← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148095

شرح سنن ابن ماجه للهرري = مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه

محمد الأمين الهرري

Полный текст (12 442 стр.). Показаны 11411–11450 · переход к 11416.

стр. 11411

(٦١) - ٣٩٧١ - (٥) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى === تثبت وتوقر وراسل الملك في كشف أمره الذي سجن بسببه؛ لتظهر براءته عند الملك وغيره، ويلقاه مع اعتقاده براءته مما نسب إليه ولا خجل من يوسف ولا غيره، فبين رسول الله ﷺ فضيلة يوسف في هذا، وقوة نفسه في الخير، وكمال صبره، وحسن نظره. وقال النبي ﷺ عن نفسه ما قاله؛ تواضعًا وإيثارًا للإبلاغ في بيان كمال فضيلة يوسف ﵇، والله أعلم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب التفسير، باب ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي ... ﴾ الآية (١)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة. فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث سعد بن أبي وقاص. ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث سعد بن أبي وقاص بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فقال: (٦١) - ٣٩٧١ - (٥) (حدثنا نصر بن علي) بن نصر بن علي بن صهبان (الجهضمي) البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين، أو بعدها. يروي عنه: (ع). (ومحمد بن المثنى) العنزي، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).

стр. 11412

قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ .. كُسِرَتْ رَبَاعِيَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَشُجَّ، === كلاهما (قالا: حدثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي البصري، ثقة، من الثامنة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثنا حميد) بن أبي الحميد الطويل أبو عبيدة البصري، اختلف في اسم أبيه على نحو عشرة أقوال: منها: تير، وتيرويه، وقيل: زادويه، مولى طلحة الطلحات، ثقة، من الخامسة. يروي عنه: (ع). مات سنة اثنتين، ويقال: ثلاث وأربعين ومئة (١٤٣ هـ). (عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (قال) أنس: (لما كان) ووقع (يوم) غزوة (أحد .. كُسرت) بالبناء للمفعول (رباعيةُ) - بفتح الراء وتخفيف الياء على وزن الثمانية - هي السن التي تلي الثنية من كل جانب وللإنسان أربع رباعيات؛ والثنايا: الأسنان التي في مقدم الفم، وكان الذي كسر رباعيته وجرح شفته .. عتبة بن أبي وقاص. وكان سعد بن أبي وقاص أخوه يقول: ما حرصت على قتل أحد قط حرصي على قتل عتبة بن أبي وقاص. انتهى من "الأبي". (رسولِ الله ﷺ وشُج) رأسه؛ أي: جرح، والجراحة إذا كانت في الوجه أو في الرأس .. تسمى شجة. ومجموع ما ذكر في الأخبار أنه شج وجهه، وكسرت رباعيته، وجرحت وجنته وشفته السفلى من باطنها، وجرح منكبه من ضربة ابن قمئة، وجحشت ركبته. وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، قال: (ضرب وجه رسول الله ﷺ يومئذ بالسيف سبعين ضربة، وقاه الله تعالى شرها كلها)، وهذا مرسل قوي.

стр. 11413

فَجَعَلَ الدَّمُ يَسِيلُ عَلَى وَجْهِه، وَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: "كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَبُوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ بِالدَّمِ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ؟ ! "، فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. === ويحتمل أن يراد بـ (السبعين): حقيقتها، أو المبالغة في الكثرة لا العدد المخصوص، قاله الحافظ في "الفتح" (٧/ ٣٧٢). (فجعل الدم) أي: شرع (يسيل على وجهه) الشريف (وجعل يمسح الدم عن وجهه) أي: شرع يمسح الدم عن وجهه ورأسه بشدة (ويقول) معطوف على يمسح: (كيف يفلح) ويفوز (قوم خضبوا وجه نبيهم) ورأسه (بالدم وهو) أي: والحال أنه (يدعوهم) ويهديهم (إلى) رضا (الله) تعالى؟ ! والاستفهام للإنكار المضمن معنى التعجب؛ أي: لا يفلحون (فأنزل الله : ﴿لَيْسَ لَكَ﴾) يا محمد (﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾) أي: من الحكم في عبادي (﴿شَيْءٌ﴾) إلا ما أمرتك به فيهم؛ فإن الأمر فيهم كله لله ، إن شاء .. يستأصلهم، ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ مما هم فيه من الكفر، فيهديهم بعد الضلالة، ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ في الدنيا والآخرة على كفرهم وذنوبهم، ولذلك قال في آخر الآية: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (١) أي: يستحقون ذلك. ومعنى الآية: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾؛ أي: لست تملك إصلاحهم ولا تعذيبهم، بل ذلك ملك الله، فاصبر ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ بالإسلام ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ بالقتل والأسر والنهب ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ بالكفر. والمعنى: أن الله مالك أمرهم، يصنع بهم ما يشاء؛ من الإهلاك، أو العزيمة، أو التوبة إن أسلموا، أو العذاب إن أصروا على الكفر. قال الفراء: (أو) بمعنى (إلا) والمعنى: إلا أن يتوب عليهم، فتفرح

стр. 11414

(٦٢) - ٣٩٧٢ - (٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، === بذلك أو يعذبهم، فتشتفي بهم. انتهى من "التحفة". قال القاضي عياض: وإصابة الأنبياء ﵈ بمثل هذا .. توفير لأجورهم، ولتتسلى بهم أممهم، وليعلمهم أنهم من جنس البشر مخلوقون، فلا يجد الشيطان تلبيسًا عليهم بما أجرى على أيديهم من خارق العادة؛ كما لبس على عيسى ﵇ حتى ادعوا ألوهيته. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في باب غزوة أحد، والترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب (٤) ومن سورة آل عمران، والنسائي، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث سعد بن أبي وقاص. ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث سعد بن أبي وقاص بحديث آخر لأنس رضي الله تعالى عنهما، فقال: (٦٢) - ٣٩٧٢ - (٦) (حدثنا محمد بن طريف) بن خليفة أبو جعفر الكوفي، من صغار العاشرة، صدوق، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (م د ت ق). (حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع). (عن) سليمان (الأعمش) ثقة قارئ، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).

стр. 11415

عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ حَزِين قَدْ خُضِّبَ بِالدِّمَاءِ؛ قَدْ ضَرَبَهُ بَعْضُ أَهْلِ مَكَّةَ فَقَالَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: "فَعَلَ بِي هَؤُلَاءِ وَفَعَلُوا"، قَالَ: أَتُحِبُّ أَنْ أُرِيَكَ آيَةً، قَالَ: "نَعَمْ، أَرِنِي" فَنَظَرَ إِلَى شَجَرَةٍ مِنْ وَرَاءِ === (عن أبي سفيان) طلحة بن نافع القرشي مولاهم الواسطي المكي الإسكاف، صدوق، من الرابعة. يروي عنه: (ع). (عن أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات. (قال) أنس: (جاء جبريل ﵇ ذات يوم) أي: يومًا من الأيام، ولفظة: (ذات) مقحمة، أو من إضافة الشيء إلى نفسه (إلى رسول الله ﷺ وهو) ﷺ (جالس حزين) أي: مهموم (قد خُضِّب) - بالبناء للمفعول - من التخضيب؛ أي: قد جُعل جِسْمهُ مخضوبًا (بالدماء) و (قد ضربه بعض أهل مكة) فسالَتْ منه دماء كثيرة، فصارت على جسمه كخضابِ الحِنَّاءِ (فقال) له ﷺ جبريل ﵇: (ما لك؟ ) أي: أي شيء ثبت لك يا محمد؛ إني أراك محزونًا مخضوبًا بالدماء، من فعل بك هذا الضرب الشديد حتى سالت منك دماء كثيرة؟ فـ (قال) ﷺ لجبريل: (فعل بي هؤلاء) القوم الحاضرون الضرب الشديد (وفعلوا) أي: أجروا مني هذه الدماء الكثيرة، فـ (قال) له جبريل: (أتحب) يا محمد (أن أريك آيةً) دالة على فضلك وصدقك وكرامتك عند ربك؟ فـ (قال) له رسول الله ﷺ : (نعم) أحب تلك الآية، فـ (أرنيـ) ها (فنظر) جبريل (إلى شجرة) كانت (من وراء) وخلف أشجار

стр. 11416

الْوَادِي قَالَ: ادْعُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ، فَدَعَاهَا فَجَاءَتْ تَمْشِي حَتَّى قَامَتْ بَيْنَ يَدَيْه، قَالَ: قُلْ لَهَا فَلْتَرْجِعْ، فَقَالَ لَهَا فَرَجَعَتْ، حَتَّى عَادَتْ إِلَى مَكَانِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "حَسْبِي". === ذلك (الوادي) الذي كان فيه النبي ﷺ ، فـ (قال) جبريل لرسول الله ﷺ : (ادع) أي: ناد أنت يا محمد إلى (تلك الشجرة) التي أريتك من وراء الوادي (فدعاها) أي: فنادى رسول الله ﷺ إلى تلك الشجرة (فجاءت) تلك الشجرة إلى رسول الله ﷺ حالة كونها (تمشي) إلى جهة رسول الله ﷺ (حتى قامت) تلك الشجرة (بين يديه) وقدامه. فـ (قال) جبريل لرسول الله ﷺ : (قل) يا محمد (لها) أي: لهذه الشجرة المجيبة إلى دعوتك: ارجعي إلى محلك (فلترجع) إلى محلها ومنبتها (فقال لها) رسول الله ﷺ : ارجعي إلى محلك ومنبتك (فرجعت) تلك الشجرة من عنده ﷺ (حتى عادت) تلك الشجرة (إلى مكانها) الأول واستقرت فيه (فقال رسول الله ﷺ : هذا الأمر الذي رأيته من الشجرة من طاعتها لي؛ إتيانًا ورجوعًا (حسبي) في دلالته على صدقي ورسالتي وكرامتي عند ربي؛ أي: كافي عن طلب غيره من المعجزات والكرامات. وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به. ثم استشهد المؤلف سادسًا لحديث سعد بن أبي وقاص بحديث حذيفة ﵄، فقال:

стр. 11417

(٦٣) - ٣٩٧٣ - (٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَحْصُوا لِي كُلَّ مَنْ تَلَفَّظَ بِالْإِسْلَامِ"، === (٦٣) - ٣٩٧٣ - (٧) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه: (ع). (وعلي بن محمد) الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق). كلاهما (قالا: حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه (ع). (عن الأعمش) سليمان بن مهران الأسدي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع). (عن شقيق) بن سلمة الأسدي أبي وائل الكوفي، ثقة مخضرم، من الثانية، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. يروي عنه: (ع). (عن حذيفة) بن اليمان رضي الله تعالى عنهما، مات في أول خلافة علي سنة ست وثلاثين (٣٦ هـ). يروي عنه: (ع). وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات. (قال) حذيفة: (قال رسول الله ﷺ : أحصوا لي) - بقطع الهمزة - من أحصى الرباعي، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ (١)؛ أي: اضبطوا لي بالعدد المعلوم (كل من تلفظ بالإسلام) أي: جملة من يتلفظ

стр. 11418

قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَتَخَافُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ مَا بَيْنَ السِّتِّ مِئَةٍ إِلَى السَّبْعِ مِئَةٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : === بالإسلام، قال الحافظ: ولعله كان ذلك يوم خروجهم إلى أحد، أو غيره. قال: ثم رأيت في "شرح ابن التين" الجزم بأن ذلك كان عند حفر الخندق، وحكى الداوودي احتمال أن ذلك وقع لما كانوا بالحديبية؛ لأنه قد اختلف في عددهم؛ هل كانوا (ألفًا وخمس مئة) أو (ألفًا وأربع مئة). انتهى من هامش "الإكمال". وفي هذه الرواية دلالة على مشروعية كتابة دواوين الجيش، وقد يتعين ذلك عند الاحتياج إلى تمييز من يصلح للمقاتلة ممن لا يصلح. وفي رواية النسائي وغيره: (أحصوا لي من كان يلفظ بالإسلام)، وفي رواية أبي يعلى الموصلي: (أحصوا كل من تلفظ بالإسلام). قال حذيفة: فـ (قلنا) معاشر الحاضرين للنبي ﷺ : (يا رسول الله؛ أتخاف) العدو (علينا) لأجل قلة عددنا وعددنا؟ ! بلى، نحن كثيرو العدد، متوفرو العُدد؛ فالهمزة للاستفهام الإنكاري (ونحن) الآن من حيث العدد (ما بين الست مئة) وما فوقها (إلى السبع مئة) أي: عددنا الآن عدد مبدؤه ست مئة وما دونها، ونهايته سبع مئة وما فوقها، فلا نخاف من العدو من أجل القلة. وفي هذه الرواية إدخال أل على المضاف، مع أنه ليس من مواضعه، إلا أن يقال: إن الألف واللام هنا زائدتان، فلا اعتداد بدخولهما. ولفظ: (المئة) مجرور بالمضاف في الموضعين، وفي غير رواية المؤلف ومسلم: (ست مئة إلى سبع مئة) وهذا ظاهر لا إشكال فيه من جهة العربية. قال حذيفة: (فقال) لنا (رسول الله ﷺ : لا تثقوا

стр. 11419

"إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ لَعَلَّكُمْ أَنْ تُبْتَلَوْا"، قَالَ: فَابْتُلِينَا حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا مَا يُصَلِّي إِلَّا سِرًّا. === بكثرتكم، ولا تتكلوا عليها؛ فـ (إنكم لا تدرون) أي: لا تعلمون ما سيقع لكم ويصيبكم من الفتن، ولا تنفعكم كثرة العدد والعدد معها (لعلكم أن تبتلوا) وتصابوا بالفتن والبلايا و (لعل) هنا للإشفاق؛ وهو الخوف من المكروه؛ أي: أشفق وأخاف عليكم أن تصابوا بالفتن المانعة لكم من إظهار الإسلام؛ كما وقع لضعفاء المسلمين في مكة قبل الهجرة؛ فإنهم يخفون إيمانهم خوفًا من إذاية المشركين وتعذيبهم لهم على الإيمان، أو: المانعة لكم من إظهار الصلاة مثلًا. (قال) حذيفة: (فابتلينا) أي: اختبرنا وأصبنا بالفتن التي لا تدفعها الكثرة (حتى جعل الرجل منا) معاشر الصحابة وصار (ما يصلي) صلاة الفريضة في وقتها المحدد (إلا سرًّا) وخفيةً في بيته. قال القرطبي: يعني بذلك - والله أعلم -: ما جرى لهم في أول الإسلام في مكة حين كان المشركون يؤذونهم ويمنعونهم من إظهار صلاتهم، حتى كانوا يصلون سرًّا. انتهى من "المفهم". وقال الأبي: وهذا بعيد من السياق ومن اللفظ؛ لعطفه بالفاء في قوله: (فابتلينا) الدالة على التعقيب. وفي "فتح الملهم": قول حذيفة: (فابتلينا) يشبه أن يكون أشار بذلك إلى ما وقع في أواخر خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه من ولاية بعض أمراء الكوفة؛ كالوليد بن عقبة؛ حيث كان يؤخر الصلاة ولا يقيمها على وجهها، وكان بعض الورعين يصلي وحده سرًّا، ثم يصلي معه خشية وقوع الفتنة. انتهى منه (١/ ١٨٣). قال النووي: فلعل ذلك ما كان في بعض الفتن التي جرت بعد النبي

стр. 11420

(٦٤) - ٣٩٧٤ - (٨) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ، === ﷺ ، فكان بعضهم يخفي نفسه ويصلي سرًّا؛ مخافةً من الظهور والمشاركة في الدخول في بعض الفتن والحروب، والله أعلم. قال الأبي: ولعله قاله بعد وفاته ﷺ حكاية عما اتفق لهم وهم في مكة، وإلا .. فأين وقع ذلك بعد وفاته ﷺ . انتهى، والله أعلم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الجهاد، باب كتابة الإمام الناس، ومسلم في كتاب الإيمان، باب الاستسرار بالإيمان للخائف، وأحمد في "مسنده". فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث سعد بن أبي وقاص. ثم استشهد المؤلف سابعًا لحديث سعد بن أبي وقاص بحديث أُبي بن كعب رضي الله تعالى عنهما، فقال: (٦٤) - ٣٩٧٤ - (٨) (حدثنا هشام بن عمار) نصير - مصغرًا - السلمي الدمشقي، صدوق خطيب مقرئ، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (خ عم). (حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي مولاهم الدمشقي، ثقة كثير التدليس والتسوية، من الثامنة، مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع). (حدثنا سعيد بن بشير) - مكبرًا - الأزدي مولاهم أبو عبد الرحمن الشامي،

стр. 11421

عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، === أصله من البصرة أو واسط، ضعيف، من الثامنة، مات سنة ثمان أو تسع وستين (١٦٩ هـ). يروي عنه: (عم). قال مروان بن محمد: سمعت ابن عيينة يقول: حدثنا سعيد بن بشير وكان حافظًا، وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لأبي مسهر: كان سعيد بن بشير قدريًّا؟ قال معاذ الله! قال: وسألت عبد الرحمن بن إبراهيم عن قول من أدرك فيه، فقال: يوثقونه، وقال عثمان الدارمي: سمعت دحيمًا يوثقه، وقال أبو بكر البزار: هو عندنا صالح ليس به بأس، وقال البخاري: يتكلمون في حفظه وهو محتمل، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: محله الصدق عندنا، قلت لهما: يحتج بحديثه؟ قالا: لا، وقال ابن عدي: له عند أهل دمشق تصانيف، ولا أرى بما يرويه بأسًا، ولعله يهم في الشيء بعد الشيء ويغلط، والغالب عليه الصدق، والحاصل مما ذكرنا أنه مختلف فيه. انتهى " تهذيب". (عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع). (عن مجاهد) بن جبر المخزومي مولاهم المكي، ثقة إمام في التفسير وفي العلم، من الثالثة، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومئة (١٠٤ هـ). يروي عنه: (ع). (عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما. (عن أبي بن كعب) بن قيس الأنصاري الخزرجي أبي المنذر المدني، من فضلاء الصحابة رضي الله تعالى عنه وعنهم أجمعين. وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه سعيد بن بشير، وهو مختلف فيه.

стр. 11422

عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ وَجَدَ رِيحًا طَيِّبَةً فَقَالَ: "يَا جِبْرِيلُ، مَا هَذِهِ الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ؟ "، قَالَ: هَذِهِ رِيحُ قَبْرِ الْمَاشِطَةِ وَابْنَيْهَا وَزَوْجِهَا، قَالَ: وَكَانَ بَدْءُ ذَلِكَ أَنَّ الْخَضِرَ كَانَ مِنْ أَشْرَافِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَانَ مَمَرُّهُ بِرَاهِبٍ فِي صَوْمَعَةٍ، فَيَطْلُعُ عَلَيْهِ الرَّاهِبُ فَعَلَّمَهُ الْإِسْلَامَ؛ فَلَمَّا بَلَغَ الْخَضِرُ .. زَوَّجَهُ أَبُوهُ امْرَأَةً، فَعَلَّمَهَا الْخَضِرُ وَأَخَذَ عَلَيْهَا أَلَّا تُعْلِمَهُ === (عن رسول الله ﷺ أنه ليلة أسري به) من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى (وجد ريحًا طيبة) الرائحة (فقال) رسول الله ﷺ : (يا جبريل؛ ما هذه الريح الطيبة؟ قال) جبريل: (هذه ريح قبر الماشطة وابنيها وزوجها). و(قال) جبريل: (وكان بدء ذلك) أي: ابتداء ذلك الطيب وسببه (أن الخضر) - بفتح الخاء وكسر الضاد وسكونها - لقب لصاحب موسى بن عمران، واسمه: (بليا) - بفتح الباء وسكون اللام - ابن ملكان، والأكثر: على أنه كان نبيًّا، ولهم على ذلك أدلة كثيرة، قد بسطنا الكلام عليها في "الحدائق". (كان من أشراف بني إسرائيل، وكان ممره) أي: مروره بعد خروجه من بيت أبيه (براهب) أي: على صومعة راهب؛ وهو العابد المتجرد عن الدنيا، الخالي من الناس لعبادة ربه، أي: كائن (في صومعة) صفة راهب. وهذا الحديث يدل على وجود الرهابين قبل زمان عيسى (فيطلع) أي: فيخرج (عليه الراهب) أي: على الخضر من صومعته (فعلمه) أي: فعلم الراهب الخضر من التعليم (الإسلام) أي: أحكام الإسلام (فلما بلغ الخضر) سن الزواج .. (زوجه) من التزويج؛ أي: زوج الخضر (أبوه امرأة، فعلمها الخضر) أي: فعلم الخضر تلك المرأة - وهي زوجته - الإسلام (وأخذ عليها) أي: وأخذ الخضر على زوجته العهد (ألا تعلمه) من الإعلام؛ أي: ألا تعلم

стр. 11423

أَحَدًا، وَكَانَ لَا يَقْرَبُ النِّسَاءَ، فَطَلَّقَهَا ثُمَّ زَوَّجَهُ أَبُوهُ أُخْرَى، فَعَلَّمَهَا وَأَخَذَ عَلَيْهَا أَلَّا تُعْلِمَهُ أَحَدًا، فَكَتَمَتْ إِحَدَاهُمَا وَأَفْشَتْ عَلَيْهِ الْأُخْرَى، فَانْطَلَقَ هَارِبًا حَتَّى أَتَى جَزِيرَةً فِي الْبَحْر، فَأَقْبَلَ رَجُلَانِ يَحْتَطِبَانِ فَرَأَيَاهُ، فَكَتَمَ أَحَدُهُمَا وَأَفْشَى الْآخَرُ وَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُ الْخَضِرَ، فَقِيلَ: وَمَنْ رَآهُ مَعَكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ، فَسُئِلَ === شيئًا عن الخضر وحاله وعدم قربانه (أحدًا) من الناس. (وكان) الخضر (لا يقرب النساء) ولا يطؤها؛ لأن حاله كحال الرهابين (فطلقها) أي: فطلق الخضر تلك المرأة (ثم زوجه أبوه) أي: زوج الخضر أبوه ملكان امرأة (أخرى) أي: ثانية (فعلمها) أي: فعلم الخضر تلك المرأة الثانية الإسلام (وأخذ) الخضر (عليها) أي: على المرأة الثانية العهد على (ألَّا تعلمه) أي: ألا تخبر حال الخضر ودينه من الإعلام (أحدًا) من الناس (فكتمت) أي: أخفت حاله ودينه (إحداهما) أي: إحدى المرأتين اللتين زوجهما أبوه (وأفشت عليه) أي: منه سره الذي عهد عليها إخفاءه (الأخرى) أي: المرأة الأخرى (فانطلق) الخضر وذهب (هاربًا) من الناس؛ لأنهم إن عرفوا دينه .. قتلوه. (حتى أتى جزيرةً في البحر، فأقبل) إليه (رجلان يحتطبان) أي: يأخذان الحطب من الجزيرة، (فرأياه) أي: فرأى الرجلان خضرًا يجلس في الجزيرة، فعهد إليهما ألا يخبراه أحدًا من الناس (فكتم أحدهما) أي: لم يخبره بالناس (وأفشى الآخر) في الناس خبره (وقال) ذلك الآخر للناس: أنا (قد رأيت الخضر، فقيل) أي: قال بعض الناس للذي أفشى خبره: (ومن رآه) أي: ومن الذي رأى الخضر (معك؟ قال) ذلك المفشي خبره: رآه (فلان) معي (فسئل) ذلك الفلان، فقيل له: هل رأيت الخضر؟

стр. 11424

فَكَتَمَ، وَكَانَ فِي دِينِهِمْ أَنَّ مَنْ كَذَبَ .. قُتِلَ، قَالَ: فَتَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ الْكَاتِمَةَ، فَبَيْنَمَا هِيَ تَمْشُطُ ابْنَةَ فِرْعَوْنَ .. إِذْ سَقَطَ الْمُشْطُ، فَقَالَتْ: تَعِسَ فِرْعَوْنُ، فَأَخْبَرَتْ أَبَاهَا وَكَانَ لِلْمَرْأَةِ ابْنَانِ وَزَوْجٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَرَاوَدَ الْمَرْأَةَ وَزَوْجَهَا أَنْ يَرْجِعَا عَنْ دِينِهِمَا فَأَبَيَا، فَقَالَ: إِنِّي قَاتِلُكُمَا، فَقَالَا: إِحْسَانًا مِنْكَ إِلَيْنَا إِنْ قَتَلْتَنَا أَنْ تَجْعَلَنَا فِي بَيْتٍ، === (فكتم) أي: أخفى رؤيته إياه؛ وفاءً بعهد الخضر عليهما ألا يخبراه للناس. (وكان) الشأن (في دينهم) أي: في دين أهل ذلك العصر (أن من كذب .. قتل، قال) الراوي، أو النبي ﷺ : (فتزوج) هذا الكاتم خبر الخضر من الرجلين المحتطبين (المرأة الكاتمة) لخبر الخضر من المرأتين اللتين تزوَّجَهُما الخضر (فبينما هي) أي: تلك المرأة الكاتمة (تَمْشُط) أي: تُسرِّح شعرَ (ابنة فرعون .. إذ سقط المشط) من يدها على الأرض، والمشط - بتثليث الميم وسكون الشين - وهي آلة يمشط بها (فـ) فجعت الماشطة، و (قالت: تعس) من باب سمع؛ أي: هلك؛ وهو دعاء بالهلاك (فرعون) اللعين (فأخبرت) ابنة فرعون (أباها) مقالة الماشطة؛ يعني قولها: تعس فرعون (وكان للمرأة) الماشطة (ابنان وزوج) فغضب فرعون عليها. (فأرسل) فرعون (إليهم) أي: إلى الماشطة وابنيهما وزوجها (فراود) فرعون وطلب (المرأة وزوجها أن يرجعا عن دينهما) الذي علمهما الخضر؛ وهو دين الإسلام (فأبيا) أي: امتنعا عن أن يرجعا عن دينهما (فقال: إني قاتلكما) لأنكما كفرتما بي (فقالا) أي: قالت وزوجها: نسألك أن تحسن (إحسانًا منك إلينا إن قتلتنا) وذلك الإحسان الذي نرجو منك (أن تجعلنا في بيت) أي: لا ترمينا في الصحراء فيأكلنا السباع والطير؛ كعادتك فيمن قتلته

стр. 11425

فَفَعَلَ، فَلَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ﷺ .. وَجَدَ رِيحًا طَيِّبَةً، فَسَأَلَ جِبْرِيلَ فَأَخْبَرَهُ. (٦٥) - ٣٩٧٥ - (٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، === عقوبة (ففعل) بهما ما طلباه من جعلهما في بيت (فلما أسري بالنبي ﷺ .. وجد ريحًا طيبة، فسأل جبريل) عن تلك الريح الطيبة (فأخبره) جبريل بأنها ريح تلك المرأة وزوجها الكاتمين خبر الخضر وشأنه. قوله: (فراود المرأة وزوجها) أي: أكثر الذهاب والمجيء إليهما؛ لطلب رجوعهما عن دينهما دين الإسلام. وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ كما مر آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به. ثم استشهد المؤلف ثامنًا لحديث سعد بن أبي وقاص بحديث آخر لأنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فقال: (٦٥) - ٣٩٧٥ - (٩) (حدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر التجيبي المصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (م ق). (أخبرنا الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم المصري، ثقة ثبت حجة قرين مالك، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع). (عن يزيد بن أبي حبيب) سويد المصري، واختلف في ولائه، ثقة فقيه، من الخامسة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه: (ع).

стр. 11426

عَنْ سَعْدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "عِظَمُ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاء، وِإنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ؛ فَمَنْ رَضِيَ .. فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ .. فَلَهُ السُّخْطُ". === (عن سعد بن سنان) ويقال فيه: سنان بن سعد الكندي المصري، صدوق له أفراد، من الخامسة. يروي عنه: (د ت ق). وقال ابن حبان: حدث عنه المصريون، وأرجو أن يكون اسمه سنانَ بن سعد، فهو مختلف فيه. (عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه مختلفًا فيه؛ وهو سعد بن سنان. (عن رسول الله ﷺ أنه قال: عظم الجزاء) أي: كثرته (مع عظم البلاء) - بكسر المهملة وفتح الظاء فيهما، ويجوز ضمها مع سكون الظاء - فمن ابتلاؤه أعظم؛ أي: أشد .. فجزاؤه أعظم؛ أي: أكثر؛ أي: عظمة الثواب مقرونة بعظم البلاء كيفيةً وكميةً؛ جزاءً وفاقًا، وأجرًا طَباقًا (وإن الله إذا أحب قومًا .. ابتلاهم) أي: اختبرهم بالمحن والرزايا (فمن رضي) بما ابتلاه الله به .. (فله الرضا) منه تعالى وجزيل الثواب جزاء لرضاه، أو فله جزاء رضاه (ومن سخط) - بكسر الخاء المعجمة - أي: كره بلاء الله وفزع ولم يرض بقضائه .. (فله السخط) منه تعالى وأليم العذاب، ومن يعمل سوءًا .. يجز به؛ والمقصود: الحث على الصبر على البلاء بعد وقوعه، لا الترغيب في طلبه؛ للنهي عنه. انتهى "تحفة". قال السندي: ثم الظاهر أنه تفصيل لمطلق المبتلين لا لمن أحبهم فابتلاهم؛ إذ الظاهر أنه تعالى يوفقهم للرضا، فلا يسخط منهم أحد لقضاء الله تعالى. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الزهد، باب

стр. 11427

(٦٦) - ٣٩٧٦ - (١٠) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ، === (٥٦) ما جاء في الصبر على البلاء، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، ورواه أحمد وعبد الرزاق والبغوي والقضاعي. فدرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ لما مر، ولأن له شواهد، وغرضه: الاستشهاد به لحديث سعد بن أبي وقاص. ثم استشهد المؤلف تاسعًا لحديث سعد بن أبي وقاص بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال: (٦٦) - ٣٩٧٦ - (١٠) (حدثنا علي بن ميمون الرقي) العطار، ثقة، من العاشرة، مات سنة ست وأربعين ومئتين (٢٤٦ هـ). يروي عنه: (س ق). (حدثنا عبد الواحد بن صالح) مجهول، من الحادية عشرة. يروي عنه: (ق)، وعلي بن ميمون الرقي. (حدثنا إسحاق بن يوسف) بن مرداس المخزومي الواسطي المعروف بالأزرق، ثقة، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع). (عن) سليمان بن مهران (الأعمش) ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع). (عن يحيى بن وثاب) - بتشديد المثلثة - الأسدي مولاهم الكوفي المقرئ، ثقة عابد، من الرابعة، مات سنة ثلاث ومئة (١٠٣ هـ). يروي عنه: (خ م ت س ق).

стр. 11428

عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ .. أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ، وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ". === (عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عبد الواحد بن صالح، وهو مجهول. (قال) ابن عمر: (قال رسول الله ﷺ : المؤمن الذي يخالط الناس) أي: يساكنهم ويقيم فيهم (ويصبر على أذاهم) أي: على ما يصل إليه منهم من الأذى .. (أعظم أجرًا من المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم). قال الصنعاني في "السبل" (٤/ ٢١١): في هذا الحديث أفضلية من يخالط الناس، مخالطةً يأمرهم فيها بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويحسن معاملتهم؛ فإنه أفضل من الذي يعتزلهم، ولا يصبر على المخالطة، والأحوال تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان، ولكل حال مقال. ومن رجح العزلة .. فله على فضلها أدلة، وقد استوفاها الغزالي في الإحياء وغيره. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، وكذا أخرجه البخاري في "الأدب المفرد"، والبيهقي في "الكبرى"، وفي "الشعب"، والطحاوي في "شرح المشكل"، وأحمد، وابن الجوزي في "جامع المسانيد"، وأبو نعيم في "الحلية" وإسناده ضعيف - كما مر - لجهالة عبد الواحد بن صالح، لكن درجة الحديث: أنه صحيح؛ لأنه روي عن أبي عامر العقدي عن شعبة عن الأعمش ... إلى آخره، وهو إسناد صحيح.

стр. 11429

(٦٧) - ٣٩٧٧ - (١١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ثَلَاثٌ === قلت: فدرجة هذا الحديث: أنه ضعيف السند، صحيح المتن بغيره؛ لأن له شواهد ومتابعات، وغرضه: الاستشهاد به لحديث سعد بن أبي وقاص. ثم استشهد المؤلف عاشرًا لحديث سعد بن أبي وقاص بحديث آخر لأنس رضي الله تعالى عنهما، فقال: (٦٧) - ٣٩٧٧ - (١١) (حدثنا محمد بن المثنى) بن عبيد العنزي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع). (ومحمد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري. كلاهما (قالا: حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع). (حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي البصري، ثقة إمام أئمة الجرح والتعديل، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ). يروي عنه: (ع). (قال) شعبة: (سمعت قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع). حالة كون قتادة (يحدث عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (قال) أنس: (قال رسول الله ﷺ : ثلاث) خصال، وهو

стр. 11430

مَنْ كُنَّ فِيهِ .. وَجَدَ طَعْمَ الْإِيمَانِ - وَقَالَ بُنْدَارٌ: حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ - مَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لله، وَمَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ كَانَ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ أَحَبَّ إِلَيْهِ === مبتدأ سوخ الابتداء بالنكرة الإضافة المقدرة، أي: ثلاث خصال، أو كونه خلفًا عن موصوف محذوف، تقديره: خصال ثلاث، فثلاث خلف عن موصوف محذوف، وهو المسوغ للابتداء بها؛ نحو قولهم: مؤمن خير من مشرك؛ أي: رجل مؤمن خير من مشرك، أو قصد الإبهام؛ لكونه للتعظيم؛ كما التعجبية؛ نحو: شر أهر ذا ناب، وجملة قوله: (من كن فيه) أي: من وجدت تلك الثلاث فيه وغَلَبْنَ عليه .. خبر المبتدأ. والظاهر أن (من) شرطية في محل الرفع مبتدأ ثان، خبرها جملةُ الشرط أو الجواب، أو هما على الخلاف المذكور في محله، ويحتمل: كونها موصولة و (كان) تامة بمعنى: وجد وحصل؛ والمراد بكونها فيه: غلبتها عليه؛ لأن به يتضح دلالتها. وخصت الثلاث بالذكر؛ لأنها أعمال قلب، لا يَعْرِض لها الرياء، وإلا .. فقد قال ﷺ : "الصدقة برهان"، وكانت تلك الثلاثة أدلة على حلاوة الإيمان، لأنها مسببات عنه. (وجد طعم الإيمان) أي: لذته وحلاوته (وقال بندار) أي: محمد بن بشار في تفسير طعم الإيمان: أي: (حلاوة الإيمان) ولذته. ثم فصل تلك الثلاث بقوله: (من كان يحب المرء) المسلم، حالة كونه (لا يحبه إلا لـ) أخوة (الله) تعالى. (و) ثانيها: (من كان الله ورسوله أحب إليه) أي: عنده (مما سواهما). (و) ثالثها: (من كان أن يلقى) ويقذف (في النار أحب إليه) أي: عنده

стр. 11431

مِنْ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ". === (من أن يرجع في) دين (الكفر) والشرك (بعد إذ أنقذه الله) تعالى وأخرجه (منه) أي: من ذلك الكفر الخبيث؛ بسبب الإيمان بالله تعالى. وهذه الخصال الثلاث متلازمة، فلا يوجد بعضها منفكًا عن الآخر حتى يسأل عن مفهوم العدد، فيقال: من وجدت فيه واحدة منهن. قوله: (وجد) أي: ذاق بسبب وجدانهن فيه (حلاوة الإيمان) وطعمه ولذته، قال بعضهم: فمعنى ذوقه حلاوة الإيمان: استلذاذ الطاعات، وتحمل المشقات في رضا الله ورضا رسوله ﷺ . قال القاضي عياض: هو من معنى (ذاق طعم الإيمان) لأن الثلاث لا توجد إلا ممن صح إيمانه، وانشرح به صدره. فمعنى (وجد بهن حلاوة الإيمان) أي: وجد الإيمان بسببهن لذيذًا في قلبه، منشرحًا في صدره، مستطابًا له، حتى لا يود أن يفارقه قدر لمحةٍ؛ كأحب الأشياء عنده. وعبارة "المفهم" هنا: وإنما خص الثلاثة بهذا المعنى؛ لأنها لا توجد إلا ممن تنور قلبه بأنوار الإيمان واليقين، وانكشفت له محاسن تلك الأمور التي أوجبت له تلك المحبة التي هي حال العارفين. قال "الأبي": (حلاوة الإيمان) استعارة تصريحية أصلية؛ شبه انشراح الصدر به بشيء ذي حلاوة، فهو لوجوده يستعذب الطاعة، ويتحمل المشاق. فعن عتبة الغلام: كابدت الصلاة عشرين سنة، ثم استمتعت بها بقية عمري، وعن الجنيد: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، وعن ابن أدهم: والله؛ إنا لفي لذة، لو علمها الملوك .. لجاهدونا عليها بالسيوف. انتهى. ثم فصل تلك الثلاث بقوله: إحدى تلك الثلاث خصلة: (من كان يحب

стр. 11432

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === المرء) حالة كونه (لا يحبه إلا لله) أي: إلا لوجه الله وأخوته؛ يعني بـ (المرء) هنا: المسلم المؤمن؛ كأنه هو الذي يمكن أن يخلص لله تعالى؛ أي: لا يحبه إلا لأجل دين الله تعالى وأخوته، لا لغرض دنيوي؛ كمال وجاه ونصرة. قال القاضي: من ثمرة حب الله تعالى .. الحب فيه؛ فلا يحب العبد إلا لله تعالى؛ لأن من أحب شيئًا .. أحب ما هو من سببه؛ كما قال ﷺ : "من أحب العرب .. فبحبي أحبهم" رواه الطبراني في "الكبير"، ولكنه واه؛ لضعف سنده. يعني: أن الحب في الله تعالى لا ينشأ إلا عن حب الله تعالى، ولا يمتنع أن يكتسب الحب في الله سبحانه باستحضار ما أعد الله تعالى للمتحابين فيه، وحسبك ما صح من قوله ﷺ : "سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله ... " فذكر منهم: "رجلين تحابا في الله". انتهى "أبي". وقد أفاد هذا الحديث أن محبة المؤمن الموصلة إلى حلاوة الإيمان .. لا بد أن تكون خالصة دلّه تعالى غير مشوبة بالأغراض الدنيوية، ولا بالحظوظ البشرية؛ فإن من أحبه لذلك .. انقطعت محبته إن حصل له ذلك الغرض، أو يشى من حصوله، ومحبة المؤمن وظيفة معينة على الدوام، وجدت الأغراض أو عدمت. ولما كانت المحبة للأغراض هي الغالبة .. قل وجدان تلك الحلاوة، بل قد انعدم لا سيما في هذه الأزمان التي قد انمحى فيها أكثر رسوم الإيمان والشريعة، وغلب عليها صداقة النصارى والرسوم النظامية. وبالجملة: فمحبة المؤمنين من العبادات التي لا بد فيها من الإخلاص في حسن النيات. انتهى.

стр. 11433

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وثانيها: خصلة (من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما). قال القرطبي: فيه دليل على جواز إضافة المحبة لله تعالى، وإطلاقها عليه، ولا خلاف في إطلاق ذلك عليه محبًا ومحبوبًا، كما قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (١)، وهو في السنة كثير. قوله: "مما سواهما" ثنى الضمير هنا، ورد على الخطيب قوله: (ومن يعصهما .. فقد غوى) فقال ﷺ : "بئس خطيب القوم أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله". أجاب عز الدين عن ذلك بأن منصب الخطيب قابل للزلل، فتثنية الضمير توهم أنه سوى بينهما، وأجاب غيره بأن كلامه جملة واحدة، فإيقاع الظاهر فيها موقع الضمير مرجوح، وكلام الخطيب جملتان. وأجاب شارح " المصابيح " بأنه إيماءٌ إلى أن المعتبر مجموع المحبتين، حتى لو انفردت إحداهما .. لم تفد. وأمر بالإفراد في الآخر؛ إعلامًا بأن إحدى المعصيتين كافية في الذم. انتهى من "الأبي". وقال: "مما سواهما" ولم يقل: (ممن سواهما)؛ تنبيهًا على حقارة ما سوى الله تعالى ورسوله ﷺ ومن في معناه ممن يحب الله تعالى، وتنزيلًا له منزلة ما لا يعقل؛ إذ ذاك أصل استعمال (ما) لأنه مثله في عدم القدرة على جلب المنافع، ودفع المضار مطلقًا. ففي اللفظ إيماء إلى أنه ينبغي أن يقصر المؤمن حبه على مولانا ،

стр. 11434

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وما كان لأجله، وما سواه هباء، لا يجدي حبه شيئًا. وقال بعضهم: إنما عبر بـ (ما) دون (من) ليعم العاقل وغير العاقل؛ لأنه أدخل في العموم، فيعم المخلوقات كلها. ورد بأنه إذا اختلط العاقل وغيره .. فهما سواء، ولذا جاء: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١) بلفظ (من)، وجاء: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ (٢)، وفي "كافية ابن مالك" رحمه الله تعالى: وعند الاختلاط خير من نطق ... في أن يجيء منهما بما اتفق وقال القاضي عياض: هذا الحديث بمعنى حديث: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا ... " إلى آخره؛ وذلك أنه لا تصح محبة الله ورسوله حقيقةً، وحب الآدمي في الله ورسوله، وكراهة الرجوع إلى الكفر، إلا لمن قوي الإيمان في نفسه، وانشرح له صدره، وخالط لحمه ودمه، وهذا هو الذي وجد حلاوته، والحب في الله، من ثمرات حب الله. قوله: (ومن كان الله ورسوله) برفعهما (أحب إليه) بالنصب؛ على أنه خبر كان (مما سواهما) من نفس وأهل ومال وكل شيء، ولم يقل: (ممن سواهما) ليعم من يعقل ومن لا يعقل، ومحبة العبد لربه: بفعل طاعته، وترك مخالفته، وكذلك محبة الرسول. وثنى الضمير في (سواهما) مع أنه رد على الخطيب قوله: (ومن يعصهما .. فقد غوى)، فقال: "بئس الخطيب أنت" إيماءً إلى أن المعتبر: هو المجموع

стр. 11435

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === المركب من المحبتين، لا كل واحدة منهما؛ فإنها وحدها ضائعة لاغية. وأمر بالإفراد في حديث الخطيب؛ إشعارًا بأن كل واحد من المعطوفين مستقل باستلزام الغواية؛ إذ العطف في تقدير التكرير، والأصل استقلال كل من المعطوفين في الحكم. وله أجوبة أخرى ذكرها الحافظ في "الفتح" (١/ ٦١). وثالثها: خصلة (من كان أن يلقى) ويقذف (في النار .. أحب إليه من أن يرجع في الكفر) وفي رواية الشيخين: (أن يعود بعد إذ أنقذه الله) وأخلصه وأخرجه (من النار). قال الحافظ في "الفتح" (١/ ٦٢): الإنقاذ أعم من أن يكون بالعصمة منه ابتداءً؛ بأن يولد على الإسلام ويستمر، أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان؛ كما وقع لكثير من الصحابة، وعلى الأول؛ فيحمل قوله: (أن يعود) على معنى الصيرورة، بخلاف الثاني؛ فإن العود فيه على ظاهره. انتهى. و(في) هذه بمعنى: (إلى) كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ (١). قال القاضي: وسبب محبة الشيء: كونه حسنًا في الحس؛ كالصورة الجميلة، والصوت الحسن، أو في العقل؛ كمحبة الصالحين، أو كونه محسنًا بجلب نفع، أو دفع ضر، وقد تجتمع الثلاث في واحد؛ كما اجتمعت في رسول الله ﷺ ؛ لما جمع الله تعالى فيه من جمال الظاهر والباطن وإحسانه إلى جميع المسلمين؛ بهدايته إلى الطريق المستقيم والشفاعة العظمى. قال السنوسي: وجه كون هذه الكراهية موجبة لحصول حلاوة الإيمان: أنها

стр. 11436

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === نتيجة حصول اليقين؛ فإن الكفر سبب الخلود في النيران، فالمؤمن يكرهه؛ كما يكره النار؛ لملازمته إياها، فصار لقوة اليقين يتخيل أن الدخول في الكفر دخول في النار، فكرهه كراهيتها، وإذا فعل هذا في الكفر .. فعله في سائر المعاصي؛ لمشاركتها له في السببية لاستحقاق النار. وما يفرق به من احتمال العفو .. مقابل باحتمال عدمه، فالعاقل يفر بمجرد احتمال الوقوع في أدنى شيء من المعاطب الدنيوية، فكيف باحتمال الوقوع في هول الآخرة وعذابها الذي لا طاقة لمخلوق عليه، إن أريد بالكفر: الكفر المقابل لأصل الإيمان، وأما إن أريد به: كفر النعم، وعدم القيام بشكرها، وهو الظاهر .. تناول حينئذٍ بلفظه جميع المعاصي، والمراد بالعود في الكفر: مطلق الصيرورة والتلبس به، سواء تقدم اتصافه به أم لا. انتهى. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان، وفي كتاب الأدب، باب الحب في الله، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن .. وجد حلاوة الإيمان، والترمذي في كتاب الإيمان، باب رقم (١٠)، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان، وأحمد في "المسند". فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث سعد بن أبي وقاص. ثم استشهد المؤلف حادي عشره لحديث سعد بن أبي وقاص بحديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنهما، فقال:

стр. 11437

(٦٨) - ٣٩٧٨ - (١٢) حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ح وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ قَالَا: حَدَّثَنَا رَاشِدٌ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحِمَّانِيُّ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، === (٦٨) - ٣٩٧٨ - (١٢) (حدثنا الحسين بن الحسن) بن حرب السلمي أبو عبد الله (المروزي) نزيل مكة، صدوق، من العاشرة، مات سنة ست وأربعين ومئتين (٢٤٦ هـ). يروي عنه: (ت ق). (حدثنا) محمد بن إبراهيم (بن أبي عدي) وقد ينسب إلى جده، وقيل: هو إبراهيم أبو عمرو البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ). يروي عنه: (ع). (ح وحدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري) أبو إسحاق الطبري، نزيل بغداد ثقة حافظ تكلم فيه بلا حجة، من العاشرة، مات في حدود الخمسين ومئتين (٢٥٠ هـ). يروي عنه: (م عم). (حدثنا عبد الوهاب بن عطاء) الحَفَّافُ أبو نصر العجلي مولاهم، البصري نزيل بغداد، صدوق، من التاسعة، مات سنة أربع، ويقال: سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (م عم). كلاهما (قالا: حدثنا راشد) بن نجيح (أبو محمد الحماني) - بكسر المهملة - البصري، صدوق ربما أخطأ، من الخامسة. يروي عنه: (ق). (عن شهر بن حوشب) الأشعري الشامي، مولى أسماء بنت يزيد بن السكن، صدوق كثير الإرسال والأوهام، من الثالثة، مات سنة اثنتي عشرة ومئة (١١٢ هـ). يروي عنه: (م عم). وقال حرب بن إسماعيل عن أحمد: ما أحسن حديثه! ووثقه، وقال ابن أبي خيثمة ومعاوية بن صالح عن ابن معين: ثقة، وقال عباس الدوري عن ابن معين: ثبت، وقال العجلي: تابعي شامي ثقة،

стр. 11438

عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاء، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ شَيْئًا === وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، على أن بعضهم قد طعن فيه، وقال يعقوب بن سفيان: وشهر وإن قال فيه ابن عون: نَزَكوه .. ثقة، وقال البيهقي: ضعيف، فهو مختلف فيه. انتهى "تهذيب". (عن أم الدرداء) الصغرى زوج أبي الدرداء، اسمها هجيمة - مصغرًا - أو جهيمة - مصغرًا أيضًا - الأوصابية الدمشقية، وهي الصغرى، وأما الكبرى .. فاسمها خيرة، ولا رواية لها في الكتب الستة، والصغرى ثقة فقيهة، من الثالثة، ماتت قبل المئة سنة إحدى وثمانين (٨١ هـ). يروي عنها: (ع). (عن أبي الدرداء) زوجها، عويمر بن زيد بن قيس الأنصاري، مختلف في اسم أبيه، قيل: اسمه عامر، الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، أول مشاهده أحد، وكان عابدًا، مات في أواخر خلافة عثمان، وقيل: عاش بعد ذلك. يروي عنه: (ع). وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه شهر بن حوشب، وهو مختلف فيه؛ لأن بعضهم ضعفه، وبعضهم وثقه. (قال) أبو الدرداء: (أوصاني خليلي) أي: أمرني على سبيل الإيصاء والعهد خليلي وحبيبي محمد ﷺ أن لا تشرك بالله شيئًا) من المخلوق. ولما كان هذا الحديث في الوصية متناهيًا، والزجر عن رذائل الأخلاق جامعًا وضع (خليلي) مكان (رسول الله ﷺ إظهارًا لغاية تعطفه وشفقته عليه، قاله الطيبي. (أن لا تشرك بالله شيئًا) بالجزم؛ على أنه صيغة نهي، و (أن) تفسيرية؛

стр. 11439

وَإِنْ قُطِّعْتَ وَحُرِّقْتَ، وَلَا تَتْرُكْ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا؛ فَمَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا .. فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ، === لأن في (أوصى) معنى القول؛ أي: أوصاني خليلي؛ أي: قال لي: لا تشرك بالله شيئًا. ويجوز النصب؛ على أنه صيغة مضارع منصوب، و (أن) ناصبة مصدرية؛ أي: أمرني بألا تشرك (وإن قُطِّعْتَ) بالبناء للمفعول؛ من التقطيع، وكذلك قوله: (وحُرِّقْت) بالبناء للمفعول؛ من التحريق، ويجوز التخفيف في (قطعت) دون (حرقت) فإنه بالتشديد لا غير. وهذا يدل على أنه ينبغي اختيار الموت والقتل دون إظهار الشرك، وهو وصيته بالأفضل والعزيمة؛ فإنه يجوز التلفظ بكلمة الكفر والشرك عند الإكراه؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (١). (ولا تترك صلاة مكتوبة) أي: مفروضةً حالة كونك (متعمدًا) أي: قاصدًا تركها، قيدٌ احترز به عن الخطأ والنسيان والنوم والضرورة وعدم القدرة (فمن تركها) أي: ترك الصلاة المكتوبة، حالة كونه (متعمدًا) أي: قاصدًا تركها بلا عذر من الأعذار المذكورة آنفًا .. (فقد برئت منه) أي: من ذلك التارك عمدًا (الذمة) أي: ذمة الله وأمانه وحرمته؛ أي: صار كالكافر الذي لا ذمة له فعلًا؛ فإن ترك الصلاة متعمدًا من خصالهم، وهذا كناية عن الكفر تغليظًا عليه، قال الطيبي: أو المراد منه: الأمان من التعرض بالقتل أو التعزير، كذا في "المرقاة"، وقال الجزري: الذمة والذمام هما بمعنى: العهد والأمان والضمان والحرمة والحق، ويسمى أهل الذمة بذلك؛ لدخولهم في عهد المسلمين وأمانهم. وحديث: (فقد برئت منه الذمة) أي: أن لكل أحد من الله عهدًا بالحفظ

стр. 11440

وَلَا تَشْرَبِ الْخَمْرَ؛ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ. === والكلأ، فإذا ألقى بيده إلى التهلكة، أو فعل ما حرم الله تعالى، أو خالف ما أمر به .. خذلته؛ أي: فارقته وأهانته ذمة الله التي فارقها بإباحة دمه. (و) أوصاني أن (لا تشرب الخمر؛ فإنها) أي: فإن شرب الخمر (مفتاح كل شر) وفتنة، قال الطيبي: قَرَن (ترك الصلاة وشرب الخمر) مع (الشرك) إيذانًا بأن الصلاة عمود الدين، وتركها ثُلْمَةٌ في الدين، وأنَّ شرب الخمر كعبادة الوثن، ولأن أم الأعمال ورأسها .. الصلاة؛ وأم الخبائث .. الخمر، فأنَّى يجتمعان؟ ! قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (١). فالصلاة مفتاح كل خير، والخمر مفتاح كل شر؛ أي: لأنها تزيل العقل، فلا يبالي بشيء من المنكرات، فقد انفتح له باب الشر، بعد أن كان مغلقًا عليه بقيد العقل. انتهى منه. وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ كما مر آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث سعد بن أبي وقاص. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: اثنا عشر حديثًا: الأول منها للاستدلال، والبواقي للاستشهاد. والله أعلم

стр. 11441

(١٣) - (١٤٦٤) - بَابُ شِدَّةِ الزَّمَانِ (٦٩) - ٣٩٧٩ - (١) حَدَّثَنَا غِيَاثُ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّحْبِيُّ، أَنْبَأَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، سَمِعْتُ ابْنَ جَابِرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ رَبِّهِ === (١٣) - (١٤٦٤) - (باب شدة الزمان) (٦٩) - ٣٩٧٩ - (١) (حدثنا غياث بن جعفر) الشامي (الرحبي) - بفتح الراء وسكون الحاء المهملة - نسبة إلى رحبة مالك بن طوق على شط الفرات، والنسبة إليها الرحبي، كان مستملي ابن عيينة، روى عنه، وعن الوليد بن مسلم، ويروي عنه: (ق). قال الدارقطني: روى عن ابن عيينة حديثًا كثيرًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مستقيم الحديث، وقال في "التقريب": صدوق، من العاشرة. (أنبأنا الوليد بن مسلم) القرشي مولاهم الدمشقي، ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية، من الثامنة، مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع). (سمعت) عبد الرحمن بن يزيد (بن جابر) الأزدي أبا عتبة الشامي الداراني، ثقة، من السابعة، مات سنة بضع وخمسين ومئة (١٥٣ هـ). يروي عنه: (ع). حالة كون ابن جابر (يقول: سمعت أبا عبد ربه) الدمشقي الزاهد، ويقال: أبو عبد رب، أو عبد رب العزة، قيل: اسمه عبد الجبار بن عبيد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: قسطنطين، وقيل: فلسطين، وهو غلط، قال الحافظ: مقبول، من الثالثة. يروي عنه: (ق)، مات سنة اثنتي عشرة ومئة (١١٢ هـ).

стр. 11442

يَقُولُ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا بَلَاءٌ وَفِتْنَةٌ". (٧٠) - ٣٩٨٠ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قُدَامَةَ الْجُمَحِيُّ، === حال كون أبي عبد ربه (يقول: سمعت معاوية) بن أبي سفيان القرشي الأموي رضي الله تعالى عنهما، مات سنة ستين (٦٠ هـ). يروي عنه: (ع). وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات. حالة كون معاوية (يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: لم يبق من الدنيا إلا بلاء) أي: إلا زمن يكثر فيه بلاء وامتحان لأهلها (و) تكثر فيه (فتنة) ومقاتلة بين أهلها؛ كما هو شأن آخر الشيء ونهايتُه عادةً. وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة. ثم استشهد المؤلف لحديث معاوية بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال: (٧٠) - ٣٩٨٠ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق). (حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي الواسطي، ثقة، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثنا عبد الملك بن قدامة) بن إبراهيم بن محمد بن حاطب (الجمحي)

стр. 11443

عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي الْفُرَات، عَنِ الْمَقْبُرِيّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ === المدني، ضعيف، من السابعة. يروي عنه: (ق). وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث ليس بالقوي، يحدث بالمناكير عن الثقات، وقال الدارقطني: متروك، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال الساجي: وثقه ابن معين ووثقه العجلي، وقال ابن حبان: كان صدوقًا إلا أنه كثر خطؤه وفحش وهمه، وقال ابن عبد البر: مدني ثقة شريف فهو مختلف فيه. (عن إسحاق) بن بكر (بن أبي الفرات) المدني، مجهول، من السابعة. يروي عنه: (ق)، قال الذهبي في "الكاشف": مجهول، وقال السليماني: منكر الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات". (عن) أبي سعيد (المقبري) كيسان المدني مولى أم شريك، ثقة ثبت، من الثانية، مات سنة مئة (١٠٠ هـ). يروي عنه: (ع). (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عبد الملك بن قدامة، وهو مختلف فيه، وفيه إسحاق بن أبي الفرات، وهو مختلف فيه أيضًا. (قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : سيأتي على الناس) قريبًا (سنوات خداعات) - بتشديد الدال - أي: كثيرة الخداع؛ من الخدع؛ وهو المكر والحيلة، ووصف السنوات بالخداعات .. مجازي؛ والمراد بها: أهل السنوات، قال في "النهاية": سنون خداعة؛ أي: تكثر فيها الأمطار، ويقل فيها الربيع، فذلك خداعها؛ لأنها تطعمهم؛ أي: تمطرهم الأمطار الكثيرة، ثم تخلفهم بقلة الإنبات، وقيل: الخداعة: القليلة المطر؛ من خدع الريق؛ إذا جف.

стр. 11444

يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ"، قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: "الرَّجُلُ التَّافِهُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ". === (يُصدَّق) بالبناء للمجهول (فيها) أي: في تلك السنوات (الكاذبُ، ويُكذَّب) بالبناء للمجهول أيضًا (فيها الصادقُ) ومثله الفعلان اللذان بعده؛ وهما قوله: (ويُؤتمن فيها الخائنُ) أي: يوصف فيها الخائن بالأمانة؛ لكونه ذا غنىً ومال وجاه، وقوله: (ويُخوَّن فيها) أي: يوصف بالخيانة (الأمينُ) لكونه فقيرًا أو وضيعًا (ويَنْطِقُ فيها) عند الإصلاح بين الناس (الرُّوَيْبِضَةُ) تصغير رابضة؛ وهو العاجز الذي ربَضَ عن معالي الأمور وقعد عن طلبها، وتاؤه لِلمُبالغة؛ لكونه غنيًّا (في أمر العامة) متعلق بـ (ينطق) أي: شؤون أكثرِ الناس وأغلبِهم. (قيل) لرسول الله ﷺ أو لأبي هريرة واحد من الحاضرين عنده: (وما الرويبضة) يا رسول الله أو يا أبا هريرة؟ (قال) المسؤول منهما في جواب السائل: الرويبضة (الرجل التافه) أي: الوضيع الحسب الدنيء النسب القليل الفقه والعلم؛ لكونه غنيًّا ذا مال (في أمر العامة). وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، فهو: ضعيف السند، صحيح المتن؛ لأن له شواهد. قال المزي في "الأطراف": رواه محمد بن عبد الملك الدقيقي عن يزيد بن هارون، قال: عن أبيه عن أبي هريرة، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في "مسنده" هكذا بالإسناد والمتن، ورواه الحاكم في "المستدرك" في كتاب الفتن والملاحم، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وهو من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري عن المقبري غريب جدًّا.

стр. 11445

(٧١) - ٣٩٨١ - (٣) حَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ الْأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ === قلت: فدرجة هذا الحديث: أنه ضعيف السند؛ لما تقدم آنفًا، صحيح المتن؛ لأن له شواهد ومتابعات، وغرضه: الاستشهاد به لحديث معاوية بن أبي سفيان. ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث معاوية بحديث آخر لأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال: (٧١) - ٣٩٨١ - (٣) (حدثنا واصل بن عبد الأعلى) بن هلال الأسدي أبو القاسم الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ). يروي عنه: (م عم). (حدثنا محمد بن فضيل) بن غزوان - بفتح المعجمة وسكون الزاي - الضبي مولاهم أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق عارف رمي بالتشيع، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع). (عن أبي إسماعيل) يزيد بن كيسان الكندي (الأسلمي) - الصواب: اليشكري؛ كما في "مسلم"، وهو تغيير من بعض الرواة، وتحريف من النساخ، راجع كتب الرجال - الكوفي. انتهى من "الكوكب". صدوق يخطئ، من السادسة. يروي عنه: (م عم). (عن أبي حازم) سلمان الأشجعي الكوفي، ثقة، من الثالثة، مات على رأس المئة (١٠٠ هـ). يروي عنه: (ع). (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.

стр. 11446

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الْقَبْرِ فَيَتَمَرَّغَ عَلَيْهِ وَيَقُولَ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْر، وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِلَّا الْبَلَاءُ". === (قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : والذي نفسي) وروحي (بيده) المقدسة (لا تذهب الدنيا) ولا تفنى ولا تقوم الساعة (حتى يمر الرجل) منكم (على القبر) المدفون (فيتمرغ عليه) أي: على القبر؛ أي: يتقلب في ترابه ظهرًا وبطنًا، يقال: تمرغ الرجل؛ إذا تقلب من وجع بجسده من جنب إلى جنب آخر؛ كما في "القاموس" (ويقول) مع تقلبه على تراب القبر: (يا) هؤلاء (ليتني) أي: أتمنى أن (كنت) أي: كوني (مكان صاحب هذا القبر) بدفني في محله وأنجو من هذه الفتن (و) الحال أنه (ليس به) أي: بذلك المتمرغ في التراب (الدين) - بكسر الدال وسكون الياء - أي: والحال أنه ليس به مصيبة الدين (إلا البلاء) أي: إلا البلاء والمصيبة في الدنيا؛ يعني: أنه لا يتمنى الموت؛ لحفظ دينه - بكسر الدال - وإنما يتمنى الموت "لبلاء أصابه في دنياه، وهذا في معرض الذم؛ والمراد: أن الناس يتمنون الموت؛ لضرر دنيوي أصابهم، مع أنه منهي عنه في الشرع. قال في "المرقاة": أي: وليس الحامل له على التمني .. الدين؛ أي: مصيبة الدين، بل الحامل له على التمني .. البلاء وكثرة الفتن والمحن وسائر الضرار. قال المظهر: الدين هنا: العادة، وجملة (ليس) في موضع الحال من الضمير المستتر في يتمرغ؛ يعني: يتمرغ على رأس القبر ويتمنى الموت في حال ليس التمرغ من عادته، وإنما حمل عليه البلاء. وقال الطيبي: ويجوز أن يحمل الدين على حقيقته؛ أي: ليس ذلك التمرغ

стр. 11447

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === والتمني لأمر أصابه من جهة الدين، بل من جهة الدنيا، فيقيد البلاء المطلق بالدنيا بواسطة القرينة السابقة. انتهى "دهني على هامش مسلم". قوله: (إلا البلاء) أي: الفتنة والاختلاط الكثير الموجبة للقتل المجهول؛ والمعنى: ثوران الهرج والقتل بالكثرة، وهيجانه بالشدة. انتهى من "المرقاة". قال المناوي في "الفيض": قوله: (يا ليتني ... ) إلى آخره؛ أي: أتمنى كوني ميتًا حتى أنجو من الكرب، ولا أرى من المحن والفتن وتبديل وتغيير رسوم الشريعة ما أرى، فيكون أعظم المصائب الأماني، وهذا إن لم يكن وقع .. فهو واقع لا محالة، وقد قال ابن مسعود: (سيأتي عليكم زمان، لو وجد أحدكم الموت يباع .. لاشتراه). انتهى. وقال الحافظ العراقي: ولا يلزم كونه في كل بلد، ولا في كل زمن، ولا في جميع الناس، بل يصدق على اتفاقه للبعض في بعض الأقطار، وفي بعض الأزمان وفي تَعليقِ تَمنِّيهِ بالمُرورِ .. إشعارٌ بشدة ما نزل بالناس من فساد الحال حينئذٍ؛ إذ المرء قد يتمنى الموت من غير استحضار لهيئته، فإذا شاهد الموتى ورأى القبور .. نَشَز بطَبْعهِ ونفَرَ بسجيته من تمنيه، فلقوة الشدة .. لم يصرفه عنه ما شاهده من وحشة القبور، ولا يُناقض هذا النهي من تمني الموت لضر نزل به؛ لأن مقتضى هذا الحديث الإخبار عما يكون، وليس فيه تعرض لحكم شرعي. انتهى منه. قوله: "وليس به الدين" أي: ليس الداعي له على هذا الفعل الدين، وإنما الداعي له البلاء. ومعنى الحديث: أنه لا يتمنى الموت تدينًا وتقربًا إلى الله تعالى وحبًّا في

стр. 11448

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === لقائه، وإنما تمنيه، لما نزل به من البلاء والمحن في أمور دنياه، ففيه إشارة إلى جواز تمني الموت تدينًا، ولا ينافيه قوله ﷺ : "لا يتمنين أحدكم الموت، لضر نزل به" لأنه خاص بما إذا كان التمني لأمر دنيوي؛ كما هو الظاهر. قال الحافظ في "الفتح": ويؤيده ثبوت تمني الموت عند فساد أمر الدين عن جماعة من السلف. قال النووي: فلا كراهة في ذلك، بل فعله خلائق من السلف؛ منهم: عمر بن الخطاب ﵁. وقال بعضهم: قوله: "وليس به الدين إلا البلاء" قيل: أراد بالدين: العادة؛ والمعنى حينئذٍ؛ أي: ليس التمرغ وتمني الموت من عادته، وإنما حمله عليه البلاء والمشقة. وقيل: محمول على معناه؛ أي: ليس ذلك التمرغ؛ لأمر أصابه من جهة الدين، لكن من جهة الدنيا ومشاقها، والله أعلم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء. ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث معاوية. ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث معاوية بحديث آخر لأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:

стр. 11449

(٧٢) - ٣٩٨٢ - (٤) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ؛ يَعْنِي: مَوْلَى مُسَافِعٍ، === (٧٢) - ٣٩٨٢ - (٤) (حدثنا عثمان بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة تسع وثلاثين ومئتين (٢٣٩ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق)، وهو أخو أبي بكر بن أبي شيبة. (حدثنا طلحة بن يحيى) بن النعمان بن أبي عياش الأنصاري الزرقي المدني نزيل بغداد، صدوق يهم، من السابعة. يروي عنه: (خ م د س ق)، وقال ابن معين: ثقة، وكذا وثقه حنبل بن إسحاق، وقال الآجري عن أبي داوود: لا بأس به، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، وذكره ابن حبان في "الثقات". (عن يونس) بن يزيد بن أبي النجاد الأيلي - بفتح الهمزة وسكون التحتانية بعدها لام - الأموي مولاهم؛ مولى آل أبي سفيان، ثقة، من السابعة، مات سنة تسع وخمسين ومئة على الصحيح، وقيل: سنة ستين ومئة. يروي عنه: (ع). (عن الزهري) محمد بن مسلم المشهور بابن شهاب، ثقة حجة، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع). (عن أبي حميد؛ يعني) شيخي بأبي حميد الذي أبهمه: (مولى مسافع) بن عبد الله بن شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدري الحجبي المكي، ثقة، من الثالثة، قيل: قتل يوم الجمل ولا يصح ذلك بل تأخر إلى خلافة الوليد. يروي عنه: (م د ت)، قيل: اسمه هو عبد الرحمن بن سعد المقعد، وإلا .. فمجهول، من الثالثة. يروي عنه: (ق)، والصحيح أنه عبد الرحمن بن سعد الأعرج أبو حميد المدني المقعد مولى بني مخزوم. روى عن: أبي هريرة،

стр. 11450

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَتُنْتَقَوُنَّ كَمَا يُنْتَقَى التَّمْرُ مِنْ أَغْفَالِه، فَلَيَذْهَبَنَّ خِيَارُكُمْ وَلَيَبْقَيَنَّ شِرَارُكُمْ، فَمُوتُوا إِنِ اسْتَطَعْتُمْ". === ويروي عنه: الزهري، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، من الثالثة. يروي عنه: (م). (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات. (قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : والله الذي لا إله إلا هو (لَتُنْتَقَوُنَّ) - بفتح اللام وضم التاء وسكون النون وفتح القاف وضم الواو وتشديد نون التوكيد الثقيلة؛ بالبناء للمجهول - أصله: لَتُنْتَقَوُونن؛ أي: والله؛ لَتُصَفُّنَّ من أَرْدَأ الناسِ وأسافلهم (كلما ينتقى) ويصفى (التمر) الجيد (من أغفاله) أي: من أردئه (فليذهبن) من الد نيا (خياركم) أي: أتقياؤكم بالموت (وليبقين) فيها (شراركم) أي: أخساؤكم وأراذلكم (فموتوا) حينئذ (إن استطعتم) أي: إذا تحقق ذلك .. فموتوا؛ يريد: أن الموت حينئذٍ خير لكم من الحياة، فلا ينبغي أن تكون الحياة حينئذٍ مختارة من الموت؛ لتكدر الدنيا حينئذٍ بفتن أهلها؛ لأنها لم يبق فيها إلا الشرار، فالموت مطلوب حينئذٍ؛ طلبًا لسلامة الدين. وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن أخرجه الحاكم في "المستدرك" في كتاب الرقاق، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في "التلخيص". ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده ولأن له شاهدًا؛ كما ذكرناه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث معاوية.
следующие страницы →