← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148095

شرح سنن ابن ماجه للهرري = مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه

محمد الأمين الهرري

Полный текст (12 442 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ سَنَّ سُنَةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا .. كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، لَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ === (عن أبيه) جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك بن نصر البجلي اليماني أبي عمرو القسري الصحابي المشهور ﵁، له مئة حديث، اتفقا على ثمانية، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بستة، مات سنة إحدى وخمسين وقيل: أربع وخمسين (٥٤ هـ). يروي عنه: (ع). وهذا السند من خماسياته؛ رجاله ثلاثة منهم كوفيون، وواحد واسطي، وواحد بصري، وحكمه: الصحة. (قال) جرير: (قال رسول الله ﷺ : من سن) وعمل (سنة حسنة) أي: طريقة مرضية وفعلة معروفة في الشرع؛ لموافقتها قواعده يقتدى به فيها، والفاء في قوله: (فعمل) بالبناء للمفعول .. تفسيرية؛ لأنه تفسير لقوله: "سن"، بأن عمل (بها) أي: بتلك الخصلة الحسنة التي عملها أول الناس .. (كلان له) أي: للعامل بها أولًا والبادئ بها (أجرها) أي: أجر عمله لتلك الحسنة أولًا، أو أجر الحسنة التي عملها الناس بعده، والإضافة لأدنى ملابسة؛ فإن السنة الحسنة لما كانت سببًا في ثبوت أجر عاملها .. أضيف الأجر إليها بهذه الملابسة، كذا ذكره الطيبي. وقال التوربشتي: والصواب: (أجره) بتذكير الضمير؛ لعود الضمير إلى صاحب الطريقة؛ أي: له أجر عمله أولًا، وهو غير لازم، ولا وجه لتغليط الرواة إذا احتمل الكلام التصحيح بوجه ما، فكيف والتصحيح ها هنا واضح؟ ! (ومثل أجر من عمل بها) أي: بتلك الحسنة إلى يوم القيامة، (لا ينقص) بالبناء للفاعل؛ أي: لا ينقص إعطاء مثل أجر العاملين لمن سن (من أجورهم)

стр. 632

شَيْئًا، وَمَنْ سَنَّ سُنَّة سَيِّئَة فَعُمِلَ بِهَا .. كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا، لَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا". === أي: من أجور العاملين (شيئًا) من النقص أو من الثواب؛ وذلك كالابتداء بالتصدق على المحتاج، أو بالإنفاق في الخيرات؛ كبناء المساجد والمدارس والربط. (ومن سن) وأسس (سنة سيئة) أي: خصلة غير مرضية؛ لمخالفتها قواعد الشرع؛ كالقتل ظلمًا والغصب والنهب، (فعمل بها) بالبناء للمفعول؛ تفسير لسن، كما مر .. (كان عليه) أي: على ذلك البادئ العامل لها أولًا (وزرها) أي: وزر عمله إياها ابتداء؛ لأنه باشرها، (و) عليه أيضًا مثل (وزر من عمل بها) إلى يوم القيامة؛ لأنه تسبب في عملهم بها بتأسيسها والابتداء لها، (لا ينقص) ذلك المثل الذي حمل عليه بسبب عملهم (من أوزارهم شيئًا) من النقص أو من العقاب. ولا يعارض هذا الحديث بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١) لأنه حمل وزر تسببه في عملهم، لا وزر عملهم بها، والله أعلم. وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته: مسلم أخرجه في كتاب الزكاة باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة، وفي كتاب العلم باب من سن سنة حسنة أو سيئة، وأخرجه النسائي في كتاب الزكاة باب التحريض على الصدقة. فدرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة. قال النواوي: قوله (من سن سنة حسنة ... ) إلى آخره .. معناه الابتداء بالخيرات والتحذير عن اختراع الأباطيل والمستقبحات، وسبب هذا الكلام في

стр. 633

(٨٠) - ٢٠٢ - (٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ === هذا الحديث أنه قال في أوله: فجاء رجل من الأنصار بصُرَّة كادت كفه تعجز عنها فتتابع الناس، وكان الفضل العظيم للبادئ بهذا الخير والفاتح لباب هذا الإحسان. انتهى. * * * ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث جرير بحديث أبي هريرة ﵄، فقال: (٨٠) - ٢٠٢ - (٢) (حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان العنبري البصري، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (م ت س ق). قال (حدثني أبي) عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد التميمي العنبري مولاهم أبو سهل البصري، صدوق ثبت في شعبة، من التاسعة، مات سنة سبع ومئتين (٢٠٧ هـ). يروي عنه: (ع). (عن أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختياني أبي بكر البصري، ثقة ثبت حجة، من كبار الفقهاء العباد، من الخامسة، مات سنة إحدى وثلاثين ومئة (١٣١ هـ). يروي عنه: (ع). (عن محمد بن سيرين) الأنصاري مولاهم أبي بكر البصري، ثقة ثبت عابد، من الثالثة، مات سنة عشر ومئة (١١٠ هـ). يروي عنه: (ع). (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته؛ رجاله كلهم بصريون إلا أبا هريرة؛ فإنه مدني، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.

стр. 634

قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَحَثَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَجُلٌ عِنْدِي: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَمَا بَقِيَ فِي الْمَجْلِسِ رَجُلٌ إِلَّا تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنِ اسْتَنَّ خَيْرًا فَاسْتُنَّ بِهِ .. كَانَ لَهُ أَجْرُهُ كَامِلًا وَمِنْ أُجُورِ مَنِ اسْتَنَّ بِهِ وَلَا يَنْقُصُ === (قال) أبو هريرة: (جاء رجل) من المحتاجين (إلى النبي ﷺ ، فاشتكى إليه الفقر والفاقة، (فحث) النبي ﷺ الناس وحرضهم (عليه) أي: على التصدق على ذلك الرجل الفقير، (فقال رجل) من الحاضرين: (عندي كذا وكذا) من المال صدقة عليه، (قال) أبو هريرة: (فما بقي في) ذلك (المجلس رجل) أي: واحد من الناس (إلا تصدق عليه) أي: على ذلك الفقير (بما) تيسر له من المال (قل أو كثر). وعبارة السندي هنا: قوله: "كذا وكلذا" أي: من المال، وأنا أتصدق به، ثم جاء به قبل الناس، فتبعه الناس في التصدق، فلذلك ذكر فيه: من استن خيرًا ... إلى آخره. وقوله: "بما قل أو كثر" أي: بقليل أو كثير، فـ "ما" نكرة موصوفة، وجعلها موصولة لا يساعده المقام. انتهى. (فقال رسول الله ﷺ : من استن خيرًا) بالبناء للفاعل؛ أي: من عمل خيرًا وسبق إليه، (فاستن به) بالبناء للمفعول؛ أي: فاقتدي به في عمله؛ أي: فعمل الناس به مقتدين به متبعين له .. (كان له) أي: لذلك البادئ (أجره) أي: أجر عمله (كاملًا) غير ناقص (و) نصيب (من أجور من استن) واقتدى (به) في عمل ذلك الخير؛ أي: له أجر التسبب في عملهم لا أجر عملهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (١)، (ولا ينقص) ما

стр. 635

مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنِ اسْتَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَاسْتُنَّ بِهِ .. فَعَلَيْهِ وِزْرُهُ كَامِلًا وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ اسْتَنُّوا بِهِ، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا". (٨١) - ٢٠٣ - (٣) حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيُّ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، === أعطي له من أجر التسبب (من أجورهم) أي: من أجور من اقتدى به في عمله (شيئًا) من النقص، (ومن استن) واخترع (سنة سيئة، فاستن به) بالبناء للمفعول؛ أي: اقتدي به في عملها .. (فعليه) أي: فعلى ذلك البادئ (وزره كاملًا و) نصيب (من أوزار الذين استنوا به، ولا ينقص) ما حمل به من وزر التسبب (من أوزارهم شيئًا) من النقص. وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، وفي "الزوائد": إسناده صحيح، ورواه مسلم والترمذي من حديث جرير. فدرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به. * * * ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث جرير بحديث أنسر ﵄، فقال: (٨١) - ٢٠٣ - (٣) (حدثنا عيسى بن حماد) بن مسلم الأنصاري التجيبي مولاهم أبو موسى (المصري) لقبه زغبة -بضم الزاي وسكون المعجمة بعدها موحدة- وهو لقب أبيه أيضًا، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثمان وأربعين ومئتين (٢٤٨ هـ). يروي عنه: (م دس ق). (أنبأنا الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم أبو الحارث المصري، ثقة ثبت مشهور، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).

стр. 636

عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَيُّمَا دَاعٍ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ فَأتُّبِعَ .. فَإِنَّ لَهُ === (عن يزيد بن أبي حبيب) سويد مولى شريك بن الطفيل الأزدي أبي رجاء المصري عالمها، ثقة فقيه وكان يرسل، من الخامسة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه: (ع). (عن سعد بن سنان) ويقال: سنان بن سعد الكندي المصري. روى عن: أنس بن مالك، ويروي عنه: (د ت ق)، ويزيد بن أبي حبيب وحده. وقال ابن حبان في "الثقات": حدث عنه المصريون، وأرجو أن يكون الصحيح سنان بن سعد، وقد اعتبرت حديثه، فرأيت ما روى عن سنان بن سعد يشبه أحاديث الثقات، وما روي عن سعد بن سنان فيه المناكير، كأنهما اثنان، وقال ابن أبي خيثمة: سألت ابن معين عن سعد بن سنان الذي روى عنه يزيد بن أبي حبيب، فقال: ثقة، وقال النسائي: منكر الحديث، وقال في "التقريب": صدوق له أفراد، من الخامسة. (عن أنس بن مالك) خادم رسول الله ﷺ رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته؛ رجاله كلهم مصريون إلا أنس بن مالك؛ فإنه بصري، وحكمه: الحسن؛ لأن في سنده راويًا مختلفًا فيه؛ وهو سعد بن سنان. (عن رسول الله ﷺ أنه قال: أيما داع دعا) الناس (إلى ضلالة) شركًا كان أو بدعة أو معصية، (فاتبع) -بضم التاء المشدده على صيغة المبني للمجهول من باب افتعل الخماسي- أي: فاقتدي وائتم في ضلالته، وعملها الناس لأجل الاقتداء والائتمام به .. (فإن له) أي: عليه

стр. 637

مِثْلَ أَوْزَارِ مَنِ اتَّبَعَهُ، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا، وَأَيُّمَا دَاعٍ دَعَا إِلَى هُدىً فَأتُّبِعَ .. فَإِنَّ لَهُ مِثْلَ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا". (٨٢) -٢٠٤ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْعُثْمَانِيُّ، === (مثل أوزار من اتبعه) -بفتح التاء المشددة على صيغة المبني للفاعل- أي: مثل أوزار من اقتدى به وقلده، (ولا ينقص) ذلك المثل الذي عليه (من أوزارهم) أي: من أوزار العاملين لتلك الضلالة (شيئًا) من النقص. (وأيما داع دعا) الناس (إلى هدىً) ورشاد إيمانًا كان أو عبادة، (فاتغ) بالبناء للمفعول أيضًا؛ أي: فاقتدي به فيما دعا إليه .. (فإن له) أي: فإن لذلك الداعي إلى هدىً (مثل أجور من اتبعه) بالبناء للفاعل، (ولا ينقص) ذلك المثل (من أجورهم شيئًا) من النقص؛ لأن الداعي يستحق الأجر بدعوته، والعامل بعمله، فلا وجه للنقصان. وهذا الحديث مما انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه حسن؛ لما في سنده من الراوي المختلف فيه، وله شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ صححه الترمذي، وهو ما رواه المصنف بعد، وغرضه: الاستشهاد به. * * * ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث جرير بحديث أبي هريرة ﵄، فقال: (٨٢) -٢٠٤ - (٤) (حدثنا أبو مروان محمد بن عثمان) بن خالد بن عمران بن عبد الله بن الوليد ابن عثمان بن عفان الأموي (العثماني) المدني سكن مكة. قال أبو حاتم: ثقة، وقال صالح بن محمد الأسدي: ثقة صدوق إلا أنه يروي عن أبيه المناكير، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ

стр. 638

حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ دَعَا إِلَى هُدىً .. كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنِ === ويخالف، مات بمكة في آخر سنة أربعين وأول إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ)، وقال في "التقريب": صدوق يخطئ، من العاشرة. يروي عنه: (س ق). قال: (حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم) سلمة بن دينار المخزومي مولاهم المدني الفقيه. قال ابن معين: ثقة، مات وهو ساجد في الحرم النبوي سنة أربع وثمانين ومئة (١٨٤ هـ)، وقيل قبل ذلك أربع وثمانين ومئة، وقال في "التقريب": صدوق فقيه، من الثامنة. يروي عنه: (ع). (عن العلاء بن عبد الرحمن) بن يعقوب الجهني الحرقي مولاهم أبو شبل المدني. وثقه أحمد، وقال ابن معين: ليس بذاك، وقال في "التقريب": صدوق ربما وهم، من الخامسة، مات سنة بضع وثلاثين ومئة. يروي عنه: (م عم). (عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب الجهني المدني، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (م عم). (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه: أن رجاله كلهم مدنيون، وحكمه: الصحة. (أن رسول الله ﷺ قال: من دعا) الناس (إلى هدىً) ودين مستقيم .. (كان له) أي: لذلك الداعي (من الأجر) والثواب (مثل أجور من

стр. 639

اتَّبَعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ .. فَعَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنِ اتَّبَعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا". (٨٣) - ٢٠٥ - (٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، === اتبعه) واهتدى به، (لا ينقص ذلك) المثل الذي كان للداعي (من أجورهم) أي: من أجور المتبعين له (شيئًا) من النقص. (ومن دعا) الناس (إلى ضلالة) وغواية .. (فعليه) أي: فعلى ذلك الداعي (من الإثم) والذنب (مثل آثام) وذنوب (من اتبعه) في الضلالة وضل به، (لا ينقص ذلك) المثل عليه (من آثامهم) أي: من آثام الضالين به (شيئًا) من النقص؛ لأن الدال على الشيء كفاعله في الثواب والعقاب. وهذا انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لأن رجاله ثقات، وغرضه: الاستشهاد به. * * * ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى رابعًا لحديث جرير بحديث أبي جحيفة ﵄، فقال: (٨٣) -٢٠٥ - (٥) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله الذهلي النيسابوري، ثقة، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم). قال: (حدثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين بن حماد بن زهير التيمي مولاهم الحافظ الكوفي، مشهور بكنيته، ودكين لقب أبيه، واسمه عمرو بن حماد، قال في "التقريب": ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة ثماني عشرة، وقيل: تسع عشرة ومئتين (٢١٩ هـ)، وكان من كبار شيوخ البخاري. يروي عنه: (ع).

стр. 640

حَدَّثَنَا أَبُو إِسْرَائِيلَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كَانَ لَهُ أَجْرُهُ وَمِثْلُ أُجُورِهِمْ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، === (حدثنا أبو إسرائيل) إسماعيل بن خليفة العبسي، أبو إسرائيل الملائي الكوفي، صدوق سيئ الحفظ، نسب إلى الغلوفي التشيع، من السابعة، مات سنة تسع وستين ومئة (١٦٩ هـ). يروي عنه: (ت ق). (عن الحكم) بن عُتيبة -مصغرًا- الكندي الكوفي، ثقة ثبت فقيه، من الخامسة، مات سنة ثلاث عشرة ومئة (١١٣ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع). (عن أبي جحيفة) -مصغرًا- وهب بن عبد الله السوائي -بضم المهملة ومد الواو- الكوفي، مشهور بكنيته، الصحابي المعروف ﵁، من صغار الصحابة، مات النبي ﷺ قبل أن يبلغ الحلم، له خمسة وأربعون حديثًا اتفقا على حديثين، وانفرد (خ) بحديثين، و (م) بثلاثة، مات سنة أربع وسبعين (٧٤ هـ). وهذا السند من خماسياته؛ رجاله كلهم كوفيون إلا محمد بن يحيى؛ فإنه نيسابوري، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات. (قال) أبو جحيفة: (قال رسول الله ﷺ : من سن) وأسس للناس (سنة حسنة) أي: خصلة مرضية؛ لموافقتها قواعد الشرع، (فعمل) بالبناء للمفعول؛ أي: عمل الناس (بها بعده) أي: بعد تأسيسه وعمله بها .. (كان له) أي: لذلك الذي سن بها (أجره) أي: أجر عمله بها (ومثل أجورهم من غير أن ينقص) ذلك المثل الذي أعطي (من أجورهم) أي: من أجور العاملين بها (شيئًا) من الأجر.

стр. 641

وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ .. كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهُ وَمِثْلُ أَوْزَارِهِمْ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا". (٨٤) -٢٠٦ - (٦) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ لَيْثٍ، === (ومن سن سنة سيئة) أي: غير مرضية في الشرع، (فعمل) بالبناء للمفعول؛ أي: فعمل الناس (بها) أي: بتلك الخصلة السيئة اقتداء به (بعده) أي: بعد عمله بها تبعًا له .. (كان عليه) أي: على ذلك البادئ (وزره) أي: وزر عمله بها (و) عليه أيضًا (مثل أوزارهم من غير أن ينقص) ذلك المثل (من أوزارهم) أي: من أوزار العاملين بها (شيئًا) من الوزر. وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه صحيح؛ لأن رجاله كلهم ثقات، وغرضه: الاستشهاد به. * * * ثم استأنس المؤلف رحمه الله تعالى للترجمة بحديث أبي هريرة ﵁، فقال: (٨٤) - ٢٠٦ - (٦) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) الحبسي الكوفي. (حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي. (عن ليث) بن أبي سليم - مصغرًا - ابن زنيم - بالزاي والنون مصغرًا - الكوفي، واسم أبيه أيمن، وقيل: غير ذلك، أبو بكر القرشي مولاهم. قال أحمد: مضطرب الحديث، وقال في "التقريب": صدوق اختلط جدًّا، ولم يتميز حديثه فترك، من السادسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (م عم).

стр. 642

عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى شَيْءٍ إِلَّا وُقِفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَازِمًا لِدَعْوَتِهِ مَا دَعَا إِلَيْهِ وَإِنْ دَعَا رَجُلٌ رَجُلًا". === (عن بشير) مكبرًا (بن نَهِيك) -بفتح النون وكسر الهاء آخره كشاف- السدوسي أبي الشعثاء البصري، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع). (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته؛ رجاله ثلاثة منهم كوفيون، وواحد مدني، وواحد بصري، وحكمه: الضعف؛ لأن ليث بن أبي سليم مختلط متروك، وفي "الزوائد": إسناده ضعيف؛ لأن ليث بن أبي سليم ضعفه الجمهور. (قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : ما من داع يدعو) الناس (إلى شيء) أي: إلى أمر من الأمور معروفًا كان أو منكرًا .. (إلَّا وقف) بالبناء للمفعول من وقف المتعدي؛ بمعنى: أوقف، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ (١) أي: إلَّا وقف ذلك الداعي (يوم القيامة) على رؤوس الأشهاد. وقوله: (لازمًا لدعوته) حال من ضمير (وقف) أي: وقف حالة كونه ملازمًا مصاحبًا لدعوته، و (ما) في قوله: (ما دعا إليه) خيرًا أو شرًّا في محل الجر بدل اشتمال من دعوته؛ أي: ملازمًا لها دعا إليه مصاحبًا له غير مفارق عن دعوته، بل معه دعوته، ويحتمل كونه صفة لمصدر محذوف؛ أي: إلَّا وقف وقوفًا لازمًا مستمرًا إلى فصل القضاء لأجل دعوته إلى ما دعا إليه، ويحتمل كون (ما) مفعولًا لازمًا؛ أي: ملازمًا ما دعا إليه لأجل دعوته إليه، فيناقش في دعوته؛ ليؤجر إن دعا إلى خير، ويعاقب إن دعا إلى شر، وقوله: (وإن دعا رجل رجلًا) غاية لوقف؛ أي: وقف للمناقشة في دعوته وإن دعا رجلًا واحدًا فقط.

стр. 643

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه ضعيف (٩) (٣٠)؛ لأن في إسناده ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، وغرضه: الاستئناس به. * * * وجملة ما ذكره في هذا الباب: ستة أحاديث: واحد للاستدلال، وواحد للاستئناس، وأربعة للاستشهاد. والله اعلم

стр. 644

(٤) - (١٥) - بَابُ مَنْ أَحْيَا سُنَّةً قَدْ أُمِيتَتْ (٨٥) - ٢٠٧ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، === (٤) - (١٥) - (باب من أحيا سنة قد أميتت) (٨٥) - ٢٠٧ - (١) حدثنا أبو بكر بن) عبد الله بن محمد بن (أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق). قال: (حدثنا زيد بن الحباب) -بضم المهملة وبموحدة مخففة- ابن الريان التميمي العكلي أبو الحسين الكوفي. قال علي بن المديني والعجلي: ثقة، وكذا قال عثمان عن ابن معين، وقال أبو حاتم: صدوق صالح، وقال في "التقريب": صدوق يخطئ في حديث الثوري، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (م عم). قال: (حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني) اليشكري المدني. قال أبو طالب عن أحمد: منكر الحديث، وقال ابن معين: ضعيف الحديث، وقال الآجري: سئل أبو داوود عنه، فقال: كان أحد الكذابين، وقال الشافعي: ذاك أحد الكذابين أو أحد أركان الكذب، وقال أبو زرعة: واهي الحديث ليس بقوي، وقال في "التقريب": ضعيف، من السابعة. يروي عنه: (د ت ق). قال: (حدثني أبي) عبد الله بن عمرو بن عوف بن زيد بن ملحة اليشكري المزني المدني. روى عن: أبيه، ويروي عنه (د ت ق)، وابنه كثير. ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": مقبول، من الثالثة.

стр. 645

عَنْ جَدِّي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَحْيَا سُنَّة مِنْ سُنَّتِي فَعَمِلَ بِهَا النَّاسُ .. كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ أَوْزَارُ === (عن جدي) عمرو بن عوف المزني المدني ﵁. وهذا السند من خماسياته؛ رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان كوفيان، وحكمه: الضعف؛ لأن كثير بن عبد الله متفق على ضعفه. (أن رسول الله ﷺ قال: من أحيا سنة) أي: أظهرها وأشاعها بالقول أو العمل كائنة (من) جنس (سنتي) بالإفراد، قال الأشرف: ظاهر النظر يقتضي أن يقال: (من سنني) بالجمع، لكن الرواية بصيغة الإفراد. انتهى، فيكون المراد بها الجنس، كما قررناه في الحل. وفي رواية الترمذي زيادة: "قد أميتت بعدي" أي: ترك العمل بها، (فعمل بها) معطوف على (أحيا) عطفًا تفسيريًا؛ أي: فاظهرها بالعمل بها وإشاعتها بالقول والحث عليها، وعمل بها (الناس) بسبب حثهم عليها .. (كان له) أي: لذلك المحيي (مثل أجر من عمل بها) أي: بتلك السنة المتروكة أولًا (من غير أن ينقص) ذلك المثل الذي أعطي (من أجورهم) أي: من أجور العاملين بها (شيئًا) من النقص، أو من الأجر، فهو مفعول به مطلق؛ لأنه حصل له الأجر باعتبار الدلالة والإحياء والحث، وللعاملين باعتبار الفعل، فلم يتواردا على محل واحد حتى يتوهم أن حصول أحدهما ينقص الآخر. (ومن ابتدع) أي: أحدث واخترع (بدعة) أي: خصلة محدثة من بعدي وبعد خلفائي، (فعمل بها) بالبناء للمفعول؛ أي: عمل الناس بالبدعة التي اخترعها .. (كان عليه) أي: على ذلك المخترع (أوزار) أي: آثام

стр. 646

مَنْ عَمِلَ بِهَا، لَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِ مَنْ عَمِلَ بِهَا شَيْئًا". (٨٦) - ٢٠٨ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَي، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ === (من عمل بها) أي: تلك البدعة (لا ينقص) الذي كان عليه (من أوزار من عمل بها شيئًا) من النقص أو العقاب، والمراد بالبدعة المذكورة: هي ما لا يوافق أصول الشرع، كما سبق التنبيه على ذلك. قوله: "فعمل بها" بالبناء للمفعول، كما مر آنفًا، ولم يقل هنا: (فعمل بها الناس) كما قال في السنة؛ إشارة إلى أنه ليس من شأن الناس العمل بالبدع، وإنما كان من شأنهم العمل بالسنة، فالعامل بالبدعة لا يعد من الناس، ويحتمل على بعد أن يكون عَمِلَ علي بناء الفاعل، وفيه ضمير الناس، وإفراده لإفراد الناس لفظًا. انتهى من "السندي". وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته: الترمذي؛ أخرجه في كتاب العلم، باب ما في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، وقال: هذا حديث حسن، قال شارحه: وأخرج هذا الحديث ابن ماجة، والحديث ضعيف؛ لضعف كثير بن عبد الله، وقد اعترض على تحسين الترمذي لحديثه، قال المنذري في "الترغيب" بعد نقل تحسين الترمذي: بل كثير بن عبد الله متروك واه، ولكن للحديث شواهد. انتهى. فحينئذ فالحديث: ضعيف السند، حسن المتن لغيره، والله أعلم، وغرضه بسوقه: الاستدلال به على الترجمة. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عمرو بن عوف المزني ﵁، فقال: (٨٦) -٢٠٨ - (٢) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله الذهلي النيسابوري. قال: (حدثنا إسماعيل) بن عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن

стр. 647

ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي قَدْ أُمِيتَتْ بَعْدِي === أبي عامر الأصبحي أبو عبد الله (بن أبي أويس) المدني، ابن أخت مالك ونسيبه. روى عن: كثير بن عبد الله، وسليمان بن بلال، وإسماعيل بن إبراهيم، ويروي عنه: (خ م د ت ق)، والذهلي، ويعقوب بن حميد، ويعقوب بن سفيان. قال أبو طالب عن أحمد: لا بأس به، وكذا قال عثمان الدارمي عن ابن معين، وقال ابن أبي خيثمة عنه: صدوق ضعيف العقل؛ يعني: أنه لا يحسن الحديث ولا يعرف أن يؤديه أو يقرأ من غير كتابه، وقال في "التقريب": صدوق، أخطأ في أحاديث من حفظه، من العاشرة، مات سنة ست، أو سبع وعشرين ومئتين. قال: (حدثني كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده). وهذا السند من خماسياته؛ رجاله كلهم مدنيون إلَّا محمد بن يحيى؛ فإنه نيسابوري، وحكمه: الضعف، وغرضه بسوقه: بيان متابعة إسماعيل بن أبي أويس لزيد بن الحباب في رواية هذا الحديث عن كثير بن عبد الله. (قال) عمرو بن عوف: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أحيا) وأظهر (سنة من سنتي) وسنة خلفائي بالعمل بها وحث الناس عليها (قد أميتت) وتركت تلك السنة (بعدي) أي: بعد وفاتي، قيل: المراد بالسنة هنا: ما وضعه رسول الله ﷺ من الإحكام، وهي قد تكون فرضًا؛ كزكاة الفطر، وغير فرض؛ كصلاة العيد، وصلاة الجماعة، وقراءة القرآن في غير الصلاة، وتحصيل العلم، وغير ذلك. وإحياؤها: أن يعمل بها ويحرض الناس ويحثهم على إقامتها، قيل: لما استعير الإحياء للعمل بها وحث الناس عليها .. استعير الإماتة لما يقابله من

стр. 648

فَإِنَّ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنَ النَّاسِ لَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِ النَّاسِ شَيْئًا، وَمَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً لَا يَرْضَاهَا اللهُ وَرَسُولُهُ .. فَإِنَّ عَلَيْهِ مِثْلَ إِثْمِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنَ النَّاسِ لَا يَنْقُصُ مِنْ آثَامِ النَّاسِ شَيْئًا". === الترك ومنع الناس عن إقامتها، وهي كالترشح للاستعارة الأولى .. (فإن له) أي: لذلك المحيي (من الأجر) والثواب (مثل أجر من عمل بها من الناس لا ينقص) ذلك المثل الذي أعطي (من أجور الناس شيئًا، ومن ابتدع) واخترع (بدعة) أي: محدثة (لا يرضاها الله) (و) لا (رسوله) ﷺ ، وهذا تقبيح للبدعة، وإلا .. فكل بدعة كذلك بالمعنى الذي ذكرناه، وهو ما لا يوافق أصول الشرع، وقيل: إن فيه تنبيهًا على أن من البدع ما يرضاها الله ورسوله؛ كالتصنيف، وبناء المدارس، ونحو ذلك. قلت: وهذا مبني على أن البدعة مطلق الأمر المحدث بعده ﷺ . (فإن عليه) أي: على ذلك المبتاع (مثل إثم من عمل بها من الناس لا ينقص) ذلك المثل (من أَثام الناس شيئًا) من النقص أو الإثم. وفي رواية الترمذي: (ومن ابتدع بدعة ضلالة) بزيادة ضلالة، قال صاحب "الدين الخالص": قال في "المرقاة": قيد به لإخراج البدعة الحسنة، وزاد في "أشعة اللمعات": لأن فيها مصلحة الدين وتقويته وترويجه. انتهى. وهذا غلط فاحش من هذين القائلين؛ لأن الله ورسوله لا يرضيان بدعةً أيَّ بدعة كانت، ولو أراد النبي ﷺ إخراج الحسنة منها .. لما قال فيما تقدم من الأحاديث: كلّ بدعة ضلالة، وكل محدثة بدعة، وكل ضلالة في النار، كما ورد بهذا اللفظ في حديث آخر، بل هذا اللفظ ليس بقيد في الأصل، بل هو إخبار عن الإنكار على البدع وأنها مما لا يرضاها الله ولا رسوله،

стр. 649

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ (١). وأما ظن مصلحة الدين وتقويته فيها .. فمن وادي قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (٢)، ولا أدري ما معنى قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٣) إن كانت تلك المصلحة في ترويج البدعات، يالله العجب من أمثال هذه القالة! ألم يعلموا أن في إشاعة البدع إماتة السنن، وفي إماتتها إحياء الدين وعلومه؟ ! والذي نفسي بيده؛ إن دين الله الإسلام كامل تام غير ناقص ولا يحتاج إلى شيء في إكماله وإتمامه، ونصوصه مع أدلة السنة المطهرة كافية شافية لجميع الحوادث والقضايا إلى يوم القيامة. انتهى ما في "الدين الخالص" مختصرًا. قلت: قوله: "بدعة ضلالة" يروى بالإضافة، ويجوز أن ينصب موصوفًا وصفة، وهذه الصفة ليست للاحتراز عن البدعة الحسنة، بل هي صفة كاشفة للبدعة، يدلُّ عليه قوله ﷺ : "كلّ بدعة ضلالة" كما في رواية أبي داوود عن العرباض بن سارية ﵁، وقوله: "لا يرضاها الله ورسوله" هو أيضًا صفة كاشفة لقوله: "بدعة". انتهى من "تحفة الأحوذي". * * * ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا حديثين: الأول للاستدلال، والثاني للمتابعة. والله اعلم

стр. 650

(٥) - (١٦) - بَابُ فَضْلِ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ (٨٧) - ٢٥٩ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ === (٥) - (١٦) - (باب فضل من تعلم القرآن وعلمه) (٨٧) - ٢٠٩ - (١) (حدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري. قال: (حدثنا يحيى بن سعيد) بن فروخ (القطان) أبو سعيد البصري. قال: (حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي البصري، (وسفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي. كلاهما (عن علقمة بن مرثد) -بفتح الميم وسكون الراء بعدها مثلثة- الحضرمي، أبي الحارث الكوفي، ثقة، من السادسة. يروي عنه: (ع). (عن سعد بن عبيدة) -بضم العين مصغرًا- السلمي أبي حمزة الكوفي، زوج بنت أبي عبد الرَّحمن المسلمي، ثقة، من الثالثة، مات في ولاية عمر بن هبيرة على العراق. يروي عنه: (ع). (عن) عبد الله بن حبيب (أبي عبد الرَّحمن المسلمي) الكوفي مشهور بكنيته، ولأبيه صحبة، ثقة ثبت، من الثانية، مات بعد السبعين. يروي عنه: (ع). (عن عثمان بن عفان) بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي أمير المؤمنين ذي النورين أبي عمرو المدني، له مئة وستة وأربعون حديثًا، اتفقا على ثلاثة، وانفرد (ع) بثمانية، و (م) بخمسة، كان يحيي الليل كله بركعة، قتل في سابع ذي الحجة يوم الجمعة سنة خمس وثلاثين (٣٥ هـ)، قال عبد الله بن

стр. 651

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : قَالَ شُعْبَةُ: "خَيْرُكُمْ"، وَقَالَ سُفْيَانُ: "أَفْضلُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ". === سلام: لقد فتح الناس على أنفسهم بقتل عثمان باب فتنة لا يغلق إلى يوم القيامة، ﵁ وأرضاه. وهذا السند من سباعياته؛ رجاله واحد منهم مدني، وثلاثة كوفيون، وثلاثة بصريون، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات. (قال) عثمان: (قال رسول الله ﷺ ، قال شعبة) في روايته: (خيركم، وقال سفيان: أفضلكم) أي: إن من خيركم وأفضلكم أيها المسلمون (من تعلم القرآن وعلمه)، قال الطيبي: أي: خير الناس باعتبار التعلم والتعليم من تعلم القرآن وعلمه. انتهى. قال القاري في "المرقاة": ولا يتوهم أن العمل خارج عنهما؛ لأن العلم إذا لَمْ يكن مورثًا للعمل ليس علمًا في الشريعة؛ إذ أجمعوا على أن من عصى الله تعالى .. فهو جاهل. انتهى. قال السندي: والمراد: أن من تعلم القرآن وعلمه من جملة الأخيار، لا أنه أفضل من الكل، وبه يندفع التدافع بين الأحاديث الواردة بهذا العنوان، ثم المقصود في مثله: بيان أن وصف تعلم القرآن وتعليمه من جملة خيار الأوصاف، فالموصوف به يكون خيرًا من هذه الجهة، أو يكون خيرًا مطلقًا إن لَمْ يعارض هذا الوصف معارض، فلا يرد أنه كثيرًا ما يكون المرء متعلمًا أو معلمًا القرآن ويأتي بالمنكرات، فكيف يكون خيرًا؛ وقد يقال: المراد من تعلم القرآن وعلمه مع مراعاته عملًا، وإلا .. فغير المراعي يعد جاهلًا. انتهى. قال الحافظ: فإن قيل: يلزم أن يكون المقرئ أفضل من الفقيه .. قلنا: لأن

стр. 652

(٨٨) - ٢١٠ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، === المخاطبين بذلك كانوا فقهاء النفوس؛ لأنهم كانوا أهل اللسان، فكانوا يدرون معاني القرآن بالسليقة أكثر مما يدريها من بعدهم بالاكتساب، فكان الفقه لهم سجية، فمن كان في مثل شأنهم .. شاركهم في ذلك، لا من كان قارئًا أو مقرئًا محضًا لا يفهم شيئًا من معاني ما يقرأه أو يقرئه، فإن قيل: فيلزم أن يكون المقرئ أفضل ممن هو أعظم منه عناء في الإسلام بالمجاهدة والرباط والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثلًا .. قلنا: حرف المسألة يدور على النفع المتعدي، فمن كان حصوله عنده أكثر .. كان أفضل، فلعل (من) مضمرة في الخبر، ويحتمل أن تكون الخيرية وإن أطلقت لكنها مقيدة بناس مخصوصين خوطبوا بذلك، كان اللائق بحالهم ذلك، أو المراد: خير المتعلمين من يعلّم غيره لا من يقتصر على نفسه انتهى. انتهى من "تحفة الأحوذي". وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته: البخاري؛ أخرجه في كتاب فضائل القرآن، باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه، وأبو داوود؛ أخرجه في كتاب الصلاة، باب فاتحة الكتاب، والترمذي؛ أخرجه في كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء في تعليم القرآن، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه النسائي أيضًا وغيرهم. فدرجته: أنه صحيح، وغرضه بسوقه: الاستدلال به على الترجمة. * * * ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عثمان ﵁، فقال: (٨٨) - ٢١٠ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي. قال: (حدثنا وكيع) بن الجراح الكوفي.

стр. 653

حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَفْضَلُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ". (٨٩) - ٢١١ - (٣) حَدَثَنَا أَزْهَرُ بْنُ مَرْوَانَ، === (حدثنا سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي. (عن علقمة بن مرثد) الحضرمي الكوفي. (عن أبي عبد الرَّحمن المسلمي) عبد الله بن حبيب الكوفي. (عن عثمان بن عفان) أمير المؤمنين ﵁ وأرضاه. وهذا السند من سداسياته؛ رجاله كلهم كوفيون إلَّا عثمان بن عفان؛ فإنه مدني، وحكمه: الصحة، وغرضه بسوقه: بيان متابعة وكيع ليحيى بن سعيد القطان في رواية هذا الحديث عن سفيان الثوري، ولكن في هذا السند علو بدرجة؛ لأنه لَمْ يذكر سفيان سعد بن عبيدة بين علقمة وأبي عبد الرَّحمن، كما في "الترمذي"، قال محمد بن بشار: وهذا أصح؛ لكثرة ناقليه ورواته كما في "الترمذي" أيضًا، وفي السابق نزول بها. (قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه")، وقد تقدم البحث عن هذا الحديث فيما قبله. * * * ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث عثمان بحديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنهما، فقال: (٨٩) - ٢١١ - (٣) (حدثنا أزهر بن مروان) الرقاشي - بتخفيف القاف وشين معجمة - مولى بني هاشم، ولقبه فريخ. روى عن: الحارث بن نبهان،

стр. 654

حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ نَبْهَانَ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ === وحماد بن زيد، وعبد الوارث بن سعيد، وغيرهم، ويروي عنه: (ت ق) وموسى بن هارون، وقال أبو حاتم وابن حبان: مستقيم الحديث، وقال مسلمة الأندلسي: ثقة، وقال في "التقريب": صدوق، من العاشرة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئتين (٢٤٣ هـ). قال: (حدثنا الحارث بن نبهان) الجرمي أبو محمد البصري. روى عن: عاصم بن أبي النجود، والأعمش، وأيوب، ومعمر، وغيرهم، ويروي عنه: (ت ق)، وابن وهب، وأزهر بن مروان، وغيرهم، من الثامنة، مات بعد الستين ومئة. قال أبو حاتم: منكر الحديث متروك الحديث ضعيف الحديث، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال ابن المديني: كان ضعيفًا ضعيفًا، وقال العقيلي: روى حديث: "خيركم من تعلم القرآن"، لا يتابع على سنده، والمتن معروف، وبالجملة: اتفقوا على ضعفه. (حدثنا عاصم بن بهدلة) وهو ابن أبي النجود الأسدي الكوفي المقريّ، صدوق له أوهام، حجة في القراءة، من السادسة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة. يروي عنه: (ع). (عن مصعب بن سعد) بن أبي وقاص الزهري المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة ثلاث ومئة (١٠٣ هـ). يروي عنه: (ع). (عن أبيه) سعد بن أبي وقاص ﵁ الزهري المدني. وهذا السند من خماسياته؛ رجاله اثنان منهم مدنيان، وواحد كوفي، وواحد بصري، وواحد رقاشي، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه راويًا متفقًا على ضعفه؛ وهو الحارث بن نبهان.

стр. 655

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خِيَارُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ"، قَالَ: وَأَخَذَ بِيَدِي فَأَقْعَدَنِي مَقْعَدِي هَذَا أُقْرِئُ. === (قال) سعد بن أبي وقاص: (قال رسول الله ﷺ : خياركم) أي: أفاضلكم جمع خير بسكون الياء؛ وهو من اتصف بالكمالات؛ أي: إن من خياركم، كما تقدم هذا التقدير (من تعلم القرآن وعلمه) لغيره مع العمل به. وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة عن أصحاب الأمهات، وذكره الدارمي في "مسنده". فدرجته: أنه صحيح لغيره؛ لأن له شاهدًا من حديث عثمان المذكور قبله، ومن حديث علي المذكور في "الترمذي"، وإن كان سنده ضعيفًا، وكرضه بسوقه: الاستشهاد به. وقوله: (قال: وأخذ بيدي فأقعد في مقعدي هذا أُقْرِئ) القرآن .. مؤخر عن محله؛ لأن محله بعد حديث عثمان المذكور قبله، كما في "الترمذي". وعبارة الترمذي هنا بعد حديث عثمان مع شرحه: (قال أبو عبد الرَّحمن) السلمي: (فذاك الذي أقعدني مقعدي هذا) والمعنى على هذا: قال سعد بن عبيدة: (قال) لي شيخي أبو عبد الرَّحمن المسلمي: (و"الحال أنه قد (أخذ بيدي فـ) هذا الحديث الذي حدثني به عثمان هو الذي (أقعدني) وأجلسني (مقعدي) أي: مجلسي (هذا) حالة كوفي (أقرئ) القرآن؛ يعني: هو الذي حملني على جلوس مجلسي هذا للإقراء. وفي "الترمذي" أيضًا: (وعلم) أي: أبو عبد الرَّحمن في زمان عثمان حتى بلغ الحجاج)، وفي رواية البخاري (وأقرأ أبو عبد الرَّحمن في إمرة عثمان حتى كان الحجاج)، قال الحافظ: أي حتى ولي الحجاج على العراق، قال: بين أول خلافة عثمان وآخر ولاية الحجاج اثنتان وسبعون سنة إلَّا ثلاثة أشهر، وبين

стр. 656

(٩٠) - ٢١٢ - (٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ === آخر خلافة عثمان وأول ولاية الحجاج العراق ثمان وثلاثون سنة، ولم أقف على تعيين ابتداء إقراء أبي عبد الرَّحمن وآخره، والله أعلم بمقدار ذلك، ويعرف من الذي ذكرته أقصى المدة وأدناها، والقائل: (وأقرأ أبو عبد الرَّحمن ... ) إلى أَخره .. هو سعد بن عبيدة. انتهى كلام الحافظ. ولعل في عبارة المؤلف تأخير جملة: (وأخذ بيدي ... ) إلى آخره عن محله الذي هو عقب حديث عثمان ﵁. * * * ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث عثمان بحديث أبي موسى الأشعري ﵄، فقال: (٩٠) - ٢١٢ - (٤) (حدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري. (ومحمد بن المثنى) بن عبيد العنزي البصري. (قالا) أي: قال كلّ منهما: (حدثنا يحيى بن سعيد) بن فروخ التميمي أبو سعيد البصري. (عن شعبة) بن الحجاج العتكي أبي بسطام البصري. (عن قتادة) بن دعامة السدوسي أبي الخطاب البصري. (عن أنس بن مالك) الأنصاري البصري ﵁. (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس (الأشعري) الكوفي رضي الله تعالى عنه (عن النبي ﷺ .

стр. 657

قَالَ: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْأُتْرُجَّةِ؛ === وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه: أن رجاله كلهم بصريون إلَّا أبا موسى؛ فإنه كوفي، وفيه رواية صحابي عن صحابي. (قال) رسول الله ﷺ : (مثل) بالتحريك؛ أي: صفة (المؤمن الذي يقرأ القرآن) عبر بالمضارع لإفادة تكريره لها ومداومته عليها حتى صارت دأبه وعادته، نظير: فلان يقري الضيف ويحمي الحريم ويعطي، وفي رواية: "يقرأ القرآن ويعمل به". (كمثل الأترجة) أي: كصفة الأترجة -بضم الهمزة والراء وتشديد الجيم- وفي بعض الرواية: "كمثل الأترنجة" -بضم الهمزة وسكون الفوقانية وضم الراء وسكون النون وبتخفيف الجيم- وفيه لغات، قال في "القاموس": الأترج والأترجة والترنجة والترنج معروف، وهي أحسن الثمار الشجرية وأنفسها عند العرب. انتهى. وهي من أفضل الثمار لكبر جرمها وحسن منظرها وطيب طعمها ولين ملمسها ولونها يسر الناظرين، وفيه تشبيه الإيمان بالطعم الطيب؛ لكونه خيرًا باطنيًا لا يظهر لكل أحد، والقرآن بالريح الطيب ينتفع بسماعه كلّ أحد ويظهر محاسنه لكل سامع. انتهى "سندي". وعبارة "تحفة الأحوذي": ووجه التشبيه بالأترنجة؛ لأنَّها من أفضل ما يوجد من الثمار في سائر البلدان وأجدى؛ لأسباب كثيرة جامعة للصفات المطلوبة منها، والخواص الموجودة فيها؛ فمن ذلك كبر جرمها، وحسن منظرها، وطيب مطعمها، ولين ملمسها، تأخذ الأبصار صبغة ولونًا، فاقع لونها تسر الناظرين، تتوق إليها النفس قبل التناول، تفيد آكلها بعد الالتذاذ بذوقها طيب نكهة ودباغ معدة وهضم، واشتراك الحواس الأربع البصر والذوق والشم واللمس في الاحتظاء بها.

стр. 658

طَعْمُهَا طَيِّب وَرِيحُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ؛ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ؛ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ؛ طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا". === (طعمها طيب) أي: حلو (وريحها طيب) أي: عطر (ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن) أي: ويعمل به، كما في رواية شعبة عن قتادة عند البخاري .. (كمثل التمرة؛ طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة) وهي كلّ نبت طيب الريح من أنواع المشموم؛ (ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة) والحنظل نبات يمتد على الأرض كالبطيخ، وثمره يشبه ثمر البطيخ، لكنه أصغر منه جدًّا، ويضرب المثل بمرارته؛ (طعمها مر ولا ريح لها) هكذا في رواية البخاري، وهي أحسن من رواية الترمذي: "ريحها مر، وطعمها مر" لأن الريح لا طعم له؛ إذ المرارة عرض والريح عرض، والعرض لا يقوم بالعرض، ووجه هذا: بأن ريحها لما كان كطعمها .. استعير للكراهة لفظ المرارة؛ لما بينهما من الكراهة المشتركة. قاله العيني. قال الطيبي: التمثيل في الحقيقة وصف لموصوف اشتمل على معنىً معقول صرف لا يبرزه عن مكنونه إلَّا تصويره بمحسوس مشاهد، ثم إن كلام الله تعالى له تأثير في باطن العبد وظاهره، وإن العباد متفاوتون في ذلك؛ فمنهم من له النصيب الأوفر من ذلك التأثير؛ وهو المؤمن القارئ، ومنهم من لا نصيب له البتة؛ وهو المنافق الحقيقي، ومنهم من تأثر ظاهره دون باطنه؛ وهو المرائي، أو بالعكس؛ وهو المؤمن الذي لا يقرؤه، وإبراز هذه المعاني وتصويرها إلى المحسوسات ما هو مذكور في الحديث، ولم

стр. 659

(٩١) - ٢١٣ - (٥) حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ أَبُو بِشْرٍ، === يوجد ما يوافقها ويلائمها أقرب ولا أحسن ولا أجمع من ذلك؛ لأن المشبهات والمشبه بها واردة على تقسيم الحاصل؛ لأن الناس إما مؤمن أو غير مؤمن، والثاني إما منافق صرف، أو ملحق به، والأول إما مواظب على القراءة أو غير مواظب عليها، وعلى هذا فقس الأثمار المشبه بها، ووجه الشبه في هذه المذكورات منتزع من أمرين محسوسين؛ طعم وريح، وليس بمفرق؛ كما في قول امرئ القيس: كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته: البخاري؛ أخرجه في كتاب فضائل القرآن، باب فضل القرآن على سائر الكلام، وأخرجه أيضًا في الكتاب نفسه، باب إثم من راءى بقراءة القرآن أو تأكَّل به أو فخر به، وأخرجه أيضًا في كتاب الأطعمة، باب ذكر الطعام، وأخرجه أيضًا في كتاب التوحيد، باب قراءة الفاجر والمنافق، ومسلم؛ أخرجه في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضيلة حافظ القرآن، وأبو داوود؛ أخرجه في كتاب الأدب، باب من يؤمر أن يجالس، والترمذي؛ في كتاب الأمثال، باب ما جاء في مثل المؤمن القارئ وغير القارئ، والنسائي؛ أخرجه في كتاب الإيمان، باب مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن، فاشترك أصحاب الأمهات في روايته. فدرجته: أنه في أعلى درجات الصحة، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به. * * * ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث عثمان بحديث أنس ﵄، فقال: (٩١) - ٢١٣ - (٥) (حدثنا بكر بن خلف) البصري (أبو بشر) ختن

стр. 660

حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بُدَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ === أبي عبد الرَّحمن المقرئ. روى عن: عبد الرَّحمن بن مهدي، وابن عيينة، ومعتمر بن سليمان، وجماعة، ويروي عنه: (د ق)، وعبد الله بن أحمد، وحنبل بن إسحاق، وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": صدوق، من العاشرة، مات بعد سنة مئتين وأربعين. يروي عنه: (د ق). قال: (حدثنا عبد الرَّحمن بن مهدي) بن حسان الأزدي مولاهم أبو سعيد البصري، ثقة ثبت حافظ، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ) بالبصرة، وكان يحج كلّ سنة. يروي عنه: (ع). قال: (حدثنا عبد الرَّحمن بن بديل) بن ميسرة العقيلي البصري. روى عن: أبيه، وعوسجة العقيلي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويروي عنه: (س ق)، وابن مهدي، وأبو داوود الطيالسي قال حدثنا عبد الرَّحمن بن بديل، وكان ثقةً صدوقًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف، وقال أبو الفتح الأزدي: فيه لين، وقال في "التقريب": لا بأس به، من الثامنة. (عن أبيه) بديل - مصغرًا - ابن ميسبرة العقيلي -بضم العين - البصري. روى عن: أنس، وصفية بنت شيبة، ويروي عنه: (م عم)، وابنه عبد الرَّحمن بن بديل، وشعبة، وحماد بن زيد، وخلق، ثقة، من الخامسة، مات سنة خمس وعشرين أو ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ). (عن أنس بن مالك) الأنصاري البصري خادم رسول الله ﷺ ﵁.

стр. 661

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ للهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَنْ هُمْ؛ قَالَ: "هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ أَهْلُ اللهِ وَخَاصَّتُهُ". (٩٢) - ٢١٤ - (٦) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ الْحِمْصِيُّ، === وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه: أن رجاله كلهم بصريون، وحكمه: الحسن؛ لأن عبد الرَّحمن بن بديل مختلف فيه. (قال) أنس: (قال رسول الله ﷺ : إن لله) (أهلين) - بكسر اللام - جمع أهل، معرب بإعراب جمع المذكر السالم؛ لأنه من ملحقاته؛ إذ لَمْ يستوف الشروط؛ لأنه اسم جمع منصوب بالياء على أنه اسم إن مؤخر، وإنما جمعه تنبيهًا على كثرتهم (من الناس، قالوا: يارسول الله؛ من هم؟ قال: هم أهل القرآن) أي: حفظة القرآن يقرؤونه آناء الليل وأطراف النهار العاملون به؛ لأنهم (أهل الله وخاصته) أي: أولياؤه المختصون به اختصاص أهل الإنسان به. وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه حسن؛ لأن في رجاله مختلفًا فيه، وغرضه: الاستشهاد به. * * * ثم استأنس المؤلف رحمه الله تعالى للترجمة بحديث علي بن أبي طالب ﵁، فقال: (٩٢) - ٢١٤ - (٦) (حدثنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي) أبو حفص القرشي، مولاهم مولى بني أمية. روى عن: أبيه، ومحمد بن حرب الخولاني، والوليد بن مسلم، ومروان بن معاوية، وابن عيينة، وغيرهم، ويروي عنه: (د س ق)، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والذهلي، وغيرهم.

стр. 662

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ أَبِي عُمَرَ، === قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ)، ووثقه النسائي وأبو داوود ومسلمة، وقال في "التقريب": صدوق، من العاشرة. يروي عنه: (د س ق). قال: (حدثنا محمد بن حرب) الخولاني أبو عبد الله الحمصي، المعروف بالأبرش، كاتب محمد بن الوليد الزبيدي. روى عن: الأوزاعي، وابن جريجٍ، وعبيد الله بن عمر العمري، وغيرهم، ويروي عنه: (ع)، وعمرو بن عثمان، ومحمد بن المصفى، وهشام بن عمار، وأبو الربيع سليمان بن داوود، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة ثقة، وقال العجلي ومحمد بن عوف والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ)، وقال في "التقريب": ثقة، من التاسعة. (عن أبي عمر) حفص بن سليمان الأسدي البزاز الكوفي القارئ، ويقال: الغاضري - بمعجمة وراء - نسبة إلى غاضرة بن الملك، ويعرف بحفيص، وهو حفص بن أبي داوود، قرأ على عاصم بن أبي النجود، وكان ابن امرأته. وروى عنه، وعن عاصم الأحول، وعبد الملك بن عمير، وليث بن أبي سليم، وكثير بن زاذان، وغيرهم، ويروي عنه: (ت ق)، ومحمد بن حرب الخولاني، وغيرهم. قال علي بن المديني: ضعيف الحديث، وقال البخاري: تركوه، وقال مسلم: متروك، وقال النسائي: ليس بثقة ولا يكتب حديثه، وقال في موضع آخر: متروك الحديث، وقال صالح بن محمد: لا يكتب حديثه، وأحاديثه كلها مناكير، وبالجملة: اتفقوا على ضعفه، وذكره البخاري في "الأوسط" في فصل

стр. 663

عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَاذَانَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَحَفِظَهُ === من مات من ثمانين إلى تسعين ومئة، وقال في "التقريب": متروك الحديث، من الثامنة، مات سنة ثمانين ومئة (١٨٠ هـ). (عن كثير بن زاذان) النخعي الكوفي. روى عن: عاصم بن ضمرة، وعبد الرَّحمن بن أبي نُعْم، وأبي حازم سلمان الأشجعي، ويروي عنه: (ت ق)، وحفص بن سليمان الغاضري، وحماد بن واقد. قال ابن معين: لا أعرفه، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه وأبي زرعة: شيخ مجهول، له عندهما حديث واحد في فضل القرآن، قال الترمذي: لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه ليس له إسناد صحيح، وقال في "التقريب": نخعي كوفي مجهول، من السابعة. (عن عاصم بن ضمرة) السلولي الكوفي. روى عن: علي. يروي عنه: (عم)، وكثير بن زاذان، وأبو إسحاق السبيعي. قال علي بن المديني والعجلي: ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال خليفة بن خياط: مات في ولاية بشر بن مروان سنة أربع وسبعين (٧٤ هـ). يروي عنه: (عم). (عن علي بن أبي طالب) ﵁. وهذا السند من سداسياته؛ رجاله ثلاثة منهم كوفيون، واثنان شاميان، وواحد مدني، وحكمه: الضعف جدًّا؛ لأن فيه راويين ضعيفين جدًّا، كما مر آنفًا. (قال) علي: (قال رسول الله ﷺ : من قرأ القرآن) بالغيب أو بالنظر إلى المصحف، (وحفظه) أي: بمراعاة حقوقه بالعمل والقيام بموجبه،

стр. 664

أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ، وَشَفَّعَهُ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ كُلُّهُمْ قَدِ اسْتَوْجَبَ النَّارَ". === أو المراد بالقراءة القراءة بالنظر، وبالحفظ قراءته غيبًا، والواو لا تفيد الترتيب، ويحتمل أن المعنى: من حفظ القرآن وداوم على قراءته بعد ذلك ولا يتركه، ويحتمل أن المعنى: من داوم على قراءته حتى حفظه، وعلى الوجهين ينبغي أن يعتبر مع ذلك العمل به أيضًا؛ إذ غير العامل يعد جاهلًا، ورواية الترمذي صريحة في أنه يقرأ بالغيب ويعمل به؛ حيث قال: "من قرأ القرآن واستظهره" أي: حفظه، يقال: قرأت القرآن عن ظهر قلبي؛ أي: قرأته من حفظي، قاله الجزري، "فأحل حلاله، وحرم حرامه" أي: اعتقد حلاله حلالًا وحرامه حرامًا. انتهت روايته مع شرحها. (أدخله الله) ، وفي رواية زيادة: "به" أي: بالقرآن (الجَنَّة) أي: ابتداءً، وإلا .. فكل مؤمن يدخلها، (وشفعه) - بتشديد الفاء - أي: قَبِلَ شفاعته (في عشرة من أهل بيته كلهم) أي: كلّ من العشرة (قد استوجب) واستحق (النار)، ووحد الفعل نظرًا للفظ كل؛ أي: قد استوجبوا واستحقوا دخول النار بسبب ذنوبهم لا بالكفر نعوذ بالله منه، قال الطيبي: وفيه رد على من زعم أن الشفاعة إنما تكون في رفع المنزلة دون حط الوزر؛ بناءً على ما افتروه أن مرتكب الكبيرة يجب خلوده في النار ولا يمكن العفو عنه، والوجوب هنا على سبيل المواعدة. انتهى. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أحمد، والدارمي، والترمذي؛ أخرجه في كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل قارئ القرآن، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، وليس له إسناد صحيح، وحفص بن سليمان أبو عمر بزاز كوفي يضعف في الحديث متروك مع

стр. 665

(٩٣) - ٢١٥ - (٧) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَوْدِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، === إمامته في القراءة؛ وهو حفص بن أبي داوود القارئ صاحب عاصم. فدرجته: أنه ضعيف جدًّا (١٠) (٣١)، وغرضه: الاستئناس به للترجمة. * * * ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى رابعًا لحديث عثمان بحديث أبي هريرة ﵄، فقال: (٩٣) - ٢١٥ - (٧) (حدثنا عمرو بن عبد الله) بن حنش -بفتح المهملة والنون بعدها معجمة- (الأودي) الكوفي. روى عن: أبي أسامة، ووكيع، وأبي معاوية، وغيرهم، ويروي عنه: (ق)، وأبو حاتم، وابن خزيمة، وابن أبي داوود، وآخرون. قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": ثقة، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ). قال: (حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي، مولاهم الحافظ الكوفي مشهور بكنيته، ثقة ثبت ربما دلس، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع). (عن عبد الحميد بن جعفر) بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصاري الأوسي أبي الفضل المدني. روى عن: سعيد المقبري، والعلاء بن عبد الرَّحمن، والزهري، وغيرهم، ويروي عنه: (م عم)، وعمرو بن عبد الله الأودي، وابن المبارك، وهشيم، ووكيع، ويحيى القطان، وغيرهم. قال أحمد: ثقة ليس به بأس، سمعت يحيى بن سعيد يقول: كان سفيان الثوري يضعفه، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في

стр. 666

عَنِ الْمَقْبُرِيّ، عَنْ عَطَاءٍ مَوْلَى أَبِي أَحْمَدَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَاقْرَؤُوهُ === "الثقات"، وقال في "التقريب": صدوق رمي بالقدر وربما وهم، من السادسة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئة (١٥٣ هـ). (عن) سعيد بن أبي سعيد كيسان (المقبري) أبي سعد المدني، ثقة، من الثالثة، تغير قبل موته بأربع سنين، مات في حدود العشرين ومئة، وقيل قبلها، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع). (عن عطاء مولى أبي أحمد) بن جحش المدني. روى عن: أبي هريرة حديث: "تعلموا القرآن وقوموا به ... " الحديث، ويروي عنه: سعيد المقبري، ذكره ابن حبان في "الثقات"، أخرجوا له هذا الحديث الواحد، وحسنه الترمذي. قلت: قرأت بخط الذهبي أنه لا يعرف، وقال في "التقريب": مقبول، من الثالثة. يروي عنه: (ت س ق). (عن أبي هريرة) المدني ﵁. وهذا السند من سداسياته؛ رجاله أربعة منهم مدنيون، واثنان كوفيان، وحكمه: الحسن؛ لأن عبد الحميد بن جعفر مختلف فيه. (قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : تعلموا القرآن) أي: لفظه ومعناه، قال أبو محمد الجويني: تعلم القرآن وتعليمه فرض كفاية؛ لئلا ينقطع عدد التواتر فيه فلا يتطرق إليه تبديل ولا تحريف، قال الزركشي: وإذا لَمْ يكن في البلد أو القرية من يتلو القرآن .. أثموا بأسرهم. انتهى "تحفة". (واقرؤوه) وفي رواية: "فاقرؤوه"، قال الطيبي: والفاء في قوله فاقرؤوه مثل ثم في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ (١) أي: تعلموا القرآن وداوموا

стр. 667

وَارْقُدُوا؛ فَإِنَّ مَثَلَ الْقُرْآنِ وَمَنْ تَعَلَّمَهُ فَقَامَ بِهِ كَمَثَلِ جِرَابٍ مَحْشُوٍّ مِسْكًا يَفُوحُ رِيحُهُ كُلَّ مَكَانٍ، وَمَثَلُ مَنْ تَعَلَّمَهُ فَرَقَدَ === على قراءته مع العمل بمقتضاه، يدلُّ عليه التعليل بقوله: "فإن مثل القرآن". وقوله: (وارقدوا) أي: ناموا بعض لياليكم ولا تسهروا طول الليل، ذكره للتنبيه على أن قارئ القرآن لا يمنع من النوم ولا يعاقب عليه إذا كان مع أداء حق القرآن، وإنما يعاقب عليه إذا لزم عليه عدم أداء حق القرآن. وقوله: (فإن مثل القرآن) تعليل للأمر بتعلمه وقراءته؛ أي: وإنما أمرتكم بهما؛ لأن صفة القرآن (و) صفة (من تعلمه فقام به) أي: تشمر لأداء حقه قراءةً وعملًا (كمثل جراب) - بكسر الجيم -: وعاء معروف متخذ لنحو مسك، وفي "الصحاح": والعامة تفتحها، وفي "القاموس": ولا يفتح، أو هي لغية، وفي القسط: من باب اللطف قول من قال: لا تكسر القصعة ولا تفتح الجراب، وخص الجراب هنا بالذكر احترامًا؛ لأنه من أوعية المسك. وقوله: (محشو) - بتشديد الواو على وزن مدعو - بالجر صفة لجراب، أي: مملوء ملأً شديدًا بأن حشي به حتى لَمْ يبق فيه متسع لغيره (مسكًا) بالنصب على التمييز (يفوح ريحه) أي: يظهر ويعبق ريحه في (كلّ مكان) وتصل رائحته إلى من له شم، قال ابن الملك: يعني: صدر القارئ كجراب، والقرآن فيه كالمسك؛ فإنه إذا قرأ .. وصلت بركته إلى تاليه وسامعيه. انتهى. قال القاري: ولعل إطلاق المكان للمبالغة، ونظيره قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (١)، ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢)، مع أن التدمير والإيتاء خاص. (ومثل من تعلمه) بالرفع والنصب؛ أي: مثل من تعلم القرآن (فرقد) أي:

стр. 668

وَهُوَ فِي جَوْفِهِ كَمَثَلِ جِرَابٍ أُوكِيَ عَلَى مِسْكٍ". (٩٤) - ٢١٦ - (٨) حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ === نام عن القيام به، وغفل عن القراءة، أو هو كناية عن ترك العمل (وهو) أي: والحال أن القرآن (في جوفه) أي: في قلبه (كمثل جراب) أي: كيس (أوكي) بالبناء للمفعول، من أوكيت السقاء إذا ربطت فمه بالوكاء، والوكاء - بالكسر -: خيط تشد به الأوعية؛ أي: ربط (على مسك) والمعنى: أنه ملأه مسكًا، وربط فمه على المسك؛ أي: لأجله. قال الطيبي: أي: شد بالوكاء وهو الخيط الذي تشد به الأوعية، قال المظهر: فإن من قرأ .. يصل بركته منه إلى بيته وإلى السامعين، ويحصل استراحة وثواب إلى حيث يصل صوته؛ فهو كجراب مملوء من المسك، إذا فتح رأسه .. تصل رائحته إلى كلّ مكان حوله، ومن تعلم القرآن ولم يقرأ .. لَمْ يصل بركته منه إلى شيء لا إلى نفسه ولا إلى غيره، فيكون كجراب مشدود رأسه، وفيه مسك، فلا يصل رائحته منه إلى أحد. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي؛ أخرجه في كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل سورة البقرة وآية الكرسي، وقال: هذا حديث حسن، وأخرجه النسائي وابن حبان في "صحيحه". فدرجته: أنه حسن؛ لأن في سنده راويًا مختلفًا فيه؛ وهو عبد الحميد بن جعفر، وغرضه: الاستشهاد به. * * * ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى خامسًا لحديث عثمان بحديث عمر بن الخطاب ﵄، فقال: (٩٤) - ٢١٦ - (٨) (حدثنا أبو مروان محمد بن عثمان) بن خالد الأموي

стр. 669

الْعُثْمَانِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ أَبِي الطُّفَيْلِ أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ لَقِيَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِعُسْفَانَ === (العثماني) المدني، صدوق يخطيء، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (س ق). قال: (حدثنا إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف الزهري أبو إسحاق المدني، ثقة، من الثامنة، مات سنة خمس وثمانين ومئة (١٨٥ هـ). يروي عنه: (ع). (عن) محمد بن مسلم (ابن شهاب) الزهري المدني. (عن عامر بن واثلة) - بالمثلثة - ابن عبد الله بن عمرو بن جحش الليثي (أبي الطفيل) المكي، ولد عام أحد، وأثبت مسلم وابن عدي صحبته ورؤيته للنبي ﷺ ، وهو آخر من مات من الصحابة على الإطلاق، مات بمكة سنة عشر ومئة (١١٠ هـ)، وقال صالح بن أحمد عن أبيه: أبو الطفيل مكي ثقة. يروي عنه: (ع). (أن نافع بن عبد الحارث) بن خالد بن عمير بن الحارث الخزاعي المكي، صحابي من مسلمة الفتح، وأمره عمر على مكة، وأقام بها إلى أن مات، وقيل: إنه أسلم يوم الفتح، وأقام بمكة ولم يهاجر (لقي) أي: نافع (عمر بن الخطاب) - بالنصب - أمير المؤمنين ﵁. وهذا السند من سداسياته، رجاله أربعة منهم مدنيون، واثنان مكيان، ومن لطائفه: أنه اجتمع فيه ثلاثة من الصحابة على ما قيل، أو اثنان منهم، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات. أي: أن نافع بن عبد الحارث لقي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (بعسفان) -بضم العين المهملة وسكون السين المهملة- واد بين مكة والمدينة قريب إلى

стр. 670

وَكَانَ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى مَكَّةَ، فَقَالَ عُمَرُ: مَنِ اسْتَخْلَفْتَ عَلَى الْوَادِي؟ قَالَ: اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْهِمُ ابْنَ أَبْزَى، قَالَ: وَمَنِ ابْنُ أَبْزَى؟ قَالَ: رَجُلٌ مِنْ مَوَالِينَا، قَالَ عُمَرُ: فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلىً؟ ! قَالَ: إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ قَاضٍ، قَالَ عُمَرُ: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ ﷺ === مكة، (وكان) عمر بن الخطاب (استعمله) أي: أمَّره (على مكة) المكرمة، وعسفان تحت إمارة مكة، (فقال عمر) بن الخطاب لنافع بن عبد الحارث أمير مكة: (من استخلفت) يا نافع؟ بالاستفهام الاستخباري؛ أي: من الذي أمرته (على) أهل هذا (الوادي) يعني: وادي عسفان؟ (قال) نافع بن الحارث لعمر: (استخلفت) وأمرت (عليهم) أي: على أهل هذا الوادي عبد الرَّحمن (بن أبزى) -بفتح الهمزة وسكون الباء بعدها زاي مقصورًا- الخزاعي مولاهم صحابي صغير، وكان في عهد عمر رجلًا، وكان واليًا على خراسان لعلي، له (١٢) اثنا عشر حديثًا، (قال) عمر: (ومن ابن أبزى؛ ) أي: ومن هو ابن أبزي، من أي قبيلة؟ (قال) نافع: هو (رجل من موالينا) أي: من موالي الخزاعيين وحلفائهم. (قال عمر) لنافع: فهل عدمت رجلًا من قريش (فاستخلفت) وأمرت (عليهم) أي: على أهل هذا الوادي (مولىً) من مواليهم؛ أي: حليفًا من حلفائهم؟ (قال) نافع: (إنه) أي: إن ابن أبزى (قارئ لكتاب الله تعالى) أي: حافظ القرآن (عالم بالفرائض) أي: بقسمة الفرائض والمواريث (قاض) أي: قاض بالحق عارف بالقضاء بين الناس بحكم شرع الله تعالى. (قال عمر) تقريرًا لاستحقاقه الاستخلاف: (أما) حرف تنبيه واستفتاح؛ أي: انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم، (إن نبيكم) محمدًا (صلى الله عليه وسلم
следующие страницы →