حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ،
===
ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد، وقال الحاكم والنقَّاش وأبو نعيم: روى مناكير، وقال محمد بن طاهر: كذاب له في "ابن ماجة" حديث (الإيمان إقرار بالقول فحسب). يروي عنه: (ق).
قال: (حدثنا علي بن موسى) بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄ الهاشمي المدني، أبو الحسن الملقب بـ (الرضا) بكسر الراء وفتح الضاد المعجمة.
وقال ابن السمعاني: والخلل في رواياته عن رواته؛ فإنه ما روى عنه إلَّا متروك، وكان الرضا من أهل العلم والفضل مع شرف النسسب، مات بطوس سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ)، من كبار العاشرة. يروي عنه: (ق).
(عن أبيه) موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي الهاشمي العلوي أبي الحسين المدني، المعروف بال اظم، صدوق عابد، من السابعة، مات سنة ثلاث وثمانين ومئة (١٨٣ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(عن جعفر) الصادق (بن محمد) الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المدني، من السادسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبيه) محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو جعفر، ثقة فاضل، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن علي بن الحسين) بن علي بن أبي طالب زين العابدين القرشي الهاشمي، ثقة ثبت عابد فقيه فاضل مشهور.
стр. 247
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْإِيمَانُ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ وَقَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ"،
===
قال ابن عيينة عن الزهري: ما رأيت قرشيًا أفضل منه، من الثالثة، مات سنة ثلاث وتسعين (٩٣ هـ)، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) حُسين بن علي بن أبي طالب ﵄، الهاشمي أبي عبد الله المدني سبط رسول الله ﷺ وريحانته، استشهد يوم عاشوراء سنة إحدى وستين (٦١ هـ)، وله ست وخمسون سنة. يروي عنه: (ع).
(عن علي بن أبي طالب) بن عبد المطلب القرشي الهاشمي أبي الحسن المدني، من السابقين الأولين أحد العشرة المبشرة ﵁ وعنهم أجمعين، مات في رمضان سنة أربعين (٤٠ هـ)، وله ثلاث وستون سنة على الأرجح. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من تساعياته؛ رجاله سبعة منهم مدنيون، وواحد هروي، وواحد إما رازي أو كوفي، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عبد السلام بن صالح، وهو كذاب.
(قال) علي بن أبي طالب: (قال رسول الله ﷺ : الإيمان) الكامل (معرفة بالقلب) أي: تصديق بالقلب بجميع ما جاء به النبي ﷺ عن ربه بأنه حق جاء به من عند الله تعالى، أو تصديق بمعنى الشهادتين بالقلب، (وقول) أي: نطق بالشهادتين (باللسان) إن قدر عليه بعدم المانع في اللسان؟ كالخرس الأصلي أو الطاريّ، (وعمل) في الأعمال البدنية الظاهرة (بالأركان) أي: بالأعضاء والجوارح، كالصلاة والصوم والزكاة والحج، وفيه أن الإيمان الكامل لا يوجد بلا إسلام وانقياد ظاهري، وبه حصل التوفيق بين هذا الحديث - إن ثبت وصح - وبين حديث جبريل السابق.
стр. 248
قَالَ أَبُو الصَّلْتِ: لَوْ قُرِئَ هَذَا الْإِسْنَادُ عَلَى مَجْنُونٍ .. لَبَرَأَ.
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة عن أصحاب الأمهات وغيرهم، ودرجته: أنه ضعيف أو موضوع (١٠)(١٠)، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
(قال أبو الصلت) عبد السلام بن صالح الهروي: (لو قرئ هذا الإسناد) وذكرت أسماؤه من علي بن موسى إلى أَخره (على مجنون) أو مغمىً عليه مثلًا ... (لبرأ) ذلك المجنون من جنونه وعوفي، لما في هذا الإسناد من خيار العباد وهم خلاصة أهل بيت النبوة ﵃، وهذا يقوله من شدة غلوه في التشيع، وبرأ هنا من برأ المريض -بفتح الراء - من الداء إذا شفي، لا من برئت من الأمر - بكسر الراء - أي تبرأت" فإن أبا الصلت هو القائل هذا القول، ولا يستقيم منه أن يقول هذا القول بهذا المعنى الأخير لا بالنظر إلى نفسه ولا
بالنظر إلى من بعده؛ لأنه شيعي.
وهذا الحديث عده ابن الجوزي في الموضوعات، قال فيه: أبو الصلت متَّهم ممن لا يجوز الاحتجاج به، وتابعه على ذلك جماعة منهم بعض شراح الكتاب، وفي "الزوائد": إسناد هذا الحديث ضعيف" لاتفاقهم على ضعف أبي الصلت الراوي، قال السيوطي: والحق أنه ليس بموضوع، وأبو الصلت وثقه ابن معين، وقال: ليس ممن يكذب، وقال في "الميزان": رجل صالح إلَّا أنه شيعي، تابعه علي بن عراب، وقد روى له النسائي وابن ماجة، ووثقه ابن معين والدارقطني، قال أحمد: أراه صادقًا، وقال الخطيب: كان غاليًا في التشيع، وأما في روايته .. فقد وصفوه بالصدق، ثم ذكر له بعض المتابعات. انتهى من "السندي".
* * *
ثم استشهد المؤلف سابعًا لحديث أبي هريرة بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 249
(٦٤) - ٦٤ - (١٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ، أَوْ قَالَ: لِجَارِهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ".
===
(٦٤) - ٦٤ - (١٠) (حدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي أبو بكر البصري.
(ومحمد بن المثنى) بن عبيد العنزي أبو موسى البصري.
(قالا: حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي مولاهم أبو عبد الله البصري.
قال: (حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي أبو بسطام البصري.
(قال) شعبة: (سمعت قتادة) بن دعامة بن قتادة السدوسي أبا الخطاب البصري.
(يحدث عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته؛ ومن لطائفه: أن رجاله كلهم بصريون، وحكمه: الصحة.
(أن رسول الله ﷺ قال: لا يؤمن أحدكم) أي: لا يكمل إيمان أحدكم أيها المؤمنون (حتى يحب) ويرضى (لأخيه) المسلم أو الإنسان فيدخل الكافر، قال قتادة: (أو قال) لي أنس؟ فالشك من قتادة، أو قال لي قتادة؟ فالشك من شعبة: الجاره) بدل قول: لأخيه (ما يحبـ) ـه (لنفسه) من الخيرات الدنيوية دينًا أو دنيا، وفي "البخاري": لأخيه دون شك، قال القاضي: والنفي هنا نفي كمال؛ أي: لا يتم إيمان أحدكم حتى يكون للمؤمنين بهذه الصفة؛ من كفه الأذى عنهم، وبذله المعروف لهم، وموادته الخير لجميعهم، وصرف الضر عنهم. والحديث والله أعلم إنما هو في أمور الدنيا، وأما في
стр. 250
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الآخرة .. فقد قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (١) قيل: ظاهر الحديث على التسوية، وقيل: على التفضيل، والمعنى عليه: أي حتى يحب لأخيه أن يكون أحسن حالا منه؛ لأنه الذي يحب لنفسه؛ لأن كلّ أحد يحب أن يكون أفضل، فإذا أحب لغيره ما يحب لنفسه .. كان هو من المفضولين، وهذا المعنى قد يعد من الصعب الممتنع، وليس معنى الحديث كذلك، بل معناه لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه في الإسلام مثل ما يحبه لنفسه، والقيام بذلك يحصل بأن يحب له حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمه فيها، بحيث لا تنقص النعمة على أخيه شيئًا من النعمة عليه، وذلك سهل على القلب السليم، وإنما يصعب على القلب الدغل، عافانا الله من ذلك.
وعبارة السندي هنا قوله: "ما يحب" أي: من خيري الدنيا والآخرة، والمراد: الجنس لا الخصوص، وقد يكون خيرًا لا يقبل الاشتراك كالوسيلة ولا لغير مَن له، ونحو ذلك، ثم المراد بهذه الغايات وأمثالها: أنه لا يكمل الإيمان بدونها، لا أنَّها وحدها كافية، ولا يتوقف الكمال بعد حصولها على شيء آخر حتى يلزم التعارض بين هذه الغايات الواردة في هذه الأحاديث، فليتأمل. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه (١٣)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير، والترمذي في كتاب صفة القيامة، باب (٥٩)، والنسائي في كتاب الإيمان، باب علامة الإيمان.
стр. 251
(٦٥) - ٦٥ - (١١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ".
===
ودرجته: أنه في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثامنًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث آخر لأنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٦٥) - ٦٥ - (١١) (حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثني، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا الحديث حكم سنده: الصحة، وتركنا البحث عنه؛ لأنه نفس السند الذي قبله.
(قال: قال رسول الله ﷺ : لا يؤمن أحدكم) أي: لا يصح إيمان أحدكم أيها المسلمون (حتى أكون) أنا مضارع (كان) المسند إلى المتكلم (أحب إليه) أي: أكثر محبوبية لديه، فاسم التفضيل مبني للمفعول، كما في "السندي، (من ولده ووالده والناس أجمعين) من سائر عشيرته وأقربائه وأصدقائه وأزواجه ومواليه، قال الخطابي: لَمْ يرد به حب الطبع، بل أراد به حب الاختيار؛ لأن حب الإنسان نفسه طبع ولا سبيل إلى قلبه، قال: فمعناه: لا تصدق في حبي حتى تفني في طاعتي نفسك، وتؤثر رضاي على هواك، وإن كان فيه هلاكك، وقال القاضي وابن بطال وغيرهما: المحبة ثلاثة أقسام: محبةُ إجلال
стр. 252
(٦٦) - ٦٦ - (١٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ،
===
وإعظام؛ كمحبةِ الوالد، ومحبةُ شفقة ورحمة؛ كمحبة الولد، ومحبة مشاكلة واستحسان؛ كمحبة سائر الناس، فجمع ﷺ أصناف المحبة في محبته، قال ابن بطال: ومعنى الحديث: أن من استكمل الإيمان .. علم أن حق النبي ﷺ أَكد عليه من حق أبيه وابنه والناس أجمعين، وإذا تبين ما ذكرناه .. تبين أن حقيقة الإيمان لا يتم إلَّا بذلك. انتهى "كوكب".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الإيمان، باب حب الرسول ﷺ من الإيمان، الحديث (١٥)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب وجوب محبة رسول الله ﷺ ، الحديث (١٦٧)، والنسائي في كتاب الإيمان، باب علامة الإيمان الحديث (٥٥٢٨).
فهذا الحديث درجثه: أنه في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى تاسعًا لحديث أبي هريرة بحديث آخر له رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٦٦) - ٦٦ - (١٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة حافظ، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
قال (حدثنا وكيع) بن الجراح بن مليح الرؤاسي، أبو سفيان الكوفي، ثقة عابد، من التاسعة، ماث في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(وأبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي السعدي مولاهم الكوفي،
стр. 253
عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا،
===
ثقة من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع) وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه.
(عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم أبي محمد الكوفي، ثقة حافظ، ولكنه يدلس، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي صالح) السمان ذكوان مولى جويرية بنت الحارث القيسية المدني، ثقة ثبت، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٥١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) عبد الرَّحمن بن صخر الدوسي المدني ﵁.
وهذا السند من خماسياته؛ رجاله ثلاثة منهم كوفيون، واثنان مدنيان، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : والذي) أي: أقسمت لكم بالإله الذي (نفسي) وروحي (بيده) المقدسة، زاد القسم لتأكيد الكلام، وفي رواية مسلم: إسقاطه، (لا تدخلوا الجَنَّة) أيها المؤمنون ابتداء، أسقط النون لمشاكلة ما بعده، وإلا .. فالفعل مرفوع بثبات النون؛ لأن (لا) نافية لا جازمة، وفي رواية مسلم إثباتها، (حتى تؤمنوا) إيمانًا كاملًا باجتماع شُعبه بحذفها للناصب، (وَلَا تؤمنوا) إيمانًا كاملًا يوجب دخول الجَنَّة ابتداءً بحذف النون للمشاكلة أيضًا؛ لأن الفعل مرفوع بالنون؛ لأن (لا) نافية لا ناهية، (حتى تحابوا) وتوادوا في الله بحذف النون للناصب، وفتح التاء؛ لأنه من باب تفاعل؛ أي: حتى يحب بعضكم بعضًا لأجل دين الله وأخوته وطلب
стр. 254
أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ .. تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ".
===
رضاه تعالى، لا لغرض من الأغراض الدنيوية من قرابة وصداقة وزوجية وعطية.
قال القرطبي: والإيمان المذكور أولًا هو التصديق الشرعي المذكور في حديث جبريل ﵇، والإيمان المذكور ثانيًا هو الإيمان العملي المذكور في قوله: "الإيمان بضع وسبعون بابًا" ولو كان الثاني هو الأول .. للزم منه ألا يدخل الجَنَّة من أبغض أحدًا من المؤمنين، وذلك باطل قطعًا، فتعين التأويل الذي ذكرناه. انتهى.
وعبارة السندي هنا: قوله: "لا تدخلوا الجَنَّة" لا يخفى أنه نفي لا نهي، وكذا قوله: "ولا تؤمنوا" فالقياس ثبوت النون فيهما، فكأنها حذفت للمجانسة والازدواج، وقد جاء حذفها للتخفيف كثيرًا، ثم الكلام محمول على المبالغة في الحث على التحاب وإفشاء السلام، والمراد: لا تستحقون دخول الجَنَّة أولًا حتى تؤمنوا إيمانًا كاملًا، ولا تؤمنون ذلك الإيمان الكامل حتى تحابوا -بفتح التاء- وأصله: تتحابون؛ أي: حتى يحب بعضكم بعضًا.
والهمزة في قوله: (أولا أدلكم على شيء) داخلة على محذوف، تقديره: أتستغربون ذلك ولا تفهمونه، أدلكم أيها المؤمنون على شيء (إذا فعلتموه) وقلتموه .. (تحاببتم؟ ) أي: يحصل لكم التحاب والتواد بينكم، أقول لكم في بيان ذلك الشيء: (أفشوا) من الإفشاء، فالهمزة فيه همزة قطع؛ أي: أكثروا وأشيعوا وأظهروا (السلام بينكم) أيها المؤمنون خاصة.
قال السندي: والمراد: نشر السلام بين الناس؛ ليحيوا سنته ﷺ ، قال النواوي: أقله أن يرفع صوته بحيث يسمع المسلم عليه، فإن لَمْ يسمعه .. لَمْ يكن آتيًا بالسنة، ذكره السيوطي في "حاشية أبي داوود" في شرح هذا اللفظ.
стр. 255
(٦٧) - ٦٧ - (١٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
===
قلت: ظاهره: أنه حمل الإفشاء على رفع الصوت به، والأقرب حمله على الإكثار، قال القرطبي: وإفشاء السلام إظهاره وإشاعته وإقراؤه على المعروف وغير المعروف، ومعنى "لا تؤمنوا حتى تحابوا" أي: لا يكمل إيمانكم ولا يكون حالكم حال من كمل إيمانه حتى تفشوا السلام الجالب للمحبة الدينية والألفة الشرعية، وقد بسطنا الكلام في "الكوكب" على هذا الحديث، فراجعه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الإيمان، والترمذي في كتاب الاستئذان، باب ما جاء في إفشاء السلام، وابن ماجة في كتاب الأدب، باب إفشاء السلام.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاسشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى عاشرًا لحديث أبي هريرة بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٦٧) - ٦٧ - (١٣) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا عفان) بن مسلم بن عبد الله الأنصاري أبو عثمان الصفار البصري، ثقة ثبت، من كبار العاشرة، مات بعد سنة تسع عشرة ومئتين بيسير. يروي عنه: (ع).
(حدثنا شعبة) بن الحجاج العتكي البصري.
стр. 256
عَنِ الْأَعْمَشِ ح وَحَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ،
===
(عن الأعمش) سليمان بن مهران الأعمش الكاهلي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا هشام بن عمار) بن نصير بن ميسرة بن أبان السلمي أبو الوليد الدمشقي خطيب المسجد الجامع بها، وثقه ابن معين والعجلي، وقال مرّة: صدوق ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
قال: (حدثنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي أبو عمرو الكوفي، ثقة ثبت، مأمون، من الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة، وقيل: سنة إحدى وتسعين (١٩١ هـ). يروي عنه: (ع).
قال: (حدثنا الأعمش) الكاهلي الكوفي.
(عن أبي وائل) شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي أحد سادة التابعين، ثقة مخضرم، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مئة سنة. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله) بن مسعود الهذلي الكوفي رضي الله تعالى عنه.
وهذان السندان: الأول منهما من سداسياته؛ رجاله أربعة منهم كوفيون، واثنان بصريان، والثاني منهما من خماسياته؛ رجاله أربعة منهم كوفيون، وواحد دمشقي، وحكمهما: الصحة.
(قال) عبد الله: (قال رسول الله ﷺ : سباب المسلم) -بكسر السين- أي: سب المسلم وشتمه؛ مثل: يا خائن، يا حمار، يا ثور، يا كلب، يا كبش، يا بطة .. (فسوق) أي: خروج عن الملة إن
стр. 257
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
استحله، وخروج عن حيز الاستقامة والعدل إلى حيز الجهالة والظلم إن لَمْ يستحل؛ أي: فلا إيمان للساب إن استحله، وإلا .. فلا، فيستحق التأديب بما يراه الإمام، كما قاله الإمام مالك، والسباب مصدر ساب من باب فاعل، يقال: سابه سبابًا ومسابة؛ كقاتله قتالا ومقاتلة، ثم يحتمل أنه بمعنى سب الثلاثي، والمفاعلة ليست على بابها، والإضافة حينئذ يصح أن تكون للفاعل؛ أي: سب المسلم المسلم، وأن تكون للمفعول؛ أي: سب الرجل المسلم، ويحتمل أنه على بابه من المفاعلة؛ أي: تشاتمهما فسق، وخروج عن العدل إلى الظلم، فيعارض حينئذ حديث: "المتسابان ما قالا .. فعلى الباديّ، ما لَمْ يتعد المظلوم" لأنه نص في أن إثم تشاتمهما إنما هو على البادئ فقط، ويجاب بأن حديث الباب محتمل للمعنيين السابقين، فيرد لذلك النص.
قال النواوي: والسب في اللغة: الشتم والتكلم في عرض الإنسان بما يعيبه، والمحكم فيما هو سب .. العرف، ومن قال لرجل: يا شارب الخمر، أو يا آكل الربا، أو يا خائن، أو يا حمار، أو يا ثور، أو يا كلب، أو يا خنزير، أو يا فاسق، أو يا فاجر، أو يا بن الفاجرة .. عزر، وإن قال: يا فاجرًا بفلانة .. حد، إلَّا أن يدعي مخرجًا؛ مثل أن يراه ناظرًا لها أو مقبِّلَا، فيحلف على أنه أراد ذلك، فيعزر، ويستثنى من السب ما كان للتأديب؛ كسب الولد أو الزوجة.
وقال القاضي: والفسوق لغة: الخروج، ومنه فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها، وشرعًا: الخروج عن حد العدل إلى الظلم، وعن الطاعة إلى الجهالة، ومعنى سباب المسلم فسوق: أي: خروج عن امتثال الشرع وواجبه، وسمي
стр. 258
وَقِتَالُهُ كفْرٌ".
===
الفاسق فاسقًا؛ لخروجه عن ميزان الشرع وانسلاخه عن أعمال البر، وقال القرطبي: ومعنى (سباب المسلم فسوق) أي: خروج عن الذي يجب عليه من احترام المسلم وحرمة عرضه وسبه. انتهى من "الكوكب الوهاج".
(وقتاله) أي: قتال المسلم لأجل إسلامه لا لنحو المال .. (كفر) أي: خروج عن الملة وانسلاخ عن حكم الإسلام والإيمان إن استحل ذلك، أو جحد لنعمة أخوة الإسلام التي جعلها الله سبحانه بينهم، أو كفر لنعمته وإحسانه؛ ككفران الزوج، أو من عمل أهل الكفر، أو يؤول به بشؤمه إلى الكفر إن لَمْ يستحل ذلك، فهو عاص لا يخرجه عن الملة، وقال القاضي: قوله: "وقتاله كفر" أي: قتاله من أجل إسلامه واستحلال ذلك منه .. كفر حقيقي، وقيل: المعنى قتاله من أعمال أهل الكفر، أو يكون كفر طاعة وكفر نعمة، وغمطهما حيث جعلهما الله مسلمين، وألف بين قلوبهما، ثم صار هو بعد يقاتله.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن أن يحبط عمله، وفي كتاب الأدب، وفي كتاب الفتن، ومسلم في كتاب الإيمان، باب قول النبي ﷺ : "سباب المسلم فسوق"، والترمذي في كتاب البر والصلة، والنسائي في كتاب التحريم، باب قتال المسلم.
فالحديث درجته: أنه في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى حادي عشره لحديث أبي هريرة بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 259
(٦٨) - ٦٨ - (١٤) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ،
===
(٦٨) - ٦٨ - (١٤) (حدثنا نصر بن علي) بن نصر بن علي بن صهبان -بضم المهملة وسكون الهاء- الأزدي أبو علي (الجهضمي) -بفتح الجيم وسكون الهاء وفتح الضاد المعجمة- نسبة إلى الجهاضمة؛ محلة معروفة في البصرة، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة مئتين وخمسين (٢٥٠ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
قال: (حدثنا أبو أحمد) الزبيري محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمر بن درهم الأسدي مولاهم الزبيري الكوفي. روى عن: أبي جعفر عيسى بن ماهان، وسفيان الثوري، ومسعر، ومالك بن مغول، ومالك بن أنس، وخلف، ويروي عنه: (ع)، وأحمد ابن حنبل، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وبندار، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعدة.
وقال العجلي: كوفي ثقة يتشيع، وقال ابن قانع: ثقة، وقال في "التقريب": ثقة ثبت، إلَّا أنه قد يخطئ في حديث الثوري، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع).
قال: (حدثنا أبو جعفر الرازي) التميمي مولاهم عيسى بن أبي عيسى ماهان، ويقال: عيسى بن أبي عيسى عبد الله بن ماهان مروزي الأصل، وقيل: كان أصله من البصرة، وكان متجره إلى الرَّي، فنُسب إليها. روى عن: الربيع بن أنس، وحميد الطويل، وعاصم بن أبي النجود، وغيرهم، ويروي عنه: (عم)، وشعبة، وأبو عوانة، وأبو أحمد الزبيري، وغيرهم.
قال أبو حاتم: ثقة صدوق صالح الحديث، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن سعد: كان ثقة، وقال ابن حبان: كان ينفرد عن المشاهير بالمناكير،
стр. 260
عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ فَارَقَ الدُّنْيَا عَلَى الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ وَحْدَهُ
===
لا يعجبني الاحتجاج بحديثه إلَّا فيما وافق الثقات، وقال الحاكم: ثقة، وقال ابن عبد البر: هو عندهم ثقة عالم بتفسير القرآن، وقال في "التقريب": صدوق سيئ الحفظ، من كبار السابعة، مات في حدود الستين والمئة (١٦٠ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن الربيع بن أنس) البكري، ويقال: الحنفي البصري، ثم الخراساني. روى عن: أنس بن مالك، وأبي العالية، والحسن البصري، ويروي عنه: (عم)، وأبو جعفر الرازي، والأعمش، وسليمان التيمي.
قال العجلي: بصري صدوق، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: الناس يتقون حديثه من رواية أبي جعفر عنه؛ لأن في أحاديثه عنه اضطرابًا كثيرًا، وقال في "التقريب": صدوق له أوهام رمي بالتشيع، من الخامسة، وذكر الذهبي أنه توفي سنة (١٣٩ هـ).
ورواه الحاكم من طريق أبي جعفر عن الربيع، وقال: صحيح الإسناد، قال السندي: والظاهر أن يقال: أبو جعفر ضعيف في الربيع، لا الربيع ضعيف إذا روى عنه أبو جعفر، فليتأمل. انتهى.
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته؛ رجاله ثلاثة منهم بصريون، وواحد رازي، وواحد كوفي، وحكمه: الحسن؛ لأنه إسناد مختلف فيه؛ لأن الاختلاف يرده من الصحة إلى الحسن ولا يوجب ضعفه، والله أعلم.
(قال) أنس: (قال رسول الله ﷺ : من) مات و (فارق الدنيا) حالة كونه (على الإخلاص) أي: على إخلاص عمله (لله وحده)
стр. 261
وَعِبَادَتِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ .. مَاتَ وَاللهُ عَنْهُ رَاضٍ"، قَالَ أَنَسٌ: وَهُوَ دِينُ اللهِ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَبَلَّغُوهُ عَنْ رَبِّهِمْ قَبْلَ هَرْجِ الْأَحَادِيثِ وَاخْتِلَافِ الْأَهْوَاءِ، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ
===
والإخلاص: تصفية العمل للخالق عن ملاحظة المخلوق بالشرك أو بالرياء أو بالسمعة، وقوله: (و) على (عبادته) لله سبحانه حالة كونه (لا شريك له) في عبادته .. عطف تفسير للإخلاص، (وإقام الصلاة) المكتوبة؛ أي: أدائها في أوقاتها بشرائطها وأركانها وآدابها، (و) على (إيتاء الزكاة) المفروضة في مصارفها .. (مات) موتةً إسلامية (والله عنه راض) أي: والحال أن الله سبحانه راض عن عمله وعبادته شاكر له عليه.
قال السندي: قوله: "وعبادته" أي: على توحيده، فهو كالتفسير للإخلاص، أو على طاعته مطلقًا، فذكر إقام الصلاة وإيتاء الزكاة بعدها تخصيص لأعظم العبادات، وعلى الثاني: قوله: "مات والله عنه راض" ظاهر، وعلى الأول: مبني على أن مثله يوفق لفعل الخيرات وترك المنكرات وللتوبة عند الموت.
(قال أنس) بالسند السابق: (وهو) أي: ما ذكر من الإخلاص وعبادته وحده وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة .. (دين الله) (الذي جاءت) وأرسلت (به الرسل، وبلغوه عن ربهم) إلى المكلفين من أممهم (قبل هرج) -بفتح الهاء وسكون الراء- أي: قبل كثرة (الأحاديث) والأقاويل واختلاطها بينهم، (و) قبل (اختلاف الأهواء) أي: اختلاف أهواء الأمم وخُرافاتهم في دينهم الذي جاءتهم به الرسل؛ كلّ فرقة يتخذ هواه دينًا فضلوا، وأضلوا عما جاءت به الرسل ﵈.
قال أنس: (وتصديق ذلك) الذي ذكرته من اختلاف أهوائهم واختلاط
стр. 262
فِي كِتَابِ اللهِ فِي آخِرِ مَا نَزَلَ يَقُولُ اللهُ: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ قَالَ: خَلْعُ الْأَوْثَانِ وَعِبَادَتِهَا ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾، وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾.
===
أقاويلهم في دينهم؛ أي: شاهده ومصداقه مذكور (في كتاب الله) العزيز وقرآنه الكريم، وقوله: (في آخر ما نزل) من القرآن وهو (سورة التوبة) لأنَّها آخر سورة نزلت .. جملة بدل من الجار والمجرور قبله، وقوله: (يقول الله) بيان لذلك المصداق؛ أي: يقول الله في: (﴿فَإِنْ تَابُوا﴾).
(قال) أنس: المراد بالتوبة المفهومة من تابوا (خلع) وترك اتخاذ (الأوثان و) ترك (عبادتها) (﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾) (١) (وقال) (في آية أخرى) يعني: قوله : (﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾) (٢)؛ مفهوم الآيتين: فإن تابوا عن شركهم وأهوائهم، وتركوا أساطيرهم الباطلة، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وامتثلوا كلّ المأمورات، واجتنبوا كلّ المنكرات .. فإخوانكم في الدين، فالله راض عنهم كما رضي عنكم.
وهذا الحديث مما انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه حسن؛ لأن في سنده راويًا مختلفًا فيه، فيرد الحديث من درجة الصحة إلى درجة الحسن، كما هو القاعدة عندهم، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أنس رضي الله تعالى عنه، فقال:
стр. 263
(٦٨) - ٦٨ - (م) حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى الْعَبْسِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ مِثْلَهُ.
===
(٦٨) - ٦٨ - (م) (حدثنا أبو حاتم) محمد بن إدريس بن المنذر بن داوود بن مهران الحنظلي، الحافظ الكبير أحد الأئمة الأثبات. روى عن: عبيد الله بن موسى، وعبد الله بن صالح العجلي، وأبي توبة الربيع بن نافع، وأبي اليمان، وابن أبي مريم، وغيرهم، ويروي عنه: (د س)، والبخاري في "الصحيح" في باب المحصر، ومحمد بن إسماعيل الجعفي، ويونس بن عبد الأعلى، وغيرهم.
قال الخطيب: كان أحد الأئمة الحفاظ الأثبات مشهورًا بالعلم مذكورًا بالفضل، وقال في "التقريب": هو أحد الحفاظ، من الحادية عشرة، مات سنة سبع وسبعين ومئتين (٢٧٧ هـ).
قال: (حدثنا عبيد الله بن موسى العبسي) - بالموحدة الساكنة - مولاهم أبو محمد الكوفي، الحافظ صاحب "المسند". روى عن: ابن جريجٍ، وهشام بن عروة، والثوري، وأبي جعفر الرازي، وخلق، ويروي عنه: (ع)، وأبو حاتم الرازي، وإسحاق الحنظلي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وخلق.
وثقه ابن معين والعجلي، وقال في "التقريب": ثقة، من التاسعة، كان يتشيع، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ).
قال: (حدثنا أبو جعفر) عيسى بن أبي عيسى (الرازي عن الربيع بن أنس مثله) مفعول به لما عمل في المتابع؛ وهو عبيد الله بن موسى؛ أي: حدثنا عبيد الله بن موسى عن أبي جعفر الرازي مثل ما روى أبو أحمد الزبيري عن أبي جعفر.
وغرضه بسوق هذا السند: بيان متابعة عبيد الله لأبي أحمد في رواية هذا الحديث عن أبي جعفر الرازي.
* * *
стр. 264
(٦٩) - ٦٩ - (١٥) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْأَزْهَرِ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
===
ثم استشهد المؤلف ثاني عشره لحديث أبي هريرة بحديث آخر له رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٦٩) - ٦٩ - (١٥) (حدثنا أحمد بن الأزهر) بن منيع بن سليط بن إبراهيم العبدي أبو الأزهر النيسابوري. روى عن: عبد الله بن نمير، ومحمد بن يوسف، وروح بن عبادة، وغيرهم، ويروي عنه: (س ق)، والبخاري، ومسلم خارج الصحيح، وأبو زرعة الرازي، وغيرهم.
قال صالح جزرة: صدوق، وقال النسائي والدارقطني: لا بأس به، وقال ابن شاهين ثقة نبيل، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ، وقال في "التقريب": صدوق كان يحفظ، ثم كبر فصار كتابه أثبت من حفظه، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث وستين ومئتين (٢٦٣ هـ).
قال: (حدثنا أبو النضر) هاشم بن القاسم بن مسلم الليثي البغدادي، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة سبع ومئتين (٢٠٧ هـ). روى عنه: (ع).
قال: (حدثنا أبو جعفر) الرازي عيسى بن أبي عيسى، صدوق سيِّئ الحفظ، من كبار السابعة، مات في حدود الستين والمئة. يروي عنه: (عم) مر قريبًا.
(عن يونس) ابن أبي إسحاق السبيعي أبو إسرائيل الكوفي، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئة (١٥٢ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن الحسن) بن أبي الحسن يسار البصري أبي سعيد الأنصاري مولاهم، أحد أئمة الهدى والسنة، قال في "التقريب": ثقة فقيه فاضل مشهور، وكان يرسل كثيرًا ويدلس، من الثالثة، مات سنة عشر ومئة (١١٠ هـ). يروي عنه: (ع). (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
стр. 265
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ".
(٧٠) - ٧٠ - (١٦) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْأَزْهَرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ،
===
وهذا السند من سداسياته؛ رجاله واحد منهم مدني، وواحد بصري، وواحد كوفي، وواحد رازي، وواحد بغدادي، وواحد نيسابوري، وحكمه: الصحة.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس) أي: أمرني ربي أن أجاهد الناس كافة لإعلاء كلمة التوحيد (حتى يشهدوا) ويقروا بألسنتهم ويذعنوا بقلوبهم (أن لا إله إلَّا الله، وأني رسول الله) إلى كافة الناس، (ويقيموا الصلاة) المكتوبة بأركانها وشرائطها، (ويؤتوا الزكاة) المفروضة إلى مصارفها المبينة في الكتاب العزيز.
قال السندي: قد جاءت الغاية مختلفة بالزيادة وبالنقصان، فينبغي أن يحمل على إظهار شعائر الإسلام، لا كمن حمل الحديث على أنه كان قبل شرع الجزية، أو على أن المراد بالناس: من لا يقبل منهم الجزية كمشركي العرب وعباد الأوثان.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالث عشره لحديث أبي هريرة بحديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٧٠) - ٧٠ - (١٦) (حدثنا أحمد بن الأزهر) بن منيع العبدي أبو الأزهر النيسابوري، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث وستين ومئتين (٢٦٣ هـ). يروي عنه: (س ق).
قال: (حدثنا محمد بن يوسف) بن واقد بن عثمان الضبي مولاهم
стр. 266
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَهْرَامَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ،
===
أبو عبد الله الفريابي: نسبة إلى فرياب؛ مدينة ببلاد الترك، أدرك الأعمش. روى عن: عبد الحميد بن بهرام، ويونس بن أبي إسحاق، وفطر بن خليفة، ويروي عنه: (ع)، وأحمد بن الأزهر، وإسحاق الكوسج، ثقة فاضل، من التاسعة، مات سنة اثنتي عشرة ومئتين (٢١٢ هـ).
(حدثنا عبد الحميد بن بهرام) الفزاري المدائني. روى عن: شهر بن حوشب، وعاصم الأحول.
قال ابن المديني: هو ثقة عندنا، وإنما كان يروي عن شهر من كتاب عنده، وقال أبو داوود: ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن عدي: هو في نفسه لا بأس به، وإنما عابوا عليه كثرة روايته عن شهر، وشهر ضعيف، وقال ابن شاهين في "الثقات": وقال أحمد بن صالح المصري: عبد الحميد بن بهرام ثقة يعجبني حديثه، أحاديثه عن شهر صحيحة، وقال الساجي: صدوق يهم، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يعتبر حديثه. انتهى "تهذيب"، وقال في "التقريب": صدوق، من السادسة. يروي عنه: (ت ق).
(عن شهر بن حوشب) الأشعري أبي سعيد الشامي مولى أسماء بنت يزيد بن السكن. روى عن: مولاته أسماء بنت يزيد، وأم سلمة زوج النبي ﷺ ، وأبي هريرة، وعائشة، وأم حبيبة، وبلال المؤذن، وغيرهم، ويروي عنه: (م عم)، وعبد الحميد بن بهرام، وقتادة، وليث بن أبي سليم، وعاصم بن بهدلة، والحكم بن عتيبة، وثابت البناني، وخلق.
وقال النضر عن ابن عون: إن شهرًا نزكوه؛ أي: طعنوه، وقال الترمذي: قال أحمد: لا بأس بحديث عبد الحميد بن بهرام عن شهر، وقال الترمذي عن البخاري: شهر حسن الحديث، وقوى أمره، وقال عباس الدوري عن ابن معين: ثبت، وقال
стр. 267
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ
===
العجلي: شامي تابعي ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة على أن بعضهم قد طعن فيه، وقال أبو جعفر الطبري: كان فقيهًا عالمًا قارئًا، وقال أبو بكر البزار: لا نعلم أحدًا ترك الرواية عنه غير شعبة، وقال الساجي: فيه ضعف، وليس بالحافظ، وكان يشهد عليه أنه رافق رجلًا من أهل الشام فخانه، وقال ابن عدي: شهر ليس بالقوي في الحديث ضعيف جدًّا، قال هذا في ترجمة عبد الحميد بن بهرام.
قلت: وبالجملة: فهو مختلف فيه، فحديثه حسن، وقال في "التقريب": صدوق كثير الإرسال والأوهام، من الثالثة، مات سنة اثنتي عشرة ومئة (١١٢ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن عبد الرَّحمن بن غنم) -بفتح الغين المعجمة وسكون النون - الأشعري الشامي مختلف في صحبته. روى عن: النبي ﷺ ، وعن عمر، وعثمان، وعلي، ومعاذ، وأبي ذر، وغيرهم، ويروي عنه: (عم)، وشهر بن حوشب، ومكحول الشامي، وعطية بن قيس، وغيرهم.
ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام، وقال: كان ثقة، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، مات سنة ثمان وسبعين (٧٨ هـ).
(عن معاذ بن جبل) بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي أبي عبد الرَّحمن المدني الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه، له مئة وسبعة وخمسون حديثًا، مات بالشام في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة (١٨ هـ)، وله ثلاث وثلاثون سنة. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته؛ رجاله اثنان منهم شاميان، وواحد مدني، وواحد مدائني، وواحد فريابي، وواحد نيسابوري، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه راويًا مختلفًا فيه؛ وهو شهر بن حوشب.
стр. 268
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ".
(٧١) - ٧١ - (١٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الرَّازِيُّ، أَنْبَأَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ،
===
(قال) معاذ: (قال رسول الله ﷺ : أمرت) أي: أمرني ربي (أن أقاتل) وأجاهد (الناس) الكفار (حتى يشهدوا أن لا إله إلَّا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة).
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه حسن، لأن في رجاله شهر بن حوشب، وهو مختلف فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة ثالثًا بحديث ابن عباس وجابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٧١) - ٧١ - (١٧) (حدثنا محمد بن إسماعيل) بن أبي ضرار الضرائري أبو صالح (الرازي). روى عن: يونس بن محمد المؤدب، ويعلى بن عبيد، وأبي نعيم، والفريابي، ويروي عنه: (ق)، وأبو حاتم وقال: صدوق، وأبو جعفر الطبري، وقال في "التقريب": صدوق، من الحادية عشرة.
قال: (أنبأنا يونس بن محمد) بن مسلم البغدادي أبو محمد المؤدب الحافظ.
وثقه ابن معين، ويعقوب بن شيبة، وقال في "التقريب": ثقة ثبت، من صغار التاسعة، مات سنة سبع ومئتين (٢٠٧ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 269
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ اللَّيْثِيُّ، حَدَّثَنَا نِزَارُ بْنُ حَيَّانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ
===
قال: (حدثنا عبد الله بن محمد الليثي). روى عن: نزار بن حيان، ويروي عنه: يونس بن محمد المؤدب، روى له ابن ماجة حديثًا واحدًا في أهل الإرجاء والقدر.
وقال في "التقريب": مجهول، من السابعة، ويروي عنه: (ق).
(حدثنا نزار بن حيان) بالتحتانية المشددة الأسدي مولى بن هاشم. روى عن: أبيه، وعكرمة، ويروي عنه: ابنه، وعبد الله بن محمد الليثي.
قلت: ذكره ابن حبان في "الضعفاء"، وقال: يأتي عن عكرمة بما ليس من حديثه، حتى يسبق إلى القلب أنه المعتمد، لذلك لا يجوز الاحتجاج به، وذكره ابن عدي في "الكامل" في ترجمة ابنه علي بن نزار، حديثه عن عكرمة عن ابن عباس في المرجئة والقدرية، ثم قال: هذا الحديث أحد ما أنكر على علي بن نزار وعلى والده. انتهى "تهذيب"، وقال في "التقريب": ضعيف، من السادسة، ويروي عنه: (ت ق). (عن عكرمة) بن عبد الله الهاشمي مولاهم؛ مولى ابن عباس، أبي عبد الله البربري المدني، كان أصله من البربر.
(عن) عبد الله (بن عباس) الهاشمي الطائفي رضي الله تعالى عنهما.
(وعن جابر بن عبد الله) ابن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي المدني رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته؛ رجاله اثنان منهم مدنيان، أو مدني وطائفي، وواحد أسدي، وواحد ليثي، وواحد بغدادي، وواحد رازي، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه راويين ضعيفين.
стр. 270
قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَيْسَ لَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ نَصِيبٌ: أَهْلُ الْإِرْجَاءِ وَأَهْلُ الْقَدَرِ".
(٧٢) - ٧٢ - (١٨) حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ الْبُخَارِيُّ سَعِيدُ بْنُ سَعْدٍ
===
(قالا) أي: قال ابن عباس وجابر: (قال رسول الله ﷺ : صنفان) أي: طائفتان (من أمتي) قد تقدم هذا الحديث قريبًا في رقم (٦٠) عن ابن عباس، (ليس لهما في) دين (الإسلام نصيب) أي: حظ: (أهل الإرجاء) وهم المرجئة الذين يزعمون أنه لا يضر مع الإسلام معصية كما لا تنفع الطاعة مع الكفر، (وأهل القدر) وهم الذين ينفون القدر.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه ضعيف (١١)(١١)؛ لضعف سنده، وغرضه بسوقه: الاستئناس به، والله أعلم.
* * *
ثم استأنس المؤلف رابعًا لحديث أبي هريرة بالأثر الموقوف على ابن عباس وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٧٢) - ٧٢ - (١٨) (حدثنا أبو عثمان البخاري سعيد بن سعد) بن أيوب بن سعيد نزيل الري. روى عن: الهيثم بن خارجة، والقعنبي، وأبي نعيم، وغيرهم. يروي عنه: (ق)، وابن أبي حاتم، وأبو الحسن القطان صاحب ابن ماجة، قال: وكان صدوقًا، وقال الحافظ الضياء: روى عنه ابن ماجة في الجزء الأول حديثين موقوفين، قال المزي: والصواب أنه من زيادات أبي الحسن القطان، ولكن وقع في بعض النسخ مدرجًا في الأصل كنسختنا هذه، ومن الدليل على أنه من زيادات القطان أنه لا ذكر له في رواية إبراهيم بن دينار عن ابن ماجة، فلما سقط من روايته .. دل على أنه من زيادات القطان. انتهى من "التهذيب"، وقال في "التقريب": صدوق، من الحادية
стр. 271
قَالَ: حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِي: ابْنَ عَيَّاشِ - عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مُجَاهِدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ،
===
عشرة، مات قبل أبي حاتم الرازي بأشهر. يروي عنه: (ق). قال أبو عثمان: قال: (حدثنا الهيثم بن خارجة) الخراساني أبو أحمد الحافظ المروزي نزيل بغداد. روى عن: إسماعيل بن عياش، ومالك، والليث، وغيرهم، ويروي عنه: (خ س ق)، وأحمد ابن حنبل، وابنه عبد الله بن أحمد، وخلق.
قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال السراج وابن أبي الحارث: رأينا الهيثم بن خارجة أبيض الرأس واللحية، وقال في "التقريب": صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة سبع وعشرين ومئتين (٢٢٧ هـ) ببغداد في آخر يوم من ذي الحجة، وقال ابن قانع: ثقة، وقال الخليلي: ثقة متفق عليه.
قال: (حدثنا إسماعيل؛ يعني) الهيثم بإسماعيل الذي أبهمه: إسماعيل (بن عياش) ابن سليم العنسي أبو عتبة الحمصي، صدوق في روايته عن أهل بلده، مُخلِّطٌ في روايته عن غيرهم، من الثامنة، مات سنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومئة. يروي عنه: (عم).
(عن عبد الوهاب بن مجاهد) بن جبر المكي، متروك، وكذبه الثوري، من السابعة. يروي عنه: (ق).
(عن مجاهد) بن جبر -بفتح الجيم وسكون الموحدة- المخزومي مولاهم أبي الحجاج المكي الإمام المقرئ المفسر.
وثقة ابن معين وأبو زرعة، وقال في "التقريب": ثقة إمام في التفسير وفي العلم، من الثالثة، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومئة، وله ثلاث وثمانون سنة. يروي عنه: (ع).
стр. 272
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ قَالَا: الْإِيمَانُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ.
(٧٣) - ٧٣ - (١٩) حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ الْبُخَارِيُّ، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ حَرِيزِ بْنِ عُثْمَانَ،
===
(عن أبي هريرة وابن عباس) رضي الله تعالى عنهم.
وهذا السند من سداسياته؛ رجاله اثنان منهم مكيان، وواحد طائفي أو مدني، وواحد شامي، وواحد مروزي، وواحد بخاري، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه راويًا متروكًا كذابًا، وهو عبد الوهاب بن مجاهد.
(قالا) أي: قال أبو هريرة وابن عباس: (الإيمان يزيد) بكثرة النظر ووضوح الأدلة وبكثرة الطاعات، (وينقص) بكثرة المعاصي والشهوات، ولذلك سمي أبو بكر ﵁ صديقًا؛ لأنه كان أقوى إيمانًا من غيره.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه ضعيف (١٢)(١٢)؛ لكونه موقوفًا، وغرضه: الاستئناس به، والله أعلم.
لكن الآثار بهذا عن السلف مستفيضة في كتب السنة، وقد روي مرفوعًا ولا يصح.
* * *
ثم استأنس المؤلف خامسًا لحديث أبي هريرة بأثر أبي الدرداء رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٧٣) - ٧٣ - (١٩) (حدثنا أبو عثمان البخاري، حدثنا الهيثم) بن خارجة المروزي.
(حدثنا إسماعيل) بن عياش الحمصي (عن حريز) بالحاء المهملة المفتوحة والراء المكسورة آخره زاي (ابن عثمان) الرحبي -بفتح الراء والحاء المهملة
стр. 273
عَنِ الْحَارِثِ - أَظُنُّهُ عَنْ مُجَاهِدٍ - عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ...........................
===
بعدها موحدة - الحمصي، ثقة ثبت رمي بالنصب، من الخامسة، مات سنة ثلاث وستين ومئة (١٦٣ هـ)، وله ثلاث وثمانون سنة. يروي عنه: (خ عم).
(عن الحارث) بن عبد الله الأعور الهمداني الخارفي - بكسر الراء - نسبة إلى خارف؛ بطن من همدان، أبي زهير الكوفي، وكان الحارث فقيهًا فرضيًا ويفضل عليًّا على أبي بكر متشيعًا غاليًا، والعلة عند من رده التشيع، مات في خلافة ابن الزبير. يروي عنه: (عم).
وقد وثقه ابن معين، والنسائي، وأحمد بن صالح، وابن أبي داوود، وغيرهم، وتكلم فيه الثوري، وابن المديني، وأبو زرعة، وابن عبدي، والدارقطني، وابن سعد، وأبو حاتم، وغيرهم، ومن جرحه إما لتشيعه، وإما لغير ذلك غير مفسر لجرحه، والصحيح عند أرباب الصناعة أن التشيع وحده ليس يجرح في الرواية، والمدار على الظن بصدق الراوي أو كذبه، والجرح الذي لَمْ يفسر لا يقبل، ولذا حمل قول من كذبه على الكذب في الرأي والعقيدة، ولذا قال الذهبي: والجمهور على توهينه مع رواياتهم لحديثه في الأبواب، قال: والظاهر أن الشعبي يكذبه في حكاياته لا في الحديث. انتهى "تقرير التقريب".
قال حريز بن عثمان: (أظنه) أي: أظن الحارث، روى:
(عن مجاهد) بن جبر التابعي، والشك من حريز.
(عن أبي الدرداء) عويمر بن زيد بن عبد الله بن قيس الأنصاري الخزرجي الدمشقي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، له مئة وتسعة وسبعون حديثًا؛ اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بثمانية، انتقل إلى الشام، ومات بها في آخر خلافة عثمان سنة اثنتين وثلاثين (٣٢ هـ)، وقيل: عاش بعد ذلك، وقبره بدمشق. يروي عنه: (ع).
стр. 274
قَالَ: الْإِيمَانُ يَزْدَادُ وَيَنْقُصُ.
===
وهذا السند من سباعياته؛ رجاله ثلاثة منهم شاميون، وواحد مكي، وواحد كوفي، وواحد مروزي، وواحد بخاري، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه الحارث الأعور.
(قال) أبو الدرداء: (الإيمان يزداد) بكثرة الطاعات، (وينقص) بكثرة المعاصي.
وهذا الأثر مما انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه ضعيف (١٣)(١٣)؛ لأنه موقوف كالذي قبله، وغرضه: الاستئناس به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: واحد وعشرون حديثًا:
الأول للاستدلال، واثنان للمتابعة، وخمسة منها للاستئناس، والباقي وهي ثلاثة عشر للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 275
(١٠) - (١٠) - بَابٌ: فِي الْقَدَرِ
(٧٤) - ٧٤ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ح وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ الرَّقِّيُّ،
===
(١٠) - (١٠) - (باب: في القدر)
والقدر -بفتحتين وهو المشهور، وقد يسكن الدال-: أن يعتقد أن كلّ ما يوجد في العالم حتى أفعال العبد بقضاء الله تعالى وتأثيره؛ أي: هذا باب معقود في ذكر الأحاديث الدالة على وجوب الإيمان بالقدر وإثباته.
* * *
(٧٤) - ٧٤ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق أبو الحسن الطنافسي -بفتح المهملة وتخفيف النون وبعد الألف فاء ثم مهملة- الكوفي، عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(ومحمد بن فضيل) بن غزوان الضبي الكوفي، صدوق، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(وأبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا علي بن ميمون الرقي) أبو الحسن العطار. روى عن: أبي معاوية، ومحمد بن عبيد، وابن عيينة، وغيرهم، ويروي عنه: (س ق)، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم.
стр. 276
حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ:
===
قال أبو حاتم: ثقة، وقال النسائي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: في "التقريب": ثقة، من العاشرة، مات سنة ست وأربعين ومئتين (٢٤٦ هـ). يروي عنه: (س ق).
قال: (حدثنا أبو معاوية، ومحمد بن عبيد) - مصغرًا بلا إضافة - ابن أبي أمية؛ اسمه عبد الرَّحمن الطنافسي، أبو عبد الله الكوفي الأحدب. روى عن: الأعمش، وهشام بن عروة، ويروي عنه: (ع)، وعلي بن ميمون، وإسحاق، وأحمد.
وثقه ابن معين، والنسائي، والدارقطني، وقال في "التقريب": ثقة يحفظ، من الحادية عشرة، مات سنة أربع ومئتين (٢٠٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن زيد بن وهب) الجهني أبي سليمان الكوفي، ثقة مخضرم، هاجر ومات النبي ﷺ وهو في الطريق.
وقال في "التقريب": ثقة جليل، ولم يصب من قال: في حديثه خلل، مات بعد الثمانين، وقيل: سنة ست وتسعين (٩٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(قال) زيد بن وهب: (قال عبد الله بن مسعود) الهذلي الكوفي رضي الله تعالى عنه.
وهذان السندان من خماسياته، ومن لطائفهما: أن رجالهما كلهم كوفيون إلَّا علي بن ميمون؛ فإنه رقي، وفيه رواية تابعي عن تابعي؛ الأعمش عن زيد، وحكمهما: الصحة.
стр. 277
حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ الصادِقُ الْمَصْدُوقُ: "إِنَّهُ يُجْمَعُ خَلْقُ أَحَدِكُمْ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا،
===
(حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق) فيما أخبر عن الله إلى الخلق (المصدوق) أي: المخبر عن الله بالحق الصدق، وعبارة السندي: (وهو الصادق) أي: الكامل في الصدق، أو الظاهر كونه صادقًا بشهادة المعجزات الباهرات، وليس المراد: أنه الصادق دون غيره، (المصدوق) أي: الذي جاءه الصدق من ربه، وليس بمعنى الذي بفتح الدال المشددة؛ أي: الذي صدقه المؤمنون وإن كان هو في الواقع موصوفًا بكونه مصدقًا أيضًا.
وعبارة القسطلاني هنا: وهو الصادق في قوله، المصدوق فيما وعده ربه تعالى، والأولى أن تجعل هذه الجملة اعتراضية لا حالية؛ لتعم الأحوال كلها، وأن يكون من عادته ودأبه ذلك، في أحسن موقعها. انتهى.
(إنه) بفتح الهمزة نظرًا للفظ حدثنا، وبكسرها نظرًا إلى أنه بمعنى قال لنا، وقال السندي: بكسر الهمزة على حكاية لفظه ﷺ ، أو بفتحها نظرًا للفظ حدثنا؛ أي: إن الشأن والحال (يجمع) بصيغة المجهول (خلق أحدكم) أي: مادة خلقه وأصله وهو الماء الدافق بعد جريانه في سائر بدنها حتى تحت الأظافير (في بطن أمه أربعين يومًا) أي: يضم بعضه إلى بعض بعد الانتشار، ليتخمر فيها حتى يتهيأ للخلق، وفي قوله: (خلقه) تعبير بالمصدر عن الجثة، وحُمِل على أنه بمعنى المفعول؛ كقولهم: هذا ضرب الأمير؛ أي: مضروبه.
وقال الخطابي: روي عن ابن مسعود في تفسيره أن النطفة إذا وقعت في الرحم، فأراد الله سبحانه أن يخلق منها بشرًا .. طارت في بشرة المرأة تحت كلّ ظفر وشعر، ثم يمكث أربعين ليلة، ثم تنزل دمًا في الرحم، فذلك جمعها، وهذا رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره".
стр. 278
ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ،
===
وقد رجح الطيبي هذا التفسير، فقال: والصحابة أعلم الناس بتفسير ما سمعوه وأحقهم بتأويله وأولاهم بالصدق فيما يتحدثون به وأكثرهم احتياطًا للتوقي عن خلافه، فليس لمن بعدهم أن يرد عليهم، قال في "الفتح": وقد وقع في حديث مالك بن الحويرث رفعه ما ظاهره يخالف ذلك، ولفظه: "إذا أراد الله خلق عبد إذا جامع الرجل المرأة .. طار ماؤه في كلّ عرق وعضو منها، فإذا كان يوم السابع .. جمعه الله، ثم أحضره كلّ عرق له دون آدم، ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ " (١) (ثم يكون) خلقه (علقة) أي: دمًا غليظًا جامدًا (مثل ذلك) أي: في قدر ذلك الزمان المذكور؛ يعني: أربعين ليلة.
وعبارة السندي: والمراد (ببطن أمه) رحمها؛ أي: يتم جمعه في الرحم في هذه المدة، وهذا يقتضي التفرق، وهو كما روي أن النطفة في الطور الأول تسري في جسد المرأة، ثم تجمع في الرحم، فتصير هناك علقة؛ أي: دمًا جامدًا يخلط تربة قبر المولود بها على ما قيل، (ثم يكون مضغة) أي: قطعة لحم قدر ما يمضغ (مثل ذلك) الزمان.
واختلف في أول ما يتشكل من الجنين: فقيل: قلبه؛ لأنه الأساس ومعدن الحركات الغريزية، وقيل: الدماغ؛ لأنه مجمع الحواس، ومنه تنبعث، وقيل: الكبد؛ لأن فيه النمو والاغتذاء الذي هو قوام البدن، ورجحه بعضهم بأنه مقتضى النظام الطبيعي؛ لأن النمو هو المطلوب أولًا، ولا حاجة له حينئذ إلى حس ولا حركة إرادية، وإنما يكون له قوة الحس والإرادة عند تعلق النفس به بتقديم الكبد ثم القلب ثم الدماغ.
стр. 279
ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ إِلَيْهِ الْمَلَكَ فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَيَقُولُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ وَأَجَلَهُ وَرِزْقَهُ، وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ،
===
(ثم يبعث الله) (إليه) أي: إلى مادة خلق أحدكم (الملك) الموكل بالرحم؛ لأن أل فيه للعهد الذهني في الطور الرابع حين تكامل بنيانه وتشكلت أعضاؤه؛ أي: يرسل الله الملك إليه بعد تمام خلقته وتشكله بشكل الآدمي في الطور الآخر؛ كما قال تعالى: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ (١)؛ أي: ينفخ الروح، ولعل الأطوار المذكورة في الحديث بعد الأربعين الثالث يحصل في مدة يسيرة؛ فلذا اعتبر البعث بعد الأربعين الثالث، وكذا اشتهر بين الناس في نفخ الروح عقب أربعة أشهر، ويحتمل أن يكون بعث الملك بأربع قبيل تمام الخلق.
(فيؤمر) الملك بالبناء للمفعول (بأربع كلمات) يكتبها كما قال: (فيقول) الله للملك: (اكتب عمله) حسنة أو سيئة (وأجله) طويلًا أو قصيرًا، والأجل المدة التي أجلها الله تعالى لعباده في دار الفناء (ورزقه) أي: غذاءه حلالًا أو حرامًا قليلًا أو كثيرًا، أو كلّ ما ساقه الله تعالى إليه لينتفع به كالعلم وغيره (وشقي أم سعيد) حسب ما اقتضته حكمته، ورفع (شقي) على أنه خبر لمبتدأ محذوف، وتاليه عطف عليه، وكان حق الكلام أن يقول: واكتب سعادته وشقاوته، فعدل عن ذلك حكاية لصورة ما يكتب؛ لأنه يكتب شقي أو سعيد، والظاهر: أن الكتابة هي الكتابة المعهودة في صحيفته، وقد جاء ذلك مصرحًا به في رواية لمسلم في حديث حذيفة بن أسيد: "ثم تطوى الصحيفة، فلا يزاد فيها ولا ينقص"، ووقع في حديث أبي ذر: "فيقضي الله ما هو قاض، فيكتب ما هو لاق بين عينيه".
стр. 280
فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا".
===
(فوالذي نفسي بيده) أتى بالقسم لتأكيد الكلام، (إن أحدكم) أيها الناس (ليعمل بعمل أهل الجَنَّة) طولَ حياته (حتى ما يكون بينه وبينها) أي: بين الجَنَّة (إلَّا ذراع)، وهذا كناية عن غاية القرب؛ أي: حتى ما يبقى بينه وبين أن يصل إلى الجَنَّة إلَّا كمن بقي بينه وبين موضع من الأرض إلَّا ذراع، فهو تمثيل بقرب حاله إلى الموت، وضابط ذلك بالغرغرة التي جعلت علامة لعدم قبول التوبة، (فيسبق عليه الكتاب) أي: المكتوب الذي كتبه الملك وهو في بطن أمه، والفاء للتعقيب الدال على حصول السبق بغير مهلة؛ أي: يغلب عليه الكتاب، (فيعمل) عند ذلك (بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها) أي: بين النار (إلَّا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجَنَّة فيدخلها) وفيه: أن مصير الأمور في العاقبة إلى ما سبق من القضاء وجرى به القدر، والحديث لا ينافي عموم المواعيد المذكورة في الآياتِ القرآنية والأحاديث المرفوعة، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (١) لأن المعتبر في كلها الموت على سلامة العاقبة وحسن الخاتمة، رزقنا الله تعالى إياها وجميع المسلمين بمنه وكرمه، آمين.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب القدر، وفي كتاب التوحيد، وفي كتاب بدء الخلق، وفي غيرها، ومسلم في كتاب القدر،
стр. 281
(٧٥) - ٧٥ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سِنَانٍ،
===
وأبو داوود؛ أخرجه في كتاب السنة، والترمذي؛ أخرجه في كتاب القدر.
ودرجته: أنه في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن مسعود بحديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٧٥) - ٧٥ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا إسحاق بن سليمان) الرازي - براء فزاي - منسوب إلى مدينة الري بزيادة زاي على خلاف القياس، كوفي الأصل أبو يحيى العبدي. روى عن: مالك، وابن أبي ذئب، وأفلح بن حميد، وغيرهم، ويروي عنه: (ع)، وأحمد بن حنبل، وقتيبة، وأبو خيثمة.
وثقه العجلي والنسائي وابن سعد، وقال في "التقريب": ثقة فاضل، من التاسعة، مات سنة مئتين (٢٠٠ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (ع).
(قال) إسحاق: (سمعت أبا سنان) الأصغر سعيد بن سنان الشيباني البرجمي -بضم الموحدة والجيم بينهما راء ساكنة - الكوفي نزيل قزوين.
وثقه ابن معين وأبو حاتم، وقال أحمد: ليس بالقوي في الحديث، وقال في "التقريب": صدوق له أوهام، من السادسة. يروي عنه: (م د ت س ق).
стр. 282
عَنْ وَهْبِ بْنِ خَالِدٍ الْحِمْصِيِّ، عَنِ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْقَدَرِ
===
(عن وهب بن خالد) الحميري أبو خالد (الحمصي). روى عن: ابن الديلمي، ويروي عنه: أبو سنان، وأبو عاصم النبيل.
قال الآجري عن أبي داوود: ثقة، لقبه أبو عاصم بمكة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجلي: وهب بن خالد حمصي ثقة، وقال في "التقريب": ثقة من السابعة. يروي عنه: (د ت ق).
(عن) عبد الله (بن) فيروز (الديلمي) أبي بشر الشامي أخي الضحاك بن فيروز، وكان يسكن بيت المقدس. روى عن: أبيه، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وغيرهم، ويروي عنه: (د س ق)، ووهب بن خالد الحمصي، وأبو إدريس الخولاني، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقة، وقال العجلي: شامي تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قلت: ذكره ابن قانع في "معجم الصحابة"، وأبو زرعة الدمشقي في تابعي أهل الشام، وأما ابن حبان .. فقال: هو عبد الله بن ديلم بن هوشَع الحميري عداده في أهل مصر، كذا قال، وقال في "التقريب": ثقة من كبار التابعين، ومنهم من ذكره في الصحابة.
(قال) ابن الديلمي: (وقع في نفسي) وقلبي (شيء من) الشبه في (هذا القدر) والإنكار به. انتهى من "البذل"، وعبارة السندي: قوله: (شيء من هذا القدر) أي: لأجل هذا القدر؛ أي: القول به؛ يريد: أنه وقع في نفسه من الشبه لأجل القول بالقدر، أو المراد بالقدر هو القول بنفي القدر الذي هو مذهب القدرية. انتهى.
стр. 283
خَشِيتُ أَنْ يُفْسِدَ عَلَيَّ دِينِي وَأَمْرِي، فَأَتَيْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقُلْتُ: أَبَا الْمُنْذِرِ؛ إِنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْقَدَرِ، فَخَشِيتُ عَلَى دِينِي وَأَمْرِي، فَحَدِّثْنِي مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَنْفَعَنِي بِهِ، فَقَالَ: لَوْ أَنَّ اللهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ .. لَعَذَّبَهُمْ
===
أي: وقع في نفسي شيء وشبهة من نفي هذا القدر الذي يجب الإيمان به
حتى (خشيت) وخفت (أن يفسد عليَّ) ذلك الشيء الواقع في قلبي (ديني) أي: عقيدتي الباطنة (وأمري) أي: أمر ديني الظاهر؛ لأنه إذا فسدت العقيدة .. فَسَدَت الأعمالُ الظاهرةُ، (فأتيتُ أُبيَّ بنَ كعب) بن قيس الأنصاريَّ الخزرجيَّ أبا المنذر المدنيَّ الفراءَ رضي الله تعالى عنه، له مئة وستة وأربعون حديثًا، مات سنة اثنتين وثلاثين (٣٢ هـ)، وقيل سنة تسع عشرة، وقيل غير ذلك، وقال بعضهم: صلى عليه عثمان، وكان نحيفًا أبيض الرأس واللحية لا يخضب. يروي عنه: (ع).
(فقلت) لأبي بن كعب: يا (أبا المنذر؛ إنه) أي: إن الشان والحال (قد وقع في نفسي شيء من) نفي (هذا القدر) الذي يجب الإيمان به، (فخشيت على) فساد (ديني) وعقيدتي (و) فساد (أمري) وعملي، (فحدثني) أي: أخبرني يا أبا المنذر (من ذلك بشيء) أي: مما يتعلق بمسألة القدر ثبوتًا؛ أي: أخبرني بشيء من الأدلة يدلُّ على ثبوت القدر، (لعل الله) سبحانه وتعاليّ، أي: عسى الله (أن ينفعني به) أي: بما تحدثني في ديني وأمري بإزالة الشبهة عن قلبي ودخول (أن) في خبر لعل للتشبيه، وفي رواية أبي داوود: (لعل الله أن يذهبه) أي: يزيل من قلبي.
(فقال) أبي بن كعب: (لو أن الله) (عذب أهل سماواته) من الملائكة (وأهل أرضه) من الجن والإنس .. (لـ) كان (عذبهم) بعدله،
стр. 284
وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ .. لَكَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَلَوْ كَانَ لَكَ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا أَوْ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ تُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللهِ .. مَا قُبِلَ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ،
===
(وهو) أي: والحال أنه (غير ظالم لهم) بتعذيبه إياهم؛ لأنه متصرف في ملكه، (ولو رحمهم) أي: جميعًا من المؤمنين والكفار .. (لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم)، قال الطيبي: هذا إرشاد عظيم وبيان شاف لإزالة ما طلب منه؛ لأنه هدم به قاعدة القول بالحسن والقبيح عقلًا، وبين أنه مالك الملك، فله أن يتصرف في ملكه كيف شاء، ولا يتصور في تصرفه ظلم؛ لأنه تصرف في ملك الغير، ولا ملك لغيره أصلًا، ثم بين بقوله: (ولو رحمهم ... ) إلى آخره: أن النجاة من العذاب برحمته لا بالأعمال، فالرحمة خير منها. انتهى منه.
(ولو كان لك مثل جبل أحد ذهبًا أو) قال أبي - والشك من ابن الديلمي -: ولو كان لك (مثل جبل أحد) مالًا بلا ذكر ذهبًا (تنفقه) أي: تصرفه ذلك المثل في سبيل الله) أي: في طاعة الله؛ يعني: سبيل الخير من الفقراء والمساكين مثلًا، والجملة الفعلية صفة للمثل .. (ما قبل منك) بالبناء للمفعول؛ أي: ما قبل الله منك ذلك المثل الذي أنفقته في سبيل الله (حتى تؤمن بالقدر) أي: بتقدير الله للكائنات أزلًا لا يتم إيمانك إلَّا بالإيمان به، فإذا لَمْ يتم إيمانك .. فلا يقبل منك جميع عملك ماليًا كان أوغيره.
قال السندي: وهذا يشير إلى أنه لا قبول للمبتدع عند الله تعالى، أو هو مبني على القول بكفر منكره. انتهى.
وفي رواية أبي داوود: (ولو أنفقت مثل أحد ذهبًا في سبيل الله تعالى .. ما قبل الله منك حتى تؤمن بالقدر).
стр. 285
فَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ .. لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ .. لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وإنَّكَ إِنْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا دَخَلْتَ النَّارَ، وَلَا عَلَيْكَ أَنْ تَأْتِيَ أَخِي عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَتَسْأَلَهُ، فَأَتَيْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَسَأَلْتُهُ، فَذَكَرَ مِثْلَ مَا قَالَ أُبَيٌّ وَقَالَ لِي:
===
(فتعلم أن ما أصابك) أي: أن ما قدر أزلًا إصابته إياك .. (لَمْ يكن) ذلك المقدر عليك (ليخطئك) ويجاوزك ويعدوك فيما لا يزال لا محالة، واللام في (ليخطئك) لام الجحود مكسورة؛ لوقوعها بعد (يكن) المنفي بلم؛ كما قال بعضهم في ضابطها:
وكل لام قبلها ما كانا ... أو لم يكن فللجحود بانا
(وما أخطأك) معطوف على اسم أنَّ؛ أي: وحتى تعلم أن ما قُدِّر خطؤه إياك أزلًا ومجاوزته لك .. (لَمْ يكن ليصيبك) في الدنيا؛ أي: ليحصل لك أو عليك خيرًا كان أو شرًّا، (وإنك) - بكسر الهمزة على الاستئناف وبفتحها عطفًا على أنَّ الأولى - أي: وإنك (إن مت على غير هذا) الاعتقاد الذي هو الإيمان بالقدر .. (دخلت النار) دخولًا مؤبدًا؛ لعدم كمال إيمانك وحصوله، ورواية أبي داوود: (ولو مت على غير هذا .. لدخلت النار).
و(لا) في قوله: (وَلَا عليك) زائدة لتأكيد الكلام، أو داخلة على محذوف؛ أي: ولا تمهل، وعليك اسم فعل أمر بمعنى الزم، أو خبر مقدم للمصدر المنسبك من قوله: (أن تأتي أخي عبد الله بن مسعود) أي: وعليك الإتيانُ بأخي عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه (فتسأله) أي: فسؤاله عن هذه المسألة، ولا تهمل الإتيان إليه فتسأله، بالنصب معطوف على (تأتي).
قال ابن الديلمي: (فأتيت عبد الله بن مسعود، فسألته) عن القدر، (فذكر) لي عبد الله (مثل ما قال) لي (أبيٌّ) في جواب سؤالي، (وقال لي) عبد الله