← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148095

شرح سنن ابن ماجه للهرري = مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه

محمد الأمين الهرري

Полный текст (12 442 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

(٥٦) - ٥٦ - (٢) حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْل وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، === والنحو في قوله: (نحوه) عبارة عن الحديث اللاحق الموافق للسابق في بعض ألفاظه ومعناه، كما بسطنا الكلام عليه وعلى نظائره في "الكوكب الوهاج على مسلم بن الحجاج". * * * ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث عبد الله بن عمر ﵁ تعالى عنهم، فقال: (٥٦) - ٥٦ - (٢) (حدثنا سهل بن) زنجلة -بفتح فسكون ففتح- المكني بـ (أبي سهل) بن أبي الصُّغْدِي -بضم فسكون- نسبة إلى الصُّغْدِ؛ موضع بسمرقند، ويقال: بالسين بدل الصاد، أبو عمرو الرازي الخياط الأمير الحافظ، صدوق، من العاشرة، مات في حدود الأربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (ق). (ومحمد بن عبد الله بن يزيد) القرشي العدوي مولى آل عمر، أبو يحيى المقرئ المكي. روى عن: أبيه، وابن عيينة. قال أبو حاتم: صدوق ثقة، وقال النسائي: ثقة، وقال الخليلي: ثقة متفق عليه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": ثقة، من العاشرة، مات سنة ست وخمسين ومئتين (٢٥٦ هـ). يروي عنه: (س ق). (قالا: حدثنا سفيان) بن عيينة الهلالي أبو محمد الأعور الكوفي، ثقة ثبت، من الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع). (عن الزهري) محمد بن مسلم المدني. (عن سالم) بن عبد الله بن عمر العدوي المدني.

стр. 212

عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ فَقَالَ: "إِنَّ الْحَيَاءَ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ". (٥٧) - ٥٧ - (٣) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، === (عن أبيه) عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي المكي ﵄. وهذا السند من خماسياته؛ رجاله ثلاثة منهم مكيون، واثنان مدنيان، أو مكيان ومدنيان ورازي، وحكمه: الصحة. (قال) عبد الله بن عمر: (سمع النبي ﷺ رجلًا يعظ أخاه في) شأن (الحياء) أي: عاتب عليه في شأنه ويحثه على تركه، (فقال) النبي ﷺ للرجل الواعظ: دعه واتركه على حيائه؛ فـ (إن الحياء شعبة) عظيمة كائنة (من) بعض شعب (الإيمان)، فلا تمنعه منه. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الإيمان، باب (١٣)، الحديث (١٥٣)، والترمذي في كتاب الإيمان، باب ما جاء إن الحياء من الإيمان، الحديث (٢٦١٥). ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به، كما مر آنفًا، والله أعلم. * * * ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما، فقال: (٥٧) - ٥٧ - (٣) (حدثنا سويد بن سعيد) الهروي، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م ق). قال: (حدثنا علي بن مسهر) القرشي أبو الحسن الكوفي قاضي الموصل، ثقة، من الثامنة، مات سنة تسع وثمانين ومئة (١٨٩ هـ). يروي عنه: (ع).

стр. 213

عَنِ الْأَعْمَشِ ح وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ === (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي أبي محمد الكوفي، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع). (ح وحدثنا علي بن ميمون الرقي) أبو الحسن العطار، ثقة، من العاشرة، مات سنة ست وأربعين ومئتين (٢٤٦ هـ). يروي عنه: (س ق). (حدثنا سعيد بن مسلمة) بن هشام بن عبد الملك بن مروان الأموي نزيل الجزيرة. قال الدارقطني: ضعيف يعتبر به، وقال ابن حبان في "الثقات": يخطئ، قلت: وذكره في "الضعفاء " فقال: فاحش الخطأ منكر الحديث جدًّا، وقال الساجي: صدوق منكر الحديث، وقال في "التقريب": ضعيف، من الثامنة، مات بعد التسعين والمئة. يروي عنه: (ت ق)، ولكن ذكره على سبيل المقارنة، فلا يقدح في السند. (عن الأعمش عن إبراهيم) بن يزيد النخعي أبي عمران الكوفي، ثقة إلا أنه يرسل كثيرًا، من الخامسة، مات سنة ست وتسعين (٩٦ هـ). يروي عنه: (ع). (عن علقمة) بن قيس بن عبد الله بن علقمة النخعي أبي شبل الكوفي، ثقة مخضرم، من الثانية، مات بعد الستين، وقيل بعد السبعين، قيل: عن تسعين سنة. يروي عنه: (ع). (عن عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه. وهذان السندان من سداسياته؛ رجال الأول منهما: كلهم كوفيون، إلا سويد بن سعيد؛ فإنه هروي، والثاني منهما: أربعة منهم كوفيون، وواحد جزري، وواحد رقي، وحكمهما: الصحة.

стр. 214

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ، وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ". === (قال) عبد الله: (قال رسول الله ﷺ : لا يدخل الجنة) دخولًا أوليًا حتى يعذب على كبره إن لم يعف الله عنه إن لم يستحله، وإلا .. فلا يدخل أصلًا؛ لأنه خرج عن الملة باستحلاله (من كان في قلبه مثقال ذرة) أي: وزن نملة صغيرة (من خردل) والذرة -بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء-: واحدة الذر؛ وهو النمل الأحمر الصغير، وسئل ثعلبة عنها، فقال: إن مئة نملة وزن حبة من خردل، وقيل: الذرة لا وزن لها، ويراد بها ما يرى في شعاع الشمس الداخل في الكوة النافذة، ذكره السيوطي. وفي بعض النسخ: (مثال حبة من خردل) وهو الصواب؛ لأن الذرة لا تكون من خردل، وهو المحفوظ في رواية غيره، وفي رواية مسلم: (مثال ذرة من كبر)، بإسقاط خردل، والخردل: حب معروف من الأبازير. وقوله: (من كبر) تمييز ذات لمثقال، والكبر -بكسر الكاف وسكون الباء-: دفع الحق وإنكاره ترفعًا عنه مع علمه، قال السندي: ظاهره يوافق قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ (١) ولعل المراد: لا يدخل الجنة أولًا، وقيل: المراد بالكبر: الترفع والإباء عن قبول الحق والإيمان، فيكون كفرًا، فلذلك قوبل بالإيمان المذكور في قوله: (ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان) والمراد: أنه لا يخلَّد في النار ومآله إلى الجنة، وقيل: المراد بالحديث أن من يدخل الجنة يخرج

стр. 215

(٥٨) - ٥٨ - (٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، === من قلبه الكبر حينئذ؛ كقوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ (١) وقيل: يحتمل أنه مبالغة في التثبيت على الإيمان والتشديد على الكبر. انتهى. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الإيمان، باب (٣٩)، الحديث (١٤٨)، والترمذي في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الكبر، الحديث (١٩٩٨)، وأخرجه ابن ماجه أيضًا في كتاب الزهد، باب البراءة من الكبر والتواضع، الحديث (٤١١٦). ودرجته: أنه صحيح، لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به، والله سبحانه وتعالن أعلم. * * * ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي هريرة بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما، فقال: (٥٨) - ٥٨ - (٤) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد الذهلي النيسابوري. قال النسائي: ثقة ثبت أحد الأئمة في الحديث، وقال ابن خزيمة: محمد بن يحيى الذهلي إمام أهل عصره بلا مدافعة، وقال الخطيب: كان أحد الأئمة العارفين والحفاظ المتقنين والثقات المأمونين، وقال في "التقريب": ثقة حافظ، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ) على الصحيح، وله ست وثمانون سنة. يروي عنه: (خ عم). قال: (حدثنا عبد الرزاق) بن همام الحميري مولاهم أبو بكر الصنعاني، ثقة حافظ، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومئتين (٢١١ هـ). يروي عنه: (ع).

стр. 216

أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا خَلَّصَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ النَّارِ وَأَمِنُوا .. فَمَا مُجَادَلَةُ أَحَدِكُمْ لِصَاحِبِهِ فِي الْحَقِّ يَكُونُ لَهُ === قال: (أنبأنا) أي: أخبرنا (معمر) بن راشد الأزدي مولاهم أبو عروة البصري، ثقة ثبت فاضل، من كبار السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع). (عن زيد بن أسلم) العدوي مولاهم مولى عمر بن الخطاب أبي عبد الله المدني، ثقة عالم فقيه وكان يرسل، من الثالثة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ). يروي عنه: (ع). (عن عطاء بن يسار) الهلالي مولاهم مولى مميونة أم المؤمنين ﵂ أبي محمد المدني، ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة، من صغار الثانية، مات سنة أربع وتسعين، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع). (عن أبي سعيد) سعد بن مالك الأنصاري (الخدري) المدني رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من سداسياته؛ رجاله ثلاثة منهم مدنيون، وواحد بصري، وواحد صنعاني، وواحد نيسابوري، وحكمه: الصحة. (قال) أبو سعيد: (قال رسول الله ﷺ : إذا خَلَّص الله) من التخليص (المؤمنين من النار) ونجاهم منها (وأمنوا) من الأمن ضد الخوف؛ أي: حصل لهم الأمن من دخول النار .. (فما) الفاء رابطة لجواب (إذا)، و (ما) حجازية، وقوله: (مجادلة أحدكم) ومخاصمته ومطالبته (لصاحبه) وغريمه الذي عليه حقه .. اسمها، وقوله: (في الحق) متعلق بالمجادلة، وجملة (يكون له) عليه صفة للحق؛ لأن أل فيه جنسية لا تفيد التعريف، فيصح وصفه

стр. 217

فِي الدُّنْيَا أَشَدَّ مُجَادَلَةً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ فِي إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ أُدْخِلُوا النَّارَ، قَالَ: يَقُولُونَ: === بالجملة، نظير قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ (١)، وقول الشاعر: ولقد أَمُرُّ على اللئيم يَسُبُّنِي ... فمضَيتُ ثمَّتَ قلتُ لا يَعْنِينِي فصح وصف الحمار بجملة يحمل، ووصف اللئيم بجملة يسبني؛ لكون أل فيهما جنسية لا تفيد التعريف، فلا يكون خرقًا لقاعدتهم: إن الجمل بعد المعارف تكون أحوالًا، وبعد النكرات صفات. وقوله: (في الدنيا) متعلق بمجادلة (أشد) بالنصب خبر (ما) الحجازية، وقوله: (مجادلة) بالنصب على التمييز، وفيه مبالغة حيث جعل المجادلة ذاتًا، فوصفت بكونها أشد ولا يمكن جر مجادلة بإضافة أشد إليها؛ لأن التنكير يأباهُ، ولأنه يلزم الجمع بين الإضافة ومِن، والقاعدة أن اسم التفضيل يستعمل بإحداهما واللام لا بهما. انتهى "سندي". وقوله: (من المؤمنين) متعلق بأشد، والجاران في قوله: (من المؤمنين لربهم) يتعلقان بالمجادلة المقدرة، وكذا الجار في قوله: (في إخوانهم) أي: من مجادلة المؤمنين في شأن إخوانهم أو لأجل إخوانهم، والمعني: إذا خلص الله المؤمنين ونجاهم من النار وأمنوا على أنفسهم من دخولها .. فليست مطالبة أحدكم في الدنيا لغريمه الذي عليه حقه بالحق الذي كان له عليه .. أشد مطالبة من مطالبة المؤمنين لربهم وسؤالهم إياه يوم القيامة في شؤون إخوانهم (الذين أدخلوا النار) بالبناء للمفعول وإخراجهم منها. (قال) رسول الله ﷺ (يقولون) أي: يقول المؤمنون الذين

стр. 218

رَبَّنَا؛ إِخْوَانُنَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا وَيَصُومُونَ مَعَنَا وَيَحُجُّونَ مَعَنَا فَأَدْخَلْتَهُمُ النَّارَ فَيَقُولُ: اذْهَبُوا فَأَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ مِنْهُمْ، فَيَأْتُونَهُمْ فَيَعْرِفُونَهُمْ بِصُوَرِهِمْ لَا تَأْكُلُ النَّارُ صُوَرَهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ النَّارُ إِلَي أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ إِلَى كَعْبَيْهِ، فَيُخْرِجُونَهُمْ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا؛ أَخْرَجْنَا مَنْ قَدْ أَمَرْتَنَا، === نجاهم الله من النار في طلباتهم وشفاعاتهم لإخوانهم الذين في النار: يا (ربنا؛ إخواننا) الذين أدخلتهم النار (كانوا) في الدنيا (يصلون معنا، ويصومون معنا، ويحجون معنا، فـ) مع ذلك (أدخلتهم النار) لحكمة لا نعلمها وأنت تعلمها، فأخرجهم لنا من النار، (فيقول) الله ﷻ وعم نواله لأولئك المجادلين: (اذهبوا) إلى النار (فأخرجوا) منها (من عرفتم منهم) أي: من أهل النار. (فيأتونهم) أي: فيأتي الشافعون أهل النار (فيعرفونهم) أي: فيعرفون إخوانهم الذين جادلوا في حقهم (بصورهم) أي: بألوانهم التي في وجوههم؛ فإن الوجه لا يتغير بالنار لأن النار لا تأكل أعضاء السجود، كما ورد في الخبر الصحيح، وفي "الكفاية": قوله: (بصورهم) أي: بوجوههم وهيئاتهم، وفي المخطوط (بصورتهم) بدل (بصورهم)، فانظر كيف يكون هذا الإخراج لمن لم يكن في قلوبهم محبة له في الدنيا، فلعل من لا يتحابون لا يشفعون هذه الشفاعة، أو أن الله تعالى يدخل المحبة في قلوبهم في تلك الحالة؛ أي: يعرفونهم بصورهم وألوانهم التي لهم في الدنيا؛ لأنه (لا تأكل النار) ولا تغير (صورهم) التي في أعضاء السجود. (فمنهم) أي: فمن إخوانهم الذين يريدون إخراجهم (من أخذته) وأحرقته (النار إلى أنصاف ساقيه) جمع النصف فرارًا من كراهة إضافة المثنى إلى مثله؛ أي: إلى أوساط ساقيه، أو جمعه نظرًا إلى كثرة أفرادهم، (ومنهم من أخذته إلى كعبيه، فيخرجونهم فيقولون): يا (ربنا؛ أخرجنا من قد أمرتنا)

стр. 219

ثُمَّ يَقُولُ: أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ دِينَارٍ مِنَ الْإِيمَانِ، ثُمَّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ نِصْفِ دِينَارٍ، ثُمَّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ"، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْ هَذَا فَلْيَقْرَأْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. === بإخراجهم ممن نعرفهم، (ثم يقول) لهم : (أخرجوا) منها (من كان في قلبه وزن دينار من الإيمان)، فيخرجونهم فيقولون: ربنا؛ أخرجنا من قد أمرتنا بإخراجهم، (ثم) يقول لهمْ أخرجوا (من كان في قلبه وزن نصف دينار) فيخرجونهم، فيقولون: ربنا؛ أخرجنا من أمرتنا بإخراجهم. (ثم) يقول لهم: أخرجوا (من كان في قلبه مثقال حبة من خردل، قال أبو سعيد) الخدري: (فمن لم يصدق هذا) الحديث .. (فليقرأ) استشهادًا لهذا الحديث قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ﴾ أي: لا ينقص من جزاء الحسنة ولا يزيد على جزاء السيئة ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ﴾ فعلة العبد (﴿حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾)، ويزيد عليها في جزائها أضعافًا وأمثالًا كثيرة من عشرة إلى سبع مئة فما فوقها، (﴿وَيُؤْتِ﴾) فضلًا (﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾) أي: من عنده (﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾) (١) من غير جزاء الحسنة وأمثالها ما يشاء لمن شاء، والله أعلم بمعنى كلامه وكلام رسوله ﷺ . وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: النسائي في كتاب الإيمان (١٨)، باب زيادة الإيمان، الحديث (٥٠٢٥) عن أبي سعيد الخدري، وأحمد في "مسنده" (٤/ ١١٨٩٨) من مسند أبي سعيد الخدري. ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به. * * *

стр. 220

(٥٩) - ٥٩ - (٥) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ نَجِيحٍ -وَكَانَ ثِقَةً- عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، === ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث أبي هريرة بحديث جندب بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، فقال: (٥٩) - ٥٩ - (٥) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الدمشقي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق). (حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي أبو سفيان الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع). قال: (حدثنا حماد بن نجيح) -بفتح النون وكسر الجيم آخره حاء مهملة- الإسكاف السدوسي -بفتح السين وضم الدال المهملتين- نسبة إلى سدوس بن ذهل، أبو عبد الله البصري. روى عن: أبي رجاء العطاردي: وأبي عمران الجوني، ويروي عنه: وكيع، له عند البخاري تعليقًا، وعند النسائي حديث واحد في أكثر أهل الجنة والنار، وعند ابن ماجه حديث آخر في تعلم الإيمان قبل القرآن. قال أحمد: ثقة مقارب الحديث، وقال أبو حاتم: لا بأس به ثقة، وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وقال علي بن محمد الطنافسي: (حدثنا وكيع حدثنا حماد بن نجيح) ثم قال وكيع: (وكان) حماد بن نجيح (ثقة)، وجملة (وكان) في كلام المصنف من مقول وكيع، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": صدوق، من السادسة. يروي عنه: (س ق). (عن أبي عمران) عبد الملك بن حبيب (الجوني) -بفتح الجيم- نسبة إلى جون؛ بطن من الأزد، وهو الجون بن عوف البصري، ثقة، من كبار الرابعة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).

стр. 221

عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ فِتْيَانٌ حَزَاوِرَةٌ، فَتَعَلَّمْنَا الْإِيمَانَ قَبْلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ، ثُمَّ تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ فَازْدَدْنَا بِهِ إِيمَانًا. === (عن جندب بن عبد الله) بن سفيان البجلي أبي عبد الله البصري رضي الله تعالى عنه، سكن الكوفة ثم البصرة له صحبة، مات بعد الستين، له ثلاثة وأربعون حديثًا؛ اتفقا على سبعة، وانفرد مسلم بخمسة. وهذا السند من خماسياته؛ رجاله ثلاثة منهم بصريون، وواحد دمشقي، وواحد كوفي، وحكمه: الصحة. (قال) جندب: (كنا مع النبي ﷺ ونحن فتيان) -بكسر الفاء- جمع فتىً، وهو الرجل الشاب؛ أي: والحال أنا كنا غلمانًا أيفاعًا ونحن (حزاورة) جمع حَزْوَر -بفتح الحاء المهملة وسكون زاي معجمة وفتح واو ثم راء- ويقال: الحزوَّر -بتشديد الواو-: هو الغلام إذا اشتد وقوي وحزم، كذا في "الصحاح"، وفي "النهاية": الحزوَّر -بتشديد الواو-: هو الغلام الذي قارب البلوغ، وفي الكفاية: الحزاورة جمع حزور بتشديد الواو، والفتى الحزوَّر: هو الغلام إذا شب وقوي، ويطلق إجمالًا على الفتى إذا قارب الحلم فكاد يدركه أو جاوزه بقليل، والحزور من الأضداد؛ فهو القوي إذا وصفت به شابًا، والضعيف إذا وصفت به كبيرًا. (فتعلمنا الإيمان) أي: أركانه (قبل أن نتعلم القرآن ثم تعلمنا القرآن، فازددنا به) أي: بسبب القرآن (إيمانًا) أي: يقينًا. وفي "الزوائد": إسناد هذا الحديث صحيح رجاله ثقات. وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به. * * *

стр. 222

(٦٠) - ٦٠ - (٦) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ نِزَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، === ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث ابن عباس ﵄، فقال: (٦٠) - ٦٥ - (٦) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الدمشقي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق). قال: (حدثنا محمد بن فضيل) بن غزوان الضبي أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع). قال: (حدثنا علي بن نزار) -بكسر النون وبزاي وراء- ابن حيان -بمهملة مفتوحة وتحتانية مشددة- الأسدي مولاهم الكوفي. روى عن: أبيه، وزياد بن أبي زياد، وعكرمة مولى ابن عباس، ويروي عنه: (ت ق)، ومحمد بن فضيل، ومحمد بن بشر العبدي، وغيرهم. قال الدوري عن ابن معين: ليس حديثه بشيء، وكذا قال ابن عدي: قال الأزدي: ضعيف جدا، روى له الترمذي وابن ماجه حديثًا واحدًا في ذم المرجئة والقدرية، وذكره يعقوب بن سفيان في باب من يرغب عن الرواية عنهم، وسمعت أصحابنا يضعفونه، وقال في "التقريب": ضعيف، من السادسة (ت ق). (عن أبيه) نزار بن حيان الأسدي مولى بني هاشم الكوفي. روى عن: أبيه، وعكرمة، ويروي عنه: (ت ق)، وابنه على، وعبد الله بن محمد الليثي، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وغيرهم. ذكره ابن حبان في "الضعفاء"، وقال: يأتي عن عكرمة بما ليس من حديثه حتى يسبق إلى القلب أنه المتعمد، لذلك لا يجوز الاحتجاج به، وذكر ابن عدي في "الكامل" في ترجمة ابنه علي بن نزار حديثه عن عكرمة عن ابن عباس في المرجئة والقدرية، ثم قال: هذا الحديث أحد ما أنكر على علي بن نزار وعلى

стр. 223

عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "صِنْفَانِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ لَيْسَ لَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ نَصِيبٌ: === والده. انتهى "تهذيب"، وقال في "التقريب": ضعيف، من السادسة. (عن عكرمة) بن عبد الله مولى ابن عباس، أصله بربري، أبو عبد الله المدني، ثقة ثبت عالم بالتفسير، لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا يثبت عنه بدعة، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع). (عن) عبد الله (بن عباس) رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من سداسياته؛ رجاله ثلاثة منهم كوفيون، وواحد مدني، وواحد شامي، وواحد طائفي، وحكمه: الضعف؛ لأن علي بن نزار وأباه متفقون على ضعفهما. (قال) ابن عباس: (قال رسول الله ﷺ صنفان) أي: طائفتان (من هذه الأمة) المحمدية، والصنف: النوع، وصنفان مبتدأ، سوغ الابتداء بالنكرة وصفه بما بعده، و (من هذه الأمة) صفة للمبتدأ، وجملة قوله: (ليس لهما في الإسلام) أي: في خصال الإسلام، أو في ثمراته (نصيب) أي: حظ خبر المبتدأ، وربما يستمسك بهذا الحديث من يكفر الفريقين. قال التوربشتي: والصواب ألا يسارع إلى تكفير أهل القبلة المتأولين؛ لأنهم لا يقصدون بذلك اختيار الكفر، وقد بذلوا وسعهم في إصابة الحق، فلم يحصل لهم غير ما زعموا، فهم إذًا بمنزلة الجاهل والمجتهد المخطئ، وهذا القول هو الذي يذهب إليه المحققون من علماء الأمة نظرًا واحتياطًا، فيجري قوله: "ليس لهما في الإسلام نصيب" مجرى الإشاعة في بيان سوء حظهم وقلة نصيبهم من الإسلام؛ نحو قولك: ليس للبخيل من ماله نصيب. انتهى. قلت: في صلاحية هذا الحديث للاستدلال به في الفروع .. نظر، كما

стр. 224

الْمُرْجِئَةُ وَالْقَدَرِيَّةُ". === ستعرف من مباحث درجته فضلًا عن الأصول، والمطلوب فيها القطع، فكيف يصح التمسك به في التكفير. وقوله: (المرجئة والقدرية) خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هما المرجئة والقدرية، وجعله بدلًا من صنفان يؤدي إلى الفصل بأجنبي بين التابع والمتبوع، ويجوز الجر على أنه بدل من ضمير (لهما) عند من يجوز البدل من الرابط، والنصب بتقدير أعني مشهور في مثله بين الطلبة، والمرجئة: هم الذين أرجؤوا الأعمال والفرائض، فقالوا: لا يضر مع الإسلام معصية، ولا ينفع مع الكفر طاعة، اسم فاعل من الإرجاء؛ وهو اعتقاد أن الكبيرة لا تضر مع الإيمان، وأن الإيمان إقرار باللسان ولو مع عدم الإيمان بالقلب. وفي "السندي": والمرجئة اسم فاعل من أرجأت الأمر -بالهمزة- وأرجيت -بالياء- أي: أخرته؛ وهم فرقة من فرق الإسلام يعتقدون أنه لا يضر مع الإسلام معصية، كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة، سموا بذالك لاعتقادهم أن الله تعالى أرجأ تعذيبهم على المعاصي؛ أي: أخره عنهم وأبعده عنهم، وقيل: هم الجبرية القائلون بأن العبد كالجماد، سموا بذالك لأنهم يؤخرون إلى الله تعالى. قال السيوطي: المرجئة هم الذين زعموا أنه لا يضر مع الإسلام معصية، كما أنه لا تنفع مع الكفر طاعة، وأن الله أرجأ تعذيبهم وأبعده عنهم، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأن إيمان أحدهم مثل إيمان الرسل وكبار الصحابة، والقدرية: نفاة القدر، وهذا الاعتقاد وغيره نقلوه من اليونان، وكل فرق المعتزلة تجمعها هذه التسمية. انتهى منه. قال السندي: والقدرية -بفتحتين أو بسكون الدال- هم عكس ما يفهم من ظاهر التسمية، فهم الذين نفوا القدر، ويقولون بأنف الأمور بلا سبق قدر،

стр. 225

(٦١) - ٦١ - (٧) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، === واشتهر بهذه التسمية من يقول بالقدر؛ لأجل أنهم تكلموا في القدر، وأقاموا الأدلة بزعمهم على نفيه، وتوغلوا في هذا المسألة حتى اشتهروا بهذا الاسم، وبسبب توغلهم وكثرة اشتغالهم صاروا هم أحق بهذه النسبة من غيرهم، فلا يراد أن المثبت أحق بهذه النسبة من النافي، على أن الأحاديث صريحة في أن المراد ها هنا النافي، فاندفع توهم القدرية أن المراد في هذا الحديث المثبت للقدر لا النافي. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي؛ فقد أخرجه بهذا الطريق وطريق آخر في كتاب القدر، باب ما جاء في القدرية، الحديث (٢١٤٩)، وسيذكره المصنف أيضًا بطريق آخر، وزعم الحافظ سراج الدين بُعدَه وبيَّن أنه موضوع، ورد عليه الحافظ صلاح الدين ثم الحافظ ابن حجر بما يبعده عن الوضع ويقربه إلى الحسن، وجعل نظرهما هو تعدد الطرق، والحديث جاء عن أبي بكر الصديق ومعاذ بن جبل وعبد الله بن عمر وجابر بطريق معاذ، وكثرة الطرق تفيد بأن له أصلًا، وبالجملة: فلا ينفع في الاستدلال في الأصول. فدرجته: أنه ضعيف لا يصح الاحتجاج به (٩) (٩)؛ لأن في سنده راويين اتفقوا على ضعفهما، وغرضه: الاستئناس به. * * * ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث أبي هريرة بحديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، فقال: (٦١) - ٦١ - (٧) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الدمشقي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق). قال: (حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي أبو سفيان الكوفي، ثقة، من

стр. 226

عَنْ كَهْمَسِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ === التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع). (عن كهمس) بفتح أوله وثالثه مع سكون ثانيه آخره سين مهملة (بن الحسن) التميمي أبي الحسن البصري. وثقه أحمد وابن معين وأبو داوود، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": ثقة، من الخامسة، مات سنة تسع وأربعين ومئة (١٤٩ هـ). يروي عنه: (ع). (عن عبد الله بن بريدة) -مصغرًا- ابن الحصيب الأسلمي أبي سهل المروزي، ثقة، من الثالثة، قال ابن حبان: مات سنة خمس ومئة، وقيل: بل خمس عشرة ومئة (١١٥ هـ). يروي عنه: (ع). (عن يحيى بن يعمر) -بفتح التحتانية والميم بينهما مهملة ساكنة وبضم الميم أيضًا- القيسي الجدلي -بفتح الجيم- أبي سليمان البصري. وثقه أبو حاتم والنسائي، وقال في "التقريب": ثقة فصيح، وكان يرسل، من الثالثة، مات قبل المئة بخراسان، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع). (عن) عبد الله (بن عمر) بن الخطاب العدوي أبي عبد الرحمن المكي رضي الله تعالى عنهما. (عن) أمير المؤمنين (عمر) بن الخطاب العدوي أبي حفص المدني رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من سباعياته؛ رجاله اثنان منهم بصريان، وواحد مدني، وواحد مكي، وواحد مروزي، وواحد كوفي، وواحد دمشقي، وحكمه: الصحة، ومن لطائفه: أن فيه رواية صحابي عن صحابي، وولد عن والد، وتابعي عن تابعي.

стр. 227

قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَجَاءَ رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ قَالَ: فَجَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَهُ إِلَي رُكْبَتِهِ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ === (قال) عمر بن الخطاب: (كنا جلوسًا عند النبي ﷺ ذات يوم، (فجاء رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى) ضبط بالتحتية المضمومة، أو بالنون المفتوحة (عليه أثر السفر) أي: علامة سفر من غبار وعرق، بالرفع على الضبط الأول، وبالنصب على الضبط الثاني، والرؤية على كلا الضبطين بصرية، (ولا يعرفه) أي: لا يعرف ذلك الرجل الجائي (منا أحد، قال) عمر بن الخطاب: (فجلس) ذلك الرجل (إلى النبي ﷺ أي: عند النبي ﷺ ، (فأسند) الرجل (ركبته إلى ركبته) ﷺ ، وفي رواية مسلم: (فاسند ركبتيه إلى ركبتيه) بالتثنية في الموضعين. (ووضع) ذلك الرجل (يديه) أي: كفيه، كما في رواية مسلم (على فخذيه) أي: على فخذي نفسه جالسًا على هيئة المتعلم، كذا ذكره النووي، واختاره التوربشتي بأنه أقرب إلى التوقير من سماع ذو الأدب، أو على فخذي النبي ﷺ ، ذكره البغوي وغيره ويؤيده الموافقة لقوله: (فأسند ركبتيه إلى ركبتيه)، ورجحه ابن حجر بأن في رواية ابن خزيمة: (ثم وضع يديه على ركبة النبي ﷺ ، قال: والظاهر أنه أراد بذلك المبالغة في تعمية أمره؛ ليقوى الظن بأنه من جفاة الأعراب. قلت: وهذا الذي نقل من رواية ابن خزيمة هو رواية النسائي في حديث أبي هريرة وأبي ذر والواقعة متحدة.

стр. 228

ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ؛ مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: "شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَحَجُّ الْبَيْتِ"، فَقَالَ: صَدَقْتَ، فَعَجِبْنَا مِنْهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، === (ثم) بعد جلوسه (قال) ذلك الرجل: (يا محمد) كراهة النداء باسمه ﷺ في حق الناس لا في حق الملائكة، فلا إشكال في نداء جبريل بذلك على أن التعمية كانت مطلوبة؛ (ما الإسلام؟ ) أي: ما حقيقة الإسلام وأساسه وأركانه؛ لأن "ما" يسأل بها عن الحقيقة، (قال) رسول الله ﷺ في جواب سؤاله: حقيقة الإسلام وأركانه (شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله) أي: اعتقاد بالجنان وإقرار باللسان بوحدانية الله وبرسالتي، (وإقام الصلاة) المكتوبة؛ أي: أداؤها في أوقاتها بأركانها وشروطها وآدابها (وإيتاء الزكاة) المفروضة أي أداؤها إلى مستحقيها في وقت وجوبها، والتمكن من إخراجها، (وصوم) نهار شهر (رمضان) أي: الإمساك فيه عن المفطرات بنية العبادة، (وحج البيت) الحرام والمشاعر العظام بالنسك المعلوم في الإسلام؛ أي: قصده بنية العبادة وفعلها على الكيفية المبينة في الشرع لمن استطاع إليه سبيلًا، حاصله أن الإسلام هذه الأركان الخمسة الظاهرة. (فقال) الرجل السائل للنبي ﷺ : (صدقت) يا محمد فيما أخبرتني، قال عمر بن الخطاب: (فعجبنا) معاشر الحاضرين (منه) أي: من حال ذلك الرجل حال كونه (يسأله) ﷺ ، والسؤال يقتضي الجهل بالمسؤول عنه، (ويصدقه) ﷺ ، والصدق: هو الخبر المطابق للواقع، وهذا فرع معرفة الواقع والعلم به ليعرف مطابقة هذا له، قال النووي: سبب تعجبهم أن هذا خلاف عادة السائل الجاهل، إنما هذا كلام

стр. 229

ثم قَالَ: يَا مُحَمَّدُ؛ مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: "أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَكُتُبِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ"، === خبير بالمسؤول عنه، ولم يكن في ذلك الوقت من يعلم هذا غير النبي ﷺ . (ثم قال) الرجل السائل ثانيًا: (يا محمد؛ ما الإيمان؟ ) أي: ما حقيقة الإيمان وأركانه وأساسه؟ (قال) رسول الله ﷺ في جوابه: حقيقة الإيمان وأساسه (أن تؤمن بالله) أي: أن تصدق بوجوده وبصفاته الكمالية، فالمراد بالإيمان الواقع في الجواب: المعنى اللغوي الذي هو التصديق، والإيمان المسؤول عنه هو الشرعي، فلا دور، وفي هذا إشارة إلى أن هذا الفرق بين الإيمان الشرعي واللغوي بخصوص انمتعلق في الشرعي، وحاصل الجواب: أن الإيمان هو الاعتقاد الباطني. (و) بوجود (ملائكته) الذين خلقوا من نور من غير أب ولا أم، لا يعلم عددهم إلا الله ، (و) بإرسال (رسله) الذين كانوا من الإنس إلى عباده المكلفين بتكاليفه الشرعية، (و) بإنزال (كتبه) التي هي دستور الشرائع لعباده على رسله، (و) بمجيء (اليوم الآخر) وصف بالآخر؛ لأنه كان آخر أيام الدنيا؛ أي: أن تُصدِّق بمجيئه وبجميع ما اشتمل عليه من الإعادة بعد الموت والحشر والحساب والميزان والصراط والجنة والنار. (و) تؤمن بـ (القدر) أي: بتقدير الله سبحانه الكائنات في الأزل على هيئة وجودها فيما لا يزال؛ أي: علمه بمقاديرها وهيئاتها وأزمنتها وأمكنتها قبل وجودها (خيره وشره) بدل من القدر، بدل تفصيل من مجمل؛ أي: وأن تصدق بخير ذلك المقدر ونفعه للعباد كالإيمان والطاعات، وبشره وضره للعباد كالكفر والمعاصي .. من الله تعالى، وهو ما دل عليه قوله تعالى:

стр. 230

قَالَ: صَدَقْتَ، فَعَجِبْنَا مِنْهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ؛ مَا الْإِحْسَانُ؛ قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، === ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٢)، ويدل عليه إجماع السلف والخلف على صدق قول القائل: ما شاء الله .. كان، وما لم يشاء .. لم يكن، وقوله ﷺ : "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس"، رواه مسلم ومالك في "الموطأ" من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وقد بسطنا الكلام هنا بما لا مزيد عليه في "الكوكب الوهاج"، فراجعه. (قال) الرجل السائل: (صدقت) يا محمد؛ أي: نطقت كلامًا صادقًا فيما أخبرت به من الإيمان، قال عمر بن الخطاب: (فعجبنا منه) أي: من حال الرجل حالة كونه (يسأله) كأنه جاهل، (ويصدقه) كأنه عالم، (ثم قال) الرجل ثالثًا: (يا محمد؛ ما الإحسان؟ ) أي: ما حقيقة الإحسان؛ لأنه سؤال عن حقيقته ليعلمها الحاضرون، كالذي قبله، قال القاضي عياض: يعني بالإحسان: الإخلاص؛ لأنه فسره بما معناه ذلك، وقال الأبي: وقيل: يعني به: إجادة العمل، من أحسن في كذا إذا أجاد في فعله، ومنه حديث: "إذا قتلتم .. فأحسنوا القتلة"، وهو بهذا التفسير أخص من الأول؛ أي: ما حقيقة الإحسان في العبادة الذي حث الله تعالى عباده على تحصيله في كتابه بقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣). (قال) رسول الله ﷺ في جواب سؤاله: الإحسان هو (أن تعبد الله) (كأنك تراه) سبحانه، قال السندي: صفة لمصدر

стр. 231

فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ"، === محذوف؛ أي: أن تعبد الله عبادة مشبهة بعبادتك إياه حال رؤيتك إياه، أو حال من فاعل (تعبد) أي: أن تعبد الله حال كونك مستحضرًا خشية من يراه سبحانه، آتيًا بعبادته مستوفاة الشرائط والأركان؛ أي: أن تعبد الله والحال كانك تراه، وليس المقصود على تقدير الحالية أن ينتظر بالعبادة تلك الحال، فلا يعبد قبل تلك الحال، بل المقصود تحصيل تلك الحال في العبادة، وهذا إشارة إلى مقام المشاهدة؛ وهو أن تعبد الله كأنك تراه. (فإنك إن لا تراه) .. (فإنه) تعالى (يراك) أي: فإنك إن لم تكن تراه سبحانه .. فإنه سبحانه يراك أيها العابد؛ أي: فإن لم تعبده وأنت من أهل الرؤية المعنوية .. فاعبده وأنت بحيث أنه يراك؛ أي: فصور نفسك كأنك أعمى يفعل شيئًا عند بصير يخاف منه، وهذا عندهم يسمى مقام المراقبة، وقد بسطنا الكلام هنا في "شرحنا على صحيح مسلم"، والحاصل: أن الإحسان هو مراعاة الخشوع والخضوع وما في معناهما في العبادة على وجه راعاه لو كان رائيًا، ولا شك أنه لو كان رائيًا حال العبادة .. لما تركَ شيئًا مما قدر عليه من الخشوع وغيره، ولا منشأ لتلك المراعاة حال كونه رائيًا إلا كونه تعالى رقيبًا عالمًا مطلعًا على حاله، وهذا موجود، وإن لم يكن العبد يراه تعالى، ولذلك قال ﷺ في تعليله: "فإنك إن لا تراه .. فإنه يراك" أي: وهو يكفي في مراعاة الخشوع على ذلك الوجه انتهى "سندي". فإن قلتَ: لم أخر السؤال عن الإحسان مع أنه مطلوب في كل من الإسلام والإيمان؟ قلتُ: أخره عنهما؛ لأنه صفة الفعل، أو شرط في صحته، والصفة بعد

стр. 232

قَالَ: فَمَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: "مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ"، قَالَ: فَمَا أَمَارَتُهَا؟ قَالَ: "أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا ===. الموصوف، وبيان الشرط متأخر عن بيان المشروط. انتهى من "الكوكب" نقلًا عن "الآبي". (قال) الرجل السائل رابعًا: (فمتى الساعة؟ ) يا محمد؛ أي: فأي وقت قيام الساعة؛ أي: القيامة؟ قال الزمخشري: سميت ساعة لسرعة قيامها، أو تفاؤلًا لما هي عليه من الطول؛ كما سمي المهمه مفازة؛ ولأنها عند الله تعالى كساعة، وليس السؤال عن وقت مجيئها؛ ليعلم الحاضرون كالمسؤول عنه في الأسئلة السابقة، بل لينزجروا عن السؤال عنها؛ فإنهم أكثروا السؤال عنها، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ (١). (قال) رسول الله ﷺ في جواب سؤال الرجل: (ما المسؤول عنها) أي: عن الساعة، يريد نفسه (بأعلم من السائل) يريد جبريل ﵇، أو المراد التعميم لكل سائل ومسؤول، فلما أجيبوا بأنه لا يعلمها إلا الله .. كفوا عن السؤال عنها؛ لأن معنى ما المسؤول عنها بأعلم من السائل: لا علم لي ولا لك ولا لأحد بها. (قال) الرجل السائل: (فما أمارتها؟ ) أي: ما علاماتها الدالة على قربها؟ (قال) رسول الله ﷺ : أمارتها (أن تلد) وتضع (الأمة) أي: الرقيقة المستفرشة (ربتها) أي: مالكها، هكذا جاء في رواية بالتأنيث، وفي أخرى: (ربها) بالتذكير، وفي أخرى: (بعلها) وهو السيد والرب المالك، وأنث في الرواية الأولى على معنى النسمة ليشمل الذكر والأنثى، واختلفوا في تفسير هذا على أقوال:

стр. 233

-قَالَ وَكِيعٌ: يَعْنِي: تَلِدُ الْعَجَمُ الْعَرَبَ- وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ === أحدها: أن المراد بها أن يستولي المسلمون على بلاد الكفار، فيكثر التسري، فيكون ولد الأمة من سيدها بمنزلة سيدها لشرفه بأبيه، وعلى هذا يكون من أشراط الساعة استيلاء المسلمين على المشركين وكثرة الفتوح. وثانيها: أن يبيع السادة أمهات أولادهم، فيكثر ذلك فتتداول الأمهات المستولدة، فربما يشتريها ولدُها أو ابنتُها ولا يشعر بذلك، فيصير ولدها ربها، وعلى هذا فالذي يكون من الأشراط غلبة الجهل بتحريم بيع أمهات الأولاد والاستهانة بالأحكام الشرعية، وهذا على قول من يرى تحريم بيع أمهات الأولاد، وهم الجمهور، ويصح أن يحمل على بيعهن في حال حملهن، وهو محرم بالإجماع. وثالثها: أن يكثر العقوق في الأولاد، فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة والسب، وعلى هذا فمعنى قوله: (أن تلد الأمة ربتها) أي: أن تحكم البنت على الأم من كثرة العقوق حكم السيدة على أمتها، ولما كان العقوق في النساء أكثر .. خصت البنت والأمة بالذكر. ومن المعنى الأول ما أدرجه عن وكيع حيث قال: قال لنا علي بن محمد: (قال وكيع: يعني) النبي ﷺ بهذا الكلام أن (تلد العجم العرب) أي: أن تلد الأمة المسبية من العجم ولدًا من العرب، فيكون ذلك الولد بمنزلة سيدها في شرفه عليه، فهو كناية عن كثرة السراري. (و) من أمارتها أيضًا (أن ترى) أنت يا محمد (الحفاة) -بضم أوله على وزن قضاة- جمع حافٍ؛ وهو الذي لا يلبس في رجله شيئًا، (العراة) -بضم أوله أيضًا- جمع عارٍ؛ وهو الذي لا يلبس على جسده ثوبًا، (العالة) -بفتح أوله وتخفيف اللام- جمع عائل؛ وهو الفقير من العيلة؛ وهو الفقر،

стр. 234

رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبِنَاءِ" قَالَ: ثُمَّ قَالَ: فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ثَلَاثٍ === يقال: عَالَ الرجلُ يعِيل عيلة إذا افتقر، (رعاء الشاء) -بالمد فيهما مع كسر أول أولهما وفتح أول ثانيهما- جمع راع، من الرعي بمعنى الحفظ، ويجمع أيضًا على رعاة بوزن غزاة، والشاء: جمع شاة؛ وهو من الجمع الذي يفرق بينه وبين واحده بالهاء، كشجرة وشجر، وإنما خص أهل الشاء بالذكر؛ لأنهم أضعف أهل البادية. وجملةُ قوله: (يتطاولون) أي: يتفاخرون (في البناء) أي: في طُول وكثرة أدواره .. في محل النصب حال من مفعول ترى؛ لأن الرؤية هنا بصرية، والمراد: الأعراب وأصحاب البوادي يتطاولون بكثرة المال؛ لأن هذه الأوصاف هي الغالبة على أهل البادية، ومقصود هذا الحديث: الإخبار عن تبدل الحال وتغيره بأن يستولي أهل البادية الذين هم هذه صفاتهم على أهل الحاضرة، ويتملكوا بالقهر والغلبة، فتكثر أموالهم وتتسع في حطام الدنيا امالهم، فتنصرف هممهم إلى تشييد المباني وهدم الدين وشريف المعاني، وأن ذلك إذا وجد .. كان من أشراط الساعة، ويؤيد هذا ما ذكر عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس لكع ابن لكع"، رواه أحمد (٥/ ٣٨٩) والترمذي (٣٣١٠)، واللكع: هو اللئيم، وقد شوهد هذا كله الآن عيانًا، فكان ذلك على صدق رسول الله ﷺ وعلى قرب الساعة حجة وبرهانًا. انتهى من "الكوكب الوهاج"، وقد بسطنا الكلام فيه ها هنا من المسائل النفيسة بما لا مزيد عليه. (قال) ابن عمر: (ثم) بعد رواية هذا الحديث لنا (قال) عمر بن الخطاب ﵁: (فلقيني النبي ﷺ ورآني (بعد ثلاث) ليالٍ،

стр. 235

فَقَالَ: "أَتَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ؟ "، قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "ذَاكَ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ مَعَالِمَ دِينِكُمْ". === (فقال) لي رسول الله ﷺ : (أتدري) يا عمر؛ أي: هل تعلم (من الرجل) الذي سألني عن الإسلام والإيمان؛ أي: هل تعلم جنسه واسمه؟ قال عمر: (قلت) له ﷺ : (الله ورسوله أعلم) بذلك السائل وجنسه واسمه وحكمة مجيئه. (قال) رسول الله ﷺ : (ذاك) الرجل الذي سألني هو (جبريل) الأمين (أتاكم يعلمكم) أي: يتسبب في تعلمكم (معالم دينكم) أي: أصول دينكم وأساسه بسؤاله إياي؛ أي: أتاكم حالة كونه معلمًا إياكم قواعد دينكم وأساسه وأصوله، أي: حالة كونه مريدًا التسبب في تعلمكم معالم دينكم وأصوله بسؤاله إياي، وجملة (يعلم) في محل النصب حال من فاعل (أتاكم) كما قدرنا في المحل، والمعالم: جمع معلم؛ بمعنى: مداركه ودلائله، والإضافة للبيان، أي: قواعد دينكم، أو كلمات دينكم. قال النواوي: فيه أن الدين اسم للثلاثة: الإسلام والإيمان والإحسان، قال القاضي عياض: وهذا الحديث قد اشتمل على جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة؛ من عقود الإيمان، وأعمال الجوارح، وإخلاص السرائر، والحفظ من آفات الأعمال، حتى إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه، قال القرطبي: فيصلح هذا الحديث أن يقال فيه: إنه أم السنة؛ لما تضمنه من جمل علم السنة، كما سُمِّيت الفاتحةُ أم القرآن؛ لما تضمنته من جمل علوم القرآن، كما بسطنا الكلام فيها في "الحدائق". ومن فوائده أنه يدل على أنه ينبغي لمن حضر مجلس العالم إذا علم بأهل المجلس حاجة إلى مسألة لا يسالون عنها .. أن يسأل هو عنها؛ ليحصل

стр. 236

(٦٢) - ٦٢ - (٨) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، === الجواب للجميع، وعلى أنه ينبغي للعالم أن يرفق بالسائل ويُدنيه منه؛ ليتمكن من سؤاله غير هائب ولا منقبض، وأنه ينبغي للسائل أن يرفق في سؤاله، والله أعلم. انتهى من "الكوكب". وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الإسلام والإيمان والإحسان، وأبو داوود في كتاب السنة، باب في القدر، والترمذي في كتاب الإيمان، باب ما جاء في وصف جبريل للنبي ﷺ عن الإيمان والإسلام، والنسائي في كتاب الإيمان، باب نعت الإسلام. ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة. * * * ثم استشهد المؤلف سادسًا لحديث أبي هريرة بحديث آخر له رضي الله تعالى عنه، فقال: (٦٢) - ٦٢ - (٨) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي. (حدثنا إسماعيل) بن إبراهيم بن مقسم المعروف بـ (ابن عُلَّية) اسم أمه القرشي الأموي مولاهم أبو بشر البصري، ثقة حافظ، من الثامنة، مات سنة ثلاث وتسعين ومئة (١٩٣ هـ). يروي عنه: (ع). (عن أبي حيان) -بالمهملة المفتوحة والتحتانية المشددة- يحيى بن سعيد بن حيان التيمي -من تيم الرباب- الكوفي المدني. وثقه العجلي، وقال في "التقريب": ثقة عابد، من السادسة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ). يروي عنه: (ع).

стр. 237

عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: "أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَلقَائِهِ، === (عن أبي زرعة) هرم بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي. ثقة ثبت، من الثالثة، رأى عليًّا. يروي عنه: (ع). (عن أبي هريرة) الدوسي المدني رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته؛ رجاله ثلاثة منهم كوفيون، وواحد مد في، وواحد بصري، وحكمه: الصحة. (قال) أبو هريرة: (كان رسول الله ﷺ يومًا) من الأيام (بارزًا) أي: ظاهرًا بالبراز وهو الفضاء (للناس) أي: لأجلهم حتى يسألوه وينفع كل من يريد، (فأتاه) ﷺ (رجل) غير معروف لهم، (فقال) ذلك الرجل: (يا رسول الله؛ ما الإيمان؟ ) أي: ما حقيقته وماهيته؟ وأما قوله هنا: يا رسول الله، وفي حديث عمر: يا محمد .. فهو نقل بالمعني، وحديث عمر نقل باللفظ، (قال) رسول الله ﷺ : الإيمان؛ أي: حقيقته وأركانه (أن تؤمن) وتصدق (بالله) أي: بوحدانيته تعالى، (و) بوجود (ملائكته) أي: بوجود عباد له مكرمين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، (و) بإنزال (كتبه) التي أنزلها على بعض رسله؛ وهي مئة وعشرة كتب، وفي رواية مسلم: (وكتابه) بالإفراد نظرًا بمعنى الجنس. (و) بإرسال (رسله) بشريعته إلى جميع المكلفين، ليأمروهم بها، (و (لقائه) بالموت، قيل: اللقاء في الكتاب والسنة يفسر بالثواب والحساب والموت والرؤية والبعث الآخر، ويحمل هنا على

стр. 238

وَتُؤمِنَ بِالبَعثِ الآخِرِ"، === غير البعث الآخر؛ لأنه مذكور من بعد، حيث قال: وتؤمن بالبعث الآخر. قلت: إذا فسر اللقاء بالموت .. فالظاهر أن يُراد موتُ العالم وفناءُ الدنيا بتمامها، وإلا .. فكل أحد عالم بموته لا يمكن أن ينكره، فلا يحسن التكليف بالإيمان به، وأما الثواب والحساب .. فهما غير البعث، فلا تكرار إذا أريد أحدهما، وأما الرؤية .. فقال النواوي: ليس المراد باللقاء رؤية الله تعالى؛ فإن أحدًا لا يقطع لنفسه برؤية الله تعالى؛ لأن الرؤية مختصة بالمؤمنين، ولا يدري بماذا يختم له. انتهى. قلت: وقد يقال: الإيمان بتحقيق هذا لمن أراد الله تعالى له ذلك من غير أن يخص أحدًا بعينه، وليس في الحديث أن يؤمن كل شخص برؤية الله تعالى له، كما لا يخفى، وهذا مثل الإيمان بالحساب أو بالثواب والعقاب مع عدم هذه الأشياء للكل؛ فإن منهم من يدخل الجنة بلا حساب، وكم من لا يعاقب أو يثاب. انتهى "سندي". (و) أن (تؤمن بالبعث الآخر) -بكسر الخاء المعجمة- واللقاء المذكور أولًا الموت؛ أي: موت العالم كلهم بالنفخة الأولى، والبعث الآخر: القيام للحساب، قال القاضي عياض: وصف البعث بالآخر تأكيدًا، أو لأن الخروج من الأرحام بعث أول. انتهى. قال النواوي: أما وصف البعث بالآخر .. فقيل: هو مبالغة في البيان والإيضاح؛ وذلك لشدة الاهتمام به، وقيل: سببه أن خروج الإنسان إلى الدنيا بعث من الأرحام، وخروجه من القبر للحشر بعث من الأرض، فقيد البعث بالآخر؛ ليتميز عن الأول، والله أعلم. وإنما أعاد العامل في قوله: (وتؤمن بالبعث الآخر) وكذا الجار، ولم يكتف

стр. 239

قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، === بالعطف على لفظِ الجلالة؛ اهتمامًا بشأنه؛ لأن مشركي مكة وغيرهم من سائر المشركين ينكرونه. (قال) الرجل السائل: (يا رسول الله) هذا نقل بالمعني، كما عرفت (ما الإسلام؟ ) أي: ما حقيقته وماهيَّتُهُ؟ (قال) رسول الله ﷺ : الإسلام كما صرح به في رواية مسلم؛ أي: حقيقته وماهيته (أن تعبد الله) وتوحده بلسانك على وجه يعتد به، فيشمل الشهادتين، فوافقت هذه الرواية روايته ثَمَّ؛ أي: في حديث عمر، وكذلك حديث بني الإسلام. وقوله: (ولا تشرك به) (شيئًا) من المخلوقات حيوانًا أو غيره حيًّا أو غيره .. تفسير لما قبله، وهذا نقل بالمعنى، وأما حديث عمر: (أن تشهد أن لا إله إلا الله) .. فنقل باللفظ، وعبارة "الكوكب" هنا: وأما قوله: (ولا تشرك به شيئًا) .. فذكره بعد العبادة التي هي التوحيد مع دخول عدم الشرك فيها للتفسير، ولأن الكفار كانوا يعبدونه في الصورة، ويعبدون معه أوثانًا يزعمون أنها شركاء لله تعالى، فنفي به عملهم هذا؛ كما يقولون: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك. انتهى. (و) أن (تقيم الصلاة المكتوبة) أي: تؤديها بأركانها وشرائطها، أو تديم إقامتها وتحافظ عليها (و) أن (تؤدي) أي: تصرف (الزكاة المفروضة) أي: الواجبة في مصارفها الثمانية المبينة في الكتاب العزيز، وفي "الكوكب": والكتب في الصلاة والفرض في الزكاة بمعنى واحد، وغاير بينهما كراهية تكرار اللفظ بعينه؛ فهو مذموم إلا أن يفيد معنى زائدًا، وهذا

стр. 240

وَتَصُومَ رَمَضَانَ"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا الْإِحْسَانُ؟ قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَتَى السَّاعَةُ؟ === هو المسمى عند البديعيين بالتفنن؛ وهو ذكر نوعين من الكلام مع اتحاد المعنى؛ لثقل تكرار أحدهما على اللسان. انتهى منه، وهنا فيه نفائس مستجادات فراجعه. (و) أن (تصوم) شهر (رمضان) قال القرطبي: وهذا دليل على جواز أن يقال: رمضان بلا إضافة شهر إليه، خلافًا لمن يقول: لا يقال: رمضان، بل يقال: شهر رمضان، متمسكًا في ذلك بحديث لا يصح، كما بينا فيه. (قال) الرجل السائل: (يا رسول الله؛ ما الإحسان؟ ) أي: ما حقيقة الإحسان والإخلاص في العمل؟ (قال) رسول الله ﷺ : الإحسان (أن تعبد الله) أي: أن تخلص عملك لله تعالى حالة كونك (كأنك تراه) وتشاهده؛ أي: أن الإحسان عبادتك له مستحضرًا في عملك خشوعًا وخضوعًا له حين تراه وتشاهده لو رأيته، (فإنك) أيها العابد لربه (إن لا تراه) أي: إن لم تر ربك حين تعبده .. (فإنه) (يراك) أي: يرى ذاتك وعملك ويعلم أنك أخلصت فيه أم لا. والمعنى: أخلص عملك له تعالى إخلاصًا كإخلاص من يراه ويشاهده، ويقوم بين يديه، ولا يلتفت إلى غيره. (قال) الرجل: (يا رسول الله؛ متى) قيام (الساعة؟ ) وأي وقت مجيء القيامة؛ قال القرطبي: مقصود هذا السؤال زجر السامعين عن السؤال عنها؛ لأنهم أكثروا السؤال عن تعيين وقتها، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ (١) إلى غير ذلك من الآيات الكريمة، فلما أجابه النبي صلى الله عليه

стр. 241

قَالَ: "مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَلكِنْ سَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ === وسلم بأنه لا يعلمها إلا الله تعالى .. يئس السائلون عن معرفتها، فانكفوا عن السؤال عنها، وهذا بخلاف الأسئلة الأخر، فإن مقصودها استخراج الأجوبة عنها ليسمعها السامعون ويعمل بها العاملون. انتهى. (قال) رسول الله ﷺ مجيبًا له: (ما) نافية حجازية؛ أي: ليس (المسؤول عنها) يريد نفسه (بأعلم من السائل) يريد الرجل السائل، (ولكن) حدثني يا رسول الله عن أشراطها، قال رسول الله ﷺ : (سأحدثك) أي: في الزمن القريب أخبرك (عن أشراطها) أي: عن أشراط الساعة وأماراتها التي تدل على قربها. وإنما أولنا هذا الحديث هكذا؛ ليحصل الجمع بين هذا الحديث الوارد بطريق أبي هريرة وبين الحديث الوارد بطريق عمر السابق قبل هذا؛ لأن بين الحديثين معارضة؛ لأن قوله في حديث عمر: (فأخبرني عن أمارتها) يدل على أن المبتدئ بالسؤال جبريل ﵇، والمجيب هو النبي صلى الله عليه سلم، وقوله هنا في حديث أبي هريرة: (ولكن سأحدثك عن أشراطها) يدل على أن النبي ﷺ أجاب وأخبر له بلا سبق سؤال منه، فيجمع بينهما بأن جبريل ﵇ ابتدأ بالسؤال المقدر، كما قدرناه، فأجابه النبي ﷺ بقوله: (سأحدثك عن أشراطها)، فذكر في حديث عمر السؤال والجواب، وذكر في حديث أبي هريرة الجواب وحذف السؤال، فبهذا يزول التعارض بين الحديثين، والله أعلم. انتهى من "الكوكب"، وفيه هنا نفائس مستجدات، فراجعه. ثم ذكر الأشراط الموعودة، فقال: منها (إذا ولدت) أي: وضعت (الأمة)

стр. 242

رَبَّتَهَا .. فَذلِكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رِعَاءُ الْغَنَمِ فِي الْبُنْيَانِ .. فَذَلِكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللهُ"، فَتَلَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : === أي: الرقيقة وفي بعض الروايات: (إذا ولدت المرأة) أي: حرة كانت أو رقيقة (ربتها) أي: سيدتها .. (فذلك) أي: ولادها ووضعها ربتها (من) بعض (أشراطها) أي: من بعض أشراط الساعة وأمارات قربها. (و) منها (إذا تطاول رعاء الغنم) أي: تفاخر رعاة الغنم (في) طول (البنيان) والعمائر .. (فذلك) التطاول والتباهي (من أشراطها) أي: من أشراط قربها، كما هو شأن أهل زماننا، والرعاء -بكسر الراء- جمع راع، وقد مر لك أنه يجمع على رعاة؛ كغاز وغزاة، يقال: تطاول في البنيان إذا تفاخر وتباهى على غيره بطول بنيانه علي بنيانه، وقوله: (في خمس) متعلق بمحذوف، تقديره: هي في عداد خمس (لا يعلمهن) أحد (إلا الله) ؛ أي: انفرد الله بعلمهن، فلا مطمع لأحد في علم شيء من تلك الأمور الخمس؛ لقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ (١). وعبارة السندي هنا: قوله: "في خمس" أي: وقت قيام الساعة في خمس لا يعلمهن إلا الله، فهو خبر لمحذوف، والجملة دليل على قوله: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل"، وهذا هو الموافق للأحاديث، وقيل: (في خمس) حال من (رعاء) أي: متفكرين في خمس، والمراد: التنبيه على جهلهم وحماقتهم. (فتلا) وقرأ (رسول الله ﷺ لبيان تلك الخمس قوله

стр. 243

﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ === تعالى: (﴿إِنَّ اللَّهَ﴾) (﴿عِنْدَهُ﴾) لا عند غيره (﴿عِلْمُ﴾) وقت قيام (﴿السَّاعَةِ﴾)، قال الفرَّاء: إن معنى هذا الكلام النفي؛ أي: ما يعلمه أحد إلا الله ، والساعة جزء من أجزاء الجديدين، سميت بها القيامة؛ لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا؛ أي: عنده تعالى علم وقت قيام الساعة وما يتبعه من الأحوال والأهوال؛ فهو تعالى متفرد بعلمه، فلا يعلمه أحد سواه لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، كما قال تعالى: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ (١)، فلا يدري أحد في أي سنة وفي أي شهر وفي أي ساعة من ساعات الليل والنهار تقوم الساعة. انتهى من "الكوكب" نقلًا عن "الحدائق". وجملة قوله: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ معطوف على ما يقتضيه الظرف في قوله: ﴿عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ من الفعل، تقديره: إن الله يُثبت عنده علم الساعة، وينزل الغيث بالتشديد والتخفيف قراءتان سبعيتان، وهذا من حيث ظاهر الترتيب، وأما من حيث المعنى .. فهو معطوف على الساعة، فيكون العلم مسلطًا عليه؛ أي: وعنده علم وقت نزول الغيث، وسصي المطر غيثًا؛ لأنه غياث الخلق به رزقهم وعليه بقاؤهم، والغيث مخصوص بالمطر النافع، والمعني: أي وينزل الغيث في زمانه الذي قدره أزلًا من غير تقديم ولا تأخير إلى محلِّه الذي عيَّنه في علمه من غير خطأ ولا تبديل؛ فهو منفرد بعلم زمانه ومكانه وعدد قطراته. (﴿وَيَعْلَمُ﴾) (﴿مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾) أي: ما في أرحام النساء من الجنين؛ أي: يعلم ذاته: أذَكَر أم أنثى؟ حيٌّ أم ميت؟ وصفاته: أتام الخلق أم ناقصه؟ حسن أم قبيح؟ أحمر أم أسود؟ سعيد أم شقي؟ أي: يعلم أوصافه

стр. 244

وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. === في حالة كونه نطفة قبل تمام خلقه، وما يعرفه الناس الآن بالجهاز .. فبعد تمام خلقه، والأرحام جمع رحم؛ وهو بيت منبت الولد ووعاؤه. (﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ﴾) من النفوس وما تعرف (﴿مَاذَا﴾) أي: أي شيء (﴿تَكْسِبُ﴾) وتفعل (﴿غَدًا﴾) أي: يومًا تاليًا ليومها الذي هي فيه، بل وماذا يعرض لها في الدقيقة التي بعد دقيقتها؛ أي: لا يعرف أحد من الناس ماذا يفعل غدًا، وماذا يحصل له من خير أو شر، ووفاق وشقاق، وربما يعزم على خير فيفعل الشر وبالعكس، (﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ﴾) من النفوس وإن أعملت حيلها (﴿بِأَيِّ أَرْضٍ﴾) ومكان (﴿تَمُوتُ﴾) أي: لا تدري أين مضجعها من الأرض؛ أفي البحر أم في البر؟ أو في سهل أم في جبل؟ كما لا تدري في أي وقت تموت، وإن كانت تدري أنها تموت في الأرض في وقت من الأوقات، وربما أقامت بمكان ناوية ألا تفارقه إلى أن تدفن به، ثم تدفن في مكان لم يخطر لها ببال قط، وأنشدوا: إذا ما حِمامُ المرءِ كان ببلدةٍ ... دعتْهُ إليها حاجةٌ فيَطِيرُ ومن ادعى أنه يعلم شيئًا من هذه الخمس .. فقد كفر بالقرآن؛ لأنه خالفه. (﴿إِنَّ اللَّهَ﴾) (﴿عَلِيمٌ﴾) يعلم الأشياء كلها؛ هذه الخمسة وغيرها، (﴿خَبِيرٌ﴾) (١) يعلم بواطنها كما يعلم ظواهرها، وهنا نفائس مستجادات، كتبناها في "الكوكب"، فراجعها إن أردت الغوص في بحث المغيبات. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الإيمان، باب سؤال

стр. 245

(٦٣) - ٦٣ - (٩) حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ صَالِحٍ أَبُو الصلْتِ الْهَرَوِيُّ، === جبريل النبي ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة، الحديث (٥٥)، وفي كتاب التفسير، باب إن الله عنده علم الساعة، ومسلم في كتاب الإيمان، باب الإيمان ما هو وبيان خصاله، الحديث (٩٧ - ٩٨). فدرجته: أنه في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به. * * * ثم استأنس المؤلف ثانيًا للترجمة بحديث علي ﵁، فقال: (٦٣) - ٦٣ - (٩) (حدثنا سهل بن) زنجلة (أبي سهل) أبو عمرو الرازي الحناط الأشتر الحافظ. قال أبو حاتم: صدوق، وقال مسلمة: رازي ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": صدوق، من العاشرة، مات في حدود الأربعين والمئتين. يروي عنه: (ق). (ومحمد بن إسماعيل) بن سمرة الأحمسي أبو جعفر الكوفي السراج. قال ابن أبي حاتم: صدوق ثقة، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو القاسم: مات سنة ستين ومئتين (٢٦٠ هـ)، وقيل قبلها، من العاشرة. يروي عنه: (ت س ق). (قالا: حدثنا عبد السلام بن صالح) بن سليمان القرشي مولاهم (أبو الصلت الهروي) نزيل نيسابور رحل في الحديث إلى الأمصار وخدم علي بن موسى الرضا. قال العقيلي: رافضي خبيث، وقال مسلمة عن العقيلي: كذاب، وقال

стр. 246

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، === ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد، وقال الحاكم والنقَّاش وأبو نعيم: روى مناكير، وقال محمد بن طاهر: كذاب له في "ابن ماجة" حديث (الإيمان إقرار بالقول فحسب). يروي عنه: (ق). قال: (حدثنا علي بن موسى) بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄ الهاشمي المدني، أبو الحسن الملقب بـ (الرضا) بكسر الراء وفتح الضاد المعجمة. وقال ابن السمعاني: والخلل في رواياته عن رواته؛ فإنه ما روى عنه إلَّا متروك، وكان الرضا من أهل العلم والفضل مع شرف النسسب، مات بطوس سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ)، من كبار العاشرة. يروي عنه: (ق). (عن أبيه) موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي الهاشمي العلوي أبي الحسين المدني، المعروف بال اظم، صدوق عابد، من السابعة، مات سنة ثلاث وثمانين ومئة (١٨٣ هـ). يروي عنه: (ت ق). (عن جعفر) الصادق (بن محمد) الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المدني، من السادسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (م عم). (عن أبيه) محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو جعفر، ثقة فاضل، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع). (عن علي بن الحسين) بن علي بن أبي طالب زين العابدين القرشي الهاشمي، ثقة ثبت عابد فقيه فاضل مشهور.

стр. 247

عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْإِيمَانُ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ وَقَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ"، === قال ابن عيينة عن الزهري: ما رأيت قرشيًا أفضل منه، من الثالثة، مات سنة ثلاث وتسعين (٩٣ هـ)، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع). (عن أبيه) حُسين بن علي بن أبي طالب ﵄، الهاشمي أبي عبد الله المدني سبط رسول الله ﷺ وريحانته، استشهد يوم عاشوراء سنة إحدى وستين (٦١ هـ)، وله ست وخمسون سنة. يروي عنه: (ع). (عن علي بن أبي طالب) بن عبد المطلب القرشي الهاشمي أبي الحسن المدني، من السابقين الأولين أحد العشرة المبشرة ﵁ وعنهم أجمعين، مات في رمضان سنة أربعين (٤٠ هـ)، وله ثلاث وستون سنة على الأرجح. يروي عنه: (ع). وهذا السند من تساعياته؛ رجاله سبعة منهم مدنيون، وواحد هروي، وواحد إما رازي أو كوفي، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عبد السلام بن صالح، وهو كذاب. (قال) علي بن أبي طالب: (قال رسول الله ﷺ : الإيمان) الكامل (معرفة بالقلب) أي: تصديق بالقلب بجميع ما جاء به النبي ﷺ عن ربه بأنه حق جاء به من عند الله تعالى، أو تصديق بمعنى الشهادتين بالقلب، (وقول) أي: نطق بالشهادتين (باللسان) إن قدر عليه بعدم المانع في اللسان؟ كالخرس الأصلي أو الطاريّ، (وعمل) في الأعمال البدنية الظاهرة (بالأركان) أي: بالأعضاء والجوارح، كالصلاة والصوم والزكاة والحج، وفيه أن الإيمان الكامل لا يوجد بلا إسلام وانقياد ظاهري، وبه حصل التوفيق بين هذا الحديث - إن ثبت وصح - وبين حديث جبريل السابق.

стр. 248

قَالَ أَبُو الصَّلْتِ: لَوْ قُرِئَ هَذَا الْإِسْنَادُ عَلَى مَجْنُونٍ .. لَبَرَأَ. === وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة عن أصحاب الأمهات وغيرهم، ودرجته: أنه ضعيف أو موضوع (١٠) (١٠)، وغرضه: الاستئناس به للترجمة. (قال أبو الصلت) عبد السلام بن صالح الهروي: (لو قرئ هذا الإسناد) وذكرت أسماؤه من علي بن موسى إلى أَخره (على مجنون) أو مغمىً عليه مثلًا ... (لبرأ) ذلك المجنون من جنونه وعوفي، لما في هذا الإسناد من خيار العباد وهم خلاصة أهل بيت النبوة ﵃، وهذا يقوله من شدة غلوه في التشيع، وبرأ هنا من برأ المريض -بفتح الراء - من الداء إذا شفي، لا من برئت من الأمر - بكسر الراء - أي تبرأت" فإن أبا الصلت هو القائل هذا القول، ولا يستقيم منه أن يقول هذا القول بهذا المعنى الأخير لا بالنظر إلى نفسه ولا بالنظر إلى من بعده؛ لأنه شيعي. وهذا الحديث عده ابن الجوزي في الموضوعات، قال فيه: أبو الصلت متَّهم ممن لا يجوز الاحتجاج به، وتابعه على ذلك جماعة منهم بعض شراح الكتاب، وفي "الزوائد": إسناد هذا الحديث ضعيف" لاتفاقهم على ضعف أبي الصلت الراوي، قال السيوطي: والحق أنه ليس بموضوع، وأبو الصلت وثقه ابن معين، وقال: ليس ممن يكذب، وقال في "الميزان": رجل صالح إلَّا أنه شيعي، تابعه علي بن عراب، وقد روى له النسائي وابن ماجة، ووثقه ابن معين والدارقطني، قال أحمد: أراه صادقًا، وقال الخطيب: كان غاليًا في التشيع، وأما في روايته .. فقد وصفوه بالصدق، ثم ذكر له بعض المتابعات. انتهى من "السندي". * * * ثم استشهد المؤلف سابعًا لحديث أبي هريرة بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فقال:

стр. 249

(٦٤) - ٦٤ - (١٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ، أَوْ قَالَ: لِجَارِهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ". === (٦٤) - ٦٤ - (١٠) (حدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي أبو بكر البصري. (ومحمد بن المثنى) بن عبيد العنزي أبو موسى البصري. (قالا: حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي مولاهم أبو عبد الله البصري. قال: (حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي أبو بسطام البصري. (قال) شعبة: (سمعت قتادة) بن دعامة بن قتادة السدوسي أبا الخطاب البصري. (يحدث عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته؛ ومن لطائفه: أن رجاله كلهم بصريون، وحكمه: الصحة. (أن رسول الله ﷺ قال: لا يؤمن أحدكم) أي: لا يكمل إيمان أحدكم أيها المؤمنون (حتى يحب) ويرضى (لأخيه) المسلم أو الإنسان فيدخل الكافر، قال قتادة: (أو قال) لي أنس؟ فالشك من قتادة، أو قال لي قتادة؟ فالشك من شعبة: الجاره) بدل قول: لأخيه (ما يحبـ) ـه (لنفسه) من الخيرات الدنيوية دينًا أو دنيا، وفي "البخاري": لأخيه دون شك، قال القاضي: والنفي هنا نفي كمال؛ أي: لا يتم إيمان أحدكم حتى يكون للمؤمنين بهذه الصفة؛ من كفه الأذى عنهم، وبذله المعروف لهم، وموادته الخير لجميعهم، وصرف الضر عنهم. والحديث والله أعلم إنما هو في أمور الدنيا، وأما في

стр. 250

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الآخرة .. فقد قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (١) قيل: ظاهر الحديث على التسوية، وقيل: على التفضيل، والمعنى عليه: أي حتى يحب لأخيه أن يكون أحسن حالا منه؛ لأنه الذي يحب لنفسه؛ لأن كلّ أحد يحب أن يكون أفضل، فإذا أحب لغيره ما يحب لنفسه .. كان هو من المفضولين، وهذا المعنى قد يعد من الصعب الممتنع، وليس معنى الحديث كذلك، بل معناه لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه في الإسلام مثل ما يحبه لنفسه، والقيام بذلك يحصل بأن يحب له حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمه فيها، بحيث لا تنقص النعمة على أخيه شيئًا من النعمة عليه، وذلك سهل على القلب السليم، وإنما يصعب على القلب الدغل، عافانا الله من ذلك. وعبارة السندي هنا قوله: "ما يحب" أي: من خيري الدنيا والآخرة، والمراد: الجنس لا الخصوص، وقد يكون خيرًا لا يقبل الاشتراك كالوسيلة ولا لغير مَن له، ونحو ذلك، ثم المراد بهذه الغايات وأمثالها: أنه لا يكمل الإيمان بدونها، لا أنَّها وحدها كافية، ولا يتوقف الكمال بعد حصولها على شيء آخر حتى يلزم التعارض بين هذه الغايات الواردة في هذه الأحاديث، فليتأمل. انتهى. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه (١٣)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير، والترمذي في كتاب صفة القيامة، باب (٥٩)، والنسائي في كتاب الإيمان، باب علامة الإيمان.
следующие страницы →