(٤٠) - ٤١٩٣ - (٤) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرَّقَاشِيُّ، حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ،
===
و(فرح الله بتوبة عبده): صفة ثابتة له تعالى، نثبتها ونعتقدها، لا نمثلها ولا نكيفها ولا نعطلها، ونعتقد أن ظاهرها غير مراد، وأن أثرها الرضا عن عبده، والإقبال عليه بعين الرضا.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه أحمد بن منيع في "مسنده"، بإسناده ومتنه، والإمام أحمد في "مسنده".
ودرجته: أنه صحيح بغيره؛ لأن له شواهد من حديث ابن مسعود ومن حديث البراء، ومن حديث أنس بن مالك أخرجه البخاري ومسلم في "صحيحيهما"، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة الأول، فهذا الحديث: ضعيف السند، صحيح المتن بغيره.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٤٠) - ٤١٩٣ - (٤) (حدثنا أحمد بن سعيد) بن صخر (الدارمي) أبو جعفر السرخسي، ثقة حافظ، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئتين (٢٥٣ هـ). يروي عنه: (خ م د ت ق).
(حدثنا محمد بن عبد الله) بن محمد بن عبد الملك بن مسلم (الرقاشي) - بقاف خفيفة ثم معجمة - البصري، ثقة من كبار العاشرة، مات سنة تسع عشرة ومئتين (٢١٩ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (خ م س ق).
(حدثنا وهيب) مصغرًا (ابن خالد) بن عجلان الباهلي مولاهم أبو بكر
стр. 12147
حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيم، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ
===
البصري، ثقة ثبت، لكنه تغير قليلًا بأخرة، من السابعة، مات سنة خمس وستين ومئة (١٦٥ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه (ع).
(حدثنا معمر) بن راشد الأزدي مولاهم أبو عروة البصري نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وعاصم بن أبي النجود وهشام بن عروة .. شيئًا، وكذا فيما حدث به بالبصرة، من كبار السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الكريم) بن مالك الجزري - بفتح الجيم وسكون الزاي - أبي سعيد مولى بني أمية، ويقال له: الخضرمي - بالخاء المعجمة المكسورة - نسبة إلى قرية من قرى اليمامة، ثقة متقن، من السادسة، مات سنة سبع وعشرين ومئة (١٢٧ هـ). يروي عنه: معمر. ويروي عن: أبي عبيدة بن عبد الله. يروي عنه: (ع).
(عن أبي عبيدة) مصغرًا (ابن عبد الله) بن مسعود، مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال: اسمه عامر، كوفي، ثقة، من كبار الثالثة، والصحيح: أنه لا يصح سماعه من أبيه، مات قبل المئة بعد سنة ثمانين. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) عبد الله بن مسعود الهذلي الكوفي رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الحسن؛ لأن رجاله ثقات، ولكن في سماع أبي عبيدة عن أبيه خلاف، فالسند مختلف في وصله، ولكن الحديث صحيح بما بعده.
(قال) عبد الله بن مسعود: (قال رسول الله ﷺ : التائب من الذنب) أي: توبة صحيحة؛ أي: متوفرة شروطها، وإطلاق الذنب يشمل
стр. 12148
كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ".
===
الذنوب كلها، فيدل الحديث على أن التوبة مقبولة من أي ذنب كان، وظاهر الحديث يدل على أن التوبة إذا صحت بشرائطها .. فهي مقبولة. انتهى "س".
(كمن لا ذنب له) ظاهره: أن الذنب يرفع من صحف أعماله، ويحتمل أن المراد: التشبيه في عدم العقاب فقط، والله أعلم.
قال الطيبي: هذا من قبيل إلحاق ناقص بكامل؛ مبالغةً؛ كما تقول: زيد كالأسد؛ إذ لا شك أن المشرك التائب ليس كالنبي المعصوم.
وتعقبه ابن حجر بأن المراد بـ (من لا ذنب له): من هو معرض له، لكنه حفظ منه، فخرجت الأنبياء والملائكة، فليسا مقصودين بالتشبيه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، وحسنه الحاكم، ووافقه الذهبي، وذكر البخاري لهذا الحديث طرقًا كثيرة، يظهر من بعضها أنه رواه بعضهم موقوفًا من قول ابن مسعود، ولا يضر ذلك في الحديث؛ لكثرة من رفعه، ولأن الرفع زيادة من الثقة، وله شواهد أيضًا من حديث أنس المذكور للمؤلف بعد هذا الحديث، أخرجه الحاكم والبزار والبيهقي وابن حبان، ومن حديث وائل بن حجر أخرجه الطبراني، ومن حديث ابن سعد عن أبيه أخرجه الطبراني، ومن حديث أبي هريرة أخرجه الطبراني في "الصغير"، وذكره صاحب "مجمع الزوائد"، مع الكلام عليه (١٠/ ١٩٩).
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح بغيره من المتابعات والشواهد التي بيناها، وهو صحيح أيضًا بما بعده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة الأول.
* * *
ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 12149
(٤١) - ٤١٩٤ - (٥) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَاب، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ،
===
(٤١) - ٤١٩٤ - (٥) (حدثنا أحمد بن منيع) بن عبد الرحمن أبو جعفر البغوي نزيل بغداد الأصم، ثقة حافظ، من العاشرة، مات سنة أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ). يروي عنه: (ع)، وله أربع وثمانون سنة.
(حدثنا زيد بن الحباب) - بضم المهملة وبموحدتين - أبو الحسين العُكْلي - بضم المهملة وسكون الكاف - أصله من خراسان، وكان بالكوفة، ورحل في طلب الحديث فأكثر منه، وهو صدوق يخطئ في حديث الثوري، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا علي بن مسعدة) الباهلي أبو حبيب البصري، صدوق له أوهام، من السابعة. يروي عنه: (ت ق)، ضعفه أبو داوود، ووثقه الطيالسي، وقال البخاري: فيه نظر، وقال ابن معين: صالح، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال النسائي: ليس بالقوي.
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه علي بن مسعدة، وهو مختلف فيه.
(قال) أنس: (قال رسول الله ﷺ : كل بني آدم) وفي "الترمذي": (كل ابن آدم) هكذا وقع في "الترغيب" (خطاء) - بتشديد الطاء والمد والتنوين - أي: كثير الخطأ، قال السندي: والمراد بالخطأ: المعصية
стр. 12150
وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ".
===
عمدًا أو مطلقًا، بناءً على أنه الخطأ المقابل للصواب دون العمد.
قال القاري في "المرقاة" (٥/ ١٧٢): أفرد الخبر؛ نظرًا إلى لفظ الكل، وفي رواية: (خطاؤون) نظرًا إلى معنى الكل، قيل: أراد الكل من حيث هو كل أو كل واحد، وأما الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم .. فإما مخصوصون عن ذلك، وإما أنهم أصحاب صغائر، والأول أولى؛ فإن ما صدر منهم من باب ترك الأولى، أو من قبيل حسنات الأبرار سيئات المقربين، أو يقال: الزلات المنقولة عن بعضهم محمولة على الخطأ والنسيان من غير أن يكون لهم قصد إلى العصيان، وقيل: كل بني آدم خطاء؛ أي: غالبهم كثير الخطأ.
(وخير الخطائين التوابون) أي: الرجاعون إلى الله بالتوبة من المعصية؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ (١)؛ أي: دون المُصرِّين؛ فإن الإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة، فكيف الإصرار على الكبيرة؟ !
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب صفة القيامة والرقائق، وقال: لا نعرفه إلا من حديث علي بن مسعدة عن قتادة، ورواه الحاكم في "المستدرك"، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والدارمي في كتاب الرقائق، باب في التوبة، وأحمد في "المسند".
ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة الأول.
* * *
ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث آخر لابن مسعود رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 12151
(٤٢) - ٤١٩٥ - (٦) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنِ ابْنِ مَعْقِلٍ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى عَبْدِ اللهِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "النَّدَمُ
===
(٤٢) - ٤١٩٥ - (٦) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا سفيان) بن عيينة الهلالي الكوفي، ثقة، من الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الكريم) بن مالك (الجزري)، ثقة متقن، من السادسة، مات سنة سبع وعشرين ومئة (١٢٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن زياد بن أبي مريم) الجزري الشامي، اسم أبيه: يزيد، وثقه العجلي، ولم يثبت سماعه من أبي موسى، وجزم أهل بلده أنه غير ابن الجراح، من السادسة. يروي عنه: (ق)، قال العجلي: تابعي ثقة.
(عن) عبد الله (بن معقل) بن مقرن المزني أبي الوليد الكوفي. روى عن: علي وابن مسعود، ويروي عنه: أبو إسحاق السبيعي، وزياد بن أبي مريم، ثقة، من كبار الثالثة، مات دون المئة سنة ثمان وثمانين (٨٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(قال) عبد الله بن معقل: (دخلت مع أبي) معقل بن مقرن (على عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
قال عبد الله بن معقل: (فسمعته) أي: سمعت ابن مسعود (يقول: قال رسول الله ﷺ : الندم) على ارتكاب المعصية؛ أي: لكونها
стр. 12152
تَوْبَةٌ"، فَقَالَ لَهُ أَبِي: أَنْتَ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "النَّدَمُ تَوْبَةٌ"؟ قَالَ: نَعَمْ.
===
معصية، وإلا .. فإذا ندم عليها من جهة أخرى؛ كما إذا ندم على شرب الخمر من جهة صرف المال عليه .. فليس من التوبة في شيء. انتهى "سندي".
(توبة) معناه: أنه معظمها ومستلزم لبقية أجزائها عادةً؛ فإن النادم ينقلع من الذنب في الحال، ويعزم على عدم العود إليه في الاستقبال، وبهذا القدر تتم التوبة إلا في الفرائض التي يجب قضاؤها، فتحتاج التوبة فيها إلى القضاء، وإلا في حقوق العباد، فتحتاج التوبة إلى الاستحلال؛ أي: الرد والندم يعني على كل ذلك؛ كما لا يخفى. انتهى "سندي".
(فقال له) أي: لابن مسعود (أبي) أي: والدي: يا بن مسعود (أنت) يا بن مسعود (سمعت النبي ﷺ يقول: الندم توبة؟ قال) ابن مسعود: (نعم) أي: سمعت النبي ﷺ يقول ذلك؛ أي: يقول: "الندم توبة".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، قال البوصيري: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، رواه الحاكم في "المستدرك" عن محمد بن يعقوب عن أحمد بن سنان عن سفيان بن عيينة به، وقال: هذا إسناد صحيح، وهذا الحديث أخرجه أيضًا البيهقي في "شعب الإيمان"، والطحاوي في "شرح المشكل"، والبخاري في "التاريخ الكبير"، وغيرهم ممن لا يحصون، ولكن في سنده خلاف يسير عن عبد الكريم الجزري، ولكن لا يضر إن شاء الله تعالى، حاصله: أن جماعة رووا الحديث عنه عن زياد بن أبي مريم، ورواه آخرون عنه عن زياد بن الجراح، وهو ثقة أيضًا؛ كما بينه ابن أبي حاتم في "العلل"، والدارقطني في "علله"، والمزي في "تهذيب الكمال".
стр. 12153
(٤٣) - ٤١٩٦ - (٧) حَدَّثَنَا رَاشِدُ بْنُ سَعِيدٍ الرَّمْلِيُّ، أَنْبَأَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ مَكْحُولٍ،
===
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده ولأن له متابعات وشواهد كثيرة لا تحصى، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة الأول.
* * *
ثم استشهد المؤلف سادسًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٤٣) - ٤١٩٦ - (٧) (حدثنا راشد بن سعيد) بن راشد القرشي أبو بكر (الرملي) صدوق، من العاشرة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئتين (٢٤٣ هـ). يروي عنه: (ق).
(أنبأنا الوليد بن مسلم) القرشي مولاهم أبو العباس الدمشقي، ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية، من الثامنة، مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن) عبد الرحمن بن ثابت (بن ثوبان) العنسي - بالنون - الدمشقي الزاهد، صدوق يخطئ، ورمي بالقدر، وتغير بأخرة، من السابعة، مات سنة خمس وستين ومئة (١٦٥ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن أبيه) ثابت بن ثوبان العنسي الشامي، ثقة، من السادسة. يروي عنه: (د ت ق). روى عن: مكحول، والزهري، وابن سيرين، ويروي عنه: ابنه عبد الرحمن، والأوزاعي، قال الغلابي عن ابن معين: أصله خراساني نزل الشام، وقال معاوية بن صالح: ثقة، وقال العجلي: لا بأس به.
(عن مكحول) الشامي أبي عبد الله، ثقة فقيه كثير الإرسال مشهور، من
стр. 12154
عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللهَ لَيَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ".
===
الخامسة، مات سنة بضع عشرة ومئة (١١٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن جبير بن نفير) - مصغرين - ابن مالك بن عامر الحضرمي الحمصي، ثقة فاضل، من الثانية، مخضرم ولأبيه صحبة، فكأنه هو ما وفد إلا في عهد عمر، مات سنة ثمانين (٨٠ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (م عم).
(عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما.
ووقع عند ابن ماجه: (عن عبد الله بن عمرو) وهو وهم، والصواب: عبد الله بن عمر بن الخطاب؛ كما في "الترمذي".
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه الوليد بن مسلم ومكحولًا الشامي، وهما مختلف فيهما إذا عنعنا؛ لأنهما مدلسان.
(عن النبي ﷺ قال: إن الله ليقبل توبة العبد) قال القاري: ظاهره الإطلاق، وقيده بعض الحنفية بالكفر، وقال: والظاهر المعول عليه هو الأول.
(ما لم يغرغر) - بغينين معجمتين، الأول مفتوحة، والثانية مكسورة، وبراء مكررة - من الغرغرة؛ أي: ما لم تبلغ روحه حلقومه، فتكون بمنزلة الشيء الذي يغرغر به المريض.
والغرغرة: أن يجعل المشروب في الفم، ويردد إلى أصل الحلق ولا يبلع، ويقال لذلك الشيء الذي يتغرغر: الغرور؛ مثل قولهم: لعوق ولدود وسعوط؛ والمقصود: ما لم يعاين أحوال الآخرة.
قال القاري في "المرقاة" (٥/ ١٣٦): يعني: ما لم يتيقن بالموت؛ فإن
стр. 12155
(٤٤) - ٤١٩٧ - (٨) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ،
===
التوبة بعد التيقن بالموت لم يعتد بها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ (١).
وأما تفسير ابن عباس: (حضوره) بـ: (معاينة ملك الموت) .. فحكم أغلبي؛ لأن كثيرًا من الناس لا يراه، وكثيرًا يراه قبل الغرغرة. انتهى "تحفة الأحوذي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الدعوات، باب في فضل التوبة والاستغفار وما ذكر من رحمة الله تعالى لعباده، وقال: حديث حسن غريب، وأخرجه أحمد وابن حبان والحاكم، والبيهقي في "شعب الإيمان".
ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة الأول.
* * *
ثم استشهد المؤلف سابعًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث آخر لابن مسعود رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٤٤) - ٤١٩٧ - (٨) (حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب) بن الشهيد الحبيبي أبو يعقوب البصري الشهيدي، ثقة، من العاشرة، مات سنة سبع وخمسين ومئتين (٢٥٧ هـ). يروي عنه: (ت س ق).
(حدثنا المعتمر) بن سليمان بن طرخان التيمي البصري، ثقة، من كبار التاسعة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ) وقد جاوز الثمانين. يروي عنه: (ع).
стр. 12156
سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ أَنَّهُ أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَجَعَلَ يَسْأَلُ عَنْ كَفَّارَتِهَا فَلَمْ يَقُلْ لَهُ شَيْئًا، فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾،
===
قال: (سمعت أبي) ووالدي سليمان بن طرخان التيمي أبا المعتمر البصري، نزل في التيم، فنسب إليهم، ثقة عابد، من الرابعة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئة (١٤٣ هـ). يروي عنه: (ع).
يقول: (حدثنا أبو عثمان) النهدي - بفتح النون وسكون الهاء - عبد الرحمن بن مل - بتثليث الميم ولام مشددة - مشهور بكنيته، ثقة ثبت عابد مخضرم، مات سنة خمس وتسعين (٩٥ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن) عبد الله (بن مسعود) الهذلي الكوفي ﵁. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن رجلًا) من المسلمين (أتى النبي ﷺ وهذا الرجل اسمه: أبو اليسر على الأصح؛ كما سيأتي (فذكر) الرجل للنبي ﷺ (أنه أصاب من امرأة) أجنبية (قبلة) لفمها (فجعل) الرجل؛ أي: شرع (يسأل) النبي ﷺ (عن كفارتها) أي: عن كفارة تلك القبلة؛ أي: عما يكفرها ويمحوها عنه (فلم يقل) النبي ﷺ (له شيئًا) من المكفرات لها؛ أي: لتلك القبلة.
قال ابن مسعود - كما هو مصرح به في رواية مسلم -: (فأنزل الله في بيان مكفراتها: (﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾) (١).
стр. 12157
فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَلِي هَذِهِ؟ فَقَالَ: "هِيَ لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي".
===
قال ابن مسعود أيضًا: (فقال الرجل) السائل عن كفارة القبلة بناءً على القاعدة: أن النكرة إذا أعيدت معرفة .. كانت عين الأولى: (يا رسول الله؛ ألي هذه) الآية خاصة؟ (فقال) رسول الله ﷺ للرجل: (هي) أي: هذه الآية عامة (لـ) كل (من عمل بها من أمتي) إلى يوم القيامة.
قوله: (أن رجلًا أتى النبي ﷺ ، فذكر أنه أصاب) ونال (من امرأة قبلة) لفمها بفمه، اسم ذلك الرجل أبو اليسر كعب بن عمرو، وقيل: عمرو بن غزية بن عمرو الأنصاري أبو حية التمار، وقيل: ابن متعب رجل من الأنصار، وقيل: أبو مقبل عامر بن قيس الأنصاري، وقيل: نبهان التمار، وقيل: عباد، ولم أر من ذكر اسم المرأة. انتهى "تنبيه المعلم على مبهمات مسلم".
وذكر العيني في "عمدة القاري" (٢/ ٥١٥) ستة أقوال في تعيين هذا الرجل، ورجح أنه أبو اليسر - بفتح الياء والسين - الأنصاري رضي الله تعالى عنه؛ كما وقع التصريح بذلك في رواية الترمذي، ولفظها: عن أبي اليسر قال: (أتتني امرأة تبتاع تمرًا، فقلت لها: إن في البيت تمرًا أطيب منه، فدَخَلَتْ معي في البيت، فأَهْوَيْتُ إليها فقبَّلْتُها، فأتَيْتُ أبا بكر ﵁، فذكرت ذلك له، فقال: استر على نفسك وتب ولا تخبر أحدًا، ولم أصبر حتى أتيت عمر رضي الله تعالى عنه، فذكرت ذلك له، فقال: استر على نفسك وتب ولا تخبر أحدًا، فلم أصبر حتى أتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: أَخَلَّفْتَ غازيًا في سبيلِ الله في أهله؟ قال: فأَطْرقَ رسولُ الله ﷺ طويلًا حتى أوحى الله إليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ
стр. 12158
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (١)، قال أبو اليسر: فأتيته، فقرأها عليَّ رسول الله ﷺ ، فقال أصحابه: يا رسول الله؛ ألهذا خاصة أم للناس عامة؟ قال: بل للناس عامة)، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
وأبو اليسر: هو بفتح الياء والسين، واسمه كعب بن عمرو السلمي، وهو من البدريين.
(أصاب منها قبلة) أي: دون الفاحشة؛ وهي الزنا في الفرج (فأتى) ذلك الرجل (رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك) الذي أصاب من المرأة (له) أي: للنبي ﷺ (قال) ابن مسعود: (فنزلت) هذه الآية في ذلك؛ يعني: قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ﴾ يا محمد أنت وأمتك ﴿الصَّلَاةَ﴾ المفروضة في ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ أي: جانبيه؛ يعني: في أوله وفي آخره؛ وهما الغداة والعشي؛ كما فسرهما به الثعلبي، وروي عن ابن عباس أنه فسرهما بصلاة الفجر وصلاة المغرب، وفسرهما الضحاك بالفجر والعصر، ومقاتل بالفجر والظهر؛ كما في "عمدة القاري".
﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ أي: وفي ساعات من الليل؛ والزلف - بضم الزاي وفتح اللام - جمع زلفة - بضم الزاي وسكون اللام - كغرف وغرفة؛ وهي ساعة من أول الليل المتصل بالنهار، وفيها المغرب، وساعة من آخر الليل المتصل بالنهار، وفيها العشاء.
﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ يعني: أن الحسنات تكون كفارة للصغائر، فإن ارتكب الإنسان صغيرة .. فإن الحسنات التي يأتي بها تكفر هذه الصغيرة، ولا يتعدى هذا الحكم إلى الكبائر؛ لما تقرر في موضعه أن الحسنات إنما تكفر
стр. 12159
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الصغائر دون الكبائر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (١).
قال النووي: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ اختلف العلماء في المراد بالحسنات هنا: فنقل الثعلبي أن أكثر المفسرين على أنها الصلوات الخمس، واختاره ابن جرير وغيره من الأئمة، وقال مجاهد: هي قول العبد: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ويحتمل أن المراد بالحسنات مطلقًا. انتهى منه.
أقول: ويؤيد الوجه الأول ما رواه أبو نعيم في "الحلية" عن أنس: (الصلوات كفارة لما بينهن ... ) الحديث.
﴿ذَلِكَ﴾ المذكور من الآيات السابقة ﴿ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (٢) أي: عظة للمتعظين بها؛ أي: تذكر لمن تذكر بها واتعاظ لمن اتعظ بها (قال) ابن مسعود: (فقال) ذلك الرجل الذي سأل النبي ﷺ عن واقعته: (ألي) خاصة (هذه) الآية (يا رسول الله) أم عامة لجميع الأمة؟ يعني بها: محو السيئات بالحسنات، فـ (قال) له رسول الله ﷺ : هي عامة (لمن عمل بها) أي: بهذه الآية؛ بأن فعل الحسنات بعد السيئات (من أمتي) إلى يوم القيامة، وفي رواية للبخاري في المواقيت: (لجميع أمتي كلهم) والمراد: أن كون الحسنات مكفرة للصغائر يعم جميع المسلمين كلهم؛ فإن الله تعالى يغفر لهم سيئاتهم بما فعلوه من الحسنات، والله تعالى أعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب المواقيت، باب
стр. 12160
(٤٥) - ٤١٩٨ - (٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: قَالَ الزُّهْرِيُّ:
===
الصلاة كفارة، ومسلم في كتاب التوبة، باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (١)، والترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب من سورة هود، وقد تقدم للمؤلف هذا الحديث في كتاب إقامة الصلاة، باب الصلاة كفارة.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة الأول.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثامنًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث آخر له رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٤٥) - ٤١٩٨ - (٩) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد الذهلي النيسابوري، ثقة حافظ فاضل، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (خ عم).
(وإسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج أبو يعقوب التميمي المروزي، ثقة ثبت، من الحادية عشرة، مات سنة إحدى وخمسين ومئتين. يروي عنه: (خ م ت س ق).
(قالا: حدثنا عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومئتين (٢١١ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا معمر) بن راشد الأزدي البصري، ثقة ثبت، من السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(قال) معمر: (قال) له (الزهري) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن
стр. 12161
أَلَا أُحَدِّثُكَ بِحَدِيثَيْنِ عَجِيبَيْنِ؟ أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَسْرَفَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ؛ فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ .. أَوْصَى بَنِيهِ فَقَالَ: إِذَا أَنَا مِتُّ .. فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اسْحَقُونِي ثُمَّ ذَرُّونِي
===
عبد الله بن شهاب بن زهرة القرشي الزهري أبو بكر الحافظ، المتفق على جلالته وإتقانه المدني، من الطبقة الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة (١٢٥ هـ)، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(ألا أحدثك) يا معمر، ألا حرف عرض؛ وهو الطلب برفق ولين (بحديثين عجيبين) أي: معجبين لسامعهما؛ لاشتمالهما على معان غريبة (أخبرني) بهما (حميد بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني، ثقة، من الثانية، مات سنة خمس ومئة (١٠٥ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
(عن رسول الله ﷺ .
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) رسول الله ﷺ : (أسرف رجل) من بني إسرائيل؛ أي: بالغ وغلا في ارتكاب المعاصي؛ من السرف؛ وهو مجاوزة الحد في الشيء؛ أي: جاوز الحد حالة كونه متعديًا (على نفسه) مضيعًا لحقوقها التي هي طاعة ربه وخالقه (فلما حضره الموت) أي: مقدماته وأسبابه .. (أوصى بنيه) أي: أولاده (فقال) ذلك الرجل لأولاده في إيصائه إليهم: (إذا أنا مت) بضمتين أو بكسر فضم .. (فأحرقوني) بالنار (ثم اسحقوني) أي: دقوا رمادي واطحنوه (ثم ذروني) بتشديد الراء، قال الكرماني: بضم الذال؛ من الذر: وهو التفريق، وبفتحها: من التذرية، وروي: (فاذروه في اليم) بوصل الهمزة، وقيل: بقطعها؛
стр. 12162
فِي الرِّيحِ فِي الْبَحْر، فَوَاللهِ؛ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي .. لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا، قَالَ: فَفَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ، فَقَالَ لِلْأَرْضِ: أَدِّي مَا أَخَذْت، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ، فَقَالَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: خَشْيَتُكَ أَوْ مَخَافَتُكَ يَا رَبِّ، فَغَفَرَ لَهُ لِذَلِكَ".
===
من أذريته: رميته، والأول أليق بالريح؛ أي: أطارته؛ أي: انسفوا دقيق رمادي وانثروه وطيروه (في الريح في البحر، فوالله) أي: فأقسمت لكم بالإله الذي لا إله غيره (لئن قدر عليَّ ربي) أي: لئن شدد علي ربي في محاسبتي ومناقشتي (ليعذبني عذابًا) شديدًا (ما عذبه أحدًا) من العالمين.
(قال: فـ) لما مات ذلك الرجل .. (فعلوا) أي: فعل أولاده (به ذلك) الذي أوصى بهم من الحرق والإذراء في هواء البحر (فقال) الله (للأرض: أدي) أي: ادفعي وردي (ما أخذتـ) ـه من رماد ذلك الرجل (فإذا هو) أي: ذلك الرجل حي (قائم، فقال) الله (له) أي: لذلك الرجل: (ما حملك) وبعثك (على ما صنعت) من إيصاء الحرق والإذراء في البحر إلى أولادك؟ (قال) ذلك الرجل في جواب سؤال الرب: (خشيتك) أي: حملني على ذلك مخافتك (أو) قال: حملني على ذلك (مخافتك يا رب، فغفر له) أي: لذلك الرجل (لذلك) أي: لأجل مخافته لربه؛ أي: فقال الرجل في جواب سؤال الرب ﷻ : حملني على ذلك خشيتك؛ أي: خشية عذابك يا رب، أو مخافتك؛ أي: أو قال الرجل: حملني على ذلك مخافة عقوبتك، والشك من الراوي أو ممن دونه.
قال النبي ﷺ : (فغفر) الله سبحانه (له) أي: لذلك الرجل (بذلك) أي: بسبب خشيته من ربه.
فدل الحديث على أن شدة خشية الله هي التي تسببت لمغفرة الله له.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء،
стр. 12163
(٤٦) - ٤١٩٩ - (١٠) قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَحَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا؛ فَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ"،
===
باب رقم (٥٤)، ومسلم في كتاب التوبة، باب في سعة الله تعالى وأنها سبقت غضبه، والنسائي في كتاب الجنائز، باب أرواح المؤمنين وغيرهم.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة الأول.
* * *
ثم استشهد المؤلف تاسعًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث آخر له رضي الله تعالى عنه؛ وهو الحديث الثاني من الحديثين العجيبين من حديثي أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٤٦) - ٤١٩٩ - (١٠) (قال الزهري) بالسند السابق: (وحدثني حميد بن عبد الرحمن) بن عوف، (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
(عن رسول الله ﷺ قال) رسول الله ﷺ : (دخلت امرأة النار) أي: النار الأخروية أي: العذاب؛ أي: امرأة كانت ممن كان قبلكم من الأمم، ولم أر من ذكر اسم المرأة. انتهى "تنبيه المعلم".
(في هرة) أي: بسبب هرة (ربطتها) أي: حبستها ومنعتها من التجول لطلب الهوام لتأكلها (فلا هي) أي: تلك المرأة (أطعمتها) حين حبستها (ولا هي) أي: تلك المرأة (أرسلتها) أي: أرسلت تلك الهرة وأطلقتها، حالة كون الهرة (تأكل من خشاش الأرض) وحشراتها؛ كالفيران والجعلان والطيور والحمام (حتى ماتت) تلك الهرة.
стр. 12164
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وفي رواية لمسلم زيادة: (هزلًا) أي: جوعًا؛ غاية لربطتها، عبر عن الجوع بالهزل الذي هو ضد السمن؛ لتلازمها.
قال السندي: (خشاش الأرض) هوامها وحشراتها؛ جمع خشاشة: - بفتح الخاء المعجمة، ويجوز ضمها وكسرها - والمراد: هوام الأرض وحشراتها؛ من فأرة ونحوها.
وحكى النووي: أنه روي بالحاء المهملة؛ والمراد حينئذ: نبات الأرض وحشيشها، قال: وهو ضعيف أو غلط.
قال الحافظ: لم أقف على من ذكر اسمها، ووقع في روايةٍ أنها حميرية، وفي أخرى: أنها من بني إسرائيل، كذا لمسلم.
قلت: لكن لم أجده في "صحيح مسلم"، ولا تضاد بينهما؛ لأن طائفة من حمير كانوا قد دخلوا في اليهودية، فنسبت إلى دينها تارةً، وإلى قبيلتها أخرى، وقد وقع ما يدل على ذلك في كتاب "البعث" للبيهقي، وأبدى عياض احتمالًا آخر، وظاهر الحديث أن المرأة عذبت بسبب قتل هذه الهرة بالحبس.
قال عياض: يحتمل أن تكون المرأة كافرة، فعذبت بالنار حقيقة، أو بالحساب؛ لأن من نوقش في الحساب .. فقد عذب.
ثم يحتمل أن تكون المرأة كافرة، فعذبت بكفرها، وزيدت عذابًا بسبب ذلك، أو مسلمة وعذبت بسبب ذلك.
قال النووي: الذي يظهر أنها كانت مسلمة، وإنما دخلت النار بهذه المعصية، وفي هذا الحديث جواز اتخاذ الهرة ورباطها، إذا لم يهمل إطعامها وسقيها، ويلتحق غير الهرة بالهرة مما هو في معناها، وأن إطعامه يجب على من حبسه. انتهى.
стр. 12165
قَالَ الزُّهْرِيُّ: لِئَلَّا يَتَّكِلَ رَجُلٌ وَلَا يَيْئَسَ رَجُلٌ.
===
قال معمر بالسند السابق: (قال الزهري): (ذلك) أي: ذكري للحديث الثاني؛ يعني: حديث الهرة بعد حديث الرجلح فاسم الإشارة مبتدأ، خبره: قوله: (لئلا يتكل رجل) أي: كائن؛ لئلا يتكل ويعتمد رجل على سعة رحمته تعالى ويسترسل في المعاصي ويكثر منها؛ اعتمادًا على سعة رحمته وغفرانه، المفهوم من الحديث الأول (و) ذكر الأول منهما؛ لئـ (لا ييئس رجل) ويقنط من رحمته؛ نظرًا إلى ما ذكر في الحديث الثاني من التعذيب.
يعني: أن قصة تعذيب المرأة بسبب الهرة توجب الحذر من التعذيب، فإن الذنب اليسير ربما يكفي لتعذيب الإنسان في الآخرة، فهذه القصة تنفي الاتكال على الرجاء والغفلة عن الخوف، وأما قصة الرجل الذي أوصى بتحريقه .. فإنها تنفي اليأس والقنوط من رحمة الله تعالى.
فليكن الإنسان دائرًا بين الخوف والرجاء، فلذلك أتبع الزهري حديث الرجل الذي أوصى بتحريقه بحديث الهرة؛ ليستوي الطرفان؛ طرف الرجاء، وطرف الخوف، والله أعلم. انتهى من "الكوكب".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب المساقاة، باب فضل سقي الماء، ومسلم في كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه، وأحمد في "المسند"، وابن الأعرابي في "المعجم".
ودرجته: أنه في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة الأول، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف عاشرًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث أبي ذر رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 12166
(٤٧) - ٤٢٠٠ - (١١) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ الْمُسَيَّبِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ
===
(٤٧) - ٤٢٠٠ - (١١) (حدثنا عبد الله بن سعيد) بن حصين الكندي أبو سعيد الأشج الكوفي، ثقة، من صغار العاشرة، مات سنة سبع وخمسين ومئتين (٢٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبدة بن سليمان) الكلابي أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت، من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن موسى بن المسيب الثقفي) أو السائب أبي جعفر الكوفي البزاز، صدوق لا يلتفت إلى الأزدي في تضعيفه، من السادسة. يروي عنه: (س ق).
(عن شهر بن حوشب) الأشعري الشامي مولى أسماء بنت يزيد بن السكن، صدوق كثير الإرسال والأوهام، من الثالثة، مات سنة اثنتي عشرة ومئة (١١٢ هـ). يروي عنه: (م عم)، وقال الترمذي: عن البخاري: شهر حسن الحديث وقَوَّى أَمْرَه، وقال ابن أبي خيثمة ومعاوية بن صالح عن ابن معين: ثقة، وقال عباس الدوري عن ابن معين: ثبت، وقال العجلي: شامي تابعي ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، على أن بعضهم قد طعن فيه، وقال يعقوب بن سفيان: وشهر وإن قال فيه ابن عَوْنٍ: نَزَكُوهُ .. فهو ثقة ... إلى آخر ما في "التهذيب"، فهو مختلف فيه، ولا يقدح في السند.
(عن عبد الرحمن بن غنم) - بفتح الغين المعجمة وسكون النون - الأشعري مختلف في صحبته، وذكره العجلي في كبار ثقات التابعين، مات سنة ثمان وسبعين (٧٨ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن أبي ذر) الغفاري جندب بن جنادة الربذي رضي الله تعالى عنه.
стр. 12167
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللهَ ﵎ يَقُولُ: يَا عِبَادِي؛ كُلُّكُمْ مُذْنِبٌ إِلَّا مَنْ عَافَيْتُ، فَسَلُونِي الْمَغْفِرَةَ فَأَغْفِرَ لَكُمْ، وَمَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلَى الْمَغْفِرَةِ فَاسْتَغْفَرَنِي بِقُدْرَتِي .. غَفَرْتُ لَهُ، وَكُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُ، فَسَلُونِي الْهُدَى أَهْدِكُمْ، وَكُلُّكُمْ فَقِيرٌ إِلَّا مَنْ أَغْنَيْتُ فَسَلُونِي أَرْزُقْكُمْ،
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه شهر بن حوشب، وهو مختلف فيه.
(قال) أبو ذر: (قال رسول الله ﷺ : إن الله تبارك) أي: تزايد بره وإحسانه لعباده مرةً بعد مرة، كرة بعد كرة (وتعالى) أي: ترفع عما لا يليق به في ذاته وصفاته وأفعاله (يقول: يا عبادي؛ كلكم مذنب) أي: عاص (إلا من عافيتـ) ـه وعصمته عن عصياني (فسلوني المغفرة) أي: اطلبوا مغفرة الذنوب مني (فأَغْفِرَ لكم) ذنوبكم (ومَنْ عَلِمَ منكم أنِّي ذو قدرة على المغفرة) أي: على مغفرة ذنوب عبادي (فاستغفرني بقدرتي .. غفرت له) ذنوبه.
(و) يا عبادي (كلكم ضال) عن طريق الرشاد (إلا من هديتـ) ـه ووفقته طريق الرشاد (فسلوني الهدى) أي: فاسْألوني تَوْفِيقكم طريقَ الهدى .. (أهدكم) مجزوم بالطلب السابق؛ أي: أُوفِّقْكُم طريق الهداية (و) يا عبادي (كلكم فقير) أي: محتاج إلى غيره (إلا من أغنيتـ) ـه؛ أي: من سلكته طريق الغنى ووفقته غنى النفس (فسلوني) الرزق .. (أرزقكم) أي: أعطكم من خزائن رزقي.
قوله: (يا عبادي كلكم) من الإنس والجن (مذنب) قال الطيبي في "شرح المشكاة": الخطاب مع الثقلين خاصة؛ لاختصاص التكليف، وتعاقب التقوى والفجور بهم، ولذلك فَصَّلَ المخاطبين بالإنس والجن؛ أي: في رواية: (وإنسكم وجنكم).
стр. 12168
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ويحتمل أن يكون الخطاب عامًا شاملًا لذوي العلم كلهم من الملائكة والثقلين، ويكون ذكر الملائكة مطويًا مدرجًا في قوله: (وجنكم) لشمول الاجتنان لهم، وتوجه هذا الخطاب نحوهم .. لا يتوقف على صدور الفجور منهم، ولا على إمكانه؛ لأنه كلام صادر على سبيل الفرض والتقدير.
قلت: ويمكن أن يكون الخطاب عامًّا، ولا تدخل الملائكة في الجن؛ لأن الإضافة في (جنكم) تقتضي المغايرة، فلا يكون تفصيلًا، بل إخراجًا للثقلين الذين يصح اتصاف كل منهما بالتقوى والفجور.
قلت: والظاهر هو الاحتمال الأول. انتهى.
قوله: (كلكم مذنب) قيل: أي: كلكم يتصور منه الذنب (إلا من عافيت) أي: من الأنبياء والمرسلين؛ أي: من عصمت وحفظت، وهو يدل على أن العافية هي السلامة من الذنوب، وهي أكمل أفرادها.
وإنما قال: (عافيت) تنبيهًا على أن الذنب مرض ذاتي، وصحته عصمة الله تعالى وحفظه منه، أو كلكم مذنب بالفعل، وذنب كل بحسب مقامه إلا من عافيته بالمغفرة والرحمة والتوبة.
(وكلكم ضال) أي: عار عن الهداية ليس له هداية من ذاته، بل هي من عناية ربه ولطفه، وهذا لا ينافي حديث: "كل مولود يولد على الفطرة" بمعنى: أنه يولد خاليًا عن دواعي الضلالة.
وفيه أن العبد محتاج إلى الله تعالى في كل شيء، وأن أحدًا لا يغني أحدًا من دونه، فحقه أن يَتَبَتَّل إليه بشرَاشِرِه. انتهى "سندي".
وقيل: المراد به: وصفهم بما كانوا عليه قبل بعثة محمد ﷺ ، لا أنَّهم خُلِقوا في الضلالة، والأظهر: أن يراد: أنهم لو تركوا بما في
стр. 12169
وَلَوْ أَنَّ حَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ، وَأَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمُ اجْتَمَعُوا فَكَانُوا عَلَى قَلْبِ أَتْقَى عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي .. لَمْ يَزِدْ فِي مُلْكِي جَنَاحُ بَعُوضَةٍ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا فَكَانُوا عَلَى قَلْبِ أَشْقَى عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي .. لَمْ يَنْقُصْ مِنْ مُلْكِي
===
طباعهم .. لضلوا، وهذا معنى قوله ﷺ : "إن الله خلق الخلق في ظلمة، ثم رَشَّ عليهم من نوره" وهو لا ينافي قوله ﵊: "كل مولود يولد على الفطرة" فإن المراد بالفطرة: التوحيد، والمراد بالضلالة: جهالة تفصيل أحكام الإيمان وحدود الإسلام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ (١).
(ولو أن حيكم وميتكم، وأولكم وآخركم) أراد به: الإحاطة والشمول (ورطبكم ويابسكم) أي: شبابكم وشيوخكم، وعالمكم وجاهلكم، أو مطيعكم وعاصيكم، وفي رواية: (وإنسكم وجنكم).
قال الطيبي: هما عبارتان عن الاستيعاب التام؛ كما في قوله: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٢)، والإضافة إلى ضمير المخاطبين تقتضي أن يكون الاستيعاب في نوع الإنسان فيكون تأكيدًا للشمول بعد تأكيد، وتقريرًا بعد تقرير (اجتمعوا) وتوافقوا في الهداية.
(فكانوا) في هدايتهم (على) صفة (قلب أتقى عبد من عبادي) وهو نبينا ﷺ .. (لم يزد في مُلْكي جناحُ بعوضة) بالرفع فاعل لـ (يزد) أي: لم يزد بسبب اتفاقكم على التقوى قدر جناح بعوضة ومثقاله (ولو اجتمعوا) وتوافقوا؛ أي: كل من ذكر في الشقاوة (فكانوا على) شقاوة (قلب أشقى عبد من عبادي) وهو إبليس اللعين .. (لم ينقص من ملكي) بسبب
стр. 12170
جَنَاحُ بَعُوضَةٍ، وَلَوْ أَنَّ حَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ، وَأَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَرَطْبَكُمْ وَيَابسَكُمُ اجْتَمَعُوا فَسَأَلَ كُلُّ سَائِلٍ مِنْهُمْ مَا بَلَغَتْ أُمْنِيَّتُهُ .. مَا نَقَصَ مِنْ مُلْكِي إِلَّا كَمَا لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ مَرَّ بِشَفَةِ الْبَحْرِ فَغَمَسَ فِيهَا إِبْرَةً ثُمَّ نَزَعَهَا؛ ذَلِكَ بِأَنِّي
===
شقاوتهم (جناح بعوضة) أي: قدر جناح بعوضة (ولو أن حيكم وميتكم، وأولكم وآخركم، ورطبكم ويابسكم اجتمعوا) وتوافقوا في سؤالي حوائجهم (فسألـ) ني (كل سائل منهم ما بلغت) ووصلت إليه (أمنيته) أي: نيته وقصده إليه من حوائجهم، فأعطيت كلًّا منهم أمنيته .. (ما نقص) ذلك العطاء (من) خزائن (ملكي إلا كما) أي: إلا مثل الذي تنقص الإبرة من البحر (لو أن أحدكم مر) وجاوز (بشفة البحر) وجانبه (فغمس) أي: أدخل (فيها) أي: في شفة البحر (إبرة) أي: مخيطًا (ثم نزعها) أي: ثم نزع تلك الإبرة من شفة البحر وجانبه؛ أي: ما ينقص عطائي إياهم من خزائن ملكي إلا قدر ما تنقص الإبرة من موج البحر.
قوله: (ما بلغت أمنيته) - بضم الهمزة وكسر النون وتشديد الياء - أي: مشتهاه، وجمعها المنى والأماني؛ يعني: كل حاجة تخطر بباله.
قوله: (بشفة البحر) شفة الشيء: طرفه وجانبه (فغمس) - بفتح الميم - من باب نصر؛ أي: أدخل.
(إبرة) - بكسر الهمزة وسكون الموحدة - قال العلماء: هذا تقريب إلى الأفهام، ومعناه: لا ينقص شيئًا أصلًا؛ لأن ما عند الله لا يدخله نقص.
والمقصود: التقريب إلى الأفهام بما نشاهده؛ فإن (البحر) من أعظم المرئيات عيانًا، و (الإبرة) من أصغر الموجودات، مع أنها صقيلة لا يتعلق بها ماء.
(ذلك) أي: عدم نقصان عطائي لهم من خزائن ملكي (بـ) سبب (أني
стр. 12171
جَوَادٌ مَاجِدٌ، عَطَائِي كَلَامٌ إِذَا أَرَدْتُ شَيْئًا .. فَإِنَّمَا أَقُولُ لَهُ: كُنْ .. فَيَكُونُ".
===
جواد) أي: كثير العطاء (ماجد) أي: شريف الذات والصفات، هو بمعنى: المجيد؛ كالعالم بمعنى: العليم؛ من المجد؛ وهو سعة الكرم (عطائي كلام) أي: يحصل بكلامي؛ أي: بكلمة: (كن) لأني (إذا أردت شيئًا) من الإيجاد والإعطاء .. (فإنما أقول له: كن .. فيكون) بالنصب وبالرفع؛ أي: فذلك الشيء يكون ويوجد بلا تأخر عن أمري، وهذا تفسير لقوله: (عطائي كلام).
قال القاضي: يعني: ما أريد إيصاله إلى عبدي من نعيم أو عذاب .. لا أفتقر إلى كدٍّ ومزاولة عمل، بل يكفي لحصوله ووصوله إلى عبدي تعلق الإرادة به، ولفظ: (كن) من كان التامة؛ أي: احدث فيحدث.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في أواخر كتاب الزهد، وأحمد في "المسند"، والبخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم في البر والصلة، والحاكم في "المستدرك"، وأبو نعيم في "الحلية".
ودرجته: أنه حسن السند؛ لما تقدم آنفًا، صحيح المتنح لأن له شواهد مما ذكرنا هنا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة الأول.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أحد عشر حديثًا:
الأول منها للاستدلال به على الترجمة، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 12172
(٩) - (١٥٠٧) - بَابُ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَالاسْتِعْدَادِ لَهُ
(٤٨) - ٤٢٠١ - (١) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ"؛ يَعْنِي: الْمَوْتَ.
===
(٩) - (١٥٠٧) - (باب ذكر الموت والاستعداد له)
(٤٨) - ٤٢٠١ - (١) (حدثنا محمود بن غيلان) العدوي مولاهم أبو أحمد المروزي نزيل بغداد، ثقة، من العاشرة، مات سنة تسع وثلاثين ومئتين (٢٣٩ هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (خ م ت س ق).
(حدثنا الفضل بن موسى) السيناني - بمهملة مكسورة ونونين - أبو عبد الله المروزي، ثقة ثبت، وربما أغرب، من كبار التاسعة، مات سنة اثنتين وتسعين ومئة (١٩٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، صدوق له أوهام، من السادسة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين، أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : أكثروا) أيها المؤمنون؛ من الإكثار (ذكر هاذم) أي: قاطع (اللذات) الدنيوية بألسنتكم وقلوبكم (يعني) النبيُّ ﷺ بهاذم اللذات: (الموت).
стр. 12173
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال السيوطي: قوله: (هاذم) بالذال المعجمة؛ أي: قاطعها، ويحتمل أن يكون بالدال المهملة، وعلى كلا التقديرين؛ فالمراد به: الموت؛ لأنه يقطع لذات الدنيا قطعًا.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الزهد، باب ما جاء في ذكر الموت، قال: وفي الباب عن أبي سعيد الخدري، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
مذيلة
قوله: (هاذم اللذات) بالذال المعجمة؛ بمعنى: قاطعها، أو بالمهملة؛ من هدم البناء؛ والمراد به على كلا التقديرين: الموت، وهو هاذم اللذات؛ إما لأن ذكره يزهد فيها ويقلل الرغبة، أو لأنه إذا جاء .. ما يُبْقِي من لذائذ الدنيا شيئًا.
قال ميرك: وصحح القرطبي بالدال المهملة؛ حيث قال: شبه اللذات الفانية والشهوات العاجلة، ثم زوالها ببناء مرتفع ينهدم بصدمات هائلة، ثم أمر المنهمك فيها بذكر الهادم؛ لئلا يستمر على الركون إليها، ويشتغل عما يجب عليه من التزود إلى دار القرار. انتهى كلامه.
لكن قال الإسنوي في "المهمات": الهاذم - بالذال المعجمة -: هو القاطع؛ كما قاله الجوهري، وهو المراد هنا.
وقد صرح السهيلي في "الروض الأنف" بأن الرواية: بالذال المعجمة، ذكر ذلك في غزوة أحد، في الكلام على قتل وحشي لحمزة بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ .
وقال الجزري: هادم، يروى بالدال المهملة؛ أي: دافعها أو مخربها،
стр. 12174
(٤٩) - ٤٢٠٢ - (٢) حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الله،
===
وبالمعجمة؛ أي: قاطعها، واختاره بعض مشايخنا، وهو الذي لم يصحح الخطابي غيره، وجعل الأول من غلط الرواة، كذا في "المرقاة".
وقال الحافظ في "التلخيص" (١٥٢): ذكر السهيلي في "الروض الأنف" أن الرواية فيه بالذال المعجمة؛ ومعناه: القاطع، وأما بالمهملة .. فمعناه: المزيل للشيء، وليس ذلك مرادًا هنا، وفي هذا النفي نظر لا يخفى.
وقال الأمير اليماني: يريد: أن المعنى على الذال المعجمة صحيح؛ فإن الموت يزيل اللذات؛ كما يقطعها، ولكن العمدة الرواية.
والحديث دليل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يغفل عن ذكر أعظم المواعظ؛ وهو الموت.
(يعني: الموت) أي: اذكروه ولا تنسوه؛ لأنه أزجر عن المعصية، وأدعى إلى الطاعة. انتهى من "الإنجاز".
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٤٩) - ٤٢٠٢ - (٢) (حدثنا الزبير بن بكار) بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير الأسدي المدني أبو عبد الله بن أبي بكر قاضي المدينة، ثقة، أخطأ السليماني في تضعيفه، من صغار العاشرة، مات سنة ست وخمسين ومئتين (٢٥٦ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا أنس بن عياض) بن ضمرة الليثي أبو ضمرة المدني، ثقة، من الثامنة، مات سنة مئتين (٢٠٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا نافع بن عبد الله) أو ابن كثير، مجهول، من السابعة. يروي عنه:
стр. 12175
عَنْ فَرْوَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَجَاءَهُ رَجُل مِنَ الْأَنْصَارِ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَيُّ
===
(ق)، وفي "التهذيب": يقال له: ابن كثير، حجازي، روى عن فروة بن قيس عن عطاء عن ابن عمر حديثًا في ذكر الموت والاستعداد له وهو هذا الحديث، ويروي عنه: أبو ضمرة أنس بن عياض بهذا الحديث.
قلت: قرأت بخط الذهبي: نافع هذا لا يعرف، وخبره باطل، قاله الذهبي في "الطبقات"، وهو متفق على ضعفه.
(عن فروة بن قيس) حجازي مجهول، من السابعة. يروي عنه: (ق). قال في "التهذيب": روى عن عطاء عن ابن عمر في ذكر الموت. وعنه: نافع بن عبد الله، وقيل: نافع بن كثير شيخ ليحيى بن حمزة، وأنس بن عياض، متفقٌ على ضعفه.
(عن عطاء بن أبي رباح) - بفتح الراء والموحدة - واسم أبي رباح: أسلم القرشي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، لكنه كثير الإرسال، من الثالثة، مات سنة أربع عشرة ومئة (١١٤ هـ)، وقيل: إِنَّهُ تغير بأخرة. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السندُ من سداسياته، وحكمه: الضعفُ؛ لأن فيه نافع بن عبد الله وفروة بن قيس، وهما مجهولان ضعيفان.
(أنه) أي: أن ابن عمر (قال: كنت) جالسًا (مع رسول الله ﷺ ، فجاءه) ﷺ (رجل من الأنصار) ولم أر من ذكر اسمه (فسلم) ذلك الرجل (على النبي ﷺ ، ثم) بعد السلام عليه ﷺ (قال) الرجل: (يا رسول الله؛ أي) أفراد
стр. 12176
الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا"، قَالَ: فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟ قَالَ: "أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا، وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا أُولئكَ الْأَكْيَاسُ".
===
(المؤمنين أفضل) وأرفع منزلة ودرجة عند الله تعالى؟ فـ (قال) له رسول الله ﷺ : أفضل المؤمنين عند الله تعالى ("أحسنهم خلقًا") - بضمتين - أي: الذين يحسنون معاملتهم مع الله تعالى؛ بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ومعاملتهم مع الناس بالنصيحة في أمورهم الدينية والدنيوية، والإحسان إليهم بقدر طاقتهم، فيكون هؤلاء المذكورون أفضل الناس عنده تعالى وأكثرهم أجرًا.
ثم (قال) الرجل المذكور: يا رسول الله (فأي) أفراد (المؤمنين أكيس؟ ) أي: أعقل وأحذق وأفطن.
قال السندي: قوله: (أكيس) أي: أكمل عقلًا، وأعرف تدبيرًا، يقال: كاس يكيس كيسًا؛ من باب باع؛ والكيس: العقل. انتهى.
فـ (قال) رسول الله ﷺ في جواب سؤال الرجل: أكيس المؤمنين وأحذقهم هم (أكثرهم للموت ذكرأ) أي: أكثر المؤمنين ذِكْرًا للموت بلسانه - بكسر الذال وسكون الكاف - وأكثرهم ذُكْرًا للموت بقلبه - بضم الذال وسكون الكاف - (و) أكيسهم أيضًا: هم (أحسنهم لما بعده استعدادًا) أي: تزودًا للموت بالإكثار من العبادات والأذكار والاستغفار مع الإخلاص فيها (أولئك) الأحسنون أخلاقًا، والأكثرون استعدادًا لما بعد الموت هم (الأكياس) أي: الأحزمون الأحوطون لمصالح الدين والدنيا والآخرة، وفقنا الله وإياكم لسيرة هؤلاء الأكياس بمنه وكرمه .
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شواهد من حديث أنس رواه رزين في "مسنده"، وأبو يعلى الموصلي من حديث ابن عمر وابن أبي الدنيا في
стр. 12177
(٥٠) - ٤٢٠٣ - (٣) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ،
===
كتاب "الموت"، والطبراني في "الصغير" بإسناد حسن، والبيهقي في "الزهد"، فمتنه صحيح بغيره من هذه الشواهد، ومن حديث أبي هريرة المذكور قبله، وإن كان سنده ضعيفًا؛ لما تقدم آنفًا.
فدرجة هذا الحديث: أنه ضعيف السند؛ لما تقدم آنفًا، صحيح المتن بغيره، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث شداد بن أوس رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٥٠) - ٤٢٠٣ - (٣) (حدثنا هشام بن عبد الملك) بن عمران اليزني - بفتح التحتانية والزاي ثم نون - أبو تَقِيٍّ - بفتح المثناة وكسر القاف - (الحمصي) صدوق ربما وهم، من العاشرة، مات سنة إحدى وخمسين ومئتين (٢٥١ هـ). يروي عنه: (دس ق).
(حدثنا بقية بن الوليد) بن صائد بن كعب الكلاعي أبو يحمد الحمصي، صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، من الثامنة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (م عم). وقال أبو أحمد الحاكم: بقية ثقة فيما روى عن الثقات، ضعيف فيما روى عن الضعفاء، وقال ابن المديني: صالح فيما روى عن الشاميين، ضعيف فيما روى عن أهل الحجاز وأهل العراق والمصريين، وأما إن روى عن الضعفاء وإن كان من أهل الشام .. فضعيف؛ لأن شيخه ابن أبي مريم ضعيف متروك.
قال بقية بن الوليد: (حدثني) أبو بكر بن عبد الله (بن أبي مريم) الغساني
стр. 12178
عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي يَعْلَى شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْت، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ
===
الشامي، وقد ينتسب إلى جده، قيل: اسمه بكير - مصغرًا - وقيل: عبد السلام، وكان قد سرق بيته فاختلط وترك، من السابعة، مات سنة ست وخمسين ومئة (١٥٦ هـ). يروي عنه: (دت ق). قال في "التهذيب": روى عن: حبيب بن ضمرة، وخالد بن معدان، ويروي عنه: بقية بن الوليد، وأبو اليمان.
(عن ضمرة بن حبيب) بن صهيب الزبيدي - بضم الزاي - أبي عتبة الحمصي، ثقة، من الرابعة، مات سنة ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن أبي يعلى شداد بن أوس) بن ثابت الأنصاري الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه، مات بالشام قبل الستين أو بعدها، وهو ابن أخي حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه بقية بن الوليد وشيخه ابن أبي مريم، وهما ضعيفان.
(قال) شداد بن أوس: (قال رسول الله ﷺ : الكيس) أي: العاقل الحازم المتبصر في الأمور الناظر في العواقب (من دان نفسه) أي: حاسبها وأذلها واستعبدها وقهرها حتى صارت مطيعةً له ومنقادةً في كل ما أراد منها.
وقيل معنى: (من دان نفسه) أي: حاسبها في الدنيا على أعمالها؛ ليتوب من سيئها، ويشكر على حسنها قبل أن يحاسب يوم القيامة.
(وعمل لما بعد الموت) قبل نزوله؛ ليصير على نور من ربه؛ فالموت عاقبة أمر الدنيا، فالكيس من أبصر العاقبة، فقوله: "فالكيس من دان نفسه" مبتدأ وخبر، وكذلك قوله: (والعاجز من أتبع نفسه) مبتدأ وخبر، ومعنى
стр. 12179
هَوَاهَا ثُمَّ تَمَنَّى عَلَى اللهِ".
===
قوله: "والعاجز" أي: المقصر في الأمور من أتبع نفسه (هواها) من الإتباع؛ أي: جعلها تابعة لهواها، فلم يكفها عن الشهوات، ولم يمنعها عن مقارفة المحرمات (ثم تمنى على الله) بأنه غفور رحيم، غني عنه وعن عمله، فلا يعاقبه، بل يدخله الجنة، ويعطيه ما يشتهي.
ولفظ "الجامع الصغير": (وتمنى على الله الأماني) فهو مع تفريطه في طاعة ربه واتباع شهواته لا يعتذر، بل يتمنى على الله أن يعفو عنه. انتهى.
قال الطيبي رحمه الله تعالى: والعاجز هو الذي غلبت عليه نفسه، وعمل ما أمرته به نفسه، فصار عاجزًا لنفسه، فأَتْبعَ نفسَه هواها، وأعطاها ما اشتهته، فقُوبل الكيس بالعاجز، والمقابل الحقيقي للكيس: السفيهُ الرأي، وللعاجز: القادر؛ ليؤذن بأن الكيس هو القادر، والعاجز هو السفيه.
(وتمنى على الله) أي: يُذْنِبُ ويتمنَّى الجنةَ من غير الاستغفار والتوبة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي، وقال: هذا حديث حسن، وأخرجه أحمد والحاكم، وقال: صحيح، وردَّه الذهبي، قاله المناوي، ويشهد له ما يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وتزينوا للعرض الأكبر) أي: استعدوا وتهيؤوا ليوم تعرضون على ربكم للحساب، وإنما يخف - من باب ضرب؛ أي: يصير خفيفًا يسيرًا - الحساب يوم القيامة على من حاسب نفسه في الدنيا.
ويشهد له أيضًا ما يروى عن ميمون بن مهران الجزري، ثقة فقيه، من الرابعة، قال: (لا يكون العبد تقيًّا حتى يحاسب نفسه؛ كما يحاسب شريكه مِن أَيْنَ مَطْعَمُه ومَلْبَسُه)، ويشهد له أيضًا حديث ابن عمر المذكور قبله.
стр. 12180
(٥١) - ٤٢٠٤ - (٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ
===
ودرجته: أنه صحيح المتن بغيره، ضعيف السند؛ لما تقدم آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي هريرة بحديث أنس رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٥١) - ٤٢٠٤ - (٤) (حدثنا عبد الله بن الحكم بن أبي زياد) القطواني - بفتح القاف والمهملة - وقد ينسب إلى جده أبو عبد الرحمن الكوفي الدهقان، صدوق، من العاشرة، مات سنة خمس وخمسين ومئتين (٢٥٥ هـ). يروي عنه: (د ت ق).
(حدثنا سيار) - بتحتانية مشددة - ابن حاتم العنزي - بفتح المهملة والنون ثم زاي - أبو سلمة البصري، صدوق له أوهام، من كبار التاسعة، مات سنة مئتين (٢٠٠ هـ)، أو قبلها. يروي عنه: (ت س ق).
(حدثنا جعفر) بن سليمان الضبعي - بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة - أبو سليمان البصري، صدوق زاهد، لكنه كان يتشيع، من الثامنة، مات سنة ثمان وسبعين ومئة (١٧٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن ثابت) بن أسلم البناني البصري، ثقة ثبت عابد، من الرابعة، مات سنة بضع وعشرين ومئة (١٢٣ هـ). يروي عنه (ع).
(عن أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه سيارًا، وهو مختلف فيه، وكذا جعفر بن سليمان مختلف فيه.
стр. 12181
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ فَقَالَ: "كَيْفَ تَجِدُكَ؟ "، قَالَ: أَرْجُو اللهَ يَا رَسُولَ اللهِ وَأَخَافُ ذُنُوبِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ .. إِلَّا أَعْطَاهُ اللهُ مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ "
===.
(أن النبي ﷺ دخل على) رجل (شاب) أي: على فتىً من المؤمنين (وهو) أي: والحال أن ذلك الشاب (في) سكرة (الموت؛ فقال) له رسول الله ﷺ : (كيف تجد) نفس (ك) أيها الشاب؟ هل أنت تجد نفسك خفيف المرض أو شديده؟
قال ابن الملك: أي: كيف قلبك أو نفسك في الانتقال من الدنيا إلى الآخرة؟ أراجيًا رحمة الله تعالى أو خائفًا من غضب الله تعالى؟
(قال) الشاب: (أرجو الله) أي: أجدني أرجو رحمة الله تعالى (يا رسول الله وأخاف ذنوبي) قال الطيبي: علق الرجاء بالله، والخوف بالذنب، وأشار بالفعلية إلى أن الرجاء حدث عند السياق والنزع.
(فقال رسول الله ﷺ : لا يجتمعان) أي: الرجاء والخوف (في قلب عبد) وهذا يدل على أنه ينبغي وجود الأمرين على الدوام، حتى في ذلك الوقت؛ وهو زمان سكرات الموت، ومثله كل زمان أشرف فيه على الموت حقيقةً أو حكمًا؛ كوقت المبارزة، وزمان القصاص ونحوهما، فلا يحتاج إلى زيادة لفظ (مثل) في قوله: (في مثل هذا الموطن)، وقال الطيبي: (مثل) زائدة و (الموطن) إما مكان أو زمان؛ كمقتل الحسين رضي الله تعالى عنه.
(إلا أعطاه الله ما يرجو) هـ من الرحمة (وآمنه) أي: إلا سلمه (مما يخاف) من العقوبة بالعفو والمغفرة.
قال السندي: والحديث يدل على أنه ينبغي وجود الأمرين: الرجاء والخوف،
стр. 12182
(٥٢) - ٤٢٠٥ - (٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ،
===
وأنه لا ينبغي أن يغلب الرجاء في ذلك الوقت، بحيث لا يبقى من الخوف شيء. انتهى.
فالحديث مؤيد لقول من قال: لا يهمل عند الإشراف على الموت جانب الخوف أصلًا، بحيث يجزم أنه آمن، وفيه رد على من استحب الاقتصار على الرجاء في ذلك الوقت، والله تعالى أعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الجنائز، باب (١١)، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، وقد روى بعضهم هذا الحديث مرسلًا عن ثابت عن النبي ﷺ ، ورواه أيضًا ابن السني في "اليوم والليلة"، وابن أبي الدنيا في "حسن الظن"، والبيهقي في " الشعب"، والبغوي في "شرح السنة"، وأبو يعلى وأبو نعيم في "الحلية"، وعبد بن حميد في "مسنده".
فدرجة هذا الحديث: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث أبي هريرة بحديث آخر له رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٥٢) - ٤٢٠٥ - (٥) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي، ثقة ثبت صاحب التصانيف الكثيرة، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م دس ق).
(حدثنا شبابة) بن سوار المدائني، أصله من خراسان، يقال: اسمه مروان
стр. 12183
عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَار، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْمَيِّتُ تَحْضُرُهُ الْمَلَائِكَةُ؛
===
مولى بني فزارة، ثقة حافظ رمي بالإرجاء، من التاسعة، مات سنة أربع أو خمس أو ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث (بن أبي ذئب) القرشي العامري أبي الحارث المدني، ثقة فقيه فاضل، من السابعة، مات سنة ثمان وخمسين ومئة (١٥٨ هـ)، وقيل: سنة تسع. يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن عمرو بن عطاء) القرشي العامري المدني، ثقة، من الثالثة، مات في حدود العشرين ومئة (١٢٠ هـ)، ووهم من قال: إن القطان تكلم فيه. يروي عنه: (ع).
(عن سعيد بن يسار) أبي الحباب - بضم المهملة وموحدتين - المدني، اختلف في ولائه لمن هو، ثقة متقن من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة (١١٧ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(عن النبي ﷺ قال: الميت) أي: جنسهُ؛ والمراد: مَنْ قَرُبَهُ مَوْتُه (تحضره الملائكة) أي: ملائكة الرحمة أو ملائكة العقوبة، قاله ابن حجر، قيل: وهذه الملائكة هم أعوان ملك الموت في قبض الأرواح.
وحاصل الأحاديث في ذلك: أن ملك الموت يقبض الأرواح، والأعوان يكونون معه يعملون معه بأمره، والله تعالى هو الذي يزهق الروح بأمره، وبه يجمع بين الآيات والأحاديث المختلفة التي أضيف التوفي فيها تارةً إلى الله، وتارةً إلى ملك الموت، وتارةً إلى أعوانه من الملائكة؛ فملك الموت يقبض
стр. 12184
فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَالِحًا .. قَالُوا: اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ، كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّب، اخْرُجِي حَمِيدَةً وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ،
===
الروح من الجسد بأمره تعالى، ثم يسلمها إلى ملائكة الرحمة إن كان مؤمنًا، وملائكة العذاب إن كافرًا، وعند معاينتهم يعاين ما يصير إليه من رحمة أو عذاب.
(فإذا كان الرجل) أي: الميت (صالحًا) أي: قائمًا بحقوق الله وحقوق العباد بأن كان مؤمنًا طائعًا .. (قالوا) أي: قالت الملائكة: (اخرجي أيتها النفس الطيبة) والروح الصالحة التي (كانت) ساكنة (في الجسد الطيب) والجسم المطيع لله تعالى (اخرجي) من جسدك حميدةً) أي: محمودة عند ربك بطاعتك له، والخطاب فيه للنفس؛ فيستقيم هذا الخطاب مع عموم الميت للذكر والأنثى (أيتها النفس).
قال الطيبي: مقتضى الظاهر أن يقال: (كُنتِ) ليطابق (النداء) و (اخرجي) لكن اعتبر (أل) الموصولة؛ أي: النفس التي طابت كائنةً في الجسد.
ويحتمل أن يكون صفة أخرى للنفس؛ لأن المراد منها ليست نفسًا معينة، بل الجنس مطلقًا. انتهى.
قوله: (اخرجي) فيه دلالة على أن الروح جسم لطيف، يوصف بالدخول والخروج، والصعود والنزول، وهو خطاب ثان، أو تأكيد لقوله: (حميدة) أي: محمودة.
(وأبشري بروح) - بفتح الراء - أي: ملتبسة براحة أو برحمة (وريحان) أي: ملتبسة برزق أو طيب، والتنوين فيهما، للتعظيم والتكثير (و) ملتبسة بملاقاة (رب) أي: بملاقاة رب (غير غضبان) عليك، بعدم الانصراف، وقيل: بالانصراف.
стр. 12185
فَلَا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ، ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ فَيُفْتَحُ لَهَا فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: فُلَان، فَيُقَالُ: مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الطَّيِّبَة، كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّب، ادْخُلِي حَمِيدَةً وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ، فَلَا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى يُنْتَهَى بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي فِيهَا اللهُ ، وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ السُّوءُ قَالَ: اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ،
===
قال ابن حجر: وعدل إليه عن (راض) رعاية للفاصلة؛ أي: السجع (فلا يزال يقال لها ذلك) أي: ما تقدم من أنواع البشارة؛ زيادةً في سرورها بسماعها ما تَقَرُّ بِه عَيْنها (حتى تخرج ثم يُعْرَج بها) بصيغة المجهول (إلى السماء) أي: إلى سماء الدنيا (فيفتح لها) أي: بعد الاستفتاح أو قبله، وعند أحمد فيستفتح لها (فيقال) أي: يقول ملائكة السماء الدنيا: (من هذا) الذي يستفتح الباب؟ (فيقولون) أي: فيقول ملائكة الرحمة الذين مع الروح: (فلان) أي: هذا المستفتح فلان؛ أي: روحه (فيقال) لها: (مرحبًا) أي: رحَّب فقال: مرحبًا (بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان و) بملاقاة (رب غير غضبان) عليك (فلا يزال يقال لها ذلك) أي: ما ذكر من الأمر بالدخول والبشارة بالصعود من سماء إلى سماء (حتى ينتهى) بالبناء للمجهول؛ أي: يوصل (بها إلى السماء التي) كان (فيها الله أي: أمره وحكمه؛ أي: ظهور ملكه؛ وهو العرش، قاله القاري.
وقيل: أي: فيها يُظهِرُ ويُلْقي حكمه، وقيل: أي: قدرته ورحمته الخاصة.
(وإذا كان الرجل) بالرفع، وقيل: بالنصب؛ على أن كان تامة أو ناقصة (السوء) - بفتح السين وضمها - صفة الرجل .. (قال) أي: ملك الموت، أو رئيس ملائكة العذاب، أو كل واحد منهم، فيطابق ما سبق بصيغة الجمع: (اخرجي) من جسدك الخبيث (أيتها النفس الخبيثة) بعمل السوء، التي