(٣) - (٧١٣) - بَابُ بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ
(٥) - ٢١٦٢ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الْأَخْضرُ بْنُ عَجْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصارِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُهُ،
===
(٣) - (٧١٣) - (باب بيع المزايدة)
(٥) - ٢١٦٢ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ خطيب، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي أخو إسرائيل، ثقة مأمون، من الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ)، وقيل: سنة إحدى وتسعين ومئة (١٩١ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا الأخضر بن عجلان) الشيباني البصري، صدوق، من الرابعة. يروي عنه: (عم).
(حدثنا أبو بكر الحنفي) التابعي البصري، اسمه عبد الله، قيل: اسمه كنيته، وقيل: هو مجهول الحال، فهو مختلف فيه، من الرابعة. يروي عنه: (عم).
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن، وأعله ابن القطان بجهل حال أبي بكر الحنفي، ونقل عن البخاري أنه قال: لا يصح حديثه، كذا في "التلخيص".
(أن رجلًا من الأنصار) لم أر من ذكر اسمه (جاء إلى النبي ﷺ حالة كون ذلك الرجل (يسأله) أي: يسأل النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 6022
فَقَالَ: "لَكَ فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ؟ "، قَالَ: بَلَى، حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ، وَقَدَحٌ نَشْرَبُ فِيهِ الْمَاءَ قَالَ: "ائْتِنِي بِهِمَا"، قَالَ: فَأَتَاهُ بِهِمَا: فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِه، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ؟ "، فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ، قَالَ:
===
شيئًا من المال (فقال) له النبي ﷺ : (لك) أيها الرجل (في بيتك شيء) من المال؟ والكلام على تقدير همزة الاستفهام التقريري؛ كما في "أبي داوود": ألك في بيتك شيء من المال ولو قليلًا؟
فـ (قال) الرجل: (بلى) لنا (حِلْسٌ) في بيتي -وهو بكسر المهملة وسكون اللام-: كساء غليظ يلي ظهر البعير تحت القتب. انتهى من "العون"، وفي "السندي": كساء يشبه البطانية، يوضع على ظهر البعير تحت القتب.
(نلبس بعضه) في الليل بالتغطية لدفع البرد (ونبسط بعضه) بالفرش؛ ليكون لنا وقاية من الأرض، واستعماله من الرجل وأهله؛ لفقرهم الشديد (و) لنا (قدح) أي: كأس (نشرب فيه الماء).
فـ (قال) له النبي ﷺ : (ائتني بهما) أي: بالحلس والقدح (قال) أنس: (فأتاه بهما) أي: فأتى الرجل النبي ﷺ بالحلس والقدح (فأخذهما رسول الله ﷺ أي: أخذ الحلس والقدح من الرجل (بيده) الشريفة (ثم قال) رسول الله ﷺ لمن عنده: (من يشتري) مني (هذين؟ ) أي: هذا القدح والحلس؛ أي: من يشتري هذين المتاعين؟ فيه غاية التواضع وإظهار المرحمة؛ للعلم بأنه إذا خرج عليهما رغَّب فيهما بأكثر من ثمنهما مع ما فيه من التأكيد في هذا الأمر الشديد.
(فقال رجل) من الحاضرين، لم أر من ذكر اسمه: (أنا آخذهما) -بضم الخاء ويحتمل كسرها- أي: أشتريهما (بدرهم) واحد، فـ (قال) النبي صلى الله
стр. 6023
"مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟ " مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْن، فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ، وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا الْأَنْصَارِيَّ وَقَالَ: "اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ، وَاشْتَرِ بِالْآخَرِ قَدُومًا
===
عليه وسلم: (من يزيد) في ثمنهما (على درهم) أي: قال ذلك (مرتين أو ثلاثًا) بالشك من الراوي، فمرتين ظرف لقال، ففي قوله: "من يزيد على درهم" جواز الزيادة على الثمن إذا لم يرض البائع بما عين الطالب.
قال النووي رحمه الله تعالى: هذا ليس بسوم؛ لأن السوم: هو أن يقف الراغب والبائع على المبيع ولم يعقده، فيقول الآخر للبائع: أنا اشتريه، وهذا حرام بعد استقرار الثمن، وأما السوم بالسلعة التي تباع لمن يزيد .. فليس بحرام. انتهى من "التحفة".
(قال رجل) آخر من الحاضرين؛ لأن النكرة إذا أعيدت نكرة .. كانت غير الأولى؛ كما هو القاعدة المشهورة عند علماء العربية.
(أنا آخذهما) أي: المتاعين (بدرهمين) فيه دليل: على جواز بيع المعاطاة (فأعطاهما) أي: فأعطى النبي ﷺ المتاعين (إياه) أي: لصاحب الدرهمين (وأخذ) النبي ﷺ (الدرهمين) من المشتري (فأعطاهما) أي: أعطى النبي ﷺ الدرهمين الرجل (الأنصاري) صاحب المتاعين.
(وقال) النبي ﷺ للأنصاري: (اشتر) -بكسر الراء وفي لغة بسكونها- إجراءً للمعتل مجرى الصحيح (بأحدهما) أي: بأحد الدرهمين (طعامًا) أي: قوتًا وغذاءً (فانبذه) -بكسر الباء من باب ضرب- أي: اطرحه وادفعه (إلى أهلك) وزوجتك ليتغدوه، (واشتر بـ) الدرهم (الآخر قدومًا) -بفتح القاف وتخفيف الدال المهملة مع ضمها وجوز تشديدها- أي: فأسًا
стр. 6024
فَأْتِنِي بِهِ"، فَفَعَلَ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَشَدَّ فِيهِ عُودًا بِيَدِهِ وَقَالَ: "اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ، وَلَا أَرَاكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا"، فَجَعَلَ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ، فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فَقَالَ:
===
(فائتني به) أي: بذلك القدوم، (ففعل) الأنصاري ما أمره النبي ﷺ به من شراء الطعام لأهله وشراء القدوم والإتيان به.
(فأخذه) أي: فأخذ (رسول الله ﷺ القدوم من الأنصاري (فشد) النبي ﷺ (فيه) أي: في القدوم؛ أي: أدخل فيه وركب (عودًا) يكون ممسكًا له؛ أي: شد فيه عودًا (بيده) الشريفة، والمعنى: أن النبي ﷺ أحكم في القدوم مقبضًا من العود والخشب؛ ليمسك به القدوم؛ لأن القدوم بغير المقبض لا يستطيع الرجل به قطع الحطب وغيره بلا كلفة، فلذلك فعله ﷺ تفضلًا وامتنانًا عليه.
(وقال) النبي ﷺ للأنصاري: خذ هذا القدوم و (اذهب) به إلى الجبل (فاحتطب) أي: فاطلب الحطب واجمع به حزمة، واحمل بها إلى السوق؛ لتبيعها للناس (ولا أراك) ها هنا (خمسة عشر يومًا، فجعل) الأنصاري؛ أي: شرع (يحتطب) أي: يجمع الحطب وينزل به إلى السوق (ويبيع) فيها.
ومعنى: "لا أراك خمسة عشر يومًا" أي: لا تكن هنا هذه المدة حتى لا أراك، وهذا مما أقيم فيه المسبب مقام السبب، والمراد: نهي الرجل عن ترك الاكتساب في هذه المدة، لا نهي نفسه عن الرؤية، كذا في "المرقاة".
(فجاء) الأنصاري بعد تلك المدة إلى النبي ﷺ (و) الحال أنه (قد أصاب) واكتسب وحصل (عشرة دراهم فقال) النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 6025
"اشْتَرِ ببَعْضِهَا طَعَامًا وَبِبَعْضِهَا ثَوْبًا"، ثُمَّ قَالَ: "هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ وَالْمَسْألَةُ نُكْتَةٌ فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَة، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ، أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ".
===
للأنصاري: (اشتر ببعضها) أي: ببعض هذه الدراهم (طعامًا) لأهلك (وببعضها ثوبًا) لهم.
(ثم) بعدما أمره بذلك (قال) النبي ﷺ للأنصاري: (هذا) الاحتطاب والاكتساب وإنفاق نفسك وأهلك من كسبك (خير لك) أي: أكثر لك أجرًا، وأفعل التفضيل ليس على بابه (من أن) تسأل الناس أعطوك أولم يعطوك و (تجيء) الموقف (والمسألة) أي: والحال أن مسألة الناس (نكتة في وجهك يوم القيامة) ظرف لتجيء، والنكتة -بضم النون وسكون الكاف-: أثر كالنقطة؛ أي: والحال أن المسألة علامة قبيحة في وجهك يوم القيامة، أو أثر من العيب؛ لأن السؤال ذل في التحقيق.
(إن المسألة لا تصلح) أي: لا تحل ولا تجوز (إلا لذي) أي: لصاحب (فقر مدقع) -بدال وعين مهملتين بينهما قاف- أي: إلا لصاحب فقر شديد يفضي لصاحبه إلى الدَّقْعَاءِ؛ وهو التراب، وقيل: هو سوء احتمال الفقر (أو لذي غرم) أي: أو إلا لصاحب غرامة أو دين (مفظع) -بظاء معجمة- أي: فظيع وثقيل وفَضِيحٍ وشنيع (أو) إلا (لذي دم موجع) -بكسر الجيم وفتحها- أي: مؤلم، والمراد: دم يوجع القاتل أو أولياءه؛ بأن تلزمه الدية، وليس لهم ما يُؤدَّى به الدية، ويطلب أولياء المقتول منهم الدية وتنبعث الفتنة والمخاصمة بينهم، وقيل: هو أن يتحمل الدية فيسعى فيها ويسأل حتى يؤديها إلى أولياء المقتول؛ لتقطع الخصومة، وليس له ولأوليائه مال؛ ولا يُؤدَّى أيضًا من بيت المال، فإن لم يؤدها .. قتلوا المتحملَ عنه؛ وهو
стр. 6026
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أخوه أو حميمه، فيُوجِعُه قَتْلُه، كذا في "المرقاة". انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الزكاة، باب ما يجوز فيه المسألة، والنسائي في "المجتبى" في كتاب البيوع، باب البيع في من يزيد، والترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء في بيع من يزيد، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث الأخضر بن عجلان، وقد روى هذا الحديث المعتمر بن سليمان، وغير واحد من أهل الحديث عن الأخضر بن سليمان، وعبد الله الحنفي الذي روى عن أنس هو أبو بكر الحنفي، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم.
قال العيني: هو قول مالك والشافعي وجمهور أهل العلم، قال الحافظ: والحديث رواه أحمد وأبو داوود مطولًا، ورواه أبو داوود أيضًا والترمذي والنسائي مختصرًا. انتهى.
والأخضر بن عجلان، قال يحيى بن معين: صالح الحديث، وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه.
فدرجة هذا الحديث: أنه حسن؛ لحسن سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث.
والله أعلم
стр. 6027
(٤) - (٧١٤) - بَابُ الْإِقَالَةِ
(٦) - ٢١٦٣ - (١) حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ يَحْيَى أَبُو الْخَطَّاب، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ سُعَيْرٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا
===
(٤) - (٧١٤) - (باب الإقالة)
وهي: طلب المشتري من البائع فسخ البيع بلفظ الإقالة.
* * *
(٦) - ٢١٦٣ - (١) (حدثنا زياد بن يحيى) بن حسان (أبو الخطاب) الحساني النكري -بضم النون- البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربع وخمسين ومئتين (٢٥٤ هـ). يروي عنه (ع).
(حدثنا مالك بن سعير) -مصغرًا آخره راء- ابن الخمس -بكسر المعجمة وسكون الميم بعدها مهملة- لا بأس به، من التاسعة، مات على رأس المئتين. يروي عنه (خ م ت س ق).
(حدثنا) سليمان بن مهران (الأعمش) الكاهلي الكوفي، ثقة عارف قارئ، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي صالح) ذكوان السمان القيسي مولاهم المدني، ثقة من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : من (قال) أي: وافق (مسلمًا) نادمًا في شرائه على نقض البيع وفسخه، والإقالة تجري في
стр. 6028
أَقَالَهُ اللهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
===
البيعة والعهد أيضًا .. (أقاله الله) أي: غفر الله له (عثرته) أي: زلته وخطيئته (يوم القيامة) جزاءً وفاقًا، والإقالة في الشرع: رفع العقد الواقع بين المتعاقدين بلفظ الإقالة، وهي مشروعة إجماعًا، ولا بد فيها من لفظ يدل عليها؛ وهو: أقلت، أو ما يفيد معناه عرفًا.
قال في "إنجاح الحاجة": صورة إقالة البيع: إذا اشترى أحد شيئًا من رجل ثم ندم على اشترائه؛ إما لظهور الغبن فيه، أو لزوال حاجته إليه، أو لانعدام الثمن، فرد المبيع على البائع، وقبل البائع رده .. أزال الله مشقته وعثرته يوم القيامة؛ لأنه إحسان منه على المشتري؛ لأن البيع كان قد بت، فلا يستطيع المشتري فسخه. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب البيوع، باب في فضل الإقالة.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثًا واحدًا.
والله أعلم
стр. 6029
(٥) - (٧١٥) - بَابُ مَنْ كَرِهَ أَنْ يُسَعِّرَ
(٧) - ٢١٦٤ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ وَحُمَيْدٍ
===
(٥) - (٧١٥) - (باب من كره أن يسعر)
والتسعير: أن يأمر السلطان أو نوابه أو كل من ولي أمرًا من أمور المسلمين أهل السوق ألا يبيعوا أمتعتهم إلا بسعر كذا، فيمنع من الزيادة عليه أو النقصان لمصلحة، قاله في "النيل". انتهى من "العون".
* * *
(٧) - ٢١٦٤ - (١) (حدثنا محمد بن المثنى) العنزي البصري، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا حجاج) بن المنهال الأنماطي أبو محمد السلمي مولاهم البصري، ثقة فاضل، من التاسعة، مات سنة ست عشرة أو سبع عشرة ومئتين (٢١٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار البصري أبو سلمة الربعي، ثقة عابد أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه في آخره، من كبار الثامنة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي أبي الخطاب البصري، ثقة ثبت مدلس، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(و) عن (حميد) بالجر معطوف على قتادة، وكذا ما بعده، وما وقع في أكثر النسخ من تشكيله بالرفع .. غلط؛ أي: وروى حماد بن سلمة أيضًا عن
стр. 6030
وَثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ قَدْ غَلَا السِّعْرُ فَسَعِّرْ لَنَا فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ؛
===
حميد الطويل بن أبي الحميد، اسمه: تير، أو تيرويه، وقيل: غير ذلك من عشرة أقوال في اسم أبيه، أبي عبيدة البصري، ثقة مدلس، من الخامسة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئة (١٤٣ هـ)، وقيل: اثنتين وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(و) عن (ثابت) بن أسلم البناني أبي محمد البصري، ثقة عابد، من الرابعة، مات سنة بضع وعشرين ومئة (١٢٣ هـ). يروي عنه: (ع).
كل من الثلاثة رووا (عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أنس: (غلا السعر) أي: ارتفع قيمة الطعام والبضائع على قدر العادة؛ أي: ارتفع السعر على معتاده (على عهد رسول الله ﷺ أي: في زمن حياته (فقالوا: يا رسول الله؛ قد غلا) وارتفع (السعر) أي: أثمان الأشياء على عادته (فسعر لنا) أي: عين لنا في ثمن الأشياء قدرًا لا ينقص ولا يزاد عليه؛ أمر من التسعير؛ وهو وضع السعر على المتاع، قال الطيبي: السعر: القيمة؛ ليشيع البيع في الأسواق بها، قاله القاري.
(فقال) لهم رسول ﷺ : (إن الله) (هو المسعر) على صيغة اسم الفاعل؛ من التسعير؛ أي: الذي يرخص الأشياء ويغليها؛ أي: فمن سعر .. فقد نازعه فيما له تعالى، وليس لأحد أن ينازعه فيما وضع (القابض) أي: مضيق الرزق وغيره على من شاء، ما شاء، كيف شاء (الباسط) أي: موسعه كذلك (الرازق) أي: معطي الرزق لعباده يرزق بعضهم من بعض.
стр. 6031
إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى رَبِّي وَلَيْسَ أَحَدٌ يَطْلُبُنِي بِمَظْلَمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ".
(٨) - ٢١٦٥ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ،
===
(إني لأرجو) وأطمع (أن ألقى) الله (ربي) (و) الحال أنه (ليس أحد) من خلقه (يطلبني بمظلمة في دم ولا مال) بكسر اللام؛ لأنه من باب ضرب؛ وهي ما تطلبه من الظالم مما أخذه منك، وقد تفتح اللام وتضم؛ لأنه مما جاء بالأوجه الثلاثة؛ كما ذكره ابن مالك في "لاميته"، وفيه إشارة إلى أن التسعير تصرف في أموال الناس بغير إذن أهلها فيكون ظلمًا، فليس للإمام أن يسعر، لكن يأمرهم بالإنصاف والشفقة على الخلق والنصيحة. انتهى "سندي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب البيوع، باب في التسعير، والترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء في التسعير، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والدارمي، وأحمد.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أنس بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٨) - ٢١٦٥ - (٢) (حدثنا محمد بن زياد) بن عبيد الله الزيادي أبو عبد الله البصري، صدوق يخطئ، من العاشرة، مات في حدود الخمسين ومئتين (٢٥٠ هـ). يروي عنه: (خ ق).
قال الذهبي في "الكاشف": روى له البخاري مقرونًا بغيره، وقال ابن حبان في "الثقات": ربما أخطأ. انتهى، ولم أر لغيره من الأئمة فيه كلامًا لا بجرح ولا توثيق، وباقي رجال الإسناد ثقات. انتهى "سندي".
стр. 6032
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا سعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: لَوْ قَوَّمْتَ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أُفَارِقَكُمْ وَلَا يَطْلُبَنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ بِمَظْلَمَةٍ ظَلَمْتُهُ".
===
(حدثنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي البصري، ثقة ثبت، من الثامنة مات سنة تسع وثمانين ومئة (١٨٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا سعيد) بن أبي عروبة مهران اليشكري مولاهم البصري، ثقة حافظ واختلط في آخره، لكن روى عنه عبد الأعلى قبل اختلاطه، فلا يضر السند، من أثبت الناس في قتادة، من السادسة، مات سنة ست، وقيل: سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن قتادة عن أبي نضرة) المنذر بن مالك بن قطعة -بضم ففتح- العبدي العوقي -بفتح المهملة والواو ثم قاف- البصري، مشهور بكنيته، ثقة، من الثالثة، مات سنة ثمان أو تسع ومئة (١٠٩ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي سعيد) الخدري رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أبو سعيد: (غلا السعر) وارتفع (على عهد رسول الله ﷺ فقالوا: لو قومت) أي: لو وضعت وعينت لكل نوع من الطعام قيمة (يا رسول الله) و (لو) إما للتمني أو للشرط، وجوابها محذوف؛ تقديره: لكان خيرًا لنا.
(قال: إني لأرجو) من الله وأطمع منه (أن أفارقكم) أيها الناس بارتحالي من الدنيا إلى الآخرة (و) الحال أنه (لا يطلبني أحد منكم بمظلمة ظلمته) عند الله تعالى يوم لقائه.
стр. 6033
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه ابن حبان في "صحيحه" عن الحسن بن سفيان، حدثنا سعيد بن عبد الجبار، حدثنا الدراوردي عن داوود بن صالح عن أبيه عن أبي سعيد الخدري، ورواه أحمد في "مسنده"، وله شاهد من حديث أنس المذكور قبله.
فدرجته: أنه صحيح بغيره؛ لأن له شاهدًا من حديث أنس المذكور قبله، أو صحيح، لصحة سنده؛ وقد أجبنا آنفًا عما قيل في محمد بن زياد، وسعيد بن أبي عروبة، وغرضه: الاستشهاد به، كما ذكرنا أولًا.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول منهما للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 6034
(٦) - (٧١٦) - بَابُ السَّمَاحَةِ فِي الْبَيْعِ
(٩) - ٢١٦٦ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ الْبَلْخِيُّ أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ فَرُّوخَ قَالَ: قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ:
===
(٦) - (٧١٦) - (باب السماحة في البيع)
(٩) - ٢١٦٦ - (١) (حدثنا محمد بن أبان) بن وزير (البلخي أبو بكر) بن أبي إبراهيم المستملي، يلقب حمدويه، ثقة حافظ، من العاشرة، مات سنة أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ)، وقيل: بعدها بسنة. يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا إسماعيل) بن إبراهيم بن مقسم الأسدي البصري المعروف بـ (ابن علية) الأسدية اسم أمه، ثقة ثبت، من الثامنة، مات سنة ثلاث وتسعين ومئة (١٩٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يونس بن عبيد) بن دينار العبدي أبي عبيد البصري، ثقة ثبت فاضل ورع، من الخامسة، مات سنة تسع وثلاثين ومئة (١٣٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عطاء بن فروخ) -بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة آخره معجمة- المدني نزيل البصرة، مقبول، من الثالثة. يروي عنه: (س ق).
(قال) عطاء: (قال عثمان بن عفان) ذو النورين رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأنه مختلف في انقطاعه، قال البوصيري: هذا إسناد رجاله ثقات، إلا أنه منقطع؛ لأن عطاء بن فروخ لم يلق عثمان بن عفان، قاله علي بن المديني في "العلل".
стр. 6035
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَدْخَلَ اللهُ الْجَنَّةَ رَجُلًا كَانَ سَهْلًا بَائِعًا وَمُشْتَرِيًا".
(١٠) -٢١٦٧ - (٢) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي،
===
(قال رسول الله ﷺ : أدخل الله الجنة رجلًا كان سهلًا) أي: سمحًا لينًا يميل إلى ما يريد منه صاحبه في الأجل وغيره (بائعًا) كان ذلك الرجل السمح أ (ومشتريًا).
وهذا الحديث رواه النسائي في "الكبرى" في كتاب البيوع، باب حسن المعاملة والرفق في المطالبة عن محمد بن إسحاق عن إسماعيل بن علية، ولم أره في رواية ابن السني، وله شاهد في "صحيح البخاري" من حديث جابر بن عبد الله، ذكره المؤلف بعد هذا الحديث، ورواه الترمذي في "الجامع"، في كتاب البيوع من حديث أبي هريرة.
فدرجة هذا الحديث: أنه حسن السند، صحيح المتن بغيره؛ لأن له شاهدًا؛ كما ذكرنا، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عثمان بحديث جابر رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٠) -٢١٦٧ - (٢) (حدثنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار) القرشي مولاهم أبو حفص (الحمصي) صدوق، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٥ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا أبي) عثمان بن سعيد بن كثير القرشي مولاهم أبو عمرو الحمصي،
стр. 6036
حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "رَحِمَ اللهُ عَبْدًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى".
===
ثقة عابد، من التاسعة، مات سنة تسع ومئتين (٢٠٩ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا أبو غسان محمد بن مطرف) بن داوود الليثي المدني نزيل عسقلان، ثقة، من السابعة، مات بعد الستين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهدير -مصغرًا- التيمي المدني، ثقة فاضل، من الثالثة، مات سنة ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن جابر بن عبد الله) الأنصاري المدني الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) جابر: (قال رسول الله ﷺ : رحم الله عبدًا سمحًا إذا باع) أي: سهلًا لينًا وقت بيعِهِ للنَّاسِ (سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا اقتضى) أي: طلب حقه أو ماله من الخلق، والظرف في مواضعها الثلاث مجرد عن معنى الشرط متعلق بما قبله.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب البيوع، باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع، ومن طلب حقًّا .. فليطلبه في عفاف، والترمذي في كتاب البيوع، باب (٧٦)، رقم (١٣٢٠)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، والبيهقي في كتاب البيوع، باب السهولة والسماحة في الشراء، والطبراني في "المعجم الصغير"، باب من اسمه عبد الرحمن.
стр. 6037
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده؛ ولأن له شاهدًا، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 6038
(٧) - (٧١٧) - بَابُ السَّوْمِ
(١١) - ٢١٦٨ - (١) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ، حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ شَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ قَيْلَةَ أُمِّ بَنِي أَنْمَارٍ
===
(٧) - (٧١٧) - (باب السوم)
والسوم: مصدر سام الرجل السلعة؛ إذا استدعى من البائع أن يخبره بثمنها.
* * *
(١١) - ٢١٦٨ - (١) (حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب) المدني نزيل مكة، صدوق ربما وهم، من العاشرة، مات سنة أربعين أو إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا يعلى بن شبيب) المكي مولى آل الزبير، لين الحديث، من الثامنة. يروي عنه: (ت ق).
(عن عبد الله بن عثمان بن خثيم) -مصغرًا بالمعجمة والمثلثة- القارئ المكي أبي عثمان، صدوق، من الخامسة مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن قيلة أم بني أنمار) ويقال: أخت بني أنمار صحابية رضي الله تعالى عنها، لها حديث واحد في "ابن ماجه" في البيوع. يروي عنها: (ق).
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة، لكنه منقطع؛ لأن ابن خثيم لم يسمع من قيلة.
قال الذهبي في "الكاشف": قيلة أم رومان روى عنها ابن خثيم مرسلًا. انتهى، وأخرجه ابن سعد من طريق ابن خثيم مطولًا، وأخرجه ابن السكن، ووقع في روايته أن عبد الله بن عثمان بن خثيم قال: إنه سمع قيلة، فأثبت
стр. 6039
قَالَتْ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي بَعْضِ عُمَرِهِ عِنْدَ الْمَرْوَةِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنِّي امْرَأَةٌ أَبِيعُ وَأَشْتَرِي، فَإِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَبْتَاعَ الشَّيْءَ .. سُمْتُ بِهِ أَقَلَّ مِمَّا أُرِيدُ، ثُمُّ زِدْتُ ثُمَّ زِدْتُ حَتَّى أَبْلُغَ الَّذِي أُرِيدُ، وَإذَا أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَ الشَّيْءَ .. سُمْتُ بهِ أَكْثَرَ مِنَ الَّذِي أُرِيدُ، ثُمَّ وَضَعْتُ حَتَّى أَبْلُغَ الَّذِي أُرِيدُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَفْعَلِي يَا قَيْلَةُ؛ إِذَا أَرَدْتِ أَنْ تَبْتَاعِي شَيْئًا .. فَاسْتَامِي بِهِ الَّذِي تُرِيدِينَ أُعْطِيتِ
===
السماع لنفسه منها، فالمثبت مقدم على النافي، فحينئذ فالحديث موصول صحيح. انتهى من "الإصابة" كما سيأتي.
(قالت) قيلة: (أتيت رسول الله ﷺ في بعض عمره) -بضم ففتح- جمع عمرة (عند المروة) موضع معروف في آخر المسعى (فقلت) له ﷺ : (يا رسول الله؛ إني امرأة أبيع) البضاعة تارةً (وأشتريـ) ـها أخرى (فإذا أردت أن أبتاع) وأشتري (الشيء .. سمت به) أي: طلبت من مالكه شراءه بثمن (أقل) وأنقص (مما أريد) أن أشتري به (ثم زدت، ثم زدت) بالتكرار، في ثمنه شيئًا فشيئًا (حتى أبلغ) القدر (الذي أريد) الشراء به (وإذا أردت أن أبيع الشيء) من مالي .. (سمت به) أي: طلبت في بيعه بثمن (أكثر من) الثمن (الذي أريد) البيع به (ثم وضعت) ونقصت من ثمنه شيئًا فشيئًا (حتى أبلغ) في تنقيصه القدر (الذي أريد) البيع به.
(فقال) لي (رسول الله ﷺ : لا تفعلي يا قيلة) ما ذكرته لي من التنقيص في ثمنه في الشراء، ومن الزيادة في ثمنه إذا أردت بيعه، وأقول لك: (إذا أردت أن تبتاعي) وتشتري (شيئًا) من أموال الناس .. (فاستامي به) أي: فاذكري في قيمته القدر (الذي تريدين) الشراء به، سواء (أعطيت)
стр. 6040
أَوْ مُنِعْتِ"، فَقَالَ: "إِذَا أَرَدْتِ أَنْ تَبِيعِي شَيْئًا .. فَاسْتَامِي بِهِ الَّذِي تُرِيدِينَ أَعْطَيْتِ أَوْ مَنَعْتِ".
===
ذلك الشيء بالقدر الذي ذكرته في ثمنه (أو منعت) من أن تُعطَي بذلك الثمن الذي ذكرته للبائع.
(فقال) أي: ثم قال لي رسول الله ﷺ ؛ فالفاء هنا بمعنى (ثم) التي للترتيب الذكري، و (إذا أردت أن تبيعي شيئًا) من مالك .. (فاستامي به) أي: فاذكري في سومه وتقويمه القدر (الذي تريدين) البيع به، سواء (أعطيت) -بكسر التاء- لأنه خطاب مؤنث؛ أي: أعطيت ذلك الثمن الذي ذكرته للمشتري، (أو منعت) من إعطائه، فلا تكذبي بذكر الزيادة في الثمن، سواء اشتريت أو بعت؛ لأن الكذب يمحق بركة البيع.
تتمة
قيلة الأنمارية، يقال لها: أم بني أنمار، وأخت بني أنمار، وقال الطبري: العُقَيلِيَّة، وقال ابن أبي خيثمة: الأنصارية أخت بني أنمار، لها صحبة، وأخرج حديثها هو وابن ماجه من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم عنها قالت: (رأيت رسول الله ﷺ عند المروة يحل من عمرة له، فقلت له: إني امرأة أشتري وأبيع، فأستام أكثر مما أريد، ثم أنقص. . .) الحديث، وفيه: (لا تفعلي).
وأخرجه ابن سعد من طريق ابن خثيم مطولًا، وأخرجه ابن السكن، ووقع في روايته أن عبد الله بن عثمان بن خثيم قال: إنه سمع قيلة، فأثبت السماع منها لنفسه، وقال الفاكهي: دار أم أنمار بمكة، وكانت برزة من النساء بأخرة. انتهى من "الإصابة" لابن حجر.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، فدرجته مع ذلك: أنه صحيح؛ لصحة
стр. 6041
(١٢) - ٢١٦٩ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنِ الْجُرَيْرِيّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ
===
سنده؛ لأنه موصول، ولأن له شاهدًا في "الصحيحين" وغيرهما من حديث جابر بن عبد الله التالي لهذا الحديث، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
والنهي فيه محمول على التنزيه؛ لئلا يعارض ما فعله النبي ﷺ في باب المزايدة؛ لأن فعله ﷺ هناك محمول على بيان الجواز، فلا معارضة بين الحديثين، والله تعالى أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث قيلة بحديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم فقال:
(١٢) -٢١٦٩ - (٢) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد الذهلي النيسابوري، ثقة متقن، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم أبو خالد الواسطي، ثقة متقن عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) سعيد بن إياس (الجريري) -مصغرًا- أبو مسعود البصري، ثقة، من الخامسة، اختلط قبل موته بثلاث سنين، مات سنة أربع وأربعين ومئة (١٤٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي نضرة) المنذر بن مالك بن قطعة العبدي العوقي البصري، ثقة، من الثالثة، مات سنة ثمان أو تسع ومئة (١٠٩ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاري الخزرجي رضي الله تعالى عنهما.
стр. 6042
قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةٍ فَقَالَ لِي: "أَتَبِيعُ نَاضِحَكَ هَذَا بِدِينَارٍ وَاللهُ يَغْفِرُ لَكَ؟ "، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ هُوَ
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) جابر: (كنت مع النبي ﷺ في غزوة) اختلفت الروايات في تعيين هذه الغزوة: فعلق البخاري في باب الشروط عن جابر اشتراه بطريق تبوك، وبمثله أخرج في رواية أبي المتوكل أن رسول الله ﷺ مر بجابر في غزوة تبوك، ولكن أخرج أحمد من طريق محمد بن إسحاق عن جابر قال: خرجت مع رسول الله ﷺ في غزوة ذات الرقاع، وكذا أخرجه الواقدي من طريق عطية بن عبد الله عن جابر، ورجحه الحافظ ابن حجر بوجوه:
منها: أنه مروي من طريق محمد بن إسحاق والواقدي، وأن أهل المغازي أضبط لذلك من غيرهم، ومنها: أنه وقع في رواية الطحاوي أن ذلك كان في رجوعهم من طريق مكة إلى المدينة، وليست طريق تبوك ملاقية لطريق مكة، بخلاف غزوة ذات الرقاع، ومنها: أن جابرًا في كثير من طرق هذا الحديث اعتذر لتزوج الثيب؛ بأن أباه استشهد يوم أحد، فأشعر بأن ذلك كان بالقرب من وفاة أبيه، فيكون وقوع القصة في ذات الرقاع أظهر من وقوعها في تبوك؛ لأن ذات الرقاع كانت بعد أُحدٍ بسنة واحدة على الصحيح، وتبوك كانت بعدها بسبع سنين، ولا جرم جزم البيهقي في "الدلائل" بما قال ابن إسحاق، كذا في "فتح الباري" (٥/ ٢٣٥) في كتاب الشروط، باب إذا اشترط البائع ظهر الدابة.
(فقال لي) رسول الله ﷺ : (أتبيع) أي: هل تبيع (ناضحك) وجملك (هذا) المركوب لك (بدينار، والله يغفر لك) يا جابر؟ قال جابر: (قلت) له: (يا رسول الله؛ هو) أي: هذا الجمل
стр. 6043
نَاضِحُكُمْ إِذَا أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ، قَالَ: "فَتَبِيعُهُ بِدِينَارَيْنِ وَاللهُ يَغْفِرُ لَكَ؟ "، قَالَ: فَمَا زَالَ يَزِيدُنِي دِينَارًا دِينَارًا وَيَقُولُ مَكَانَ كُلِّ دِينَارٍ: "وَاللهُ يَغْفِرُ لَكَ" حَتَّى بَلَغَ عِشْرِينَ دِينَارًا، فَلَمَّا أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ .. أَخَذْتُ بِرَأْسِ النَّاضِحِ فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "يَا بِلَالُ؛ أَعْطِهِ مِنَ الْغَنِيمَةِ عِشْرِينَ دِينَارًا وَقَالَ: انْطَلِقْ بِنَاضِحِكَ فَاذْهَبْ بِهِ إِلَى أَهْلِكَ".
===
(ناضحكم إذا أتيت المدينة) أي: ناضح أهل بيتك؛ لأني أسلم لك في المدينة، والناضح: هو البعير الذي يستقى عليه الماء.
قال جابر: فـ (قال) لي رسول الله ﷺ مرة ثانية: أ (فتبيعه بدينارين، والله يغفر لك؟ قال) جابر: (فما زال) رسول الله ﷺ (يزيدني) في ثمن الجمل (دينارًا دينارًا) أي: شيئًا فشيئًا (و) ما زال (يقول مكان) أي: بعد (كل دينار) لفظة: (والله يغفر لك) يا جابر؛ أي: وما زال يكرر دينارًا (حتى بلغ) ما ذكره (عشرين دينارًا).
قال جابر: (فلما أتيت المدينة .. أخذت برأس الناضح) أي: بخطامه (فأتيت به) أي: بالناضح (النبي ﷺ ، فقال) النبي ﷺ لبلال مؤذنه: (يا بلال؛ أعطه) أي: أعط جابرًا (من) خمس مال (الغنيمة عشرين دينارًا، وقال) لي النبي ﷺ : (انطلق بناضحك) أي: خذ ناضحك (فاذهب به إلى أهلك) أي: إلى عيالك، قال السندي: "ناضحك" أي: جملك (هو ناضحكم) فيه استعمال الجمع في خطاب المفرد؛ للتعظيم، وهو قليل في اللغة العربية القديمة.
(فتبيعه؟ ) هذا مبني على أنه ظهر له شراؤه بأزيد ثانيًا وثالثًا وهكذا، إلا أنه أراد الشراء بالزائد، إلا أنه ذكر الناقص أولًا ثم زاد؛ كما هو المنهي عنه في الحديث المتقدم.
стр. 6044
(١٣) - ٢١٧٠ - (٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَسَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، أَنْبَأَنَا الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ،
===
(من الغنيمة) لعل المراد: من خمس الغنيمة. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري تعليقًا في كتاب الشروط، باب إذا اشترط البائع ظهر الدابة إلى مكان مسمًى .. جاز، ومسلم في كتاب الرضاع، باب استحباب نكاح البكر، وفي كتاب المساقاة، باب بيعِ البعير واستثناء ركوبه مطولًا، والنسائي في كتاب البيوع، باب البيع يكون فيه الشرط فيصح البيع والشرط.
فدرجة هذا الحديث: أنه في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فقال:
(١٣) - ٢١٧٠ - (٣) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (ق).
(وسهل بن أبي سهل) زنجلة بن أبي الصغدي أبو عمرو الخياط الحافظ، صدوق، من العاشرة، مات في حدود الأربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (ق).
(قالا: حدثنا عبيد الله بن موسى) بن أبي المختار باذام العبسي الكوفي، ثقة كان يتشيع، من التاسعة، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا الربيع بن حبيب) بن الملاح الكوفي العبسي مولاهم الأحول،
стр. 6045
عَنْ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِك، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ السَّوْمِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْس، وَعَنْ ذَبْحِ ذَوَاتِ الدَّرِّ.
===
صدوق ضعف بسبب روايته عن نوفل بن عبد الملك، من السابعة. يروي عنه: (ق).
(عن نوفل بن عبد الملك) بن المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي، مستور، من السادسة، وله رواية مرسلة. يروي عنه: (ق).
(عن أبيه) عبد الملك بن المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هشام بن عبد مناف الهاشمي النوفلي أبي محمد، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ق).
(عن علي) بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لضعف نوفل بن عبد الملك والربيع بن حبيب.
(قال) علي: (نهى رسول الله ﷺ عن السوم) أي: سوم البضاعة لشرائها (قبل طلوع الشمس).
قال السندي: معناه: نهى عن الاشتغال بالتجارة في هذا الوقت الشريف الذي حقه أن يصرف في ذكر الله تعالى.
والمراد بالسوم: أن يساوم سلعته، ويحتمل أن المراد: الرعي؛ أي: نهى عن رعي الإبل في ذلك الوقت؛ لأنه قد يصيبها في ذلك الوقت الوباء، وذلك معروف عند أهل الإبل.
(و) نهى أيضًا (عن ذبح ذوات الدر) أي: صواحبات اللبن من البهيمة، والدر -بفتح الدال وتشديد الراء-: اللبن، أي بهيمة كانت؛ إبلًا كانت أو بقرةً أو شاةً. انتهى منه.
стр. 6046
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، فدرجته: أنه ضعيف (١)(٢٢٩)؛ لضعف سنده، ولا شاهد له، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد، والثالث للاستئناس.
والله أعلم
стр. 6047
(٨) - (٧١٨) - بَابُ مَا جَاءَ فِي كرَاهِيَةِ الْأَيْمَانِ فِي الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ
(١٤) - ٢١٧١ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ثَلَاثَةٌ
===
(٨) - (٧١٨) - (باب ما جاء في كراهية الأيمان في الشراء والبيع)
(١٤) - ٢١٧١ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي.
(وأحمد بن سنان) بن أسد بن حبان -بكسر المهملة بعدها موحدة- أبو جعفر القطان الواسطي، ثقةٌ حافظ، من الحادية عشرة، مات سنة تسع وخمسين ومئتين (٢٥٩ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (خ م د س ق).
(قالوا: حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقةٌ ثبت، من كبار التاسعة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) سليمان بن مهران (الأعمش) الأسدي الكاهلي الكوفي، ثقةٌ، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي صالح) ذكوان السمان، ثقةٌ، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : ثلاثة) أنفار
стр. 6048
لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيمٌ؛ رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلَاةِ يَمْنَعُهُ ابْنَ السَّبِيل،
===
(لا يكلمهم الله يوم القيامة) كلام رضًا (ولا ينظر إليهم) نظر رضًا (ولا يزكيهم) أي: لا يطهرهم من ذنوبهم بالغفران، وهذا كناية عن غضبه عليهم (ولهم عذاب أليم) أي: وَجِعٌ شديدٌ.
أحدهم: (رجل) جالس (على فضل ماء) أي: على ماء فاضل عن حاجتِهِ وكفايتِهِ كائن ذلك الماء (بالفلاة) أي: بالمفازة، والفلاة -بفتح الفاء-: هي المفازة والقفر التي لا أنيس بها (يمنعه) أي: يمنع ذلك الماء (ابن السبيل) وفي رواية مسلم: (من ابن السبيل) بزيادة: (من) أي: من المسافر المار على ذلك الماء؛ أي: يمنع ابن السبيل من شرب ذلك الماء الفاضل عن حاجته.
قال النووي: ولا يشك في غلظ تحريم ما فعل وشدة قبحه، فإذا كان من يمنع فضل الماء الماشية عاصيًا .. فكيف بمن يمنعه الآدمي المحترم؟ ! فإن الكلام فيه، فلو كان ابن السبيل غير محترم؛ كالحربي والمرتد .. لم يجب بذل الماء له. انتهى.
قال القرطبي: قوله: "ورجل على فضل ماء بالفلاة ... " إلي آخره، يعني بفضل الماء: ما فضل عن كفاية السابق للماء وأخذ حاجته منه، فمن كان كذلك، فمنع ما زاد على ذلك .. تعلَّق به هذا الوعيدُ.
وابن السبيل: هو المسافر، والسبيل: الطريق، وسمي المسافر بذلك؛ لأن الطريق تبرزه وتظهره، فكأنها ولدته، وقيل: سمي بذلك؛ لملازمته إياه؛ كما يقال في الغراب: ابن دَأَبة؛ لملازمته دأبة البعير؛ أي: دُبُرَه لينقُرها، والبعير الدَّبَرُ: هو الذي تقرحتْ دأَبَتُه، والدأبة من البعير: هو الموضع الذي تقع عليه ظِلْفةُ الرَّحْل فيَعْقِرَهُ، والفلاة: القفر؛ كما مر آنفًا.
стр. 6049
وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا سِلْعَةً بَعْدَ الْعَصرِ فَحَلَفَ بِاللهِ لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا
===
وهذا هو الماء الذي قد نهى النبي ﷺ عن منعه بقوله: "لا يمنع فضل الماء؛ ليمنع به الكلأ" رواه البخاري ومسلم وأبو داوود والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
وقد أجمع المسلمون على تحريم منع ذلك؛ لأنه منع ما لا حق له فيه من مستحقه، وربما أتلفه أو أتلف ماله وبهيمته، فلو منعه هذا الماء حتى مات عطشًا .. اقتُصَّ منه عند مالك؛ لأنه قتله؛ كما لو قتله بالجوع أو بالسلاح.
(و) ثانيهم: (رجل بايع) أي: ساوم (رجلًا) آخر وباع له (سلعة) أي: بضاعة معروضة للبيع (بعد) صلاة (العصر، فحلف) للرجل الثاني، وهو المشتري (بالله) أي: باسم الله أو بصفته؛ ليغره على أنه (لأخذها) أي: لأخذ تلك السلعة واشتراها من مالكها (بـ) ثمن قدره (كذا) أي: ألف ريال مثلًا (و) قدره (كذا) أي: خمس مئة، مع أنَّه أخذها بألف ريال فقط (فصدَّقه) أي: فصدق المشتري البائع على أنه أخذها بألف وخمس مئة، فأعطاه ألفين بزيادة خمس مئة على ما زعمه؛ من أنه اشتراها بألف وخمس مئة؛ أي: بزيادة ألف ريال في الحقيقة (وهو) أي: والحال أنه أخذ تلك السلعة (على غير ذلك) المذكور الذي ذكره وأشار إليه بقوله كذا وكذا؛ وهو ألف وخمس مئة.
والمعني: أنه اشتراه بألف، ويزعم أنه اشتراها بألف وخمس مئة، ويبيعها بألفين، ومعنى الكلام: أنه حلف له بعد صلاة العصر على أعين الناس، فالتقييد بذلك؛ لأنه وقت اجتماعهم وتكاثرهم، ولأنه وقت تلاقي ملائكةِ الليل والنهار، وفي ذلك تكثير الشهود منهم على كذب الحالف أو صدقه، فيكون أخوف.
(و) ثالثهم: (رجل بايع) وعاهد (إمامًا) وسلطانًا على الإمامة، حالة كونه
стр. 6050
لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا؛ فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا .. وَفَي لَهُ، وَإنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا .. لَمْ يَفِ لَهُ".
(١٥) - ٢١٧٢ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ
===
(لا يبايعه) أي: لا يريد مبايعته (إلا لدنيا) أي: إلا لأجل نيل حظوظ الدنيا منه من المال والجاه وغيرهما لا لاتفاق الكلمة (فإن أعطاه) الإمام (منها) أي: من الدنيا .. (وفى له) أي: للإمام العهد؛ أي: بر ونفذ تلك البيعة، فلا ينقضها ولا يخدعه (وإن لم يعطه) الإمام (منها) أي: من الدنيا .. (لم يف) ذلك الرجل البيعة (له) أي: للإمام، بل ينقضها ويسعى في إبطالها.
وقال القاضي: استحق ذلك الوعيد؛ لغشه الإمام والمسلمين؛ لأنه يظن أنه إنما بايَعَهُ ديانةً، وهو قصَدَ ضد ذلك مع ما يُثِيرُ من الفتن، لا سيما إذا كان متبوعًا مطاعًا. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري؛ أخرجه في كتاب المساقاة، باب إثم من منع ابن السبيل من الماء، ومسلم في كتاب الأيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار والمن بالعطية.
فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ثم استشهد لحديث أبي هريرة بحديث أبي ذر رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٥) - ٢١٧٢ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقةٌ عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئة. يروي عنه: (ق).
(ومحمد بن إسماعيل) بن البختري -بفتح الموحدةِ والمثناةِ بينهما خاءٌ
стр. 6051
قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْمَسْعُودِيّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
===
معجمةٌ ساكنةٌ- الحساني -بمهملتين- أبو عبد الله الواسطي، نزيل بغداد، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (ت ق).
كلاهما (قالا: حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن المسعودي) عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الكوفي، صدوق اختلط قبل موته، وضابطه: أن من سمع منه ببغداد .. فبعد الاختلاط، من السابعة، مات سنة ستين، وقيل: سنة خمس وستين ومئة (١٦٥ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن علي بن مدرك) -بضم الميم على صيغة اسم الفاعل- النخعي أبي مدرك الكوفي، ثقةٌ، من الرابعة، مات سنة عشرين ومئة (١٢٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن خرشة) بفتحات وبالشين المعجمة (ابن الحر) -بضم المهملة وتشديد الراء- الفزاري، كان يتيمًا في حجر عمر، قال أبو داوود: له صحبة، وقال العجفي: ثقةٌ، من كبار التابعين، فيكون من الثانية، مات سنة أربع وسبعين (٧٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي ذر) الغفاري جندب بن جنادة المدني الربذي رضي الله تعالى عنه.
(عن النبي ﷺ .
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
стр. 6052
ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ثَلَاثَة لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
===
(ح) أي: حول المؤلف السند (و) قال: (حدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري، لقبه بندار، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي البصري ربيب شعبة، لقبه غندار، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي البصري، ثقة إمام أئمة الجرح والتعديل، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن علي بن مدرك) النخعي الكوفي.
(عن أبي زرعة) هرم (بن عمرو بن جرير) بن عبد الله البجلي الكوفي، ثقةٌ، من الثالثة. يروي عنه: (ع).
(عن خرشة بن الحر، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ .
وهذا السند من سباعياته؛ ففيه نزول، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات، غرضه بسوقه: بيان متابعة أبي زرعة لعلي بن مدرك في رواية هذا الحديث عن خرشة بن الحر.
(قال) النبي ﷺ : (ثلاثة) أنفار (لا يكلمهم الله) (يوم القيامة) تكليم رضًا عنهم، بل يكلمهم تكليم سخط وغضب عليهم؛ كما في جاء في "صحيح البخاري": "يقول الله لمانع الماء: اليوم أمنعك فضلي؛ كما منعت فضل ما لم تعمل يداك" رواه البخاري رقم (٢٣٦٩)
стр. 6053
وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
===
من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وكما حكى الله تعالى أنه يقول للكافرين: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ (١)، وقيل معناه: لا يكلمهم بلا واسطة استهانةً بهم، وقيل: معنى ذلك: الإعراض عنهم والغضب عليهم.
(ولا ينظر إليهم) نظر رحمة ورضًا، بل ينظر إليهم نظر سخط وغضب، ونظر الله تعالى إلي عباده: رحمته لهم، وعطفه عليهم، وإحسانه إليهم، وهذا النظر هو المنفي في هذا الحديث، فمعنى: "لا ينظر إليهم": لا يرحمهم؛ من إطلاق السبب وإرادة المسبب، وإلا .. فالله تعالى يرى كل موجود في الدنيا والآخرة، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
(ولا يزكيهم) أي: لا يطهرهم من ذنوبهم؛ لعظم جرمهم، وقيل: لا يثني عليهم، ومن لا يثني عليه سبحانه .. يعذبه (ولهم) أي: ولأولئك الثلاثة (عذاب أليم) أي: شديد الألم الموجع؛ أي: لهم عذاب أليم مؤبد لا ينقطع على كفرهم إن استحلوا ذلك، فلا إيمان لهم، أو: عذاب شديد على جرمهم؛ مجازاة عليه إن لم يستحلوا ذلك، فإيمانهم باقي صحيح، وقيل: معنى (أليم): مؤلم، قال الواحدي: هو العذاب الذي يخلص ألمه إلى قلوبهم.
والعذاب لغةً: كل ما يعيي الإنسان ويشق عليه، قال: وأصل العذاب في لغة العرب؛ من العذب؛ وهو المنع، يقال: عذبته عذبًا؛ إذا منعته، وعذب عذوبًا؛ أي: امتنع، وسمي الماء عذبًا؛ لأنه يمنع العطش، فسمي العذاب عذابًا؛ لأنه يمنع المعاقب من معاودته مثل جرمه، ويمنع غيره من مثل فعله، والله أعلم. انتهى "نووي".
стр. 6054
فَقُلْتُ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؛ فَقَدْ خَابُوا وَخَسِرُوا؟ قَالَ: "الْمُسْبِلُ إِزَارَهُ،
===
قال أبو ذر: (فقلت) لرسول الله ﷺ : (من هم) أي: من هؤلاء الذين وصفتهم بما ذكر (يا رسول الله؛ فـ) إنهم (قد خابوا) أي: خاب هؤلاء الثلاثة وحرموا عن نيل المقاصد التي هي رضا الله تعالى وإحسانه ورحمته (وخسروا) في صفقتهم بطردهم عن رحمته تعالى واستحقاقهم لعذابه؟ (قال) رسول الله ﷺ :
أحدهم: (المسبل) أي: المرخي (إزاره) أي: الجار طرفه على الأرض خيلاء؛ أي: كبرًا وعجبًا؛ كما في الحديث الآخر: (لا ينظر الله إلى الذي يجر إزاره خيلاء)، والخيلاء: الكبير، والإزار: ما يتحزم به.
وكانت العرب لا تعرف السراويلات، وإنما تعرف الأزر؛ لأنه لباس أبيهم إسماعيل، ذكر ابن عبد ربه أن أعرابيًا وجد سراويل، فأخرج يديه من ساقيه، وجعل يلتمس من يخرج رأسه، فلم يجد، فرمى به، وقال: إنه لقميص شيطان.
وخص الإزار بالذكر؛ لأنه أكثر لباس العرب، ويشهد لذلك قوله في الآخر: "من جر ثوبه"، فعم جميع ما يلبس، فحكم الإزار والرداء والثوب في ذلك سواء، وقد روى أبو داوود من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "الإسبال في الإزار والقميص والعمامة؛ فمن جر شيئًا منها خيلاء .. لم ينظر الله إليه يوم القيامة" رواه أبو داوود (٤٠٩٤)، وفي طريق أخرى قال ابن عمر: ما قاله رسول الله ﷺ في الإزار .. فهو في القميص. رواه أبو داوود (٤٠٩٥).
قال القرطبي رحمه الله تعالى: وقد بين النبي ﷺ الحد الأحسن والجائز في الإزار الذي لا يجوز تعديه، فقال فيما رواه أبو داوود والنسائي من حديث أبي سعيد الخدري: "أزرة المؤمن إلي أنصاف ساقيه، لا
стр. 6055
وَالمَنَّان عَطاءَهُ،
===
جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، وما أسفل ذلك .. ففي النار" رواه أبو داوود (٤٠٩٣)، والنسائي في "السنن الكبرى" (٩٧١٥).
والخيلاء: الكبير والعجب، ويدل هذا الحديث بمفهومه على أن من جر ثوبه على غير وجه الخيلاء .. لم يدخل في هذا الوعيد، ولما سمع أبو بكر هذا الحديث .. قال: يا رسول الله؛ إن جانب إزاري يسترخي، فقال له النبي ﷺ : "لست منهم يا أبا بكر". أخرجه البخاري من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (٦٠٦٢) إذ كان جره إياه لغير الخيلاء، بل لأنه لا يثبت على عاتقه. انتهى منه.
قال الأبي: وجر كل شيء بحسبه؛ فجر السراويل والقميص .. إطالتهما إلي أسفل من الكعبين، وإطالة الكم إلي أطراف أصابع اليدين؛ ففي العتبية رأى عمر رجلًا أطالَ كُمَّيْه، فقطعهما عليه على أطراف أصابعه. انتهى منه.
والوعيد المرتب على الجر والخيلاء إنما هو على الجر بالفعل لا على الجر بالإمكان.
فائدة
وأول من جر الثوب قارون صاحب موسى بن عمران ﵇. انتهى من "حدائق الريحان" نقلًا عن "روح البيان".
(و) ثانيهم: (المنان) أي: كثير مَن (عطائه) وتعداده على من يعطيه؛ وهو فعال من المن، وهو من صيغ المبالغة، فلا يتناول الوعيد المذكور إلا من كَثُر مَنُّه، وهو في ذلك كذلك، بخلاف إبطاله الصدقة، وقد فسره في الحديث الآخر، فقال: "هو الذي لا يعطي شيئًا إلا منَّه"؛ أي: إلا امتن به
стр. 6056
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
على المعطي له، ولا شك في أن الامتنان بالعطاء مبطل لأجر الصدقة والعطاء مؤذٍ للمعطي له، ولذلك قال تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ (١).
وإنما كان المن كذلك؛ لأنه لا يكون غالبًا إلا عن البخل والعجب والكبر ونسيان منة الله تعالى فيما أنعم به عليه، فالبخيل يعظم في نفسه العطية وإن كانت حقيرة في نفسها.
والعجب يحمله على النظر لنفسه بعين العظمة، وأنه منعم بمالة على المعطي له ومتفضل عليه، وأن له عليه حقًّا يجب عليه مراعاته، والكبر يحمله على أن يحتقر المعطي له وإن كان في نفسه فاضلًا، وموجب ذلك كله الجهل ونسيان منة الله تعالى عليه فيما أنعم به عليه؛ إذ قد أنعم عليه مما يعطي، ولم يجعله ممن يسأل، ولو نظر ببصيرته .. لعلم أن المنة للآخذ؛ لما يزيل عن المعطي من إثم المنع وذم المانع ومن الذنوب، ولما يحصل له من الأجر الجزيل والثناء الجميل، ولبسط هذا موضع آخر، فلا نطيل الكلام فيه.
وقيل: المنان في هذا الحديث: هو من المن الذي هو القطع؛ كما قال الله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (٢)؛ أي: غير مقطوع.
فيكون معناه: البخيل بقطعه عطاء ما يجب عليه للمستحق؛ كما قد جاء في حديث آخر: "البخيل المنان"، رواه أحمد من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه، فنعته به؛ لأن المن يستلزم القطع؛ لأن المان لا يمن إلا بما عظم في عينه وشح بإخراجه، والجواد لا يستعظم فلا يمن، ويدل على أنه يستلزمه قوله:
وإنَّ امرأً أهدَى إليَّ صنيعةً ... وذَكَّرَنِيها مرةً لَبخيلُ
стр. 6057
وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ".
===
وإذا كان التذكير بالنعمة يستلزم البخل .. فكيف بالمن الذي هو أخص منه؟ ! وإنما كان أخص منه؛ لأنه تقرير بالنعمة على من أسديت إليه، والمعنى الأول أظهر؛ لقوله: "لا يعطي شيئًا إلا منَّه".
(و) ثالثهم: (المنفق) أي: المروج (سلعته) المعروضة للبيع (بالحلف الكاذب) أي: باليمين الفاجرة، فهو بمعنى الرواية الأخرى: "بالحلف الفاجر"، ويقال: "الحلف" بكسر اللام وإسكانها مع الحاء المهملة.
قال القرطبي: قوله: "والمنفق سلعته بالحلف الكاذب" الرواية في (المنفق) بفتح النون وكسر الفاء المشددة، وهو مضاعف نفَقَ البيعُ يَنْفُق نَفاقًا؛ إذا خرج ونفَدَ، وهو ضد كسد، غير أن نفَقَ المخفف لازم، فإذا شدد .. عُدِّي إلى المفعول، ومفعوله هنا: (سلعتَه)، وقد وصف (الحلف) وهي مؤنثة بالكاذب وهو وصف مذكر، وكأنه ذهب بالحلف مذهب القول، فذكَره، أو مذهب المصدر، وهو مثل قولهم: أتاني كتابه فمزقتها، ذهب بالكتاب مذهب الصحيفة، والله تعالى أعلم. انتهى منه.
وممن ذكر الإسكان: ابن السكيت في أول كتابه "إصلاح المنطق". انتهى "نووي".
وقال القاضي: وقد جمعت هذه اليمين الكذب والغرور؛ أي: غروره إياه بيمينه وأخذ مال الغير بغير حق، والاستخفاف بحق الله تعالى، فعلى القول في حد الكبيرة: إنه ما توعد عليها، تكون تلك الثلاث كبائر؛ لترتيبه الوعيد عليها إن لم يستحلها، وإلا .. فقد أخرجته من الملة وسلبته الإيمان.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار، وأبو داوود في كتاب اللباس، باب ما جاء في إسبال
стр. 6058
(١٦) -٢١٧٣ - (٣) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ح وَحَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ،
===
الإزار، والترمذي في كتاب البيوع، باب فيمن حلف على سلعةٍ كاذبًا، والنسائي في كتاب الزكاة، باب المنان بما أعطى.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٦) -٢١٧٣ - (٣) (حدثنا يحيى بن خلف) الباهلي أبو سلمة البصري الجوباري -بجيم مضمومة وواو ساكنة ثم موحدة- صدوق، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (م د ت ق).
(حدثنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي البصري، ثقةٌ، من الثامنة، مات سنة تسع وثمانين ومئة (١٨٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي الخطيب، صدوق من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا إسماعيل بن عياش) بن سليم العنسي -بالنون- الحمصي، صدوق في روايته عن أهل بلده مخلط في غيرهم، من الثامنة، مات سنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومئة (١٨٢ هـ). يروي عنه: (عم).
كلاهما (قالا: حدثنا محمد بن إسحاق) بن يسار المطلبي مولاهم المدني،
стр. 6059
عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِيَّاكُمْ وَالْحَلِفَ فِي الْبَيْعِ؛ فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ ثُمَّ يَمْحَقُ".
===
صدوق بل ثقة؛ كما في "التهذيب"، من الخامسة، مات سنة خمسين ومئة، ويقال بعدها. يروي عنه: (م عم).
(عن معبد بن كعب بن مالك) الأنصاري السلمي -بفتحتين- المدني، مقبول، من الثالثة. يروي عنه: (خ م س ق).
(عن أبي قتادة) الأنصاري السلمي الحارث بن ربعي المدني رضي الله تعالى عنه، مات سنة أربع وخمسين (٥٤ هـ) على الأصح. يروي عنه: (ع).
وهذان السندان من خماسياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات.
(قال) أبو قتادة: (قال رسول الله ﷺ : إياكم والحلف في البيع) أي: باعدوا أنفسكم عن الحلف في البيع؛ (فإنه) أي: فإن الحلف فيه (ينفق) أي: يروج السلعة في الحال (ثم يمحق) أي: يزيل البركة في البيع في المستقبل إن كان على الكذب.
قوله: "إياكم" منصوب بفعل محذوف وجوبًا؛ لقيام المعطوف مقامه.
قوله: "والحلف" معطوف على إياكم؛ أي: باعدوا أنفسكم أيها المسلمون عن كثرة الحلف "في البيع" أي: اتقوا كثرة اليمين ولو كنتم صادقين؛ لأنه ربما يقع كذبًا.
وفي رواية مسلم: (وكثرة الحلف) فقيد الكثرة فيها احتراز عن القلة؛ فإنه يحتاج إليه، فلا يدخل تحت التحذير. قاله ملا على.
والتحذير عندهم: تنبيه المخاطب على أمر مذموم ليجتنبه "فإنه" أي: فإن الحلف أو إكثاره "ينفق" البيع ويروجه من التنفيق بمعنى الترويج "ثم" بعد
стр. 6060
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
تنفيقه أولًا "يمحق" بفتح حرف المضارعة؛ من باب منع؛ مثل قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ (١)؛ أي: يمحق بركة البيع.
قال القرطبي: وإنما حذر عن كثرة الحلف؛ لأن الغالب ممن كثرت أيمانه وقوعه في الكذب والفجور، وإن سلم من ذلك على بعده .. لم يسلم من الحنث أو الندم؛ لأن اليمين حنث أو ندامة، وإن سلم من ذلك .. لم يسلم من مدح السلعة المحلوف عليها والإفراط في تزيينها؛ ليروجها على المشتري مع ما في ذلك من ذكر الله تعالى لا على جهة التعظيم، بل على جهة مدح السلعة، فاليمين على ذلك تعظيم للسلع، لا تعظيم لله تعالى، وهذه كلها أنواع من المفاسد لا يقدم عليها إلا من عقله ودينه فاسد. انتهى من "المفهم".
وقد دل الحديثان على كراهية الحلف في البيع؛ لأن الحلف إن كان كاذبًا .. فهو عين الحرام، وإن كان صادقًا؛ فإن الرجل إذا اعتاد ذلك .. تدرج إلى الكاذب منه، فكره ذلك سدًّا للذريعة، ولأن حقيقة الحلف هو جعل الشيء في ذمة الله أو شهادته، وكل ذلك لا يناسب في أمور دنيويةٍ تافهةٍ.
قال الدهلوي: ويكره إكثار الحلف في البيع؛ لشيئين:
كونه مظنةً لتغرير المتعاملين.
وكونه سببًا لزوال تعظيم اسم الله عن القلب.
والحلف الكاذب منفقة للسلعة؛ لأن مبنى الإنفاق على تدليس المشتري، وممحقة للبركة؛ لأن مبنى البركة على توجه دعاء الملائكة إليه، وقد تباعدت بالمعصية، بل دعت عليه. انتهى من "التكملة".