. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فالورود غير الدخول، وأهل الجنة لا دخول لهم، أو المراد: أن الدخول إنما يضر إذا لم يكن معه نجاة من العذاب ابتداءً، وإلا .. فهو كالدخول. انتهى من "السندي".
وقد اختلف الناس في هذا الورود: فقيل: الورود: الدخول، ويكون على المؤمنين بردًا وسلامًا؛ كما كانت على إبراهيم كذلك.
وقالت فرقة: الورود: هو المرور على الصراط، وقيل: ليس الورود الدخول، إنما هو كما يقول: وردت البصرة ولم أدخلها.
وقد توقف كثير من العلماء عن تحقق هذا الورود، وحمله على ظاهره؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (١)، قالوا: فلا يدخل النار من ضمن الله أن يبعده منها، ومما يدل على أن الورود لا يستلزم الدخول .. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ (٢)؛ فإن المراد: أشرف عليه، لا أنه دخل فيه، ولا يخفى أن القول بأن الورود هو المرور على الصراط، أو الورود على جهنم وهي خامدة .. فيه جمع بين الأدلة من الكتاب والسنة، فينبغي حمل هذه الآية على ذلك؛ لأنه قد حصل الجمع بحمل الورود على دخول النار، مع كون الداخل من المؤمنين مبعدًا من عذابها، أو بحمله على المضي فوق الجسر المنصوب عليها وهو الصراط.
قوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ (٣) أي: كان ورودهم المذكور أمرًا محتمًا قد قضى الله سبحانه أنه لا بد من وقوعه لا محالة ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ (٤)
стр. 12252
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أي: إذا مر الخلائق كلهم على النار وسقط فيها من سقط من الكفار والعصاة ذوو المعاصي بحسبهم .. نجى الله المؤمنين المتقين منها بحسب أعمالهم، فجوازهم على الصراط وسرعتهم بقدر أعمالهم التي كافت في الدنيا، ثم يشفعون في أصحاب الكبائر من المؤمنين، فيشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون، فيخرجون خلقًا كثيرًا قد أكلتهم النار إلا دارات وجوههم؛ وهي مواضع السجود، وإخراجهم إياهم من النار بحسب ما في قلوبهم من الإيمان، فيخرجون أولًا من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان، ثم الذي يليه ثم الذي يليه ثم الذي يليه، حتى يخرجون من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، ثم يخرج الله من النار من قال يومًا من الدهر: (لا إله إلا الله) وإن لم يعمل خيرًا قط، ولا يبقى في النار إلا من وجب عليه الخلود في النار؛ كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ ، ولذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (١).
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه؛ كما في "تحفة الأشراف"، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: تسعة أحاديث:
الأول والخامس للاستئناس، والثاني للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 12253
(١٢) - (١٥١٠) - بَابُ صِفَةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ
(٧٢) - ٤٢٢٥ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَرِدُونَ عَليَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوء،
===
(١٢) - (١٥١٠) - (باب صفة أمة محمد ﷺ
(٧٢) - ٤٢٢٥ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة ثبت له تصانيف، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة) خالد بن ميمون الهمداني - بسكون الميم - أبو سعيد الكوفي، ثقة متقن، من كبار التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع وثمانين ومئة (١٨٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي مالك الأشجعي) سعد بن طارق الكوفي، ثقة، من الرابعة، مات في حدود الأربعين ومئة (١٤٠ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي حازم) سلمان الأشجعي الكوفي، ثقة، من الثالثة، مات على رأس المئة (١٠٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : تردون) أنتم أيتها الأمة المحمدية (عليَّ) يوم القيامة عند الحوض؛ لتشربوه حالة كونكم (غر) الوجوه (محجلين) الأيدي والأرجل (من) آثار ماء (الوضوء).
стр. 12254
سِيمَاءُ أُمَّتِي لَيْسَ لِأَحَدٍ غَيْرِهَا".
===
قوله: (غرًا) جمع أغر؛ أي: بيض الوجوه (محجلين) أي: بيض الأيدي والأرجل، تلك (سيماء أمتي) أي: علامات أمتي يتميزون بها عن سائر الأمم (ليسـ) ـت تلك العلامة (لأحد) من الأمم (غيرها) أي: غير أمتي (والسيماء) يمد ويهمز، ويقصر ويترك همزه؛ كما في القران الكريم لغتان فيه، ويقال فيه أيضًا: السيمياء بياء بعد الميم مع المد؛ وهي على كل اللغات: العلامة التي تميز الشيء عن غيره.
وهذ الحديث نص صريح على أن (الغرة) و (التحجيل) من خواص هذه الأمة، ولا يعارضه قوله ﷺ : "هذا وضوئي ووضوء من قبلي" رواه البيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ٨٠) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما؛ لأن الخصوصية بالغرة والتحجيل لا بالوضوء، وهما فضل من الله تعالى يخص به من يشاء من عباده. انتهى من "المفهم"، وعبارة النووي هنا: وقد استدل جماعة من أهل العلم بهذا الحديث على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة.
وقال آخرون: ليس الوضوء مختصًا بهم، وإنما الذي اختصت به هذه الأمة (الغرة) و (التحجيل) واحتجوا بحديث: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي".
وأجاب الأولون عن هذا الحديث بجوابين؛ أحدهما: أنه حديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج به على ما قالوا، والثاني: لو صح .. احتمل أن يكون الأنبياء اختصت بالوضوء دون أممهم، إلا هذه الأمة، والله أعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الإمام مسلم في كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء.
стр. 12255
(٧٣) - ٤٢٢٦ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ،
===
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
قال السندي: قوله: (غرًا) جمع أغر من الغرة؛ وهو بياض الوجه؛ يريد: بياض وجوههم بنور الوضوء يوم القيامة.
قوله: (محجلين) أي: بيض الأطراف من اليدين والرجلين (من الوضوء) أي: آثار الوضوء أو لأجل الوضوء (سيماء أمتي) السيماء: العلامة التي تميزهم عن غيرهم من الأمم؛ يريد: أن هذا مخصوص بأمته ﷺ ، وقد سبق في حلنا آنفًا ما فيه من الاختلاف بينهم.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٧٣) - ٤٢٢٦ - (٢) (حدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي البصري، ربيب شعبة الملقب بغندر، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي البصري إمام أئمة الجرح والتعديل، ثقة متقن، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي إسحاق) السبيعي عمرو بن عبد الله الهمداني الكوفي، ثقة، من
стр. 12256
عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي قُبَّةٍ فَقَالَ: "أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ "، قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: "أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ "، قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؛
===
الثالثة، مات سنة تسع وعشرين ومئة، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن عمرو بن ميمون) الأودي أبي عبد الله الكوفي، ثقة عابد مخضرم مشهور، من الثانية. مات سنة أربع وسبعين (٧٤ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله) بن مسعود الهذلي الكوفي رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) عبد الله: (كنا) معاشر الصحابة (مع رسول الله ﷺ في قبة) من أدم؛ كما هو مصرح به في الرواية الآتية في "مسلم" أي: في خيمة من جلد مدبوغ، قال ابن الكلبي: بيوت العرب ستة أنواع:
قبة من أدم، وأبنية من حجر، وخيمة من شجر، ومظلة من شعر، وبجاد من وبر، وخباء من صوف.
وفي رواية مسلم زيادة: (نحوًا من أربعين رجلًا).
(فقال) رسول ﷺ : (أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ ) قال عبد الله: (قلنا) له ﷺ في جواب استفهامه: (بلى) ترضى ذلك يا رسول الله، فـ (قال) لنا رسول الله ﷺ ثانيًا: (أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ ) فـ (قلنا) له: (نعم) نرضى ذلك، فـ (قال) لنا رسول الله ﷺ ثانيًا: (والذي نفسي بيده؛ إني لأرجو) وأطمع (أن تكونوا نصف أهل الجنة).
стр. 12257
وَذَلِكَ أَنَ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَمَا أَنْتُمْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ إِلَّا كَالشَّعَرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الْأَسْوَد، أَوْ كَالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الْأَحْمَرِ".
===
قوله: (أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة) قال ابن التين: ذكره بلفظ الاستفهام؛ لإرادة تقرير البشارة بذلك، وذكره بالتدريج؛ ليكون أعظم لسرورهم قوله: (قلنا: بلى) وفي رواية لمسلم: (فكبرنا) في الموضعين، وفي حديث أبي سعيد عند البخاري: (فحمدنا الله وكبرنا).
قوله: (أن تكونوا نصف أهل الجنة) لم يقل هذا أولًا، لكون ذلك أوقع في نفوسهم، وأبلغ في إكرامهم؛ فإن إعطاء الإنسان مرة بعد أخرى دليل على الاعتناء به، ودوام ملاحظته.
وفيه فائدة أخرى: وهي تكرير البشارة مرة بعد أخرى، وكرة بعد الأولى.
وفيه أيضًا: حملهم على تجديد شكر الله تعالى وتكبيره وحمده على كثرة نعمه، ثم إنه قد ثبت في الحديث الآخر أن أهل الجنة عشرون ومئة صف، هذه الأمة منها ثمانون صفًا، وهذا يدل على كونهم ثلثي أهل الجنة، فيكون النبي ﷺ أخبر أولًا بحديث الشطر، ثم تفضل الله تعالى بالزيادة، فأعلم بحديث الصفوف، فأخبر به النبي ﷺ بعد ذلك، ولهذا نظائر كثيرة في الحديث معروفة؛ كحديث جماعة الصلاة ونحوه.
(وذلك) أي: سبب طمعي كونكم نصف أهل الجنة (أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة) أي: منقادة لأوامر الشرع ونواهيه (وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء) أي: إلا كنسبة الشعرة البيضاء إلى الشعر الأسود (في جلد الثور الأسود) في القلة (أو) قال النبي ﷺ أو الراوي: (كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر) بدل الأسود؛ والمراد بالأحمر هنا:
стр. 12258
(٧٤) - ٤٢٢٧ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ
===
الأبيض؛ كما في حديث: "بعثت إلى الأحمر والأسود" وفي رواية: (وسأحدثكم بقلة المسلمين في الكفار يوم القيامة) وفي رواية (ما أنتم فيما سواكم من الأمم) وهذا الحديث نص صريح في أن من مات على الكفر لا يدخل الجنة أصلًا، وهذا النص على عمومه بإجماع المسلمين، وكلمة (أو) في قوله: "أو كالشعرة السوداء" قال القاري: الظاهر أن (أو) للتخيير في التعبير، وتحتمل أن تكون للشك. انتهى.
قال ابن التين: أطلق الشعرة، وليس المراد: حقيقة الواحدة؛ لأنه لا يكون ثور ليس في جلده إلا شعرة واحدة من غير لونه. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الرقاق، باب الحشر، وفي كتاب الإيمان والنذور، باب كانت يمين النبي ﷺ ، ومسلم في كتاب الأيمان، باب كون هذه الأمة نصف أهل الجنة، والترمذي في كتاب صفة الجنة، باب ما جاء في صفة أهل الجنة، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وفي الباب عن عمران بن حصين وأبي سعيد الخدري.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٧٤) - ٤٢٢٧ - (٣) (حدثنا أبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (٢٤٧ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 12259
وَأَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِح، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَجِيءُ النَّبِيُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَعَهُ الرَّجُلُ، وَيَجِيءُ النَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلَان، وَيَجِيءُ النَّبِيُّ وَمَعَهُ الثَّلَاثَةُ وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَأَقَلُّ فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ قَوْمَكَ؟ فَيَقُولُ:
===
(وأحمد بن سنان) بن أسد بن حبان - بكسر المهملة بعدها موحدة - أبو جعفر القطان الواسطي، ثقة حافظ من الحادية عشرة، مات سنة تسع وخمسين ومئتين (٢٥٩ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (خ م د س ق).
كلاهما (قالا: حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) سليمان (الأعمش) الكوفي الكاهلي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي صالح) ذكوان السمان القيسي، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي سعيد) الخدري رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو سعيد: (قال رسول الله ﷺ : يجيء النبي) من أنبياء الله تعالى إلى الموقف (يوم القيامة ومعه الرجل، ويجيء النبي و) الحال أنه (معه الرجلان) من قومه ممن آمن به (ويجيء النبي) الآخر (و) الحال أنه (معه الثلاثة) من قومه ممن آمن به، أ (و) معه (أكثر من ذلك) أي: من الثلاثة، أ (و) معه (أقل) من ذلك (فيقال له) أي: لذلك النبي من جهة الله: (هل بلغت قومك) ما أرسلتك به إليهم؟ (فيقول) ذلك النبي المسؤول:
стр. 12260
نَعَمْ، فَيُدْعَى قَوْمُهُ، فَيُقَالُ: هَلَ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: لَا، فَيُقَالُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَتُدْعَى أُمَّةُ مُحَمَّدٍ فَيُقَالُ: هَلْ بَلَّغَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: وَمَا عِلْمُكُمْ بِذلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: أَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا بِذلِكَ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا فَصَدَّقْنَاهُ،
===
(نعم) يا رب؛ بلغته إليهم (فيدعى قومه) أي: قوم ذلك النبي (فيقال) لهم من جهة الله: (هل بلغكم) نبيكم ما أرسلته به إليكم؟ (فيقولون) أي: فيقول قومه للرب ﷻ : (لا) أي: ما بلغه إلينا.
(فيقال) من جهة الله لذلك النبي الذي أنكروه قومه تبليغه إليهم: (من يشهد لك) أيها النبي تبليغك إليهم ما أرسلت به إليهم؟ (فيقول) ذلك النبي الذي أنكروا تبليغه إليهم: يشهد لي يا رب على تبليغي (محمد) ﷺ (وأمته، فتدعى) عند ذلك (أمة محمد، فيقال): من جهة الله لأمة محمد ﷺ : (هل بلغ) إلى أمته (هذا) النبي الذي أنكر قومه تبليغه إليهم؟ (فيقولون) أي: فيقول أمة محمد ﷺ للرب ﷻ : (نعم) بلغ هذا النبي ما أرسلته به إليهم، فهم كاذبون في إنكارهم تبليغه إليهم.
(فيقول) الرب ﷻ لأمة محمد ﷺ : (وما) سبب (علمكم بذلك) أي: بتبليغه إليهم رسالتي وأنتم متأخرون عنهم في الزمن؟ (فيقولون) أي: فيقول أمة محمد للرب: (أخبرنا نبينا) محمد ﷺ (بذلك) أي: بتبليغ ذلك النبي إلى أمته ما أمر بتبليغه إليهم.
وقوله: (أن الرسل ... ) إلى آخره .. بدل من اسم الإشارة، بدل كل من بعض، وقد جوزه بعض النحاة؛ أي: أخبرنا نبينا بأن الرسل (قد بلغوا) إلى أممهم ما أمروا بتبليغهم (فصدقناه) أي: فصدقنا نبينا صلى الله عليه وسلم
стр. 12261
قَالَ: فَذَلِكُمْ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ".
===
فيما أخبرنا به من تبليغ الرسل إلى أممهم برسالة ربهم.
ثم (قال) رسول الله ﷺ : (فذلكم) أي: فشاهد ذلكم الذي قلته لكم ومصداقه (قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ﴾) يا أمة محمد (﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾) أي: أمة عدولًا خيارًا (﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾) أي: على من قبلكم من الكفار أن رسلهم بلغتهم ما أرسلوا به إليهم (﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ﴾) أي: رسولكم محمد ﷺ ، واللام للعوض عن المضاف، أو اللام للعهد؛ والمراد به: رسول الله ﷺ (﴿عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾) (١) أنه بلغكم والمقصود من هذه الشهادة: إظهار فضلهم بين الأمم، وإلا .. فكفى بالله شهيدًا.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ (٢) وفي كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، في باب ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، والترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة البقرة، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي هريرة بحديث رفاعة الجهني رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 12262
(٧٥) - ٤٢٢٨ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَبٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ،
===
(٧٥) - ٤٢٢٨ - (٤) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا محمد بن مصعب) بن صدقة القرقساني - بقافين ومهملة - صدوق كثير الغلط، من صغار التاسعة، نزيل بغداد، مات سنة ثمان ومئتين (٢٠٨ هـ). يروي عنه: (ت ق). قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: لا بأس به، وقال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عنه، فقال: صدوق، وقال صالح بن محمد: عامة أحاديثه عن الأوزاعي مقلوبة، وقال ابن قانع: ثقة، فهو مختلف فيه، يرد السند من الصحة إلى الحسن.
(عن الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، ثقة إمام عالم الشام وفقيهها، ثقة، من السابعة، مات سنة سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي اليمامي، ثقة، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن هلال بن أبي ميمونة) ويقال له: هلال بن أسامة، ويقال له: هلال بن أبي هلال العامري المدني، وقد ينسب إلى جده، ثقة، من الخامسة، مات سنة بضع عشرة ومئة (١١٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عطاء بن يسار) الهلالي أبي محمد المدني، ثقة فاضل صاحب مواعظ
стр. 12263
عَنْ رِفَاعَةَ الْجُهَنِيِّ قَالَ: صَدَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ؛ مَا مِنْ عَبْدٍ يُؤْمِنُ ثُمَّ يُسَدِّدُ .. إِلَّا سُلِكَ بِهِ فِي الْجَنَّة، وَأَرْجُو أَلَّا يَدْخُلُوهَا حَتَّى تَبَوَّءُوا أَنْتُمْ.
===
وعبادة، من صغار الثانية، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن رفاعة) بن عَرابة - بفتح المهملة والراء والموحدة - (الجهني) المدني صحابي رضي الله تعالى عنه، له حديث واحد وهو هذا الحديث، روى عن النبي ﷺ ، ويروي عنه: عطاء بن يسار، ويروي عنه: (س ق).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه راويًا مختلفًا فيه، وهو محمد بن مصعب.
(قال) رفاعة: (صدرنا) أي: رجعنا من غزو أو سفر (مع رسول الله ﷺ ، فقال) رسول الله ﷺ : (والذي نفس محمد بيده) المقدسة (ما من عبد يؤمن) بالله وبرسوله (ثم يُسدِّدُ) أي: يستقيم على طريق الرشاد؛ فلا يغلو ولا يسرف .. (إلا سُلِك به) وأدخل (في الجنة).
وقوله: (يؤمن) بالبناء للفاعل، وكذا قوله: (ثم يسدد) بالبناء للفاعل، والجملة في الموضعين صفة و (عبد).
وقوله: (سلك) بالبناء للمفعول، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ؛ والتقدير: ما من عبد مؤمن، ثم مستقيم على الطريقة الإسلامية، إلا مسلوك به في مسلك الجنة (وأرجو) أي: وأطمع من الله سبحانه (ألا بدخلوها) أي: ألا يدخل الأمم السابقة الجنة؛ أي: مؤمنوهم الجنة (حتى تبوَّءوا) أي: حتى تتخذوا وتنزلوا (أنتم) يا أمتي منازلكم ومأواكم من الجنة، وتستقروا فيها قبل
стр. 12264
وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ذَرَارِيِّكُمْ مَسَاكِنَ فِي الْجَنَّة، وَلَقَدْ وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ ألْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ".
===
دخولهم الجنة وتزاحُمِهم عليكم؛ أي: حتى تتخذوا (و) يتخذ (من صلح) وآمن (من ذراريكم) وأولادكم (مساكن في الجنة، و) إنما قلت ذلك، لأن الله (لقد وعدني) وأخبرني (ربي) وعد الحق (عز) كماله (وجل) ثناؤه (أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا بغير حساب) أي: بغير محاسبتهم على أعمالهم ولا مقدار فيما أعطاهم.
قال البوصيري: هذا إسناد فيه مقال؛ لأن محمد بن مصعب قال فيه صالح بن محمد البغدادي: ضعيف فيما رواه عن الأوزاعي، وعامة أحاديثه عن الأوزاعي مقلوبة.
قلت: لم ينفرد به محمد بن مصعب، وقد رواه النسائي في "عمل اليوم والليلة" عن يحيى بن حمزة عن الأوزاعي، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" من حديث رفاعة أيضًا، ورواه أبو داوود الطيالسي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وابن حبان في "صحيحه" كلهم من طريق يحيى بن أبي كثير، فذكروه مطولًا؛ كما أوردته في "زوائد المسانيد العشرة"، وأخرجه أيضًا ابن خزيمة في "التوحيد" فإسناده: صحيح على شرط الشيخين.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه عن أصحاب الأمهات الخمس، ودرجته: أنه صحيح؛ لأن له شاهدًا صحيحًا، وإن كان سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث أبي هريرة بحديث أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 12265
(٧٦) - ٤٢٢٩ - (٥) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الْأَلْهَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "وَعَدَنِي رَبِّي سُبْحَانَهُ أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلَا عَذَابَ، مَعَ كُلِّ أَلْفٍ
===
(٧٦) - ٤٢٢٩ - (٥) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ خطيب، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا إسماعيل بن عياش) بن سليم - مصغرًا - العنسي - بالنون - أبو عتبة الحمصي، صدوق في روايته عن أهل بلده مخلط في غيرهم، من الثامنة، مات سنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومئة (١٨٢ هـ). يروي عنه: (عم).
(حدثنا محمد بن زياد الألهاني) - بفتح الهمزة وسكون اللام - أبو سفيان الحمصي، ثقة، من الرابعة. يروي عنه: (خ عم).
(قال) ابن زياد: (سمعت أبا أمامة الباهلي) صُدَيَّ بن عجلان - بضم الصاد المهملة مصغرًا - الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، سكن الشام، ومات بها سنة ست وثمانين (٨٦ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات، ولا يقدح فيه إسماعيل بن عياش؛ لأنه روى عن أهل بلده، فهو فيهم ثقة، مخلط في غيرهم.
(يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: وعدني ربي سبحانه) وتعالى؛ أي: أخبرني خبرًا سارًا، ووعدني وعدًا صادقًا لا خلف فيه؛ بـ (أن يدخل الجنة) من الإدخال (من أمتي سبعين ألفًا لا حساب عليهم) ولا مناقشة في أعمالهم (ولا عذاب) على أعمالهم (مع كل ألف) من الألوف المذكورة
стр. 12266
سَبْعُونَ أَلْفًا وَثَلَاثُ حَثَيَالب مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي ".
(٧٧) - ٤٢٣٠ - (٦) حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النَّحَّاسِ الرَّمْلِيُّ
===
(سبعون ألفًا) من غيرهم (وثلاث حثيات من حثيات ربي .
قوله: (وثلاث حثيات) يحتمل: الرفعُ عطفًا على (سبعون) والنصب على أنه عطف على (سبعين) والأول أقرب لفظًا، وأبلغ معنىً، ولعله إن شاء الله هو المراد، والله أعلم.
وقال السيوطي: قال في "النهاية": هو كناية عن المبالغة في الكثرة، وإلا .. فلا كَفَّ ولا حثي، جل عن ذلك وعز. انتهى.
قلت: وقد جاء: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (١)، فهذه مثل ذلك الحديث، ولا يخفى أن هذه الآية تقتضي أن حثية واحدة تكفي لتمام الأمة، ولعل في تعداد الحثيات تشريفًا للأمة، والله أعلم. انتهى "سندي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب (١٢)، وقال: هذا حديث حسن غريب.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
* * *
ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث أبي هريرة بحديث معاوية بن حيدة القشيري رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٧٧) - ٤٢٣٠ - (٦) (حدثنا عيسى بن محمد بن النحاس) بن إسحاق أبو عمير بن النحاس - بمهملتين - (الرملي) ويقال: اسم جده عيسى، ثقة
стр. 12267
وَأَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقِّيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ جَدِّهِ
===
فاضل، من صغار العاشرة، مات سنة ست وخمسين ومئتين (٢٥٦ هـ) وقيل بعدها. يروي عنه: (د س ق).
(وأيوب بن محمد) بن زياد الوزان أبو محمد (الرقي) مولى ابن عباس، ثقة، من العاشرة، وذكر الشيرازي أنه هو الذي يلقب بالقُلْب - بضم القاف وسكون اللام - مات سنة تسع وأربعين ومئتين (٢٤٩ هـ). يروي عنه: (د س ق).
كلاهما (قالا: حدثنا ضمرة بن ربيعة) الفلسطيني أبو عبد الله أصله دمشقي، صدوق يهم قليلًا، من التاسعة، مات سنة اثنتين ومئتين (٢٠٢ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن) عبد الله (بن شوذب) الخراساني أبي عبد الرحمن، سكن البصرة ثم الشام، صدوق عابد، من السابعة، مات سنة ست أو سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن بهز بن حكيم) بن معاوية القشيري أبي عبد الملك، صدوق، من السادسة، مات قبل الستين ومئة. يروي عنه: (عم).
(عن أبيه) حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، صدوق، من الثالثة. يروي عنه: (عم).
(عن جده) معاوية بن حيدة بن معاوية بن كعب القشيري الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه، نزل البصرة ومات بخراسان، وهو جد بهز بن حكيم. يروي عنه: (عم).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: قيل: الحسن؛ لأن فيه ضمرة بن
стр. 12268
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نُكْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَبْعِينَ أُمَّةً نَحْنُ آخِرُهَا وَخَيْرُهَا".
===
ربيعة، واتفقوا على توثيقه، ولكن خطأه أحمد في حديث واحد؛ وذلك أن ضمرة بن ربيعة روى عن الثوري عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر حديث: (من ملك ذا رحم محرم .. فهو عتيق) فأنكره عليه أحمد ورده ردًّا شديدًا، وقال: لو قال رجل: إن هذا كذب .. لما كان مخطئًا.
وأخرجه الترمذي، وقال: لا يتابع ضمرة على هذا الحديث، وهذا الحديث خطأ عند أهل الحديث، ولذلك قال أهل الحديث: ضمرة مختلف فيه، فيقدح في السند، فيكون حكم هذا السند: الحسن.
وقيل: حكمه: الصحة؛ لأنه وَهْمٌ قليلٌ لا يَقْدَحُ فيه، فيكون السند صحيحًا، والله أعلم.
(قال) معاوية بن حيدة: (قال رسول الله ﷺ : نُكمل) من الإكمال والتكميل؛ والمراد بالإكمال: الختم، وفي رواية: (أنتم تتمون يا أمتي) (يوم القيامة سبعين أمة) أي: مكملين لها سبعين ومتممين عددها؛ أي: جاعلين إياها سبعين و (نحن آخرها) إيجادًا وخلقًا في الدنيا (وخيرها) أي: أفضلها وأرفعها عند الله منزلة ومرتبة ودرجة عنده تعالى وشرفًا؛ أي: سبق قبلكم في الدنيا تسع وستون أمة؛ كأمة نوح وأمة هود وأمة صالح وأمة موسى، وأنتم آخرها وجودًا وأفضلها منزلة؛ أي: يتم بكم عدد السبعين؛ أي: كنتم خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب التفسير، باب ومن سورة آل عمران.
стр. 12269
(٧٨) - ٤٢٣١ - (٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ:
===
ودرجته: أنه حسن أو صحيح؛ لكون سنده كذلك؛ كما مر آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
* * *
ثم استشهد المؤلف سادسًا لحديث أبي هريرة بحديث آخر لمعاوية بن حيدة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٧٨) - ٤٢٣١ - (٧) (حدثنا محمد بن خالد بن خداش) المُهَلِّبي - بتشديد اللام المكسورة - أبو بكر البصري نزيل بغداد الضرير، صدوق يغرب، من صغار العاشرة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا إسماعيل) بن إبراهيم بن مقسم الأسدي البصري، المعروف بي (ابن علية) اسم أمه الأسدية أيضًا، ثقة، من الثامنة، مات سنة ثلاث وتسعين ومئة (١٩٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن بهز بن حكيم) بن معاوية القشيري البصري، صدوق، من السادسة، مات بعد الستين ومئة. يروي عنه: (عم).
(عن أبيه) حكيم بن معاوية القشيري البصري، صدوق، من الثالثة. يروي عنه: (عم).
(عن جده) معاوية بن حيدة الصحابي الفاضل نزيل البصرة رضي الله تعالى وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة، لأن رجاله ثقات.
(قال) معاوية بن حيدة: (سمعت رسول الله ﷺ يقول:
стр. 12270
"إِنَّكُمْ وَفَّيْتُمْ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللهِ".
===
إنكم) أيتها الأمة المحمدية (وفيتم) أي: أتممتم وكملتم عدد الأمم التي قبلكم كاملين وافين عددهم مكملين لهم (سبعين أمة) أي: ستكملون عدد فرقهم يوم القيامة سبعين فِرقةً و (أنتم) أي: والحال أنكم أيتها الأمة المحمدية (خيرها) أي: خير تلك السبعين نفعًا لأنفسهم ولغيرهم (وأكرمها) أي: أشرفها (على الله) سبحانه؛ أي: عند الله؛ أي: أرفع تلك السبعين عند الله تعالى من حيث النفع والانتفاع في الدنيا والآخرة.
وفي الحديث دلالة على أن المراد بقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ أمة النبي ﷺ عامة.
قال ابن كثير: يخبر الله تعالى عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم، فقال تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: كنتم خير أمة أخرجت للناس، قال: (كنتم خير الناس للناس) أي: تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا الإسلام، وهكذا قال ابن عباس ومجاهد وعطية العوفي وعكرمة وعطاء والربيع بن أنس: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ يعني: خير الناس للناس؛ والمعنى: أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس، ولهذا قال: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١).
وروى أحمد في "مسنده"، والنسائي في "سننه"، والحاكم في "مستدركه" عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، قال: هم الذين هاجروا مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة.
والصحيح: أن هذه الآية عامة في جميع الأمة، كل قرن بحسبه، وخير القرون
стр. 12271
(٧٩) - ٤٢٣٢ - (٨) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِسْحَاقَ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ حَفْصٍ
===
الذين بعث فيهم محمد رسول الله ﷺ ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم؛ كما قال في الأخرى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي: خيارًا ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ الآية (١).
إنما حازت هذه الأمة قصب السبق إلى الخيرات بنبيها محمد ﷺ صلوات الله وسلامه عليه؛ فإنه أشرف خلق الله، وأكرم الرسل على الله، وبعثه الله تعالى بشرع كامل عظيم لم يعطه نبي قبله ولا رسول من الرسل، فالعمل القليل على سبيله ومنهاجه يقوم؛ أي: يحصل بالقليل منه ثواب ما لا يقوم بالعمل الكثير من أعمال غيرهم. انتهى كلام الحافظ ابن كثير ملخصًا.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، وهو مكرر مع الحديث الذي قبله، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
* * *
ثم استشهد المؤلف سابعًا لحديث أبي هريرة بحديث بريدة بن الحصيب رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٧٩) - ٤٢٣٢ - (٨) (حدثنا عبد الله بن إسحاق الجوهري) البصري مستملي أبي عاصم، من الحادية عشرة، ويُلَقَّبُ بِدْعَةً - بكسر الموحدة وسكون المهملة - ثقة حافظ، مات سنة سبع وخمسين ومئتين (٢٥٧ هـ). يروي عنه: (عم).
(حدثنا حسين بن حفص) بن الفضل بن يحيى الهمداني - بسكون الميم -
стр. 12272
الْأَصْبَهَانِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنِ النبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِئَةُ صَفٍّ؛ ثَمَانُونَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة، وَأَرْبَعُونَ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ".
===
(الأصبهاني) القاضي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة عشر أو إحدى عشرة ومئتين (٢١١ هـ). يروي عنه: (م ق).
(حدثنا سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ثقة إمام حجة، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن علقمة بن مرثد) - بفتح الميم وسكون الراء بعدها مثلثة - الحضرمي أبي الحارث الكوفي، ثقة، من السادسة. يروي عنه: (ع).
(عن سليمان بن بريدة) بن الحُصَيْب الأسلمي المروزي قاضيها، ثقة، من الثالثة، مات سنة خمس ومئة (١٠٥ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبيه) بريدة بن الحُصَيْب - بالتصغير فيهما - قيل: اسمه عامر، وبريدة لقبه، أبي سهل الأسلمي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، أسلم قبل بدر، مات سنة ثلاث وستين (٦٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن النبي ﷺ .
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) النبي ﷺ : (أهل الجنة عشرون ومئة صف) أي: مقدارها؛ أي: لو جعلوا صفوفًا .. لكانت صفوفهم مقدار هذا العدد (ثمانون) منها؛ أي: من تلك الصفوف كائنون (من هذه الأمة) المحمدية (وأربعون) منها (من سائر الأمم) وباقيها، فتكون هذه الأمة ثلثي أهل الجنة؛ والمقصود: بيان كثرة هذه الأمة في الجنة، وأنهم ثلثان في القسمة.
стр. 12273
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال الطيبي: فإن قلت: كيف التوفيق بين هذا وبين ما ورد من قوله ﷺ : "والذي نفسي بيده؛ أرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة"، فكبرنا، فقال ﷺ : "أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة"، فكبرنا، فقال ﷺ : "أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة".
قلت: يحتمل: أن يكون الثمانون صفًّا مساويًا في العدد لأربعين صفًّا، وأن يكونوا كما زاد على الربع والثلث .. يزيد على النصف؛ كرامة له ﷺ .
وقال الشيخ عبد الحق في "اللمعات": لا ينافي هذا قوله ﷺ : "أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة" لأنه يحتمل أن يكون رجاؤه ﷺ ذلك، ثم زيد وبشر من عند الله بالزيادة بعد ذلك، وأما قول الطيبي: (يحتمل الثمانون صفًّا مساويًا لأربعين صفًّا) .. فبعيد؛ لأن الظاهر من قوله ﷺ : "أهل الجنة عشرون ومئة صف" .. أن تكون الصفوف متساوية، والله أعلم. انتهى، انتهى "تحفة الأحوذي".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وقد روي هذا الحديث عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن النبي ﷺ مرسلًا، ومنهم من قال: عن سليمان بن بريدة عن أبيه مرفوعًا، وأحمد في "المسند".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في "جامعه"، كتاب صفة الجنة، باب ما جاء في صفة الجنة، وله شواهد أخر؛ منها: حديث ابن مسعود بنحوه وأتم منه، ومنها: حديث ابن عباس؛ كما سيأتي للمؤلف، ومنها: حديث أبي موسى؛ كما سيأتي أيضًا، أخرجهما الطبراني والحاكم؛ كما في "الجامع الصغير" و"التحفة".
стр. 12274
(٨٠) - ٤٢٣٣ - (٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ إِيَاسٍ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ،
===
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثامنًا لحديث أبي هريرة بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٨٠) - ٤٢٣٣ - (٩) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد الذهلي النيسابوري، ثقة متقن، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا أبو سلمة) موسى بن إسماعيل المنقري - بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف - التَّبُوذَكي - بفتح المثناة وضم الموحدة وسكون الواو - مشهور بكنيته وباسمه، ثقة ثبت، من صغار التاسعة، مات سنة ثلاث وعشرين ومئتين (٢٢٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار البصري أبو سلمة، ثقة ثبت، من أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بأخرة، من كبار الثامنة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن سعيد بن إياس الجريري) - بضم الجيم مصغرًا - أبي مسعود البصري، ثقة، من الخامسة، اختلط قبل موته بثلاث سنين، مات سنة أربع وأربعين ومئة (١٤٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي نضرة) - بفتح النون وسكون المعجمة - المنذر بن مالك بن قُطَعة - بضم القاف وفتح المهملة - العبدي العَوَقي - بفتح المهملة والواو ثم
стр. 12275
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "نَحْنُ آخِرُ الْأُمَمِ وَأَوَّلُ مَنْ يُحَاسَبُ؛ يُقَالُ: أَيْنَ الْأُمَّةُ الْأُمِّيَّةُ وَنَبِيُّهَا؟ فَنَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ".
===
قاف - البصري مشهور بكنيته، ثقةٌ، من الثالثة، مات سنة ثمان أو تسع ومئة (١٠٩ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن النبي ﷺ قال: نحن) معاشر الأمة المحمدية (آخر) جميع (الأمم) خلقًا في الدنيا (وأول من يحاسب) على أعماله يوم القيامة؛ لنقدم على سائر الأمم في دخول الجَنَّة فـ (يقال) يوم القيامة من جهة الله عند إرادة الله محاسبة الخلائق على أعمالهم؛ ليدخلهم الجَنَّة: (أين الأمة الأمية؟ ) أي: التي لا تقرأ، ولا تكتب الخط؛ لعدم الخط فيها؛ نسبة إلى الأم؛ لكونهم على حالة ولادة الأم.
(و) أين (نبيها) ليشهد لها؟ فإذا عرفتم ما ذكرته لكم .. (فـ) قد عرفتم (نحن) معاشر هذه الأمة (الآخرون) في الخلق والإيجاد في الدنيا (الأولون) في دخول الجَنَّة؛ لكرامة نبينا عند الله ، فنحن الأمة الأمية المتأخرة المتقدمة، فلله الحمد والشكر على جعلنا من هذه الأمة المشرفة في الدنيا والآخرة، وفيه قال بعضهم:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العممِ
أي مَنْ أتشفَّعُ به إلى ربي؛ وهو مقام الشفاعة العظمى الذي ذكره الله في كتابه العزيز بقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ (١).
стр. 12276
(٨١) - ٤٢٣٤ - (١٠) حَدَّثَنَا جُبَارَةُ بْنُ الْمُغَلِّس، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ أَبِي الْمُسَاوِر، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ
===
قال السندي: (نحن آخر الأمم) أي: وجودًا وبعثًا؛ يعني: وُجِدَ اليهود والنصاري، ثم المسلمون (الأولون)، أي: في الحساب ودخول الجَنَّة. انتهى "سندي".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٨١) - ٤٢٣٤ - (١٠) (حدثنا جبارة) بضم الجيم وبالموحدة (ابن المغلس) - بضم الميم وبالمعجمة المفتوحة وتشديد اللام المكسورة آخره مهملة - الحِمَّاني - بكسر المهملة وتشديد الميم - أبو محمد الكوفي، ضعيف، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبد الأعلى بن أبي المساور) الزهري مولاهم - أبو مسعود الجرار - بجيم وراءين - الكوفي نزيل المدائن، متروك كذبه ابن معين، من السابعة، مات بعد الستين ومئة. يروي عنه: (ق).
(عن أبي بردة) عامر بن أبي موسى الأشعري، قيل: اسمه الحارث، ثقةٌ، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة (١٠٤ هـ)، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) أبي موسى الأشعري عبد الله بن قيس الكوفي من أكابر الصحابة رضي الله تعالى عنه وعنهم أجمعين.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه جبارة بن المغلس،
стр. 12277
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا جَمَعَ اللهُ الْخَلَائِقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .. أُذِنَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ فِي السُّجُودِ، فَيَسْجُدُونَ لَهُ طَوِيلًا، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ؛ قَدْ جَعَلْنَا عِدَّتَكُمْ فِدَاءَكُمْ مِنَ النَّارِ".
===
وهو متفق على ضعفه، وشيخه عبد الأعلى متروك ليس بحجة، قال البخاري: وهذا الحديث منكر.
(قال) أبو موسى: (قال رسول الله ﷺ : إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة) في عرصاتها .. (أذن لأمة محمد) - بضم الهمزة على صيغة المبني للمجهول - أي: أذن الله لأمة محمد ﷺ (في السجود) لله (فيسجدون له) تعالى سجودًا (طويلًا) لا يعلم قدر طوله إلَّا الله (ثم) بعد سجودهم سجودًا طويلًا (يقال) لهم من جهة الله تعالى: (ارفعوا رؤوسكم) يا أمة محمد من السجود؛ فإنا (قد جعلنا عدتكم) أي: قدر عددكم من اليهود والنصارى والمشركين (فداءكم) أي: فداءً لكم (من) دخولكم (النار).
ليس المراد: أنهم يدخلون النار بمجرد أنهم فداء هذه الأمة، بل أنهم يدخلونها؛ لاستحقاقهم لذلك الدخول"، ويكتفى بدخولهم عن دخول هذه الأمة، فصاروا فداءً لهم. انتهى "س".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة بهذا اللفظ، ولكن رواه مسلم في "صحيحه" من حديث أبي بردة أيضًا بغير هذا اللفظ، وقد أعله البخاري، فهذا الحديث انفرد به ابن ماجة.
فدرجته: أنه ضعيف (٤)(٤٣٦)؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
стр. 12278
(٨٢) - ٤٢٣٥ - (١١) حَدَّثَنَا جُبَارَةُ بْنُ الْمُغَلِّس، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ مَرْحُومَةٌ عَذَابُهَا بأَيْدِيهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ .. دُفِعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَيُقَالُ:
===
ثم استشهد المؤلف تاسعًا لحديث أبي هريرة بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٨٢) - ٤٢٣٥ - (١١) (حدثنا جبارة بن المغلس) الحِمَّاني أبو محمد الكوفي، ضعيف، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا كثير بن سليم) - مصغرًا - الضبي، ضعيف، من الخامسة، وهو غير كثير بن عبد الله الأيلي، ووهم ابن حبان فجعلهما واحدًا. يروي عنه: (ق).
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من ثلاثياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه جبارة بن المغلس وهو متفق على ضعفه؛ كما مر آنفًا، وكذا شيخه كثير بن سليم متروك.
(قال) أنس بن مالك: (قال رسول الله ﷺ : إن هذه الأمة) المحمدية (مرحومة) لشرف نبيها، لا ينزل بها عذاب الاستئصال والإعدام بالكلية، ولو طغت غاية الطغيان؛ إكرامًا لنبيها، بل (عذابها) خاص (بأيديها) أي: بأنفسها، فلا يعذبها الله العذاب العام والاستئصال بالكلية؛ كعذاب الأمم الماضية (فـ) لأجل كونها أمةً مرحومةً (إذا كان) وجاء (يوم القيامة .. دفع) - بالبناء للمفعول - أي: دفع الله (إلى كلّ رجل) كائن (من المسلمين رجل) - بالرفع؛ نائب فاعل لدفع - أي: دفع الله تعالى كلّ رجل من المسلمين رجلًا (من المشركين، فيقال) أي: يقول الله سبحانه
стр. 12279
هَذَا فِدَاؤُكَ مِنَ النَّارِ".
===
وتعالى لذلك المسلم: (هذا) المشرك الذي دفع إليك (فداؤك من) عذاب (النار).
قال السندي: قوله: (فداؤك) أي: إنه تعالى يعطي منزلك في النار إياه، ويعطي منزله في الجَنَّة إياك.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ولكن له شاهد من حديث أبي موسى الأشعري، أخرجه مسلم في كتاب التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله، ولفظه: (إذا كان يوم القيامة .. دفع الله إلى كلّ مسلم يهوديًّا أو نصرانيًّا، فيقول: هذا فكاكك من النار).
ولفظه مع "شرح الكوكب": (قال) أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه (قال رسول الله ﷺ : إذا كان يوم القيامة .. دفع الله إلى كلّ) رجل (مسلم يهوديًّا أو نصرانيًّا، فيقول) الله للمسلم: أيها المسلم (هذا) اليهودي أو النصراني (فكاكك) - بفتح الفاء وكسرها والفتح أفصح وأشهر - أي: فداؤك وخلاصك (من النار) أي: من العذاب.
وظاهر هذا اللفظ: أن الكافر يكون فديةً للمسلم، وهذا الظاهر غير مطابق؛ لما تقرر في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١)، وتفسيره الصحيح ما ذكره النووي رحمه الله تعالى، قال: ومعنى هذا الحديث: ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (لكل أحد منزل في الجَنَّة ومنزل في النار؛ فالمؤمن إذا دخل الجَنَّة .. خلفه الكافر في النار) لاستحقاقه ذلك بكفره.
ومعنى: (فكاكك من النار) أنك كنت معرضًا لدخول النار، وهذا فكاكك؛
стр. 12280
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
لأن الله تعالى قدر لها عددًا يملؤها، فإذا أدخلها الكفار بكفرهم وذنوبهم .. كانوا في معنى الفكاك للمسلمين.
وهذا الحديث مما انفرد به الإمام مسلم. انتهى من "الكوكب".
وحديث أنس الذي ذكره ابن ماجة سنده ضعيف؛ لأن فيه جبارة بن المغلس، وشيخه كثير بن سليم، وأما متنه .. فصحيح؛ لأن له شاهدًا من حديث أبي موسى الذي ذكره مسلم، فهذا الحديث: ضعيف السند، صحيح المتن بغيره، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أحد عشر حديثًا:
الأول للاستدلال، والعاشر للاستئناس، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 12281
(١٣) - (١٥١١) - بَابُ مَا يُرْجَى مِنْ رَحْمَةِ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
(٨٣) - ٤٢٣٦ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ لِلّهِ مِئَةَ رَحْمَةٍ؛ قَسَمَ
===
(١٣) - (١٥١١) - (باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة)
(٨٣) - ٤٢٣٦ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي الواسطي، ثقةٌ متقن، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا عبد الملك) بن أبي سليمان اسمه ميسرة العَرْزَمي - بفتح المهملة وسكون الراء وبالزاي المعجمة المفتوحة - أحد الأئمة. روى عن: عطاء بن أبي رباح، ويروي عنه: يزيد بن هارون، صدوق له أوهام، من الخامسة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن عطاء) بن أبي رَبَاح - بفتح الراء والموحدة - اسم أبي رباح أسلم القرشي مولاهم المكي، ثقةٌ فقيه كثير الإرسال، من الثالثة، مات سنة أربع عشرة ومئة (١١٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
(عن النبي ﷺ .
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) النبي ﷺ : (إن لله) (مئة رحمة؛ قسم
стр. 12282
مِنْهَا رَحْمَةً بَيْنَ جَمِيعِ الْخَلَائِقِ؛ فَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى أَوْلَادِهَا، وَأَخَّرَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
===
منها) أي: من تلك المئة (رحمة) واحدة (بين جميع الخلائق) أي: بين الإنس والجن والبهائم والهوام؛ كما هو مصرح في رواية مسلم؛ أي: بين المواشي والدواب والسباع والطيور والهوام وحشراتها من الحيات والعقارب والأوزاغ (فبها) أي: فبتلك الرحمة الواحدة (يتراحمون) أي: يرحم الخلائق بعضهم بعضًا (وبها) أي: بتلك الواحدة (يتعاطفون) أي: يتشافقون؛ أي: يعطف ويشفق، وهو بمعنى ما قبله، كرره؛ للتأكيد، أو العَطْفُ: شِدَّةُ الرحمةِ (وبها) أي: وبتلك الواحدة التي أنزل بها في الأرض (تعطف الوحش) أي: أنواعها (على أولادها) وفي رواية مسلم زيادة: (حتى ترفع الدابَّة حافرها عن ولدها؛ خَشيَةَ) أي: مخافة (أن تُؤْذِيَه) بذلك الحافر الذي وقع عليه.
وفي رواية البخاري: (حتى يرفع الفرس حافره ... ) إلى آخره، قال المناوي: والحافر يكون للفرس وغيره من البغال والحمير والبرذون، وإنما خص الفرس بالذكر؛ لأنه أشد الحيوان المالوف إدراكًا. انتهى.
(وأخر) الله من تلك المئة المجزأة (تسعة وتسعين رحمة) مدخرة إلى الآخرة (يرحم بها) أي: بتلك الباقية (عباده) المؤمنين (يوم القيامة) خاصة بهم.
ويدل هذا الحديث على كثرة رحمة الله تعالى وقلة غضبه؛ لأن الرحمة عامة للمؤمن والكافر، والغضب خاص بالكافر.
وقوله: "وأخر تسعة وتسعين" وفي رواية مسلم: (وخبأ) أي: ادخر، وهو كناية عن الإمساك والإبقاء عنده للآخرة.
стр. 12283
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قوله: "إن لله مئة رحمة" ذهب الكرماني إلى أن ذكر (المئة) إنما جرى على سبيل التمثيل؛ تسهيلًا للفهم، وتقليلًا لما عند الخلق، وتكثيرًا لما عند الله سبحانه، وإلا .. فرحمة الله تعالى غير متناهية.
وذكر المهلب ما يفيد أن الرحمة رحمتان: رحمة من صفة الذات؛ وهي لا تتعدد ولا تتجزأ، ورحمة من صفة الفعل؛ وهي المشار إليها ها هنا.
وقال الطيبي رحمه الله تعالى: رحمة الله لا نهاية لها، فلم يرد بما ذكره تحديدًا لها، بل تصويرًا للتفاوت بين قسط أهل الإيمان منها في الآخرة، وقسط عامة المربوبين في الدنيا.
وقال في "اللمعات": لعل المراد: أنواعها الكلية التي تحت كلّ نوع منها أفراد غير متناهية، أو ضرب المثل لبيان المقصود من قلة ما عند الناس وكثرة ما عند الله تقريبًا إلى فهم الناس، أو هو من قبيل قوله: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا، من أحصاها .. دخل الجَنَّة) أن الحصر باعتبار هذا الوصف، فافهم.
قال القرطبي: مقتضى هذا الحديث: أن الله عَلِم أنواع النعم التي ينعم بها على خلقه مئة نوع، فأنعم عليهم في هذه الدنيا بنوع واحد، انتظمت به مصالحهم، وحصلت به مرافقهم، فإذا كان يوم القيامة .. كمل لعباده المؤمنين ما بقي، فبلغَتْ مئةً، وكُلُّها لِلمُؤْمِنينَ، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ (١)؛ فإن رحيمًا من أبنية المبالغة التي لا شيء فوقها، ويفهم من هذا أن الكُفَّار لا يَبْقَى لهم حظ من الرحمة، لا من جنس رحمات الدنيا، ولا من غيرها؛ إذ كلّ ما كان في علم الله تعالى من الرحمات
стр. 12284
(٨٤) - ٤٢٣٧ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ
===
للمؤمنين، وإليه الإشارة بقوله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ... ﴾ الآية (١).
قال الحافظ: أما مناسبة خصوص هذا العدد .. فيحتمل أن تكون مناسبة هذا العدد الخاص؛ لكونه مثل عدد دَرَجِ الجَنَّة، والجنة هي محل الرحمة، فكان كلّ رحمة بإزاء درجة، وقد ثبتٌ أنه لا يدخل أحد الجَنَّة إلَّا برحمة الله تعالى، فمن نالته منها رحمة واحدة .. كان أدنى أهل الجَنَّة منزلة، وأعلاهم منزلةً من حصلت له جميع الأنواع من الرحمة، كذا في "الفتح" (١٠/ ٤٢٢).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الأدب، باب جعل الرحمة في مئة جزء، وفي كتاب الرقائق، باب الرجاء مع الخوف، ومسلم في كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه، والترمذي في كتاب الدعوات، بابٌ خلقَ اللهُ مئةَ رحمة، قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن صحيح.
فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٨٤) - ٤٢٣٧ - (٢) (حدثنا أبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (٢٤٧ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 12285
وَأَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خَلَقَ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِئَةَ رَحْمَةٍ؛ فَجَعَلَ فِي الْأَرْضِ مِنْهَا رَحْمَةً؛ فَبِهَا تَعْطِفُ الْوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا، وَالْبَهَائِمُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ
===
(وأحمد بن سنان) بن أسد بن حِبَّان - بكسر المهملة بعدها موحدة - أبو جعفر القطان الواسطي، ثقةٌ، من الحادية عشرة، مات سنة تسع وخمسين ومئتين (٢٥٩ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (خ م د س ق).
(قالا: حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) سليمان (الأعمش) الكاهلي الكوفي، ثقةٌ، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي صالح) ذكوان السمان القيسي مولاهم، ثقةٌ، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي سعيد) الخدري رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أبو سعيد: (قال رسول الله ﷺ : خلق الله يوم خلق السماوات والأرض مئة رحمة؛ فجعل) أي: فأنزل (في الأرض منها) أي: من تلك المئة (رحمة) واحدة (فبها) أي: فبتلك؛ أي: بسبب تلك الرحمة الواحدة وإنزالها فيهم (تعطف) - بكسر الطاء - من باب ضرب؛ أي: تُشْفِقُ وتَحِنُّ (الوالدةُ) من الإنسان (على ولدها، و) يعطف (البهائم) جمع بهيمة؛ وهي كلّ ذات أربع قوائم، والمراد بها هنا: غير العقلاء من الحيوان (بعضها على بعض) الوالد على الولد والذكر على الأنثى، والكبير على
стр. 12286
وَالطَّيْرُ، وَأَخَّرَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ .. أَكْمَلَهَا اللهُ بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ".
(٨٥) - ٤٢٣٨ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ
===
الصغير (و) يعطف (الطير) بعضها على بعض كذلك (وأخَّر) وادخر (تسعةً وتسعين) أي: تقسيمها (إلى يوم القيامة) ليشرِّف بها المؤمنين (فإذا كان) وجاء (يوم القيامة .. أكملها الله) أي: أكمل تلك التسعة والتسعين (بـ) خلق واحدة أخرى بدل (هذه الرحمة) التي وزَّعها وقسمها لأهل الدنيا من المئة التي خلقها أولًا، فتكون المقسومة بين المؤمنين في الآخرة مئة كاملةً؛ إكرامًا لهم.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة؛ كما في "تحفة الأشراف"، ولكن له شواهد في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة المذكور قبله، ومن حديث سلمان المذكور في "مسلم"، ومن حديث ابن عباس المذكور في "الترمذي"، وأخرجه في كتاب الرقاق، وأحمد في "المسند".
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث آخر له رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٨٥) - ٤٢٣٨ - (٣) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(وأبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة
стр. 12287
قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللهَ لَمَّا خَلَقَ الْخَلْقَ .. كَتَبَ بِيَدِهِ عَلَى نَفْسِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي".
===
خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(قالا: حدثنا أبو خالد الأحمر) سليمان بن حيان الأزدي الكوفي، صدوق يخطئ، من الثامنة، مات سنة تسعين ومئة (١٩٠ هـ)، أو قبلها. يروي عنه: (ع).
(عن) محمد (بن عجلان) المدني، صدوق إلَّا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة، من الخامسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبيه) عجلان مولى فاطمة بنت عتبة المدني، لا بأس به، من الرابعة. يروي عنه: (م عم).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : إن الله لما خلق الخلق) أي: لما أراد إيجاد المخلوقات وتكوين الكائنات .. (كتب بيده) المقدسة قبل أن يوجدهم (على نفسِه) العَلِيَّةِ؛ أي: كتب بيده المقدسة مُوجِبًا على نفسه بمقتضى فضله ووعده: (إن رحمتي تغلب غضبي) أي: إذا كان المحل قابلًا للأمرين مستحقًا لهما من وجه .. فالغالب هو المعاملة بالرحمة لا بالغضب. انتهى "س".
وقوله: "كتب بيده على نفسه" ساق هذا الكلام على مقتضى وعده بأنه يعامل بالرحمة ما لا يعامل بالغضب، لا أنه إخبار عن صفة الرحمة والغضب،
стр. 12288
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ولأن الثانية دون الأُولى؛ لأن صفاته كلها كاملة عظيمة، ولأن ما فعل من آثار الأولى فيما سبق .. أكثر مما فعل من آثار الثانية.
وقوله: "إن رحمتي تغلب غضبي" مفعولُ (كتب) وهذا بالنظر إلى مظاهرها، والبقيةُ يدخل النار؛ إما لأنه يعامل معاملة الغضب - ولا يشكل هذا الحديث بما جاء: (أن الواحد من الألف يدخل الجَنَّة) - بمقتضى الرحمة، ولا يعامل بمقتضى الغضب؛ كما قال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ (١).
وإما لأن مظاهر الرحمة أكثر من مظاهر الغضب؛ فإن الملائكة كلهم مظاهر الرحمة، وهم أكثر خلق الله تعالى، وكذلك ما خلق الله في الجَنَّة من الحور والولدان وغير ذلك. انتهى من "المرشد".
قال النووي في "شرح مسلم": (غضب الله) تعالى و (رضاه) يرجعان إلى معنى: (الإرادة) فإرادتُه الإثابةَ للمطيع ومنفعةَ العبد تسمى رضًا ورحمةً، وإرادتُه عقابَ العاصي وخذلانَه تسمى غضبًا.
وذكر الحافظ في "الفتح" (٦/ ٢٩٢): أن السبق والغلبة باعتبار التعلق؛ أي: تعلق الرحمة غالب سابق على تعلق الغضب؛ لأن الرحمة مقتضى ذاته المقدسة، وأما الغضب .. فإنه متوقف على سابقة عمل من العبد الحادث.
وقيل: معنى (الغلبة): الكثرة والشمول.
وقال الطيبي: في سبق الرحمة إشارة إلى أن قسطَ الخلق منها أكثرُ من قسطهم من الغضب، وأنها تنالهم من غير استحقاق، وأن الغضب لا ينالهم إلَّا باستحقاق؛ فالرحمة تشمل الشخص جنينًا ورضيعًا وفطيمًا وناشئًا قبل أن
стр. 12289
(٨٦) - ٤٢٣٩ - (٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِب، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ،
===
يصدر منه شيء من الطاعة، ولا يلحقه الغضب إلَّا بعد أن يصدر منه شيء من الذنوب.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الدعوات، باب في فضل التوبة والاستغفار.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شاهدًا في "الترمذي"، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة الأول.
وقد تقدم تخريجه للمؤلف في المقدمة برقم (١٨٧).
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٨٦) - ٤٢٣٩ - (٤) (حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب) الأموي البصري، واسم أبي الشوارب: محمد بن عبد الرَّحمن بن أبي عثمان، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ). يروي عنه: (م ت س ق).
(حدثنا أبو عوانة) الوَضَّاح - بتشديد الضاد المعجمة ثم بمهملة - ابن عبد الله اليشكري - بالمعجمة - الواسطي البزاز مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ، من السابعة، مات سنة خمس أو ست وسبعين ومئة (١٧٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبد الملك بن عمير) - بالتصغير - ابن سويد اللخمي حليف بني عدي الكوفي، ويقال له: الفَرَسي - بفتح الراء والفاء ثم المهملة - نسبة إلى فرس له سابق، كان يقال له: القِبْطي - بكسر القاف وسكون الباء الموحدة - ثقةٌ
стр. 12290
عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا عَلَى حِمَارٍ فَقَالَ: "يَا مُعَاذُ؛ هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ؟ "، قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا،
===
فصيح عالم تغير حفظه وربما دلس، من الرابعة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) عبد الرَّحمن (بن أبي ليلى) الأنصاري الأوسي أبي عيسى المدني ثم الكوفي، ثقةٌ، من الثانية، مات بوقعة الجماجم سنة ثلاث وثمانين (٨٣ هـ). يروي عنه: (ع)، واسم أبي ليلى: يسار.
(عن معاذ بن جبل) بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي أبي عبد الرَّحمن المدني مشهور، من أعيان الصحابة رضي الله تعالى عنه وعنهم أجمعين، مات سنة ثماني عشرة (١٨ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) معاذ: (مَرَّ بي رسولُ الله ﷺ وأنا) راكب (على حمار) لي، وفي "المشكاة": كنت ردف رسول الله ﷺ على حمار ليس بيني وبينه إلَّا مؤخرة الرحل (فقال) لي رسول الله ﷺ : (يا معاذ؛ هل تدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ ) قال معاذ: (قلت) لرسول الله ﷺ في جواب سؤاله: (الله ورسوله أعلم) أي: عالم بجواب ما سألتني عنه يا رسول الله، ثم أجاب رسول الله ﷺ عن جواب ما سألني عنه، فـ (قال) لي رسول الله ﷺ في جواب ما سألني فجهلته: (فإن) الفاء فيه للإفصاح، أو زائدة؛ أي: إن (حق الله على العباد: أن يعبدوه) أي: أن يفردوه بالعبادة (وَلَا يشركوا به) تعالى في العبادة (شيئًا) من المخلوقات