. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وتكتب بين عينيه (كافر)، وتقول لهم: أنت يا فلان من أهل الجنة، وأنت يا فلان من أهل النار، فخروجها حق يجب الإيمان به، قال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: وإذا ثبت نزول العذاب على الكفار؛ وذلك إذا لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر، وهو يكون بموت العلماء وذهاب العلم ورفع القرآن .. ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١) ولكن لم يرد نص صحيح بتعيين محل خروجها وتعيين جنسها، والله أعلم.
تنبيه
اعلم: أن الروايات قد اختلفت في ترتيب الآيات العشر، ولذلك اختلف أهل العلم في ترتيبها: فقيل: إن أول الآيات: الدخان، ثم خروج الدجال، ثم نزول عيسى ﵇، ثم خروج ياجوج ومأجوج، ثم خروج الدابة، ثم طلوع الشمس من مغربها؛ فإن الكفار يسلمون في زمن عيسى ﵇ حتى تكون الدعوة واحدة، ولو كانت الشمس طلعت من مغربها قبل خروج الدجال ونزوله .. لم يكن الإيمان مقبولًا من الكفار، فالواو لمطلق الجمع لا للترتيب، فلا يرد: أن نزوله قبل طلوعها، ولا ما ورد أن طلوع الشمس أول الآيات.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب خروج الدجال ومكثه في الأرض ونزول عيسى وقتله إياه وذهاب أهل الخير والإيمان، وأبو داوود في كتاب الملاحم، باب أمارات الساعة.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
* * *
стр. 11552
(١٠٤) - ٤٠١٤ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ،
===
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث صفوان بن عسال رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٠٤) - ٤٠١٤ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا عبيد الله بن موسى) بن أبي المختار باذام العبسى الكوفي أبو محمد، ثقة كان يتشيع، من التاسعة، قال أبو حاتم: كان أثبت في إسرائيل من أبي نعيم، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، ثقة، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن عاصم) بن بهدلة - اسم أمه - ابن أبي النجود - بنون وجيم - الأسدي مولاهم الكوفي أبي بكر المقرئ، صدوق له أوهام، حجة في القراءة، وقال العجلي: ثقة، وحديثه في "الصحيحين" مقرون، من السادسة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن زر) - بكسر أوله وتشديد الراء - ابن حبيش - بمهملة وموحدة ومعجمة مصغرًا - ابن حباشة - بضم المهملة بعدها موحدة ثم معجمة - الأسدي الكوفي، أبي مريم، ثقة مخضرم فاضل، من الثانية، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث وثمانين (٨٣ هـ) وهو ابن مئة وسبع وعشرين سنة. يروي عنه: (ع).
стр. 11553
عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ قِبَلِ مَغْرِبِ الشَّمْسِ بَابًا مَفْتُوحًا عَرْضُهُ سَبْعُونَ سَنَةً، فَلَا يَزَالُ ذَلِكَ الْبَابُ مَفْتُوحًا لِلتَّوْبَةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ نَحْوِهِ؛ فَإِذَا طَلَعَتْ مِنْ نَحْوِهِ .. لَمْ يَنْفَعْ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا".
===
(عن صفوان بن عسال) - بمهملتين وتشديد ثانيه - المرادي الصحابي المعروف رضي الله تعالى عنه، نزل الكوفة. يروي عنه: (ت س ق).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عاصم بن بهدلة، وهو صدوق في الحديث له أوهام، حجة في القراءة.
(قال) صفوان بن عسال: (قال رسول الله ﷺ : إن من قبل) - بكسر القاف وفتح الموحدة - أي: من جانب (مغرب الشمس بابًا مفتوحًا) للتوبة؛ أي: لارتفاع التوبة منه وقبولها (عرضه) أي: مسافة عرض ذلك الباب (سبعون سنة) أي: مسيرة سبعين سنة (فلا يزال ذلك الباب مفتوحًا للتوبة) أي: لقبولها (حتى تطلع الشمس من نحوه) أي: من جانبه (فإذا طلعت) الشمس (من نحوه) أي: من جانب ذلك الباب ... (لم ينفع نفسًا) مفعول مقدم وجوبًا على فاعله (إيمانها) فاعل مؤخر وجوبًا عن مفعوله؛ لاتصاله بضمير يعود على المفعول؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنّ﴾ (١)؛ لامتناع عود الضمير على متاخر لفظًا ورتبةً.
وجملة قوله: (لم تكن آمنت من قبل) أي: من قبل ذلك اليوم (أو) لا ينفع نفسًا كسبها في ذلك اليوم لم تكن (كسبت في إيمانها خيرًا) من قبل ذلك اليوم.
стр. 11554
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا الحديث قد تقدم تخريج سنده للمؤلف في كتاب الطهارة، باب الوضوء من النوم رقم (٨٦)، حديث رقم (٤٧٠)، ولفظه هناك: (عن عاصم عن زر عن صفوان بن عسال، قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم) أي: لكن ننزعها في هذه الثلاثة بعد يوم وليلة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الطهارة وفي كتاب الدعوات، والنسائي في الطهارة، وأحمد في "المسند"، وابن حبان والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
قلت: ودرجة هذا الحديث: أنه صحيح وإن كان سنده حسنًا؛ لتصحيح الترمذي والحاكم له، وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 11555
(٢٢) - (١٤٧٣) - بَابُ فِتْنَةِ الدَّجَّال، وَخُرُوجِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَخُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ
(١٠٥) - ٤٠١٥ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الدَّجَّالُ
===
(٢٢) - (١٤٧٣) - (باب فتنة الدجال، وخروج عيسى ابن مريم، وخروج يأجوج ومأجوج)
(١٠٥) - ٤٠١٥ - (١) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(وعلي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
كلاهما (قالا: حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الأسدي، ثقة قارئ، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن شقيق) بن سلمة الأسدي أبي وائل الكوفي، ثقة مخضرم، من الثانية، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. يروي عنه: (ع).
(عن حذيفة) بن اليمان العبسي الكوفي رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) حذيفة: (قال رسول الله ﷺ : الدجال) اليهودي
стр. 11556
أعْوَر عَيْن الْيسْرَى،
===
الكذاب؛ لأنه يدعي الألوهية؛ وهو صَاف بن صياد على الأصح (أعور عين اليسرى) أي: مطموسة عينه اليسرى، لا ترى شيئًا؛ ففيها عيب العمى.
وفي رواية ابن عمر عند مسلم: (ألا وإن الدجال أعور عين اليمنى) أي: معيبة ذاتها لا نورها، وفسرها في الحديث بقوله: (كأن عينه) اليمنى (عنبة طافية) تفسير لعورها؛ أي: سائل منها ماؤها؛ لأكل الطيور.
فيجمع بين الروايتين بأن معنى العور في رواية حذيفة: ذاهب ضوءها مطموس نورها، وفي حديث ابن عمر: معيبَة ذاتُها بسيلانِ الماء منها، وبكونها نَاتِئة مرتفعةَ الذاتِ مع إدراكها وإبصارها، فمعنى العور مختلِفٌ في الحديثين، فمعنى حديث حذيفة: عور عين يسراه؛ أي: مطموس ضوءها لا تبصر شيئًا، ومعنى حديث ابن عمر: عور عين يمناه؛ أي: مرتفعة سائلة الدموع مع إبصارها مرتفعة بارزة، على خلاف عادة أعين الناس، فكانها عنبة طافية من بين حبوب العنقود، سائلة الماء؛ لأكل الطيور وشقها عندما أرادت أكلها.
فلا معارضة حينئذٍ بين الروايتين؛ بدليل تفسير الراوي في حديث ابن عمر، فذهب بعض العلماء إلى ترجيح حديث ابن عمر على حديث حذيفة؛ بكثرة رواة حديثه، ولكن جمع القاضي عياض بينهما بأن كل واحدة من عيني الدجال معيبة عوراء، فإحداهما معيبة بذهاب ضوئها حتى ذهب إدراكها، والأخرى نتوءها. انتهى من "الإنجاز".
قال النووي: قوله: "عنبة طافية" روي بالهمز وتركه، وكلاهما صحيح؛ فالمهموز: هي التي ذهب نورها، وغير المهموز: التي نتات وطفت مرتفعة وفيها ضوء.
стр. 11557
جُفَالُ الشَّعَر، مَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ؛ فَنَارُهُ جَنَّةٌ، وَجَنَّتُهُ نَارٌ".
===
وقد سبق في كتاب الإيمان بيان هذا كله، وبيان الجمع بين الروايتين في أنه جاء في رواية: (أعور العين اليمنى)، وفي رواية: (أعور العين اليسرى) وكلاهما صحيح؛ والعور في اللغة: العيب.
وعيناه معيبتان عوراوان، وأن إحداهما طافئة لا ضوء فيها، والأخرى طافية بلا همز؛ أي: ظاهرة مرتفعة مع إبصارها وضوئها. انتهى "نووي".
(جفال) بوزن غراب (الشعر) أي: كثير الشعر في بدنه؛ والجفال بضم الجيم وتخفيف الفاء، وشَعْرُهُ مع كثرتِه جَعْدٌ قَطِطٌ؛ وهو الشديدُ الجعودةِ الذي لا يَمْتدُّ إلا باليد؛ كشعر السُّودان.
(معه جنة ونار) على زَعْمه (فناره) على زَعْمِه (جنةٌ) أي: باردٌ على من أَدْخَلَهُ فيها (وجنته) على زعمه (نار) محرقة لمن أدخله فيها، وهما؛ أي: جنته وناره على خلاف زعمه؛ فجنته محرقة، وناره باردة كالماء.
وفي حديث أنس زيادة: (مكتوب بين عينيه) كلمة (كافر) بهذه الحروف (ك ف ر) المُهَجَّاةِ.
وإنما اقتصر في وصف الدجال بالعور، مع أن أدلة الحدوث كثيرة ظاهرة فيه؛ لأن العور أثر محسوس يدركه كل أحد، فدعواه الربوبية مع نَقْصِ خِلْقَتِه .. عَلَمُ كذِبِه؛ لأن الإلهَ يتَعَالَى عن النقصِ. انتهى "قسطلاني".
قوله: (مكتوب بين عينيه: ك ف ر) قال الأبي: إن ذكر الحروف مما يدل على أن ذكر الكتب حقيقة لا مجاز ولا كناية. انتهى.
قال ملا علي: فيه إشارة إلى أنه داع إلى الكفر لا إلى الرشد، فيجب اجتنابه، وهذه نعمة عظيمة من الله تعالى في حق هذه الأمة، حيث ظهر رقم الكفر بين عينيه. انتهى.
стр. 11558
(١٥٦) - ٤٠١٦ - (٢) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالُوا: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ،
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الأنبياء، باب ما ذكر في بني إسرائيل، ومسلم في كتاب الفتن، بابُ ذكر الدجال وصفتِه، وأبو داوود في كتاب الملاحم، باب خروج الدجال.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث حذيفة بحديث أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٠٦) - ٤٠١٦ - (٢) (حدثنا نصر بن علي) بن نصر بن علي بن صهبان (الجهضمي) البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(ومحمد بن بشار) بن عثمان بندار العبدي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(ومحمد بن المثنى) بن عبيد العنزي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(قالوا: حدثنا روح بن عبادة) بن العلاء بن حسان القيسي أبو محمد البصري، ثقة فاضل له تصانيف، من التاسعة، مات سنة خمس أو سبع ومئتين (٢٠٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا سعيد بن أبي عروبة) مهران اليشكري البصري، ثقة، من السادسة، مات سنة ست، وقيل سبع وخمسين ومئتين. يروي عنه: (ع).
стр. 11559
عَنْ أَبِي التَّيَّاح، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ سُبَيْعٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَنَّ الدَّجَّالَ يَخْرُجُ مِنْ أَرْضٍ بِالْمَشْرِقِ يُقَالُ لَهَا: خُرَاسَانُ،
===
(عن أبي التياح) - بفتح أوله وتشديد التحتانية آخره مهملة - اسمه يزيد بن حميد الضبعي - بضم المعجمة وفتح الموحدة - بصري مشهور بكنيته، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن المغيرة بن سبيع) - مُصَغَّرًا بمهملة وموحدة - العجلي، ثقة، من الخامسة، قاله الحافظ؛ وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجلي: تابعي ثقة. يروي عنه: (ت س ق).
(عن عمرو بن حريث) - مصغرًا - ابن عمرو بن عثمان بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، صحابي صغير، مات سنة خمس وثمانين (٨٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي بكر الصديق) رضي الله تعالى عنه، اسمه: عبد الله بن عثمان أبي قحافة التيمي المدني، أول خلفاء الأمة.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو بكر: (حدثنا رسول الله ﷺ أن الدجال يخرج من أرض بالمشرق يقال لها: خراسان) - بضم أوله - وهي بلاد معروفة بين بلاد ما وراء النهر وبلدان العراق، معظمها الآن بلدة (هراة) المسماة بـ (خراسان) كتسمية (دمشق) بـ (الشام) كذا في "المرقاة".
وفي الحديث دليل على أن الدجال يخرج من خراسان، قال الحافظ: أما من أين يخرج .. فمن قبل المشرق جزمًا، ثم جاء في رواية: (أنه يخرج من
стр. 11560
يَتْبَعُهُ أَقْوَامٌ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ".
===
خراسان) أخرج ذلك أحمد والحاكم من حديث أبي بكر، وفي أخرى: (أنه يخرج من أصبهان) أخرجها مسلم. انتهى.
قلت: أخرج مسلم من حديث أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفا عليهم الطيالسة" وهذه الرواية ليست بصريحة في أن الدجال يخرج من أصبهان، ولم أجد في "صحيح مسلم" روايةً صريحة في خروجه منها. انتهى من "تحفة الأحوذي".
(يتبعه) - بسكون التاء وفتح الباء - أي: يلحقه ويطيعه (أقوام كأن وجوههم) في الإدارة (المجان) - بفتح الميم وتشديد النون - جمع المجن - بكسر الميم - وهو الترس (المُطْرَقة) أي: المُلبسة جلدًا؛ أي: المخيطة على ظهرها الجلدُ - بضم الميم وسكون الطاء - من أَطْرقَ الرباعيِّ؛ من باب أكرم.
وقال السيوطي: روي بتشديد الراء؛ مِنْ طَرَّقَ المضاعف؛ كالمكرَّمة، وتخفيفها؛ مِن أطرق الرباعي، فهي اسم مفعول؛ من أَطْرَقَه - بتخفيف الراء - أو طرَّقَه - بتشديدها - أي: جَعَل الطَّرْقَ؛ أي: الجلْدَ على وجه التُّرْس؛ أي: على ظهره؛ والطِّراقُ - بكسر الطاء -: الجلدُ الذي يُقَطَّعُ على مِقدار التُّرس، فَيُلْصَقُ على ظهرِه.
والمعنى: أنَّ وجوههم عريضة، ووجناتهم مرتفعة كالمجنة، وهذا الوصف إنما يوجد في طائفةٍ من (الأَتْرَاكِ) و (الأَزْبَكِ) ما وراء النهر. انتهى منه.
قال السندي: (المُطْرَقَة) بالتخفيف: اسم مفعول؛ من الإطراق، وروي بفتح الطاء وتشديد الراء؛ والترس المُطْرَقُ: هو الذي جُعل على ظهره طِراق؛ والطِّراق - بالكسر -: جلد يُقطَّعُ على مقدار التُّرْس، فَيُلْصَقُ على ظهره، شبَّه وجوههم بالتُّرس؛ لِبَسْطِها وتَدْوِيرِها، وبالمُطرَّقِة؛ لِغلَظِها وكَثْرةِ لَحمِها.
стр. 11561
(١٠٧) - ٤٠١٧ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ،
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الفتن، باب ما جاء من أين يخرج الدجال، قال أبو عيسى: وفي الباب عن أبي هريرة وعائشة، وهذا حديث حسن غريب، ولا نعرفه إلا من حديث أبي التياح.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث حذيفة بن اليمان.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث حذيفة بن اليمان بحديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٠٧) - ٤٠١٧ - (٣) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير وعلي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(قالا: حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا إسماعيل بن أبي خالد) اسمه سعيد، وقيل: هرمز، وقيل: كثير البجلي الأحمسي أبو عبد الله الكوفي، ثقة ثبت، من الرابعة، مات سنة ست وأربعين ومئة (١٤٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن قيس بن أبي حازم) اسمه حصين بن عوف البجلي الأحمسي أبي عبد الله الكوفي، ثقة ثبت، من الثانية، مات بعد التسعين، أو قبلها. يروي عنه: (ع).
стр. 11562
عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: مَا سَأَلَ أَحَدٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الدَّجَّالِ أَكْثَرَ مِمَّا سَأَلْتُهُ، وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: أَشَدَّ سُؤَالًا مِنِّي، فَقَالَ لِي: "مَا تَسْأَلُ عَنْهُ؟ "، قُلْتُ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ مَعَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، قَالَ: "هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ ذَلِكَ".
===
(عن المغيرة بن شعبة) بن مسعود بن معتب الثقفي الكوفي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، مات سنة خمسين (٥٠ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) المغيرة: (ما سأل أحد النبي ﷺ عن الدجال) سؤالًا (أكثر مما سألت) أي: أكثر من سؤالي إياه عنـ (ـه وقال) محمد (ابن نمير) في روايته: (أشد سؤالًا مني، فقال لي) رسول الله ﷺ : (ما تسأل عنه؟ ) أي: من أي شيء تسأل عنه؛ أي: أكثرت السؤال عنه؛ أي: عن أمر الدجال؟ (قلت) له ﷺ : الخَشْيَةُ منه (إنهم) أي: لأن الناس (يقولون) فيما بينهم: (إن معه) أي: إن مع الدجال (الطعام والشراب) فَيُنْعِمُ بذلك من آمن به، ومعه أيضًا النار، فيعذب بها من كفر به.
(قال) رسول الله ﷺ : (هو) أي: الدجال (أهون) وأحقر (على الله) تعالى؛ أي: عند الله تعالى (من ذلك) أي: من أن يجعل ما خلقه الله تعالى على يده مضلًا للمؤمنين، ومشككًا لقلوبهم، بلى؛ إنما جعل الله ذلك على يده؛ ليزداد الَّذين آمنوا إيمانًا بالله تعالى، ولِتَثْبُت الحجة على الكافرين بالله تعالى والمنافقين، وليس معناه: أنه ليس معه شيء من الجنة والنار اللتَينِ جعلهما الله تعالى على يديه؛ ابتلاءً لعباده، وامتحانًا لهم. انتهى "عيني".
стр. 11563
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وفي "القسطلاني": قوله: "هو أهون على الله من ذلك" معناه: هو أهون وأحقر وأضعف من أن يجعل الله شيئًا من ذلك آيةً على صدقه، لا سيما وقد جعل الله فيه آية ظاهرة على كذبه وكفره، يقرؤها من قرأ ومن لا يقرأ؛ زيادةً على شواهد كذبه من حدوثه ونقصه بالعور، وليس المراد: ظاهره، وأنه لا يجعل على يديه شيئًا من ذلك، بل هو على التأويل المذكور. انتهى منه.
قال القرطبي: قوله: "هو أهون على الله من ذلك" أي: إنَّ الدجالَ على الله أهون من أن يجعل الله ما يخلقه على يديه من الخوارق مضلًا للمؤمنين ومشككًا لهم، بل ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم، وليرتاب الذين في قلوبهم مرض والكافرون؛ كما قال له الذي قتله ثم أحياه: (ما كنت فيك قط أشد بصيرة مني الآن)، وقد تضمنت تلك الأحاديث المتقدمة أن عيسى ﵇ ينزل ويقتل الدجال، وهو مذهب أهل السنة، والذي دل عليه قوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (١)، والأحاديث الكثيرة الصحيحة المنتشرة، وليس في العقل ما يحيل ذلك ويرده، فيجب الإيمان به، والتصديق بكل ذلك، ولا يبالى بمن خالف في ذلك من المبتدعة، ولا حجة لهم في اعتمادهم في نفي ذلك على التمسك بقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٢)، وبما ورد في السنة: من أنه لا نبي بعده ولا رسول، ولا بإجماع المسلمين على ذلك، ولا على أن شرعنا لا ينسخ وهو ثابت إلى يوم القيامة؛ لأنا نقول بموجب ذلك كله: إن عيسى ﵇ إنما ينزل؛ لقتل الدجال، ولإحياء شريعة محمد ﷺ ، وليعمل بأحكامها، وليقيم العدل على مقتضاها، وليقهر الكفار، وليظهر للنصارى ضلالتهم، ويتبرأ
стр. 11564
(١٠٨) - ٤٠١٨ - (٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي،
===
من إفكهم، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ويأتم بإمام هذه الأمة.
والحاصل: أنه لم يأت برسالة مستأنفة، ولا شريعة مبتدأة، وإنما يأتي عاضدًا لهذه الشريعة، وملتزمًا أحكامها، غير مغير لشيء منها.
والمنفي بالأدلة السابقة إنما هو رسول يزعم أنه قد جاء بشرع جديد مبتدأ، أو برسالة مستأنفة، فمن ادعى ذلك .. كان كاذبًا كافرًا قطعًا. انتهى من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الفتن، باب ذكر الدجال، ومسلم في كتاب الآداب، باب جواز قوله لولد غيره: يا بني ... إلى آخره، وفي كتاب الفتن في أشراط الساعة، باب في الدجال وهو أهون على الله ، وابن حبان في "الإحسان".
وهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث حذيفة.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث حذيفة بحديث فاطمة بنت قيس رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٠٨) - ٤٠١٨ - (٤) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبي) عبد الله بن نمير الهمداني، ثقة، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 11565
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ
===
(حدثنا إسماعيل بن أبي خالد) سعيد الأحمسي البجلي الكوفي، ثقة ثبت، من الرابعة، مات سنة ست وأربعين ومئة (١٤٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن مجالد) - بضم أوله وتخفيف الجيم - ابن سعيد بن عمير بن أفلح بن شراحيل الهمداني أَبِي عَمْرو الكوفي. روى عن: الشعبي، وقيس بن أبي حازم، ويروي عنه: إسماعيل بن أبي خالد، وهو من أقرانه، ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره، من صغار السادسة، مات في ذي الحجة سنة أربع وأربعين ومئة (١٤٤ هـ). يروي عنه: (م عم)، وحديثه في مسلم مقرون، وقال النسائي: ليس بالقوي، ووثقه مرة، وقال ابن عدي: له عن الشعبي عن جابر أحاديث صالحة، وعن غير جابر أيضًا، وقال يعقوب بن سفيان: تكلم الناس فيه وهو صدوق، قال الساجي: قال محمد بن المثنى: يحتمل حديثه؛ لصدقه، وقال ابن سعد: كان ضعيفًا في الحديث، وقال العجلي: جائز الحديث، وقال البخاري: صدوق، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به. انتهى "تهذيب" ملتقطًا.
قلت: فهو مختلف فيه.
(عن) عامر بن شراحيل (الشعبي) الحميري أبي عمرو الكوفي، ثقة مشهور فقيه فاضل، من الثالثة، مات بعد المئة. يروي عنه: (ع).
(عن فاطمة بنت قيس) بن خالد الفهرية، أخت الضحاك بن قيس، صحابية مشهورة رضي الله تعالى عنها، وكا نت من المهاجرات الأول. يروي عنها: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه مجالد بن سعيد، وهو مختلف فيه؛ كما مر آنفًا، ولكن لا يضر في السند؛ لأن له متابعًا؛ وهو عبد الله بن بريدة، وهو ثقة.
стр. 11566
قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، وَكَانَ لَا يَصْعَدُ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَة، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاس، فَمِنْ بَيْنِ قَائِمٍ وَجَالِسٍ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ أَنِ اقْعُدُوا: "فَإِنِّي وَاللهِ؛ مَا قُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا لِأَمْرٍ يَنْفَعُكُمْ لِرَغْبَةٍ وَلَا لِرَهْبَةٍ،
===
(قالت) فاطمة: (صلى رسول الله ﷺ ذات يوم) أي: يومًا من الأيام؛ فلفظ (ذات) مقحم، أو هو من إضافة المسمى إلى الاسم؛ أي: صلى في ذات تسمى باليوم لا بالليلة، أو من إضافة الشيء إلى نفسه، ولم أر من ذكر اسم تلك الصلاة هل هي صلاة الظهر أم العصر، والله أعلم.
(وصعد المنبر) النبوي (وكان) رسول الله ﷺ (لا يصعد) ولا يطلع (عليه) أي: على المنبر (قبل ذلك) اليوم (إلا يوم الجمعة، فاشتد ذلك) أي: صعوده على المنبر (على الناس) لأن ذلك الصعود كان خلاف عادته قبل ذلك اليوم (فـ) كان الناس (من بين قائم وجالس) أي: فكان الناس من بين هذين القسمين.
وفي رواية مسلم وأبي داوود: (فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته .. جلس على المنبر) وفيه دلالة على جواز وعظ الواعظ الناس جالسًا على المنبر، وأما الخطبة يوم الجمعة .. فلا بد للخطيب أن يخطبها قائمًا.
(فأشار) رسول الله ﷺ (إليهم بيده) الشريفة بـ (أن اقعدوا؛ فإني والله؛ ما قمت في مقامي هذا) أي: على المنبر الأمر ينفعكم لرغبةٍ) فيه (وَلَا لِرَهْبَةٍ) منه، وقوله: (لرغبة) بدل من قوله: (لأمر) بإعادة الجار. انتهى "سندي".
قال القاري في "المرقاة" (٩/ ٤٠٢): أي: لا مرغوبَ فيه من عطاء؛ كغنيمة، ولا لخوف منه من عدو وغيره (ولكن تميمًا الداري)، ولفظ مسلم: (فلما قضى
стр. 11567
وَلكِنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي خَبَرًا مَنَعَنِي الْقَيْلُولَةَ مِنَ الْفَرَحِ وَقُرَّةِ الْعَيْن، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَنْشُرَ عَلَيْكُمْ فَرَحَ نَبِيِّكُمْ، أَلَا إِنَّ ابْنَ عَمٍّ لِتَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَخْبَرَنِي:
===
صلاته .. جلس على المنبر) حالة كونه (يضحك، فقال: ليلزَمْ كُلُّ إنسان) منكم (مصلاه) أي: الموضع الذي صلى فيه (ثم قال) رسول الله ﷺ : (أتدرون) أي: هل تعلمون (لم جمعتكم) ومنعتكم من القيام؟ (قالوا: الله ورسوله أعلم، فـ) قال رسول الله ﷺ : (إني والله؛ ما جمعتكم لرغبة) فيكم لغرض من الأغراض؛ كبعث البعوث وإطعام المحاويج (ولا لرهبة) عليكم؛ أي: لخوف عليكم من هجوم الأعداء لتَسْتَعِدُّوا لهم، وفي رواية مسلم بعد هذا المذكور: (ولكن جمعتكم) لأخبركم خبرًا عجيبًا سمعته من تميم الداري.
(ولكن تميمًا) أي: وذلك لأن تميمًا (الداري أتاني) أي: جاءني (فأخبرني خبرًا) عجيبًا (منَعَني القَيْلولة) أي: من النوم وسط النهار للاستراحة (من الفرح) أي: لأجل الفرح به، سَيُعْلَم أن فرحه كان بسببِ أمنِ المدينة من اللَّعين. انتهى من "الإنجاز".
(و) من أجل حصول (قرة العين) لي؛ أي: برودة القلب لي بسبب ذلك الخبر، وهو كناية عن حصول غاية الفرح وانشراح الصدر به؛ أي: بذلك الخبر؛ لموافقته لما في اعتقادي (فأحببت) أي: وددت (أن أنشر) وأخبر (عليكم) وأُشيع فيكم (فرح نبيكم) يريد نفسه (ألا) أي: انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم؛ وذلك (أن ابن عم لتميم الداري أخبرني) أيضًا، ولعل الصواب: (أخًا لتميم الداري) اسمهُ نُعيم بن أوس الداريُّ؛ كما سيأتي قريبًا ذِكْرُ ترجمته.
واعلم: أن تميم بن أوس الداري كان أولًا رجلًا نصرانيًا، فجاء إلى
стр. 11568
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
رسول الله ﷺ ، فبايعه على الإسلام وأسلم، وحدث لرسول الله ﷺ حديثًا يوافق الحديث الذي حدث رسول الله لأصحابه عن المسيح الدجال وخروجه في أمته ﷺ .
وأما ترجمة تميم الداري
فهو تميمُ بن أوس بن خارجة الداريُّ؛ نسبة إلى الدار بن هانئ من بني لَخْم، كان راهبَ عصره وعابد أهل فلسطين، وقيل: نسبة إلى جده الدار بن هانئ بن حبيب، وقيل: نسبة إلى دارين؛ وهو اسم موضع في بلاد البحرين تُجْلَبُ إليه العُطورُ من بلاد الهند، والأول أصح.
أبو رقية - بقاف وتحتانية مصغرًا - الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، وكان راهب أهل فلسطين، أسلم سنة تسع هو وأخوه نعيم بن أوس بن خارجة الداري، ولهما صحبة، قدم تميم المدينة، وغزا مع رسول الله ﷺ ، (وهو أول من أسرج السراج في المسجد النبوي) رواه الطبراني من حديث أبي هريرة.
و(أول من قص) أي: وعظ الناس؛ وذلك في عهد عمر رضي الله تعالى عنهما، رواه إسحاق بن راهويه وابن أبي شيبة.
وكذا رواه عمر بن شبة في "تاريخ المدينة" أنه كان يعظ الناس قبل صلاة الجمعة، انتقل إلى الشام بعد قتل عثمان، وسكن فلسطين، وكان النبي ﷺ أقطعه بها قرية (عينون) قبل أن تفتح، فأقره عمر رضي الله تعالى عنهما، وكان كثير التهجد، مات بالشام سنة أربعين، وقبره بـ (بيت جبرين) من بلاد فلسطين، كذا في "الإصابة" (١/ ١٨٦).
стр. 11569
أَنَّ الرِّيحَ أَلْجَأَتْهُمْ إِلَى جَزِيرَةٍ لَا يَعْرِفُونَهَا، فَقَعَدُوا فِي قَوَارِبِ السَّفِينَةِ،
===
قال النووي: وقوله ﷺ : "إن تميمًا الداري أتاني فأخبرني" هذا معدود في مناقب تميم؛ لأن النبي ﷺ روى عنه هذه القصة.
وفيه رواية الفاضل عن المفضول، ورواية المتبوع عن تابعه، وفيه رواية الأكابر عن الأصاغر، وقبول خبر الواحد، وهو جواب لغز من ألغز بقوله: (من الذي حدث عنه رسول الله ﷺ ؟ ) انتهى.
وأما ترجمة أخي تميم الداري .. فهو نعيم بن أوس أخو تميم الداري، قال أبو عمر: يقال: إنه وفد مع أخيه تميم على النبي ﷺ .
وقال ابن منده: له ذكر في حديث أورده الواقدي في "المغازي" من طريق عبد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: (قدم وفد الداريين على رسول الله ﷺ منصرفه من تبوك؛ وهم عشرة: هانى بن حبيب، والفاكه بن النعمان، وجُبَيْلَةُ بن مالك، وعروة بن مالك، وقيس بن مالك، وأخوه مرة، وأبو هند، وأخوه الطيب، وتميم بن أوس، وأخوه نعيم بن أوس، ويزيد بن قيس، فسمى النبي ﷺ الطيب: عبد الله، وسمى عروة: عبدَ الرحمن. انتهى من "الإصابة في تمييز الصحابة".
ثم قال النبي ﷺ : (ألا إن أخًا لتميم الداري) اسمه: نعيم بن أوس الداري (أخبرني) كما أخبرني تميم أخوه (أن الريح) العاصفة (ألجأتهم) أي: ردتهم ورجعتهم من فوق البحر (إلى جزيرة لا يعرفونها، فقعدوا في قوارب السفينة) زمنًا قليلًا؛ انتظارًا لوقفة الرياح.
والقوارب: جمع قارب - بكسر الراء والفتح أشهر - وهي سفينة صغيرة تكون مع أصحاب السفن الكبار البحرية يتخذونها لحوائجهم في البحر
стр. 11570
فَخَرَجُوا فِيهَا فَإِذَا هُمْ بِشَيْءٍ أَهْدَبَ أَسْوَدَ، قَالُوا لَهُ: مَا أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ، قَالُوا: أَخْبِرِينَا، قَالَتْ: مَا أَنَا بِمُخْبِرَتِكُمْ شَيْئًا وَلَا سَائِلَتِكُمْ، وَلكِنْ هَذَا الدَّيْرُ قَدْ رَمَقْتُمُوهُ
===
(فخرجوا فيها) أي: في القوارب إلى الجزيرة (فإذا هم) وجدوا فيها؛ أي: في الجزيرة (بشيء أهدب) أي: بحيوان كثير شعر الهدب، أو طويله؛ والهدب - بضمتين أو بضم فسكون -: شعر أشفار العين.
وقوله: (أسود) صفة ثانية لشيء فـ (قالوا له) أي: قال أصحاب السفينة لذلك الشيء الأهدب: (ما أنت؟ ) أي: أي شيء أنت، ومن أي شيء كنت؟ (قال) ذلك الشيء الأهداب الأسود لأصحاب السفينة: (أنا الجساسة).
قوله: فقالوا له: (ما أنت؟ ) أي: أيُّ جنسٍ أنت من الحيوان؟
قال القرطبي: اعتقدوا فيها أنها مما لا يعقلُ، فَاسْتَفْهَمُوا عنها بـ (ما) ثم إنها كلَّمتهم كلامَ من يعقل، وعند ذلك رَهِبُوا أن تكون شيطانة، فقالت في جواب سؤالهم: (أنا الجسَّاسة) هو - بفتح الجيم وتشديد السين المهملة - اسم لدابة عجيبة، قيل: سميت بذلك؛ لتجسسها الأخبار للدجال؛ لأنها جاسوسة له، وجاء عن عبد الله بن عمرو: (أنها دابة الأرض المذكورة في القرآن) كذا في "شرح النووي".
(قالوا) أي: قال أصحاب السفينة؛ يعني: رفقة تميم الداري لها: (أخبرينا) أيتها الجساسة عن جنسك وعن شؤونك وعملك؟
(قالت) الجساسة لهم: (ما أنا بمخبرتكم شيئًا) من شؤوني (ولا) بـ (سائلتكم) عن شؤونكم (ولكن هذا الدير) - بفتح الدال وسكون الياء المثناة من تحت -: هو خان النصارى وراهبهم، وفي "المغرب": صومعة الراهب.
أي: هذا الخان الذي (قد رمقتموه) أي: رأيتموه ونظرتموه حين
стр. 11571
فَأْتُوهُ؛ فَإِنَّ فِيهِ رَجُلًا بِالْأَشْوَاقِ إِلَى أَنْ تُخْبِرُوهُ وَيُخْبِرَكُمْ، فَأَتَوْهُ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ؛ فَإِذَا هُمْ بِشَيْخٍ مُوثَقٍ شَدِيدِ الْوَثَاق، يُظْهِرُ الْحُزْنَ، شَدِيدِ التَّشَكِّي، فَقَالَ لَهُمْ: مِنْ أَيْنَ؟
===
مروركم عليه (فأتوه) أي: فاذهبوا إليه (فإن فيه) أي: في ذلك الخان (رجلًا) ملتبسًا (بالأشواق) أي: بالاشتياق (إلى أن تخبروه) شؤونكم (و) إلى أن (يخبركم) شؤونه، وقوله: الكن هذا الدير) بالرفع مبتدأ، وقوله: (قد رمقتموه) صلة لموصول محذوف، وجملة قوله: (فأتوه) خبر المبتدأ؛ والتقدير: ولكن هذا الدير والخان الذي رمقتموه ورأيتموه حين مروركم عليه، فأتوه؛ أي: فاذهبوا إليه؛ فإن فيه؛ أي: فإن في ذلك الدير رجلًا ملتبسًا بالاشتياق إلى إخباركم له خبر ما عندكم وإخباره إياكم خبر ما عنده.
وقوله: (فأتوه) - بفتح التاء المثناة فوق - بصيغة الماضي مفرع على محذوف؛ تقديره: فلما أمرتهم الجساسة بالذهاب إليه .. أتوه؛ أي: جاؤوا ذلك الرجل الذي في الدير (فدخلوا عليه، فـ) لما أتوه (إذا هم) راؤون (بشيخ) أي: برجل كبير السن (موثق) بلفظ اسم المفعول؛ من الإيثاق؛ أي: برجل مربوط (شديد الوثاق) أي: برجل موثق شديد ربطه (يُظْهِرُ) لمن رآه (الحزنَ) والتأسفَ؛ ليَفُكَّ الوثاقَ عنه.
وقوله: (شديد التشكي) صفة ثالثة لشيخ؛ أي: شديد الشكوى وكثيرها لمن رآه؛ ليغيثه بحل الرباط عنه.
(فـ) لما رأوه .. (قال) ذلك الشيخ الموثق (لهم) أي: لتميم ولمن معه من أصحاب سفينته: (من أين) أنتم؟ أي: من أي مكان أنتم؛ لأن (أين) اسم استفهام عن مكان؟
стр. 11572
قَالُوا: مِنَ الشَّام، قَالَ: مَا فَعَلَتِ الْعَرَبُ؟ قَالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ مِنَ الْعَرَب، عَمَّ تَسْأَلُ؟ قَالَ: مَا فَعَلَ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي خَرَجَ فِيكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرًا، نَاوَأَ قَوْمًا فَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِمْ، فَأَمْرُهُمُ الْيَوْمَ جَمِيعٌ: إِلههُمْ وَاحِدٌ، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، قَالَ: مَا فَعَلَتْ عَيْنُ زُغَرَ؟
===
(قالوا) أي: قال أصحاب تميم له؛ أي: لذلك الشيخ المربوط: نحن (من) أهل (الشام).
فـ (قال) لهم: (ما فعلت العرب) هل هم على دينهم الأول من عبادة الأوثان أم يعبدون الله ؟
(قالوا) له: (نحن) معاشر هؤلاء الرفقة (قوم) أي: جماعة (من العرب، عم تسأل) عنهم؟ أي: عن أي شيء تسأل من شؤونهم؟
(قال) لهم الشيخ الموثق: (ما فعل هذا الرجل الذي خرج) أي ظهر (فيكم) يا معاشر العرب؟
فـ (قالوا) أي: فقالت رفقة تميم للشيخ الموثق ردًّا لسؤاله: فعل (خيرًا) فإنه (ناوأ) أي: عادى وحارب (قومًا) كذبوه (فأظهره الله) ؛ أي: نصره (عليهم) أي: أعانه الله وغلبه عليهم (فأَمْرهُم) أي: فشَأْنُ العرب مع ذلك الرجل الذي ظهر فيهم (اليوم) أي: في الزمن الحاضر (جميع) أي: متفقون على دينه، مصدقون له في دعواه (إلههم) أي: معبودُ العرب مع معبود ذلك الرجل .. إله (واحد) الذي لا إله إلا هو (ودينهم) أي: ودين العرب مع دين ذلك الرجل .. دين (واحد) الذي هو دين الإسلام الذي لا دين غيره.
(قال) ذلك الشيخ الموثق لهم؛ أي: لرفقة تميم: (ما فعلت عين زغر؟ ) أي: ماؤها؛ هل ينقص أم يزيد؟
стр. 11573
قَالُوا: خَيْرًا، يَسْقُونَ مِنْهَا زُرُوعَهُمْ، وَيَسْتَقُونَ مِنْهَا لِسَقْيِهِمْ،
===
وزغر - بضم الزاي وفتح الغين المعجمة ثم راء؛ على وزن زفر -: هي بلدة معروفة في الجانب القبلي من الشام. انتهى "نووي"، وهي لا تنصرف. انتهى "مبارق" للعلمية والعدل، أو للعلمية والتأنيث.
وقال الحموي في "معجم البلدان" (٤/ ١٤٣): هي قرية في مَشَارِفِ الشام؛ أي: أمامها القبلي.
وقيل: زغر اسم لبنت لوط ﵇ نزلت بهذه القرية، فسميت باسمها.
وحدثني الثقة أن زغر هذه في طرف البحيرة المنتنة في واد هناك، بينها وبين بيت المقدس ثلاثة أيام، وهي من ناحية الحجاز، ولهم هناك زروع.
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: لما هلكت قوم لوط .. مضى لوط ﵇ وبناته يريدون الشام، فماتت الكبرى من بناته، فكان يقال لها: (رَبَّةُ) فدفنت عند عين هناك، فسميت باسمها: (عين ربة).
ثم ماتت بعد ذلك الصغرى، وكان اسمها: (زغر) فدفنت عند عينٍ من ماء، فسميت: (عينَ زُغَر) وهذه في وادٍ وَخِمٍ رديء في أشأمِ بقعةٍ، إنما يَسْكُنه أهلُه للوطنِ. انتهى من "الكوكب".
(قالوا) هذا مرتب على محذوف؛ تقديره: فقُلْنَا له: (عن أي شَأْنها تَستَخْبِرُ؟ ) قال الشيخ الموثق: أستخبركم هل في العين ماء، وهل يزرع أهلها بماء العين؟
فقالوا؛ أي: أصحاب له في جوابه: كانت العين (خيرًا) أي: على خير (يسقون) أي: يسقي أهلها (منها زروعهم ويستقون)؛ أي: يستقي أهلها (منها) أي: يأخذون من تلك العين الماء في دلائهم (لسقيهم) أي: لشرب
стр. 11574
قَالَ: فَمَا فَعَلَ نَخْلٌ بَيْنَ عَمَّانَ وَبَيْسَانَ؟ قَالُوا: يُطْعِمُ ثَمَرَهُ كُلَّ عَامٍ، قَالَ: فَمَا فَعَلَتْ بُحَيْرَةُ الطَّبَرِيَّةِ؟ قَالُوا: تَدَفَّقُ
===
أنفسهم؛ أي: ما زالت العين بخير، يسقون ويستقون منها.
(قال) الشيخ الموثق: (فما فعل نخل بين عَمَّان) بفتح المهملة وتشديد الميم (وبيسَانَ) - بفتح الموحدة وسكون التحتانية - كلاهما بلدتان مشهورتان بالشام، ذكر الطيبي أنها - أي: بيسان - قرية بالشام.
وزاد ابن الملك: وقال الحموي في "معجم البلدان" (٢/ ٥٢٦): بيسان: مدينة بالأردن بالغور الشامي، ويقال: هي لسان الأرض، وهي بين حوران وفلسطين، وبها عين الفلوس، يقال: إنها من الجنة، وهي عين فيها ملوحة يسيرة، جاء ذكرها في حديث الجساسة، وتوصف بكثرة النخل، وقد رأيتها مرارًا، لم أر فيها غير نخلتين حائلتين، وهو من علامات خروج الدجال، وهي بلدة وبئة حارة، أهلها سمر اللون جعد الشعور؛ لشدة الحر الذي عندهم، ثم ذكر في الأخير أن هناك موضعًا آخر اسمه بيسان، وهو باليمامة. انتهى باختصار.
(قالوا) أي: رفقة تميم للشيخ الموثق: قلنا للشيخ الموثق: عن أي شأنها؛ أي: عن أي شأن نخلها وحالها تستخبر؟ (فقال): أسألكم عن نخلها هل يثمر الآن أم لا؟ (قلنا له: نعم) يثمر نخلها و (يُطعِمُ) نخلُها (ثمرَه كلَّ عام).
(قال) الشيخ الموثق: (فما فعلت بُحيرة الطبرية؟ ) بحر صغير معروف بالشام؛ وطبرية: بلدة بناها بعض ملوك الروم، والنسبة إليها طبرانيّ - بالألف والنون - ولطَبَرِسْتانَ الَّتِي بخراسان: طَبَرِيٌّ. انتهى "س".
وفي "مسلم": (قلنا له: عن أي شأنها تستخبر؟ قال) الشيخ الموثق: (هل فيها) أي: في تلك البحيرة (ماء)؟
(قالوا) أي: قُلْنَا له، ففيهِ التفاتٌ: (تَدَفَّقُ) من باب تفعل الخماسي، قال
стр. 11575
جَنَبَاتُهَا مِنْ كَثْرَةِ الْمَاء، قَالَ: فَزَفَرَ ثَلَاثَ زَفَرَاتٍ، ثُمَّ قَالَ: لَوِ انْفَلَتُّ مِنْ وَثَاقِي هَذَا .. لَمْ أَدَعْ أَرْضًا إِلَّا وَطِئْتُهَا برِجْلَيَّ هَاتَيْنِ إِلَّا طَيْبَةَ لَيْسَ لِي عَلَيْهَا سَبِيلٌ"، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِلَى هَذَا يَنْتَهِي فَرَحِي، هَذِهِ طَيْبَةُ، وَالَّذِي نَفْسِي
===
في "المنجد": تدفَّقَ واسْتَدْفَقَ الماءُ: تَصَبَّب، ويصح: (تَدفُقُ) من باب نصر (جنباتها) جمع جنبة؛ والجنبة: الناحية والجانب. انتهى "سندي".
أي: قلنا له: هي كثيرة الماء تدفق جنباتها؛ أي: تدفق الماء جوانبها ونواحيها بسرعة وقوة؛ لكثرة مائها؛ كما قاله (من كثرة الماء) أي: تدفق وترمي تلك البحيرة؛ من أجل كثرة مائها من كل جوانبها وأطرافها.
(قال: فزفر) أي: صاح ذلك الشيخ (ثلاث زفرات) أي: ثلاث صيحات؛ فالزفير: أول صوت الحمار؛ والشهيق: آخره؛ لأن الزفير إدخال النفس، والشهيق إخراجه، ذكره السيوطي. "سندي".
(ثم قال) الشيخ: (لو انفلتُّ) وانفككت وخرجت (من وثاقي) وربطي (هذا) الذي رأيتموه عليَّ (لم أدع) أي: لم أترك (أرضًا) أي: ناحيةً من نواحي الأرض (إلا وطئتها) ومشيت فيها (برجلي هاتين إلا طيبة) محمد ﷺ ، وفي رواية مسلم زيادة: (مكة) المكرمة؛ وطيبة - بفتح الطاء المهملة وسكون الياء - هي المدينة، ويقال لها أيضًا: طابة، وكل منهما مأخوذ من الطيب؛ لطيبها بطيب رسول الله ﷺ ؛ فإنه اليس لي عليها سبيل) أي: ليس لي سبيل وطاقة وقدرة على دخولها (قال النبي ﷺ : إلى هذا) أي: من أول الخبر إلى هذا؛ أي: إلى قول الشيخ الموثق: (إلا طيبة ليس لي عليها سبيل) (ينتهي فرحي) وسروري الحاصل بقول الشيخ الموثق: (هذه طيبة، و) أقسمت لكم بالإله (الذي نفسي)
стр. 11576
بِيَدِهِ؛ مَا فِيهَا طَرِيقٌ ضَيِّقٌ وَلَا وَاسِعٌ وَلَا سَهْلٌ وَلَا جَبَلٌ إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ شَاهِرٌ سَيْفَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ".
(١٠٩) - ٤٠١٩ - (٥) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ،
===
وروحي (بيده) المقدسة على أن (ما فيها) أي: ما في جهات طيبة ونواحيها (طريقٌ ضَيِّقُ) المسالك (ولا واسعُ) المسالك (ولا سَهْلُ) المسالك بكونه لا عقبة فيه (ولا) ذُو عقبة؛ بأن كان فيه (جبل .. إلا و) الحال أنه (عليه) أي: على ذلك الطريق (مَلَكٌ) من ملائكة الله، حارسٌ له من شياطين الإنس والجن (شاهرٌ) ذلك المَلكُ أي: مُخْرِج (سيفَه) من غِلافه (إلى) مجيء (يوم القيامة) غاية الحراسة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الفتن، باب قصة الجساسة، وأبو داوود في كتاب الملاحم، باب في خبر الجساسة، والترمذي في كتاب الفتن، وقال: حديث حسن صحيح.
ودرجته: أنه صحيح وإن كان سند المؤلف حسنًا؛ لما تقدم من أن مجالدًا مختلف فيه؛ لأن له متابعات كثيرة ممن روى عن الشعبي؛ كعبد الله بن بريدة، وأبي الحكم سيار بن وردان، وغيلان بن جرير، كلهم عن الشعبي، وله شواهد أيضًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث حذيفة بن اليمان.
* * *
ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث حذيفة بحديث النواس بن سمعان رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٠٩) - ٤٠١٩ - (٥) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير - مصغرًا - السلمي الدمشقي صدوق مقرئ خطيب، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
стр. 11577
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ النَّوَّاسَ بْنَ سَمْعَانَ الْكِلَابِيَّ
===
(حدثنا يحيى بن حمزة) بن واقد الحضرمي أبو عبد الرحمن الدمشقي القاضي، ثقة من الثامنة، رمي بالقدر، مات سنة ثلاث وثمانين ومئة (١٨٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر) الأزدي أبو عتبة الشامي الداراني، ثقة، من السابعة، مات سنة بضع وخمسين ومئة (١٥٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثني عبد الرحمن بن جبير) بجيم وموحدة مصغرًا (ابن نفير) - بنون وفاء مصغرًا - الحضرمي الحمصي، ثقة، من الرابعة، مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثني أبي) جبير بن نفير بن مالك بن عامر الحضرمي الحمصي، ثقة جليل، من الثانية، مخضرم، له ولأبيه صحبة رضي الله تعالى عنهما، فكأنه هو ما وفد إلا في عهد عمر، مات سنة ثمانين (٨٠ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (م عم).
(أنه) أي: أن جبيرًا (سمع النواس) بفتح النون وتشديد الواو ثم مهملة (ابن سمعان) - بفتح أوله أو كسره - ابن خالد، له ولأبيه صحبة رضي الله تعالى عنهما، قال ابن عبد البر: إن أباه وفد على النبي ﷺ فدعا له، وتزوج النبي ﷺ أخته، فلما دخلت على النبي ﷺ .. تعوذت منه فتركها، وهي الكلابية، كذا في "التهذيب" (الكلابي) - بكسر الكاف - نسبة إلى بني كلاب، قبيلة مشهورة في العرب، الصحابي المشهور الشامي. يروي عنه: (م عم).
стр. 11578
يَقُولُ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الدَّجَّالَ الْغَدَاةَ، فَخَفَضَ فِيهِ وَرَفَعَ،
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
حالة كون النواس (يقول: ذكر رسول الله ﷺ الدجال) أي: شأنه وفتنته في وقت (الغداة) وهي: أول النهار (فخفض) النبي ﷺ صوته (فيه) أي: في ذكره؛ إبقاء للنشاط على نفسه (ورفع) صوته في ذكره تارة، ليسمع من بعد عنه، أو المعنى: (فخفض فيه) أي: حقر في شأنه (ورفع فيه) أي: عظم فتنته تارة أخرى.
وعبارة القرطبي: هنا: قوله: "فخفض فيه ورفع" - بتخفيف الفاء فيهما - أي: أكثر من الكلام فيه؛ فتارةً يرفع صوته، ليسمع من بعد عنه، وتارةً يخفض صوته؛ ليستريح من تعب الإعلان، وهذه الحالة حالة المكثر من الكلام.
وقيل: معناه: فحقره وصغره تارة؛ كما قال في حديث آخر: "هو أهون على الله من ذلك" وتارة عظمه؛ كما قال: "ليس بين يدي الساعة خلق أكبر فتنة من الدجال"، والمعنى الأول أسبق إلى الفهم.
وقد روى اللفظان: (فخفض فيه ورفع) مشددًا الفاء، وهو التضعيف والتكثير، أي: للمبالغة في كثرة ذلك. انتهى من "المفهم".
قال النووي: وفي معناه قولان:
الأول: أن النبي ﷺ أكثر الكلام في شأنه؛ فتارة رفع صوته؛ ليسمعه كل أحد، وأخرى خفض؛ ليستريح من تعب الجهر.
والثاني: أن المراد من التخفيض: تصغير شأنه وتحقيره، كما ذكر أنه أعور وأهون على الله من ذلك، وأنه لا يقدر على قتل أحد إلا ذلك الرجل، ثم يعجز عنه، وأنه يضمحل أمره، ويقتل بيد عيسى ﵇.
стр. 11579
حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ؛ فَلَمَّا رُحْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ .. عَرَفَ ذَلِكَ فِينَا، فَقَالَ: "مَا شَأْنُكُمْ؟ "، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ الْغَدَاةَ فَخَفَضْتَ فِيهِ ثُمَّ رَفَعْتَ؛ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْل، قَالَ: "غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ؛
===
والمراد من الترفيع: تعظيم فتنته حيث تَصْدُر منه أمورٌ خارقة للعادة، وأنه ليس بين يدي الساعة أحدٌ أعظمُ فتنةً من الدجال. انتهى منه.
ولفظة: (حتى) في قوله: (حتى ظننَّا) هـ غاية لمحذوف؛ تقديره: أي: أكثر رسولُ الله ﷺ الإنذار في الدجال حتى ظننا نحن معاشر الصحابة (أنه) أي: أن الدجال مختف (في طائفة) أي: في قطعة من أشجار (النخل) قريبة إلينا؛ يعني: أنه ﷺ وصفه بصفات كثيرة من الفتن حتى ظننا أنه مختف في مكان قريب إلينا (فلما رحنا) أي: رجعنا (إلى رسول الله ﷺ في الرواح، أي: في آخر النهار .. (عرف) رسول الله ﷺ (ذلك) الظن الهائل (فينا) معاشر الحاضرين (فقال) لنا رسول الله ﷺ : (ما شأنكم) وحالكم في الخوف من الدجال أشد الخوف حتى ظننتم أنه قريب إليكم؟
(فقلنا) له: (يا رسول الله) أنك (ذكرت) لنا (الدجال) وفتنته (الغداة) أي: في أول هذا النهار (فخفضت فيه) أي: في ذكره صوتك تارةً (ثم رفعت) صوتك بذكره تارةً أخرى (حتى ظننا أنه) أي: أن الدجال قريب إلينا مختف (في طائفة) أي: في قطعة من أشجار (النخل) القريبة إلينا، فلذلك خفنا منه خوفًا شديدًا فـ (قال) لنا رسول الله ﷺ : (غير الدجال) من دعاة جهنم (أخوفني) أي: أشد خوفًا (عليكم) عندي.
والمعنى: إني أخاف عليكم من كير الدجال أكثر مما أخافه عليكم منه؛
стр. 11580
إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ .. فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ .. فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِه، وَاللهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ،
===
أي: غير الدجال أخوف عليكم عندي من الدجال، فحذف؛ للعلم به، وقد بسطنا الكلام على هذه الجملة في "الكوكب الوهاج" فراجعه.
(إن يخرج) الدجال ويظهر (وأنا) حي (فيكم .. فأنا حجيجه) أي: محاجه ومخاصمه ودافعه وقاطعه بالحجة؛ بإظهار كذبه وإفساد قوله (دونكم) أي: من غير افتقار وحاجة إلى محاجة شخص معين يدافعه عنكم؛ أي: فأنا كافٍ لكم في محاجته (وإن يخرج) ويظهر الدجال (و) الحال أنا (لست فيكم .. فامرؤ) أي: فكل امرئ منكم، والدليل على عمومه قوله فيما بعد: "والله خليفتي على كل مسلم" (حجيج نفسه) أي: محاج ومدافع له عن نفسه.
والمعنى: ليحتج كل امرئ منكم عن نفسه ويدافعه عنها بما أعلمته من صفته، وبما يدل عليه العقل من كذبه في دعوى الألوهية؛ وهو خبر بمعنى الأمر.
وفيه التنبيه على النظر عند المشكلات، والتمسك بالأدلة الواضحات. انتهى من "المفهم".
وهذا الكلام يدل على أن النبي ﷺ لم يتبين له وقت خروجه، غير أنه كان يتوقعه ويقربه، وكذلك كان يقرب أمره حتى يظنوا أنه في النخل القريب منهم. انتهى منه.
(والله) (خليفتي على) دفع شره وفتنته عن (كل مسلم) ومسلمة؛ يعني: أن الله تعالى وليّ كل مسلم وحافظه من شره، فيعينه عليه، ويدفع شره عنه بلا واسطة.
وهذا منه ﷺ تفويض إلى الله في كفاية كل مسلم من
стр. 11581
إِنهُ شَابٌّ قَطَطٌ عَيْنُهُ قَائِمَةٌ، كَأَنِّي أُشَبِّهُهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ،
===
تلك الفتن العظيمة وتوكل عليه في ذلك، ولا شك في أن من صح إسلامه في ذلك الوقت أنه يكفى تلك الفتن؛ لصدق النبي ﷺ في توكله، وصحة ضمان الله تعالى كفاية من توكل عليه بقوله : ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (١)؛ أي: كافيه مشقة ما توكل عليه فيه، وموصله إلى ما يصلحه منه، ومع هذا، فقد أرشد النبي ﷺ إلى ما يقرؤه على الدجال، فيؤمن من فتنته؛ وذلك عشر آيات من أول سورة الكهف أو من آخرها، على اختلاف الرواية في ذلك، والاحتياط والحزم يقتضي أن يقرأ عشر آيات من أول سورة الكهف، وعشر آيات من آخرها، على أنه قد روى أبو داوود من حديث نواس: (فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف؛ فإنه جوار لكم من فتنته) رواه أبو داوود (٤٣٢١).
ثم قال ﷺ : ألا (إنه) أي: إن الدجال رجل (شاب) الجسم، لا كهل ولا شيخ (قطط) - بفتحتين وبكسر الطاء الأولى، لغتان فيه - أي: شديد جعودة الشعر الذي لا يمتد إلا باليد؛ كشعور السودان، مباعد عن الجعودة المحبوبة، كذا في النووي.
(عينه قائمة) ناتئة جاحظة عن موضعها؛ أي: بارزة مرتفعة عنه؛ كأنها عنبة طافية؛ أي: حبةُ عنبةٍ بارزةٌ خارجةٌ من بين سائر الحبوب (كأَنِّي أُشَبِّهُهُ) في ظني (بعَبْدِ العزى بن قَطَنٍ) - بفتحتين - ولم يَقُلْ: كأنه عبد العزى بن قطن، قيل: إنه لم يكن جازمًا بتشبيهه به، وقيل: إنه كان يهوديًّا، والظاهر أنه كان مشركًا؛ لأن العزى اسم صنم، يؤيده ما جاء في بعض الحواشي: (هو رجل من خزاعة، هلك في الجاهلية). انتهى من "الأبي".
стр. 11582
فَمَنْ رَآهُ مِنْكُمْ .. فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ (سُورَةِ الْكَهْفِ) إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ خَلَّةٍ بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاق، فَعَاثَ يَمِينًا وَعَاثَ شِمَالًا،
===
قال علي القاري في "المرقاة" (١٠/ ١٦٢): قلتُ: لا شك في تشبيهه به إِلا أنه لما كان معرفةُ المشبَّه في عالمِ الكشف أو المنامِ .. عبر عنه بـ (كأَنِّي) كما هو المعتبر في الرؤيا، والله أعلم.
ويمكن أن يقال: لما لم يوجد في الكون أقبح منه صورة، فلا يَتِمُّ التشبيهُ مِن جميع الوجوه، بل ولا من وجه واحد .. عدل عن صيغة الجزم وعبَّر عنه بما عَبَّر به منه ثم في صيغة الحال؛ إشعارًا باستحضار صورة المآل. انتهى.
(فمن رآه) أي: رأى الدجال (منكم) أيها المسلمون .. (فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف) زاد أبو داوود من طريق صفوان بن صالح: (فإنها جواركم من فتنته)، والجوار - بكسر الجيم -: الأمان.
(إنه) أي: إن الدجال (يخرج) ويظهر (من خلة) أي: في خلة وطريق (بين الشام والعراق) وقيل للطريق والسبيل: خلة؛ لأنه خل وفصل ما بين البلدتين (فعاث) أي: أفسد في الأرض (يمينًا) أي: في يمينه (وعاث) أي: أفسد في الأرض (شمالًا) أي: في شماله، وفي مشارقها ومغاربها وجنوبها.
روي (عاث) بالعين المهملة والثاء المثلثة مفتوحة غير منونة؛ على أنه فعل ماض، وبكسرها وتنوينها؛ على أنه اسم فاعل؛ أي: فهو عاث في الأرض يمينًا وشمالًا.
يقال: عثا في الأرض يعثو؛ إذا أفسد، وكذلك عثي - بالكسر - يعثى؛ من باب رضي، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (١)،
стр. 11583
يَا عِبَادَ اللهِ؛ اثْبُتُوا"، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَمَا لُبْثُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: "أَرْبَعُونَ يَوْمًا؛ يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ"،
===
والتعبير بالماضي عن المستقبل إشعار بأنه محقق الوقوع لا محالة.
(يا عباد الله؛ اثبتوا) على دينكم دين الإسلام، ولا تؤمنوا به، وهذا من قول النبي ﷺ يَأْمُر مَنْ لَقِيَ الدجالَ أن يَثْبُتَ ويَصْبِرَ؛ فإِن لُبْثَه في الأرض قليل؛ على ما يأتي.
وأما من سمع به ولم يلقه .. فليبعد عنه، وَلْيَفِرَّ منه بنفسه؛ كما أخرجه أبو داوود من حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "من سمع الدجال .. فَلْيَنْأَ عنه، والله؛ إِنَّ الرجلَ لَيَأْتِيهِ وهو يحسب أنه مؤمن، فيَتْبَعُه مِمَّا يَبعث به من الشُّبهات، أو لما يبعث به من الشبهات" رواه أبو داوود (٤٣١٩).
قال النواس بن سمعان: (قلنا) معاشر الحاضرين: (يا رسول الله؛ وما لبثه) أي: مكثه (في الأرض؟ قال) رسول الله ﷺ : قدر لبثه في الأرض ومدته (أربعون يومًا؛ يومٌ) أولُ منها طُولُه (كـ) طُولِ (سنة، ويومٌ) ثان منها طُولهُ (كـ) طولِ (شهر، ويوم) ثالث منها طوله (كـ) طول (جمعة) وأسبوع (وسائر أيامه) أي: أيام الدجال (كأيامكم) أي: باقي أيام مكثه في الأرض؛ أي: قدرها كقدر أيامكم.
قال القرطبي: ظاهر هذا الكلام أن الله تعالى يخرق العادة في تلك الأيام، فيبطئ بالشمس عن حركتها المعتادة في أول يوم من تلك الأيام، حتى يكون أول يوم منها كمقدار سنة معتادة، ويبطئ بالشمس في الثاني منها، حتى تكون كمقدار شهر معتاد، ويبطئ الشمس في الثالث منها حتى يكون كمقدار جمعة،
стр. 11584
قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ تَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: "فَاقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ"، قَالَ: قُلْنَا: فَمَا إِسْرَاعُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ:
===
وهذا ممكن، لا سيما وذلك الزمان تنخرق فيه العوائد كثيرًا، لا سيما على يدي الدجال.
(قلنا) معاشر الحاضرين: (يا رسول الله؛ فذلك اليوم الذي كسنة) أ (تَكْفِينا) وتُجزِئُنا (فيه صلاة يوم) واحد؛ وهي خمس صلوات فقط؟ (قال) رسول الله ﷺ : لا تكفيكم فيه صلاة يوم واحد، بل (فاقدروا له) أي: لذلك اليوم (قدره) أي: قدر اليوم من سائر الأيام.
قال النووي رحمه الله تعالى: ومعنى: "اقدروا له قدره" أنه إذا مضى بعد طلوع الفجر قدر ما يكون من بينه وبين الظهر كل يوم .. فصلوا الظهر، ثم إذا مضى بعده قدر ما يكون بينها وبين العصر .. فصلوا العصر، وإذا مضى بعد هذا قدر ما يكون بينها وبين المغرب .. فصلوا المغرب، وكذا العشاء والصبح، ثم الظهر، ثم العصر، ثم المغرب، وهكذا حتى ينقضي ذلك اليوم، وقد وقَعَ صلواتُ سنةٍ فرائض كلُّها مؤداةٌ في وقتها.
وأما الثاني الذي كشهر، والثالث كجمعة .. فقياس اليوم الأول أن يقدر لهما كاليوم الأول؛ على ما ذكرناه، والله أعلم.
وقال القاضي عياض: في قوله: "اقدروا له ... " إلى آخره، هذا حكم مخصوص بذلك اليوم، شرعه لنا صاحبُ الشرع، ولَوْ وُكِلْنَا فيه إلى الاجتهادِ .. لكانَتْ الصلاةُ فيه عند الأوقات المعروفة في غيره من الأيام. انتهى.
(قال) النواس بن سمعان: (قلنا) معاشر الحاضرين عند الرسول ﷺ : يا رسول الله (فما) قدر (إسراعه) أي: قدر إسراع الدجال في سيره (في الأرض؟ قال) رسول الله ﷺ : قدر إسراعه في الأرض
стр. 11585
"كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ"، قَالَ: "فَيَأْتِي الْقَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ فَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ وَيُؤْمِنُونَ بِه، فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ أَنْ تُمْطِرَ فَتُمْطِرَ، وَيَأْمُرُ الْأَرْضَ أَنْ تُنْبِتَ فَتُنْبِتَ، وَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرىً،
===
(كالغيث) أي: كإسراع الغيث الذي (استدبرته الريح) العاصفة؛ أي: الشديدة الهبوب، قال الأبي: علموا أن له إسراعًا، فسالوا عن كيفيته لقولهم: (ما لبثه؟ ).
والمراد بـ (الغيث): الغيم؛ إطلاقًا للسبب على المسبب؛ أي: يسرع في الأرض إسراع الغيم إذا استدبرته وجاءت وراءه الريح العاصفة؛ أي: يسرع الدجال في سيره وتَجوُّلهِ في نواحي الأرض وأرجائها؛ كإسراع الغيث الذي استدبرته الريح العاصفة، وهو كناية عن سرعة سيره في الأرض، وقطع المسافات البعيدة في أسرع وقت.
(قال) رسول الله ﷺ : (فيأتي) الدجال في تَجوُّله في الأرض؛ أي: يمر على (القوم فيدعوهم) إلى الإيمان به وتصديق ألوهيته (فيستجيبون له) إلى ما دعاهم إليه؛ من تصديق ألوهيته (ويؤمنون به) أي: ويصدقون بألوهيته، وهذه الجملة مفسرة للجملة التي قبلها (فيأمر السماء أن تمطر) لهم، (فتمطر) لهم؛ مجازاة لهم على الإيمان به وإجابتهم إلى دعوته (ويأمر الأرض أن تنبت) لهم (فتنبت) لهم؛ مجازاةً لهم على إيمانهم به (وتروح) أي: ترجع (عليهم) فيما بعد الزوال (سارحتهم) أي: ماشيتهم التي تسرح؛ أي: تذهب أول النهار إلى المرعى.
والسارحة: المواشي التي تخرج للسرح؛ وهي: الرعي؛ كالإبل والبقر والغنم؛ أي: ترجع إليهم سارحتهم آخر النهار إلى مراحها، حالة كونها (أطول ما كانت) عليه مِنْ قَبْلُ (ذُرىً) أي: تامًا، ونصبه على التمييز.
والذرى - بضم الذال المعجمة، جمع ذروة بضمها أيضًا - وهي الأسنمة،
стр. 11586
وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ، ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَيَنْصَرِفُ
===
جمع سنام؛ وهي: لحمة تنبت في وسط ظهر الإبل.
(و) حالة كونها (أَسْبَغَه) أي: أَمْلأَ ما كانت عليه (ضروعًا) لكثرة اللبن؛ والضروع - جمع ضرع -: مجتمع اللبن من المواشي بمنزلة ثدي المرأة من الإنسان (و) حالة كونها (أمده) أي: أزيد ما كانت عليه (خواصر) لكثرة أكلها وخصب مرعاها.
والخواصر جمع خاصرة، وامتدادها كناية عن شدة امتلائها؛ بسبب الشبع؛ والمراد: أن من آمن بالدجال .. يكون في خصب، فترجع ماشيته في المساء سمينة طويلة الأسنام.
قال الخطابي رحمه الله تعالى في "أعلام الحديث" (٤/ ٢٣٢): وقد يُسأَلُ عن هذا، فيقال: كيف يجوز أن يجري الله آياته على أيدي أعدائه، وإحياء الموتى آية عظيمة من آيات أنبيائه، فكيف مكَّن منه للدجال، وهو كَذَّابٌ مُفْتَرٍ على الله يدعي الربوبية لنفسه؟ !
فالجواب: أن هذا جارٍ لله تعالى على سبيل الامتحان لعباده، إذا كان منه ما يدل على أنه مبطل غير محق في دعواه؛ وهو أن الدجال أعور عينه اليمنى مكتوب على جبهته (كافر) يقرؤه كل مسلم، فدعواه داحضة مع رسم الكفر ونقص العور الشاهدين بأنه لو كان ربًّا .. لقدر على رفع العور عن عينه ومحو السمة عن وجهه، وآيات الله تعالى التي أعطاها لأنبيائه سليمة عَمَّا تُعَارُ بِهِ وعَمَّا يُناقِضُها. انتهى.
(ثم) بعدما مر على الذين آمنوا وأمدهم بنعمه (يأتي القومَ) الآخرين (فيدعوهم) إلى الإيمان به (فيردون عليه قوله) وينكرونه (فينصرف) أي: يرجع
стр. 11587
عَنْهُمْ، فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ مَا بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ، ثُمَّ يَمُرُّ بِالْخَرِبَةِ فَيَقُولُ لَهَا: أَخْرِجِي كُنُوزَك، فَيَنْطَلِقُ فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ ألنَّحْل، ثُمَّ يَدْعُو رَجُلًا مُمْتَلِئًا شَبَابًا فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ ضَرْبَةً فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الْغَرَض،
===
(عنهم، فيصبحون) أي: فيصيرون في صباح ذلك اليوم (ممحلين) أي: مصابين بالمحل وفي بعض الروايات: (آزِلِينَ)، والمحل والأزل والقحط والجدب كلها بمعنىً واحد، وفي "القاموس": (المحل) على وزن فحل: الجدب والقحط.
والإمحال: كون الأرض ذات جدب وقحط، يقال: أَمْحَلَ البلدُ؛ إذا أزل وأَفْقرَ بسببِ انقطاعِ المطر ويبس الأرض، حال كونهم (ما بأيديهم شيء) من أموالهم أي: من مواشيهم (ثم يَمرُّ) الدجال (بالخَرِبة) - بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء -: المكان الخربُ الذي ليس فيه نبات ولا زرع؛ أي: يَمرُّ على الأرض الخالية عن النبات والأبنية التي ليس بها أنيس (فيقول) الدجال (لها) أي: لتلك الخربة: (أخرجي كنوزك) أي: معادنك التي خلقها الله فيك (فينطلق فتتبعه) أي: فتتبع الدجال (كنوزها)؛ أي: كنوز تلك الخربة ومعادنها، حالة كون الدجال (كيعاسيب النحل) وأُمرائها التي تتبعها سائر النحل؛ واليعاسيب جمع يعسوب؛ واليعسوب: أمير النحل وسلطانه الذي إذا طار .. تبعته جماعته.
والمعنى: أن كنوز الأرض تتبع الدجال؛ كما تتبع النحل أميرها، فشبه الدجال باليعسوب، والكنوز بالنحل.
(ثم) بعدما ذكر من تبعية الكنوز له (يدعو) الدجال (رجلًا ممتلئًا) أي: مملوئًا (شبابًا) وقوةً (فيضربه) أي: فيضرب الدجال ذلك الرجل الشاب (بالسيف ضربةً فيقطعه) به حتى يصير ذلك الرجل الشاب (جزْلَتين) أي: قطعتين وفرقتين منفصلتين مثل (رَمْيَة الغَرض) أي: مثلَ قطعبما منفصلة من الغَرَض والهَدَف إذا رميت بالسهم؛ والغرض: هو الهدف الذي يرمى إليه؛
стр. 11588
ثُمَّ يَدْعُوهُ فَيُقْبِلُ يَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ يَضْحَكُ؛ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ
===
والرمية: مرة من الرمي؛ والمراد: أنه يفرق جسمه حتى يصير قطعتين بينهما مسافة بقدر رمية الغرض، وهذا المعنى هو الذي رجحه أكثر الشراح، ولكنه فيه بعد؛ كما قاله القرطبي.
قال القرطبي: والأولى فتح الجيم في (جزلتين) مع سكون الزاي؛ لأن جزلتين هنا مُلَاقٍ في المعنى لِيَقْطَعه، فكأنه قطَعَهُ قِطعتَين، أو جَزلَه جَزْلَتين، وجَزْلَة مصدرٌ محدودٌ لجَزل جزلًا وجزلةً، ويجوز كسرها على أنه اسم؛ يعني: قسمه قطعتين وفرقتين.
وقوله: (رَمْية الغرض) منصوب نصب المصدر؛ أي: كرمية الغرض في السرعة والإصابة.
وقيل: المعنى: جعل بين القطعتين مثل رمية الغرض، وفيه بُعْدٌ، والأول أشبه. انتهى من "المفهم".
(ثُمَّ) بعد قَتْلِه بالسيف (يدعوه) الدجالُ ويناديه (فيقبل) ذلك المقتول ويأتي إلى الدجال، حالةَ كونه (يتهلَّلُ) أي: يُضيء (وجههُ) مثل ضوء الهلال والقمر؛ أي: يُقبل إليه، حالة كونه (يضحك) والجملة حال ثانية من فاعل (يقبل) أي: يقبل إلى الدجال حالة كونه ضاحكًا بشاشًا. انتهى من "المرقاة".
والمعنى: يصير حيًّا بعدما كان ميتًا، وقد ذكرنا أن كل ما يظهر على يدي الدجال من الخوارق استدراجٌ له (فبينما هو) أي: الدجال كائن (كذلك) أي: مُلْتَبِسٌ بذلك؛ من قتلهِ وإحيائه؛ أي: فبينما أوقات كون الدجال على ذلك المذكور من قتله وإحيائه، هذه روايات مسلم.
وفي روايةِ ابن ماجه: (فبَيْنَما هُم كذلك) أي: الناسُ والدجالُ مشغولِون بما
стр. 11589
إِذْ بَعَثَ اللهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ،
===
هم فيه .. (إذ بعث الله) وأَرْسل إليه (عيسى ابن مريم فينزل) عيسى من السماء (عندَ المنارَة) - بفتح الميم - أي: عند المِئْذَنةِ (البيضاء) الكائنة تلك المنارة في (شرقي) مدينة (دمشق) اسم مدينة مشهورة بالشام، سميت باسم أول من بناها؛ وهو دمشق بن نمروذ عدو إبراهيم الخليل ﵇، وولده (دمشق) آمن بإبراهيم ﵇، وهاجر معه من العراق إلى الشام، وهو من صلحاء أتباع إبراهيم؛ كما بيناه في تفسيرنا "حدائق الروح والريحان" وفي أوائل "الكوكب الوهاج".
و(إذ) هنا فجائية رابطة لجواب (بينما)، وقوله: (شرقي دمشق) بنصب (شرقي) على الظرفية وإضافته إلى دمشق؛ أي: فينزل عيسى عند المنارة البيضاء، حالة كون عيسى (بين مهرودتين) أي: لابسأ حلتين مصبوغتين بورس أو زعفران؛ والمهرودتان - بالدال المهملة ويعجم - أي؛ حالة كون عيسى بينهما؛ بمعنى: لابسهما. انتهى من "المرقاة"، والمهرود: الثوب الذي يصبغ بالورس ثم بالزعفران، قاله في "النهاية".
قوله: "عند المنارة البيضاء " قال النووي: وهذه المنارة موجودة اليوم شرقي دمشق، وظاهر هذا أن عيسى ﵇ ينزل بدمشق، وهذا ما جزم به البرزنجي في كتاب "الإشاعة في أشراط الساعة" (ص ١٤٥).
وقال السيوطي في "مصباح الزجاجة" (ص ٢٩٧): قال ابن كثير: هذا هو الأشهر في موضع نزول عيسى، وقد جددت هذه المنارة في زماننا، في سنة إحدى وأربعين وسبع مئة، من حجارة بيض، ولعل هذا؛ يكون من دلائل النبوة الظاهرة، فرضي الله تعالى بناء هذه المنارة؛ لينزل عليها عيسى ابن مريم.
стр. 11590
وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْن، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ .. قَطَرَ، وَإِذَا رَفَعَ .. يَتَحَدَّرُ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤ،
===
ثم قال الحافظ ابن كثير: وقد ورد في بعض الأحاديث أن عيسى ينزل بِبَيْتِ المقدس، وفي رواية بـ (الأُرْدُنِ) وفي رواية ب (معسكر المسلمين) فالله أعلم بمكان نزوله.
قال السيوطي: وحديث نزوله ببيت المقدس مذكور عند ابن ماجه، وهو عندي أرجح، ولا ينافي سائر الروايات؛ لأن بيت المقدس هو شرقي دمشق، وهو معسكر المسلمين إذ ذاك.
والأردن اسم الكورة؛ كما في "الصحاح"، وبيت المقدس داخل فيه، فاتفقت الروايات، فإن لم يكن في بيت المقدس الآن منارة بيضاء .. فلا بُدَّ من أن تُحدث قبل نزوله، وقد أحدثت، وما رجحه السيوطي من نزول عيسى ببيت المقدس هو ما رجحه أكثر العلماء، والله أعلم.
قوله: "بين مهرودتين" على زنة مفعولتين، وروي بالذال المعجمة أيضًا؛ أي: ينزل في ثوبين مصبوغين بورس ثم بزعفران؛ كما تقدم آنفًا، فـ (بين) هنا بمعنى (في) الظرفية، وهذا كناية عن جمال ملبسه ﵇؛ أي: ينزل في مهرودتين حالة كونه (واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ) وخفض (رأسه .. قطر) أي: رأسه؛ أي: انصب من رأسه قطرات الماء (وإذا رفع) أي: رأسه .. (يتحدر منه) أي: تحدر من رأسه ونزل (جمان) أي: حبوب من الماء (كاللؤلؤ) أي: مثل جمان اللؤلؤ والفضة في صفائها ولمعانها؛ يعني: إذا خفض رأسه .. قطر منه ماء كثير، وإذا رفعه .. تحدر منه؛ أي: نزل منه ماء ببطئ وتأخر شيئًا فشيئًا شبيه بجمان اللؤلؤ وحبوبه في الصفاء واللمعان، وهذا كناية عن جمال ذات عيسى ﵇ وحسن خلقته مع جمال لباسه المذكور آنفًا.