فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله؛ أَرَأَيْتَ الْبَعِيرَ يَكُونُ بِهِ الْجَرَبُ فَيُجْرِبُ الْإِبِلَ كُلَّهَا؟ قَالَ: "ذَلِكُمُ الْقَدَرُ، فَمَنْ أَجْرَبَ الْأَوَّلَ؟ ".
===
سكان البوادي، (فقال: يا رسول الله؛ أرأيت البعير) أي: أخبرني عن حال البعير (يكون به الجرب) -بفتحتين- داء معروف، (فيجرب) -بضم أوله- من أجرب الرباعي؛ أي: يصير (الإبل) جُرْبًا؛ أي: ذوات جرب، وبفتحته من باب سمع؛ أي: فتصير الإبل (كلها) جرباء بسبب مخالطته إياها؟ (قال) رسول الله ﷺ : (ذلكم) الجرب الذي عم الإبل كلها (القدر) -بفتحتين- أي: هو الأمر المقدر المكتوب عليها أزلًا، أو سببه القدر؛ أي: القضاء الذي كتب عليها أزلًا لا مخالطة البعير الأجرب، فإن قلت بالعدوى .. (فمن أجرب) البعير (الأول)، فكما أن الله سبحانه هو المؤثر في جرب البعير الأول، كذلك هو المؤثر في جرب سائر الإبل، فلا عدوى.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه بروايته بهذا السند، ولكن أخرج هذا المتن الترمذي في كتاب القدر من طريق ابن مسعود، بل وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داوود في كتاب الطب من طريق أبي هريرة إلا قوله: "ذلكم القدر".
فهو مما تفرد به ابن ماجه، فهذا الحديث درجته: أنه صحيح؛ لأن له شاهدًا من حديث أبي هريرة وابن مسعود، إلا ما تفرد به ابن ماجه من قوله: "ذلكم القدر" فهو ضعيف، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى عاشرًا لحديث ابن مسعود بحديث عدي بن حاتم -رضي الله تعالى عنهما-، فقال:
стр. 317
(٨٥) -٨٥ - (١٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عِيسَى الْجَرَّارُ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ أَبِي الْمُسَاوِرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ
===
(٨٥) - ٨٥ - (١٢) (حدثنا علي بن محمد) ابن إسحاق الطنافسي الكوفي.
قال: (حدثنا يحيى بن عيسى الجرار) -بجيم ورائين أولاهما مشددة- نسبة إلى عمل الجرة؛ إناء معمول من الطين المشوي، ابن عبد الرحمن التميمي النهشلي الفاخوري -بضم المعجمة- أبو زكرياء الكوفي نزيل رملة. روى عن: عبد الأعلى بن المساور.
وثقه العجلي، وضعفه ابن معين، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": صدوق يخطئ ورمي بالتشيع، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). روى عنه (م د ت ق).
قال: (عن عبد الأعلى بن أبي المساور) الجرار -بجيم وراءين- الزهري أبو مسعود الكوفي نزيل المدائن. روى عن: الشعبي، ويروي عنه: (ق)، ويحيى بن عيسى الرملي.
وقال إبراهيم ابن الجنيد: هو كذاب، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال عثمان بن أبي شيبة: ضعيف، وضعفه علي بن المديني وأبو حاتم والدارقطني، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال البخاري: منكر الحديث، وبالجملة: اتفقوا على تضعيفه، وقال في "التقريب": متروك، من السابعة، مات بعد الستين ومئة.
(عن الشعبي) عامر بن شراحيل الحميري أبي عمرو الكوفي الإمام العلم، ولد لست سنين خلت من خلافة عمر، قال: أدركت خمس مئة من الصحابة.
стр. 318
قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ الْكُوفَةَ .. أَتَيْنَاهُ فِي نَفَرٍ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَقُلْنَا لَهُ: حَدِّثْنَا مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "يَا عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ؛ أَسْلِمْ تَسْلَمْ"،
===
وقال في "التقريب": ثقة فاضل فقيه مشهور، من الثالثة، مات بعد المئة وله نحو من ثمانين سنة. يروي عنه: (ع).
(قال) الشعبي: (لما قدم عدي بن حاتم) بن عبد الله بن سعد بن حشرج -بفتح المهملة وسكون المعجمة آخره جيم- ابن امرئ القيس بن عدي الطائي الجواد ابن الجواد أبو طريف الكوفي صحابي مشهور -رضي الله تعالى عنه-، وفد على النبي ﷺ في شعبان سنة تسع، له ست وستون حديثًا؛ اتفقا على ستة، وانفرد (خ) بثلاثة، و (م) بحديثين، مات سنة ثمان وستين (٦٨ هـ)، وله مئة وعشرون سنة.
وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه: أن رجاله كلهم كوفيون، وحكمه: أنه ضعيف جدًّا؛ لاتفاقهم على ضعف عبد الأعلى بن أبي المساور.
أي: لما قدم من بلاد طيء إلى (الكوفة أتيناه) أي: أتينا عديًا وزرناه (في نفر) أي: مع جماعة (من فقهاء أهل الكوفة، فقلنا له) أي: لعدي: (حدثنا ما سمعت من) حديث (رسول الله ﷺ ، فقال) لنا عدي: (أتيت النبي ﷺ ، فقال) لي رسول الله ﷺ : (يا عدي بن حاتم؛ أسلم) من الإسلام، والمراد: الإسلام مع طهارة القلب، كما يدل عليه تفسيره، فلا يرد أن الإسلام بالمعنى الذي سبق في حديث جبريل لا يستلزم السلامة من النار، فكيف قال: (تسلم) -بفتح اللام- من السلامة؟ أي: ألفظ بكلمة الإسلام مع الإذعان والتصديق القلبي .. تكن سالمًا من الخلود في النار، فلا دلالة فيه على أن المسلم لا يعذب.
стр. 319
قُلْتُ: وَمَا الْإِسْلَامُ؟ فَقَالَ: "تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، وَتُؤْمِنُ بِالْأَقْدَارِ كُلِّهَا خَيْرِهَا وَشَرِّهَا حُلْوِهَا وَمُرِّهَا".
(٨٦) - ٨٦ - (١٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ،
===
قال عدي: (قلت) له ﷺ : (وما الإسلام؟ ) أي: ما حقيقة الإسلام الذي أمرتني به؟ (فقال) رسول الله ﷺ : الإسلام أن (تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله) إلى كافة الناس؛ أي: أن تقر بلسانك وتصدق بقلبك بوحدانية الله تعالى وبرسالتي، ويجوز نصب (تشهد) على تقدير أن المصدرية، ورفعه على عدم تقديرها؛ إقامة للمضارع مقام المصدر على حد قولهم: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، ولكن المحذوف هنا مبتدأ و (تشهد) خبره على كلا التقديرين.
(وتؤمن) أي: تصدق (بالأقدار كلها) أي: بتقدير الله سبحانه الكائنات أزلًا بكلياتها وجزئياتها قبل وجودها فيما لا يزال (خيرها) خير الأقدار ونفعها للعباد؛ كالإيمان والطاعات، (وشرها) أي: ضرها على العباد؛ كالكفر والمعاصي، (حلوها) محبوبها للنفس؛ كالمفارح والشهوات، (ومرها) أي: مكروهها للنفس؛ كالمصائب والمكارب من الله .
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ومتنه صحيح لغيره؛ لأن له شاهدًا من حديث جابر بن عبد الله أخرجه الترمذي، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به، فهو: صحيح المتن، ضعيف السند.
* * *
ثم استطرد المؤلف رحمه الله تعالى بحديث أبي موسى الأشعري -رضي الله تعالى عنه-، فقال:
(٨٦) - ٨٦ - (١٣) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي.
стр. 320
حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ غُنَيْمِ بْنِ قَيْسٍ،
===
(حدثنا أسباط بن محمد) بن عبد الرحمن بن خالد بن ميسرة القرشي مولاهم مولى السائب بن يزيد أبو محمد الكوفي. روى عن: الأعمش، وزكريا بن أبي زائدة، وعدة، ويروي عنه: (ع)، ومحمد بن نمير، وأحمد وابنه عبيد بن أسباط.
وثقه ابن معين وابن سعد، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال يعقوب بن شيبة: كوفي ثقة، والكوفيون يضعفونه له في "البخاري" فرد حديث، وقال في "التقريب": ثقة ضعف في الثوري، من التاسعة، مات سنة مئتين (٢٠٠ هـ). يروي عنه: (ع).
قال: (حدثنا الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن يزيد) بن أبان (الرقاشي) -بتخفيف القاف ثم معجمة- أبي عمرو القاص -بتشديد المهملة- البصري الزاهد. روى عن: غنيم بن قيس، وأنس بن مالك، والحسن البصري، ويروي عنه: (ت ق)، والأعمش، وأبو الزناد، وصفوان بن سليم وهم من أقرانه.
قال ابن سعد: كان ضعيفًا قدريًا وكان يحيى القطان لا يحدث عنه، وضعفه أحمد وابن معين والدارقطني ويعقوب بن سفيان، وقال النسائي والحاكم: متروك الحديث، وكان شعبة يقول: لأن أزني .. أحب إلي من أن أحدث عن يزيد الرقاشي، وبالجملة: اتفقوا على ضعفه، وقال في "التقريب": ضعيف، من الخامسة، مات قبل عشرين ومئة.
(عن غنيم) مصغرًا (بن قيس) المازني الكعبي أبي العنبر البصري، أدرك
стр. 321
عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَثَلُ الْقَلْبِ مَثَلُ الرِّيشَةِ تُقَلِّبُهَا الرِّيَاحُ بِفَلَاةٍ".
===
النبي ﷺ ولم يره، وفد على عمر، وغزا مع عقبة بن غزوان. روى عن: أبيه وله صحبة، وسعد بن أبي وقاص، ويروي عنه: (م عم)، وسليمان التيمي، وعاصم الأحول.
ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل البصرة، وقال: كان ثقة قليل الحديث، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": مخضرم ثقة، من الثانية، مات سنة تسعين (٩٠ هـ).
(عن أبي موسى الأشعري) عبد الله بن قيس الكوفي الصحابي الجليل المشهور -رضي الله تعالى عنه-، هاجر إلى الحبشة، أمَّره عمر ثم عثمان، له ثلاث مئة وستون حديثًا؛ اتفقا على خمسين، وانفرد (خ) بأربعة، و (م) بخمسة وعشرين، مات سنة خمسين (٥٠ هـ)، أو بعدها.
وهذا السند من سداسياته؛ رجاله أربعة منهم كوفيون، واثنان بصريان، ومن لطائفه: أنه اجتمع فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض؛ الأعمش عن يزيد عن غنيم، وحكمه: الضعف، وفي "الزوائد": إسناده ضعيف؛ لأن فيه يزيد بن أبان الرقاشي، وقد أجمعوا على ضعفه.
(قال) أبو موسى: (قال رسول الله ﷺ : مثل القلب) المثل -بفتحتين- بمعنى الصفة لا بمعنى القول السَّائر؛ أي: صفة القلب العجيبة الشأن في تفكرها، وورود ما يرد عليها من عالم الغيب من الدواعي وسرعة تقلبها بسبب الدواعي .. (مثل الريشة) أي: كصفة الريشة الواحدة المعلقة في الهواء، (تقلبها) أي: تحركها (الرياح) المختلفة (بفلاة) أي: بأرض خالية عن العمران؛ فإن الرياح أشد تأثيرًا فيها منها في عمران،
стр. 322
(٨٧) - ٨٧ - (١٤) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا خَالِي يَعْلَى،
===
وقوله: "تقلبها" إما بفتح التاء وسكون القاف وكسر اللام من باب ضرب، من القلب؛ أي: تقلب وجهيها من جانب إلى جانب، أو بضم التاء وتشديد اللام المكسورة، من التقليب، وهو الأشهر الأظهر في مقام المبالغة؛ لدلالته على التكثير، وهو الأوفق بجمع الرياح؛ ليظهر التقلب؛ إذ لو استمر الريح على جانب واحد .. لم يظهر التقلب، وجملة (تقلّبها) صفة للريشة؛ لكون تعريفها للجنس، وقوله: "بفلاة" -بفتح الفاء-: الأرض الخالية من العمران، وذكرها للمبالغة في التقليب، قيل: ولكثرة التقلب سمي القلب قلبًا، كما قال بعضهم شعرًا:
وما سُمِّي الإنسان إلا لنسيه ... وما القلب إلا أنه يتقلب
والمراد بالقلب هنا: اللطيفة المعنوية الحالة في داخل القلب التي تستمد من نور العقل، لا اللحمة الصنوبرية التي حلت في داخل صدر كل حيوان.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف؛ لكون إسناده ضعيفًا، وليس له شاهد يعضده، فهو ضعيف متنًا وسندًا (١٥)(١٥)، وغرضه بسوقه: الاستطراد؛ لأن تقلب القلب يناسب جريان المقادير على الشيء.
* * *
ثم استشهد المؤلف حادي عشره لحديث ابن مسعود بحديث جابر -رضي الله تعالى عنهما-، فقال:
(٨٧) - ٨٧ - (١٤) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي.
قال: (حدثنا خالي يعلى) بن عبيد بن أبي أمية الإيادي مولاهم أبو يوسف الطنافسي الكوفي. روى عن: الأعمش، ويحيى بن سعيد الأنصاري،
стр. 323
عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ لِي جَارِيَةً أَعْزِلُ عَنْهَا؟
===
وإسماعيل بن أبي خالد، وعدة، ويروي عنه: (ع)، وابن أخته علي بن محمد الطنافسي، وإسحاق بن راهويه، وابنا أبي شيبة، وغيرهم.
وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال الدارقطني: بنو عبيد كلهم ثقات، وقال ابن عمار الموصلي: أولاد عبيد كلهم ثبت، وأحفظهم يعلى، وأبصرهم بالحديث محمد، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ضعيف في سفيان ثقة في غيره، من التاسعة، مات في رمضان سنة بضع ومئتين.
(عن الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي.
(عن سالم بن أبي الجعد) اسمه رافع الأشجعي مولاهم الكوفي، ثقة، وكان يرسل كثيرًا، من الثالثة، مات سنة سبع أو ثمان وتسعين (٩٨ هـ)، وقيل: مئة، أو بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي أبي عبد الله المدني الصحابي الشهير -رضي الله تعالى عنهما-.
وهذا السند من خماسياته؛ رجاله كلهم كوفيون إلا جابرًا؛ فإنه مدني، وحكمه: الصحة.
(قال) جابر بن عبد الله: (جاء رجل من الأنصار) لم أر من ذكر اسمه (إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله؛ إن لي جارية) أي: أمة (أعزل عنها) أي: هل يجوز لي عزل المني عنها عند جماعها أم لا؟ والعزل: هو إنزال المني خارج الفرج خوفًا من العلوق، والكلام على تقدير
стр. 324
قَالَ: "سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا"، فَأَتَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: قَدْ حَمَلَتِ الْجَارِيَةُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا قُدِّرَ لِنَفْسٍ شَيْءٌ إِلَّا هِيَ كَائِنَةٌ".
===
همزة الاستفهام، وعزل من باب ضرب، فـ (قال) له رسول الله ﷺ : سواء عزلت عنها أم تركت (سيأتيها) في مستقبلها (ما قدر لها) أزلًا من الإحبال وعدمه.
(فأتاه) ﷺ ذلك الرجل (بعد) فترة من (ذلك) اليوم الذي قال له فيه ذلك، (فقال) له ﷺ : (قد حملت) وأحبلت (الجارية) أي: الأمة التي ذكرتها لك سابقًا وقلت لي فيها ما قلت مع عزلي عنها، (فقال النبي ﷺ : ما قدر لنفس) أي: ما حكم وقضي على نفس (شيء) من المقادير الأزلية؛ كالإحبال وعدمه هنا .. (إلا هي) أي: تلك النفس (كائنة) عليه؛ أي: على ذلك الشيء المقدر عليها؛ كالإحبال هنا، ويحتمل أن يكون ضمير (هي) عائدًا على (شيء) نظرًا إلى كونه بمبنى الخصلة والحالة، والمعنى عليه: ما قدر لنفس شيء؛ أي: خصلة من الخصال .. إلا هي؛ أي: تلك الخصلة كائنة؛ أي: واقعة عليها. انتهى "سندي".
والاستثناء من أعم الأحوال؛ أي: ما قدر لنفس شيء في حال من الأحوال .. إلا حالة كونها عليه، والله أعلم.
وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته: مسلم وأبو داوود؛ أخرجاه في كتاب النكاح بسندهما عن جابر.
ودرجته: أنه صحيح متنًا وسندًا، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثاني عشره لحديث ابن مسعود بحديث ثوبان -رضي الله تعالى عنهما-، فقال:
стр. 325
(٨٨) - ٨٨ - (١٥) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عِيسَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ ثَوْبَانَ
===
(٨٨) - ٨٨ - (١٥) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي.
(حدثنا وكيع) بن الجراح الكوفي.
(عن سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي.
(عن عبد الله بن عيسى) بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري أبي محمد الكوفي.
وثقه ابن معين والنسائي، وقال ابن المديني: هو عندي منكر الحديث، وقال في "التقريب": ثقة فيه تشيع، من السادسة، مات سنة ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن أبي الجعد) الأشجعي الغطفاني. روى عن: ثوبان، وجُعَيْلٍ الأشجعي، ويروي عنه: (س ق)، وعبد الله بن عيسى.
ذكره ابن حبان في "الثقات"، وروى له النسائي حديثين: أحدهما عند ابن ماجه؛ وهو: "إن العبد ليحرم الرزق"، وقال ابن القطان: إنه مجهول الحال، وقال في "التقريب": مقبول، من الرابعة.
(عن ثوبان) بن بُجْدَدٍ الهاشمي مولاهم مولى رسول الله ﷺ أبي عبد الله الشامي -رضي الله تعالى عنه-، خدم رسول الله ﷺ إلى وفاته، ولازمه سفرًا وحضرًا، ثم نزل الشام له مئة وسبعة وعشرون حديثًا، ومات بحمص.
وسند هذا الحديث من سداسياته؛ رجاله أربعة منهم كوفيون، وواحد شامي، وواحد غطفاني، وحكمه: الحسن؛ لأن عبد الله بن أبي الجعد مختلف فيه.
стр. 326
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ، وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِخَطِيئَةٍ يَعْمَلُهَا".
===
(قال) ثوبان: (قال رسول الله ﷺ : لا يزيد في العمر) ولا يبارك فيه (إلا البر) أي: إلا فعل الخير؛ إما لأن البار ينتفع بعمره وإن قل أكثر مما ينتفع به غيره وإن كثُر، وإما لأنه يزاد له في العمر حقيقة؛ بمعنى: أنه لو لم يكن بارًا .. لقصر عمره عن القدر الذي كان إذا بر، لا بمعنى أنه يكون أطول عمرًا من غير البار، ثم التفاوت إنما يظهر في التقدير المعلق لا فيما يعلم الله تعالى أن الأمر يصير إليه؛ فإن ذلك لا يقبل التغير، وإليه يشير قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (١)، ومثله قوله: (ولا يرد القدر) أي: لا يدفع الحكم المقدر على العبد أزلًا (إلا الدعاء) والمراد بالقدر: الحكم المقدر أزلًا، ولا يخفى ما بين الحصرين؛ أعني: قوله: "إلا البر"، وقوله: "إلا الدعاء" من التناقض، فيجاب بحمل المقدر في الثاني على غير العمر، فليتأمل.
قال الغزالي: فإن قيل: فما فائدة الدعاء مع أن القضاء لا مرد له؟ يقال: إن من جملة القضاء رد البلاء ووجود الرحمة؛ كما أن البذر سبب لخروج النبات من الأرض، وكما أن الترس يدفع السهم، كذلك الدعاء يرد البلاء. انتهى.
قلت: يكفي في فائدة الدعاء أنه عبادة وطاعة، وقد أمر به العبد، فكون الدعاء ذا فائدة لا يتوقف على ما ذكر، فليتأمل.
(وإن الرجل) أي: الشخص رجلًا كان أو امرأة (ليحرم) بالبناء للمفعول من الحرمان أي: يمنع (الرزق) الذي جاء ودخل في يده، ويُتلَفُ عليه بوجه من الوجوه الرزقُ الذي قُدِّر له لو لم يعص (بخطيئة) أي: بسبب معصية (يعملها)
стр. 327
(٨٩) -٨٩ - (١٦) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ مُسْلِمٍ الْخَفَّافُ،
===
وحينئذ لا بد من التقدير في قوله: "ولا يرد القدر إلا الدعاء" أي: وإلا المعصية، فلا يبطل الحصر. انتهى "سندي".
وشارك المؤلف في القطعة الثالثة من هذا الحديث: النسائي، والأوليان: رواهما الترمذي عن سلمان.
فدرجته: أنه حسن، وغرضه: الاستشهاد به.
وفي "الزوائد": سألت شيخنا أبا الفضل العراقي عن هذا الحديث، فقال: حسن.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالث عشره لحديث ابن مسعود بحديث سراقة -رضي الله تعالى عنهما-، فقال:
(٨٩) - ٨٩ - (١٦) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير-مصغرًا- السلمي الدمشقي، صدوق، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عطاء بن مسلم الخفاف) -بفتح الخاء المعجمة وتشديد الفاء الأولى- لقب لعطاء، وهذه النسبة إلى عمل الخِفاف التي تلبس كما في "الأنساب"، أبو مخلد الكوفي.
قال الدرامي عن ابن معين: ثقة، وقال الآجري عن أبي داوود: ضعيف، وذكره ابن حبان في "الثقات"، فقال: مات في رمضان سنة تسعين ومئة (١٩٠ هـ)، وقال: دفن كتبه، ثم جعل يحدث فيخطئ، فبطل الاحتجاج به، وقال في "التقريب": صدوق يخطئ كثيرًا، من الثامنة. يروي عنه: (س ق).
стр. 328
عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ سُرَاقَةَ ابْنِ جُعْشُمٍ ابْنِ عَمْرٍو قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ الْعَمَلُ فِيمَا جَفَّ الْقَلَمُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ،
===
(عن الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي.
(عن مجاهد) بن جبر المخزومي مولاهم أبي الحجاج المكي المقرئ المفسر، ثقة، من الثالثة، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومئة (١٠٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سراقة) -بضم السين وتخفيف الراء وبقاف- ابن مالك (بن جعشم) -بضم الجيم والمعجمة بينهما عين مهملة- ابن مالك (بن عمرو) المدلجي أبي سفيان المكي -رضي الله تعالى عنه-، كان ينزل قديدًا، وهو الذي لحق النبي ﷺ وأبا بكر حين خرجا مهاجرين إلى المدينة، وقصته مشهورة. روى عن: النبي ﷺ . وروى عنه: جابر بن عبد الله، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، مات في صدر خلافة عثمان سنة أربع وعشرين (٢٤ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (خ عم).
قال الحافظ ابن حجر: رواية الحسن وطاووس وعطاء وكذا مجاهد عنه .. منقطعة.
وهذا السند من خماسياته؛ رجاله ثلاثة منهم كوفيون، واثنان مكيان، وفي "الزوائد": في هذا السند مقال؛ فإن مجاهدًا لم يسمع من سراقة، فلزم الانقطاع، وعطاء بن مسلم مختلف فيه. انتهى. فحكمه: الضعف؛ لانقطاعه.
(قال) سراقة: (قلت: يا رسول الله) هل (العمل) الذي نعمله -بتقدير حرف الاستفهام- معدود (فيما جف القلم) أي: في جملة المقدر المكتوب الذي فرغ القلم من كتبه حتى جف، (وجرت به المقادير) أي: الأقضية الأزلية،
стр. 329
أَمْ فِي أَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ؟ قَالَ: "بَلْ فِيمَا جَفَّ بِهِ الْقَلَمُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ، وَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ".
(٩٠) - ٩٠ - (١٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى الْحِمْصِيُّ،
===
(أم في أمر مستقبل؟ ) أي: أم هو معدود في جملة ما يستقبله ويستأنفه الفاعل بفعله؛ أي: لم يسبق له قضاء، وهذا يكفي فيه فرض ما يستقبله الفاعل ولا يحتاج إلى أن يكون له تحقيق؟
(قال) رسول الله ﷺ : (بل) العمل الذي يعمل الإنسان معدود (فيما جف به القلم، وجرت به المقادير) الأزلية، (وكل) إنسان (ميسر) أي: موفق (لما خلق له) من خير أو شر.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن قال السندي: وهذا المتن قد أخرجه أبو داوود من حديث ابن عمر ﵄.
ودرجته: أنه حسن لغيره، وإن كان سنده ضعيفًا؛ لأن له شاهدًا، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رابع عشره بحديث جابر بن عبد الله ﵄، فقالا:
(٩٠) - ٩٠ - (١٧) (حدثنا محمد بن المصفى) بن بهلول -بضم الباء وسكون الهاء- القرشي أبو عبد الله (الحمصي) روى عن: أبيه، وبقية بن الوليد، ويروي عنه: (د س ق)، وأبو زرعة الدمشقي، وأبو حاتم الرازي.
قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: صالح، وقال صالح بن محمد: كان مخلِّطًا، وأرجو أن يكون صدوقًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: وكان
стр. 330
حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ
===
يخطئ، وقال في "التقريب": صدوق له أوهام وكان يدلس، من العاشرة، مات بمنىً سنة ست وأربعين ومئتين (٢٤٦ هـ).
قال: (حدثنا بقية بن الوليد) بن صائد بن كعب الكلاعي: نسبة إلى الكلاع -بفتح الكاف واللام المخففة- قبيلة كبيرة نزلت بحمص، أبو يحمد بضم التحتانية وسكون المهملة وكسر الميم.
صدوق كثير التدليس، له في (م) فرد حديث متابعة، وثقه الجمهور فيما سمعه من الثقات، وقال النسائي: إذا قال: حدثنا وأخبرنا .. فهو ثقة، وقال في "التقريب": صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، من الثامنة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو الشامي الإمام العلم الفقيه، ثقة جليل، من السابعة.
وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا فاضلًا كثير الحديث والعلم والفقه، مات سنة سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) عبد الملك بن عبد العزيز (بن جريج) الأموي مولاهم أبي الوليد المكي، ثقة فقيه وكان يدلس ويرسل، من السادسة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن أبي الزبير) المكي محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسدي مولاهم، صدوق إلا أنه يدلس، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جابر بن عبد الله) الأنصاري المدني -رضي الله تعالى عنهما-.
وهذا السند من سداسياته؛ رجاله ثلاثة منهم شاميون، واثنان مكيان، وواحد
стр. 331
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مَجُوسَ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمُكَذِّبُونَ بِأَقْدَارِ اللهِ؛ إِنْ مَرِضُوا .. فَلَا تَعُودُوهُمْ، وَإِنْ مَاتُوا .. فَلَا تَشْهَدُوهُمْ، وَإِنْ لَقِيتُمُوهُمْ .. فَلَا تُسَلِّمُوا عَلَيْهِمْ".
===
مدني، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه بقية بن الوليد وهو مدلس وقد عنعنه. انتهى من هامش "السندي"، ولكن قد ذكرنا آنفًا أنه إذا عنعن عن الثقات .. فهو ثقة عند الجمهور، وعنعن هنا عن الأوزاعي فهو ثقة مأمون، فإذًا حكم هذا السند الصحة، والله أعلم.
(قال) جابر: (قال رسول الله ﷺ : إن مجوس هذه الأمة) المحمدية؛ يعني: أمة الإجابة (المكذبون بأقدار الله) وأقضيته الأزلية؛ أي: ينكرونها فجانبوهم ولا تواصلوهم؛ (إن مرضوا .. فلا تعودوهم) من أمراضهم، (وإن ماتوا .. فلا تشهدو) جنازتـ (هم) بالصلاة عليهم والدفن، (وإن لقيتموهم) وقابلتموهم في الطريق مثلًا .. (فلا تسلموا عليهم) والمعنى: إنهم كالمجوس، ففي الكلام تشبيه بليغ؛ فإن المجوس يقولون: بتعدد الخالق، وكذلك من يقول بنفي القدر.
وهذا الحديث مما انفرد به ابن ماجه، كما في "تحفة الأشراف"، ولكن روى هذا المعنى أبو داوود في "سننه" عن حذيفة، وقد جاء أصل هذا المتن من حديث ابن عمر أيضًا عند أبي داوود، وأخرجه الترمذي وحسنه، وقد صححه الحاكم، وحقق الحافظ ابن حجر أنه صحيح على شرط مسلم في الاكتفاء بالمعاصرة، فلا وجه للحكم بضعفه، كما قيل.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شواهد، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
стр. 332
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث: سبعة عشر:
واحد منها للاستدلال، وإحدى عشر منها للاستشهاد، والخمسة الباقية: ما كان منها ضعيف المتن والسند .. فهو للاستئناس أو للاستطراد، وما كان منها صحيح المتن ضعيف السند .. فهو للاستشهاد، وقد مر تفصيله.
والله أعلم
стр. 333
(١١) - (١١) - بَابٌ: فِي فَضَائِلِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ -
===
(١١) - (١١) - (باب: في فضائل أصحاب رسول الله ﷺ )
والفضائل جمع فضل؛ والفضل: المزية والدرجة والمنقبة، ويجمع على فواضل، وفرق بين الفضائل والفواضل بأن الفضائل المنقبة القاصرة على صاحبها؛ كالحلم والوقار والسكينة، والفواضل المنقبة المتعدية إلى الغير؛ كالعلم والكرم، وقيل: بالعكس، وقيل: هما بمعنىً واحد، والأصحاب جمع صاحب بمعنى الصحابي، والصحابي: من اجتمع به ﷺ مؤمنًا به في حال حياته، وإن لم يره أولم يرو عنه، اجتماعًا متعارفًا؛ وهو الاجتماع في الأرض بالجسد، ويعرف كونه صحابيًا بالتواتر كأبي بكر وعمر -رضي الله تعالى عنهما-، أو بالاستفاضة، أو بقول صحابي غيره: إنه صحابي، أو بقوله عن نفسه: إنه صحابي إذا كان عدلًا، والصحابة رضوان الله تعالى عليهم كلهم عدول؛ لظاهر الكتاب والسنة وإجماع من يعتد بإجماعه.
قال المازري: أمسكت فرقة من المسلمين عن التفضيل بينهم، وقالت: هم كالأصابع في الكف لا يتعرض لتفضيل بعضهم على بعض، وقال غير هؤلاء بالتفضيل، ففضلت الخطابية عمر ﵁، وفضلت الراوندية العباس ﵁، وفضلت الشيعة عليًّا ﵁، وفضل أهل السنة أبا بكر ﵁، قال القرطبي: لم يختلف السلف والخلف في أن أفضلهم أبو بكر، ثم عمر، ولا عبرة بقول أهل التشيع والبدع. الأول منها:
* * *
стр. 334
(١١) - (١) - فَضْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ -
(٩١) - ٩١ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ،
===
(١١) - (١) - (فضل أبي بكر الصديق ﵁)
اسمه عبد الله بن عثمان أبي قحافة بن عامر بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب، يجتمع مع النبي ﷺ في كعب، ثم سماه النبي ﷺ بالصديق؛ لكثرة تصديقه، ويسمى أيضًا بعتيق، واختلف في وجه تسميته بذلك: فقيل: لحديث: "من أراد أن ينظر إلى عتيق من النار .. فلينظر إلى أبي بكر"، وقيل: لأن أمه سمته بذلك، وقيل: سمي بذلك لجمال وجهه، وهو أول من أسلم من الرجال، ثم أسلم على يديه من العشرة المشهود لهم بالجنة خمسة: عثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص. انتهى.
ومن المقطوع به أنه حفظ من الأحاديث ما لم يحفظ غيره، وحصل له من العلم ما لم يحصل لغيره؛ لأنه الصفي والملازم في الحضر والسفر والليل والنهار، وإنما لم يتفرغ للحديث والرواية؛ لاشتغاله بالأهم، ولأن غيره قام عنه بذلك. انتهى (ط).
* * *
(٩١) - ٩١ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي.
(حدثنا وكيع) بن الجراح الكوفي.
(حدثنا الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي.
стр. 335
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَلَا إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى كُلِّ خَلِيلٍ مِنْ خُلَّتِهِ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا
===
(عن عبد الله بن مرة) الهمداني الكوفي، ثقة، من الثالثة، مات سنة مئة، وقيل قبلها. يروي عنه: (ع).
(عن أبي الأحوص) عوف بن مالك بن نضلة الجشمي الكوفي، ثقة، من الثالثة، قتل في ولاية الحجاج على العراق. يروي عنه: (م عم).
(عن عبد الله) بن مسعود الهذلي الكوفي -رضي الله تعالى عنه-.
وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه: أن رجاله كلهم كوفيون، وأنه اجتمع فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض؛ الأعمش عن ابن مرة عن أبي الأحوص.
(قال) عبد الله: (قال رسول الله ﷺ : ألا) حرف تنبيه واستفتاح؛ أي: انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم (إني أبرأ) مضارع برئ من باب فرح، بمعنى: أتبرأ وأتخلص وأرُدّ (إلى كل خليل) وصديق (من خلته) أي: صداقته؛ أي: أتبرّأ من صداقة كل من يزعم أني اتخذته خليلًا، فلا يشمل عمومه الرب الجليل حتى يحتاج إلى استثناء، (من خلته) -بضم الخاء- أي: أتبرَّأ من اتخاذي إياه خليلًا، وهذا هو المعنى الموافق للسياق، والخلة -بالضم-: الصداقة والمحبة التي تخللت قلب المحب وتدعو إلى اطلاع المحبوب على سره، أو بمعنى الحاجة، والخليل حينئذ فعيل بمعنى المحتاج إليه.
ومعنى قوله: (ولو كنت متخذًا خليلًا) على الأول: لو جاز لي أن أتخذ صديقًا من الخلق تتخلل محبته في باطني وقلبي ويكون مطلعًا على سري ..
стр. 336
لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا؛ إِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللهِ"، قَالَ وَكِيعٌ: يَعْنِي نَفْسَهُ.
===
(لاتخذت أبا بكر خليلًا)، لكن محبوبي بهذه الصفة هو الله سبحانه، وعلى الثاني: لو اتخذت خليلًا أرجع إليه في الحاجات واعتمدت عليه في المهمات .. لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن اعتمادي في الجميع على الله سبحانه وهو سبحانه ملجئي وملاذي.
والمراد بقوله: (إن صاحبكم خليل الله) يريد نفسه أن صاحبكم قد اتخذ الله خليلًا، فليس له أن يتخذ غيره خليلًا احترازًا عن الشركة، لكن المتبادر إلى الأفهام أن الله اتخذ صاحبكم خليلًا، فيجب عليه أن ينقطع إليه، فكيف يتخذ غيره خليلًا؟ ! وعلى الثاني: يفهم من الحديث أن الله تعالى قد اتخذ نبينا ﷺ خليلًا كما اتخذه حبيبًا، والخلة ليست مخصوصة بإبراهيم ﵇، بل حاصلة لنبينا ﷺ بأكمل وجه وأتم مقام، ولا يخفى ما في هذا الحديث من الدلالة على فضل الصديق، وأنه يصلح أن يكون خليلًا لمثله ﷺ لو جاز له اتخاذ أحد خليلًا سوى الله تعالى، وهل يعقل في العقل ويتصور في النقل درجة فوق هذا؟ !
(قال وكيع) بالسند السابق: (يعني) ﷺ ؛ أي: يقصد بقوله: إن صاحبكم (نفسه) الشريفة عليها أفضل الصلوات وأزكى التحيات.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب فضائل الصحابة باب (٤٧)، الحديث (٦١٢٦)، والترمذي في كتاب المناقب، باب مناقب أبي بكر الصديق الحديث (٣٦٥٥).
فدرجته: أنه صحيح، وغرضه بسوقه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
стр. 337
(٩٢) - ٩٢ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا نَفَعَنِي مَالٌ قَطُّ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ"، قَالَ: فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: هَلْ أَنَا وَمَالِي إِلَّا لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ.
===
ثم استشهد المؤلف ﵀ لحديث ابن مسعود بحديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنهما-، فقال:
(٩٢) - ٩٢ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد) الطنافسي.
(قالا: حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم التميمي.
قال: (حدثنا الأعمش عن أبي صالح) السمان ذكوان المدني.
(عن أبي هريرة) -رضي الله تعالى عنه-.
وهذا السند من خماسياته؛ رجاله ثلاثة منهم كوفيون، واثنان مدنيان، وحكمه: الصحة.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : ما نفعني مال) أحد (قط) ظرف مستغرق لما مضى من الزمان ملازم للنفي؛ أي: ما نفعني مال أحد من الناس في زمن من الأزمنة الماضية (ما نفعني) أي: مثل ما نفعني (مال أبي بكر) -رضي الله تعالى عنه-؛ لأنه خرج من نفسه وماله لله وأنفقه في طريق الهجرة، فكان ماله فداء لنفس الرسول ﷺ ، والكلام على التشبيه البليغ.
(قال) أبو هريرة: (فبكى أبو بكر) -رضي الله تعالى عنه- فرحًا به، (وقال: هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله) أي: ليست نفسي ولا مالي إلا لله ولك يا رسول الله؛ فإني خرجت منهما لله ولرسوله ﷺ ، انظر إلى
стр. 338
(٩٣) - ٩٣ - (٣) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ،
===
مراعاة تأدبه وتواضعه في حضرته ﷺ ؛ فقد جعل نفسه كالعبد وكذلك الأدب؛ فالنبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه. انتهى "تحفة الأشراف"، وفي "الزوائد": قلت: أخرجه الترمذي إلى قوله: (فبكى أبو بكر)، ورواه النسائي من هذا الوجه في المناقب.
قلت: مضمونه إلى قوله: (فبكى أبو بكر) في الصحيح، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ﵀ ثانيًا لحديث ابن مسعود بحديث علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنهما-، فقال:
(٩٣) - ٩٣ - (٣) (حدثنا هشام بن عمار) السلمي الدمشقي، صدوق، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه (خ عم).
قال: (حدثنا سفيان) بن عيينة الهلالي أبو محمد الأعور الكوفي، ثقة، من الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الحسن بن عمارة) بن المُضرِّب - بميم مضمومة وفتح ضاد معجمة وكسر راء مشددة آخره موحدة -البجلي- بموحدة وجيم مفتوحتين- منسوب إلى بَجيلة؛ وهي أم والد أنمار بن راش، مولاهم، أبي محمد الكوفي.
قال أبو بكر المروزي عن أحمد: متروك الحديث، وقال أبو طالب عنه: كان منكر الحديث وأحاديثه موضوعة لا يكتب حديثه، وقال ابن معين: ضعيف،
стр. 339
عَنْ فِرَاسٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ
===
وقال الساجي: ضعيف متروك، أجمع أهل الحديث على ترك حديثه، وقال في "التقريب": متروك، من السابعة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئة (١٥٣ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(عن فراس) -بكسر الفاء وبالسين المهملة- ابن يحيى الهمداني الخارفي أبي يحيى الكوفي، له نحو أربعين حديثًا، صدوق ربما وهم.
وقال العجلي: كوفي ثقة من أصحاب الشعبي، وقال ابن عمار: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان متقنًا من السادسة، مات سنة تسع وعشرين ومئة (١٢٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الشعبي) عامر بن شراحيل الحميري الكوفي.
(عن الحارث) الأعور بن عبد الله الهمداني أبي زهير الكوفي، كان فقيهًا فرضيًّا ويفضل عليًّا على أبي بكر متشيعًا غاليًا، والعلة عند من ردّه التشيع.
وقد وثقه ابن معين والنسائي وغيرهما، وضعفه الثوري وابن المديني وأبو زرعة والدارقطني وابن سعد وأبو حاتم وغيرهم، فهو مختلف فيه، من الثانية. يروي عنه: (عم).
(عن علي) بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه-.
وهذا السند من سباعياته؛ رجاله خمسة منهم كوفيون، وواحد مدني، وواحد دمشقي، وحكمه: الضعف؛ لأن الحسن بن عُمارة اتفقوا على ضعفه.
(قال) علي بن أبي طالب: (قال رسول الله ﷺ : أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة) -بضم الكاف- جمع كَهْل؛ كفلس وفلوس؛ وهو من خالطه الشيب، قال الطيبي: عبر به باعتبار ما كانوا عليه في الدنيا،
стр. 340
مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ إِلَّا النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، لَا تُخْبِرْهُمَا يَا عَلِيُّ مَا دَامَا حَيَّيْنِ".
(٩٤) - ٩٤ - (٤) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ
===
وإلا .. فليس في الجنة كهل؛ كقوله: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ (١) قيل: فالمعنى: هما سيدا من مات كهلًا من المسلمين، وإذا كانا سيدي الكهول .. فبالأولى أن يكونا سيدي الشباب، كذا قالوا، وقيل: أراد بالكهل هنا: الحليم العاقل، والله تعالى يدخل الجنة أهلها الحكماء العقلاء. انتهى "سندي".
(من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين)، ولكن (لا تخبرهما) أي: لا تخبر العُمرين (يا على) هذه المزية الثابتة لهما (ما داما حيين) أي: مدة بقائهما في الدنيا؛ والغرض من هذا إفادة التأبيد لئلا يُظن تخصيص النهي بالحال، وإلا .. فلا يتصور الإخبار بعد الموت.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب المناقب، باب في مناقب أبي بكر وعمر، وحسنه من بعض الوجوه.
فدرجة الحديث: أنه حسن لغيره؛ لأنّ له شاهدًا من حديث الترمذي، وإن كان سنده ضعيفًا .. فهو ضعيف السند، حسن المتن، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث ابن مسعود بحديث أبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنهما-، فقال:
(٩٤) - ٩٤ - (٤) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي، ثقة، من
стр. 341
وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
===
العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(وعمرو بن عبد الله) بن حنش -بفتح المهملة والنون بعدها معجمة- ويقال: ابن محمد بن حنش الأودي. روى: عن أبيه، ووكيع، ويروي عنه: (ق)، وأبو حاتم، وابن خزيمة.
قال في "التقريب": ثقة، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ)، وذكره ابن حِبان في "الثقات".
(قالا) أي: قال على وعمرو: (حدثنا وكيع) بن الجراح.
(حدثنا الأعمش عن عطية بن سعد) بن جنادة -بضم الجيم بعدها نون خفيفة -الجدلي -بفتح الجيم والمهملة- أبي الحسن الكوفي.
ضعفه أحمد وأبو حاتم والنسائي وهُشيم، وقال أبو زرعة: لين، وقال أبو داوود: ليس ممن يعتمد عليه، وذكره ابن حبان في "الضعفاء"، وقال ابن معين: صالح، وقال ابن حبان: سمع من أبي سعيد أحاديث، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى، وله أحاديث صالحة ومن الناس من لا يحتج به. انتهى "تهذيب"، وقال في "التقريب: صدوق يخطئ كثيرًا كان شيعيًا مدلسًا، من الثالثة، مات سنة إحدى عشرة ومئة (١١١ هـ). يروي عنه: (د ت ق).
(عن أبي سعيد الخدري) سعد بن مالك بن سنان الأنصاري المدني -رضي الله تعالى عنه-.
وهذا السند من خماسياته؛ رجاله كلهم كوفيون، إلا أبا سعيد الخدري؛ فإنه مدني، وحكمه: الحسن؛ لأن عطية العوفي مختلف فيه.
стр. 342
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَا يَرَاهُمْ مَنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ كَمَا يُرَى الْكَوْكَبُ الطَّالِعُ فِي الْأُفُقِ مِنْ آفَاقِ السَّمَاءِ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ وَأَنْعَمَا".
===
(قال) أبو سعيد الخدري: (قال رسول الله ﷺ : إن أهل الدرجات) جمع الدرجة وهي المرتبة والطبقة (العلا) جمع عُليا كالكبرى؛ أي: من أهل الجنة (يراهم) وفي رواية الترمذي: (ليراهم) مؤكدة باللام، وهي بصرية، و (من) اسم موصول فاعل الرؤية (أسفل) ظرف منصوب صلة لمن الموصولة؛ أي: ليبصرهم وينظر إليهم الذين كانوا أسفل (منهم) أي: أسفل من أهل الدرجات العلا في المنزلة (كما يُرى) بالبناء للمفعول؛ أي: كما يرى أهل الأرض (الكوكب) أي: النجم (الطالع في الأفق) أي: في أفق (من آفاق السماء) أي: في ناحية من نواحي السماء.
(وإن أبا بكر وعمر منهم) أي: من أهل الدرجات العلا، وقوله: (وأنعما) فعل ماض اتصل به ألف الاثنين من باب أفعل الرباعي اللازم؛ مثل أبرع وأورق؛ أي: بل زادا على تلك المنزلة والمرتبة؛ من أنعم زيدٌ إذا زاد على غيره في النعمة، أو أنعما؛ أي: دخل أبو بكر وعمر في النعيم الأبدي؛ من قولهم: أنعم زيد إذا دخل في النعيم، وقيل: معناه صارا إلى النعيم الأبدي ودخلا فيه؛ كقوله: أشمل إذا دخل في الشمال، كذا في "النهاية".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب المناقب، باب مناقب أبي بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- (٣٦٥٨)، وأبو داوود أيضًا، وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
стр. 343
(٩٥) - ٩٥ - (٥) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ،
===
وحينئذ فدرجة هذا الحديث: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ ولأن له شاهدًا من رواية الترمذي وأبي داوود من هذا الطريق، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى رابعًا لحديث ابن مسعود بحديث حذيفة بن اليمان -رضي الله تعالى عنهم-، فقال:
(٩٥) - ٩٥ - (٥) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي.
(حدثنا وكيع) بن الجراح الكوفي.
(ح وحدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي أبو بكر البصري.
(حدثنا مُؤَمَّلٌ) -بوزن محمد بهمزة- ابن إسماعيل العدوي مولى آل الخطاب أبو عبد الرحمن البصري. روى عن: سفيان الثوري. وروى عنه: (ت س ق)، وبندار.
وثّقه ابن معين، وقال ابن سعد: ثقة كثير الغلط، وقال الدارقطني: ثقة كثير الخطأ، ووثقه ابن راهويه، وقال أبو حاتم: صدوق شديد في السنة كثير الخطأ، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال الساجي: صدوق كثير الخطأ، وله أوهام يطول ذكرها، من صغار التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ).
(قالا) أي: كل من وكيع ومؤمل: (حدثنا سُفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي.
(عن عبد الملك بن عمير) الفرسي اللخمي أبو عمر القبطي الكوفي،
стр. 344
عَنْ مَوْلىً لِرِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنِّي لَا أَدْرِي مَا قُدِّرَ بَقَائِي فِيكُمْ، فَاقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي"،
===
ثقة فقيه تغير حفظه وربما دلس، من الرابعة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ)، وقد جاوز المئة. يروي عنه: (ع).
(عن مولىً لربعي بن حراش) اسمه هلال الكوفي. روى عن: مولاه حديث: "اقتدوا باللذين من بعدي؛ أبي بكر وعمر"، ويروي عنه: عبد الملك بن عمير.
ذكره ابن حبان في "الثقات"، وروى عنه: (ت ق)، ولم يُسمِّياه، وأشار الترمذي إلى تسميته تطبيقًا من رواية إبراهيم بن سعد عن الثوري عن عبد الملك. انتهى "تهذيب"، وقال في "التقريب": مقبول، من السادسة.
(عن ربعي بن حراش) -بكسر المهملة- العبسي أبي مريم الكوفي، ثقة مخضرم، من الثانية، مات سنة مئة (١٠٠ هـ)، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن حذيفة بن اليمان) العبسي أبي عبد الله الكوفي حليف الأنصار -رضي الله تعالى عنهما-.
وهذان السندان من سباعياته؛ الأول منهما من لطائفه: أن رجاله كلهم كوفيون، والثاني منهما من لطائفه: أن رجاله خمسة منهم كوفيون، واثنان بصريان، وحكمهما: الصحة، ولا يقدح كون مؤمل مختلفًا فيه؛ لأنه إنما ذكره على سبيل المقارنة.
(قال) حذيفة بن اليمان: (قال رسول الله ﷺ : إني لا أدري ما قُدر بقائي فيكم) وما استفهامية؛ أي: لا أعلم كم مدة مقامي فيكم أقليلٌ أم كثير؟ (فاقتدوا باللذين) بالتثنية، وفيه تنبيه على خلافتهما بعده ﷺ ؛ أي: فأتموا بالخليفتين اللذين يقومان (من بعدي)
стр. 345
وَأَشَارَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ.
(٩٦) -٩٦ - (٦) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ،
===
لصدق سريرتهما وحسن سيرتهما، وفيه إشارة لأمر الخلافة، قال المناوي: وقوله: "أبي بكر وعمر" بدل من اللذين، (وأشار) بيده الشريفة عند قوله: باللذين (إلى أبي بكر وعمر) رضي الله تعالى عنهما.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب المناقب، باب مناقب أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وقال: هذا حديث حسن، وأحمد في "مسنده"
قلت: ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث ابن مسعود بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٩٦) - ٩٦ - (٦)) حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي.
(حدثنا يحيى بن آدم) بن سليمان الكوفي الأموي، ثقة فاضل، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروى عنه: (ع).
قال: (حدثنا) عبد الله (بن المبارك) الحنظلي مولاهم أبو عبد الرحمن المروزي، ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد جمعت فيه خصال الخير، من الثامنة، مات سنة إحدى وثمانين ومئة (١٨١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عمر بن سعيد بن أبي حسين) النوفلي المكي، ثقة، من السادسة.
يروي عنه: (خ م ت س ق).
стр. 346
عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَمَّا وُضِعَ عُمَرُ عَلَى سَرِيرِهِ .. اكْتَنَفَهُ النَّاسُ يَدْعُونَ وَيُصَلُّونَ، أَوْ قَالَ: يُثْنُونَ وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ وَأَنَا فِيهِمْ، فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا رَجُلٌ قَدْ زَحَمَنِي وَأَخَذَ بِمَنْكِبِي، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالبٍ، فَتَرَحَّمَ
===
(عن) عبد الله بن عبيد الله (بن أبي مُليكة) -بالتصغير- زهير بن عبد الله بن جُدعان التيمي أبي بكر المكي، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة (١١٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(قال: سمعت) عبد الله (بن عباس) الهاشمي أبا العباس الطائفي رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته؛ رجاله اثنان منهم مكيان، واثنان كوفيان، وواحد طائفي، وواحد مروزي، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات.
حالة كون ابن عباس (يقول: لما وُضع عمر) بن الخطاب (على سريره) .. قيل: للغسل بعد موته، قلت: أو على نعشه للحمل إلى المقبرة، وهو الأوفق بقوله: قبل أن يُرفع .. (اكتنفه الناس) أي: أحاطوا بأكنافه؛ أي: بجهاته كلها حالة كونهم (يدعون) له بالمغفرة (ويُصلون) له؛ أي: يترحمون له، ويحتمل على بعد صلاة الجنازة.
(أو قال) ابن عباس (يُثنون) عليه؛ أي: يذكرونه بالخير (ويُصلون عليه) أي: يترحمون عليه (قبل أن يُرفع) من موضعه ويُحمل إلى القبر، والشك من ابن أبي مليكة (وأنا فيهم) أي: قال ابن عباس: اكتنفوا به والحال أني فيهم، (فلم يَرُعْنِي) -بفتح الياء وضم الراء- من باب قال من الورع وهو الفزع؛ أي: لم يفزعني ولم يفجأني (إلا رجل قد زحمني) أي: ازدحم عليّ، (وأخذ) بيده (بمنكبي) بالإفراد؛ والمنكب: ما بين رأس العضد والعُنق، ويُسمى بالكاهل.
(فالتفت) إليه، (فإذا) هو (علي بن أبي طالب، فترحم) ذلك الرجل؛
стр. 347
عَلَى عُمَرَ ثُمَّ قَالَ: مَا خَلَّفْتَ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَلْقَى اللهَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ، وَايْمُ اللهِ؛ إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ لَيَجْعَلَنَّكَ اللهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ؛ وَذَلِكَ أَنِّي كُنْتُ أَكْثَرُ أَنْ أَسْمَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ
===
يعني: عليًّا؛ أي: قال: رحمة الله (على عمر، ثم قال) عليّ مخاطبًا لعمر: (ما خلفت) -بفتح التاء- خطابًا لعمر؛ أي: ما تركت يا عمر في الدنيا (أحدًا أحب إلي) أي: أكثر محبوبية عندي (أن ألقى الله) (بمثل عمله منك) يا عمر، وفي هذا دلالة على أنه لا يعتقد أن لأحد عملًا في ذلك الوقت أفضل من عمل عمر، قال القرطبي: كانت الشيعة تنسب إلى عليّ أنه كان يبغض الخليفتين ينسبهما إلى الجَوْر في الإمامة، قال القاضي عياض: والحديث يرد عليهم ويكذبهم بل المعلوم منه في حقهما ما دل عليه الحديث من محبته لهما واعترافه بفضلهما عليه وعلى غيره وثنائه عليهما.
(وايم الله) أي: اسم الله قسمي؛ (إن) مخففة من الثقيلة بدليل ذكر اللام الفارقة بعدها؛ أي: إنه (كنت لأظن) اللام فيه لام الابتداء، وفي قوله: (ليجعلنك الله مع صاحبيك) رسول الله ﷺ وأبي بكر رضي الله تعالى عنه في المدفن، وقيل: في عالم القدس .. لام القسم، وفي رواية مسلم: (إن كنتُ لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك) قال القاضي عياض: وأوضح فيه صدق ظنه في دفنه معهما كما ذكر، قال الأبي: قلت: ولا يقال فيه الحلف على الظن؛ لأن حلفه إنما هو على وقوع الظن منه لا على المظنون صدقه الذي جعله ابن المواز اليمين الغموس. انتهى.
(وذلك) أي: وسبب ذلك الظن (أني كنت أكثر) بالرفع مبتدأ محذوف الخبر وجوبًا؛ لقيام الحال مقامه، من قبيل قولهم: أخطب ما يكون الأمير قائمًا، وجملة قوله: (أن أسمع رسول الله ﷺ في تأويل
стр. 348
يَقُولُ: "ذَهَبْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَدَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ"، فَكُنْتُ أَظُنُّ لَيَجْعَلَنَّكَ اللهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ.
(٩٧) -٩٧ - (٧) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ الرَّقِّيُّ،
===
مصدر مضاف إليه لأكثر، وجملة (يقول) حال قامت مقام الخبر، والجملة الاسمية خبر كنت، ولا يصح أن يكون لفظ (أكثر) خبرًا لكنت؛ إذ لا يصح أن يوصف الشخص بكونه أكثر سماعه، والتقدير: وذلك أني كنت أكثر سماعي رسول الله ﷺ قائلًا؛ أي: حاصلٌ إذا كان ووجد حالة كونه قائلًا: (ذهبت أنا) تأكيد لضمير الرفع المتصل؛ ليصح العطف عليه.
وقوله: (وأبو بكر وعمر) معطوف على ضمير الفاعل؛ أي: ذهبنا إلى كذا وكذا، (ودخلت أنا وأبو بكر وعمر) على كذا وكذا، (وخرجت أنا وأبو بكر وعمر) إلى كذا وكذا؛ أي: لا يصفُ نفسَه بشيء من الأفعال إلا ذكرهما معه، (فـ) بسبب كثرة سماعي ذلك منه ﷺ (كنت أظن) والله (ليجعلنك الله مع صاحبيك) رسول الله ﷺ وأبي بكر رضي الله تعالى عنه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري ومسلم؛ روياه في كتاب فضائل الصحابة رضوان الله عليهم وعلينا أجمعين.
فدرجته: أنه في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٩٧) -٩٧ - (٧)) حدثنا علي بن ميمون الرقي) نسبة إلى الرقة؛ اسم بلدة، أبو الحسن العطار.
стр. 349
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
===
قال أبو حاتم: ثقة، وقال النسائي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": ثقة، من العاشرة، مات سنة ست وأربعين ومئتين (٢٤٦ هـ). يروي عنه: (س ق).
قال: (حدثنا سعيد بن مسلمة) بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي نزيل الجزيرة.
قال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: ضعيف، وقال الدارقطني: ضعيف يعتبر به، وقال ابن حبان في "الثقات": يخطئ.
قلت: وذكره في "الضعفاء"، فقال: فاحشُ الخطأ منكر الحديث جدًّا، وقال السَّاجيُّ: صدوق منكر الحديث، وقال في "التقريب": ضعيف، من الثامنة، مات بعد التسعين. يروي عنه: (ت ق).
(عن إسماعيل بن أمية) بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي المكي، ثقة ثبت، من السادسة، مات سنة أربع وأربعين ومئة، وقيل قبلها. يروي عنه: (ع).
(عن نافع) الفقيه العدوي مولاهم أبي عبد الله المدني، ثقة ثبت فقيه مشهور، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة، أو بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن) عبد الله (بن عمر) العدوي أبي عبد الرحمن المكي رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته؛ رجاله اثنان منهم مكيان، وواحد مدني، وواحد جزري، وواحد رقيّ، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه راويًا متفقًا على ضعفه؛ وهو سعيد بن مسلمة.
(قال) ابن عمر: (خرج رسول الله ﷺ من الحجرة
стр. 350
بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ: "هكَذَا نُبْعَثُ".
(٩٨) - ٩٨ - (٨) حَدَّثَنَا أَبُو شُعَيْبٍ صَالِحُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ بَكْرِ بْنِ خُنَيْسٍ،
===
الشريفة إلى المسجد حالة كونه ماشيًا (بين أبي بكر وعمر، فقال) رسول الله ﷺ : (هكذا نُبعث) يوم القيامة؛ أي: نبعث يوم القيامة من قبورنا حالة كوننا ماشيين؛ أي: أنا بينكما.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب المناقب، باب مناقب أبي بكر وعمر، وقال: هذا حديث غريب، ولفظه بهذا السند المذكور هنا: (أن رسول الله خرج ذات يوم) أي: من الحجرة الشريفة، أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره (وهو آخذ بأيديهما هكذا) بالوصف المذكور من الاجتماع المُسطر، (نُبعث) أي: نُخرج من القبور، وقد روي بغير هذا الوجه.
ودرجته: أنه ضعيف (١٦)(١٦)؛ لأن في رجاله راويًا متفقًا على ضعفه؛ وهو سعيد بن مسلمة، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف سادسًا لحديث أبي سعيد بحديث أبي جحيفة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٩٨) -٩٨ - (٨) (حدثنا أبو شعيب صالح بن الهيثم الواسطي) الصيرفي الطحان، صدوق، من العاشرة. يروي عنه: (ق).
قال: (حدثنا عبد القدُّوس بن بكر بن خُنيس) -مصغرًا- أبو الجهم الكوفي. قال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قلت: وذكر محمود بن غيلان عن أحمد وابن معين وأبي خيثمة أنهم ضربوا على حديثه، من التاسعة. يروي عنه: (ت ق).
стр. 351
حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ سَيِّدَا كُهُولِ أهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ إِلَّا النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ".
===
قال: (حدثنا مالك بن مِغْوَل) -بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الواو- البجلي أبو عبد الله الكوفي أحد علماء الكوفة.
وثقه أحمد وابن معين، وقال في "التقريب": ثقة ثبت، من كبار السابعة، مات سنة تسع وخمسين ومئة (١٥٩ هـ). يروي عنه (ع).
(عن عون بن أبي جُحيفة) وهب بن عبد الله السُّوائي -بضم المهملة- الكوفي أحد علماء الكوفة.
وثقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": ثقة، من الرابعة، مات سنة ست عشرة ومئة (١١٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) وهب بن عبد الله السُّوائي -بضم المهملة ومد الواو- أبي جحيفة الكوفي مشهور بكنيته، ويقال له: وهب الخير، صحابي معروف كان من صغار الصحابة رضي الله تعالى عنه وعنهم أجمعين، مات النبي ﷺ قبل أن يبلغ الحلم، له خمسة وأربعون حديثًا؛ اتفقا على حديثين، وانفرد (خ) بحديثين، و (م) بثلاثة، مات سنة أربع وسبعين (٧٤ هـ).
وهذا السند من خماسياته؛ ورجاله كلهم ثقات، كلهم كوفيون إلا صالح بن الهيثم؛ فإنه واسطي، وحكمه: الصحة.
(قال) أبو جحيفة: (قال رسول الله ﷺ : "أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين") تقدم تخريجه من حديث على رضي الله تعالى عنه.
стр. 352
(٩٩) - ٩٩ - (٩) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
والكهول جمع كهل؛ كفلس وفلوس، والكهل على ما في "القاموس": من جاوز الثلاثين أو أربعًا وثلاثين إلى إحدى وخمسين، فاعتبر ما كانوا عليه حال هذا الحديث، وإلا .. لم يكن في الجنة كهل؛ كقول تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ (١)، وقيل: سيدا من مات كهلًا من المسلمين فدخل الجنة؛ لأنه ليس فيها كهل، بل كل من يدخلها ابن ثلاث وثلاثين سنة، وإذا كانا سيدي الكهول .. فمن باب أولى أن يكونا سيدي شباب أهلها.
قلت: وقع في رواية أحمد: "هذان سيدا كهول أهل الجنة وشبابها بعد النبيين والمرسلين".
قال الجزري في "النهاية": الكهل من الرجال: من زاد على ثلاثين سنة إلى الأربعين، وقيل: من ثلاثٍ وثلاثين سنة إلى تمام الخمسين، وقد اكتهل الرجل وكاهل إذا بلغ الكهولة فصار كهلًا، وقيل: أراد بالكهل ها هنا: الحليم العاقل؛ أي: إن الله يدخل أهل الجنة الجنة حلماء عقلاء. انتهى.
وقوله: "من الأولين والآخرين" أي: من الناس أجمعين. انتهى تحفة "الأحوذي".
* * *
ثم استشهد المؤلف سابعًا لحديث ابن مسعود بحديث أنس رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٩٩) - ٩٩ - (٩) (حدثنا أحمد بن عبدة) بن موسى الضبي أبو عبد الله البصري.
стр. 353
وَالْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ؟ أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: "عَائِشَةُ"،
===
وثقه أبو حاتم والنسائي، وقال في "التقريب": ثقة رمي بالنصب، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (م عم).
(والحسين بن الحسن المروزي) أبو عبد الله المكي، صدوق، من العاشرة، مات سنة ست وأربعين ومئتين (٢٤٦ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(قالا: حدّثنا المُعتمرُ بن سليمان) التيمي أبو محمد البصري.
وثقه أبو حاتم وابن معين وابن سعد، وقال في "التقريب": ثقة، من كبار التاسعة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن حُميد) بن أبي حُميد -اسمه تَيرٌ أو تيرويه- مولى طلحة الطلحات، أبي عبيدة البصري الطويل.
(عن أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من رباعياته؛ رجاله كلهم بصريون، وحكمه: الصحة.
(قال) أنس: (قيل: يا رسول الله؛ أيُّ) أفراد (الناس أحب إليك؟ ) يا رسول الله؛ أي: أشد محبوبية عندك يا رسول الله، والسائل هو عمرو بن العاص كما هو مصرح في رواية الترمذي، وسبب سؤاله عن ذلك أنه وقع في نفس عمرو لما أمَّره النبي ﷺ في غزوة ذات السلاسل على الجيش وفيهم أبو بكر وعمر أنه مقدّم عنده في المنزلة عليهم، فسأله لذلك.
(قال) رسول الله ﷺ : أحبُّهم عنده (عائشة) بنت أبي بكر الصديق أم المؤمنين، وهذه المحبة كانت باعتبار بعض الوجوه، فمرجعها إلى
стр. 354
قِيلَ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: "أَبُوهَا".
===
الفضل الجزئي، فلا يدل على الفضل الكلي، ولذلك جاء فيها تقديم أبي عبيدة على عثمان وعلي. انتهى.
(قيل) له ﷺ : أيُّ الناس أحب إليه (من الرجال؟ قال: أبوها) أبو بكر الصديق ﵄، زاد البخاري في المغازي: قلت: ثم من؟ قال: عمر، فعدّ رجالًا، فسكتُّ مخافة أن يجعلني في آخرهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب المناقب، باب فضل عائشة بطريق عمرو بن العاص، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والبخاري أيضًا من طريق عمرو بن العاص في كتاب المغازي.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف من الأحاديث في هذا الباب: تسعة:
الأول للاستدلال، والسابع للاستئناس؛ لأنه ضعيف، وهو الحديث السابع في الباب، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 355
(١١) - (٢) - فَضْلُ عُمَرَ ﵁
(١٠٠) - ١٠٠ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ،
===
(١١) - (٢) - (فضل عمر ﵁
يكنى أبا حفص، وهو ابن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قُرط بن رزاح بن زيد بن عبدي بن كعب بن لؤي، وفي كعب بن لؤي يجتمع مع النبي ﷺ ، أسلم سنة ست من النبوة، وقيل: سنة خمس، بعد أربعين رجلًا وإحدى عشرة امرأة، وقيل: بعد ثلاث وثلاثين رجلًا، وقيل: إنه تمام الأربعين، ويُسمى الفاروق؛ لأنه فرق بإسلامه بين الحق والباطل، ونزل جبريل، فقال: يا محمد؛ استبشر أهل السماء بإسلام عمر.
حُفِظ له من الحديث خمس مئة وسبعة وثلاثون؛ في "الصحيحين" منها أحد وثلاثون، وتوفي شهيدًا رضي الله تعالى عنه، قتله أبو لؤلؤة المسمى بفيروز غلامُ المغيرة بن شعبة سنة ثلاث وعشرين، طعنه بسكين ذات طرفين، وطعن معه اثني عشر رجلًا مات منهم ستة، ثم رمى على العِلجِ رجلٌ من أهل العراق برنسًا، فحبسه بة فوجأ العِلج نفسه، وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة ﵁ وأرضاه.
* * *
(١٠٠) - ١٠٠ - ١١) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي.
قال: (حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي مولاهم الكوفي مشهور بكنيته، ثقة ثبت، من كبار التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع).