك، وأما التشبيه بشرب الخمر .. فهو منهي عنه إذا تحقق ولو في شرب الماء واللبن وغيرهما، كذا في "المرقاة" (٨/ ١١٣).

стр. 11393

(٥٥) - ٣٩٦٥ - (٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنِ الْمِنْهَال، عَنْ زَاذَانَ، === وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الأشربة، باب في الدَّاذِي، وقال سفيان: الدَّاذِي شرابُ الفاسقين، وأحمد في "المسند". ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ كما مر آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي موسى الأشعري. ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما، فقال: (٥٥) - ٣٩٦٥ - (٤) (حدثنا محمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي أبو جعفر التاجر، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق). (حدثنا عمار بن محمد) الثوري أبو اليقظان الكوفي ابن أخت سفيان الثوري، سكن بغداد، صدوق يخطئ، وكان عابدًا، من الثامنة، مات سنة اثنتين وثمانين ومئة (١٨٢ هـ). يروي عنه: (م ت ق). (عن ليث) بن أبي سليم بن زنيم - بالزاي والنون مصغرًا - واسم أبيه: أيمن، وقيل: أنس، صدوق اختلط جدًّا فترك، ولم يتميز حديثه، من السادسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (م عم). (عن المنهال) بن عمرو الأسدي مولاهم الكوفي، صدوق ربما وهم، من الخامسة. يروي عنه: (خ عم). (عن زاذان) أبي عمر الكندي البزاز، ويكنى أبا عبد الله أيضًا، صدوق

стр. 11394

عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾، قَالَ: دَوَابُّ الْأَرْضِ". === يرسل وفيه شيعية، من الثانية، مات سنة اثنتين وثمانين (٨٢ هـ). يروي عنه: (م عم). (عن البراء بن عازب) بن الحارث بن عدي الأنصاري الأوسي الصحابي ابن الصحابي رضي الله تعالى عنهما، نزل الكوفة، مات سنة اثنتين وسبعين (٧٢ هـ). يروي عنه: (ع). وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه ليث بن أبي سليم، وهو متروك. (قال) البراء: (قال رسول الله ﷺ قال الله : (﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾) أي: يلعن الله دواب أهل الأرض (﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾) من الملائكة والإنس والجن (قال) البراء: يعني رسولُ الله ﷺ بالدواب التي لعنها: (دواب) أهل (الأرض) يعني: الكفارَ منهم، وفي نسخة: (ذوات الأرض) أي: صواحبات الأرض، والمعنى متقارب؛ أي: سكانها من الدواب والحشرات وغيرها. وهي تتمة آية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (١). وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف (٦) (٤٠٥)؛ لضعف سنده؛ لما مر آنفًا، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.

стр. 11395

(٥٦) - ٣٩٦٦ - (٥) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عِيسَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي الْجَعْد، عَنْ ثَوْبَانَ === ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي موسى بحديث ثوبان رضي الله تعالى عنهما، فقال: (٥٦) - ٣٩٦٦ - (٥) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق). (حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع). (عن سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ثقة إمام حجة، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع). (عن عبد الله بن عيسى) بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري أبي محمد الكوفي، ثقة فيه تشيع، من السادسة، مات سنة ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ). يروي عنه: (ع). (عن عبد الله بن أبي الجعد) الأشجعي الغطفاني، مقبول، من الرابعة. يروي عنه: (س ق). روى عن: ثوبان، وجعيل الأشجعي، ويروي عنه: عبد الله بن عيسى، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن القطان: إنه مجهول، وهو مختلف فيه. (عن ثوبان) بن بجدد مولى رسول الله ﷺ رضي الله تعالى عنه، الهاشمي، صَحِبَهُ ولَازمَه، ونزلَ بعده الشامَ، ومات بحمص سنة أربع وخمسين (٥٤ هـ). يروي عنه: (م عم). وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عبد الله بن أبي الجعد، وهو مختلف فيه.

стр. 11396

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ، وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، === (قال) ثوبان: (قال رسول الله ﷺ : لا يزيد في العمر): وهو مُدُّةُ الأجل التي أجلها الله تعالى لعباده في دار الفناء (إلا البِر) أي: إلا صلةُ الرحم، أو هو: كُل ما هو خير عند الله تعالى؛ والمراد بازدياد العمر: بركتُه بأعمال الخير؛ والبارُّ: مَنْ يصل الرحم. والمعنى: لا يزيدُ في العمر ولا يبارك فيه إلا البرُّ؛ إما لأن البار يَنْتَفِعُ بعمره وإن قلَّ أكثرَ مما ينتفعُ به غيره وإن كَثُر، وإما لأنه يُزاد له في العمر حقيقةً؛ بمعنى: أنه لو لم يكن بارًا .. لَقَصُر عُمْرُه عن القَدْرِ الذي كانَ إِذا بَرَّ، لا بمعنى: أنه يكون أطولَ عمرًا مِن غير البار، ثُمَّ التفاوت إنما يظهر في التقديرِ المُعلَّق، لا فيما يعلم الله تعالى أن الأمر يَصِيرُ إليه؛ فإن ذلك لا يقبلُ التغييرَ، وإليه يشير قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (١). ومثله قوله: (ولا يَردُّ القدر) أي: يَدْفَع الحكم المقدر على العبد أزلًا شيءٌ و (إلا الدعاء) والمراد بـ (القدَر): الحكمُ المقدر أزلًا. ولا يخفى ما بين الحصرين؛ أعني قوله: (إلا البر) وقوله: (إلا الدعاء) من التناقض، فيجاب: بحمل المقدر في الثاني على غير العمر، فليتأمل. قال الغزالي: فإن قيل: ما فائدة الدعاء مع أن القضاء لا مردَّ له؟ يقال: إن من جملة القضاء رَدُّ البلاء بالدعاءِ؛ فإن الدعاء سببُ ردِّ البلاء ووجودِ الرحمة؛ كما أن البَذْرَ سببٌ لخروج النبات من الأرض، وكما: أن التُّرس يَدْفَع السهم .. كذلك الدعاءُ يرد البلاءَ. انتهى.

стр. 11397

وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ". === قلت: يكفي في فائدة الدعاء: أنه عبادة وطاعة، وقد أُمِرَ به العبد، فكون الدعاء ذا فائدة لا يتوقف على ما ذكر، فليتامل. انتهى "سندي". (وإن الرجل) أي: وإن الشخص رجلًا كان أو امرأةً (ليحرم) بالبناء للمفعول من الحرمان؛ أي: ليمنع (الرزق) الذي جاءه ودخل في يده؛ أي: ويَتلف عليه بوجه من الوجوه الرِّزقُ الذي قُدِّر له لو لم يعص (بالذنبِ) أي: بسبب ذنب ومعصية (يصيبه) أي: يعمله. وحينئذٍ لا بد من التقدير في قوله: "ولا يرد القدر إلا الدعاء" أي: وإلا الذنب، فلا يبطل الحصر. انتهى "سندي". وشارك المؤلف في رواية القطعة الثالثة من هذا الحديث: النسائي، والأوليان منه: رواهما الترمذي عن سلمان. فدرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ لما مر، وغرضه: الاستشهاد به. وفي "الزوائد": سألت شيخنا أبا الفضل العراقي عن هذا الحديث، فقال: إنه حسن. وقد تقدم تخريج هذا الحديث للمؤلف في المقدمة، باب في القدر رقم (١٠)، حديث رقم (٨٨). فجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب خمسة: الأول للاستدلال، والرابع للاستئناس، والبواقي للاستشهاد. والله أعلم

стр. 11398

(١٢) - (١٤٦٣) - بَابُ الصَّبْرِ عَلَى الْبَلَاءِ (٥٧) - ٣٩٦٧ - (١) حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ الْمَعْنِيُّ وَيَحْيَى بْنُ دُرُسْتَ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ === (١٢) - (١٤٦٣) - (باب الصبر على البلاء) (٥٧) - ٣٩٦٧ - (١) (حدثنا يوسفُ بن حماد المَعْنِيُّ) - بفتح الميم وسكون المهملة ثم نون وتشديد الياء - نسبة إلى جدهِ مَعْنٍ، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (م ت س ق). (ويحيى بنُ دُرُسْتَ) - بضمتين وسكون المهملة - ابن زياد البصري، ثقة، من العاشرة. يروي عنه: (ت س ق). كلاهما (قالا: حدثنا حماد بن زيد) بن درهم الأزدي أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت فقيه، من كبار الثامنة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع). (عن عاصم) بن بهدلة، وهو ابن أبي النجود الأسدي مولاهم الكوفي أبي بكر المقرئ، صدوق له أوهام، من السادسة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه: (ع). (عن مصعب بن سعد) بن أبي وقاص الزهري أبي زُرارة المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة ثلاث ومئة (١٥٣ هـ). يروي عنه: (ع). (عن أبيه سعد بن أبي وقاص) مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهري، أحد العشرة المبشرة بالجنة، رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.

стр. 11399

قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: "الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ؛ يُبْتَلَى الْعَبْدُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ؛ فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا === (قال) سعد: (قلت: يا رسول الله، أي) أفراد (الناس أشد) أي: أكثر أو أصعب (بلاءً؟ ) أي: محنةً ومصيبةً (قال) رسول الله ﷺ : أشدهم بلاء وامتحانًا (الأنبياء) أي: هم أشدهم في الابتلاء؛ لأنهم يتلذذون بالبلاء؛ كما يتلذذ غيرهم بالنعماء، ولأنهم لو لم يبتلوا .. لتوهم فيهم الألوهية، وليوهن على الأمة الصبر على البلية، ولأن من كان أشد بلاءً .. كان أشد تضرعًا والتجاءً إلى الله تعالى (ثم الأمثل فالأمثل) أي: ثم أشدهم بلاءً الأمثل والأفضل الذي يلي الأنبياء رتبةً، ثم بعد ذلك الأمثلِ والأفضلِ الذي يلي الأنبياء .. الأفضلُ الذي يلي ذلك الأمثل. قال الحافظ: (الأمثل) أفعل؛ من المثالة، والجمع أماثل؛ وهم الفضلاء، وقال ابن الملك: أي: الأشرف فالأشرف، والأعلى فالأعلى رتبةً ومنزلةً. يعني: من هو أقرب إلى الله تعالى .. بلاؤه اشتد؛ ليكون ثوابه أكثر. قال الطيبي: (ثم) فيه للتراخي في الرتبة، و (الفاء) للتعقيب على سبيل التوالي تنزلًا من الأعلى إلى الأسفل، و (اللام) في (الأنبياء) للجنس. قال القاري: ويصح كونها للاستغراق، إذ لا يخلو واحد منهم من عظيم محنة وجسيم بلية بالنسبة لأهل زمنه، يدل عليه قوله: (يبتلئ) بالبناء للمفعول؛ أي: يختبر (العبد على حسب دينه) أي: على مقدار دينه ضعفًا وقوةً، ونقصًا وكمالًا. قال الطيبي: الجملة بيان للجملة الأولى، و (اللام) في (العبد) للاستغراق في الأجناس المتوالية. قوله: (فإن كان) تفصيل للابتلاء، أي: فإن كان قدره (في دينه صلبًا) - بضم الصاد المهملة - أي: قوة شديدًا، وهو خبر كان، والجار والمجرور

стр. 11400

اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ .. ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِه، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ". === متعلق بالخبر، واسم كان ضمير يعود على العبد؛ فإن كان العبد قويًّا في دينه .. (اشتد بلاؤه) أي: ابتلاؤه في دينه؛ أي: كمية وكيفية (وإن كان في دينه رقة) أي: ذا رقة وضعف (ابتلي على حسب دينه) أي: ببلاء هين سهل. ويحتمل أن يكون (رقة) اسم كان؛ أي: وإن كان رقة وضعف كائنًا في دينه .. ابتلي بحسب دينه؛ أي: ببلاءٍ هينٍ سهلٍ. قال الطيبي: جعل (الصلابة) صفة له، و (الرقة) صفة لدينه؛ مبالغةً على الأصل، قال القاري: وكان الأصل في (الصلب) أن يستعمل في الجثث، وفي (الرقة) أن تستعمل في المعاني، ويمكن أن يحمل على التفنن في العبارة. انتهى. والبلاء في مقابلة النعمة؛ فمن كانت النعمة عليه أكثر .. فبلاؤه أغزر. (فما يبرح البلاء) أي: ما يفارق أو ما يزال (بالعبد) أي: بالإنسان؛ أي: ملتبسًا به (حتى يتركه) ويصيره؛ لأنه من ترك بمعنى: صير؛ لأنه من أفعال التصيير؛ أي: حتى يصيره (يمشي على الأرض وما عليه من خطيئة) أي: ذنب، وهذا كناية عن خلاصه من الذنوب، فكأنه كان محبوسًا، ثم أطلق وخلي سبيله يمشي ما عليه باس. انتهى من "تحفة الأحوذي". وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وفي الباب عن أبي هريرة وأخت حذيفة بن اليمان، وذكره أحمد في "المسند"، والحاكم في كتاب الإيمان، وقال: هذا حديث حسن صحيح على شرط الشيخين، وذكر شاهدًا له.

стр. 11401

(٥٨) - ٣٩٦٨ - (٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَّنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، === ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وله شواهد؛ كما قد عرفت، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة. ثم استشهد المؤلف لحديث سعد بن أبي وقاص بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما، فقال: (٥٨) - ٣٩٦٨ - (٢) (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو العثماني مولاهم الدمشقي، لقبه دحيم - مصغرًا - ثقة حافظ متقن، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ د س ق). (حدثنا) محمد بن إسماعيل بن مسلم (بن أبي فديك) دينار الديلي مولاهم المدني، صدوق، من صغار الثامنة، مات سنة مئتين (٢٠٠ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثنا هشام بن سعد) المدني أبو عباد، أو أبو سعيد، صدوق له أوهام، ورمي بالتشيع، من كبار السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ)، أو قبلها. يروي عنه: (م عم). (عن زيد بن أَسْلم) العدوي مولى عمر أبي عبد الله المدني، ثقة عالم، وكان يرسل، من الثالثة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ). يروي عنه: (ع). (عن عطاء بن يسار) الهلالي أبي محمد المدني مولى ميمونة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة، من صغار الثانية،

стр. 11402

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُوعَكُ، فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَيْهِ فَوَجَدْتُ حَرَّهُ بَيْنَ يَدَيَّ فَوْقَ اللِّحَاف، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا أَشَدَّهَا عَلَيْكَ! قَالَ: "إِنَّا كَذَلِكَ يُضَعَّفُ لَنَا الْبَلَاءُ وَيُضَعَّفُ لَنَا الْأَجْرُ"، === مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع). (عن أبي سعيد الخدري) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات. (قال) أبو سعيد: (دخلت على النبي ﷺ وهو) أي: والحال أنه (يُوعَكُ) - بالبناء للمفعول - أي: يُحَمَّ من الوَعْكِ؛ وهو الحُمَّى، وقيل: أَلَمُها، يقال: قد وَعَكَه المرضُ وَعْكًا، وَوُعِكَ فهو موعوك (فوضعت يدي) بالإفراد (عليه) أي: على جسده الشريف؛ لأُجرِّب قَدْرَ وَعْكِه (فوجدت حره) أي: حر جسده (بين يدي) بلفظ التثنية (فوق اللحاف) والظرف متعلق بوجدت، يقال: التحف بالثوب؛ إذا تغطى به في جميع جسده؛ واللحاف - بكسر اللام -: ما يلتحف به في جميع البدن، وكل شيء تغطيت به .. فقد التحفت به. (فقلت) له ﷺ : (يا رسول الله؛ ما أشدها) أي: أي شيء جعلها شديدة (عليك! ) فـ (قال) لي رسول الله ﷺ في جواب سؤالي عن شدتها عليه: (إنا) معاشر الأنبياء كائنون (كذلك) أي: كما رأيت علي من شدة الحمى علينا؛ فإنا معاشر الأنبياء (يضعف لنا البلاء) من التضعيف؛ أي: يجعل علينا البلاء والضرر ضعفين (ويضعف لنا الأجر) عليه؛ أي: يعطى لنا الأجر عليه؛ أي: ضعفي ما لغيرنا؛ مكافئةً على تضعيف البلاء علينا.

стр. 11403

قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: "الْأَنْبيَاءُ"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "ثُمَّ الصَّالِحُونَ؛ إِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيُبْتَلَى بِالْفَقْرِ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُهُمْ إِلَّا الْعَبَاءَةَ يُحَوِّيهَا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيَفْرَحُ بِالْبَلَاءِ كَمَا يَفْرَحُ أَحَدُكُمْ بِالرَّخَاءِ". === قال أبو سعيد: (قلت: يا رسول الله؛ أي الناس أشد بلاءً؟ ) أي: ابتلاء في نفسه أو أهله أو ماله (قال): أشد الناس بلاءً هم (الأنبياء). قال أبو سعيد: (قلت: يا رسول الله؛ ثم من) أشد بلاء؟ (قال) رسول الله ﷺ : (ثم الصالحون) أي: القائمون بما عليهم من حقوق الله وحقوق العباد. (إن) مخففة من الثقيلة؛ أي: إن الشأن والحال (كان أحدهم) أي: أحد الصالحين (ليبتلى) ويمتحن (بالفقر) والمسكنة (حتى ما يجد أحدهم) ما يضع على ظهر دابته من الرحل عند الركوب عليها (إلا العباءة) وهي بالهمز، وكذا العباية - بالياء -: ضرب من الأكسية، تلبسها الأعراب، والجمع عباءات، حالة كونه (يحويها) أي: يلفها حول سنام بعيره، فيركب عليها. قال في "النهاية": التحوية: أن يدير كساءه حول سنام البعير، ثم يركبه، والاسم: الحوية، والجمع الحوايا. وفي بعض النسخ: (يتجوبها) أي: يدخل فيها، وفي "حاشية السندي" (يحوبها)، وفي بعض النسخ أيضًا: (يُجوِّبها) أي: يخرقها ويقطعها، وكلُّ شيء قطع وسطه فهو مُجوَّب. (وإن كان أحدهم) أي: وإنه كان أحدهم اليفرح بالبلاء) أي: بوقوع البلاء والضرر عليه (كما يفرح أحدكم بالرخاء) أي: بسعة العيش عليه.

стр. 11404

(٥٩) - ٣٩٦٩ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ === وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح، لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث سعد بن أبي وقاص. ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث سعد بن أبي وقاص بحديث ابن مسعود ﵄، فقال: (٥٩) - ٣٩٦٩ - (٣) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة حافظ، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة ثبت، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع). (حدثنا) سليمان (الأعمش) الكاهلي الأسدي، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع). (عن) أبي وائل (شقيق) بن سلمة الأسدي الكوفي، ثقة مخضرم، من الثانية، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مئة سنة. يروي عنه: (ع). (عن عبد الله) بن مسعود الهذلي الكوفي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (قال) عبد الله: (كأني أنظر) الآن (إلى رسول الله ﷺ وهو) أي: والحال أنه ﷺ (يحكي) ويصف لنا (نبيًّا من

стр. 11405

الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: "رَبِّ؛ اغْفِرْ لِقَوْمِي؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ". === الأنبياء) عليهم الصلاة والسلام، قال الحافظ في "الفتح": لم أر اسم هذا النبي صريحًا. ويحتمل أن يكون هو نوحًا ﵇؛ فقد ذكر ابن إسحاق في "المبتدأ"، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسير الشعراء من طريق ابن إسحاق قال: (حدثني من لا أتهم عن عبيد بن عمير الليثي أنه بلغه أن قوم نوح كانوا يبطشون به فيخنقونه، حتى يغشى عليه، فإذا أفاق .. قال: اللهم؛ اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون). قلت: إن صح ذلك .. فكأن ذلك في ابتداء الأمر، ثم لما يئس منهم قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ (١) وقد مر عن الطبراني أن نبينا ﷺ دعا بالمغفرة لقومه بمثل هذا اللفظ عندما جرح في غزوة أحد. وجملة قوله: (ضربه قومه) صفة ثانية و (نبيًّا)، (وهو) أي: والحال أن ذلك النبي (يمسح الدم عن وجهه ويقول: "رب؛ اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون") وفي رواية مسلم: (ينضح) - بكسر الضاد - أي: يغسل. قال الأبي: يحتمل أن يكون نفسه ﷺ ، ويعضده ما ذكر أنه قال يوم أحد ذلك؛ والمراد بالمغفرة المدعو بها: هدايتهم إلى الإيمان، لا المغفرة الحقيقية؛ لأن الله لا يغفر أن يشرك به. انتهى. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب رقم (٥)، ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة أحد، وأحمد في "المسند".

стр. 11406

(٦٠) - ٣٩٧٠ - (٤) حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ === فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به. ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث سعد بن أبي وقاص بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال: (٦٠) - ٣٩٧٠ - (٤) (حدثنا حرملة بن يحيى) بن عبد الله التجيبي المصري، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث أو أربع وأربعين ومئتين. يروي عنه: (م س ق). (ويونس بن عبد الأعلى) بن ميسرة الصدفي أبو موسى المصري، ثقة، من صغار العاشرة، مات سنة أربع وستين ومئتين (٢٦٤ هـ). يروي عنه: (م س ق). كلاهما (قالا: حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم المصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (ع). (أخبرني يونس بن يزيد) الأيلي الأموي، ثقة، من السابعة، مات سنة تسع وخمسين ومئة على الصحيح، وقيل: سنة ستين ومئة. يروي عنه: (ع). (عن) محمد بن مسلم (ابن شهاب) الزهري المدني، ثقة، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع). (عن أبي سلمة) عبد الله (بن عبد الرحمن بن عوف) الزهري المدني، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع).

стр. 11407

وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ === (وسعيد بن المسيب) بن حزن المخزومي المدني، ثقة، من كبار التابعين، مات بعد التسعين. يروي عنه: (ع). كلاهما رويا (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : نحن) معاشر الأنبياء (أحق) وأولى وأحرى (بالشك) أي: بتطرق الشك في الإيمان، لو فرض وقدر في إيمان الأنبياء ﵈ فضلًا (من إبراهيم) الذي هو خليل الرحمن؛ فليس سؤاله إراءة الإحياء؛ للشك في قدرة الله تعالى على الإحياء، بل طلبًا لطمأنينة القلب وزيادة الإيمان. والمعنى: أن الشك مستحيل في حق إبراهيم ﵇؛ فإن الشك في إحياء الموتى لو كان متطرقًا إلى الأنبياء .. لكنت أنا أحق من إبراهيم، وقد علمتم أني لم أشك، فاعلموا أن إبراهيم ﵇ لم يشك. وإنما خص إبراهيم بالذكر من بين الأنبياء؛ لكون الآية قد يسبق منها إلى بعض الأذهان الفاسدة احتمال شك إبراهيم ﵇. وإنما رجح إبراهيم على نفسه؛ تواضعًا وأدبًا، أو كان ذلك من قبل أن يعلم ﷺ أنه خير ولد آدم. قال صاحب "التحرير": قال جماعة من العلماء: لما نزل قوله تعالى ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ (١) .. قالت طائفة من المسلمين: شك إبراهيم ولم يشك نبينا، فقال ﷺ : "نحن أحق بالشك منه".

стр. 11408

إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ === ثم قال ذلك البعض: ويقع لي فيه معنيان: أحدهما: أنه خرج مخرج العادة في الخطاب؛ فإن من أراد المدافعة عن إنسان .. قال للمتكلم فيه: ما كنتَ قائلًا لفلان، أو فاعلًا له من مكروه .. فقله لي، وافعله معي؛ ومقصوده: لا تقل ذلك فيه، ولا تفعل به. وثانيهما: أن معناه: أن هذا الذي تظنونه شكًّا من إبراهيم أنا أولى به؛ فإنه ليس بشك منه، وإنما هو طلب لمزيد اليقين. وقيل: غير هذا من الأقوال، ولكن اقتصرنا على ما ذكرناه؛ لكونه أصحها وأوضحها، والله أعلم. والظرف في قوله: (إذ قال) متعلق بمحذوف حال من الشك؛ تقديره: نحن أحق بالشك من إبراهيم، حال كون الشك مظنونًا منه وقت قوله: (﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾) (١) أي: وقت طلبه من ربه إراءة كيفية إحياء الموتى حين قال: (رب أرني ... ) إلى آخره، سأله عن إراءة كيفية إحياء الموتى مع إيمانه الجازم بالقدرة الربانية، فكان يريد أن يعلم بالعيان ما كان يوقن به بالوجدان. قال الحسن والضحاك وقتادة وعطاء بن جريج: سبب سؤاله أنه رأى جيفةً مطروحة في شط البحر، وقد توزعها دواب البحر والبر، وإذا مد البحر .. أكل منها دواب البحر، وإذا جزر البحر .. جاءت السباع فأكلت منها، وإذا ذهب السباع .. جاءت الطيور فأكلت وطارت، فلما رأى إبراهيم ذلك .. تعجب منها، وقال: يا رب؛ إني قد علمت إنك لتجمعنها من بطون السباع وحواصل الطيور وأجواف الدواب، فأرني كيف تحييها؛ لأعاين ذلك، فأزداد يقينًا، فعاتبه الله على ذلك حيث قال: (﴿قَالَ﴾) لأبراهيم ﷻ : (﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾)؟ أي:

стр. 11409

قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، وَيَرْحَمُ اللهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، === أتسألني عن ذلك والحال أنك لم توقن وتصدق بقدرتي على الإحياء. قال العلماء: والهمزة فيه همزة إثبات؛ كقول جرير: ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راحِ فـ (﴿قَالَ﴾) إبراهيم: (﴿بَلَى﴾) يا رب، آمنت وصدقت أنك قادر على الإحياء، وليس سؤالي لعدم إيماني بذلك (﴿وَلَكِنْ﴾) سألتك عن ذلك (﴿لِيَطْمَئِنَّ﴾) أي: ليوقن (﴿قَلْبِي﴾) (١) ويزداد طمأنينة وبصيرة بمضامة العيان إلى الاستدلال. أو: سألتك؛ لتسكن حرارة قلبي، وأعلم باني خليلك مجاب الدعوة، والمطلوب من السؤال أن يصير العلم بالاستدلال ضروريًا بالعيان. فإن قلت: كيف قال: (أولم تؤمن) وقد علم أنه أثبت الناس إيمانًا؟ ! قلت: ليجيب بما أجابه به؛ لما فيه من الفائدة الجليلة للسامعين. وقصة إبراهيم هذه هي موضع الترجمة، وذكر ما بعدها؛ لإتمام الحديث. قوله: قال (ويرحم الله لوطًا) معطوف بعاطف مقدر على (قال) الأول؛ أي: وقال رسول الله ﷺ أيضًا في شأن لوط بن هاران ﵇: ويرحم لوطًا؛ أي: يكرم الله لوط بن هاران برحمته وإحسانه وكرامته، والله (لقد كان) لوط (يأوي) ويلتجئ من إذاية قومه (إلى ركن) وملجأ (شديد) أي: قوي وحصن حصين مانع حافظ من إذاية العدو. وقال النووي: فالمراد بـ (الركن الشديد): هو الله ؛ فإنه أشد الأركان وأقواها وأمنعها.

стр. 11410

وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ يُوسُفُ .. لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ". === ومعنى الحديث - والله أعلم -: أن لوطًا ﵇ لما خاف على أضيافه، ولم يكن له عشيرة تمنعهم من الظالمين .. ضاق ذرعه، واشتد حزنه عليهم، فغلب ذلك عليه، فقال في تلك الحال: لو أن لي بكم قوةً في الدفع بنفسي، أو آوي إلى عشيرة تمنع .. لمنعتكم. وقصد لوط ﵇ إظهار العذر عند أضيافه، وأنه لو استطاع دفع المكروه عنهم بطريق ما .. لفعله، وأنه بذل وسعه في إكرامهم والمدافعة عنهم، ولم يكن ذلك إعراضًا منه ﵇ عن الاعتماد على الله تعالى، وإنما كان لما ذكرناه؛ من تطييب قلوب الأضياف. ويجوز أن يكون نسي الالتجاء إلى الله تعالى في حمايتهم، ويجوز أن يكون التجأ فيما بينه وبين الله تعالى، وأظهر للأضياف التألم وضيق الصدر، والله تعالى أعلم. وقال رسول الله ﷺ أيضًا في شأن يوسف بن يعقوب ﵉: (ولو لبثت) ومكثت (في السجن) والحبس (طول ما لبث يوسف) ﵇؛ أي: لبثًا كاللبث الطويل الذي لبثه يوسف فيه؛ لأنه لبث فيه سبع سنين .. (لأجبت الداعي) لي إلى الخروج منه وما تأنيت. و(يوسف) فيه ست لغات: ضم السين وكسرها وفتحها مع الهمز فيهن وبتركه، وهذا ثناء على يوسف ﵇ وبيان لصبره وتأنيه. والمراد بالداعي: رسولُ المَلِكِ الذي أخبر الله عنه أنه قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ (١)، فلم يخرج يوسف مبادرًا إلى الراحة ومفارقة السجن الطويل، بل

стр. 11411

(٦١) - ٣٩٧١ - (٥) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى === تثبت وتوقر وراسل الملك في كشف أمره الذي سجن بسببه؛ لتظهر براءته عند الملك وغيره، ويلقاه مع اعتقاده براءته مما نسب إليه ولا خجل من يوسف ولا غيره، فبين رسول الله ﷺ فضيلة يوسف في هذا، وقوة نفسه في الخير، وكمال صبره، وحسن نظره. وقال النبي ﷺ عن نفسه ما قاله؛ تواضعًا وإيثارًا للإبلاغ في بيان كمال فضيلة يوسف ﵇، والله أعلم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب التفسير، باب ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي ... ﴾ الآية (١)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة. فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث سعد بن أبي وقاص. ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث سعد بن أبي وقاص بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فقال: (٦١) - ٣٩٧١ - (٥) (حدثنا نصر بن علي) بن نصر بن علي بن صهبان (الجهضمي) البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين، أو بعدها. يروي عنه: (ع). (ومحمد بن المثنى) العنزي، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).

стр. 11412

قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ .. كُسِرَتْ رَبَاعِيَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَشُجَّ، === كلاهما (قالا: حدثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي البصري، ثقة، من الثامنة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثنا حميد) بن أبي الحميد الطويل أبو عبيدة البصري، اختلف في اسم أبيه على نحو عشرة أقوال: منها: تير، وتيرويه، وقيل: زادويه، مولى طلحة الطلحات، ثقة، من الخامسة. يروي عنه: (ع). مات سنة اثنتين، ويقال: ثلاث وأربعين ومئة (١٤٣ هـ). (عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (قال) أنس: (لما كان) ووقع (يوم) غزوة (أحد .. كُسرت) بالبناء للمفعول (رباعيةُ) - بفتح الراء وتخفيف الياء على وزن الثمانية - هي السن التي تلي الثنية من كل جانب وللإنسان أربع رباعيات؛ والثنايا: الأسنان التي في مقدم الفم، وكان الذي كسر رباعيته وجرح شفته .. عتبة بن أبي وقاص. وكان سعد بن أبي وقاص أخوه يقول: ما حرصت على قتل أحد قط حرصي على قتل عتبة بن أبي وقاص. انتهى من "الأبي". (رسولِ الله ﷺ وشُج) رأسه؛ أي: جرح، والجراحة إذا كانت في الوجه أو في الرأس .. تسمى شجة. ومجموع ما ذكر في الأخبار أنه شج وجهه، وكسرت رباعيته، وجرحت وجنته وشفته السفلى من باطنها، وجرح منكبه من ضربة ابن قمئة، وجحشت ركبته. وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، قال: (ضرب وجه رسول الله ﷺ يومئذ بالسيف سبعين ضربة، وقاه الله تعالى شرها كلها)، وهذا مرسل قوي.

стр. 11413

فَجَعَلَ الدَّمُ يَسِيلُ عَلَى وَجْهِه، وَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: "كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَبُوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ بِالدَّمِ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ؟ ! "، فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. === ويحتمل أن يراد بـ (السبعين): حقيقتها، أو المبالغة في الكثرة لا العدد المخصوص، قاله الحافظ في "الفتح" (٧/ ٣٧٢). (فجعل الدم) أي: شرع (يسيل على وجهه) الشريف (وجعل يمسح الدم عن وجهه) أي: شرع يمسح الدم عن وجهه ورأسه بشدة (ويقول) معطوف على يمسح: (كيف يفلح) ويفوز (قوم خضبوا وجه نبيهم) ورأسه (بالدم وهو) أي: والحال أنه (يدعوهم) ويهديهم (إلى) رضا (الله) تعالى؟ ! والاستفهام للإنكار المضمن معنى التعجب؛ أي: لا يفلحون (فأنزل الله : ﴿لَيْسَ لَكَ﴾) يا محمد (﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾) أي: من الحكم في عبادي (﴿شَيْءٌ﴾) إلا ما أمرتك به فيهم؛ فإن الأمر فيهم كله لله ، إن شاء .. يستأصلهم، ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ مما هم فيه من الكفر، فيهديهم بعد الضلالة، ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ في الدنيا والآخرة على كفرهم وذنوبهم، ولذلك قال في آخر الآية: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (١) أي: يستحقون ذلك. ومعنى الآية: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾؛ أي: لست تملك إصلاحهم ولا تعذيبهم، بل ذلك ملك الله، فاصبر ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ بالإسلام ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ بالقتل والأسر والنهب ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ بالكفر. والمعنى: أن الله مالك أمرهم، يصنع بهم ما يشاء؛ من الإهلاك، أو العزيمة، أو التوبة إن أسلموا، أو العذاب إن أصروا على الكفر. قال الفراء: (أو) بمعنى (إلا) والمعنى: إلا أن يتوب عليهم، فتفرح

стр. 11414

(٦٢) - ٣٩٧٢ - (٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، === بذلك أو يعذبهم، فتشتفي بهم. انتهى من "التحفة". قال القاضي عياض: وإصابة الأنبياء ﵈ بمثل هذا .. توفير لأجورهم، ولتتسلى بهم أممهم، وليعلمهم أنهم من جنس البشر مخلوقون، فلا يجد الشيطان تلبيسًا عليهم بما أجرى على أيديهم من خارق العادة؛ كما لبس على عيسى ﵇ حتى ادعوا ألوهيته. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في باب غزوة أحد، والترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب (٤) ومن سورة آل عمران، والنسائي، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث سعد بن أبي وقاص. ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث سعد بن أبي وقاص بحديث آخر لأنس رضي الله تعالى عنهما، فقال: (٦٢) - ٣٩٧٢ - (٦) (حدثنا محمد بن طريف) بن خليفة أبو جعفر الكوفي، من صغار العاشرة، صدوق، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (م د ت ق). (حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع). (عن) سليمان (الأعمش) ثقة قارئ، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).

стр. 11415

عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ حَزِين قَدْ خُضِّبَ بِالدِّمَاءِ؛ قَدْ ضَرَبَهُ بَعْضُ أَهْلِ مَكَّةَ فَقَالَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: "فَعَلَ بِي هَؤُلَاءِ وَفَعَلُوا"، قَالَ: أَتُحِبُّ أَنْ أُرِيَكَ آيَةً، قَالَ: "نَعَمْ، أَرِنِي" فَنَظَرَ إِلَى شَجَرَةٍ مِنْ وَرَاءِ === (عن أبي سفيان) طلحة بن نافع القرشي مولاهم الواسطي المكي الإسكاف، صدوق، من الرابعة. يروي عنه: (ع). (عن أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات. (قال) أنس: (جاء جبريل ﵇ ذات يوم) أي: يومًا من الأيام، ولفظة: (ذات) مقحمة، أو من إضافة الشيء إلى نفسه (إلى رسول الله ﷺ وهو) ﷺ (جالس حزين) أي: مهموم (قد خُضِّب) - بالبناء للمفعول - من التخضيب؛ أي: قد جُعل جِسْمهُ مخضوبًا (بالدماء) و (قد ضربه بعض أهل مكة) فسالَتْ منه دماء كثيرة، فصارت على جسمه كخضابِ الحِنَّاءِ (فقال) له ﷺ جبريل ﵇: (ما لك؟ ) أي: أي شيء ثبت لك يا محمد؛ إني أراك محزونًا مخضوبًا بالدماء، من فعل بك هذا الضرب الشديد حتى سالت منك دماء كثيرة؟ فـ (قال) ﷺ لجبريل: (فعل بي هؤلاء) القوم الحاضرون الضرب الشديد (وفعلوا) أي: أجروا مني هذه الدماء الكثيرة، فـ (قال) له جبريل: (أتحب) يا محمد (أن أريك آيةً) دالة على فضلك وصدقك وكرامتك عند ربك؟ فـ (قال) له رسول الله ﷺ : (نعم) أحب تلك الآية، فـ (أرنيـ) ها (فنظر) جبريل (إلى شجرة) كانت (من وراء) وخلف أشجار
следующие страницы →