← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148095

شرح سنن ابن ماجه للهرري = مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه

محمد الأمين الهرري

Полный текст (12 442 стр.). Показаны 11586–11625 · переход к 11591.

стр. 11586

وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ، ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَيَنْصَرِفُ === جمع سنام؛ وهي: لحمة تنبت في وسط ظهر الإبل. (و) حالة كونها (أَسْبَغَه) أي: أَمْلأَ ما كانت عليه (ضروعًا) لكثرة اللبن؛ والضروع - جمع ضرع -: مجتمع اللبن من المواشي بمنزلة ثدي المرأة من الإنسان (و) حالة كونها (أمده) أي: أزيد ما كانت عليه (خواصر) لكثرة أكلها وخصب مرعاها. والخواصر جمع خاصرة، وامتدادها كناية عن شدة امتلائها؛ بسبب الشبع؛ والمراد: أن من آمن بالدجال .. يكون في خصب، فترجع ماشيته في المساء سمينة طويلة الأسنام. قال الخطابي رحمه الله تعالى في "أعلام الحديث" (٤/ ٢٣٢): وقد يُسأَلُ عن هذا، فيقال: كيف يجوز أن يجري الله آياته على أيدي أعدائه، وإحياء الموتى آية عظيمة من آيات أنبيائه، فكيف مكَّن منه للدجال، وهو كَذَّابٌ مُفْتَرٍ على الله يدعي الربوبية لنفسه؟ ! فالجواب: أن هذا جارٍ لله تعالى على سبيل الامتحان لعباده، إذا كان منه ما يدل على أنه مبطل غير محق في دعواه؛ وهو أن الدجال أعور عينه اليمنى مكتوب على جبهته (كافر) يقرؤه كل مسلم، فدعواه داحضة مع رسم الكفر ونقص العور الشاهدين بأنه لو كان ربًّا .. لقدر على رفع العور عن عينه ومحو السمة عن وجهه، وآيات الله تعالى التي أعطاها لأنبيائه سليمة عَمَّا تُعَارُ بِهِ وعَمَّا يُناقِضُها. انتهى. (ثم) بعدما مر على الذين آمنوا وأمدهم بنعمه (يأتي القومَ) الآخرين (فيدعوهم) إلى الإيمان به (فيردون عليه قوله) وينكرونه (فينصرف) أي: يرجع

стр. 11587

عَنْهُمْ، فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ مَا بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ، ثُمَّ يَمُرُّ بِالْخَرِبَةِ فَيَقُولُ لَهَا: أَخْرِجِي كُنُوزَك، فَيَنْطَلِقُ فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ ألنَّحْل، ثُمَّ يَدْعُو رَجُلًا مُمْتَلِئًا شَبَابًا فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ ضَرْبَةً فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الْغَرَض، === (عنهم، فيصبحون) أي: فيصيرون في صباح ذلك اليوم (ممحلين) أي: مصابين بالمحل وفي بعض الروايات: (آزِلِينَ)، والمحل والأزل والقحط والجدب كلها بمعنىً واحد، وفي "القاموس": (المحل) على وزن فحل: الجدب والقحط. والإمحال: كون الأرض ذات جدب وقحط، يقال: أَمْحَلَ البلدُ؛ إذا أزل وأَفْقرَ بسببِ انقطاعِ المطر ويبس الأرض، حال كونهم (ما بأيديهم شيء) من أموالهم أي: من مواشيهم (ثم يَمرُّ) الدجال (بالخَرِبة) - بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء -: المكان الخربُ الذي ليس فيه نبات ولا زرع؛ أي: يَمرُّ على الأرض الخالية عن النبات والأبنية التي ليس بها أنيس (فيقول) الدجال (لها) أي: لتلك الخربة: (أخرجي كنوزك) أي: معادنك التي خلقها الله فيك (فينطلق فتتبعه) أي: فتتبع الدجال (كنوزها)؛ أي: كنوز تلك الخربة ومعادنها، حالة كون الدجال (كيعاسيب النحل) وأُمرائها التي تتبعها سائر النحل؛ واليعاسيب جمع يعسوب؛ واليعسوب: أمير النحل وسلطانه الذي إذا طار .. تبعته جماعته. والمعنى: أن كنوز الأرض تتبع الدجال؛ كما تتبع النحل أميرها، فشبه الدجال باليعسوب، والكنوز بالنحل. (ثم) بعدما ذكر من تبعية الكنوز له (يدعو) الدجال (رجلًا ممتلئًا) أي: مملوئًا (شبابًا) وقوةً (فيضربه) أي: فيضرب الدجال ذلك الرجل الشاب (بالسيف ضربةً فيقطعه) به حتى يصير ذلك الرجل الشاب (جزْلَتين) أي: قطعتين وفرقتين منفصلتين مثل (رَمْيَة الغَرض) أي: مثلَ قطعبما منفصلة من الغَرَض والهَدَف إذا رميت بالسهم؛ والغرض: هو الهدف الذي يرمى إليه؛

стр. 11588

ثُمَّ يَدْعُوهُ فَيُقْبِلُ يَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ يَضْحَكُ؛ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ === والرمية: مرة من الرمي؛ والمراد: أنه يفرق جسمه حتى يصير قطعتين بينهما مسافة بقدر رمية الغرض، وهذا المعنى هو الذي رجحه أكثر الشراح، ولكنه فيه بعد؛ كما قاله القرطبي. قال القرطبي: والأولى فتح الجيم في (جزلتين) مع سكون الزاي؛ لأن جزلتين هنا مُلَاقٍ في المعنى لِيَقْطَعه، فكأنه قطَعَهُ قِطعتَين، أو جَزلَه جَزْلَتين، وجَزْلَة مصدرٌ محدودٌ لجَزل جزلًا وجزلةً، ويجوز كسرها على أنه اسم؛ يعني: قسمه قطعتين وفرقتين. وقوله: (رَمْية الغرض) منصوب نصب المصدر؛ أي: كرمية الغرض في السرعة والإصابة. وقيل: المعنى: جعل بين القطعتين مثل رمية الغرض، وفيه بُعْدٌ، والأول أشبه. انتهى من "المفهم". (ثُمَّ) بعد قَتْلِه بالسيف (يدعوه) الدجالُ ويناديه (فيقبل) ذلك المقتول ويأتي إلى الدجال، حالةَ كونه (يتهلَّلُ) أي: يُضيء (وجههُ) مثل ضوء الهلال والقمر؛ أي: يُقبل إليه، حالة كونه (يضحك) والجملة حال ثانية من فاعل (يقبل) أي: يقبل إلى الدجال حالة كونه ضاحكًا بشاشًا. انتهى من "المرقاة". والمعنى: يصير حيًّا بعدما كان ميتًا، وقد ذكرنا أن كل ما يظهر على يدي الدجال من الخوارق استدراجٌ له (فبينما هو) أي: الدجال كائن (كذلك) أي: مُلْتَبِسٌ بذلك؛ من قتلهِ وإحيائه؛ أي: فبينما أوقات كون الدجال على ذلك المذكور من قتله وإحيائه، هذه روايات مسلم. وفي روايةِ ابن ماجه: (فبَيْنَما هُم كذلك) أي: الناسُ والدجالُ مشغولِون بما

стр. 11589

إِذْ بَعَثَ اللهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ، === هم فيه .. (إذ بعث الله) وأَرْسل إليه (عيسى ابن مريم فينزل) عيسى من السماء (عندَ المنارَة) - بفتح الميم - أي: عند المِئْذَنةِ (البيضاء) الكائنة تلك المنارة في (شرقي) مدينة (دمشق) اسم مدينة مشهورة بالشام، سميت باسم أول من بناها؛ وهو دمشق بن نمروذ عدو إبراهيم الخليل ﵇، وولده (دمشق) آمن بإبراهيم ﵇، وهاجر معه من العراق إلى الشام، وهو من صلحاء أتباع إبراهيم؛ كما بيناه في تفسيرنا "حدائق الروح والريحان" وفي أوائل "الكوكب الوهاج". و(إذ) هنا فجائية رابطة لجواب (بينما)، وقوله: (شرقي دمشق) بنصب (شرقي) على الظرفية وإضافته إلى دمشق؛ أي: فينزل عيسى عند المنارة البيضاء، حالة كون عيسى (بين مهرودتين) أي: لابسأ حلتين مصبوغتين بورس أو زعفران؛ والمهرودتان - بالدال المهملة ويعجم - أي؛ حالة كون عيسى بينهما؛ بمعنى: لابسهما. انتهى من "المرقاة"، والمهرود: الثوب الذي يصبغ بالورس ثم بالزعفران، قاله في "النهاية". قوله: "عند المنارة البيضاء " قال النووي: وهذه المنارة موجودة اليوم شرقي دمشق، وظاهر هذا أن عيسى ﵇ ينزل بدمشق، وهذا ما جزم به البرزنجي في كتاب "الإشاعة في أشراط الساعة" (ص ١٤٥). وقال السيوطي في "مصباح الزجاجة" (ص ٢٩٧): قال ابن كثير: هذا هو الأشهر في موضع نزول عيسى، وقد جددت هذه المنارة في زماننا، في سنة إحدى وأربعين وسبع مئة، من حجارة بيض، ولعل هذا؛ يكون من دلائل النبوة الظاهرة، فرضي الله تعالى بناء هذه المنارة؛ لينزل عليها عيسى ابن مريم.

стр. 11590

وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْن، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ .. قَطَرَ، وَإِذَا رَفَعَ .. يَتَحَدَّرُ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤ، === ثم قال الحافظ ابن كثير: وقد ورد في بعض الأحاديث أن عيسى ينزل بِبَيْتِ المقدس، وفي رواية بـ (الأُرْدُنِ) وفي رواية ب (معسكر المسلمين) فالله أعلم بمكان نزوله. قال السيوطي: وحديث نزوله ببيت المقدس مذكور عند ابن ماجه، وهو عندي أرجح، ولا ينافي سائر الروايات؛ لأن بيت المقدس هو شرقي دمشق، وهو معسكر المسلمين إذ ذاك. والأردن اسم الكورة؛ كما في "الصحاح"، وبيت المقدس داخل فيه، فاتفقت الروايات، فإن لم يكن في بيت المقدس الآن منارة بيضاء .. فلا بُدَّ من أن تُحدث قبل نزوله، وقد أحدثت، وما رجحه السيوطي من نزول عيسى ببيت المقدس هو ما رجحه أكثر العلماء، والله أعلم. قوله: "بين مهرودتين" على زنة مفعولتين، وروي بالذال المعجمة أيضًا؛ أي: ينزل في ثوبين مصبوغين بورس ثم بزعفران؛ كما تقدم آنفًا، فـ (بين) هنا بمعنى (في) الظرفية، وهذا كناية عن جمال ملبسه ﵇؛ أي: ينزل في مهرودتين حالة كونه (واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ) وخفض (رأسه .. قطر) أي: رأسه؛ أي: انصب من رأسه قطرات الماء (وإذا رفع) أي: رأسه .. (يتحدر منه) أي: تحدر من رأسه ونزل (جمان) أي: حبوب من الماء (كاللؤلؤ) أي: مثل جمان اللؤلؤ والفضة في صفائها ولمعانها؛ يعني: إذا خفض رأسه .. قطر منه ماء كثير، وإذا رفعه .. تحدر منه؛ أي: نزل منه ماء ببطئ وتأخر شيئًا فشيئًا شبيه بجمان اللؤلؤ وحبوبه في الصفاء واللمعان، وهذا كناية عن جمال ذات عيسى ﵇ وحسن خلقته مع جمال لباسه المذكور آنفًا.

стр. 11591

وَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ، فَيَنْطلِقُ حَتَّى يُدْرِكَهُ عِنْدَ بَابِ لُدٍّ فَيَقْتُلُهُ، === (ولا يحل) أي: لا يمكن ولا يقع (لكافر يجد ريح نفسه) أي: ريح نفس عيسى ﵇ بفتح النون والفاء - أي: فلا يمكن لكافر وجد ريح نفس عيسى ﵇ الحياة في حال من الأحوال (إلا مات) ذلك الكافر الذي شم ريح نفس عيسى ﵇ (ونفسه) أي: والحال أن نفس عيسى (ينتهي) ويصل (حيث ينتهي) ويصل (طرفه) - بسكون الراء - أي: بصره. وقال القرطبي: معناه: أن الكفار لا يقربونه، وإنما يهلكون عند رؤيته ووصول نفسه إليهم؛ حفظًا من الله تعالى له، وإظهارًا لكرامته (فينطلق) عيسى؛ أي: يطلب عيسى ﵇ الدجال ويتتبَّعه (حتى يدركه) أي: حتى يدرك عيسى الدجال (عند باب لد) - بضم اللام وتشديد الدال، وبصرفه - اسم جبل بالشام، وقيل: اسم قرية من قرى بيت المقدس، وقيل: اسم بلدة معروفة في فلسطين قريبة من بيت المقدس، ولحكومة إسرائيل فيها اليوم مطار. (فيقتله) أي: فيقتل عيسى الدجال، قال العلامة علي القاري في "المرقاة" (١٠/ ١٩٨): قوله: "فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه .. إلا مات" يجوز أن يكون الدجال مستثنىً من هذا الحُكْمِ؛ لحكمةِ إراءةِ دمه في الحرْبةِ؛ ليزداد كونُهُ ساحرًا في قلوب المؤمنين. ويحتمل كون هذه الكرامة لعيسى أولًا حين نزوله، ثم تكون زائلة حين يرى الدجال؛ إذ دوام الكرامة ليس بلازم، وقيل: النفس الذي يموت الكافر لأجله هو النفس المقصود به إهلاك الكافر، لا النفس المعتاد، فعدم موت الدجال؛ لعدم النفس المراد، وقيل: المفهوم منه: أن من وجد نفس عيسى من الكفار .. يموت، ولا يفهم منه: أن يكون ذلك أول وصول نفسه، فيجوز أن يحصل ذلك

стр. 11592

ثُمَّ يَأْتِي نَبِيَّ اللهِ عِيسَى قَوْمٌ قَدْ عَصَمَهُمُ اللهُ فَيَمْسَحُ وُجُوهَهُمْ وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ؛ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ .. إِذْ أَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: يَا عِيسَى؛ إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ === بهم بعد أن يريهم عيسى ﵇ دم الدجال في حربته؛ للحكمة المذكورة. ثم قال علي القاري رحمه الله تعالى: من الغريب أن نفس عيسى ﵇ تعلق به الإحياء لبعض، والإماتة لبعض؛ ومقصوده: أن عيسى ﵇ قد أوتي عند بعثته، معجزة إحياء الموتى بنفسه، وفي آخر حياته صار نفسه سببًا لموت الكفار. انتهى من "التكملة". (ثم يأتي نبي الله عيسى) ﵇ بالنصب على المفعولية - (قوم) - بالرفع على الفاعلية - أي: يأتيه قوم من المسلمين (قد عصمهم الله) تعالى أي: قد حفظهم الله منه من شر الدجال وفتنته (فيمسح) عيسى ابن مريم عن (وجوههم) أي: يمسح عن وجوه أولئك القوم؛ أي: يزيل عن وجوههم بمسحه عليها ما أصابها من غبار سفر الغزو ووعثائه؛ مبالغة في إكرامهم وفي اللطف بهم. وقيل: معناه: يكشف ما نزل بها من الخوف والمشقات والحزن والكآبة على وجوههم بما يسرهم من خبره بقتل الدجال، ويكون المعنى الأول حقيقيًّا، والثاني مجازيًّا. (ويحدثهم) عيسى؛ أي: يخبرهم (بدرجاتهم في الجنة، فبينما هم) أي: عيسى ومن معه (كذلك) أي: على ذلك من مسح وجوههم، وإخباره بدرجاتهم. وفي رواية: (فبينما هو) كائن كذلك من إخبار عيسى لهم ومسحه وجوهَهُم (إذ أوحى الله) تعالى (إليه: يا عيسى؛ إني قد أخرجت) أي: أوحى إليه بأني

стр. 11593

عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ، فَأَحْرِزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ، === قد أخرجت (عبادًا لي) من مقرهم ووطنهم (لا يدان) أي: لا طاقة (لأحد) من الناس ولا قدرة (بقتالهم) أي: على قتال أولئك العباد؛ واليدان: كناية عن القوة؛ لأنهما مظهر القوة، قال الأبي: وعبر عنها باليد؛ لأن الدفاع لا يكون إلا بها، وثنيت مبالغة، كأن يديه معدومتان للعجز عن دفعهم. وإعرابه: (يدان): مثنى اللفظ مفرد المعنى في محل النصب اسم (لا)، مبني على فتح مقدر، منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة الحكاية، وخبر (لا) الجارُّ والمجرورُ المذكورُ بعده؛ تقديره: لا قُوَّةَ ولا طاقة لأحدٍ على قتالهم. وقوله: (أخرجت عبادًا لي) أي: أظهرت جماعة منقادة لقضائي وقدري؛ والمراد بهم: يأجوج ومأجوج، والمعهود في الكتاب والسنة جميعًا أنه إذا قصد بالعباد الكفار والطغاة .. أضيفوا إلى الله بوإسطة اللام؛ كما في قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ (١). وأما إن أريد بهم: المسلمون والصلحاء .. أضيفوا إلى الله تعالى بلا واسطة؛ كقوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ (٢)، وكقوله هنا: (فأحرز عبادي) المؤمنين؛ أي: فاجمعهم (إلى الطور) أي: إلى جبل الطور، فأُضيفوا إلى الله بدون واسطة اللام، والطور: جبل معروف بالشام. وقوله: (فحرز) - بتشديد الراء - من التحريز، مأخوذ من الحرز، والمراد بالعباد هنا: المسلمون؛ أي: ضمهم إليه، واجعله حرزًا لهم، يقال: أحرزت الشيء أحرزه إحرازًا؛ إذا حفظته وضممته إليك وصنته عن الأخذ؛ أي: ارتحل

стр. 11594

وَيَبْعَثُ اللهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ كَمَا قَالَ اللهُ: ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ الطَّبَرِيَّة، فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا، ثُمَّ يَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ: === بهم إلى جبل يحْرزون فيه أنفسهم؛ والطور: الجبل في السريانية، فيعم كل جبل، ويحتمل أن يكون ذلك هو طور سيناء. (ويبعث الله) إليهم؛ أي: يرسل سبحانه (يأجوج ومأجوج) من مقرهم؛ وهو ما وراء سد ذي القرنين (على الناس) أي: على أهل الأرض مشارقها ومغاربها، جنوبها وشمالها؛ (وهم كما قال الله) تعالى: أي: والحال أن يأجوج ومأجوج ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ﴾ أي: إلى كل حدب ومكان مرتفع (﴿يَنْسِلُونَ﴾) (١)؛ أي: يسرعون، وقد تقدم القول على يأجوج ومأجوج في أول كتاب الفتن، فراجعه. والحدب - بفتحتين -: المكان المرتفع من الآكام والكَدَاء؛ وينسلون: من النسلان؛ وهي مقاربة الخطا مع الإسراع؛ كمشي الذئب إذا بادر، قاله القُتْبِيُّ، وقال الزجاج: ينسلون؛ أي: يسرعون. (فيمر أوائلهم) أي: أوائل يأجوج ومأجوج (على بحيرة الطبرية) والبحيرة: تصغير بحرةٍ؛ وبُحيرة طَبَريَّةَ - بفتح الطاء والباء -: بحيرة من أعمال الأردن في طرف الغور، وفي طرف جبل، وجبلُ الطور مُطِلٌّ عليها، وتُطِلُّ على هذه البحيرة مدينة طبرية، وهي التي ينسب إليها الإمام الطبراني صاحب "المعاجم الثلاثة" كما مر في أوائل هذا الحديث. (فيشربون ما فيها) من الماء؛ أي: ما في البحيرة من الماء حتى يُنَشِّفونَها (ثم يمر آخرهم) أي: آخر يأجوج ومأجوج على موضع البحيرة (فيقولون)

стр. 11595

لَقَدْ كَانَ فِي هَذَا مَاءٌ مَرَّةً، وَيُحْصَرُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصحَابُهُ، حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لِأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِئَةِ دِينَارٍ لِأَحَدِكُمُ الْيَوْمَ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى الله، فَيُرْسِلُ اللهُ عَلَيْهِمُ === أي: يقول الآخر بعضهم لبعض: والله (لقد كان في هذا ماء مرة) أي: مرة من المرَّات والدهور؛ أي: زمنًا من الأزمان فأين هو الآن؟ يعني: أن أوائلهم يشربون ماء البحيرة كله حتى لا يبقى للماء فيها إلا آثار، فيمر عليها أواخرهم فيدركون بهذه الآثار أنه كان فيها ماء أولًا. (ويحصر) - بالبناء للمفعول - أي: يحبس (نبي الله عيسى) ﵇ (وأصحابه) من المؤمنين؛ أي: يبقون محصورين على جبل الطور بلا طعام ولا شراب حتى يشتد عليهم الجوع (حتى يكون رأس الثور لأحدهم) أي: رأس الثور الذي لا يؤكل غالبًا (خيرًا) لأحدهم وأحب عنده (من مئة دينار) كائن (لأحدكم اليوم) لفقدان ما يأكلونه عندهم. يعني: أنهم تشتد بهم الفاقة والمجاعة إلى حد نفاد أغذيتهم وطعامهم، وهم محاصرون بيأجوج ومأجوج، حتى لا يوجد رأس الثور عندهم - وهو فحل البقر - إلا بمئة دينار، وهذا مع كمال رخص البقر في تلك الديار الشامية، ومع أن رأس الثور لا يرغب فيه الناس رغبتهم في لحم باقي أعضاء البقر. قال القاضي: لعل ذلك لما ينالهم من الحاجة إلى ما يأكلون وهم لا يَحْرثُونَ؛ لشِدَّةِ حَصْرِهم، قال الأبي: وإنما ذكر الرأس؛ ليقاس عليه البقية في القيمة. (فيرغب) أي: يتضرع إلى الله تعالى ويدعوه (نبي الله عيسى) ﵇ (وأصحابه) المؤمنون؛ أي: يتضرعون إليه تعالى ويدعونه الفرج من هذه المحاصرة والمجاعة، والرغبة هنا بمعنى الدعاء. وزاد في بعض الروايات: (إلى الله) تعالى (فيرسل الله) تعالى (عليهم)

стр. 11596

النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسِ وَاحِدَةٍ، وَيَهْبِطُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ فَلَا يَجِدُونَ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلَّا قَدْ مَلَأَهُ زَهَمُهُمْ وَنَتْنُهُمْ وَدِمَاؤُهُمْ، === أي: على يأجوج وماجوج؛ أي: يسلط الله عليهم وينزل بهم (النغف) - بفتحتين - جمع نغفة؛ وهي دود يكون في أنوف الإبل والغنم (في رقابهم) وأعناقهم. وهذا استجابة لدعاء عيسى وأصحابه ﵇ (فيصبحون) أي: يصبح يأجوج ومأجوج، أي: يكونون في صباح تلك الليلة التي دعوا عليهم (فرسى) أي: هلكى موتى دفعة واحدة (كموت نفس واحدة). وقوله: "فرسى" كهلكى وزنًا ومعنىً، وهو جمع فريس؛ كقتلى وقتيل، مأخوذ مِن فرس الذئبُ الشاةَ؛ إذا كسرها وقتَلَها، ومنه: فَرِيسَةُ الأسَد، وقوله: "كموت نفس واحدة" أي: يهلكون جميعًا دفعةً واحدة. قال التوربشتي رحمه الله تعالى: يعني: أن القهر الإلهي الغالب على كل شيء يفرسهم دفعة واحدة، فيصبحون قتلى. وقد نبه بالكلمتين؛ أعني: (النغف) و (فرسى) على أنه سبحانه يهلكهم في أدنى ساعة بأهون شيء؛ وهو النغف، فيفرسهم فرس السبع فريسته بعد أن طارَت نُعْرةُ البغي في رؤوسهم، فزعموا أنهم قاتلوا مَنْ في السماء. انتهى من "المرقاة". (و) بعد هلاك يأجوج ومأجوج (يَهْبِط) ويَنْزِل (نبي الله عيسى وأصحابه) المسلمون من جبل الطور إلى الأرض، (فلا يجدون) في الأرض (موضعَ شِبر) أي: قَدْرَ شِبر .. (إلا قد ملأه زَهَمُهم) - بفتحتين - أي: دَسَمُهم (ونَتنهم) أي: عفُونتهم، وهو عطف تفسير لما قبله (ودماؤهُم). والزَّهمُ - بفتح الزاي والهاء - النتَنُ والدُّسومةُ، يقال: زَهِمَت يَدي - بكسر

стр. 11597

فَيَرْغَبُونَ إِلَى اللهِ ، فَيُرْسِلُ اللهُ عَلَيْهِمْ طَيْرًا كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللهُ مَطَرًا لَا يَكُنُّ === الهاء - من باب فرح؛ أي: دسمت، ثم استعيرت الكلمة للنتن؛ لأن الدسومة تُنْتِنُ بعد قليل. وذ كر التوربشتي أن الزهم - بفتحتين - معناه: الدسومة؛ والزهم - بضم الزاي وسكون الهاء -: الريح المنتنة، وذكر في "القاموس": أن الزهمة: رِيحُ لحمٍ سَمينٍ. (فيرغبون) أي: يتضرع نبي الله عيسى ﵇ وأصحابه (إلى الله ويدعونه تصفية الأرض من نتنهم، وفي بعض الرواية: (فيرغبون إلى الله تعالى) أي: يتضرع نبي الله عيسى وأصحابه؛ أي: يدعون الله تضرعًا وخفية تصفية الأرض من جِيَفِهم (فيُرسل الله) تعالى (عليهم) أي: على موتى يأجوج ومأجوج (طيرًا) طوال الأعناق وغلاظها؛ أعناقها (كلأعناق البخت) والإبل؛ أي: كطول أعناق الإبل؛ والبُخْتُ - بضم الباء الموحدة وسكون المعجمة -: نوعٌ من الإبل غلاظُ الأعناق، عظام الأسنام، قاله القرطبي، وقال في اللسان: البُخْتُ والبُخْتِيَّةُ: دَخِيل في العربية، أعجمي معرب؛ وهي الإبل الخُراسانيةُ، تُنتج مِن عربية وفالج، وهي جمال طوال الأعناق. انتهى. (فتحملهم) أي: فتحمل تلك الطيورُ الغِلاظُ موتى يأجوج ومأجوج (فتطرحُهم حيثُ شاء الله) تعالى؛ أي: في مكان شاء الله طَرْحَهم فيه، مما لا يعلمه أحدٌ إلا الله تعالى (ثم) بعد نَقْلِ الطيور موتاهم (يرسل الله) عليهم؛ أي: على أهل الأرض؛ أي: يُنزل الله (مطرًا) شديدًا (لا يَكُنُّ) أي: لا يَسْتُر منه، وهو بضم الكاف وتشديد النون؛ من باب شَدَّ، وهو من كَنَنْتُ الشيءَ؛ إذا سترْتُه وصُنْتُه من الشمس، وهو بمعنى أَكْنَنْتُ الرباعي؛ إذا ستَرْتَه؛

стр. 11598

مِنْهُ بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ فَيَغْسِلُهُ حَتَّى يَتْرُكَهُ كَالزَّلَقَة، ثُمَّ يُقَالُ لِلْأَرْضِ: أَنْبِتِي ثَمَرَتَكِ وَرُدِّي بَرَكَتَك، === والمفعول محذوف، والجملةُ الفعلية صفة لمطر؛ أي: يُرسل الله مطرًا شديدًا لا يسترُ ولا يحجزُ (منه) أي: من ذلك المطر، لكثرتِه (بيت) مبنيٌّ من (مَدَر) أي: من طين مُتحجِّر (ولا) بيتٌ ممدود من (وبر) أي: من نسيج شعر إبل. والمراد: أن هذا المطر يُصيب كُلَّ شيء، سواء كان ذلك الشيء تحتَ سقف البيت أم لا؛ لأن الماء؛ لكثرتِه يتقَاطَرُ مِن سقف البيت أيضًا؛ لشدته. قوله: (بيتُ مدر ولا وبرٍ) مرفوع على الفاعلية لـ (يَكُنُّ) والمدر - بفتحتين -: التراب المتحجر؛ كما مَرَّ آنفًا؛ والمراد به هنا: البيوت المحكمة المبنية من الأحجار والطوب واللبن؛ كبيوت المدن والقرى. والوبر - بفتح الواو وسكون الموحدة -: صوف الإبل؛ والمراد هنا: البيوت المبنية من وبر الإبل وصوف الغنم وشعر البقر؛ يعني: غير المحكمة؛ كبيوت أهل الريف والمواشي. (فيغسله) ذلك المطر الأرض كلها شرقًا وغربًا؛ أي: يَنْزفُهَا من آثارِ جيفِ يأجوج ومأجوج (حتى يتركه) أي: حتى يترك الأرض ويصيرها (كالزلقة) - بفتح الزاي واللام والقاف - أي: كالمرآة في صفائِها ونقائها. وقيل: معناه: حتى يُصيِّرها كالمَصْنعِ الذي يجتمعُ فيه الماء المملوءِ ماءً، وقيل: كالإجّانة الخضراء، وقيل: كالروضة. ويروى (كالزلفة) بالفاء بدل القاف، ومعناهما واحد. (ثم) بعد إنزال الماء وصفاء الأرض (يقال للأرض) من جهة الله تعالى: (أَنْبِتي) يا أرضُ (ثمرتك) وحبوبَك؛ أي: أخرجي أشجارك وثمارك، فتنبت ثمرتها (وردي بركتك) أي: خيراتك من الثمار والحبوب والأعشاب والمياه

стр. 11599

فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ الْعِصابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ فَتُشْبِعُهُمْ، وَيَسْتَظِلُّونَ بقِحْفِهَا، وَيُبَارِكُ اللهُ فِي الرِّسْلِ؛ حَتَّى إِنَّ اللِّقْحَةَ مِنَ الْإِبِلِ تَكْفِي الْفِئَامَ مِنَ النَّاس، === (فيومئذ) أي: فيومَ إذْ أُمرت الأرضُ بإخراج خيراتِها فأخرجَتْها؛ وهو أيامُ نزول عيسى ﵇ (تأكل العصابة) أي: الجماعة من الناس؛ أي: فيوم إذ نزَلَ عيسى ﵇ في الأرض تأكلُ الجماعةُ من الناس (من الرمانةِ) أي: من الحبة الواحدة من الرمان (فتشبعهم)؛ أي: يَشْبَعُون منها لِكِبرها؛ وذلك من بركة الأرض (ويَستظلُّون) أي: تستظل العصابةُ من حر الشمس (بقِحْفِها) أي: بقَحْفِ تلك الرمانةِ وقِشْرِها الذي أكلوا منه. والقِحْفُ - بكسر القاف وسكون الحاء المهملة في الأصل -: عظم مستدير فوق دماغ الإنسان، واستعير لما يلي رأس الرمانة من القشر، وقيل: ما انفلق من جمجمة الدماغ وانفصل؛ والجمجمة: هي العظم المحتوي على الدماغ؛ والمراد: أن الرمانة تكون كبيرة، بحيث تستظل بقشرها العصابة. (ويبارك الله) (في الرِّسْلِ) أي: في اللبن - وهو بكسر الراء وسكون السين - أي: ينزل الله فيه البركة؛ وهي كثرة الخير معنىً لا حسًّا. (حتى إِن اللِّقْحة من الإبل) واللقْحةُ - بكسر اللام وفتحها مع سكون القاف فيهما لغتان مشهورتان، والكسر أشهر -: هي الناقةُ القريبةُ العهد بالولادة، وجمعها لُقَح؛ كبركة وبُرك؛ واللقوح: ذات اللبن، وجمعها لقاح؛ أي: حتى إن لبن اللقحة من الإبل لـ (تكفي الفئام) أي: الجماعة (من الناس) وهمزة (إن) في قوله: (حتى إن اللقحة) مكسورة؛ بدليل ذكر اللام الفارقة بعدها في غير هذه الرواية، و (حتى) ابتدائية، وفتحها في تشكيل أغلب النسخ غلط ممن لا يعرف العربية؛ والفئام - بكسر الفاء، على وزن رجال -: الجماعة، ولا واحد له من لفظه؛ والمراد: أن لبن الناقة الواحدة

стр. 11600

وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْبَقَرِ تَكْفِي الْقَبِيلَةَ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْغَنَمِ تَكْفِي الْفَخِذَ؛ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذلِكَ .. إِذْ بَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمْ رِيحا طَيِّبَةَ فَتَأْخُذُ تَحْتَ آبَاطِهِمْ، فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُسْلِمٍ، === يكفي الجماعة من الناس؛ والمراد من الفئام هنا: جماعة أكثر من القبيلة. (واللقحةَ من البقر) لـ (تكفي القبيلةَ) من الناس؛ والقبيلة: أكثر من الفخذ وأقل من الفئام (واللقحة من الغنم) لـ (تكفي الفخذَ) من الناس، قال أهل اللغة: الفخذ: الجماعة من الأقارب، وهم دون البطن؛ والبطن: دون القبيلة. انتهى "نووي". قال الزبير بن بكار: العرب على ست طبقات: شعب، وقبيلة، وعمارة، وبطن، وفخذ، وفصيلة. وما بينهما من الآباء .. فإنما يعرفها أهلها، وسميت بالشعوب؛ لأن القبائل تتشعب منها، وسميت القبائل بذلك؛ لأن العمائر تقابلت عليها، فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمائر تجمع البطون، والبطون تجمع الأفخاذ. قال ابن فارس: لا يقال في (فخْذ) النسب إلا بسكون الخاء، بخلاف الجارحة، تلك يقال فيها: بكسر الخاء وسكونها، وبكسر الفاء أيضًا. انتهى من "المفهم". (فبينما هم) أي: الناس كائنون (كذلك) أي: مبسوطون عليهم من بركات الأرض .. (إذ بعث الله عليهم ريحًا طيبة) و (إذ) فجائية رابطة لجواب (بينما) أي: بينما أوقات كونهم مبسوطين عليهم .. فاجأهم بعث الله تعالى عليهم ريحًا طيبة؛ أي: لينةً (فتأخذ) تلك الريح بألم يظهر (تحت آباطهم) جمع إبط؛ وهو ما تحت مجتمع الكتف والعضد (فَتقْبضُ روحَ كل مسلم) ومسلمة.

стр. 11601

وَيَبْقَى سَائِرُ النَّاسِ يَتَهَارَجُونَ كَمَا تَتَهَارَجُ الْحُمُرُ، فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ". === قال النووي: هكذا هو في جميع نسخ "روح كل مؤمن وكل مسلم": (وكل مسلم) بالواو المفيدة للجمع، والصواب أن يقال: (أو كل مسلم)، (أو) المفيدة للشك. (ويبقى) على الأرض (سائر الناس) أي: خبائثهم ورذائلهم ممن لا مروءة له ولا حياء له؛ وهم الكفار، حالة كونهم (يتهارجون) أي: يتجامعون فيها أي: في الأرض؛ أو تلك الأزمنة تهارجًا (كلما تتهارج الحمر) في الشوارع وبحضرة الناس؛ والحمر - بضمتين - جمع حمار؛ وهو ذكر الأتان؛ أي: يجامع الرجال النساء بحضرة الناس؛ كما يفعل الحمير ولا يكترثون لذلك. من الهرج - بسكون الراء - وهو الجماع، يقال: هرج زوجته؛ إذا جامعها، يهرجها - بتثليث الراء - وفسره بعضهم: بأن المراد من التهارج هنا: التخاصم؛ فإن الأصل في الهرج: القتل وسرعة عدو الفرس، وهرج في حديثه؛ أي: خلط. انتهى من "المرقاة". (فعليهم) أي: فعلى هؤلاء الشرار (تقوم الساعة) وينفخ الصور. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال وصفته، وأبو داوود في كتاب الملاحم، باب خروج الدجال، والترمذي في كتاب الفتن، باب ما جاء في فتنة الدجال، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث حذيفة، والله أعلم. * * * ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث النواس بن سمعان رضي الله تعالى عنهما، فقال:

стр. 11602

(١٠٩) - ٤٠١٩ - (م) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ الطَّائيِّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّوَّاسَ بْنَ سَمْعَانَ === (١٠٩) - ٤٠١٩ - (م) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ خطيب، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم). (حدثنا يحيى بن حمزة) بن واقد الحضرمي أبو عبد الرحمن الدمشقي القاضي، ثقة، من الثامنة، مات سنة ثلاث وثمانين ومئة (١٨٣ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثنا) عبد الرحمن بن يزيد (بن جابر) الشامي الأزدي الداراني، ثقة، من السابعة، مات سنة بضع وخمسين ومئة (١٥٣ هـ). يروي عنه: (ع). (عن يحيى بن جابر) بن حسان (الطائي) أَبِي عمرو الحمصي القاضي، ثقة، من السادسة، وأرسل كثيرًا، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (م عم). (حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير) الحضرمي الحمصي، ثقة، من الرابعة، مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ). يروي عنه: (م عم). (عن أبيه) جبير بن نفير بن مالك بن عامر الحضرمي الحمصي، ثقة، من الثانية، مخضرم، مات سنة ثمانين (٨٠ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (م عم). (أنه) أي: أن جبير بن نفير (سمع النواس بن سمعان) رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات،

стр. 11603

يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سَيُوقِدُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ قِسِيِّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَنُشَّابِهِمْ وَأَتْرِسَتِهِمْ سَبْعَ سِنِينَ". (١١٠) - ٤٠٢٠ - (٦) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، === غرضه: بيان متابعة يحيى بن جابر الطائي لعبد الرحمن بن يزيد بن جابر في رواية هذا الحديث عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير. أي: سمع جبير بن نفير النواس بن سمعان حالة كون النواس (يقول: قال رسول الله ﷺ ... ) الحديث السابق المذكور قبل هذا الحديث، ولكن زاد يحيى الطائي في الحديث على عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قوله ﷺ : (سيوقد المسلمون) في المطابخ والتنانير وفي مصانع الحدادين حطبًا (من قسي يأجوج ومأجوج و) من (نشابهم وأترستهم سبع سنين) ظرف للإيقاد بعد هلاك يأجوج ومأجوج، يعني: من أخشاب هذه الآلات. والقسي - بكسر القاف وتشديد الياء - جمع قوس؛ والنشاب - بضم النون وتشديد الشين -: سهام العرب، والأترسة جمع ترس؛ وهو الدرقة. ودرجة هذه المتابعة: الصحة، لصحة سندها كأصلها، والغرض بسوقها: بيان المتابعة مع بيان هذه الزيادة المذكورة. * * * ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث حذيفة بن اليمان بحديث أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنهم، فقال: (١١٠) - ٤٠٢٠ - (٦) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).

стр. 11604

حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَافِعٍ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ السَّيْبَانِيِّ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ === (حدثنا عبد الرحمن) بن محمد بن زياد (المحاربي) أبو محمد الكوفي، لا بأس به، وكان يدلس، قاله أحمد، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع)، وقال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال ابن سعد: ثقة كثير الغلط، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: هو صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات". (عن إسماعيل بن رافع أبي رافع) عويمر الأنصاري المدني القاضي نزيل البصرة، يكنى أبا رافع، ضعيف الحفظ، من السابعة، مات في حدود الخمسين ومئة (١٥٠ هـ). يروي عنه: (ت ق). قال أبو حاتم: منكر الحديث، وقال الترمذي: ضعفه بعض أهل العلم، وسمعت محمدًا يقول: هو ثقة مقارب الحديث، وقال الساجي: صدوق يهم في الحديث، وقال ابن حبان: كان رجلًا صالحًا إلا أنه يقلب الأخبار، وبالجملة: فهو مختلف فيه، فلا يرد السند. (عن أبي زرعة السَّيْبَاني) - بفتح المهملة وسكون التحتانية بعدها موحدة - الحمصي (يحيى بن أبي عمرو) ثقة، من السادسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة، أو بعدها. يروي عنه: (عم). ولكن روايته عن الصحابة مرسلة. (عن أبي أمامة الباهلي) صدي بن عجلان الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، سكن الشام ومات بها سنة ست وثمانين (٨٦ هـ). يروي عنه: (ع). وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه المحاربي، وهو مختلف فيه، وإسماعيل بن رافع مختلف فيه أيضًا، وأبو زرعة السيباني روايته عن الصحابة مرسلة.

стр. 11605

قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَكَانَ أَكْثَرُ خُطْبَتِهِ حَدِيثًا حَدَّثَنَاهُ عَنِ الدَّجَّالِ وَحَذَّرَنَاهُ، فَكَانَ مِنْ قَوْلِهِ أَنْ قَالَ: "إِنَّهُ لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ مُنْذُ ذَرَأَ اللهُ ذُرِّيَّةَ آدَمَ أَعْظَمُ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّال، وَإنَّ اللهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا إِلَّا حَذَّرَ أُمَّتَهُ الدَّجَّالَ، وَأَنَا آخِرُ الْأَنْبِيَاء، وَأَنْتُمْ آخِرُ الْأُمَمِ؛ وَهُوَ خَارِجٌ فِيكُمْ لَا مَحَالَةَ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْكُمْ .. فَأَنَا حَجِيجٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، وَإِنْ يَخْرُجْ مِنْ بَعْدِي === (قال) أبو أمامة: (خطبنا رسول الله ﷺ أي: ذكَّرنا يومًا بالترغيب والترهيب (فكان أكثر خطبته) تلك (حديثًا حدثناه عن) خروج (الدجال) في آخر الزمان (وحذرناه) أي: أمرنا في ذلك الحديث بالتحذُّر والاجتناب عن الإيمان به وامتثاله فيما يأمر به (فكان من قوله) ﷺ في بيان صفته وشؤونه (أن قال) ﷺ : (إنه) أي: إن الشأن والحال (لم تكن) أي: لم توجد (فتنة في الأرض منذ) أن (ذرأ الله) أي خلق الله (ذرية آدم أعظمُ) بالرفع، صفة لـ (فتنة) وكان تامة؛ كما أشرنا إليه؛ أي: لم تكن فتنة أشد على بني آدم (من فتنة الدجال) بعد أن خلق الله ذرية آدم. (وإن الله) (لم يبعث نبيًّا) من الأنبياء .. (إلا حذر أمته الدجالَ) أي: إلا أمر الله ذلك النبي بأن يُحذِّر ويُخوِّف أمته من الدجال وفتنته (وأنا آخر الأنبياء) والمرسلين (وأنتم) أيتها الأمة المحمدية (آخر الأمم) إيجادًا (وهو) أي: الدجال (خارج فيكم) أي: ظاهر (لا محالة) ولا شك في ذلك؛ لأنه من أشراط الساعة (وإن يخرج) الدجال من محبسه (و) الحال (أنا) حي (بين ظهرانيكم) أي: في وسطكم .. (فأنا حجيج) أي: مخاصم ودافع (لـ) ـه عن (كل مسلم، وإن يخرج) من محبسه (من بعدي) أي: من بعد وفاتي وارتحالي

стр. 11606

فَكُلُّ امْرِئٍ حَجِيجُ نَفْسِه، وَاللهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، وَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ خَلَّةٍ بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاق، فَيَعِيثُ يَمِينًا وَيَعِيثُ شِمَالًا، يَا عِبَادَ اللهِ؛ فَاثْبُتُوا؛ === إلى دار الآخرة .. (فكل امرئ) وامرأة (حجيج) ومدافع له عن (نفسه، والله) (خليفتي) ووكيلي (على كل مسلم) في رعايته عن شره وفتنته (وإنه) أي: وإن الدجال (يخرج) ويظهر (من خلة) أي: في خلة ومفرج (بين) حدود (الشام والعراق). قوله: "من خلة" - بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام - كما تقدم في الحديث السابق؛ وهو في الأصل: الطريق في الرمل، ثم أطلق على الطريق مطلقًا؛ أي: سواء كان في الرمل أم لا، و (من) فيه بمعنى: (في) الظرفية؛ أي: ينزل في طريق فاصل بين طرفي الشام والعراق وحدودهما. ورواه بعضهم بلفظ (حله) - بضم الحاء المهملة وبهاء الضمير - أي: من دون (من) قبله بالرفع على الابتداء، وخبره الظرف المذكور بعد، والجملة الاسمية في محل النصب على الحالية من فاعل (يخرج) أي: يخرج حالة كون نزوله بمنزل بين البلدين. قوله: (فيعيث) هو مضارع؛ من عاث يعيث عيثًا؛ من باب هاب يهيب، فهو من الأجوف اليائي؛ بمعنى: أفسد إفسادًا وأشد الفساد مسرعًا فيه. والمعنى: فيعيث؛ أي: فيفسد فيمن كان (يمينًا) عن منزله ذلك؛ بدعوتهم إلى الإشراك (ويعيث) أي: يفسد فيمن كان (شمالًا) عن منزله ذلك بدعوتهم إلى الاعتراف بألوهيته. وهذا الوجه الأخير أصح وأرجح في تفسير قوله: (خلة). (يا عباد الله؛ فاثبتوا) واستمروا على دينكم دين الإسلام والتوحيد ولا تزلزلوا عنه. قال القاري: معناه: أيها المؤمنون الموجودون في ذلك الزمان، أو أنتم

стр. 11607

فَإِنِّي سَأَصِفُهُ لَكُمْ صِفَةً لَمْ يَصِفْهَا إِيَّاهُ نَبِيٌّ قَبْلِي، إِنَّهُ يَبْدَأُ فَيَقُولُ: أَنَا نَبِيٌّ وَلَا نَبِيَّ بَعْدِي، ثُمَّ يُثَنِّي فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، وَلَا تَرَوْنَ رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا، وَإِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، === أيها المخاطبون على فرض أنكم تدركون ذلك الزمن؛ فاثبتوا على دينكم وإن عاقبكم. (فإني سأصفه) أي: سأذكر (لكم) وصف الدجال بي (صفة لم يصفها إياه) أي: الدجال؛ أي: لم يذكر تلك الصفة فيه؛ أي: في الدجال (نبي) واحد من الأنبياء الذين مضوا (قبلي) وذلك الوصف الذي ذكرته لكم في الدجال هو قولي: (إنه) أي إن الدجال (يبدأ) أي: يشرع في الكلام مع الناس (فيقول) تفسير لما قبله؛ أي: يشرع في الكلام مع الناس، فيقول في بدايته: (أنا نبي، و) الحال أنه (لا نبي بعدي) وأنا خاتم النبيين، آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة (ثم يثني) أي: يذكر الدجال كلامًا ثانيًا: (فيقول) للناس: (أنا ربكم) أي: معبودكم ومالككم الذي ظهر لكم الآن (و) الحال أنكم أيها الناس (لا ترون ربكم) وأنتم في الدنيا (حتى تموتوا) وتبعثوا من قبوركم وتحشروا في عرصات القيامة. ويقول أيضًا للناس: أنا ربكم (و) الحال (إنه أعور) أي: فاقد العين اليمنى (وإن ربكم ليس بأعور) لأنه منزه عن كل النقائص، والناقص في نفسه لا يقدر أن يخلق كاملًا، لأنه لو قدر .. لكمل نفسه، ولكن ليس برب قادر على الخلق، بل عبد مسيء أدب سيده، قال الطيبي في "شرح المشكاة": هذا الخطاب وما قبله من الخطاب السابق، من قوله: (يا عباد الله، فاثبتوا ... ) إلى هنا .. من الخطاب العام، أراد به: من يدرك الدجال من أمته. ثم قيل: هذا القول منه ﷺ استمالة لقلوب أمته، وتثبيتهم

стр. 11608

وَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: (كَافِرٌ) يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ كَاتِبٍ أَوْ غَيْرِ كَاتِبٍ، وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنَّ مَعَهُ جَنَّة وَنَارًا؛ فَنَارُهُ جَنَّةٌ، وَجَنَّتُهُ نَارٌ؛ فَمَنِ ابْتُلِيَ بِنَارِهِ .. فَلْيَسْتَغِثْ بِاللهِ وَلْيَقْرَأْ فَوَاتِحَ (الْكَهْفِ) فَتَكُونَ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا كَمَا كَانَتِ النَّارُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يَقُولَ لِأَعْرَابِيٍّ: أَرَأَيْتَ إِنْ بَعَثْتُ أَبَاكَ وَأُمَّكَ === على ما يعاينونه من فتنة الدجال وشره، وتوطينهم على ما هم عليه من الإيمان بالله تعالى واعتقاده وتصديق ما جاء به الرسول ﷺ . (وإنه) أي: وإن الشأن والحال (مكتوب بين عينيه) أي: بين عيني الدجال: (كافر؛ يقرؤه) أي: يقرأ ذلك المكتوب (كل مؤمن) سواء كان من (كاتب) أي: عارف بالكتابة (أو) من (غير كاتب) أي: غير عارف بالكتابة. (وإن من فتنته) أي: من فتنة الدجال التي يفتن بها الناس (أن معه) أي: مع الدجال (جنة) يدخلها من آمن به (ونارًا) يدخلها من كذبه (فناره) أي: فنار الدجال التي يدخلها من كذبه (جنة) أي: ماء بارد، ونعمة لذيذة من كذبه وأدخلها (وجنته) التي يدخلها من صدقه وآمن به (نار) مسعرة موقدة على من أدخلها؛ لتصديقه إياه (فمن ابتلي بـ) إدخال (ناره) لتكذيبه إياه .. (فليستغث) أي: فليلجأ (بالله) بالدعاء؛ أي: فليطلب الإغاثة من الله (وليقرأ) العشر الآيات التي هي من (فواتح) سورة (الكهف، فتكون) تلك النار (عليه) أي: على ذلك القارئ (بردًا) أي: باردة (وسلامًا) أي: برودة ذات سلامة لا تضره ببرودتها (كما كانت النار على إبراهيم) ﵇ كذلك؛ أي: باردة برودة ذات سلامة من ضرر النار التي ألقاه فيها نمروذ اللعين. (وإن من فتنته) أي: من فتنة الدجال (أن يقول) الدجال (لأعرابي) من أعراب المدينة: (أرأيت) أي: أخبرني (إن بعثت) وأحييت لك (أباك وأمك،

стр. 11609

أَتَشْهَدُ أَنِّي رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَتَمَثَّلُ لَهُ شَيْطَانَانِ فِي صُورَةِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَقُولَانِ: يَا بُنَيَّ؛ اتَّبِعْهُ؛ فَإِنَّهُ رَبُّكَ، وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يُسَلَّطَ عَلَى نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَيَقْتُلَهَا وَيَنْشُرَهَا بالْمِنْشَارِ حَتَّى يُلْقَى شِقَّتَيْن، ثُمَّ يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا؛ فَإِنِّي أَبْعَثُهُ الْآنَ، ثُمَّ يَزْعُمُ أَنَّ لَهُ رَبًّا غَيْرِي، === أتشهد) أي: هل تقر لي (أني) أنا (ربك) أي: إلهك الذي يستحق منك العبادة؟ (فيقول) الأعرابي: (نعم) أقر لك بربوبيتك (فيتمثل) أي: يتصور (له) أي: للأعرابي (شيطانان) ذكر وأنثى (في صورة أبيه وأمه، فيقولان) أي: الشيطانان (يا بني) أي: للأعرابي (اتبعه) أي: اتبع الدجال وأطعه فيما يأمرك به (فإنه) أي: فإن الدجال (ربك) ومعبودك الذي يستحق منك العبادة، فيؤمن الأعرابي به؛ طاعةً للشيطانين اللذين تمثلا على صورتي والديه. (وإن من فتنته) أي: من فتنة الدجال وشره (أن يسلط) - بالبناء للمفعول - أي: أن يسلطه الله (على نفس واحدة) أي: أن يمكن الله له من قتل نفس واحدة؛ أي: معتقدة بوحدانية الله تعالى حية؛ لأنه لا تأثير له بنفسه إلا بإذن الله (فيقتلها) أي: فيقتل تلك النفسَ الواحدةَ؛ أي: المُوحِّدةَ بإذن الله سبحانه (وينشُرها) أي: ويشقُّ الدجالُ تلك النفس التي أذن الله له في قَتْلِها (بالمنشار) اسمُ آلة لقطعِ الأَخشاب وشَقِّها؛ أي: يَشُقُّ ذلك المقتولَ (حتى يُلْقَى) - بالبناء للمفعول - أي: حتى يُرْمَى ذلك المقتولُ (شِقَّتينِ) - بكسر الشين المعجمة وتشديدِ القافِ المفتوحة - على صيغةِ التثنية؛ أي: حتى يُرْمى فرقتين منفصلتين. (ثم يقول) الدجالُ من عنده ممن آمن به: (انظروا إلى عبدي هذا؛ فإني أبعثه الآن) أي: في هذا الزمن الحاضر وأحييه (ثم) بعد إحيائي له (يزعم) القول الفاسد الذي لا يطابق الواقع؛ وهو (أن له ربًا غيري،

стр. 11610

فَيَبْعَثُهُ اللهُ وَيَقُولُ لَهُ الْخَبِيثُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ، وَأَنْتَ عَدُوُّ الله، أَنْتَ الدَّجَّالُ، وَاللهِ؛ مَا كُنْتُ بَعْدُ أَشَدَّ بَصِيرَةً بِكَ مِنِّي الْيَوْمَ". === فيبعثه) أي: يبعث (الله) ذلك المقتول بإرادته (ويقول له الخبيث) أي: الدجال الذي خبث بادعاء الألوهية للمقتول الذي أحياه الله بإذنه: (من ربك؛ فيقول) المقتول الذي أحياه الله بإذنه في جواب سؤال الدجال: (ربي) أي: مالكي ومعبودي هو (الله) أي: المعبود الذي يعبده من في السماوات والأرض، لا إله غيره (وأنت) أيها السائل لي عن معبودي (عدو الله) تعالى؛ بادعاء الألوهية والشركة معه تعالى في العبادة، و (أنت الدجال) أي: الكذاب المبالغ في كذبه بادعاء الألوهية (والله) أي: أقسمت لك بالإله الذي لا إله غيره. (ما كنت) أنا (بعد) أي: فيما بعد؛ أي: من الزمن المستقبل (أشد بصيرة) ومعرفة (بك) أي: بكذبك (مني) أي: من معرفتي بكذبك (اليوم) أي: في هذا الزمن الحاضر. والمعنى: أعرف بكذبك في ادعاء الألوهية فيما بعد، ولكن كنت أشد معرفة بكذبك اليوم؛ أي: في هذا الزمن الحاضر حين عجزت عن إحيائي، فأحياني ربي، والله أعلم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الملاحم، باب خروج الدجال، وأخرجه الترمذي والنسائي، وله شاهد من حديث النواس بن السمعان، أخرجه مسلم في "صحيحه"، وقد سبق للمؤلف أيضًا. وقال في "العون": والمؤلف - يعني: أبا داوود - أورد حديث أبي أمامة الباهلي مختصرًا، وأحال على ما قبله، وساقه ابن ماجه بتمامه. وقال أيضًا: وأما إسناد المؤلف في هذا الحديث - يعني: أبا داوود - ..

стр. 11611

قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الطَّنَافِسِيُّ: فَحَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ الْوَلِيدِ الْوَصَّافِيُّ، عَنْ عَطِيَّةَ، === فصحيح، ورواته كلهم ثقات؛ عيسى بن محمد الرملي وثقه أبو زرعة، وأما ضمرة بن ربيعة الرملي .. فوثقه يحيى بن معين وأحمد والنسائي وابن سعد، وأما يحيى بن أبي عمرو السيباني .. فوثقه أحمد ودحيم وابن خراش والعجلي، وأما عمرو بن عبد الله السيباني .. فوثقه ابن حبان، وذكره في ثقات التابعين. فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شواهد ومتابعات، وغرضه: الاستشهاد به لحديث حذيفة بن اليمان. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (قال) لنا شيخنا (أبو الحسن) علي بن محمد بن إسحاق (الطنافسي) الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (ق). (فحدثنا) عبد الرحمن بن محمد بن زياد (المحاربي) أبو محمد الكوفي، لا بأس به، وكان يدلس، قاله أحمد، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع). ووثقه النسائي وابن معين وابن سعد وابن شاهين، وذكره ابن حبان في "الثقات". (حدثنا عبيد الله بن الوليد الوصافي) - بفتح الواو وتشديد المهملة - أبو إسماعيل الكوفي، قال البخاري: هو من ولد الوصاف بن عامر العجلي، ضعيف، من السادسة، روى عن: عطية العوفي، ويروي عنه: (ت ق)، والمحاربي، ووكيع. (عن عطية) بن سعد بن جنادة - بضم الجيم بعدها نون خفيفة - العوفي - بفتح المهملة وسكون الواو - الجدلي - بفتح الجيم والمهملة - أبي الحسن

стр. 11612

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ذَلِكَ الرَّجُلُ أَرْفَعُ أُمَّتِي دَرَجَةً فِي الْجَنَّةِ"، قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَاللهِ؛ مَا كُنَّا نُرَى ذَلِكَ الرَّجُلَ إِلَّا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِه، === الكوفي، صدوق يخطئ كثيرًا وكان شيعيًّا مدلسًا، من الثالثة، مات سنة إحدى عشرة ومئة (١١١ هـ). يروي عنه: (د ت ق). (عن أبي سعيد) الخدري، رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عبيد الله بن الوليد وعطية العوفي، وهما ضعيفان. (قال) أبو سعيد: (قال رسول الله ﷺ : ذلك الرجل) الذي قتله الدجال بالمنشار ثم بعثه الله ثم عجز الدجال عن قتله ثانيًا (أرفع أمتي درجة في الجنة). وهذه القطعة من حديث أبي سعيد ضعيفة؛ لضعف سندها؛ كما تقدم آنفًا، وغرضه: الاستئناس به للترجمة. ثم (قال) عطية العوفي بالسند المذكور قبله: (قال أبو سعيد: والله؛ ما كنا نرى) - بضم النون - أي: نظن معاشر الصحابة (ذلك الرجل) الذي قتله الدجال أولًا ثم عجز عن قتله ثانيًا (إلا عمر بن الخطاب، حتى مضى) عمر ومر (لسبيله) أي: في سبيله وارتحاله إلى الآخرة، وهو كناية عن موته، فتبين خلاف ما ظننا به بموته، وإنما ظننا بعمر بن الخطاب كونه ذلك الرجل؛ لشدته وقوته في الدين ونصرته لأمر اليقين، وقيل: إن الرجل هو الخضر ﵇. و(قول النبي ﷺ : ذلك الرجل أرفع أمتي ... ) إلى آخره؛ أي: أمتي الذين هم الموجودون يومئذ، فلا يلتزم تفضيل أهل ذلك الزمن الذين خرج فيهم الدجال على الصحابة. وقد جاء أنه هو الخضر، فإن قلنا: إنه قد صحب أيضًا فلا إشكال من هذا

стр. 11613

قَالَ الْمُحَارِبِيُّ: ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: "وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يَأْمُرَ السَّمَاءَ أَنْ تُمْطِرَ فَتُمْطِرَ، وَيَأْمُرَ الْأَرْضَ أَنْ تُنْبتَ فَتُنْبِتَ، وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يَمُرَّ بِالْحَيِّ فَيُكَذِّبُونَهُ، فَلَا تَبْقَى لَهُمْ سَائِمَةٌ إِلَّا هَلَكَتْ، وَإنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يَمُرَّ بِالْحَيِّ فَيُصَدِّقُونَهُ، فَيَأْمُرَ ألسَّمَاءَ أَنْ تُمْطِرَ فَتُمْطِرَ، وَيَأْمُرَ الْأَرْضَ أَنْ تُنْبِتَ فَتُنْبِتَ، حَتَّى تَرُوحَ مَوَاشِيهِمْ مِنْ يَوْمِهِمْ ذَلِكَ أَسْمَنَ === الوجه، لكن يلزم الإشكال على أن الصديق ﵁ أفضل الأمة، وأن الأربعة أفضل الصحابة، ثم بقية العشرة، كما ذكروا في كتبهم. وإن قلنا: إنه نبي .. فيرفع الإشكال بحذافيره؛ أي: بكليته. انتهى "س". قال المؤلف: (قال المحاربي) عبد الرحمن بن زياد الكوفي: (ثم) بعدما ذكرنا قطعةً من حديث أبي سعيد لغرض الاستئناس (رجعنا إلى) إتمام بقية (حديث أبي رافع) إسماعيل بن رافع عن أبي زرعة يحيى بن أبي عمرو عن أبي أمامة الباهلي، فنقول: (قال: وإن من فتنته): معطوف على قوله سابقًا: "وإن من فتنة الدجال أن معه جنة ونارًا". أي: وإن من فتنة الدجال: (أن يأمر السماء) بـ (أن تمطر، فتمطر) بأمره، (ويأمر الأرض أن تنبت، فننبت) بأمره (وإن من فتنته: أن يمر) الدجال (بالحي) والقبائل من الناس (فيكذبونه) فيما يدعيه من الألوهية (فلا تبقى لهم) ماشية (سائمة إلا هلكت) وماتت. (وإن من فتنته) أيضًا: (أن يمر بالحي فيصدقونه) فيما يدعي (فيأمر السماء أن تمطر) عليهم (فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت) النبات لمواشيهم (فتنبت) الأرض لها (حتى) ترعى مواشيهم من ذلك النبات وتشبع و (تروح) أي: ترجع (مواشيهم) تلك إلى مراحها آخر النهار (من يومهم ذلك) الذي أمر فيه الدجال السماء بالإمطار والأرض بالإنبات، حالة كون مواشيهم (أسمن

стр. 11614

مَا كَانَتْ وَأَعْظَمَهُ، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ وَأَدَرَّهُ ضُرُوعًا، وَإِنَّهُ لَا يَبْقَى شَيءٌ مِنَ الْأَرْضِ إِلَّا وَطِئَهُ وَظَهَرَ عَلَيْهِ؛ إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَأْتِيهِمَا مِنْ نَقْبٍ مِنْ نِقَابِهِمَا إِلَّا لَقِيَتْهُ الْمَلَائِكَةُ بِالسُّيُوفِ صَلْتَةً؛ حَتَّى يَنْزِلَ عِنْدَ الظُّرَيْبِ الْأَحْمَرِ === ما كانت) عليه من قبل ذلك اليوم؛ أي: حالة كونها ظاهرة السمن وشديدته؛ والأسمن: اسم تفضيل من السمن، وهو كثرة اللحم. (و) حالة كونها (أعظمه وأمده خواصر) أي: أوسع ما كانت عليه من قبل خواصر وأضلاعًا، منصوب على التمييز جمع خاصرة؛ وهي: الكلية، ففيه مجاز مرسل والعلاقة الحالية والمحلية؛ لأن الخاصرة حالة تحت الأضلاع. (و) حالة كونها (أدر) ما كانت عليـ (ـه) من قبل، من جهة درور اللبن وسيلانه (ضروعًا، وإنه) أي: إن الشان والحال (لا يبقى شيء من الأرض) أي: مكان من أمكنة الأرض .. (إلا وطئه) أي: وطئ الدجال ومشى فيه (و) إلا (ظهر) وغلب (عليه) أي على ذلك المكان (إلا مكة) المكرمة (والمدينة) المنورة بنوره ﷺ ووفاته فيها (فإنه) أي: فإن الدجال (لا يأتيهما) أي: لا يأتي مكة والمدينة (من نقب) - بفتح فسكون - هو الطريق بين الجبلين، أي: لا يأتيهما بنقب (من نقابهما) جمع نقب، الكائنة تلك النقاب في جهة من جهاتهما الأربع (إلا لقيته) أي: لقيت الدجال وتلقته (الملائكة) الذين هم حراسهما (بالسيوف) حالة كون سيوفهم (صلتة) أي: مجردة من الغلاف، يقال: أصلت السيف؛ إذا جرد من غمده وضربه بالسيف صلتًا - بفتح الصاد وسكون اللام وضمها مع سكونها - كلاهما بمعنىً، وهو السيف المجرد من الغلاف، فتمنعه الملائكة من دخول المدينة (حتى ينزل) الدجال (عند الظريب) - مصغرًا - أي: عند الجبل الصغير (الأحمر) والظريب تصغير ظرب؛ بوزن كتف؛ والظراب: الجبال

стр. 11615

عِنْدَ مُنْقَطَعِ السَّبَخَةِ فَتَرْجُفُ الْمَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ، فَلَا يَبْقَى مُنَافِقٌ وَلَا مُنَافِقَةٌ إِلَّا خَرَجَ إِلَيْه، فَتَنْفِي الْخَبَثَ مِنْهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيد، وَيُدْعَى ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ الْخَلَاصِ"، فَقَالَتْ أُمُّ شَرِيكٍ بِنْتُ أَبِي الْعُكَرِ: === الصغار؛ أي: ينزل (عند منقطع السبخة) أي: آخر سبخة المدينة، والظرف متعلق بـ (ينزل) على كونه بدلًا من الظرف الأول؛ كما أشرنا إليه في الحل؛ والسبخة - بفتحات -: هي الأرض التي تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر. (فترجف المدينة) أي: تضطرب وتتحرك وتتزلزل (بأهلها) أي: بسكانها؛ أصل الرجف: الحركة والاضطراب (ثلاث رجفات) أي: ثلاث حركات (فلا يبقى) فيها، أي: في المدينة (منافق ولا منافقة .. إلا خرج إليه) أي: خرج إلى الدجال كل منهما في منزله الذي في منقطع سبخة المدينة. قوله: (فتنفي) أي: ترمي من داخلها إلى خارجها، معطوف على ترجف (الخبث منها)؛ والخبث - بفتحتين -: هو ما تلقيه النار من وسخ الفضة والنحاس وغيرهما إذا أذيبا على النار. أي: ترجف المدينة ثلاث مرات فتنفي وترمي خبث من فيها ووسخه من المنافقين والمنافقات إلى خارجها (كما ينفي) ويرمي (الكير) أي: منفاخ الحداد (خبث الحديد) والفضة (ويدعى ذلك اليوم) الذي ترجف فيه المدينة ثلاث رجفات (يوم الخلاص) أي: يوم تتخلص فيه المدينة من خبثها المنافقين والمنافقات برجفتها ثلاث رجفات. قال المؤلف ﵀: (فـ) قال المحاربي بسنده السابق: (قالت أم شريك بنت أبي العكر) العامرية، ويقال: الدوسية، ويقال: الأنصارية، اسمها غزية، صحابية، يقال: هي الواهبة نفسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 11616

يَا رَسُولَ اللهِ؛ فَأَيْنَ الْعَرَبُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: "هُمْ يَوْمَئِذٍ قَلِيلٌ، وَجُلُّهُمْ بِبَيْتِ الْمَقْدِس، وَإِمَامُهُمْ رَجُلٌ صَالِحٌ؛ فَبَيْنَمَا إِمَامُهُمْ قَدْ تَقَدَّمَ يُصَلِّي بِهِمُ الصُّبْحَ .. إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِمْ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ الصُّبْحَ، فَرَجَعَ ذَلِكَ الْإِمَامُ يَنْكُصُ يَمْشِي الْقَهْقَرَى؛ === رضي الله تعالى عَنْهَا. يروي عنها: (خ م ت س ق): (يا رسول الله؛ فأين العرب يومئذ؟ ) أي: يوم إذ خرج الدجال (قال) رسول الله ﷺ في جوابها: (هم) أي: العرب (يومئذ) أي: يوم إذ خرج الدجال (قليل) بالنسبة إلى الناس؛ لأن الحروب الواقعة فيما بينهم قبل ذلك اليوم أفنتهم وطحنتهم (وجلهم) أي: جل العرب وأكثرهم مجتمعون (ببيت المقدس، و) الحال أن (إمامهم رجل صالح) بتقوى الله تعالى وطاعته؛ وهو الملقب بالمهدي (فبينما إمامهم) أي: فبينما أوقات أن إمامهم (قد تقدم) عليهم للصلاة بهم حالة كونه يريد أن (يصلي بهم) صلاة (الصبح) وفريضتها (إذ) فجائية رابطة لجواب (بينما). وقوله: (نزل عليهم عيسى ابن مريم الصبح) أي: وقت الصباح؛ والتقدير: فبينما أوقات تقدم إمامهم عليهم؛ ليصلي بهم صلاة الصبح .. فاجأهم نزول عيسى ابن مريم عليهم وقت الصباح (فرجع) هنا من أخوات (صار) ترفع الاسم الذي هو قوله (ذلك الإمام) وتنصب الخبر الذي هو جملة: (ينكص) من النكوص؛ وهو الرجوع إلى وراء. وجملة قوله: (يمشي القهقرى) حال من فاعل (ينكص) والتقدير: فصار ذلك الإمام الذي تقدم ناكصًا وراجعًا إلى ورائه؛ أي: إلى جهة القوم، حالة كون ذلك ماشيًا مشية القهقرى؛ أي: مشية الرجوع إلى وراء، فجملة (يمشي) حال مؤكدة لمعنى عامله وهو (ينكص).

стр. 11617

لِيَتَقَدَّمَ عِيسَى يُصَلِّي بِالنَّاس، فَيَضَعُ عِيسَى يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: تَقَدَّمْ فَصَلِّ؛ فَإِنَّهَا لَكَ أُقِيمَتْ، فَيُصَلِّي بِهِمْ إِمَامُهُمْ؛ فَإِذَا انْصَرَفَ .. قَالَ عِيسَى ﵇: افْتَحُوا الْبَابَ، فَيُفْتَحُ وَوَرَاءَهُ الدَّجَّالُ وَمَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ يَهُودِيٍّ كُلُّهُمْ ذُو سَيْفٍ مُحَلّىً وَسَاجٍ؛ فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ الدَّجَّالُ .. ذَابَ === واللام في قوله: (ليتقدم عيسى) لام كي متعلقة بـ (ينكص) أي: فصار إمامهم ناكصًا إلى ورائه؛ لكي يتقدم عيسى عليهم و (يصلي بالناس) أي: لكي يصلي عيسى إمامًا بالناس، فـ (اللام) المقدرة في (يصلي) علة لتقدم عيسى عليهم (فيضع عيسى) ﵇ بـ (يده بين كتفيه) أي: بين كتفي إمامهم (ثم) بعدما يضع عيسى يده بين كتفي إمامهم (يقول) عيسى ﵇ (له) أي: لإمامهم وهو المهدي المنتظر: أيها المهدي (تقدم) علينا (فصل) بنا (فإنها) أي: فإن هذه الصلاة (لك) أي: لصلاتك بهم قد (أقيمت) أي: لأمامتك فعلت إقامة هذه الصلاة قبل أن أدخل عليكم (فيصلي بهم) أي: بالناس (إمامهم) الراتب لهم. (فإذا انصرف) الإمام وفرغ من الصلاة بهم .. (قال عيسى ﵇: افتحوا الباب) أي: باب المسجد، فكأنهم أغلقوا الباب على أنفسهم؛ خوفًا من هجوم الدجال عليهم بغتة (فيفتح) الباب أي: باب المسجد بعدما أمر عيسى بفتحه (ووراءه) وخلفه (الدجال) قائم (و) الحال أنه (معه) أي: مع الدجال (سبعون ألف يهودي، كلهم) أي: كل من السبعين ألفًا (ذو سيف) أي: صاحب سيف (محلىً) أي: مزين بفضة وذهب (وساج) أي: صاحب ساج؛ والساج: الطيلسان الأخضر، وقيل: الطيلسان المقور ينسج كذلك. (فإذا نظر إليه) أي: إلى عيسى ﵇ (الدجال .. ذاب) أي: انماع

стр. 11618

كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ وَيَنْطَلِقُ هَارِبًا، وَيَقُولُ عِيسَى ﵇: إِنَّ لِي فِيكَ ضَرْبَةً لَنْ تَسْبِقَنِي بِهَا، فَيُدْرِكُهُ عِنْدَ بَابِ اللُّدِّ الشَّرْقِيِّ فَيَقْتُلُهُ، فَيَهْزِمُ اللهُ الْيَهُودَ، فَلَا يَبْقَى شَئٌ مِمَّا خَلَقَ اللهُ يَتَوَارَى بهِ يَهُودِيٌّ إِلَّا أَنْطَقَ اللهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ، لَا حَجَرٌ وَلَا شَجَرٌ وَلَا حَائِطٌ وَلَا دَابَّةٌ إِلَّا الْغَرْقَدُ؛ === الدجال؛ هيبةً ورعبًا من عيسى (كما يذوب) وينماع (الملح في الماء، وينطلق) الدجال ويذهب، حالة كونه (هاربًا) أي: شاردًا من عيسى (ويقول عيسى ﵇ للدجال: (إن لي فيك) يا دجال (ضربةً لن تسبقني) أي: لن تفوتني (بها) أي: بسبب تلك الضربة بهربك مني، أو لن تُفَوِّتَ تِلكَ الضربة عَلَيَّ بهربك مِنِّي؛ فإني أَلْحَقُك وأَقتلُك (فيُدْرِكُهُ) أي: فيدرك عيسى الدجَّالَ بَعْدَ هَربه منه (عند باب اللُّدِّ) قال في "النهاية": اللُّدُّ - بضم الدال وتشديد اللام -: موضع بالشام أو بفلسطين. انتهى. وقوله: (الشرقي) بالجر، صفة لـ (لباب). (فيقتله) أي: يقتل عيسى الدجال هناك؛ أي: عند باب اللد الشرقي (فيهزم الله) (اليهود) الذين كانوا مع الدجال ويشتتهم (فلا يبقى شيء مما خلق الله) تعالى من حيوان وجماد (يتوارى) أي: يستتر (به يهودي) ويختفي وراءه .. (إلا أنطق الله ذلك الشيء) بقدرته بإخباره عن اليهودي الذي اختفى واستتر به (لا حجر) موجود .. إلا أنطق الله به (ولا شجر) كذلك (ولا حائط) أي: لا جدار موجود .. إلا أنطق الله به (ولا دابة) أي: لا حيوان موجود .. إلا أنطق الله به. وقوله: (إلا الغرقد) استثناء من الشجر؛ أي: لا شجر موجود إلا أنطق الله به (إلا) الشجرة المسماة بـ (الغرقدة) هو ضرب من شجر العِضَاهِ وشجرِ الشوك؛ كالشِّرَرَةِ - واحدةُ الشَّرَرِ -؛ وهو ممَّا يتطايَرُ منه النار عند إيقادِه في النار.

стр. 11619

فَإِنَّهَا مِنْ شَجَرِهِمْ لَا تَنْطِقُ .. إِلَّا قَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ الْمُسْلِمَ؛ هَذَا يَهُودِيٌّ فَتَعَالَ اقْتُلْهُ"، === قال في "الصحاح": الشرر - بفتحتين -: ما يتطايرُ من النار، والواحدةُ شررة، ويسمى شجر اليهود، وهو كثير في الشام تَغْرُسُه اليهود في أفنيتهم (فإنها من شجرهم لا تنطق) إذا اختفى واحد منهم تحتها. وقوله: "إلا قال: يا عبد الله" بدل من الاستثناء الأول؛ أعني: قوله: "إلا أنطق ذلك الشيء" بدل تفصيل من مجمل؛ والتقدير: لا حجر يتوارى به يهودي (إلا قال) ذلك الحجر: (يا عبد الله المسلم؛ هذا) الذي اختفى ورائي هو (يهودي، فتعال) إلي؛ أي: أقبل إلي (اقتله). وكذا تقول في (شجر) والتقدير فيه: لا شجر يتوارى به يهودي .. إلا قال ذلك الشجر: يا عبد الله المسلم؛ هذا الذي اختفى ورائي يهودي، فتعال اقتله. وكذا تقول في (حائط) أي: لا حائط يتوارى به يهودي .. إلا قال ذلك الحائط: يا عبد الله المسلم ... إلى آخره، وكذا تقول في (دابة) ... إلى آخره. و(المسلم) في قوله: (يا عبد الله المسلم) نعت لـ (عبد الله) ويصح أن يكون عطف بيان له. وإنما كانت (الغرقدة) شجرهم التي يحبونها، قيل: لأن عصا موسى ﵇ منها، وهذا كذب بحت؛ لأن عصا موسى من آس الجنة، هبطت من الجنة مع آدم ﵇ فتداولت عليها أيدي الأنبياء قبل موسى حتى وصلت إلى شعيب، فأعطاها لموسى ﵉، أو لأنها أضاءت لموسى ليلة الحيرة مع أهله، أو لأن موسى أوقد منها الزند تلك الليلة، هذه أقوال كلها إسرائيلية لا دليل عليها.

стр. 11620

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَإِنَّ أَيَّامَهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً؛ السَّنَةُ كَنِصْفِ السَّنَة، وَالسَّنَةُ كَالشَّهْر، وَالشَّهْرُ كَالْجُمُعَة، وَآخِرُ أَيَّامِهِ كَالشَّرَرَةِ؛ يُصْبِحُ أَحَدُكُمْ عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ فَلَا يَبْلُغُ بَابَهَا الْآخَرَ حَتَّى يُمْسِيَ"، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ كَيْفَ نُصَلِّي فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ الْقِصَارِ؟ قَالَ: "تَقْدُرُونَ فِيهَا الصَّلَاةَ كَمَا تَقْدُرُونَهَا === قوله: (قال رسول الله ﷺ معطوف بعاطف مقدر على قوله: (قال: هم يومئذ قليل) وهو من حديث أم شريك؛ والتقدير: قالت أم شريك: يا رسول الله؛ فأين العرب يومئذ؟ قال: هم يومئذ قليل، وقالت له أيضًا: كم أيام لبثه في الأرض؟ فـ (قال) لها (رسول الله ﷺ في جواب سؤالها: (وإن أيامه) أي: أيام لبثه في الأرض بعدما خرج (أربعون سنة) فـ (السنة) الأولى من تلك الأربعين: (كنصف السنة) أي: قدر نصف السنة من غيرها (والسنة) الثانية منها: (كـ) قدر (الشهر) من غيرها (والشهر) من تلك السنين (كالجمعة) أي: قدر الجمعة والأسبوع من غيرها. (وآخر أيامه) أي: قدر آخر أيام لبث الدجال في الأرض (كالشررة) أي: كمقدار زمن وقوع الشرر؛ أي: شررة النار على ما وقعت عليه، ولأجل قصره (يصبح أحدكم) أي: يدخل أحدكم في الصباح (على باب المدينة، فلا يبلغ بابها الآخر حتى يمسي) أي: حتى يدخل في المساء؛ لقصر ذلك الزمن (فقيل له) ﷺ لم أر من ذكر اسم هذا القائل؛ ليكون على نسق ما قبله: (يا رسول الله؛ كيف نصلي) الصلوات الخمس (في تلك الأيام القصار) المذكورة؟ (قال) رسول الله ﷺ : (تقدرون فيها) أي: في تلك الأيام القصار أوقات (الصلاة؛ كما تقدرونها) أي: أوقات الصلاة

стр. 11621

فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الطِّوَال، ثُمَّ صَلُّوا"، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَيَكُونُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ فِي أُمَّتِي حَكَمًا عَدْلًا وَإِمَامًا مُقْسِطًا، === (في هذه الأيام الطوال، ثم) بعدما دخلت الأوقات بهذا التقدير (صلوا) الصلوات الخمس بهذا التقدير. وهذا الحديث الوارد في بيان أيام الدجال انفرد به ابن ماجه، وهو ضعيف؛ لمخالفته ما جاء في الرواية الصحيحة: (أن مكثه في الأرض أربعون يومًا؛ يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كأسبوع ... ) وهو حديث موضوع؛ لمخالفته رواية الثقات. قوله: (قال رسول الله ﷺ معطوف بعاطف مقدر على أول حديث أم شريك؛ كسابقه. والمعنى: وأما نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان .. فقد ثبت في الحديث الصحيح حيث (قال رسول الله ﷺ : فـ) قد (يكون) وينزل (عيسى ابن مريم ﵇ في أمتي) حالة كونه (حكمًا) أي: حاكمًا بينهم بهذه الشريعة مجددًا لها، لا نبيًّا أرسل بشريعة مستقلة ناسخة لشريعتي، فهو حال من عيسى ابن مريم (عدلًا) في حكمه لا جائرًا، فهو صفة و (حكمًا) أي: حالة كونه حاكمًا عادلًا، يحكم بينكم بالعدل بهذه الشريعة مجددًا لها؛ تكرمة لهذه الأمة وهذه الشريعة، لا نبيًّا مرسلًا بشريعة مستقلة وشريعة ناسخة لهذه الشريعة المحمدية، بل هو حاكم من حكام هذه الأمة؛ لأن هذه الشريعة آخر الشرائع، ونبيها آخر الأنبياء. (و) حالة كونه (إمامًا مقسطًا) والإمام: هو المتبع لغيره المقتدى به؛ والمقسط: العادل؛ من أقسط الرباعي، يقال: أقسط يقسط إقساطًا وقسطًا

стр. 11622

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === - بكسر القاف - فهو مقسط؛ إذا عدل، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (١). ويقال: قسط يقسط؛ من باب ضرب، قسوطًا وقسطًا - بفتح القاف - إذا جار، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ (٢). والأكثر على أن عيسى ﵇ لم يمت، بل رفع إلى السماء، وقال مالك: مات عيسى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وقال ابن رشد: يعني بموته: خروجه من عالم الأرض إلى عالم السماء، قال: ويحتمل أنه مات حقيقةً، ويحيا في آخر الزمان؛ إذ لا بد من نزوله؛ لتواتر الأحاديث بذلك، وكان أبو هريرة يلقى الفتى الشاب، فيقول له: (يا بن أخي؛ إنك عسى أن تلقى عيسى ابن مريم، فإذا لقيته .. فأقرئه مني السلام) تحقيقًا لنزوله، فما ذكره ابن حزم من الخلاف في نزوله .. لا يصح؛ لثبوته بالأحاديث المتواترة. فائدة والفرق بين الحكم والمقسط: أن الحكم هو الذي يحكم بشريعة نبينا محمد ﷺ لا بشريعة مستقلة غيرها، ناسخة لها، والمقسط هو الذي يحكم بالعدل بين الناس، ولا يجور فيما يحكم به بينهم. انتهى "كوكب". قال الأبي: الأظهر: أنه إمام طاعة خليفة عن رسول الله ﷺ في أمته، لا إمام صلاة (مقسطًا) أي: عادلًا في خلافته لا جائرًا في خلافته

стр. 11623

يَدُقُّ الصَّلِيبَ، === (وحكمًا عدلًا) أي: حكمًا عادلًا في حكمه وقضائه بين الناس، لا ظالمًا رائشًا مائلًا عن الحق. انتهى منه. قال ابن العربي: ويروى: (أنه يتزوج امرأة من بني ضبة، اسمها راضية، ثم يموت، ويصلي عليه المسلمون، ويدفن في روضة النبي ﷺ ، وفيها موضع قبرٍ) ويقال: إنما بقي له، والمحقق أن نزوله من أشراط الساعة، وصح أنه الذي يقتل الدجال، وبدعائه يهلك يأجوج ومأجوج. واختلف؛ كم يلبث في الأرض؟ فقال أبو داوود: أربعين سنة، وقال ابن العربي: والأصح: أنه سبعة أعوام. فإن قلت: بم يعرف الناس أنه عيسى ابن مريم؟ قلت: يعرف بصفاته التي تضمنتها الأحاديث المتواترة، فمنها: أنه يدق الصليب، معناه: يكسره حقيقةً، ويبطل ما تزعمه النصارى من تعظيمه. وفيه دليل: على تغيير المنكرات وآلات الملاهي بالكسر، وتغيير ما نسبته النصارى إلى شرعها؛ لأنه إنما ينزل ملتزمًا بشريعة النبي ﷺ . وقيل معنى: (يدق الصليب): يبطل أمره، من قولهم: كسر حجته، والفرق بين (الصليب) و (الصنم) و (الوثن): أن (الصليب): كلُّ ما نُحِتَ على صورة آدمي، وعُبِدَ، و (الصنم): كل ما نحت على أي صورة؛ كصورة العجل، وعبد، و (الوثن): كل ما عبد من دون الله تعالى، سواء نحت أم لا؛ كالشجر والحجر. وكَسْره الصليبَ يدل على أن شيئًا من ذلك لا يُسوِّغُه لهم. ومعنى (يدق الصليب): أي: يكسره، بحيث لا يبقى من جنس الصليب

стр. 11624

وَيَذْبَحُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَتْرُكُ الصَّدَقَةَ، فَلَا يُسْعَى عَلَى شَاةٍ وَلَا بَعِيرٍ, === شيء حتى لا يعبد إلا الله تعالى؛ لما في بعض الروايات: وتكون السجدة لله رب العالمين. (ويذبح الخنزير) أي: يحرم أكله، أو يقتله، بحيث لا يوجد في الأرض، فيأكله أحد. والحاصلُ: أنه يبطل دينَ النصارى، قال النووي: وقتل الخنزير من باب إزالة المنكرات، وفيه دليل للمختار من مذهبنا ومذهب الجمهور: أنه إذا وجدنا الخنزير في دار الكفر أو غيرها، وتمكنا من قتله .. قتلناه؛ إزالةً للمنكر، وإبطالٌ لقول من شذَّ مِن أصحابنا وغيرهم، فقال: يُتْرَك إذا لم يكن فيه ضرَاوَة. قال الأبي: وفيه دليل على أن ما وجد من الخنازير بأرض الكفر، أو بيد من أسلم .. تُقتلُ، وقيل: تُسْرَحُ. وقال ابن عرفة: لا بأس بقتل ما وجد من الخنازير بأرض الإسلام؛ لأنها مَفْسَدةٌ (ويضع الجزية) أي: يسقطها ولا يقبلها، ولا يقبل من الكفار إلا الإسلام، ومن بذل الجزية منهم .. لم يكف عنه بها، بل لا يقبلُ إلا الإسلامَ، أو القتلَ، قاله الخطابي. وهذا بيان منه ﷺ بأن الجزية في دينه إلى زمان عيسى، لا أن عيسى يأتي بنسخها، وقيل: يضع الجزية على الكفرة كلهم، ولا يترك أحدًا منهم؛ كما هو شأن سائر الأمراء؛ فإنهم أحيانًا يتركونها؛ مراعاةً لقول بعضهم في ذلك. (ويترك الصدقة) أي: يترك أخذها من الناس؛ لكثرة الأموال (فلا يسعى) بالبناء للمجهول؛ أي: لا يرسل (على شاة ولا) على (بعير) لأخذ زكاتهما،

стр. 11625

وَتُرْفَعُ الشَّحْنَاءُ وَالتَّبَاغُضُ، وَتُنْزَعُ حُمَةُ كُلِّ ذَاتِ حُمَةٍ، حَتَّى يُدْخِلَ الْوَلِيدُ يَدَهُ فِي فِي الْحَيَّةِ فَلَا تَضُرُّهُ، وَتُفِرُّ الْوَلِيدَةُ الْأَسَدَ فَلَا يَضُرُّهَا، وَيَكُونُ الذِّئْبُ فِي الْغَنَمِ كَأَنَّهُ كَلْبُهَا، وَتُمْلَأُ الْأَرْضُ مِنَ السِّلْمِ كَمَا يُمْلَأُ الْإِنَاءُ مِنَ الْمَاءِ، وَتَكُونُ الْكَلِمَةُ وَاحِدَةً فَلَا يُعْبَدُ إِلَّا اللهُ، وَتَضَعُ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا، === وكذا على بقر لا يرسل لأخذ زكاتها؛ لكثرة الأموال، ونزول البركات، وغنى الناس عنها بإلقاء الأرض أفلاذ كبدها؛ بسبب إقامة العدل، وترك التظالم فيما بينهم. (وترفع الشحناء) أي: البغض القلبي من قلوب الناس؛ كالحسد (والتباغض) أي: البغض الظاهري من ظواهرهم؛ كالمقاتلة والمضاربة والمسابة. (وتنزع حمة) - بضم المهملة وفتح ميم مخففة -: السم من ذوات اللسع؛ أي: تنزع وترفع سم (كل) دابةٍ (ذات حمة)؛ أي: سم؛ كالعقرب والحيات والزنبور والنحل؛ أي: لا تضر بلسعتها غيرها (حتى يدخل الوليد) أي: الصبي الصغير (يده في في الحية) أي: في فم الحية (فلا تضره) بلسعتها (وتُفِرُّ) - بضم أوله وكسر ثانيه - من أفَر الرباعي؛ أي: تَطْردُ (الوليدةُ) أي: البنتُ الصغيرة (الأسد، فلا يضرها) بل لا يلتفت إليها (ويكون الذئب في الغنم؛ كأنه كَلْبُها) الرَّاعي لها (وتملأ الأرضُ مِن السِّلْمِ) والأمانِ والعَدلِ (كما يُملأ الإناءُ من الماء، وتكون الكلمة) أي: كلمة الدين (واحدة) وهي كلمة التوحيد (فلا يعبد) في الأرض (إلا الله) (وتضع الحرب) أي: وتترك الحرب حمل (أوزارها) وترميها وتتجرد عنها؛ والمراد بأوزارها: سلاح الحرب، ففيه مجاز مُرْسَلٌ؛ من إسناد ما للفاعل إلى المفعول؛ والمراد بوضع الأوزار: الإعراض عن الحرب وتركها. قوله: "فلا يسعى على شاة ولا بعير" بالبناء للمفعول؛ أي: لا يعتنى بهما، ولا يبعث إليهما ساع، ولا تطلب زكاتهما، ولا يهتم بشأنهما، بل يتساهل
следующие страницы →