أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ فَقَالَ: "كَيْفَ تَجِدُكَ؟ "، قَالَ: أَرْجُو اللهَ يَا رَسُولَ اللهِ وَأَخَافُ ذُنُوبِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ .. إِلَّا أَعْطَاهُ اللهُ مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ "
===.
(أن النبي ﷺ دخل على) رجل (شاب) أي: على فتىً من المؤمنين (وهو) أي: والحال أن ذلك الشاب (في) سكرة (الموت؛ فقال) له رسول الله ﷺ : (كيف تجد) نفس (ك) أيها الشاب؟ هل أنت تجد نفسك خفيف المرض أو شديده؟
قال ابن الملك: أي: كيف قلبك أو نفسك في الانتقال من الدنيا إلى الآخرة؟ أراجيًا رحمة الله تعالى أو خائفًا من غضب الله تعالى؟
(قال) الشاب: (أرجو الله) أي: أجدني أرجو رحمة الله تعالى (يا رسول الله وأخاف ذنوبي) قال الطيبي: علق الرجاء بالله، والخوف بالذنب، وأشار بالفعلية إلى أن الرجاء حدث عند السياق والنزع.
(فقال رسول الله ﷺ : لا يجتمعان) أي: الرجاء والخوف (في قلب عبد) وهذا يدل على أنه ينبغي وجود الأمرين على الدوام، حتى في ذلك الوقت؛ وهو زمان سكرات الموت، ومثله كل زمان أشرف فيه على الموت حقيقةً أو حكمًا؛ كوقت المبارزة، وزمان القصاص ونحوهما، فلا يحتاج إلى زيادة لفظ (مثل) في قوله: (في مثل هذا الموطن)، وقال الطيبي: (مثل) زائدة و (الموطن) إما مكان أو زمان؛ كمقتل الحسين رضي الله تعالى عنه.
(إلا أعطاه الله ما يرجو) هـ من الرحمة (وآمنه) أي: إلا سلمه (مما يخاف) من العقوبة بالعفو والمغفرة.
قال السندي: والحديث يدل على أنه ينبغي وجود الأمرين: الرجاء والخوف،
стр. 12182
(٥٢) - ٤٢٠٥ - (٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ،
===
وأنه لا ينبغي أن يغلب الرجاء في ذلك الوقت، بحيث لا يبقى من الخوف شيء. انتهى.
فالحديث مؤيد لقول من قال: لا يهمل عند الإشراف على الموت جانب الخوف أصلًا، بحيث يجزم أنه آمن، وفيه رد على من استحب الاقتصار على الرجاء في ذلك الوقت، والله تعالى أعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الجنائز، باب (١١)، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، وقد روى بعضهم هذا الحديث مرسلًا عن ثابت عن النبي ﷺ ، ورواه أيضًا ابن السني في "اليوم والليلة"، وابن أبي الدنيا في "حسن الظن"، والبيهقي في " الشعب"، والبغوي في "شرح السنة"، وأبو يعلى وأبو نعيم في "الحلية"، وعبد بن حميد في "مسنده".
فدرجة هذا الحديث: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث أبي هريرة بحديث آخر له رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٥٢) - ٤٢٠٥ - (٥) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي، ثقة ثبت صاحب التصانيف الكثيرة، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م دس ق).
(حدثنا شبابة) بن سوار المدائني، أصله من خراسان، يقال: اسمه مروان
стр. 12183
عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَار، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْمَيِّتُ تَحْضُرُهُ الْمَلَائِكَةُ؛
===
مولى بني فزارة، ثقة حافظ رمي بالإرجاء، من التاسعة، مات سنة أربع أو خمس أو ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث (بن أبي ذئب) القرشي العامري أبي الحارث المدني، ثقة فقيه فاضل، من السابعة، مات سنة ثمان وخمسين ومئة (١٥٨ هـ)، وقيل: سنة تسع. يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن عمرو بن عطاء) القرشي العامري المدني، ثقة، من الثالثة، مات في حدود العشرين ومئة (١٢٠ هـ)، ووهم من قال: إن القطان تكلم فيه. يروي عنه: (ع).
(عن سعيد بن يسار) أبي الحباب - بضم المهملة وموحدتين - المدني، اختلف في ولائه لمن هو، ثقة متقن من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة (١١٧ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(عن النبي ﷺ قال: الميت) أي: جنسهُ؛ والمراد: مَنْ قَرُبَهُ مَوْتُه (تحضره الملائكة) أي: ملائكة الرحمة أو ملائكة العقوبة، قاله ابن حجر، قيل: وهذه الملائكة هم أعوان ملك الموت في قبض الأرواح.
وحاصل الأحاديث في ذلك: أن ملك الموت يقبض الأرواح، والأعوان يكونون معه يعملون معه بأمره، والله تعالى هو الذي يزهق الروح بأمره، وبه يجمع بين الآيات والأحاديث المختلفة التي أضيف التوفي فيها تارةً إلى الله، وتارةً إلى ملك الموت، وتارةً إلى أعوانه من الملائكة؛ فملك الموت يقبض
стр. 12184
فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَالِحًا .. قَالُوا: اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ، كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّب، اخْرُجِي حَمِيدَةً وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ،
===
الروح من الجسد بأمره تعالى، ثم يسلمها إلى ملائكة الرحمة إن كان مؤمنًا، وملائكة العذاب إن كافرًا، وعند معاينتهم يعاين ما يصير إليه من رحمة أو عذاب.
(فإذا كان الرجل) أي: الميت (صالحًا) أي: قائمًا بحقوق الله وحقوق العباد بأن كان مؤمنًا طائعًا .. (قالوا) أي: قالت الملائكة: (اخرجي أيتها النفس الطيبة) والروح الصالحة التي (كانت) ساكنة (في الجسد الطيب) والجسم المطيع لله تعالى (اخرجي) من جسدك حميدةً) أي: محمودة عند ربك بطاعتك له، والخطاب فيه للنفس؛ فيستقيم هذا الخطاب مع عموم الميت للذكر والأنثى (أيتها النفس).
قال الطيبي: مقتضى الظاهر أن يقال: (كُنتِ) ليطابق (النداء) و (اخرجي) لكن اعتبر (أل) الموصولة؛ أي: النفس التي طابت كائنةً في الجسد.
ويحتمل أن يكون صفة أخرى للنفس؛ لأن المراد منها ليست نفسًا معينة، بل الجنس مطلقًا. انتهى.
قوله: (اخرجي) فيه دلالة على أن الروح جسم لطيف، يوصف بالدخول والخروج، والصعود والنزول، وهو خطاب ثان، أو تأكيد لقوله: (حميدة) أي: محمودة.
(وأبشري بروح) - بفتح الراء - أي: ملتبسة براحة أو برحمة (وريحان) أي: ملتبسة برزق أو طيب، والتنوين فيهما، للتعظيم والتكثير (و) ملتبسة بملاقاة (رب) أي: بملاقاة رب (غير غضبان) عليك، بعدم الانصراف، وقيل: بالانصراف.
стр. 12185
فَلَا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ، ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ فَيُفْتَحُ لَهَا فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: فُلَان، فَيُقَالُ: مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الطَّيِّبَة، كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّب، ادْخُلِي حَمِيدَةً وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ، فَلَا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى يُنْتَهَى بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي فِيهَا اللهُ ، وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ السُّوءُ قَالَ: اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ،
===
قال ابن حجر: وعدل إليه عن (راض) رعاية للفاصلة؛ أي: السجع (فلا يزال يقال لها ذلك) أي: ما تقدم من أنواع البشارة؛ زيادةً في سرورها بسماعها ما تَقَرُّ بِه عَيْنها (حتى تخرج ثم يُعْرَج بها) بصيغة المجهول (إلى السماء) أي: إلى سماء الدنيا (فيفتح لها) أي: بعد الاستفتاح أو قبله، وعند أحمد فيستفتح لها (فيقال) أي: يقول ملائكة السماء الدنيا: (من هذا) الذي يستفتح الباب؟ (فيقولون) أي: فيقول ملائكة الرحمة الذين مع الروح: (فلان) أي: هذا المستفتح فلان؛ أي: روحه (فيقال) لها: (مرحبًا) أي: رحَّب فقال: مرحبًا (بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان و) بملاقاة (رب غير غضبان) عليك (فلا يزال يقال لها ذلك) أي: ما ذكر من الأمر بالدخول والبشارة بالصعود من سماء إلى سماء (حتى ينتهى) بالبناء للمجهول؛ أي: يوصل (بها إلى السماء التي) كان (فيها الله أي: أمره وحكمه؛ أي: ظهور ملكه؛ وهو العرش، قاله القاري.
وقيل: أي: فيها يُظهِرُ ويُلْقي حكمه، وقيل: أي: قدرته ورحمته الخاصة.
(وإذا كان الرجل) بالرفع، وقيل: بالنصب؛ على أن كان تامة أو ناقصة (السوء) - بفتح السين وضمها - صفة الرجل .. (قال) أي: ملك الموت، أو رئيس ملائكة العذاب، أو كل واحد منهم، فيطابق ما سبق بصيغة الجمع: (اخرجي) من جسدك الخبيث (أيتها النفس الخبيثة) بعمل السوء، التي
стр. 12186
كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الْخَبِيث، اخْرُجِي ذَمِيمَةً وَأَبْشِرِي بِحَمِيمٍ وَغَسَّاقٍ، وَآخَرَ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٍ،
===
(كانت في الجسد الخبيث) العاصي (اخرجي) منه (ذميمةً) أي: مذمومة مبغوضة عند ربك شديد الانتقام.
(وأبشري) قال الطيبي: استعارة تهكمية؛ كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١)، أو مبنية على المشاكلة والازدواج و (بحميم وكساق) مقابل (الروح والريحان)، بحميم؛ أي: بماء حار غاية الحرارة، وغساق - بتخفيف وتشديد -: ما يَغْسِقُ؛ أي: يسيل من صديد أهل النار، وقيل: الباردُ المُنْتِنُ.
وقوله: (وآخر) قال القاري: عطف على (حميم) أي: وبعذاب آخر (من شكله) أي: مثل ما ذكر في الحرارة والمرارة (أزواج) بالجر؛ أي: أصناف مختلفة.
قال الطيبي: أي: مذوقات أخر مثل الغساق في الشدة والفظاعة أزواج. انتهى.
ولا وجه لإعادة الضمير إلى الغساق وحده، وإن كان هو أقرب مذكور، فالصحيح ما ذكرناه؛ من أن إفراد الضمير باعتبار ما ذكر.
قال: (وآخر) مجرور بالفتحة عطفًا على (حميم) و (أزواج) صفة لـ (آخر) مجرور بالكسرة، وإن كان مفردًا؛ لأنه في تأويل الضروب والأصناف؛ كقول الشاعر: (مِعىً جياعًا) والظاهر أنه في تأويل النوع والصنف، كذا قال القاري.
وقال السندي: قوله: (وآخر من شكله أزواج) أي: بآخر، و (أزواج) بدل منه؛ أي: وبأوصافه و (من شكله) جار ومجرور وقع حالًا من (أزواج) أي:
стр. 12187
فَلَا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ، ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاء، فَلَا يُفْتَحُ لَهَا، فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَيُقَالُ: فُلَانٌ، فَيُقَالُ: لَا مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الْخَبِيثَة، كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الْخَبِيث، ارْجِعِي ذَمِيمَةً؛ فَإِنَّهَا لَا تُفْتَحُ لَكِ أَبْوَابُ السَّمَاء، فَيُرْسَلُ بِهَا مِنَ السَّمَاءِ ثُمَّ تَصِيرُ إِلَى الْقَبْرِ".
===
وبأصناف كائنة من جنس المذكور من الحميم والغساق.
(فلا يزال) أن (يقال لها ذلك) المذكور من التهكمات (حتى تخرج) من جسدها (ثم يعرج بها) بالبناء للمجهول (إلى السماء) أي: يصعد بتلك الروح الخبيثة إلى السماء، ووقع في "المشكاة": ثم يعرج إلى السماء.
(فلا يفتح لها) أي: لتلك الروح الخبيثة باب السماء - بالبناء للمفعول أيضًا - كما في قوله تعالى: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ (١)، (فيقال) أي: يقول بواب السماء: (من هذا) المستفتح؟
(فيقال): أي: فيقول حامل الروح: هذا المستفتح (فلان) أي: روح فلان (فيقال) أي: فيقول بواب السماء: (لا مرحبًا) أي: لا مرحبًا ولا تكرمة (بالنفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث) ويقال لها أيضًا: (ارجعي ذميمةً) أي: مذمومةً إلى الأرض إلى محل قبرك؛ حتى تسجن في سجين (فإنها) أي: فإن القصة (لا تفتح لك أبواب السماء، فيرسل بها) أي: يرد بها (من السماء) إلى الأرض (ثم تصير) وترجع (إلى القبر) أي: المدفن فتسأل سؤال الملكين في القبر، ثم بعد سؤالها تسجن في محبس السجين إلى البعث من القبور؛ كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ (٢)، و ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ (٣).
стр. 12188
(٥٣) - ٤٢٠٦ - (٦) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ ثَابِتٍ الْجَحْدَرِيُّ وَعُمَرُ بْنُ شَبَّةَ بْنِ عَبِيدَةَ
===
قوله: (ثم تصير إلى القبر) وتكون محبوسة في أسفل السافلين، بخلاف روح المؤمن؛ فإنها تسرح في الجنة حيث تشاء، ولها تعلق بجسده أيضًا تعلقًا بحيث يتنعم في قبره، وينظر إلى منازله في الجنة، بحسب مرتبته؛ فأمر الروح وأحوال البرزخ والآخرة كلها على خوارق العادات، فلا يشكل شيء منها على المؤمن بالآيات. انتهى من "الإنجاز".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: النسائي في كتاب التفسير، باب سورة (ص) عند قوله تعالى: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ (١) عن عمرو بن سواد، وفي كتاب الملائكة عن سليمان بن داوود، كلاهما عن ابن وهب عن ابن أبي ذئب.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة الأول.
* * *
ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٥٣) - ٤٢٠٦ - (٦) (حدثنا أحمد بن ثابت الجحدري) نسبة إلى قبيلة جحدرة، أبو بكر البصري، صدوق، من العاشرة، مات بعد الخمسين ومئتين. يروي عنه: (ق). ذكره ابن حبان في كتاب "الثقات".
(وعمر بن شبة) بفتح المعجمة وتشديد الموحدة، بوزن حبة (ابن عبيدة) - بفتح المهملة مكبرًا - ابن زيد النميري - مصغرًا بالنون - أبو زيد بن أبي معاذ
стр. 12189
قَالَا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِم، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا كَانَ أَجَلُ أَحَدِكُمْ بِأَرْضٍ .. أَوْثَبَتْهُ إِلَيْهَا الْحَاجَةُ، فَإِذَا بَلَغَ أَقْصَى أَثَرِهِ .. قَبَضَهُ اللهُ سُبْحَانَهُ،
===
البصري نزيل بغداد، صدوق له تصانيف، من كبار الحادية عشرة، مات سنة اثنتين وستين ومئتين (٢٦٢ هـ). يروي عنه: (ق).
كلاهما (قالا: حدثنا عمر بن علي) بن عطاء بن مقدم - بوزن محمد بقاف - بصري أصله واسطي، ثقة، وكان يدلس كثيرًا، من الثامنة، مات سنة تسعين ومئة (١٩٠ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(أخبرني إسماعيل بن أبي خالد) الأحمسي مولاهم البجلي، ثقة ثبت، من الرابعة، مات سنة ست وأربعين ومئة (١٤٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن قيس بن أبي حازم) البجلي أبي عبد الله الكوفي، ثقة مخضرم، من الثانية، ويقال: له رؤية، مات بعد التسعين، أو قبلها. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن مسعود) الهذلي الكوفي الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه.
(عن النبي ﷺ .
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) النبي ﷺ : (إذا كان أجل أحدكم) أيها الناس وموته مقدرًا في علم الله (بأرض) غير وطنه .. (أوثبته) وهيجته وحركته من الإيثاب؛ كأوعد من الإيعاد (إليها) أي: إلى الأرض التي قدر فيها موته (الحاجة) من حوائجه دينية كانت أو دنيوية، وسواء كانت تلك الأرض بعيدة أو قريبة (فإذا بلغ) ووصل ذلك الأحد (أقصى أثره) أي: غاية أجله ونهاية أثره وعمره .. (قبضه) أي: قبض (الله سبحانه) روحه في تلك الأرض التي
стр. 12190
فَتَقُولُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَبِّ؛ هَذَا مَا اسْتَوْدَعْتَنِي".
(٥٤) - ٤٢٠٧ - (٧) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفِ أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ سَعِيدٍ،
===
سافر إليها ولا يموت في وطنه (فتقول) تلك (الأرض) التي مات فيها (يوم القيامة) لربها، يا (رب؛ هذا) العبد الذي بُعِثَ فيَّ .. هو (ما استودعتني) أي: عبد جعلته وديعة عندي واستحفظتني عليه إلى أن بعث من ترابي.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه الحاكم في "المستدرك" في كتاب الإيمان من طريق عمر بن علي المقدمي، ومحمد بن خالد الوهبي، وهشيم، ثلاثتهم عن إسماعيل بن أبي خالد به، ووافقه سفيان بن عيينة.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة الأول
* * *
ثم استشهد المؤلف سادسًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٥٤) - ٤٢٠٧ - (٧) (حدثنا يحيى بن خلف) الباهلي (أبو سلمة) البصري الجوباري - بجيم مضمومة وواو ساكنة ثم موحدة - صدوق، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (م دت ق).
(حدثنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى البصري السامي - بالمهملة - أبو محمد، ثقة، من الثامنة، مات سنة تسع وثمانين ومئة (١٨٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سعيد) بن أبي عروبة مهران اليشكري مولاهم أبي النضر البصري، ثقة حافظ له تصانيف، لكنه كثير التدليس واختلط، من أثبت الناس في قتادة، من السادسة مات سنة ست، وقيل: سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 12191
عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ .. أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ،
===
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن زرارة) بضم أوله (ابن أوفى) العامري الحرشي - بمهملة وراء مفتوحتين ثم معجمة - أبي حاجب البصري قاضيها، ثقة عابد، من الثالثة، مات فجأة في الصلاة سنة ثلاث وتسعين (٩٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سعد بن هشام) بن عامر الأنصاري المدني، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع)، استشهد بأرض الهند.
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن رسول الله ﷺ قال: من أحب لقاء الله .. أحب الله لقاءه) أي: المصير إلى الدار الآخرة؛ بمعنى: أن المؤمن عند الغرغرة يبشر برضوان الله تعالى، فيكون موته أحب إليه من حياته، قيل: المراد بالحب هنا: هو الذي يقتضيه الإيمان بالله، والثقة بوعده، دون ما يقتضيه حكم الجبلة.
وقال الخطابي: معنى محبة العبد للقاء الله: إيثاره الآخرة على الدنيا، فلا يحب استمرار الإقامة فيها، بل يستعد للارتحال عنها، والكراهة بضد ذلك.
واللقاء على وجوه؛ منها: الرؤية، ومنها: البعث؛ كقوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ (١)؛ أي: بالبعث، ومنها: الموت؛ كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ (٢).
стр. 12192
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال الجزري في "النهاية": المراد بلقاء الله هنا: المصير إلى الدار الآخرة، وطلب ما عند الله تعالى، وعدم الركون إلى الدنيا، والرضا بحياتها والاطمئنان بها، وليس الغرض به الموت؛ لأن كلًّا يكرهه، فمن ترك الدنيا وأبغضها .. أحب لقاء الله، ومن آثرها وركن إليها .. كره لقاء الله تعالى؛ لأنه إنما يصل إليه بالموت.
وقوله: (دون لقاء الله) يبين أن الموت غير اللقاء، ولكنه معترض دون الغرض المطلوب، فيجب أن يصبر عليه ويتحمل مشاقه حتى يصل بعده إلى الفوز باللقاء.
قال الطيبي: يريد: أن قول عائشة: (إنا لنكره الموت) يوهم أن المراد بـ (لقاء الله) في الحديث: (الموت) وليس كذلك؛ لأن لقاء الله غير الموت؛ بدليل قوله في الرواية الأخرى: (والموت دون لقاء الله) فلما كان الموت وسيلة إلى لقاء الله .. عبر عنه بلقاء الله.
قال الحافظ في "الفتح " (١١/ ٣٦٠): وقد سبق ابن الأثير إلى تفسير لقاء الله بغير الموت .. الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام، فقال: ليس وجهه عندي كراهية الموت وشدته؛ لأن هذا لا يكاد يخلو عنه أحد، ولكن المذموم من ذلك إيثار الدنيا والركون إليها، وكراهية أن يصير إلى الله تعالى والدار الآخرة، قال: ومما يبين ذلك أن الله تعالى عاب قومًا بحب الحياة، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾ (١).
قلت: الصواب في معنى الحديث: ما فسره به قائله ﷺ ؛ وهو أن هذه المحبة محمولة على حالة النزع والاحتضار والمعاينة.
стр. 12193
وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ .. كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ"، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ كَرَاهِيَةُ لِقَاءِ اللهِ فِي كَرَاهِيَةِ لِقَاءِ الْمَوْت، فَكُلُّنَا يَكْرَهُ الْمَوْتَ، قَالَ: "لَا، إِنَّمَا ذَاكَ عِنْدَ مَوْتِهِ؛ إِذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللهِ وَمَغْفِرَتِهِ .. أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ فَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَإذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ اللهِ .. كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ وَكَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ".
===
قال النووي: يفسر آخره أوله، ويبين المراد بباقي الأحاديث المطلقة: (من أحب لقاء الله، وكره لقاء الله).
ومعنى الحديث: أن الكراهة المعتبرة هي التي تكون عند النزع في حالة لا تقبل توبته ولا غيرها، فيبشر كل إنسان بما هو صائر إليه وبما أعد له، ويكشف له عن ذلك، فأهل السعادة يحبون الموت ولقاء الله؛ لينتقلوا إلى ما أعد لهم، ويحب الله لقاءهم؛ أي: فيجزل لهم العطاء.
وأهل الشقاوة يكرهون لقائه؛ لما علموا من سوء ما ينتقلون إليه، ويكره الله لقاءهم؛ أي: يبعدهم عن رحمته وكرامته، ولا يريد ذلك بهم.
(ومن كره لقاء الله) حين يرى ما له من العذاب عند الغرغرة .. (كره الله لقاءه) أي: أبَعْده عن رحمته وأَدْنَاهُ من نقمته (فقيل) أي: فقال بعض من حضر عند رسول الله ﷺ ، ورواية مسلم: فقالت - أي: عائشة -: (يا رسول الله؛ كراهية لقاء الله في كراهية لقاء الموت) أي: جعلت كراهية لقاء الله في كراهية الموت أم لا، فإن كان الأمر كذلك .. (فكلنا يكره الموت) فلا منجا منه، فـ (قال) رسول الله ﷺ : (لا) أي: ليس الأمر كما زعمت من أن كراهية لقاء الله في كراهية الموت (إنما ذاك) أي: محبة لقاء الله وكراهية لقائه (عند موته) أي: إنما هو واقع عند موت الشخص، وذلك أنه (إذا بشر برحمة الله ومغفرته .. أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، وإذا بشر بعذاب الله .. كره لقاء الله وكره الله لقاءه).
стр. 12194
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقوله: (فإذا بشر بعذاب الله) فيه: تهكم؛ نحو: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١)، أو مشاكلة للمقابلة، أو المراد: المعنى اللغوي؛ أي: أخبر (بعذاب الله) في القبر .. (كره لقاء الله، وكره الله لقاءه).
وفي حديث عائشة عند عبد بن حميد مرفوعًا: (إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا .. قيض له قبل موته بعام ملكًا يسدده ويوفقه، حتى يقال: مات بخير ما كان عليه، فإذا حضر ورأى ثوابه .. اشتاقت نفسه، فذلك حين أحب لقاء الله، وأحب الله لقاءه، وإذا أراد الله بعبدٍ شرًّا .. قيض له قبل موته بعام شيطانًا فأضله وفتنه، حتى يقال: مات بشر ما كان عليه، فإذا حضر ورأى ما أعد له من العذاب .. جزعت نفسه، فذلك حين كره لقاء الله، وكره الله لقاءه).
وفي هذا الحديث فوائد؛ منها: أن المحتضر إذا ظهرت علامات السرور .. كان ذلك دليلًا على أنه بشر بالخير، وكذا بالعكس.
ومنها: أن محبة لقاء الله لا تدخل في النهي عن تمني الموت؛ لأنها ممكنة مع عدم تمني الموت؛ كأن تكون المحبة حاصلة، بحيث لا يفترق حاله فيها بحصول الموت ولا بتأخره، وأن النهي عن تمني الموت محمول على حالة الحياة المستمرة، وأما عند الاحتضار والمعاينة .. فلا تدخل تحت النهي، بل هي مستحبة.
ومنها: أن في كراهية تمني الموت في حال الصحة تفصيلًا؛ فمن كرهه إيثارًا للحياة على ما بعد الموت من نعيم الآخرة .. كان مذمومًا، ومن كرهه خشية أن يفضي إلى المؤاخذة؛ كأن يكون مقصرًا في العمل لم يستعد له بالأهبة؛ بأن يتخلص من التبعات ويقوم بأمر الله كما يجب .. فهو معذور، لكن ينبغي لمن
стр. 12195
(٥٥) - ٤٢٠٨ - (٨) حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ،
===
وجد ذلك أن يبادر إلى أخذ الأهبة، حتى إذا حضره الموت لا يكرهه، بل يحبه لما يرجو بعده من لقاء الله تعالى، كذا في "المرقاة " (٥/ ٢٩١).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الرقاق، باب من أحب لقاء الله .. أحب الله لقاءه، ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب من أحب لقاء الله .. أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله .. كره الله لقاءه، والترمذي في كتاب الجنائز، باب ما جاء فيمن أحب لقاء الله .. أحب الله لقاءه، وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب الجنائز، باب فيمن أحب لقاء الله، والطبراني، وعبد الرزاق في "مصنفه"، وأحمد في "مسنده".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة الأول.
* * *
ثم استشهد المؤلف سابعًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث آخر لأنس رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٥٥) - ٤٢٠٨ - (٨) (حدثنا عمران بن موسى) القزاز الليثي أبو عمرو البصري، صدوق، من العاشرة، مات بعد الأربعين ومئتين. يروي عنه: (ت س ق؛ .
(حدثنا عبد الوارث بن سعيد) بن ذكوان العنبري مولاهم أبو عبيدة البصري، ثقة ثبت، رمي بالقدر ولم يثبت عنه، من الثامنة، مات سنة ثمانين ومئة (١٨٠ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 12196
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ؛ فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا الْمَوْتَ .. فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ؛ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي".
===
(حدثنا عبد العزيز بن صهيب) البناني - بموحدة ونونين - البصري ثقة، من الرابعة، مات سنة ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أنس: (قال رسول الله ﷺ : لا يتمنى أحدكم) أيها المسلمون، النفي بمعنى النهي (الموت؛ لضر نزل به) أي: في نفسه أو في أهله أو في ماله، بخلاف ما إذا كان في الدين، فلا يكره التمني لذلك (فإن كان لا بد) له من أن يكون (متمنيًا الموت .. فليقل) أي: فلا يتمنى صريحًا، بل يعدل عنه إلى التعليق بوجود الخير فيه؛ بأن يقول: (اللهم؛ أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي) من الإحياء؛ أي: أبقني على الحياة (وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي).
قوله: "لضر نزل به" حمله جماعة من السلف على الضر الدنيوي، فإن وجد الضر الأخروي؛ بأن خشي فتنة في دينه .. لم يدخل في النهي، ويدل عليه حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه الذي أخرجه أبو داوود وصححه الحاكم في القول في دبر كل صلاة، وفيه: (وإذا أردت بقوم فتنة .. فتوفني إليك غير مفتون) وعلى هذا يحمل ما روي عن بعض الصحابة في دعاء الوفاة؛ ففي "الموطأ" عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: (اللهم؛ إني كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط).
стр. 12197
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأخرج أحمد وغيره من طريق عبس، ويقال: عابس الغفاري أنه قال: (يا طاعون؛ خذني، فقال له عليم الكندي: لم تقول هذا؟ ألم يقل رسول الله ﷺ : "لا يتمنين أحدكم الموت؟ ! " فقال: إني سمعته يقول: بادروا بالموت ستًّا: إمرة السفهاء، وكثرة الشرط، وبيع الحكم ... ) الحديث، ذكره الحافظ في "فتح الباري" (١٠/ ١٢٨).
قوله: (فليقل: اللهم؛ أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي ... ) إلى آخره، قال العراقي: لما كانت الحياة حاصلة، وهو متصف بها .. حسن الإتيان بـ (ما)؛ أي: ما دامت الحياة متصفة بهذا الوصف، ولما كانت الوفاة معدومة في حال التمني .. لم يحسن أن يقول: (ما كانت)، بل أتى بـ (إذا) الشرطية، فقال: (إذا كانت) أي: إذا آل الحال إلى أن تكون الوفاة بهذا الوصف. انتهى "س".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الطب، وفي كتاب الدعوات، باب تمني المريض الموت، باب الدعاء بالموت والحياة، ومسلم في كتاب الذكر، باب كراهة تمني الموت؛ لضر نزل به، وأبو داوود في كتاب الجنائز، باب في كراهة تمني الموت مختصرًا، والترمذي في كتاب الجنائز، باب تمني الموت، وأحمد.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة الأول.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثمانية أحاديث:
الأول للاستدلال به على الترجمة، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 12198
(١٠) - (١٥٠٨) - بَابُ ذِكْرِ الْقَبْرِ وَالْبِلَى
(٥٦) -٤٢٠٩ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْإِنْسَانِ إِلَّا يَبْلَى، إِلَّا عَظْمٌ وَاحِدٌ وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ،
===
(١٠) - (١٥٠٨) - (باب ذكر القبر والبلى)
(٥٦) - ٤٢٠٩ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م دس ق).
(حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) سليمان بن مهران (الأعمش) الكاهلي الكوفي، ثقة قارئ، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي صالح) ذكوان السمان، ثقة، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : ليس شيء من) أجزاء (الإنسان إلا يبلى) جملة يبلى خبر ليس؛ أي: ليس شيء من أجزاء الأنسان باقيًا (إلا عظم واحد) فإنه يبقى ولا يفنى، وهي أصلية، والاستثناء الثاني استثناء من الأول، (وهو) أي: ذلك العظم الواحد (عجب الذنب)
стр. 12199
وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
===
أي: عظم يسمى بعجب الذنب (ومنه) أي: وعليه (يركب الخلق) أي: خلق الإنسان (يوم القيامة).
قوله: "ليس شيء من الإنسان إلا يبلى ... " إلى آخره، القضية جزئية بالنظر إلى أفراد الناس، ضرورة أن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء.
قوله: (إلا عظم واحد) هكذا في كثير من النسخ بالرفع، والظاهر النصب؛ لكونه استثناء من المثبت؛ والمعنى: يبلى من الإنسان كل شيء إلا عظمًا واحدًا، والظاهر أن يقرأ بالنصب، ولا عبرة بالخط في قراءة الحديث؛ كما صرحوا به (وهو) أي: ذلك العظم الواحد (عجب الذنب) - بفتح المهملة وسكون الجيم - أي: أصل الذنب، وظاهر الحديث: أنه يبقى ولا يفنى، قيل: هو عظم لطيف، هو أول ما يخلق من بني آدم، وآخر ما يبقى منهم؛ ليعاد تركيب الخلق المعاد عليه، وهذا هو الموافق لما روى ابن أبي الدنيا عن أبي سعيد الخدري: (قيل: يا رسول الله؛ وما هو؟ قال: مثل حبة خردل).
وقال المظهري: أراد بقاءه لا أنه لا يبلى أصلًا؛ لأنه خلاف المحسوس.
وقيل: أمر العجب عجيب؛ فإنه آخر ما يَخْلُق وأول ما يُخْلَق، الأول: بفتح الياء؛ أي: أنه آخر ما يصير خَلَقًا؛ والثاني: بضمها، ومنه يركب الخلق؛ أي: أنه تعالى يبقيه إلى أن يركب الخلق منه تارة أخرى، وعلى ما قاله المظهري: إنه يعيده أولًا؛ ليخلق منه تارةً أخرى. انتهى "سندي".
قال الحافظ في "الفتح" (٨/ ٥٥٢): قوله: "عجب الذنب" - بفتح العين وسكون الجيم -: هو عظم لطيف في أصل الصلب؛ وهو رأس العصعص، وهو مكان رأس الذنب، من ذوات الأربع، وفي حديث أبي سعيد الخدري عند ابن أبي الدنيا وأبي داوود والحاكم مرفوعًا: (أنه مثل حبة الخردل).
стр. 12200
(٥٧) - ٤٢١٠ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ؛
===
قال ابن الجوزي: قال ابن عقيل: لله في هذا سر لا يعلمه إلا الله؛ لأن من أظهر الوجود من العدم لا يحتاج إلى شيء يبني عليه.
ويحتمل أن يكون ذلك جعل علامة للملائكة، على إحياء كل إنسان بجوهره، ولا يحصل العلم للملائكة بذلك إلا بإبقاء عظم كل شخص؛ ليعلم أنه إنما أراد بذلك إعادة الأرواح إلى تلك الأعيان التي هي جزء منها، ولولا إبقاء شيء منها .. لجوزت الملائكة أن الإعادة إلى أمثال الأجساد لا إلى نفس الأجساد.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب التفسير، باب ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (١)، ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ما بين النفختين.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٥٧) - ٤٢١٠ - (٢) (حدثنا محمد بن إسحاق) بن جعفر أبو بكر الصاغاني، نزيل بغداد خراساني الأصل، وكان أحد الحفاظ الرحالين، ثقة ثبت، من الحادية عشرة، مات سنة سبعين ومئتين (٢٧٠ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثني يحيى بن معين) بن عون بن زياد بن بسطام بن عبد الرحمن
стр. 12201
حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَحِيرٍ، عَنْ هَانِئٍ مَوْلَى عُثْمَانَ قَالَ: كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ .. يَبْكِي حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ، فَقِيلَ لَهُ:
===
المري الغطفاني مولاهم أبو زكريا البغدادي إمام الجرح والتعديل، وقال الخطيب: كان إمامًا ربانيًّا عالمًا حافظًا ثبتًا متقنًا، من العاشرة، مات سنة ثلاث وثلاثين ومئتين (٢٣٣ هـ) بالمدينة المنورة وله بضع وسبعون سنة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا هشام بن يوسف) الصنعاني أبو عبد الرحمن القاضي، ثقة، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(عن عبد الله بن بحير) - بفتح الموحدة وكسر المهملة - ابن ريسان - بفتح الراء وسكون التحتانية بعدها مهملة - أبي وائل القاص الصنعاني، وثقه ابن معين واضطرب فيه كلام ابن حبان، من الثامنة. يروي عنه: (دت ق).
(عن هانئ مولى عثمان) أبي سعيد البربري، صدوق، من الثالثة. يروي عنه: (د ت ق)، كانت له دار بدمشق عند سوق الأحد، قال النسائي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(قال) الهانئ: (كان عثمان بن عفان) ذو النورين رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عبد الله بن بحير وهو مختلف فيه، وكان الهانئ أيضًا مختلفًا فيه.
أي: قال هانئ مولى عثمان: كان عثمان (إذا وقف على قبر) عند تجهيز الميت؛ أي: على رأس قبر أو عنده (يبكي حتى يبل) - بضم الباء الموحدة - من باب شد؛ أي: يبكي بكاء كثيرًا حتى يبل بدموعه (لحيته) بالنصب على المفعولية؛ أي: حتى يجعلها مبلولة من الدموع (فقيل له) أي: لعثمان: أنت
стр. 12202
تَذْكُرُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَلَا تَبْكِي وَتَبْكِي مِنْ هَذَا، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنَازِلِ الآخِرَةِ؛ فَإِنْ نَجَا مِنْهُ .. فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ .. فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ"،
===
(تذكر الجنة والنار ولا تبكي) عند ذكرهما؛ اشتياقًا إلى الجنة وخوفًا من النار (وتبكي من هذا) أي: من القبر؛ أي: من أجل خوفه، قيل: إنما كان عثمان يبكي عند القبر، وإن كان من جملة المشهود لهم بالجنة؛ لأنه لا يلزم من التبشير بالجنة عدم عذاب القبر، بل ولا عدم عذاب النار مطلقًا، مع احتمال أن يكون التبشير مقيدًا بقيد معلوم أو مبهم.
ويحتمل أن ينسى البشارة حينئذٍ؛ لشدة الفظاعة، ويمكن أن يكون خوفًا من ضغطة القبر؛ كما يدل عليه حديث سعد الدال على أنه لم يخلص منه كل سعيد إلا الأنبياء، ذكره القاري في "المرقاة" (١/ ٣٥٥).
(قال) عثمان: (إن رسول الله ﷺ قال: إن القبر أول منازل الآخرة) أي: فهو أقرب شيء إلى الإنسان، ومنها: عرصة القيامة عند العرض، ومنها: الوقوف عند الميزان، ومنها: المرور على الصراط، ومنها: الجنة والنار.
(فإن نجا منه) أي: من عذاب القبر .. (فما بعده) من المنازل (أيسر منه) أي: أسهل من عذاب القبر وأهون؛ لأنه يفسح للناجي من عذاب القبر في قبره مد بصره، وينور له ويفرش له من بسط الجنة، ويلبس من حللها، ويفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها وطيبها، وكل هذه الأمور مقدمة لتيسير بقية منازل الآخرة (وإن لم ينج منه) أي: من عذاب القبر .. (فما بعده أشد منه) فشدته أمارة للشدائد كلها.
قوله: (وإن لم ينج منه) أي: لم يخلص من عذاب القبر، ولم تُكَفَّر ذنوبه
стр. 12203
قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلَّا وَالْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ".
===
وبقي عليه شيء مما يستحق العذاب عليه .. (فما بعده أشد منه) لأن النار أشد العذاب، فما يحصل للميت في القبر عنوان ما يصير إليه.
(قال) أي: عثمان: (وقال رسول الله ﷺ : ما رأيت) في الدنيا (منظرًا) أي: موضعًا ينظر إليه من الشدائد (قط .. إلا والقبر أفظع منه) من فظع - بالضم - ككرم؛ أي: أشد وأشنع وأنكر من ذاك المنظر، قيل: المستثنى جملة حالية، وهو موصوف حذفت صفته فتخصص بها؛ أي: ما رأيت منظرًا فظيعًا على حالة من أحوال الفظاعة قط، إلا في حالة كون القبر أفظع وأقبح منه، فالاستثناء مفرغ. انتهى "إنجاز الحاجة".
قال السندي: وحيث خصصنا بمنظر الدنيا اندفع ما يتوهم أن هذا ينافي قوله: (فما بعده أشد منه) على أنه يمكن الجواب إذا عمم بأنه أفظع من جهة الوحشة والوحدة، وغيرُهُ كالمسألة أشدُّ عذابًا منه، فلا إشكال. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الزهد، باب (٥) فظاعة القبر وأنه أول منازل الآخرة، وقال: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث هشام بن يوسف، والحاكم في "المستدرك" في كتاب الجنائز، والبيهقي في "الكبرى" في كتاب الجنائز، باب ما يقال عند الدفن.
ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث آخر له رضي الله تعالى عنه، فقال:
стр. 12204
(٥٨) - ٤٢١١ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
===
(٥٨) - ٤٢١١ - (٣)) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م دس ق).
(حدثنا شبابة) بن سوار المدائني الخراساني الأصل، قيل: اسمه مروان الفزاري مولاهم، ثقة حافظ رمي بالإرجاء، من التاسعة، مات سنة أربع أو خمس أو ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث (بن أبي ذئب) القرشي العامري أبي الحارث المدني، ثقة فقيه فاضل، من السابعة، مات سنة ثمان وخمسين ومئة (١٥٨ هـ)، وقيل: سنة تسع وخمسين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن عمرو بن عطاء) القرشي العامري المدني، ثقة، من الثالثة، مات في حدود العشرين ومئة (١٢٠ هـ)، وقد وهم من قال: إن القطان قد تكلم فيه. يروي عنه: (ع).
(عن سعيد بن يسار) أبي الحباب - بضم المهملة وموحدتين - المدني، اختلف في ولائه لمن هو، وقيل: سعيد بن مرجانة ولا يصح، ثقة متقن، من الثالثة، مات سنة سبعة عشر ومئة (١١٧ هـ)، وقيل: قبلها بسنة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
стр. 12205
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "إِنَّ الْمَيِّتَ يَصِيرُ إِلَى الْقَبْر، فَيُجْلَسُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فِي قَبْرِهِ غَيْرَ فَزِعٍ وَلَا مَشْعُوفٍ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: فِيمَ كُنْتَ؟ فَيَقُول: كُنْتُ فِي الْإِسْلَام، فَيُقَال لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُول: مُحَمَّد رَسُولُ اللهِ ﷺ ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ عِنْدِ اللهِ
===
(عن النبي ﷺ قال: إن الميت) أي: إن جنس الميت؛ فاللام فيه للجنس (يصير) ويرجع (إلى القبر، فيجلس) بالبناء للمفعول؛ من أجلس الرباعي، أو على البناء للفاعل، من جلس الثلاثي (الرجل الصالح) وكذا المرأة الصالحة؛ وهو المراعي لحقوق الله وحقوق العباد.
(في قبره غير فزع) بنصب (غير) على الحالية، وكسر زاي (فزع) أي: حالة كونه غير خائف (ولا مشعوف) من الشعف؛ وهو شدة الفزع حتى يذهب بالقلب (ثم يقال له) أي: لذلك الرجل: (فيم كنت؟ ) أي: في أي دين كنت وعشت في الدنيا؟ (فيقول) الرجل في جواب سؤاله: (كنت) وعشت (في) دين (الإسلام) والتوحيد (فيقال له) ثانيًا: (ما هذا الرجل) المشهور بين أظهركم؟ ولا يلزم منه الحضور، وترك ما يُشْعِرُ بالتعظيم؛ لئلا يصير تلقينًا وهو لا يناسب موضع الاختبار.
و(ما) اسم استفهام مبتدأ، و (هذا الرجل) خبره؛ أي: ما وصفه ونعته، أو ما اعتقادك فيه (فيقول) الرجل في جواب سؤاله: هو؛ أي: إنَّ هذا الرجل المشهور بيننا اسمه العلم: (محمد) لقبه: (رسول الله ﷺ عمله: أنه (جاءنا بالبينات) والمعجزات الدالة على صدقه (من عند الله) تعالى.
وقوله: (رسول الله) يحتمل أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف، أو خبر بعد خبر، والظاهر: أنه خبر بعد خبر لمبتدأ محذوف؛ كما أشرنا إليه في حلنا، والجملة الاسمية: مقول القول، وهو متضمن للجواب عن وصفه.
стр. 12206
فَصَدَّقْنَاهُ، فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ رَأَيْتَ اللهَ؟ فَيَقُولُ: مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَرَى اللهَ، فَيُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةٌ قِبَلَ النَّار، فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَا وَقَاكَ اللهُ، ثُمَّ يُفْرَجُ لَهُ قِبَلَ الْجَنَّة، فَيَنْظُرُ إِلَى زَهْرَتِهَا
===
وقوله: (جاءنا بالبينات) جملة استئنافية مبينة للجملة الأولى.
(فصدقناه) أي: في جميع ما جاء به من عند الله تعالى.
(فيقال له) أي: لذلك الرجل من جهة الملائكة: (هل رأيت الله) الذي أرسل ذلك الرسول الذي جاءكم بالبينات؟
(فيقول) ذلك الرجل الذي سئل عن الله في جواب سؤاله: (ما ينبغي لأحد) من المخلوق ولا يليق به (أن يرى الله) في الدنيا، ويبصره ببصره في الدنيا، أو يحيط بكنهه مطلقًا.
(فيفرج له) من الإفراج بالتخفيف، أو بالتشديد من التفريج، وكلاهما على البناء للمفعول؛ أي: يكشف ويفتح له (فُرْجَة) - بضم الفاء، وقيل: بفتحها - وهو مرفوع على النيابة عن الفاعل؛ أي: يفتح الله له فتحة وكوة (قبل النار) - بكسر القاف وبالنصب على الظرفية - أي: قبلها وجهتها (فينظر إليها) أي: إلى النار، حالة كونها (يحطم) ويكسر ويضرب (بعضها بعضًا) من الحطم؛ وهو الكسر؛ أي: يكسر ويغلب ويأكل بعضها بعضًا؛ لشدة تلهبها واتقادها.
وقوله: (بعضًا) بالنصب على الظرفية المكانية.
(فيقال له) أي: لذلك الرجل من جهة الملائكة: (انظر إلى ما) أي: إلى العذاب الذي (وقاك) وسلمك (الله) منه وحفظك بحفظه إياك من الكفر والمعاصي التي تجرك إليه (ثم يفرج) ويفتح اله قبل الجنة) أي: إلى جهة الجنة (فينظر إلى زهرتها) - بفتح الزاي وسكون الهاء - أي: إلى حسنها
стр. 12207
وَمَا فِيهَا، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ، وَيُقَالُ لَهُ: عَلَى الْيَقِينِ كُنْتَ، وَعَلَيْهِ مُتَّ، وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَيُجْلَسُ الرَّجُلُ السُّوءُ فِي قَبْرِهِ فَزِعًا مَشْعُوفًا، فَيُقَالُ لَهُ: فِيمَ كُنْتَ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، فَيُقَالُ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ قَوْلًا فَقُلْتُهُ،
===
وبهجتها (وما فيها) أي: وما في الجنة من الحور والقصور وغيرها من الخير الكثير (فيقال له) أي: لذلك الرجل من جهة الملائكة مشيرين له إلى منزل من منازل الجنة: (هذا) المنزل (مقعدك) ومقرك في العقبى.
وقوله: (ويقال له: على اليقين) متعلق بقوله: (كنت) والجملة مستأنفة متضمنة لتعليل ما قبلها؛ والمعنى: هذا المنزل مقعدك في العقبي؛ لأنك كنت في الدنيا على اليقين في أمر الدين، وتقديم الخبر؛ للاهتمام والاختصاص التام.
(وعليه) أي: وعلى اليقين في أمر دينك (مت) - بضم الميم وكسرها - وهذا يدل: على أن من كان على اليقين في الدنيا .. يموت عليه عادة، وكذا في جانب الشك، قاله السندي.
(وعليه) أي: وعلى اليقين في أمر دينك (تبعث) من قبرك؛ يعني: كما تعيش تموت، وكما تموت تحشر (إن شاء الله) تعالى للتبرك، أو للتحقيق، لا للشك.
(ويجلس الرجل السوء) - بفتح السين وضمها - وهو ضد الصالح؛ أي: الرجل الطالح الفاسد (في قبره فزعًا) أي: حزينًا خائفًا (مشعوفًا) أي: مرعوبًا (فيقال له) أي: لذلك الرجل الطالح: (فيم كنت؟ ) أي: في أي دين عشت؟ (فيقول: لا أدري) ولا أعلم ما كنتُ عليه من الدين؛ أي: أو للهيبة نسي ما كان عليه (فيقال له: ما هذا الرجل) المشهور بين أظهركم؟
(فيقول) في جواب سؤاله: (سمعتُ الناس يقولون) فيه (قولًا فقلتُه) أي:
стр. 12208
فَيُفْرَجُ لَهُ قِبَلَ الْجَنَّةِ فَيَنْظُرُ إِلَى زَهْرَتِهَا وَمَا فِيهَا فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَا صرَفَ اللهُ عَنْكَ، ثُمَّ يُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةٌ قِبَلَ النَّار، فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ عَلَى الشَّكِّ كُنْتَ وَعَلَيْهِ مُتَّ، وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى".
===
فقلت في الدنيا ذلك القول الذي قال فيه الناس، ولا أدري ما هو الآن؛ يريد أنه كان مقلِّدًا في دينه للناس، ولم يكن منفردًا عنهم بمذهب، فلا اعتراضَ عليه حقًّا كان ما عليه أو باطلًا، كذا في "المرقاة" (١/ ٢٣٤).
(فيفرج له قبل الجنة فينظر إلى زهرتها) أي: إلى حسن الجنة وزينتها (و) إلى (ما فيها) من الحور والقصور (فيقال له) تنديمًا له: (انظر إلى ما) أي: إلى نعيم (صَرَف اللهُ) أي: دفعه الله (عنك) وحرمك عنه بالكفر والمعاصي (ثم يفرج) ويفتح (له فرجة) - بضم الفاء - أي: كَوَّةٌ وطاقةٌ (قبل النار) أي: جهة النار (فينظر إليها) أي: إلى النار حالة كونها (يحطم بعضها) ويضرب (بعضًا) آخر منها (فيقال له: هذا) المنزل (مقعدك) ومقرك في العقبى؛ لأنك (على الشك كنت) في دينك (وعليه) أي: وعلى الشك (مت، وعليه) أي: وعلى الشك (تبعث) أي: تحشر يوم القيامة (إن شاء الله تعالى).
فائدة
وفي قوله: في هذا الحديث: "فيجلس الميت في قبره" دلالة عند الجمهور على أن سؤال الميت وعذابه في القبر يكون لروحه مع الجسد، لا على الروح فقط، وأن هذه الأحاديث تدل عندهم على ثبوت عذاب القبر وسؤاله، وفيه مذاهب ستة:
الأول منها: مذهب الخوارج؛ وهو إنكار عذاب القبر مطلقًا، وبه قال بعض
стр. 12209
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
المعتزلة؛ مثل: ضرار بن عمرو وبشر المريسي ومن وافقهما، وهو قول مردود بالنصوص المتواترة معنىً، وقد فصلها العلامة العيني في "عمدة القاري" (٤/ ١٦١ - ١٦٢)، والتفتازاني في "شرح المقاصد"، والشريف الجرجاني في "شرح المواقف"، ورد كلهم على ما استدل به المنكرون لعذاب القبر.
والثاني: أن عذاب القبر إنما يقع على الكفار دون المؤمنين، وهو مذهب بعض المعتزلة؛ كالجَيَّاني، حكاه عنهم الحافظ في "الفتح" (٣/ ٢٣٣)، وحديث عذاب القبر لمن كان لا يستبرئ من بوله، ولمن كان يمشي بالنميمة .. يرد عليهم، وكذلك ترد عليهم بعض الأحاديث الأخرى.
والثالث: أن السؤال يقع على الروح فقط، من غير عود الروح إلى الجسد، وهو مذهب ابن حزم وابن هبيرة؛ كما نقل عنهما الحافظ في "الفتح" (٣/ ٢٣٥) وحديث الباب حجة عليهم؛ لأنه لا معنى لإجلاس الروح، وإنما يقع الإجلاس على الجسد.
والرابع: أن السؤال في القبر يقع على البدن فقط، وأن الله يخلق فيه إدراكًا؛ بحيث يسمع ويعلم ويلذ ويألم، وهو قول ابن جرير وجماعة من الكرامية؛ كما نقل عنهم الحافظ.
والخاص: أن الميت لا يشعر بالتعذيب وبغيره إلا بين النفختين، قالوا: وحاله كحال النائم والمغشي عليه، لا يحس بالضرب ولا بغيره إلا بعد الإفاقة، وهذا مذهب أبي الهذيل ومن تبعه، حكاه الحافظ أيضًا، ورد عليه بحديث الباب.
والسادس: مذهب جمهور أهل السنة؛ وهو أنه تعاد الروح إلى الجسد، أو إلى بعضه عند السؤال أو العذاب؛ كما ثبت في الحديث، ولو كان على الروح
стр. 12210
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فقط .. لم يكن للبدن بذلك اختصاص، ولا يمنع ذلك كون الميت قد تفرق أجزاؤه؛ لأن الله قادر على أن يعيد الحياة إلى جزء من الجسد، ويقع عليه السؤال؛ كما هو قادر على أن يجمع أجزاءه.
قال الحافظ: والحامل للقائلين بأن السؤال يقع على الروح فقط .. أن الميت قد يشاهد في قبره حال المسألة لا أثر فيه؛ من إقعاد ولا غيره، ولا ضيق في قبره ولا سعة، وكذلك غير المقبور؛ كالمصلوب، وجوابهم: أن ذلك غير ممتنع في القدرة، بل له نظير في العادة، وهو النائم؛ فإنه يجد لذةً وألمًا لا يدركه جليسه، بل اليقظان قد يدرك ألمًا أو لذةً لما يسمعه أو يفكر فيه، ولا يدرك ذلك جليسه، وإنما أتى الغلط من قياس الغائب على الشاهد، وأحوال ما بعد الموت على ما قبله، والظاهر أن الله تعالى صرف أبصار العباد وأسماعهم عن مشاهدة ذلك وستره عنهم؛ إبقاءً عليهم؛ لئلا يتدافنوا، وليست للجوارح الدنيوية قدرة على إدراك أمور الملكوت، إلا من شاء الله تعالى إدراكه ذلك.
قال الحافظ: وقد ثبتت الأحاديث بما ذهب إليه الجمهور؛ كقوله: (إنه ليسمع قرع نعالهم) وقوله: (تختلف أضلاعه) لضمة القبر، وقوله: (يسمع صوته إذا ضربه بالمطراق) وقوله: (يضرب بين أذنيه) وقوله: (فيقعدانه) وكل ذلك من صفات الأجساد؛ كذا في "الفتح" (٣/ ٣٣٥).
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد من حديث البراء بن عازب، أخرجه المؤلف بعد هذا الحديث، وأبو داوود مختصرًا ومطولًا، والنسائي في " سننه"، والحاكم في "المستدرك"، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي في إثبات عذاب القبر، وابن أبي شيبة في "مصنفه"، وعبد الله بن أحمد في "السنة".
стр. 12211
(٥٩) - ٤٢١٢ - (٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
===
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شواهد؛ كما بينتها، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة الأول.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٥٩) - ٤٢١٢ - (٤) (حدثنا محمد بن بشار) العبدي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي البصري ربيب شعبة، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا شعبة) بن الحجاج، ثقة، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن علقمة بن مرثد) - بفتح الميم وسكون الراء بعدها مثلثة - الحضرمي أبي الحارث الكوفي، ثقة، من السادسة. يروي عنه: (ع).
(عن سعد بن عبيدة) السلمي أبي حمزة الكوفي، ثقة، من الثالثة، مات في ولاية عمر بن هبيرة على العراق. يروي عنه: (ع).
(عن البراء بن عازب) بن الحارث بن عدي الأنصاري الأوسي الصحابي ابن الصحابي رضي الله تعالى عنهما، نزل الكوفة، استصغر يوم بدر، وكان هو وابن عمر لدة، مات سنة اثنتين وسبعين (٧٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن النبي ﷺ .
стр. 12212
قَالَ: " ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾، قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ يُقَالُ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ ".
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) النبي ﷺ : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ) فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (١).
(قال) النبي ﷺ : وهو توكيد لقال الأول، أو قال البراء؛ كما تدل عليه بعض روايات مسلم: (نزلت) هذه الآية (في عذاب القبر) وسؤاله، فـ (يقال له) أي: للميت بعد الدفن (من ربك؟ ) أي: مالكك ومعبودك (فيقول) المؤمن في جواب سؤاله: (ربي) أي: مالكي ومعبودي هو (الله) الذي لا إله غيره (ونبيي) أي: رسولي الذي آمنت به واتبعته فيما أمرني به ونهاني عنه هو (محمد) بن عبد الله القرشي الهاشمي ﷺ (فذلك) أي: فمصداق ذلك وشاهده (قوله) أي: قول الله في كتابه العزيز: (﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾) بالله وبرسوله ﷺ (﴿بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾) أي: على القول الحق الثابت؛ - وهي كلمة التوحيد ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بإقرارها واعتقاد معناها ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ أي: عند السؤال عنها، قاله الطبري.
وقال العيني: والقول الثابت: هو كلمة التوحيد؛ لأنها راسخة في قلب المؤمن، وقال عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: هو كلمة (لا إله إلا الله)، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾، قال: المسألة في القبر.
стр. 12213
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال القرطبي: والمعنى: أي: يثبتهم في هذه الدار على التوحيد والإيمان بالنبي ﷺ حتى يميتهم عليها، وفي الآخرة عند المساءلة في القبر؛ كما فسرها النبي ﷺ ، فإن كان النبي ﷺ قاله .. فهو المقصود، وإن كان من قول البراء .. فهذا لا يقوله أحد من قبل نفسه ورأيه، فهو محمول على أن النبي ﷺ قاله، وسكت البراء عن رفعه إلى النبي ﷺ ؛ لعلم المخاطب بذلك، والله تعالى أعلم.
وقد قيل عن البراء أنه قال: هما سؤال القبر وسؤال القيامة؛ يعني: يرشد الله المؤمن فيهما إلى الصواب، ويصرف الكافر عن الجواب. انتهى من "المفهم".
قال العيني في "عمدة القاري" (٤/ ٢٢٢٨): فإن قلت: المساءلة هل هي عامة لجميع الأمم أم خاصة بأمته ﷺ ؟
فذهب الحكيم الترمذي إلى أنها تختص بهذه الأمة، وقال: كانت الأمم قبل هذه الأمة تأتيهم الرسل، فإن أطاعوا .. فذاك، وإن أبوا .. اعتزلوهم وعوجلوا بالعذاب، فلما أرسل الله محمدًا ﷺ رحمة للعالمين .. أمسك عنهم العذاب، وقبل الإسلام ممن أظهره، سواء أسر الكفر أم لا، فلما ماتوا .. قيض الله لهم فتان القبر؛ ليستخرج سرهم بالسؤال، وليميز الله الخبيث من الطيب، ويثبت الذين آمنوا ويضل الظالمين.
ثم قال العيني: ويؤيده حديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه مرفوعًا "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها ... " الحديث أخرجه مسلم.
ويؤيده: قول الملكين: (ما تقول في هذا الرجل محمد؟ ) وحديث عائشة أيضًا عند أحمد بلفظ: (وأما فتنة القبر .. ففيَّ يفتنون، وعنِّي يسألون).
وذهب ابن القيم إلى عموم المساءلة، وقال: ليس في الأحاديث نفي
стр. 12214
(٦٠) - ٤٢١٣ - (٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ؛
===
المساءلة عمن تقدم من الأمم، وإنما أخبر النبي ﷺ أمته بكيفية امتحانهم في القبور، لا أنه نفى ذلك من غيرهم، قال: والذي يظهر أن كل نبي مع أمته كذلك، فيعذب كفارهم في قبورهم بعد سؤالهم وإقامة الحجة عليهم؛ كما يعذبون في الآخرة بعد السؤال وإقامة الحجة عليهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، وفي كتاب التفسير، باب تفسي ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ... ﴾ الآية (١)، ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، وأبو داوود في كتاب السنة، باب في المسألة في القبر وعذاب القبر، والترمذي في كتاب التفسير، باب ومن سورة إبراهيم ﵇، وقال: حسن صحيح، والنسائي في كتاب الجنائز، باب عذاب القبر، وأحمد في "المسند".
فالحديث في "الكتب الستة" فهو في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة الأول.
* * *
ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٦٠) - ٤٢١٣ - (٥) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 12215
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ .. عُرِضَ عَلَى مَقْعَدِهِ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ؛ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ .. فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّة، وَإنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ .. فَمِنْ أَهْلِ النَّار، يُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى تُبْعَثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
===
(حدثنا عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن نافع) مولى ابن عمر أبي عبد الله المدني الفقيه العدوي مولاهم، ثقة فقيه مشهور، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة، أو بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(عن النبي ﷺ قال) النبي ﷺ : (إذا مات أحدكم) أيها الناس .. (عرض) ذلك الأحد واطلع وقرب (على مقعده) ومقره ومنزله في الآخرة (بالغداة) أي: في أول النهار (والعشي) أي: في آخر النهار (إن كان) ذلك الأحد (من أهل الجنة .. فـ) يعرض عليه (من) منازل (أهل الجنة، وإن كان من أهل النار .. فـ) يعرض عليه (من) منازل (أهل النار)، فـ (يقال) له: (هذا) المقعد الذي عُرِضَ عليه (مقعدك حتى) أي: حين (تُبْعَث يوم القيامة).
واختلف هل العرض على مقعده مرةً واحدةً بالغداة، ومرة أخرى بالعشي فقط إلى يوم البعث، أو كل غداة وكل عشي من الدنيا؟
احتمالان، والأول مؤيد بحديث أنس عند البخاري، وموافق للأحاديث الواردة في سياق المسألة، والله أعلم.
ويكون عرض المقعدين على كل واحد من المؤمن المخلص، والكافر،
стр. 12216
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والمؤمن المخلِّط؛ لأنه يدخل الجنة، فيرى مقعده في الجنة، فيقال: هذا مقعدك وستصير إليه بعد مجازاتك بالعقوبة على ما تستحق.
ولفظ رواية "مسلم مع شرحه": (فإذا مات أحدكم .. عرض) بالبناء للمفعول؛ أي: عرض ذلك الأحد (على مقعده) الأخروي (بالغداة) أي: في الصباح (و) في (العشي) أي: وفي المساء، ثم فصل ذلك بقوله: (إن كان) ذلك الأحد (من أهل الجنة .. فـ) يعرض عليه (من) مقاعد (أهل الجنة، وإن كان) ذلك الأحد (من أهل النار .. فـ) يعرض عليه (من) مقاعد (أهل النار) ثم (يقال) له: (هذا) المقعد الذي كنت فيه الآن؛ يعني: قبره (مقعدك) ومقرك ومنزلك (حتى تبعث) وتنقل (يوم القيامة) إلى مقعدك الأخروي الذي عرضناه عليك؛ أي: هذا القبر مقعدك إلى يوم البعث الذي تنقل فيه إلى ذلك المقعد الأخروي الذي خلق الله لك.
قال القرطبي: قوله: "إذا مات أحدكم .. عرض عليه مقعده ... " إلى آخره .. هذا منه ﷺ إخبار عن غير الشهداء؛ فإنه قد تقدم أن أرواحهم في حواصل طير تسرح في الجنة وتأكل من ثمارها، وغير الشهداء إما مؤمن، وإما غير مؤمن؛ فغير المؤمن هو الكافر، فهذا يرى مقعده من النار غدوًا وعشيًّا، وهذا هو المَعْنِيُّ بقوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (١).
فأما المؤمن .. فإما ألا يدخل النار، أو يدخلها بذنوبه؛ فالأول: يرى مقعده من الجنة لا يرى غيره رؤية خوف.
وأما المؤاخذ بذنوبه .. فله مقعدان؛ مقعد في النار زمن تعذيبه، ومقعد في
стр. 12217
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الجنة بعد إخراجه، فهذا يقتضي أن يعرضا عليه بالغداة والعشي، إلا إن قلنا: إنه أراد بأهل الجنة: كل من يدخلها كيف كان، فلا يحتاج إلى ذلك التفسير، والله أعلم.
وهذا الحديث وما في معناه يدل على أن الموت ليس بعدم، وإنما هو انتقال من حال إلى حال، ومفارقة الروح للجسد، ويجوز أن يكون هذا العرض على الروح وَحْدَهُ، ويجوز أن يكون عليه مع جزء من البدن، والله أعلم بحقيقة ذلك.
والمراد بالغداة والعشي: وقتهما، وإلا .. فالموتى لا صباح عندهم ولا مساء. انتهى من "المفهم".
قال النووي: والغرض من ذكر هذه الأحاديث: إثبات عذاب القبر وهو مذهب أهل السنة، وقد تظاهرت به الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ من رواية جماعة من الصحابة في مواطن كثيرة، ولا يمتنع في العقل أن يعيد الله تعالى الحياة في جزء من الجسد ويعذبه، وإذا لم يمنعه العقل وورد الشرع به .. وجب قبوله واعتقاده. انتهى بأدنى تصرف وتفصيل فيه.
قال السندي: قوله: "عُرِضَ على مقعدِه" هو من باب القلب، والأصل: عرض عليه مقعده، ومثله في القلب قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ (١).
قوله: "فمن أهل الجنة" أي: فيعرض عليه من مقاعد الجنة، أو فمقعده من مقاعد الجنة.
قوله: "فيقال: هذا مقعدك" يحتمل أن الإشارة إلى القبر؛ أي: القبر مقعدك إلى أن يبعثك الله إلى المقعد المعروض عليك، ويحتمل أن تكون الإشارة إلى
стр. 12218
(٦١) - ٤٢١٤ - (٦) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، أَنْبَأَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ،
===
مقعدك المعروض، و (حتى) غاية للعرض؛ أي: يعرض عليك إلى البعث، ثم بعد البعث تدخله، ثم هذا القول يعم أهل الجنة والنار؛ والمراد: يقال لكل أحد من الفريقين هذا الكلام. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في مواضع كثيرة؛ منها: في الجنائز، باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي، ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وأبو داوود في كتاب السنة، باب عذاب القبر، والترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة إبراهيم، والنسائي من كتاب الجنائز، باب عذاب القبر، وأحمد في "المسند".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة الأول.
* * *
ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث كعب بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٦١) - ٤٢١٤ - (٦) (حدثنا سويد بن سعيد) بن سهل الهروي الأصل ثم الحدثاني أبو محمد الأنباري، صدوق في نفسه إلا أنه عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه فأفحش ابن معين القول فيه، من قدماء العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ) وله مئة سنة. يروي عنه: (م ق).
(أنبأنا مالك بن أنس) بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي أبو عبد الله المدني الفقيه إمام دار الهجرة رأس المتقنين، وكبير المتثبتين، من السابعة،
стр. 12219
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ
===
مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ) قال الواقديُّ: بلغ تسعين سنة. يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن مسلم (ابن شهاب) الزهري المدني، ثقة متقن ثبت، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الرحمن بن كعب) بن مالك (الأنصاري) أبي الخطاب المدني، ثقة، من كبار التابعين، ويقال: ولد في عهد النبي ﷺ ، ومات في خلافة سليمان بن عبد الملك بن مروان. يروي عنه: (ع).
(أنه) أي: أن عبد الرحمن (أخبره) أي: أخبر ابن شهاب (أن أباه) أي: أبا عبد الرحمن كعب بن مالك الأنصاري السلمي - بفتح السين - المدني الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، وهو أحد الثلاثة الذين خلفوا، مات في خلافة علي. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه سويد بن سعيد، وهو مختلف فيه.
(كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال: إنما نسمة) هي - بفتحتين -: الروح؛ والمراد: روح (المؤمن) الشهيد؛ كما جاء في بعض روايات الحديث. انتهى "س".
وقال ابن عبد البر في "التمهيد" (١١/ ٥٨): أما قوله: "نسمة المؤمن" فهي ها هنا: الروح، ويدل على ذلك قوله ﷺ في هذا الحديث: "حتى يرجعه الله إلى جسده يوم بعثه".
стр. 12220
طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يُبْعَثُ".
===
وأصل هذه اللفظة؛ أعني: (النسمة): الإنسان بعينه، وإنما قيل للروح: نسمة - والله أعلم - لأن حياة الإنسان بروحه، فإذا فارقته .. عدم أو صار كالمعدوم. انتهى.
قلت: وما ذهب إليه السندي من أن المراد بالنسمة هنا: نسمة الشهيد دون غيره .. هو الذي ذهب إليه أبو عمر في "التمهيد" (١١/ ٦٤) ورجحه.
وقد نقل ابن القيم في "الروح" كلامه، ورده، ورجح أن الحديث يعم كل مؤمن الشهيد وغير الشهيد.
قوله: "إنما نسمة المؤمن" مبتدأ، خبره: (طائر) أي: مُشَكَّلٌ بصورة طائر (يعلق) - بضم اللام وبالتخفيف - من باب كرم؛ أي: نسمته مشكلة بصورة طائر يعلق ويأكل ويرتع (في شجر الجنة) أي: من ثمار شجر الجنة (حتى يرجع إلى جسده يوم يبعث) الله ذلك الروح؛ أي: يوم أراد الله بعثه وإدخاله الجنة.
قوله: (طائر) ظاهره أن الروح يتشكل ويتمثل بأمر الله تعالى طائرًا؛ كتمثل الملك بشرًا، ويحتمل أن المراد: أن الروح يدخل في بدن طائر؛ كما في بعض الروايات.
قال السيوطي في "حاشية أبي داوود": إذا فسرنا الحديث بأن الروح يتمثل طائرًا .. فالأشبه أن ذلك في القدرة على الطيران فقط، لا في صورة الخلقة؛ لأن شكل الإنسان أفضل الأشكال.
قلت: هذا إذا كان الروح الإنساني له شكل في نفسه، ويكون على شكل الإسان.
وأما إذا كان في نفسه لا شكل له، بل يكون مجردًا، أو أراد الله تعالى أن يتشكل ذلك المجرد لحكمة ما .. فلا يبعد أن يتشكل من أول الأمر على شكل الطائر.